← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7691

تحفة الفقهاء

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الْمَوَاقِيت فمكروه وَأَصله قَوْله تَعَالَى (فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج) إِلَى أَن قَالَ (ذَلِك لمن لم يكن أهلة حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام) وَلَو تمَتَّعُوا مَعَ ذَلِك أَو قرنوا يجوز ويلزمهم دم لإساءتهم وَيكون ذَلِك دم جبر حَتَّى لَا يحل لَهُم أكله وَعَلَيْهِم أَن يتصدقوا بِهِ على الْفُقَرَاء فَأَما فِي حق أهل الْآفَاق فمشروعة مُسْتَحبَّة ويلزمهم الدَّم شكرا لما أنعم الله عَلَيْهِم فِي الْجمع بَين النُّسُكَيْنِ بسفر وَاحِد حَتَّى يحل لَهُ الْأكل مِنْهُ وَيطْعم من شَاءَ من الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَلَا يجب عَلَيْهِ التَّصَدُّق لَكِن الْمُسْتَحبّ أَن يَأْكُل الثُّلُث وَيتَصَدَّق بِالثُّلثِ وَيهْدِي الثُّلُث إِلَى أقربائه وجيرانه كَمَا فِي الْأُضْحِية وَإِنَّمَا يذبح فِي أَيَّام النَّحْر ويذبح فِي الْحرم فَإِن كَانَ مُعسرا وَلم يجد الْهَدْي فَإِنَّهُ يَصُوم ثَلَاثَة أَيَّام قبل يَوْم عَرَفَة بعد إِحْرَام الْعمرَة وَالْأَفْضَل أَن تكون ثَلَاثَة أَيَّام آخرهَا يَوْم عَرَفَة فَإِن فعل ذَلِك ثمَّ جَاءَ يَوْم النَّحْر حلق أَو قصر ثمَّ يَصُوم سَبْعَة أَيَّام بعد مُضِيّ أَيَّام النَّحْر والتشريق وَإِن لم يرجع إِلَى أَهله وَهَذَا عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي يَصُوم السَّبْعَة بَعْدَمَا رَجَعَ إِلَى أَهله وَلَا يجوز قبله لقَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رجعتم تِلْكَ عشرَة كَامِلَة﴾ إِلَّا أَنا نقُول معنى قَوْله رجعتم أَي فَرَغْتُمْ من أَفعَال الْحَج

стр. 387

كَذَا قَالَ أهل التَّفْسِير ثمَّ الْقرَان أفضل من الْإِفْرَاد عندنَا ثمَّ التَّمَتُّع ثمَّ الْإِفْرَاد وَقَالَ الشَّافِعِي الْإِفْرَاد أفضل مِنْهُمَا جَمِيعًا وَقَالَ مَالك التَّمَتُّع أفضل ثمَّ الْقرَان ثمَّ الْإِفْرَاد وَحَاصِل الْخلاف أَن الْقَارِن محرم بإحرامين وَلَا يدْخل إِحْرَام الْعمرَة فِي إِحْرَام الْحَج عندنَا وَعِنْده يكون محرما بِإِحْرَام وَاحِد وَيدخل إِحْرَام الْعمرَة فِي إِحْرَام الْحَج لقَوْله ﵇ دخلت الْعمرَة فِي الْحَج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَكنَّا نستدل بِإِجْمَاع الْأمة على تَسْمِيَته قرانا وَالْقرَان يكون بَين شَيْئَيْنِ وَأما الحَدِيث فتأويله دخل وَقت الْعمرَة فِي وَقت الْحجَّة فَإِنَّهُم كَانُوا يعدون الْعمرَة فِي أشهر الْحَج من أفجر الْفُجُور فنسخ الْإِسْلَام ذَلِك وَيَنْبَنِي على هَذَا الأَصْل مسَائِل مِنْهَا مَا قُلْنَا إِن الْقرَان أفضل لِأَنَّهُ جمع بَين العبادتين بإحرامين وَعِنْده بِخِلَافِهِ وَمِنْهَا أَن الْقَارِن يطوف طوافين وَيسْعَى سعين وَيقدم أَفعَال الْعمرَة على أَفعَال الْحَج وَعِنْده يطوف طَوافا وَاحِدًا وَيسْعَى سعيا وَاحِدًا وَمِنْهَا أَن الدَّم الْوَاجِب فِيهِ دم نسك عندنَا شكرا للْجمع بَين العبادتين وَعِنْده دم جبر لتمكن النُّقْصَان فِي الْحَج بِسَبَب إِدْخَال الْعمرَة فِيهِ حَتَّى لَا يحل لَهُ أكل هَدْيه عِنْده وَعِنْدنَا يحل وَمِنْهَا أَنه إِذا تنَاول مَحْظُور إِحْرَامه فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ دمان عندنَا

