Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الفطنة والإلهام ليس من العلم الباطني
فظهر مما ذكرت أن حديث أبي هريرة وقوله ليس فيه أية حجة للذين يفصلون الباطن عن الظاهر.
وكثير من الصحابة أوتي فطنة أكثر من الآخر، فمن العجب أن يأتوا إلى الفطن إذا بصر الله له أمره فأخبره عن شيء فحدث في المستقبل كما أخبر، فيقولون: هذا عنده علم باطن لمجرد توقع واحتمال قاله فصدقه الله في المستقبل، فيقولون: هذا عنده علم باطن.
والواقع أن الأمر بخلاف هذا، فعندنا في صحيح البخاري أن النبي ﵌ صعد على المنبر يوماً وقال: (إن الله خير عبداً بين زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده) فبكى أبو بكر ﵁ وقال: (نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله) فصار الناس يتعجبون لِمَ يبكي هذا الشيخ؟ مع أن كلام النبي ﷺ كلام طبيعي.
قال أبو سعيد: (فتعجبنا للشيخ لم يبكي؟ ثم علمنا أنه كان أفهمنا، فكان المخير هو رسول الله ﷺ ، وكان هذا اقتراب أجله) أي: أنه سيموت، فهمها أبو بكر مع أن الكلام عام، ولم يفهمها الصحابة، فهذا من باب قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] .
عمر عندما أرسل جيشه يقاتل وبين عمر والجيش آلاف الأميال، صعد عمر على المنبر، فبينما هو يخطب إذ قال: (يا سارية! الجبل الجبل) كلام معترض لا علاقة له بالخطبة، فلما كتب الله النصر للجيش ورجع، قال الأمير: يا أمير المؤمنين، كأني سمعت صوتك وأنت تقول: (يا سارية! الجبل الجبل) ، فلما اعتصمنا بالجبل نصرنا الله .
فـ عمر حصل عنده كشف، وهذا إلهام من الله لـ عمر: (ومعنى (الجبل الجبل) أي: الزم الجبل واجعل ظهرك بالجبل، وكان الأعداء يأتونه من قبل الجبل، قال: (يا سارية! الجبل الجبل) فلما سمع سارية هذا جعل ظهره للجبل فنصره الله .
هذا من عاقبة الإخلاص الذي إن جمعه عبد في صدره آتاه الله حكمة، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن يكن منكم ملهمون فـ عمر) ، وفي رواية أخرى: (إن يكن منكم محدثون فـ عمر) (محدثون) : أي: من السماء.
وفي الحديث الحسن: (لو كان بعدي نبي لكان عمر) كل هذا توفر لـ عمر، فعندما قال: (يا سارية! الجبل الجبل) هذا إلهام من الله ليس له علاقة بالباطن الذي يقصده القرامطة وغلاة الصوفية، وإلا فإن الباطن هنا مهم، وهو إخلاص النية لله ، وأن يكون باطن الرجل كظاهره.
إذاً: خلاصة الكلام في هذا الأمر أنه لا يوجد شيء اسمه (علم الباطن) على طريقة القرامطة والإسماعيلية وغلاة الصوفية، ولا يوجد إطلاقاً ظاهر في الشرع لا علاقة له بالباطن أبداً، إنما هناك باطن يكون ظاهراً لبعض الناس وباطناً لعامة الخلق.
ففي مثل قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] المعنى الذي ذكرته لا يتفطن إليه إلا علماء قلائل، فهو بالنسبة للناس جميعاً باطن لا يعرفونه، بل كثير من علوم الشريعة الظاهرة تعتبر باطنة لكثير من الناس لا يعرفونها، فإن كان الباطن بهذا الاعتبار كان صحيحاً بشرط أن يكون له علاقة باللفظ.
هذا هو تفسير الباطن الذي يقره الإسلام، أما بغير هذا فقد أفضنا فيه القول.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
ونسأل الله أن يهدينا للتي هي أحسن وللتي هي أقوم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 37
العلم الذي كتمه أبو هريرة ليس مما يحتاج إليه
قال أبو هريرة: (إني أخذت جرابين من علم فأما واحد فبسطته فيكم، وأما الآخر فلو قلته لقطع مني هذا البلعوم أو هذا الحلقوم) وهذا لا دلالة فيه للباطنية للآتي: أولاً: أنه لا يجوز كتمان العلم الشرعي، فلو أتى رجل وقال: يا أبا هريرة إني بعدما توضأت أكلت طعاماً هل عليَّ وضوء؟ لا ينبغي لـ أبي هريرة أن يكتم هذا العلم؛ لأنه لو كتمه لصار هذا الرجل لا يعرف أصلاته صحيحة أم باطلة، ووضوءه صحيح أم باطل.
ولو قال له: إني قمت من النوم جنباً ووجدت ولم أجد ماء، أأترك الصلاة حتى أجد الماء أم ماذا أفعل؟ ينبغي على أبي هريرة أن يقول له
الجواب
إن فقدت الماء وأنت جنب فتيمم لرفع الجنابة ولا ينبغي لأي صحابي أو تابعي أن يكتم مثل هذا العلم.
أما العلم الذي كتمه أبو هريرة فهو علم الفتن والملاحم التي تكون بين يدي الساعة، فإن الملوك وأعوان الملوك يدخل عليهم الغم أن يعلموا أن دولتهم ستزول، فلو قال أبو هريرة: إني سمعت النبي ﷺ يقول مثلاً: إن ملك بني أمية سيزول، لعلهم يقتلونه، مع أن هذا ليس فيه شيء من العلم الذي ينتفع به الناس، فكتمانه لا شيء فيه.
ولذلك قال عبد الله بن عمر: (والله لو حدثكم أبو هريرة فقال: إنكم تهدمون بيت الله، لقلتم: كذب أبو هريرة، ولو حدثكم أبو هريرة فقال: إن أميركم سيضرب الكعبة بالمنجنيق فيهدمها؛ لقلتم: كذب أبو هريرة) هذا هو العلم الذي خبأه أبو هريرة ولا فائدة للعامة فيه.
ولذلك مما يدل عليه أن أبا هريرة قال: (اللهم أني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان) ما هو رأس الستين وما هي إمارة الصبيان التي استعاذ منها أبو هريرة؟ رأس الستين، أي: سنة ستين هجرية، ففي سنة ستين هجرية صار يزيد بن معاوية هو الأمير، فهذه هي إمارة الصبيان.
الله استجاب لـ أبي هريرة فمات سنة ثمانية وخمسين، وفي رواية: (سنة تسع وخمسين) .
هذا من العلم الذي كتمه أبو هريرة، ولو أتى وقال: إنك صبي غر ستأخذ الإمارة على رأس ستين لقتلوه.
فالمقصود أن أبا هريرة كتم علماً لا يهم العامة ولا ينبني عليه عمل يذكر، إنما هو في الفتن والملاحم وفي دلائل النبوة.
стр. 38
لزوم علاقة باطن الكلام بظاهره
الكلمة لابد أن يكون ظاهرها كباطنها، أو يكون بينهما قاسماً مشتركاً وإلا كانت خطأ.
فمثلاً: في قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٩] ، (المطهرون) : يقول الفقهاء: عند مس المصحف لابد من الطهارة من الحدث الأكبر اتفاقاً، أما الحدث الأصغر فعلى خلاف بينهم، فلو قال قائل: (لا يمسه إلا المطهرون) أي لا يدرك حقائق القرآن ولا ينتفع بها إلا طاهر القلب كان هذا معنى صحيحاً؛ لأن له علاقة بظاهر اللفظ ولا ينافيه.
وحديث النبي ﵌: (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب أو جنب) ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لو قال قائل هنا إن القلب لا تدخله حقائق الإيمان إن كان فيه كبر أو غش وسواد لكان هذا ملائماً للمعنى العام) .
فلابد أن يكون هناك علاقة ولو من طرفٍ خفي بين ظاهر اللفظ وبين باطنه، أما أن يشرق اللفظ ويغرب الباطن فهذا من فعل القرامطة الإسماعيلية وغلاة الصوفية، وهذا باطل بلا شك.
стр. 39
العلم الباطني عند الباطنية واستدلالهم له
قالت الصوفية الذين يحتجون على أهل السنة ويقولون لهم: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، قالوا: إن فيما تروون ما يؤيد مذهبنا، بل هو في صحيح البخاري! قالوا: قول أبي هريرة ﵁: (أخذت من النبي ﵌ جرابين من العلم: فأما واحد فبسطته بينكم، وأما الآخر فلو ذكرته لقطع مني هذا البلعوم) قالوا: إذاً أبو هريرة كتب شيئاً من العلم أخفاه، وعنده باطن لم يقله للناس، فهذا يؤيد ما نذهب إليه من أن هناك علوماً تخالف ظاهر ما يعرفه الناس ولا ينبغي أن يعرفوها وإلا ضلوا؟
стр. 40
تحديث الناس بما يعرفون أمر شرعي لا دلالة للباطنية فيه
الجواب
أن هذا حق اختلط بباطل كثير، ولكن لا ينبغي أن يحدث الناس إلا بما يعرفون، كذا أمرنا نبينا ﷺ وكذا فهم أصحابه.
روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) وهذا شيء طبيعي أن تنزل الكلام على قدر عقول الناس، فيجوز لك أن تكتم بعض العلم عمن تتصور أنه يفسد إذا ألقيت عليه هذا العلم، هذا أمر لا ينكر في الشريعة وله شواهد كثيرة.
فمثلاً: قام رجل يخطب في إحدى القرى والأرياف، والغالب على أهل الأرياف أنهم فلاحون بسطاء، ولعل أكثرهم لم يتلقَّ شيئاً من العلم وإنما أخذوا من القراءة والكتابة أبجدياته، فصعد على المنبر ففسر قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] بأن الكفار هنا هم الزراع، فالقاعدون قالوا: تحكم علينا بالكفر؟ أنحن كافرون؟ فقال لهم: لا.
وإنما المقصود كذا وكذا، فلم يسمع أحد، فكان يقول: اقرءوا ابن كثير وابن جرير والطبري والقرطبي، فلا يسمع أحد، فهذا هو الخطأ، أن يأتي على أقوام لا يفهمون أبجديات العلوم فيحدثهم كما لو كانوا جميعاً من علماء الأمة، فهذا لا ضير عليه ألا يقوله.
كذلك أنس بن مالك ﵁ كما في صحيح البخاري حدث الحجاج بن يوسف الثقفي الأمير الظالم المشهور بحديث العرنيين، وحديث العرنيين: أن جماعة أسلموا فاجتووا المدينة، أي: كرهوها وملوها وكانت مكة أطيب هواءً من المدينة، فلما هاجر الصحابة من مكة إلى المدينة مرضوا، فمرض أبو بكر وبلال وسعد وجماعة؛ لأن جو المدينة غير صحي وفيه حمى كثيرة، ولأن المدينة ستصبح دولة الإسلام، قال ﵊: (اللهم حبب إلينا المدينة حبنا لمكة أو أشد) .
فالقوم الذين هاجروا يجب أن يحبوا الوطن الجديد حتى يعمروا فيه، فكرهوا المدينة لخبث هوائها وسوء جوها، فقال النبي ﷺ : (اللهم حبب إلينا المدينة حبنا لمكة أو أشد، اللهم أخرج حماها إلى الجحفة) والجحفة من أعمال مكة، وهي قرية خربت الآن، وهي ميقات أهل مصر، إذا خرج الحجاج من مصر فميقاتهم الجحفة، لكن الجحفة خربت فاستبدلوها برابغ، وهي قرية قريبة من الجحفة.
فقال ﵊: (إني ليلة أمس رأيت امرأة سوداء الشعر، سوداء الوجه، كثيرة الشعر، خرجت من المدينة وقعدت في الجحفة فأولتها الحمى) فصارت المدينة أحب إلى الصحابة من أي مكان آخر.
فأولئك العرنيون اجتووا المدينة: أي كرهوها وكرهوا المقام بها وسقمت صحتهم، فذهبوا يشكون إلى النبي ﷺ ، فقال: (الحقوا براعي كذا -وكان راعياً على إبل الصدقة- فاشربوا من أبوال الإبل وألبانها) وهذا دليل على أن بول الإبل طاهر، قال الفقهاء: وبول كل ما يؤكل لحمه طاهر أيضاً.
فلو أن البقرة أو الجاموسة تبولت ووصل إلى ثوبك بعض البول يرون أن هذا لا شيء فيه؛ لأنه لو كان بول الإبل نجساً لما أمر النبي ﷺ أولئك العرنيين بشربه.
فذهبوا فشربوا من أبوالها وألبانها، وقتلوا الراعي، وأخذوا الإبل، فأرسل النبي ﷺ يطلبهم، فلما جيء بهم قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، أي: يأتي بمسمار محمي فيضعه في العين، وصلبهم حتى ماتوا.
هذا جزاء الذين يحاربون الله في الأرض، قال أبو قلابة راوي الحديث: (فأولئك كفروا بعد إيمانهم) .
فـ أنس بن مالك حدث الحجاج بهذا الحديث فصار الحجاج كلما يجد رجلاً يخالف رأيه يقتله، ويقول: (هكذا فعل النبي ﷺ فعوتب أنس كيف يحدث بمثل هذا الحديث للحجاج، فكان أنس يندم ويبكي أنه قال هذا للحجاج.
فهنا عليه أن يكتم العلم وليس مستحباًَ فقط، بل يجب أن يكتم مثل هذا العلم عمن يتصور أنه سيفسد إذا علمه، وقس على هذا، فمسألة أن العالم قد يكتم بعض العلم عن السائل هذه المسألة لا شيء فيها ولا علاقة لها بالظاهر ولا الباطن.
стр. 41
علاقة الباطن بالظاهر من جهة المعاملة
فنقول: هذا باطل بداهة؛ لأن الباطن لابد أن يكون له علاقة بالظاهر، وهذا ليس في الكلام فحسب؛ بل هذا حتى على مستوى البشر، وعلى مستوى النفوس والمعاملات، فإن خالف ظاهر المرء باطنه كان منافقاً، وكذلك الكلمة إن خالف ظاهرها باطنها كانت خطأً.
روى أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لما فتحت مكة أمن رسول الله ﵌ الناس جميعاً إلا أربعة نفر وامرأتين) .
والأربعة هم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس، وعبد الله بن أبي سرح، قال ﵊: (اقتلوهم في أي مكان وجدتموهم ولو كانوا معلقين بأستار الكعبة) .
فأما عبد الله بن خطل فذهب فتعلق بأستار الكعبة يظن أنه نجا، وكان كافراً يؤذي النبي ﵊، فذهب سعيد بن حريث وعمار بن ياسر يبحثان عنه، فوجداه معلقاً بأستار الكعبة، فأرادا أن يكون لكل واحد منهما الظفر والأجر بقتله، فضربا بسيفيهما فسبق سيف سعيد فقتله.
وأما مقيس بن ضبابة فقتلوه.
وأما عكرمة بن أبي جهل ففر وركب البحر، فبينما هو في البحر على متن سفينة إذ هاجت ريح عاصف، فقال ربان السفينة: أيها الناس! أخلصوا فإن آلهتكم لا تنفعكم الآن، أخلصوا فإن الإخلاص ينجي، فقال عكرمة في نفسه: (والله لئن كان الإخلاص هو الذي يخلص في البحر فلا يخلص غيره في البر، أما والله لئن أنجاني الله لأذهبن إلى محمد ﵌ أسلم عنده وسأجد عفواً) فرجع فأسلم.
بقي عبد الله بن أبي سرح وكان أخاً لـ عثمان بن عفان ﵁ من الرضاعة، فلما علم ابن أبي سرح أنه مقتول اختبأ عند عثمان، حتى جاءت البيعة العامة التي يبايع المشركون فيها نبينا ﷺ ، فخرج ابن أبي السرح محتمياً بـ عثمان، فذهب عثمان وقال: (يا رسول الله! بايع عبد الله، فأعرض عنه، قال: بايع عبد الله فأعرض عنه، قال: يا رسول الله، ألا تبايع عبد الله بن أبي السرح جاء مسلماً، فقبله، ثم قال لأصحابه: (أليس فيكم رجل رشيد حين أغضيت عنه أن يقوم فيقتله، قالوا: يا رسول الله! ما أومأت لنا، ألا تومئ لنا بعينك -يغمز- قال: إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين) .
هنا أمران: الأمر الأول: لماذا كان عبد الله بن أبي السرح بالذات هو الذي رفض النبي ﷺ إسلامه مع أنه قبل إسلام عكرمة بن أبي جهل بدون مشاكل؟
الجواب
لأن عبد الله كان مسلماً فارتد، أما عكرمة بن أبي جهل فكان كافراً فأسلم، فالفرق واضح حيث إن عبد الله بن أبي السرح أسلم وكفر في حياة النبي ﵊، فوجد عليه أشد الوجد، ولذلك قبله بشق الأنفس، قال: (أليس منكم رجل رشيد حين أغضيت عنه كان يقتله، قالوا: يا رسول الله، ما أومأت لنا بعينك، قال: إنه لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين) هذه هي استقامة الباطن مع الظاهر؛ لأن خائنة الأعين من شأن المنافقين فقط.
وخائنة الأعين لغة مشهورة في دنيا الناس اليوم، فأي رجل صاحب محل تجاري يعرف هذا سلفاً يدخل عليه مشترٍ عميل يقول للغلام: هات شاياً ويغمز له، أي: لا تحضر ولا تأتي، فقط لأجل أن يغبط هذا المشتري معه حتى تتم صفقه.
خائنة الأعين هي لغة كثير من الناس، وهذا ضرب من النفاق العام الذي ابتلي الناس به، وسميت خائنة الأعين لأن اللسان صدق والعين خانت، (اللسان صدق) يقول: سأحضر لك شيئاً أو ما تطلبه سأفعله، هذا كلام اللسان، فمقتضى كلام اللسان أنه سيفي بالوعد، فلما غمزت بعينك صارت هذه خيانة وفضاً لاتفاق اللسان أو لقوله، فلذا سميت خائنة الأعين.
فخائنة الأعين لا تنبغي أن تكون لنبي، وهذا مثال ظاهر لاستقامة الباطن مع الظاهر، فإذا خالف الظاهر الباطن كان هذا نفاقاً، والنفاق عليه عذاب.
стр. 42
قصة موسى والخضر [٥]
إن موقف موسى من الخضر يعد درساً لطالب العلم في كيفية تعامله مع شيخه من التواضع له، والتلطف معه، وعدم الاستنكاف من السؤال، حتى ولو كان السائل أفضل وأعلم من المسئول، وبهذه الآداب عمل السلف الكرام، وكانت أفعال الخضر في ظاهرها منافية للعقل، ومع ذلك وعده موسى بأن يصبر وعلَّق هذا بمشيئة الله؛ لأن الواجب تقديم المشيئة على العمل.
стр. 43
التقاء موسى بالخضر وآداب طالب العلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فكنا انتهينا بعون الله تعالى إلى وصول موسى ﵇ إلى الخضر، فلما رآه موسى وعرفه بالعلامات التي وضعها الله له، كانفلات الحوت في البحر قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا﴾ [الكهف:٦٦-٧١] .
стр. 44
سؤال الأعلم لمن هو أقل منه لا غضاضة فيه
قد يقول قائل: موسى ﵇ الأعلم يطلب من الخضر العلم وهو أقل منه منزلة وفضلاً وعلماً!! نعم! ليس هناك أي غضاضة في أن يتعلم الرجل ممن هو أقل منه، وهذا مشاهد في الحياة، فتجد الرجل العظيم الكبير الذي جمع أصناف العلوم يتعلم من رجل لا يفهم شيئاً إلا في مهنة واحدة، فمثلاً: لو ذهب الإمام الشافعي إلى خياط يحيك الملابس، فقال له: كيف تخيط هذا الثوب؟ فيقول له: هكذا وهكذا ويظل يعلمه، فهل بهذه الجزئية صار هذا الرجل أعلم من الشافعي؟
الجواب
لا.
لكن لا يوجد رجل في الدنيا كلها يعرف كل شيء، بل لابد أن يجهل شيئاً ما ويكون هناك من هو أقل بكثير جداً منه يعلم هذه الجزئية.
وهذا النبي ﵌ ولا يوجد أفضل منه ولا أعلم، كما في صحيح مسلم أنه مر على جماعة يؤبرون النخل -أي: يلقحونه، يأخذون لقاح الذكر ويضعونه على الأنثى- فقال: (ما أظن هذا ينفع شيئاً) فنزل الأنصار من على النخلة وتركوها، فإن هذا نبي، فانتظروا أوان حصاد أوان التمر فإذا هو شيصٌ أي: (بلح) لا يؤكل، فأخبروا النبي ﵊، فقال لهم: (أنتم أعلم بشئون دنياكم، إنما أنا بشر فلا تؤاخذوني بالظن) ، فهو ظن أن هذا لا يجدي شيئاً، فلا يقال: إن فلاناً أعلم من الرسول ﷺ ؛ لأنه علم جزئية من الجزئيات فننزل كلام موسى مع الخضر هذه المنزلة.
стр. 45
من آداب طالب العلم ملاطفة العالم
فالملاطفة مع العالم أدب؛ لأنه أفضل منك، فهو معه علم وأنت أقل منه، قال الله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]
الجواب
لا.
فالذين يعلمون شيء والذين لا يعلمون شيء آخر، ولذلك جعل الله أولي العلم من الشهداء على وحدانيته مع الملائكة، وقال لنبيه ﷺ : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] قدم العلم، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، فالعالم لأجل هذا يرفع.