стр. 388

وَعِنْده يجب عَلَيْهِ دم وَاحِد وَمِنْهَا أَنه لَو أحْصر الْقَارِن فَإِنَّهُ يحل بهديين عندنَا وَعِنْده يهدي وَاحِد ثمَّ النِّسَاء فِي الْحَج وَالْعمْرَة كالرجال إِلَّا فِي أَشْيَاء مِنْهَا أَنه لَا يحرم عَلَيْهِم لبس الْمخيط وعليهن أَن يغطين رؤوسهن لَكِن لَا يغطين وجوههن وَلَو غطين حافين فَيكون إحرامهم فِي وجوهن وَكَذَا لَا يرفعن أصواتهن بِالتَّلْبِيَةِ وَكَذَا لَا يرملن فِي الطّواف وَلَا يسعين فِي بطن الْوَادي بَين الصَّفَا والمروة بل يَمْشين على هينتهن وَلَا يَحْلِقن رؤوسهن وَلَكِن يقصرن فيأخذن من أَطْرَاف شعورهن قدر أُنْمُلَة وَيسْقط عَنْهُن طواف الصَّدْر فِي بَاب الْحَج إِذا حضن أَو نفسن وَلَا يجب عَلَيْهِم بِتَأْخِير طواف الزِّيَارَة عَن أَيَّام النَّحْر بِسَبَب الْحيض وَالنّفاس شَيْء

стр. 389

بَاب آخر جمع فِي الْكتاب مسَائِل الْإِحْصَار ومسائل الْمَحْظُورَات ومسائل الْأَمر بِالْحَجِّ وَبَدَأَ بالإحصار فَقَالَ من منع عَن الْوُصُول إِلَى الْبَيْت بَعْدَمَا أحرم بِالْحَجِّ أَو بِالْعُمْرَةِ أَو بهما بِسَبَب مرض أَو عَدو فَهُوَ محصر وَالْكَلَام فِي الْإِحْصَار فِي مَوَاضِع أَحدهَا أَن الْإِحْصَار قد يكون بالعدو كفَّارًا كَانُوا أَو مُسلمين وَقد يكون بِالْمرضِ أَو بعلة مَانِعَة عَن الْمَشْي وَهَذَا عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يكون إِلَّا بالعدو وعَلى هَذَا إِذا أَحرمت الْمَرْأَة بِحجَّة الْإِسْلَام فَلم تَجِد محرما أَو مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا فَهِيَ محصرة فَأَما إِذا سرقت نَفَقَة الْحَاج أَو هَلَكت رَاحِلَته فَإِن كَانَ لَا يقدر على الْمَشْي أَو يقدر فِي الْجُمْلَة لَكِن يخَاف أَن لَا يُمكنهُ الْمَشْي مَعَ الْقَافِلَة فَإِنَّهُ يكون محصرا وَإِن كَانَ مِمَّن يقدر على الْمَشْي لَا يكون محصرا بل يجب عَلَيْهِ أَن يذهب بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن قَادِرًا على الرَّاحِلَة فِي