وكان الحافظ ابن حجر العسقلاني أحد حفاظ الدنيا ممن أنجبتهم مصر كان له شيخ يسمى الحافظ العراقي، كان إذا أراد ابن حجر -صاحب كتاب فتح الباري- أن يسأل العراقي مسألة يقف بين يديه ويقول: ما يقول سيدي في كذا وكذا.
ولا يقولن رجل: هذا مخالف لقوله ﷺ لما قال له الصحابة: (أنت سيدنا قال: السيد الله) فإن قول ابن حجر لا يخالف هذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ قال للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ قدم راكباً على دابة، فقال لهم (قوموا إلى سيدكم) .
فيقول له: ما يقول سيدي في كذا وكذا، حتى لا يوغر صدر العالم عليه، ولا يناديه بكاف الخطاب ولا تاء الخطاب فيقول له: أنت، كما لو كان شخصاً عادياً، إنما يوقره ويحترمه ويرفعه، فيقول موسى للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] .
стр. 46
أدب موسى مع الخضر
وانظر إلى أدب موسى ﵇ مع الخضر، مع أن موسى أفضل من الخضر، إن كان الخضر ولياً فموسى نبي، والنبي أفضل من الولي، وإن كان الخضر نبياً -وهذا هو الراجح على ما ذكرناه- فموسى يفضل عليه بالرسالة، فموسى أفضل على كل حال، ومع ذلك يقول للخضر بلهجة لطيفة جداً: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] ، أي: أتسمح لي ويطيب خاطرك أن أتبعك شريطة أن تعلمني مما علمت رشداً؟
стр. 47
آفة المسلمين عدم معرفة حقوق علمائهم
هذه الآيات تشتمل على آداب طالب العلم، والآفة التي يعاني المسلمون منها أنهم لا يعرفون لعلمائهم حقهم ولا يوقرونهم، بدعوى: (نحن رجال وهم رجال) ، لدرجة أنني رأيت موقفاً غريباً جداً كنت أنا أحد الأطراف فيه، شاب ممن يكفر جماعة المسلمين بارتكاب المعاصي والذين أطلقوا عليهم جماعة التكفير.
قلت له في مسألة ما: قال ابن عباس كذا وكذا، قال: هم رجال ونحن رجال!! فقلت: أنا أقول لك: قال ابن عباس، لا أقول لك قال الشافعي ولا أحمد ولا البخاري ولا مسلم ولا إسحاق برغم أنني لو ذكرت هذه الأسماء لوجب عليك أن تنصاع؛ لأنهم أئمة على نقلهم نصلي.
قال: هم رجال ونحن رجال.
فقلت: إن كنت تقصد بقولك: هم رجال ونحن رجال، في الذكورة فأنا أقر بهذا، أنت ذكر وهو ذكر، لك شارب وله شارب، لك لحية وله لحية، إن كانت الذكورة التي تعنيها هي هذه المواصفات فأنا لا أختلف معك.
ولكن إن كانت الذكورة هي العقل ورجاحته والتقوى ورجاحتها فأنا أختلف معك، ولا يخالف أي عاقل في ابن عباس الذي قال النبي ﵌ فيه: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) .
قال لي: وما يدريك أن دعوة النبي ﷺ استجيبت؟ سبحان ربي! قال الله لعباده جميعاً: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فتكفل الله بمقتضى هذه الآية بأنه إذا دعا أي رجل أية دعوة فإنه يستجيب له ما لم يكن بظلم أو قطيعة رحم، فإن كان الله يستجيب لآحاد الناس ألا يستجيب لنبيه؟ هم رجال، وأما نحن فلا ندانيهم ولا يساوي الواحد منا مسماراً في نعل واحد منهم، كيف وقد فتحوا الدنيا ونصروا الدين على أكتافهم، ونحن متخاذلون، وحياتنا كلها بدع، كانوا في القديم حياتهم بين بدعة وسنة، وكانت هناك بدع، ولكن كان في مقابل البدع سنن، أما نحن الآن فندور بين بدعة وردة، وأغلبنا مقلد لا يعرف شيئاً عن دينه الصحيح إلا الإمام.
أين رجولتكم وقد ضاعت بلادكم من بين أيدكم؟ أين رجولتكم وبطونكم في أيدي عدوكم، لا تأكلون إلا فتاتاً يرميها لكم؟ أين رجولتكم؟ هم رجال ونحن رجال في الأسماء، فتشابه الألفاظ فقط هذا رجل وهذا رجل، نبينا ﷺ رجل وأبو جهل رجل لكن شتان ما بين الرجلين، هذا خير من وطئ الحصى، وذاك شر من وطئ الحصى، وإن اشتركوا في الأسماء الظاهرية فقط.
أسلافنا رجال في تقواهم وورعهم وفي كل شيء يفعلونه، فأنظر إليهم في عنفوانهم كيف كانوا يطلبون العلم من العالم، بالرغم من أنه كان في القديم إذا مات عالم تجد مائة ألف عالم، أما في هذا العصر فإذا مات عالم شغر مكانه، وبعد سنوات طوال تجد من يسد مكان العالم، فالعالم جوهرة، يكفي أنه يبين مراد الله في الأرض، وحسبه أنه يفعل كذلك.
стр. 48
صورة من عدم تأدب التلميذ مع شيخه
سأعرض عليكم صورة رأيتها بنفسي ليس بيني وبينها واسطة، مَنَّ الله عليَّ وصحبت لفترة من الزمان أكبر محدث في هذا العصر وهو الشيخ الألباني، وهذا الرجل جليل القدر جداً، تستشعر كأنه سقط من القرون الأوائل لما عليه من الهيبة، فإن سلوكه لا ينافي قوله.
وفيما علمت وأخبرني المخبرون أنه كان إذا عقد مجلساً أرى بعيني شباباً ينامون على ظهورهم بحضرته، ولا أبالغ إذا قلت: إن قدم أحدهم تكون متوجهة أحياناً إلى وجهه، والشيخ ساكت؛ لأن الحياء يمنعه، والحياء يفطر المرء عليه.
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌ مر فوجد رجلاً يعظ أخاه في الحياء -يعلمه أن يستحي- فقال له: (دعه فإن الحياء من الإيمان) .
الحياء قرين الإيمان ولا عليك أن لا تعلمه، فالحياء لا يعلم، بل يفطر المرء عليه، ولا خير في رجل لا حياء عنده، فهذا نائم على ظهره والشيخ يفتي أو يلقي درساً من دروس العلم، مع أن الشيخ ناصر الدين الألباني لو مات غداً لظلت الأمة تعاني سنوات طويلة حتى يخلفه رجل مثله، فانظروا إلى شبابنا مع أننا نعاني فقراً في العلماء كيف يعاملونهم، أما أسلافنا فانظروا كيف كانوا يعاملون علماءهم، مع أن العالم فيهم إذا مات تجد مائة ألف عالم يخلفه.
стр. 49
صورة من أدب السلف مع علمائهم ومشايخهم
كان الإمام مالك بن أنس ﵀ يذهب إلى دار شيخ له يسمى شعبة، فيسمع الحديث مع الطلاب، يملي شعبة الحديث وهم يكتبون، فأراد مالك أن ينتهز فرصة ويسمع الحديث من شعبة وحده؛ لأنه من معلوم لدينا جميعاً أنه في أي مدرسة كلما كان عدد الطلاب أقل كلما كانت الاستفادة أكثر؛ حيث يستطيع المدرس أن يجيب على تساؤل كل طالب، ونحن الآن نعاني إفلاساً حتى في التعليم الدنيوي، فتجد المدرج فيه سبعة أو ستة أو أربعة آلاف، فلو عرضت لأي طالب مشكلة كيف يجيبه المدرس؟ فالمدرس يقول: ما عنده فهم الطالب أو لم يفهم، فكلما قل العدد كلما كانت الاستفادة أكثر، فالإمام مالك يريد أن ينفرد بـ شعبة، فماذا يفعل؟ صلى صلاة العيد، والناس في العادة ينصرفون إلى بيوتهم بعد صلاة العيد، إلا أنه ذهب إلى دار شعبة، فما طرق الباب، بل قعد على درج البيت على السلم، وهذا مالك، الإمام الذي ما يقارب ثلث الأمة على مذهبه، وجعل الله له لسان صدق في الأمة، كلما ذكر ترحم الناس عليه، لم يطرق باباً ولم ينادِ إنما قعد على درج البيت.
قال شعبة لجاريته: انظري من في الباب يأكل معنا، وكانت أبوابهم مفتحة لا يمنعون مسكيناً.
فخرجت الجارية ثم رجعت تقول: يا سيدي مالك في الباب.
فقال: ادخل، فدخل.
قال: كل.
قال: ما لهذا جئت.
قال: حاجتك؟ قال: أريد الحديث.
قال مالك: فحفظت عنه في هذا المجلس أربعين حديثاً.
فانظر لأدبه، لا يطرق باباً ولا يزعجه، احتراماً للشيخ ولعلمه.
كذلك أيضاً ابن عباس مات النبي ﵌ ولم يكمل العشرين من عمره بل كان سنه ثماني عشرة سنة، فكان يذهب إلى أصحاب النبي ﵊ الكبار أمثال زيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان، قال ابن عباس: (فكنت أذهب إلى بيوتهم، فربما تلسعني شمس الظهيرة، فلا أطرق على أحد منهم الباب، فإذا رآني قال: يا ابن عم النبي لِمَ لم تطرق الباب لم لم تخبرني فآتيك؟ لشرف آل البيت.
فيقول ابن عباس: (بل أنا آتيك، حق العالم على المتعلم) ويحكي لنا رجل أنصاري قال: (قال لي ابن عباس يوماً: ألا تأتي فنسأل أصحاب النبي ﷺ وهم متوافرون، فقال الأنصاري يهزأ بـ ابن عباس: أتظن يا ابن عباس أنه سيأتي اليوم الذي يحتاج فيه إليك، وأصحاب النبي كثر؟!) كأنما يحقر شأن ابن عباس، يقول: هل تظن أنه في يوم من الأيام سيحتاج الناس إليك، مهلاً يا ابن عباس.
قال ابن عباس: (ولم يطاوعني، فذهبت أسأل وأستفيد، فما مات الأنصاري حتى كانت لي حلقة) صار إماماً يفتي.
فلما رآه الأنصاري قال: (أفلح الرجل) .
قصر هو فلم يذهب معه، ولم يقف في حر الظهيرة ينتظر العالم، مع أن هؤلاء الناس الأفاضل كان إذا ترك الواحد منهم عالماً وجد غيره.
стр. 50
قيام الخضر بأعمال مخالفة للعقل والدين في الظاهر
قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٦-٦٧] هذه الآية تبين لنا أموراً: الأمر الأول: أن موسى ﵇ كانت فيه حجة.
الأمر الثاني: أن ما سيفعله الخضر ينكره أي عاقل في الدنيا وأي رجل يدين بدين، والخضر يعلم هذا مقدماً، أن أفعاله التي سيفعلها سيخالفه فيها أي رجل عاقل، فظواهرها منكرة حيث يقابل شاباً فيقتله، وأناساً يحملونه في السفينة بدون أجر يخرقها لهم، ويقول لآخرين: نحن جائعون نريد أن نأكل، فيقولون: ما عندنا طعام، ومع ذلك يبني لهم جداراً.
ظواهر الحال تقول: إننا يجب أن نعامل هؤلاء بمثل معاملتهم، فالذين حملونا في السفينة بغير أجر، يجب علينا أن نحسن إليهم فلا نتلف لهم السفينة، وولد وضيء كان يلعب مع الصبيان كيف يأخذه ويقلع رأسه؟! والذين استطعمناهم فلم يطعمونا كيف تبني لهم جداراً؟ بل خذ أجراً.
والله أعلم الخضر لما أوحى له بهذه الأشياء أنها تخالف ما يعلمه موسى.
فعلم أي نبي في الدنيا هو ما يصلح به حياة البشر، أي نبي هكذا علمه الله ما علمه إلا علماً يصلح حياة البشر، ثم يؤتيه بجانب هذا العلم معجزات وآيات وخوارق.
إلخ تصديقاً له.
стр. 51
طموح الإنسان وآماله أكبر من عمره
التسوية في المشيئة ممنوع فكيف إذا قدمت؟ وكيف إذا تركت؟ تقول: أنا سأفعل وسأفعل، والله كتبك في الأموات وأنت تبني آمالاً وأحلاماً وتقول: السنة القادمة سأذهب إلى فلان، والسنة القادمة سأبني العمارة، والسنة القادمة سأفعل كذا وكذا، وقد نزلت ورقته بأنه سيموت غداً أو بعد غد أو سيموت الشهر القادم وهو يبني أحلاماً وآمالاً لعشر سنين.
وفي الحديث الصحيح عند البخاري: أن النبي ﷺ رسم على التراب لأصحابه مربعاً قال: (هذا أجل ابن آدم، ثم رسم خطاً طويلاً خارجاً من المربع، قال: وهذا أمله) ولو ترك المرء وأحلامه لما مات أبداً؛ لأن أحلام المرء أكبر من عمره بكثير، كما أن عين المرء أكبر من بطنه بكثير، وفي يوم الصيام يتصور أنه لو ضرب مدفع الإفطار سيأكل خروفاً وسيشرب برميلاً من الماء، فإذا أكل لقيمات فقط اكتفى وقام، فأمله أكبر من عمره: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] قل إن شاء الله أفعل، كن مؤدباً مع الله ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 52
وجوب تقديم مشيئة الله على العمل
قال له: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٦٧-٦٨] أي: كيف تصبر على ما لم يصل إليك علمه وخبره؟ قال له موسى بعدما رآه يتمنع: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] هنا قدم المشيئة على ذكر الصبر ولم يذكرها مع نفي المعصية: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف:٦٩] قال بعض العلماء: لما قدم المشيئة على الصبر صبر، ولما ترك ذكرها في المعصية اعترض على الخضر وعصى أمره وتركه.
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] فيجب على الرجل قبل أن يبرم أمراً أن يقدم مشيئة الله ، فإن الله تعالى قدر كل شيء، فتقديم المشيئة أدب، فتقدم مشيئة الله على مشيئتك أنت، ولا يجوز أن تسوي بين مشيئة الله ومشيئتك، ومن باب أولى أن تقدمها عليها.
وفي صحيح البخاري أن النبي ﵌ سمع رجلاً يقول له: ما شاء الله وشئت، فقال: (أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده أو ماشاء الله ثم شئت) .
стр. 53
توقير العالم بعدم الاعتراض عليه
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠] هذا توكيد من الخضر أن ما سيفعله يأباه أي عاقل يحكم على ظاهر الأشياء، فقال له: اتبعني بشرط ألا تعترض على ما أفعل.
وهنا سؤال بمناسبة هذه الآية، وهو: أننا ذكرنا أن من احترام المتعلم للعالم أن يوقره ويحترمه ولا يكثر من الاعتراض عليه، فهل إذا فعل العالم شيئاً منكراً على الظاهر يجوز الاعتراض عليه؟ وهل الاعتراض عليه يعد سوء أدب مع العالم؟ الجواب يحتاج إلى تفصيل: المنكر في الأمر طريقة الصوفية، أن يقول الشيخ للمريد: (كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل) ، وهذا كلام مرفوض بأن ألغي العقل تماماً، فهذا لا يقوله أحد.
ونحن عهدنا في مجالس كبار العلماء أنه كان يعترض التلميذ على شيخه ولكن بأدب، فلا مانع من الاعتراض لأن العلم لا يكون إلا بهذا.
стр. 54
نماذج من اعتراض التلاميذ على مشايخهم مع مراعاة الأدب
دخل الإمام البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه على شيخ له يسمى الداخلي، قال الداخلي: (حدثنا فلان عن فلان عن فلان) وساق حديثاً عن النبي ﷺ فقال له البخاري: (بل هو فلان عن فلان) قال الداخلي: (أتعترض عليَّ) ؟ قال: (ارجع إلى أصلك) أي: انظر في كتابك، ففتح الداخلي كتابه فوجد الأمر كما قال البخاري، فأثنى على البخاري.
فليس هناك سوء أدب في عبارة البخاري مع الداخلي، وإنما صحح له خطأً.
ومن الشيوخ الأجلاء الذين لا يعرفهم الناس إنما يعرفهم أهل العلم، نعيم بن حماد من مشايخ البخاري أيضاً، كان يحدث يوماً بحديث، فقال له يحيى بن معين وهو إمام آخر من أئمة هذه الأمة الكبار جداً جداً، قال له: (بل هو كذا عن كذا وأنت أخطأت) فأرغى نعيم وأزبد وقال: (تقول لي: أخطأت؟) فقال له يحيى: (أما والله في كتابك كما أقول) فدخل نعيم بن حماد إلى كتابه ففتحه فوجد أن الصواب مع المعترض، فما تكبر عن الحق، ولا قال: أنا شيخ ولا يجوز أن يرد عليَّ تلميذ وهذا إسقاط لهيبتي.
إلخ ويقول الإمام الشافعي يقول: (ما دفع رجل حقاً إلا سقط من نظري، وما أذعن له إلا هبته واعتقدت مودته) ويقول الإمام الشافعي أيضاً ﵀: (ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه) .
المقصود أن يظهر الحق سواء على لساني أو على لسان أخي، لا يتناظر العلماء كأنهم أضداد، كل منهم يرجو أن يظهر على صاحبه، فهذا من حظ النفس، بل هو أخوك.
ففي معرض القصاص والقتل رجل قتل رجلاً، ولا يوجد مثل القتل شيء يمكن أن يبغض الرجل الرجل لأجله، ومع ذلك فالله يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] ، فقد قاتله ومع ذلك يقول: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] فيذكرك أنه أخوك، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ [البقرة:١٧٨] وهذا في معرض القتل، فما بالك إذا كان مجرد جدل علمي.
ماذا قال نعيم بن حماد؟ قال: (من الذين يقولون: إن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث، والله إنك أمير المؤمنين في الحديث) .
لأجل هذا كانت في دروسهم بركة العلم، وكثير من الناس يعظ ويعلم ولا تجد ثمرة، وجزء من هذه التبعة يقع على العالم؛ لأنه لم يخلص النية في علمه (١٠٠%) ، فهو يقول الشيء ولا يفعله، لذلك لا تجد بركة في علمه.
إن احترامنا للشيوخ لا يمنع أن نوصل الاعتراض عليهم ولكن بأدب، قال الإمام الشافعي: تعمدني بنصحك في انفراد ولا تلق النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
ونسأل الله أن يهدينا للتي هي أحسن وللتي هي أقوم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.
стр. 55
التغافل في محله مطلوب
سئل أعرابي: من العاقل؟ وانظروا إلى جواب الأعرابي الدقيق جداً، ولو عمل به المسلم في حياته فلن يجد أية مشاكل، والنوع الذي أقصده تهوين المرء للشيء الذي في غير محله إذا لم يتعلق بأمر شرعي.
قيل لأعرابي: من العاقل؟ قال: الفطن المتغافل.
هذا هو العاقل، الذي يتغاضى وهو يعلم، وكثير من المشاكل التي تقارف الحياة الزوجية تحتاج إلى هذا الصنيع، حيث تفعل المرأة شيئاً، وهذا الشيء لا يضر كثيراً من الناحية الشرعية، فيعلم الرجل فلا يتركه بل لابد أن يمكث عليه فتحدث مشكلة.
وهنا محل جواب الأعرابي، فإن من العقل بعدما عرفت أن الأمر ليس بمهم ولا يتصل بالشرع أن تتغافل أيها الرجل، فالعاقل هو الفطن المتغافل.
стр. 56
الأدب مع المشايخ لا ينافي الاعتراض عليهم بخلاف الصوفية
لكن الصوفي عندما يقال له: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل كانت النتيجة أن يفعل الشيخ المناكير -أي: الشيخ باصطلاحهم هم- يفعل كل منكر والمريد لا يعترض أبداً.
لهذه القاعدة: كن بين يدي الشيخ كالميت يقلبه المغسل يمنة ويسرة ولو أخذه وطرحه أرضاً ما اعترض.
فالأدب مع الشيوخ لا ينافي الاعتراض عليهم.
стр. 57
قصة موسى والخضر [٦]
مما يستفاد من قصة موسى مع الخضر الأدب مع العلماء وتوقيرهم، ولكن هذا لا يعني إقرارهم على الخطأ والمنكر كما يقول الصوفية، بل الاعتراض على المشايخ في حدود الأدب لا ينافي الأدب، ومن هذا المنطلق فقد اعترض موسى على الخضر حين رآه يقدم على أفعال ظاهرها أنها خطأ ومنكر، حيث أن علم موسى قصر عن تفسير هذه الأفعال، بالرغم من وعوده المتكررة له بعدم سؤاله عما يفعل.
стр. 58
سيرة الإمام البخاري
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سنبدأ إن شاء الله في سيرة الإمام البخاري، وكنا وعدنا أن نبدأ في درس أو ترجمة من تراجم علماء الأمة، عسى أن يحفز بعض الشباب الغيور ليقلد هؤلاء، وفي السنوات القادمة نجد من يسد الفراغ إذا مات عالم، أو من يجيب الناس بعلم صحيح إذا أرادوا علماً.