стр. 390

الِابْتِدَاء لِأَنَّهُ صَار الْحَج لَازِما عَلَيْهِ بِسَبَب الشُّرُوع فَأَما الْمَرْأَة إِذا أَحرمت بِالْحَجِّ تَطَوّعا فَللزَّوْج أَن يمْنَعهَا لِأَن مَنْفَعَتهَا ملك الزَّوْج وَلم تصر مُسْتَثْنَاة فِي حق التَّطَوُّع فَتَصِير محصرة وَللزَّوْج أَن يحللها بِأَن يقبلهَا أَو يعانقها فَتحل للْحَال من غير أَن تذبح وَعَلَيْهَا أَن تبْعَث الْهَدْي فَيذْبَح فِي الْحرم لِأَن الْإِحْلَال مُسْتَحقّ عَلَيْهَا حَقًا للزَّوْج وَكَذَلِكَ العَبْد وَالْأمة إِذا أحرما فللمولى أَن يحللهما وَعَلَيْهَا الْهَدْي بعد الْعتاق وَقَضَاء الْحَج وَالْعمْرَة لِأَنَّهُ يصير وَاجِبا بِالشُّرُوعِ وَلَو أذن الْمولى لعَبْدِهِ فِي الْحَج فَأحْرم يكره لَهُ أَن يحلله لِأَنَّهُ خلاف وعده وَلَكِن مَعَ هَذَا لَو حلله يجوز وَيحل وَلَا يلْزم الْمولى الْهَدْي بِسَبَب الْإِحْلَال لِأَن الْإِحْلَال حق الْمولى وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَيْسَ لَهُ أَن يحلله لِأَنَّهُ أسقط حق نَفسه بِالْإِذْنِ وَلَو بَاعَ العَبْد فَلِلْمُشْتَرِي أَن يحلله من غير كَرَاهَة وعَلى قولزفر يكره وَلَو أذن لأمته بِالْحَجِّ وَلها زوج فأحرمت فَلَيْسَ للزَّوْج أَن يحللها لِأَن للْمولى أَن يُسَافر بهَا فَكَانَ لَهُ أَن يَأْذَن بذلك وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لِأَن الْإِحْصَار يتَحَقَّق بِكُل مَانع من الْوُصُول إِلَى الْبَيْت قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن أحصرتم فَمَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي﴾ من غير فصل بَين سَبَب وَسبب فَهُوَ على الْإِطْلَاق وَمِنْهَا حكم الْإِحْصَار وَهُوَ أَن يبْعَث الْهَدْي إِلَى الْحرم أَو يَأْمر رجلا ليَشْتَرِي هَديا ثمَّة ويواعده بِأَن يذبحه عَنهُ ثمَّة فِي يَوْم

стр. 391

معِين فَإِذا ذبحه عَنهُ يحل لَهُ كل شَيْء وَلَا يحْتَاج إِلَى الْحلق فِي قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَإِن فعل فَحسن وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَنْبَغِي أَن يحلق وَإِن لم يفعل فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنهُ أَنه وَاجِب لَا يسع تَركه وَله أَن يرجع إِلَى أَهله إِذا بعث الْهَدْي سَوَاء ذبح عَنهُ أَو لَا لِأَن إِذا لم يتَمَكَّن من الْمَشْي إِلَى الْحَج فَلَا فَائِدَة فِي الْمقَام وَمِنْهَا أَن يتَحَلَّل بِشَاة وَإِن كَانَ اسْم الْهَدْي يَقع على الشَّاة وَالْإِبِل وَالْبَقر لما روى جَابر أَن النَّبِي ﵇ أَمر النَّاس عَام الْحُدَيْبِيَة أَن يتحللوا بِشَاة ويذبحوا الْبَقَرَة عَن سَبْعَة وَمِنْهَا أَن هدي الْإِحْصَار لَا يجوز ذبحه إِلَّا فِي الْحرم عندنَا وَعند الشَّافِعِي فِي الْموضع الَّذِي يتَحَلَّل فِيهِ وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالْهَدْي معكوفا أَن يبلغ مَحَله﴾ وَمِنْهَا أَن دم الْإِحْصَار يجوز تَقْدِيمه على أَيَّام النَّحْر عِنْد أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَا يجوز تَقْدِيمه على أَيَّام النَّحْر وَأَجْمعُوا أَن هدي الْإِحْصَار عَن الْعمرَة يجوز فِي أَي وَقت شَاءَ وَمِنْهَا أَن الْمحصر إِذا لم يجد الْهَدْي وَلَا ثمن الْهَدْي لَا يحل بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْم بل يبْقى محرما إِلَى أَن يجد الْهَدْي فَيذْبَح عَنهُ فِي الْحرم بأَمْره أَو مَتى زَالَ الْإِحْصَار فَيذْهب إِلَى مَكَّة فيحج إِن بَقِي وَقت الْحَج وَإِن فَاتَ وَقت الْحَج فيتحلل بِأَفْعَال الْعمرَة هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من قَوْلنَا