وبكل أسف! نظراً لخلو الساحة من العلماء الحقيقيين تجد حكم الله الميسر منه لا يصل إلى الناس، وتجد الناس يستبشعون أحياناً الأحكام الشرعية، بحجة أنها ثقيلة، ويقولون: هذا حرج، ولا نستطيع أن نفعل هذا، وكيف هذا والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] إذاً: دين الله الذي أنزله على رسوله ﷺ وكلام النبي ﵊ الذي قاله لا يمكن أن يكون فيه حرج، وإنما الحرج يأتي من ناحيتين اثنتين:
стр. 59
واجب الوالد في إصلاح بيته
القصد من سير العلماء وسير الصحابة هو الدعوة للتمسك بالإسلام، والوالد يجب عليه بمنتهى الحزم مع الرفق أن يرجع بيته إلى الله ، ولا يترك الحبل على الغارب؛ لأن الرجل مسئول، وضياع الأسر كلها إنما هو بسبب رب البيت.
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص إذا كان رب البيت يضرب بالطبل فلا ألوم الولد أبداً أن يرقص، وقد أنشد بعض الشعراء حول هذا البيت من غيظه من أولئك الآباء الذين لا يربون أبناءهم، فقال: إن كان رب البيت جحشاً مبردعاً فشيمة أهل البيت كلهم الرفس أي: إذا كان هذا جحشاً مبردعاً، إذاً: دعهم يرفسون أفضل.
فرب البيت هو الذي عليه العمل الأكثر، ولا يوجد شيء اسمه أن الأب يقول: إن ابني صديقي، وأنا أعامله كصديق، بل هذا من أخطاء التربية الفادحة؛ لأن معنى صديق: أنني لا أستطيع أن أقوم خطأه وزلاته، ومعنى صديق: أنه يمكن أن يعمل معي أي حركة يفعلها مع صاحبه، وقد رأيت ولداً يقول لوالده: يا عُبَدْ وبهذه الصورة، بل أكثر من هذا.
وهذا من جراء هذه التربية التي ليست إسلامية، بل الأب يجب أن يبقى أباً طيلة عمره، ولا يوجد شيء اسمه أن الولد صديق أبيه، والمعاملة بالطف ليس معناها أنها صداقة، بل الوالد يجب أن يبقى والداً له هيبته طوال عمره، ولا يأتي بالدنايا أمام أولاده أبداً؛ لأنه هو القدوة.
فالمقصود أن الآباء عندما يسمعون هذا يجب أن يرجعوا أولادهم وبيوتهم إلى الله (الهوينا) ، وأرجو التدقيق على كلمة (الهوينا) ، لا يكون مفرطاً في حق بيته وحق أسرته عشرين سنة أو خمسة وعشرين سنة ثم يريد أن يرجعهم إلى الله في يوم، فبطبيعة الحال أن هذا سيسبب مشاكل كثيرة.
стр. 60
متى يكون الرجل أباً لابنه ؟
سمعت بعض المشايخ تأويلاً لطيفاً جداً أحببت أن أنقله لفضله، قال: (يولد المولود على الفطرة، فأبواه إما يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) فهذا الشيخ سأل سؤالاً لطيفاً جداً قال: هل أنت اليوم أبو ابنك؟ فأجاب: طبعاً لا، أبوه التلفاز، وأبوه الشارع، وأبوه الأفلام، وأبوه السينما، هؤلاء كلهم يشتركون في تربيته، إذاً: لست أنت وحدك أبا ابنك، فمتى تصير والداً لابنك؟ إذا جنبته كل هذا تصير أبوتك لابنك كاملة.
فيجب إذا أردت أن أصلح بيتي أن أخرج منه كل عوامل الفساد بحزم، وعامل الأهل والأولاد بلطف، لكن لا أبقي التلفاز في البيت يدمر دين الرجل ودين المرأة، لكن مع مراعاة أن يفصله بالهوينا أيضاً.
وإذا تربى الرجل على الإسلام الحقيقي فرأى امرأة كاشفة لشعرها في الشارع يقشعر ويشمئز؛ لأنه منكر، والفطرة ركبت على هذا، ومن تيسير الله على الناس أنه ركب الفطرة على تعاليمه، فإن أمر بشيء فالفطرة تقبله: ﴿هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] صنع الشيء ثم جعل تشريعاً للشيء دون أن يوجد تضاد، والإنسان إذا تربى على أن هذا منكر، فالمنكر يبقى منكراً، تشمئز منه نفسه.
ومما يقتل الغيرة التلفاز، أرى مسلسلاً وأرى مواقف الخمر والفجور وأرى الشاب والشابة وهي تقابله، وبعد ذلك يخرجون يتنزهون، كل هذا أنا أراه، وابنتي تراه أيضاً بجانبي، وفي النهاية يهربون، ثم يزني بها، ثم تطلب منه أن يصلح خطأه، فيرفض ويتركها تواجه حظها، والمجتمع كله يتعاطف مع من؟ مع التي زنت، بل لو حصل أن الأب سيذهب يأتي بالولد الهارب الذي زنى بابنته من أجل أن ينتقم منه تجد أن الموجودين متعاطفين مع الولد الذي زنى ويدعون: يا رب لا يجده، يا رب لا يمسكه، وهكذا، في أول الأمر يمكن أن ينكر الرجل، إذا رأى رجلاً يقبل امرأة، ثم بعد ذلك في المرة الثانية لو وقف المسلسل على موقف خطير ينتظره يمكن أن يؤجل مواعيده بسبب مسلسل.
كل هذا كيف جاء؟ كيف استمرأت المنكر؟ كل هذا لم يجئ مرة واحدة، إنما جاء تباعاً بعدما قتل هذا الجهاز في نفسك الغيرة والحياء والدين وأنت لا تدري، قال الله للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] ليس لا تتبعوا الشيطان، بل خطوات الشيطان، فهو لا يأخذك ويرميك في الكفر مرة واحدة، إنما يأخذك درجة درجة.
ويحضرني قصة حدثت فيما مضى، وهي أن رجلاً راهباً كان لا يخرج من صومعته، فتزين له الشيطان ذات مرة بصورة رجل وأحضر معه امرأة، ثم قال للراهب: أنا على سفر وأختي هذه لن أجد في الأرض آمن عليها منك، فسأجعلها في الصومعة المجاورة وأنا سأترك لها المال.
فقال: لا.
أنا ليس لي علاقة بها، إنما ضعها هناك.
فأتاه الشيطان يوماً فقال له: أليس من الدين أن تسأل عن جارك؟ لا يأتيه الشيطان يقول له: اعصِ، بل يأتيه من مسالك الدين، فيقول: اسأل عن جارك، وهذا ليس من الرحمة في شيء، بل كذا، ويوسوس له حتى يقول: نعم هذا صحيح.
فذهب وطرق على الباب وظهره للباب، فقال لها: هل تحتاجين شيئاً؟ قالت له: لا.
وهو لم يرها حتى الآن، فقال له: أنت تسأل عليها مرة في اليوم فقط، اسألها مرتين في اليوم وهذا كله خير وثواب، حتى يستشعروا أن الذين يعبدون الله أناس طيبون وليسوا بمتعنتين، فأصبح يسأل عن المرأة أكثر من مرتين.
ثم قال له: الخير كثير، لماذا لا تضع أمامها طعاماً، فذهب ووضع اللحم أمام الباب وطرق ولم يدخل، ثم قال: يا أخي! لماذا لا ترى وجهك؟ الدنيا بخير ولم يحصل شيء، فقل لها: تفضلي لكي تستشعر أن هناك أنساً ووداً.
ثم قال: يا أخي هي جالسة لوحدها لم لا تسليها؟ أليس فيك رحمة؟ وفي النهاية وقع بها وزنى بها.
فعندما يظل الإنسان وراء هذه الخطوات لا يستشعر إطلاقاً أن هناك شراً قادماً، بل يرى أن هذا كله من باب الدين والرحمة ولا توجد مشاكل.
وهذا هو الذي عناه الله بقوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] خطوة بعدها خطوة وأنت لا تدري، حتى يقع المرء في الشرك.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 61
أسباب وقوع الحرج على الأمة
الناحية الأولى: أن نفس السائل خبيثة، والنفوس الخبيثة تستصعب السهل، فالصلوات الخمس لا مشقة فيها، ولكن كثيراً من الناس يقول: هذه مشقة، وأنا لا أترك عملي ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، (يسروا ولا تعسروا) مع أنه لا دخل لهذا بالعسر ولكن النفس خبيثة تستصعب السهل.
الناحية الثانية: أن الذي بلغ الفتيا بلغها خطأ، لم يحصل أصول العلم، فتكون فتواه خطأ، فدين الله يضيع بين الإفراط والتفريط، رجل يشدد جداً بدعوى الاحتياط وأنه يجب أن نتورع وهي عبارة عن تشديدات على النفس، فيجد الإنسان نفسه يأخذ في كل شيء بالأشد والأشد، حتى يجد أن النهاية ترك الدين.
ورجل آخر يقول: بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا، ويترك الحبل على الغارب، بالذات في مسائل الطلاق، فيسأله شخص فيقول: يا شيخ! أنا طلقت امرأتي وأنا غضبان، فيقول له: هات عشرين جنيهاً واذهب وهات قارورة سمن، وهذه أنا رأيتها بعيني، فإذا ما أعطى له عشرين جنيهاً فلن ترجع له امرأته، فيكون دخوله بها زنا.
وهذا منتشر وموجود، ومثلاً: لجنة الفتوى في الأزهر -وهذا شيء رأيته بعيني- واحد قال: طلقت امرأتي، فقال له: هذا شيء ما أحد يعمله، كيف لا أحد يعمله؟ أليس تسأله أولاً أنت طلقت بطهر أو بحيض أما ماذا؟ أما أن يقول له: أنت كنت غضباناً، فيقول له: نعم، إذن مرة أخرى لا تعملها، مثلاً.
فهذا يعتبر خطأً جسيماً؛ لأن الرجل قد يطلق امرأته ثلاث مرات فتكون بائنة بينونة كبرى.
ذهب العلماء الربانيون، فإن العالم الرباني لا يتكلم عن الله إلا بعلم لا عن اجتهادات، ونحن نطمع أن الساحة القادمة يكون فيها هذا النمط المفقود في الأمة المسلمة.
стр. 62
قراءة سير العلماء من أسباب وجود أمثالهم
لا شك أن سير العلماء من أكبر الدوافع على الوصول إلى هذا الهدف، واقرأ السيرة النبوية مثلاً تجد أنك تستمتع وتشعر أحياناً باندفاع عنيف لا تملك فيه الدموع وأنت تقرأ مثلاً موقف صحابي في غزوة، فمثلاً: الواقعة المشهورة التي كان فيها أحد الصحابة قال: (لما انتهينا من الغزوة ذهبت أتفقد أخي فصادفته بين الجرحى، وهو يقول: ماء ماء، يريد أن يشرب ماءً، وكان بجانبه أفراداً من جرحى المسلمين الذين يكابدون الموت، وكل منهم يقول: أريد ماء، فلما همَّ أن يسقي أخاه قال: سل الذي بجانبي لعله أشد ظمأً مني، فسأله فقال: سل الذي بجانبي، حتى ذهب إلى العاشر، فقال: سل غيري لعله أشد مني عطشاً.
فرجع إلى أخيه فوجده قد مات، فرجع إلى بقية الجرحى فوجدهم قد ماتوا، فأي إيثار يمكن أن يصل بالإنسان إلى أن يموت من العطش، فهو يعاني وروحه تخرج، ومع ذلك في هذا الموقف الذي لا إيثار فيه وكل إنسان يبحث عن روحه وعن حياته يؤثر أخاه على نفسه، وهذا الموقف عندما تقرؤه يؤثر فيك، وتجد أنك لا تستطيع أن تتمالك دمعك، وعندما تقرأ أن ابن عمر كان يمشي ومعه رغيف واحد ليس معه غيره فأعطاه لمسكين، مع أن الموقف الآخر يؤثر أكثر.
وعندما ترى مثلاً رجلاً كـ عمرو بن الجموح، رجل أعرج شديد العرج، يريد أن يحارب الكفار، وكانت الحرب في الزمن الماضي تدل على مدى شجاعة الرجل، ولا يدخلها رجل جبان إذا أفزعه أحد أو رأى ظلاً أو خيالاً يموت خوفاً، ومع ذلك يمكن أن يهدم مدينة بكاملها وهو قاعد في قاعدة صاروخ يضرب فيقتل مثلاً مائة ألف.
بل الحرب في الزمان الماضي كان لها مقياس آخر غير اليوم، ولذلك يقول الله في اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] فهؤلاء (الحرب) بمعنى المواجهة الشخصية لا توجد عندهم، والحرب عند العرب كانت مواجهة شخصية، وهذا إقبال على الموت أشد من كون الشخص يركب دبابة أو يختبىء خلف جبل.
ففي الماضي كانت صورة الجهاد أوضح وأحسن، لأنه إذا دعي للمبارزة مثلاً فأقل حركة أو أقل سهو يمكن أن يطير برأسه.
فهذا عمرو بن الجموح الأعرج يريد أن يحارب ويريد أن يفر ويكر، وكان له مجموعة من الأولاد يقاتلون في جيوش المسلمين، فقالوا: (يا أبانا! إنك ممن عذر الله) الأعرج والأعمى والمريض ليس عليهم حرج في مسائل الجهاد خاصة، فلا يقول قائل: إنه ليس عليه حرج في الصلاة ونحوها ويترك العمل، بل ليس عليه حرج في الجهاد فقط الذي يحتاج إلى كر وفر.
فبكى الرجل وقال: (أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة) دعوني، فذهب يشتكي بعينيه الدامعتين للنبي ﵊، وقال: (أريد أن أقاتل وأولادي يمنعونني) فقال النبي ﷺ : دعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة، فكان من أوائل الذين قتلوا، قال ﵊: (لقد رأيته في الجنة وما بعرجته من عرج) .
فوطئ الرجل بعرجته الجنة، فهذا الرجل قلبه قلب شاب، وكثير من الشباب اليوم يكون عمره اثنين وعشرين سنة وقلبه قد شاخ، لا يريد أن يفعل شيئاً.
وانظر إلى ذاك الرجل الذي كان سنه (٨٥) سنة أو أكثر وأسلم وهو في مكة، وبطبيعة الحال لن يستطيع أن يهاجر إلى المدينة لضعفه، إلا أن قلبه قلب شاب وإن كان جسمه كبر، ففي يوم من الأيام قال: (وما الذي يقعدني بين ظهراني الكفار؟ والله لأخرجن إلى رسول الله ﷺ مع أن السفر من مكة إلى المدينة (٥٠٠) ، يريد أن يمشيها ليكون عند مصدر الضوء والنور.
فخرج رغماً عن أولاده، ثم لما كان في منتصف المسافة أو في ربعها أدركه التعب الذي يدرك العباد فغلبه، فأوشك أن يموت، فلما استشعر هذا ضرب كفاً على كف، وقال: (اللهم هذه بيعتي لك، اللهم هذه بيعتي لنبيك) ومات الرجل، فنزل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] وإذا وقع أجرك على كريم فليس هناك حساب؛ لأن الله لا يتعامل مع عباده بحساب، إنما يقول: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤] .
عندما تقرأ سير السابقين الصالحين تجد أن عندك اندفاعاً لأن تكون مثل هؤلاء، لأجل هذا لابد من مراجعة السيرة النبوية، وكيف كان الصحابة يتصرفون في أشد المواقف.
أبو بكر الصديق ﵁ ما أسلم محمد ابنه إلا بعده بفترة، فلما تقابلا في بدر، كان محمد بن أبي بكر يقول لأبيه بعد ما أسلم: (لقد كنت أقابلك وأروغ منك خشية أن أقتلك) .
لأن ابنه كان في صفوف الكفار وأبو بكر في صفوف المسلمين، فابنه بعدما أسلم يقول له: أنا في الغزوة الفلانية كنت أتحاشاك حتى لا يصيب سيفي رأسك فأقتلك، فقال له أبو بكر: (أما والله لو رأيتك لقتلتك) .
عندما ترى هؤلاء الذين لا يجعلون أي إنسان مقدماً على دينهم ولا على حب نبيهم ﷺ تعلم أن حقيقة الحب لله ورسوله أن تلتزم وتعيش حياتك حياة مسلمة.
لأجل هذا أؤكد على السيرة النبوية فيما يتعلق بالرعيل والجيل الأول، وكيف نشأ هذا الجيل، حتى ملكوا الدنيا كلها، حتى قال هارون الرشيد في القرن الثاني الهجري وقد جلس على المنبر فرأى سحابة في السماء، فقال لها: (أيتها السحابة، أمطري هنا أو أمطري هناك فسوف يأتيني خراجك) ، هذا هو عز المسلمين، أمطري هنا أو أمطري في آخر مكان في العالم فإن خراجك سيأتيني؛ لأن الإسلام هو الذي كان مسيطراً على الأرض آنذاك.
стр. 63
قصة موسى والخضر [٧]
في قصة موسى مع الخضر ﵉ عظات وعبر، ومنها: أنهما نزلا على أهل قرية فأبوا أن يستقبلوهما، وهذا من لؤمهم، وليس من كرم الضيافة التي جاء الشرع باستحبابها والحث عليها، ولقد كان سؤالهما لأهل القرية عن حاجة، وعليه فلا يعد من المسألة المذمومة.
стр. 64
موقف الخضر من أهل القرية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
القضية الثالثة والأخيرة التي فعلها الخضر مع موسى ﵉ ولم يصبر فيها موسى؛ لأن القضايا الثلاث تخالف مفهوم الحكم العام، والأصول الثابتة عند أي رجل، إلا أن فعل الخضر كان بوحي وصله من السماء.
وموسى ﵇ أنكر واعترض، ولم يعترض ﵇ إلا بحق، فبعد أن قتل الخضر الغلام مع أنه لم يذنب، ومع أن القصاص في بني إسرائيل إنما يكون إذا قتل الرجل نفساً فيقتل بها، فكيف وهذا الغلام على رأي بعض المفسرين لم يبلغ الحلم ولم يصل إلى سن التكليف، لم يسع موسى إلا أن ينكر هذا الجرم، وهو يرى نفساً زكية تقتل أمامه بغير نفس.
فقال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] أي هذا منكر الفعل الذي فعلته: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥-٧٨] هذه هي القضية الثالثة والتي بها انتهت حكاية موسى مع الخضر.
وفي صحيح مسلم: (( (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا)) [الكهف:٧٧] أهل قرية لئاماً) كذا وضح النبي ﷺ ، أن أهل القرية كانوا لئاماً؛ لأنه لا يرد الضيف كريم أبداً، بل لا يرده إلا لئيم، لاسيما إذا كان هذا الرجل قد طلب الإطعام.
ومن مكارم الأخلاق عند أهل الفضائل أنه إذا رأى رجلاً استضافه من غير سؤال، فكيف إذا استطعمك، فإذا رددته كنت لئيماً، وهذا هو الوصف الذي وصف به النبي ﷺ أهل هذه القرية.
(اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) انظر إلى جمال التعبير القرآني، (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا) ثم لم يقل: (فأبوا أن يطعموهما) ، بل قال: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) .
الرجل السائل ليس له إلا أن يملأ بطنه إذا كان جائعاً، فإن كان سيبيت ليلة فإنه يطلب محلاً، أما موسى والخضر ﵉ فما طلبا محلاً ليبيتا إنما طلبا طعاماً: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] وفي هذه الآية مسائل:
стр. 65
بناء الخضر للجدار
قال تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] وجدا جداراً مائلاً (يريد أن ينقض) أي: يسقط ﴿فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٧-٧٨] سيظهر فيما بعد أن هؤلاء الناس عوقبوا من الله بإقامة الخضر لهذا الجدار.
ولقد ذكرت أن المرء إن عقد في نفسه لؤماً أن يعاقب بضد قصده، فلما أبوا أن يضيفوهما أقام الخضر الجدار، فحرم أهل القرية من شيء ثمين جداً.
فلما استكمل موسى ﵇ الثلاثة الأشياء قال له الخضر من كثرة اعتراضه: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] ، وهنا يقول النبي ﵊: (رحمة الله علينا وعلى موسى لو أنه صبر لرأى من صاحبه العجب غير أنه أخذته ذمامة منه) .
стр. 66
جواز الترحم على الأحياء
في هذا الحديث مشروعية الترحم على الأحياء، يقال: فلان ﵀ وهو حي.
وهذا يذكرني بشيء أليم سمعته، مع أن الترحم على الأحياء مستحب بدلالة هذا الحديث أو مباح لا كراهة فيه، وقد قرأت في صحيفة أن المقرئ فلاناً الذي يقرأ القرآن والمشهور وما زال حياً أقام دعوى على المذيعة فلانة؛ لأنها وهي تقدمه في الإذاعة قالت: يتلو علينا من آيات الذكر المرحوم فلان، أقام دعوى على المذيعة يطالب بتعويض.
عشرة آلاف جنيه؛ لأنها قالت: المرحوم، وهو يتأذى من هذا؛ لأنه خسر؛ لأن معنى أنه مات أنه لن تأتيه دعوات للقراءة في المكان الفلاني، وهذا سبب له خسارة مادية ومعنوية عند أحبائه!! وأنا لا أدخل في قلوب الناس إنما هذا عن سبر ما يحدث، وقلما تجد قارئاً للقرآن الكريم -بكل أسف- في هذا العصر يبغي وجه الله ، وهذا يظهر من جملة أعماله.