стр. 392

وَقَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح يحل بِالْإِطْعَامِ ثمَّ بِالصَّوْمِ بِأَن يقوم الْهَدْي طَعَاما فَيتَصَدَّق بِهِ على الْمَسَاكِين وَإِن لم يجد الطَّعَام يَصُوم لكل نصف صَاع يَوْمًا وَبِه أَخذ أَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة وَقَالَ الشَّافِعِي فِي قَول يحل بِالصَّوْمِ ويصوم ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج ويصوم سَبْعَة أَيَّام بعْدهَا كَمَا فِي الْمُتَمَتّع والقارن وَفِي قَول يطعم وَإِن فَاتَ وَمِنْهَا أَن الْمحصر إِذا حل بِالْهَدْي فَعَلَيهِ قَضَاء حجَّة وَعمرَة من الْقَابِل أما الْحجَّة فَلِأَنَّهُ أوجبهَا بِالشُّرُوعِ وَإِن كَانَت تَطَوّعا وَإِن كَانَت حجَّة الْإِسْلَام وفاتت فَعَلَيهِ أَدَاؤُهَا وَعَلِيهِ قَضَاء عمْرَة لفَوَات الْحَج فِي عَامَّة ذَلِك وفائت الْحَج يتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعمرَة هَذَا هُوَ الأَصْل فَإِذا خرج بِالْهَدْي فَعَلَيهِ قَضَاء الْعمرَة الَّتِي يتَحَلَّل بهَا فَائت الْحَج وَإِن كَانَ قَارنا يقْضِي حجَّة وَعمرَة مَكَان مَا فَاتَهُ من الْحَج وَالْعمْرَة وَعمرَة أُخْرَى لكَونه فَائت الْحَج وَمِنْهَا مَا ذكرنَا أَن الْقَارِن إِذا أحْصر يبْعَث بهديين وَمَا لم يذبحا جَمِيعًا لَا يحل خلافًا للشَّافِعِيّ وَمِنْهَا أَنه إِذا ذبح هَدْيه قبل الْيَوْم الَّذِي وَاعد فِيهِ أَو قبل يَوْم النَّحْر على قَوْلهمَا وَقد بَاشر أفعالا هِيَ حرَام بِسَبَب الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء لِأَنَّهُ مَتى ذبح فِي غير ذَلِك الْيَوْم أَو ذبحه فِي غير الْحرم فَهُوَ محمر بعد وَالْمحرم إِذا بَاشر محظوره يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء وَمِنْهَا أَنه إِذا زَالَ الْإِحْصَار وَقدر على إِدْرَاك الْهَدْي وَالْحج جَمِيعًا فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ التَّوَجُّه إِلَى الْبَيْت لِأَن الْهَدْي إِنَّمَا شرع عِنْد الضَّرُورَة للإحلال وَقد زَالَت الضَّرُورَة

стр. 393

وَإِن قدر على إِدْرَاك الْهَدْي دون الْحَج فقد تحقق الْإِحْصَار لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي إِدْرَاك الْهَدْي إِذا فَاتَ الْحَج فَيذْبَح عَنهُ وَيحل وَلَا يجب عَلَيْهِ الذّهاب إِلَى مَكَّة وَإِن قدر على إِدْرَاك الْحَج دون الْهَدْي فَهَذَا إِنَّمَا يتَحَقَّق على قَول أبي حنيفَة فِي الْحَج وَعند الْكل فِي الْإِحْصَار بِالْعُمْرَةِ لِأَن ذبح الْهَدْي غير مُؤَقّت بِيَوْم النَّحْر فَأَما عِنْدهمَا فَفِي ذبح هدي الْإِحْصَار عَن الْحَج لَا يتَحَقَّق لِأَنَّهُ يذبح يَوْم النَّحْر فَإِذا أدْرك الْحَج فقد أدْرك الْهَدْي ثمَّ الْجَواب على قِيَاس قَوْله لَا يحل بِالْهَدْي لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق بالإحصار لِأَنَّهُ صَار قادما على أَدَاء الْحَج فَصَارَ كالشيخ الفاني إِذا قدر على الصَّوْم وَفِي الِاسْتِحْسَان يحل بِالْهَدْي لِأَنَّهُ لما لم يكن قَادِرًا على إِدْرَاك الْهَدْي صَار حَلَالا بِالذبْحِ فَإِن ذهب من عَامه ذَلِك إِلَى قَضَاء الْحَج فَإِنَّهُ يقْضِي بِإِحْرَام جَدِيد وَعَلِيهِ قَضَاء الْحَج لَا غير لِأَنَّهُ لم يفت عَنهُ الْحَج فِي هَذَا الْعَام وَإِن قضى فِي عَام آخر فَعَلَيهِ قَضَاء الْحَج وَعَلِيهِ الْعمرَة لفَوَات الْحَج من الْعَام الأول وَأما مسَائِل المحظوراتفنقول إِذا لبس الْمحرم الْمخيط فَإِن كَانَ يَوْمًا كَامِلا فَعَلَيهِ دم فَأَما إِذا كَانَ فِي بعض الْيَوْم فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ صَدَقَة لِأَن لبس الْمخيط إِنَّمَا حرم لكَونه من مرافق المقيمين واللبس يَوْمًا كَامِلا يكون استمتاعا كَامِلا فَعَلَيهِ دم وَإِلَّا فَيجب بِقَدرِهِ من الصَّدَقَة بِأَن يقسم قيمَة الْهَدْي على سَاعَات الْيَوْم فَمَا يُصِيب ذَلِك الْوَقْت الَّذِي لَيْسَ فِيهِ يجب عَلَيْهِ بِقَدرِهِ وَكَذَا قَالَ بعض أَصْحَابنَا وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يطعم نصف صَاع من بر