ولا أعلم على حسب قراءتي وسؤالي للناس، ومنهم ثقات أثق بنقلهم، لا أعلم إلا رجلين اثنين، كل من عرفهما امتدحهما وأثنى عليهما بدين وتقوى وبعد عن المال، وهما: الشيخ محمد رفعت ﵀، والشيخ محمد صديق المنشاوي رحمه الله تعالى، والأخير منهما الشيخ المنشاوي ذهبت إلى بيت أبيه لأسأل عن حال هذا الرجل، فما سمعت إلا خيراً من كل من قابلني بدون استثناء على كثرة سؤالي.
لذا تجد أن الله ينسئ في أثر هذا الرجل، فتجده محبوباً ومترحماً عليه، وكذا عاقبة الإخلاص، إن لم تبدُ في حياتك فإن الله ينسؤها لك، كلما ذكر اسمك قيل: ﵀، ﵁، وبين كل هؤلاء المترحمين لعل نفساً صالحة يقبل الله منها.
نسأل الله تعالى أن يقينا شر أعمالنا، وأن يقينا الزلل، وأن يغفر لنا خطايانا، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
стр. 67
إحراج الضيف قد يعاقب عليه المضيف
الضيافة أن تستقبل ضيفك وتكرمه ولا تذكر له شيئاً يحرجه، فإن المضيف إذا تعمد إحراج الضيف فإنه أحياناً يعاقب بنقيض قصده، ولا أذكر هنا حديثاً إنما أذكر وقائع وإن كانت طريفة عجيبة.
مرة دعا سليمان بن عبد الملك -وكان أمير المؤمنين- رجلاً أعرابياً على الغداء، فأتوا له بكبش مشوي ووضعوه على المائدة، والأعراب أناس يغلب عليهم الجلافة بخلاف أهل الحضر وأهل المدنية، فأول ما وضع الجدي أمام الأعرابي أسرع يأكل فيه بحرقة وغيظ ومزقه وهو يأكل بنهم شديد.
فقال له سليمان مداعباً: مالك تأكله بحرق -أي: بغيظ- كأن أمه نطحتك؟ فقال له: ومالك مشفق عليه كأن أمه أرضعتك؟ وهو يأكل.
ومرة دعا رجلاً أعرابياً -وكانوا كرماء ولم يكن أمير المؤمنين في وادٍ والرعية في وادٍ آخر: قال: (يا أعرابي! ألا تتغدى معي) ؟ قال: (حباً وكرامة، أكل الملوك لا نحلم به) .
وبينما الأعرابي يأكل إذ قال له سليمان: يا أعرابي في لقمتك شعرة أزلها -يقول له عن غير قصد: اللقمة فيها شعرة- نحها حتى لا تأكلها.
فوقف الأعرابي مزمجراً وقال: إنك لتراقبني مراقبة من يرى الشعرة في اللقمة لا آكلتك أبداً، كأنه رجل يطمع الناس جميعاً في استضافته، ثم خرج من عنده وهو يقول: للموت خير من ضيافة باخل يراقب عن عمد طعام أكيله أي رجل إذا استضفته لا تتكلم في مسائل الأكل والشرب بل أكدِّ عليه، تقول له: زد قليلاً، كُلْ، فهذا من كرم الضيافة، هذا هو القدر الزائد على مجرد الاستطعام.
قال أعرابي لرجل: (أنا ضيفك اليوم) .
قال: (مرحباً) فلما دخل قال لامرأته: أتاني ضيف ثقيل اذبحي لنا دجاجة واحدة، الرجل وامرأته وولدان وبنتان والضيف على دجاجة، قال الرجل: سأحرجه، أعطيه الدجاجة وأقول له: قسم علينا، فبالتالي لو أعطى كل واحد نصيبه فلن يجد لنفسه قسماً.
فلما وضعت الدجاجة وقعد الجميع قال الرجل: قسم علينا أيها الأعرابي.
قال: وهذا يجوز؟ بل أنت رب البيت.
قال: لا والله لابد أن تقسم علينا، وعقد في نيته ألا يأكل ضيفه، وهنا يعاقب بنقيض قصده، فأمسك الأعرابي فقطع رأس الدجاجة وأعطاها الرجل، وقال: (الرأس للرئيس) وقطع عجز الدجاجة وأعطاها للمرأة، وقال: (العجز للعجوز) وقطع الجناحين وأعطاهما للولدين، ثم قال: (الولدان عندنا جناحان) وقطع الرجلين وأعطاهما للبنتين، ثم قال: (والزور للزائر) أي: بقية الدجاجة للزائر؛ لأن الدجاجة كلها ماعدا الأطراف عند العرب تسمى زوراً، قال: الزور للزائر.
فالضيافة من كرم الشرقيين، ولا أقول: الشرقيين وآسف من هذه العبارة، بل من كرم المسلمين؛ لأن دينهم يحض على ذلك، فإن أتاك ضيف أكرمه وأحسن نزله.
وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﵊ قال لهم بينما هم جلوس: (سيطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلع رجل تنطف لحيته ماءً -متوضئ- وفي اليوم التالي قال نفس العبارة، وفي اليوم الثالث قال نفس العبارة، ويطلع نفس الرجل، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: لأرين هذا الرجل وكيف وصل أن يكون من أهل الجنة.
فقال له: يا فلان! إنه حدث بيني وبين أبي شحناء فأقسمت ألا أبيت في البيت ثلاثاً، فهلا استضفتني؟ قال: نعم.
فاستضافه، إلى آخر الحديث، والشاهد أنه قال: (هلا استضفتني ثلاثاً) الذي هو حق الضيف على مضيفه أن يستقبله ثلاثة أيام.
стр. 68
آداب الضيافة
الضيافة شيء زائد على مجرد الطعام، أن تستقبله بوجه حسن، وتشعره أن هذا بيته، ولا تجرحه بأي كلمة ولو تعريضاً، وأنت جالس على المائدة، مثلاً لا تقل: قال ﵊: (ما ملأ ابن آدم وعاءً قط شراً من بطنه) هذا حديث صحيح، ولكن هذا ليس مكان التحديث.
هذا يذكرني برجل دعي لعقد نكاح، فطلب منه بعض آيات الذكر الحكيم، فقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] ، وقرأ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] نعم صدق الله العظيم، ولكن البلاغة أن يكون الكلام على مقتضى الحال، وكان النبي ﵌ وهو أذكى وأعلم وأرحم الناس إذا أراد أن يعظ أصحابه موعظة جعل لها مناسبة، فيمشي مع أصحابه فيرى جدياً أسكاً مقطوع الأذن ميتاً ملقى على قارعة الطريق، فيقول: (من يشتري هذا؟ فيعجب الصحابة ويقولون: ومن يشتري هذا يا رسول الله؟ والله لو كان حياً ما اشتريناه -لأنه أسك مقطوع الأذن وهذا عيب فيه- فكيف وهو ميت، قال: والله للدنيا أهون على الله من هذا على أحدكم) فيختار مناسبة جيدة حتى يضمن أن الكلام قرع القلب.
إن كثيراً من آفات الذين يَدْعُون أنهم لا يراعون مقتضى حال المخاطب، يرى أن معاملات الناس خطأ، ومع ذلك يتكلم في القصص والحكايات التي لا علاقة لها بمشكلات الناس، لذا تسمع غطيط المصلين وهم يسمعون الخطبة، وترى الرجل ينظر في ساعته متضجراً متى ينتهي هذا الخطيب؟ فالخطيب في وادٍ واحتياج قلوبهم في وادٍ آخر.
стр. 69
حكم استقبال الضيف
استقبال الضيف مستحب في شرعنا استحباباً مؤكداً، وفي صحيح البخاري ومسلم: (أن أبا طلحة وامرأته نزل بهما ضيف، فقال لامرأته: (أعندكِ من القرى شيء؟ -القرى: طعام وشراب- قالت: ليس إلا قوت العيال، فقال: هيئيه، فلما هيأته أطفأ المصباح ووضع الطعام أمام الضيف، وجعلا يريانه أنهما يأكلان وهما لا يأكلان، فلما أصبح قال النبي ﵊: إن الله عجب من صنيعكما البارحة) فنزل قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] .
стр. 70
سؤال موسى والخضر أهل القرية للحاجة
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧٧] نفد الزاد وشعرا بالجوع، فالواجب حينئذٍ أن لا يتلف الرجل نفسه، فهذا يدخل تحت المسمى الثالث: (ورجل أصابته فاقة) ، ففعلهما من الوجهة الشرعية لا شيء فيه، فقد طلبا زاداً، وقد أباح لك الإسلام أنك إذا كنت تمشي في مكان لا يستضيفك فيه أحد فمررت على بستان فيجوز لك أن تأخذ منه بغير إذن صاحبه بما يقيم صلبك.
لكن لا أمر أنا على بستان برتقال فآكل حتى تصيبني تخمة، ثم أقول: آخذ سلة للأولاد؛ لأن هذا قدر زائد على مجرد الحاجة التي تحفظ بها نفسك، ولذا لم يطلب الشرع منك استئذاناً، بينما إذا أخذت شيئاً أو زدت شيئاً آخر فهنا يلزمك الاستئذان.
إذاً: السؤال لا يجوز إلا لحاجة، وكذا فعل الخضر وموسى ﵉، (فَأَبَوْا) انظر إلى هذه الكلمة، مع سبق إصرار وترصد، هذا نابع من لؤم، كما وضح النبي ﵌.
стр. 71
قوة تمسك الصحابة بالأوامر الشرعية
في صحيح مسلم عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى، قال: (حدثني الحبيب الأمين فأما الحبيب فإنه حبيب إلى نفسي، وأما الأمين فهو أمين عندي، وهو عوف بن مالك قال: (ذهبنا مع ثمانية نفر إلى النبي ﵌، فقال: ألا تبايعونني، قلنا: يا رسول الله! قد بايعناك، فعلى أي شيء نبايعك؟ قال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة ولا تسألوا الناس شيئاً) قال عوف: (فكنت أرى بعض أولئك النفر يركب أحدهم على دابته، فيسقط سوطه، فلا يطلب من أحد أن يناوله إنما ينزل عن فرسه فيأخذ سوطه) .
فكانوا إذا ألقي عليهم الأمر التزموه.
وبهذا سادوا الدنيا واستحوذوا -نحسبهم كذلك والله حسيبهم- على الآخرة؛ لأن اتباع النبي ﵌ وما جاء به من قرآن وسنة كبيان للقرآن إنما هذا هو سبيل الفلاح في الآخرة، وفي هذه الدنيا لا يستطيع رجل أن يطأ رأسك ولا يطأ جناحك؛ لأنك تركن إلى ملك قوي.
تجد دولة صعلوكة ترفع رأسها وتتبجح، لماذا؟ يقولون: أمريكا معنا، وروسيا معنا، وهل هذا مسوغ؟ يقولون: نعم.
إذا أردنا أسلحة جاءتنا، وإذا أردنا قمحاً جاءنا؛ لأننا نركن إلى دولة عظمى، فكيف إذا اعتقدت اعتقاداً عملياً ليس مجرد اعتقاد نظري أنك تركن إلى ملك الملوك الذي لا يعجزه شيء، فأصحاب الباطل أحياناً تكون عندهم من العزم ما لو وجد عند أهل الحق لم تكد ترى باطلاً في الأرض.