стр. 394

وكل صَدَقَة فِي الْإِحْرَام غير مقدرَة فَهِيَ نصف صَاع إِلَّا فِي قتل الجرادة والقملة فَهِيَ كف من طَعَام وَلَو لبس جَمِيع الثِّيَاب وَلبس الْخُفَّيْنِ أَيْضا لَا يلْزمه إِلَّا جَزَاء وَاحِد لِأَن الْجِنْس وَاحِد وَلَو لبس قلنسوة ولف عِمَامَة للضَّرُورَة لَا يلْزمه إِلَّا فديَة وَاحِدَة وَلَو وضع قَمِيصًا على رَأسه وقلنسوة يلْزمه للضَّرُورَة فديَة وللقميص دم لِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى الْقَمِيص فِي الرَّأْس وَلَو لبس قَمِيصًا للضَّرُورَة وَلبس خُفَّيْنِ من غير ضَرُورَة يلْزمه الْفِدْيَة لأجل الضَّرُورَة وَالدَّم لأجل الْخُفَّيْنِ من غير ضَرُورَة وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي لبس الْخُفَّيْنِ وتغطية الْوَجْه وَالرَّأْس فِي حق الرجل أما الْمَرْأَة فعلَيْهَا أَن تغطي رَأسهَا وَلَكِن لَا تغطي وَجههَا ثمَّ فِي الْجَواب ظَاهر الرِّوَايَة إِذا غطى ربع الرَّأْس أَو الْوَجْه يَوْمًا وَاحِدًا يجب عَلَيْهِ الدَّم وَإِن كَانَ أقل من يَوْم يجب عَلَيْهِ الصَّدَقَة بِقَدرِهِ وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد أَنه قدر بِالْأَكْثَرِ وَإِن ألْقى على مَنْكِبَيْه قبَاء أَو توشح قَمِيصًا أَو اتزر بسراويل لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلبْس مُعْتَاد وَكَذَا لَو غطى رَأسه بِمَا لبس بمعتاد بِأَن وضع الإجانة على رَأسه أَو جوالق حِنْطَة على رَأسه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ

стр. 395

وَلَو أَدخل الْيَد فِي الكمين بَعْدَمَا ألْقى القباء على مَنْكِبَيْه يجب الْجَزَاء لِأَن لبس القباء فِي الْعَادة هَكَذَا وَإِن لم يجد النَّعْلَيْنِ يَنْبَغِي أَن يقطع الْخُفَّيْنِ أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ ويلبس وَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَكَذَا لَو فتق السَّرَاوِيل وَلم يبْق إِلَى مَوضِع التكة لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن هَذَا اتزار وَلَيْسَ بِلبْس وَلَو حلق رَأسه أَو ربع رَأسه فَعَلَيهِ دم عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا إِن حلق أَكثر الرَّأْس يجب دم وَإِن كَانَ أقل يجب صَدَقَة وَلَو قلم الْأَظْفَار إِن كَانَ قلم يدا وَاحِدَة ورجلا وَاحِدَة أَو قلم الأظافير كلهَا لَا يلْزمه إِلَّا دم وَاحِد لِأَن جنس الْجَنَابَة وَاحِد وَلَو قلم خَمْسَة أظافير من الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن لَا يجب عَلَيْهِ الدَّم لِأَن هَذَا لَيْسَ من بَاب الارتفاق وَلَكِن يجب لكل ظفر نصف صَاع من حِنْطَة وَهَذَا إِذا فعل بِغَيْر عذر فَأَما إِذا فعل بِعُذْر فَعَلَيهِ الْفِدْيَة وَهُوَ أحد الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام أَو صَدَقَة على سِتَّة مَسَاكِين أَو ذبح شَاة لقَوْله تَعَالَى ﴿ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك﴾ ثمَّ الْمحرم يحرم عَلَيْهِ أَخذ صيد الْبر وَقَتله وَالْإِشَارَة إِلَيْهِ وَالدّلَالَة عَلَيْهِ فَأَما صيد الْبَحْر فحلال لَهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه مَتَاعا لكم وللسيارة وَحرم عَلَيْكُم صيد الْبر مَا دمتم حرما﴾