في إضرابات إيرلندا منذ مدة أضرب زعيم لهم عن الطعام حتى مات وهو يطالب بحقوق للعمال، مع أن هذه السياسة كافرة، الإسلام لا يعرف الإضراب عن الطعام حتى يهلك المرء، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لو أن عبداً كان يمشي في صحراء فاستبد به الجوع فلم ير إلا خنزيراً منتناً فلم يأكله فمات دخل النار) ، لأن الله أحل لك هذا في وقت الضرورة، حتى لا تهلك نفسك، إذ أن حفظ النفس أحد الخمس التي جاء بها الشرع: أن تحفظ نفسك من الموت، فهذا يعاني الموت بسبب الجوع لمبدأ يراه حقاً.
فسبحان الله! إن أهل الحق تنقصهم جرأة تنبع من صميم اعتقادهم أنها لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، إذا ركن الرجل إلى ربه ساد الدنيا، والله تعالى يقول عن الآخرة: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥] فهي له أيضاً.
فكان أحدهم يسقط سوطه على الأرض فلا يطلبه، ولما نهى النبي ﵌ أن يمس الرجل ذكره بيمينه، أو أن تمس المرأة فرجها بيمينها، وإنما جعل اليد اليسرى للاستنجاء وما كان من أذى قال عوف: (ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت النبي ﷺ وسمعت منه هذا) .
هذا الالتزام العظيم إنما يقاس بحبهم لدينهم، وهذا ينقصنا الآن.
وفي المقابل رجل طرح عليَّ هذا السؤال قال وهو يدخن: هل التدخين حرام؟ قلت: نعم.
فأخذ نفساً عميقاً، وقال: أليس بمكروه؟ أقول له: حرام، ولا يتوقف قليلاً ليعلم لِمَ حرام، بل يرد عليَّ بنفس آخر عميق.
-كثير جداً من الناس إذا ألقي عليهم الأمر يجيبك بمنتهى البلادة والوقاحة- إن الدين يسر.
فقلت له: هب أنه مكروه فهل نفسك تطيب بفعل المكروه؟ فسكت، فهذه النماذج قارنها بالسلف الأول لتعلم أنهم عبروا بحراً نحن نقف على شاطئه.
بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات هذا هو الفرق بيننا وبينهم، وهو فرق لا شك أنه كبير جداً.
فالمسألة إذاً في شرعنا لا تجوز إلا في الأحوال الثلاثة التي ذكرتها، فهل هذه الآية يمكن أن نخرج معناها على واحدة من هذه الأحوال الثلاثة أم لا؟
стр. 72
حكم سؤال الناس
المسألة الأولى: هل يجوز بدلالة هذه الآية أن نسأل الناس؟ موسى والخضر استطعما، وهذا المقطع (الألف، والسين، والتاء) ، إذا دخل على الفعل دل على الطلب مثلاً: استعمار: أناس يطلبون أن يعمروا، استجداء: طلب الجدة، استثناء.
إلخ، وموسى والخضر استطعما! فهل سألا الطعام والإطعام؟! يذهب الحريري في مقاماته إلى أنه بدلالة هذه الآية يجوز لك السؤال، وقد علق القرطبي على هذه المقالة بقوله: (وهذا استخفاف بالمرسلين وقلة احترام للنبيين، وهي شنشنة أدبية وهفوة ظاهرية) .
إن الإسلام لم يجز للمسلم أن يطلب من الناس شيئاً إلا ثلاثة أشياء فقط، طبقاً للحديث الذي رواه مسلم من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁: أنه كان تحمل حمالة، أي: أن طائفتين اختلفتا على دية قتيل أو على غرم أو شيء، فأبت كل طائفة أن تدفع، وطالما أنه لم يدفع أحد الطرفين فسيظل الخصام، فيقوم رجل ويقول: تصالحا وأنا سأدفع، فهذا هو معنى الحمالة.
فـ قبيصة كان تحمل حمالة بين طائفتين اقتتلتا، فلما جاء موعد السداد لم يجد معه مالاً.
فطلب من النبي ﷺ -وهذا يرجح أنه كان في صدر الإسلام- فقال ﵊: (إذا أتاني مال أعطيك، ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: لرجل تحمل حمالة حتى إذا جاء موعد الوفاء لم يكن معه) هذا يجوز له أن يسأل الناس، (ورجل اجتاحت أمواله جائحة فأتت عليها) هذا يجوز له أن يطلب من الناس، (ورجل أصابته فاقة -أي: فقر- فيقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه -أي: من ذوي العقل- فيشهدون على فاقته -أي: على فقره- فيأخذ ما يسد به حاجته، يا قبيصة! بغير هذه الثلاثة فإنما تأكل أموال الناس سحتاً) .
الإسلام دين عزيز، يعز عليه أن يرى بعض أتباعه يريقون ماء وجوههم، أعطاهم الناس أو ردوهم، ويعلم الله أن هؤلاء الذين يسألون الناس غالبهم إنما يستكثر من أموال الناس لا غير، قال الله في صفة المؤمنين الفقراء الذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض، قال عنهم: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] والإلحاف: هو كثرة السؤال.
مرة كنت أقف في شارع، فإذا بيد تجذبني من الوراء، فالتفت فإذا امرأة تقول: لله، هذا الموقف لا أزيد فيه حرفاً، أنا تصورت أني ارتكبت جرماً لأنها كانت جذبة شديدة.
هذه المرأة لو نظرت إليها تجدها في قوة وعافية، أين زوجها؟ أين أولادها؟ أين أبوها؟ أين أخوها؟ أين خالها؟ أين رحمها؟ تخرج، وعن عمد يلبسون الثياب المقطعة إظهاراً للفقر، مع أن هذا مناف أصلاً لديننا، لا يجوز لك على رأي بعض العلماء إن كنت تستطيع أن تلبس ثياباً حسنة أن تلبس أقل منها، فإنك مأمور من قبل الشرع أن تظهر أثر نعمة الله عليك، كما في الحديث الصحيح: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) .
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر ﵄: (ما من رجل يسأل الناس إلا أتى يوم القيامة ليس على وجهه مزعة لحم) رجل أراق ماء وجهه وأزال لحم وجهه، يأتي يوم القيامة ليس على وجهه مزعة لحم.
ومن حديث أبي هريرة عند مسلم أيضاً أن النبي ﵊ قال: (من يسأل الناس استكثاراً من أموالهم ليس عن ظهر حاجة فإنما يستكثر به ناراً، فليستكثر أحدكم أو ليقل) .
ومنذ سنين نشر في الصحف -وإن كان كثير مما في الصحف لا يصدق إنما هذا ليس بمستبعد- أنهم ألقوا القبض على امرأة تقعد على كيس فلما فتحوا الكيس إذا به مال، فلما أحصوه زاد على السبعة آلاف، فمثل هذا النمط لا يكون يوم القيامة على وجوهم مزعة لحم.
стр. 73
قصة موسى والخضر [٨]
عندما بنى الخضر الجدار لأهل القرية اعترض موسى على فعله؛ لأنه رأى أن هذا الفعل يعد مكافأة لهم على لؤمهم، وعدم استضافتهم لهما، فكانت هذه نهاية صحبة موسى للخضر، حيث بين له الخضر عندها الحكمة في أفعاله التي فعلها، ومنها بناؤه للجدار، حيث أن ذلك الجدار كان تحته كنز لغلامين يتيمين تركه أبوهما، فحفظه الله لصلاح أبيهما، وهكذا فإن الصلاح أمان، والله تعالى يكفل أهل الصلاح ويضمن عنهم.
стр. 74
نهاية قصة موسى مع الخضر
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سنعرض المشهد الأخير الذي به انفضت الصحبة بين موسى والخضر ﵉، ذلك المشهد أو الموقف يتعلق بالكنز الذي كان تحت الجدار، وسننظر كيف أن الله يعاقب الرجل على قصده.
стр. 75
لطيفة قرآنية
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] هنا في قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ [الكهف:٨٢] وفي الآيات السابقة (تستطع) ، فحذف حرف التاء.
وقبل معرفة الحكمة من حذفه أقدم بقاعدة عند علماء البيان، يقولون: (إن المبنى والمعنى يشتركان في أداء الوظيفة من اللفظ، فإن زاد المبنى زاد المعنى، والعكس إن قل المبنى قل المعنى) (المبنى) : هي الأحرف، فالأحرف هي اللبنات في الكلمة كالطوبة بالنسبة للجدار، فحرف مع حرف مع حرف يعطيك كلمة.
والكلمة التي لها خمسة أحرف، بخلاف الكلمة التي لها أربعة أحرف، بخلاف الكلمة التي لها حرفان أو ثلاثة.
فمثلاً: صرخ، لو قلنا: اصطرخ فزاد حرف الطاء على الكلمة، قال الله : ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧] لم يقل: يصرخون؛ لأن الاصطراخ أشد من الصراخ، (يصطرخون) : أي: بحمية، بهلع وجزع، فلفظة يصطرخون أقوى من لفظة يصرخون؛ لأنه زاد في كلمة (يصطرخون) حرف الطاء، إذاً: زيادة حرف في الكلمة يزيدها معنى بخلاف نقصانه من الكلمة.
مثلاً: كلمة (استطاع) التي نحن بصددها الآن، قال الله في قصة ذي القرنين التي هي بعد قصة موسى والخضر لما بنى السد وجاء يأجوج ومأجوج، قال الله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ لم يستطيعوا أن يتسلقوه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ولا شك أن إحداث ثقب في سد عريض هائل من الحديد والقطران أصعب من أن تتسلقه، لذلك جعل التاء في (استطاعوا) في النقب؛ لأنه أشد على النفس ويحتاج إلى مجهود، وأما مجرد التسلق فسهل، ولذلك حذفت التاء، فدل على أن التسلق أسهل بكثير جداً من النقب وإحداث ثقب.
ففي الآية الأولى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ﴾ [الكهف:٧٨] أتى (بالتاء) ؛ لأن القضايا الثلاث كانت عسيرة جداً على نفس موسى، ففي كل قضية كان يعترض، فلم يقبلها.
فقال: ذلك الذي شق عليك وعلى نفسك ولم تستطع أن تتحمله أنا سأنبئك بتأويله، فلما حل الخضر رموز القصة ظهر أنها حكمة فعلاً، وظهر أنه لم يفعل ذلك جزافاً، حينئذٍ سهل فهم المواقف كلها على موسى، حينئذٍ قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] أي: أنه سهل ولم يكن شاقاً كما كنت تعترض عليَّ في أول الأمر، فلذلك حذف (التاء) ، وحذف (التاء) هنا دل على ذهاب المشقة والحرج اللذين كانا في نفس موسى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] .
نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
следующие страницы →