стр. 396

وَالصَّيْد مَا كَانَ متوحشا مُمْتَنعا إِمَّا بجناحيه أَو بقوائمه حَتَّى إِن الدَّجَاج والبط الأهلي لم يكن من الصَّيْد فَإِن قتل صيدا فَإِن لم يقْصد الصَّيْد بالإيذاء يلْزمه الْجَزَاء وَأما إِذا قصد بالإيذاء وَإِن لم يكن مُؤْذِيًا فِي الأَصْل أَو كَانَ من جملَة المؤذيات كَالْكَلْبِ الْعَقُور وَالذِّئْب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَأَصله حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ خمس يقتلن فِي الْحل وَالْحرم الْحَيَّة وَالْعَقْرَب والفأرة والحدأة وَالْكَلب الْعَقُور وَفِي رِوَايَة الْغُرَاب الأبقع وَإِذا قتل شَيْئا من غير المؤذيات ابْتِدَاء ينظر إِمَّا إِن كَانَ مَأْكُول اللَّحْم أَو لم يكن مَأْكُول اللَّحْم فَإِن كَانَ مَأْكُول اللَّحْم فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قِيمَته عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَتعْتَبر قِيمَته فِي الْموضع الَّذِي قَتله فِيهِ إِن كَانَ مِمَّا يُبَاع فِي ذَلِك الْموضع أَو فِي أقرب الْأَمَاكِن الَّذِي يُبَاح فِيهِ وَيقوم وَإِذا ظَهرت قِيمَته فَالْخِيَار إِلَى الْقَاتِل عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَفِي رِوَايَة الْكَرْخِي إِن بلغت قِيمَته هَديا إِن شَاءَ اشْترى بهَا هَديا فذبح فِي الْحرم وَإِن شَاءَ اشْترى بهَا طَعَاما فَتصدق على كل فَقير نصف صَاع من حِنْطَة وَإِن شَاءَ صَامَ مَكَان كل نصف صَاع من حِنْطَة يَوْمًا فَإِن اشْترى هَديا ذبح فِي الْحرم سقط عَنهُ الْجَزَاء بِمُجَرَّد الذّبْح حَتَّى إِنَّه لَو سرق بعد الذّبْح أَو ضَاعَ بِوَجْه مَا قبل التَّصَدُّق فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَو تصدق بكله على فَقير وَاحِد جَازَ لَا يجب عَلَيْهِ التَّفْرِيق على الْمَسَاكِين

стр. 397

وَلَو ذبحه فِي الْحل لَا يسْقط عَنهُ الْجَزَاء إِلَّا إِذا تصدق بِلَحْمِهِ على الْفُقَرَاء على كل فَقير قدر قيمَة نصف صَاع من حِنْطَة فيجزئه بَدَلا عَن الطَّعَام أَو الصّيام إِذا بلغت قِيمَته قيمَة الصَّيْد وَإِلَّا فيكمل وَإِذا اخْتَار الطَّعَام أَو الصّيام يجزئانه فِي الْأَمَاكِن كلهَا وَيجوز فِي الْإِطْعَام الْإِبَاحَة وَالتَّمْلِيك وَيجوز الصَّوْم مُتَتَابِعًا ومتفرقا وَلَو لم تبلغ قيمَة الْهَدْي فَلهُ الْخِيَار بَين الْإِطْعَام وَالصِّيَام وَالْهَدْي هُوَ كل مَا يجوز فِي الْأَضَاحِي من الثنايا فِي الْمعز وَالشَّاة الَّتِي أَتَت عَلَيْهَا السّنة إِلَّا الْجذع من الضَّأْن إِذا كَانَ عَظِيما وَهُوَ الَّذِي أَتَت عَلَيْهِ سِتَّة أشهر فَصَاعِدا وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ عَن مُحَمَّد الْخِيَار فِي ذَلِك إِلَى الْحكمَيْنِ إِن شاءا حكما عَلَيْهِ هَديا وَإِن شاءا حكما عَلَيْهِ طَعَاما وَإِن شاءا حكما عَلَيْهِ صياما وَلَيْسَ لَهُ أَن يخرج من حكمهمَا فَإِن حكما عَلَيْهِ هَديا يجب عَلَيْهِ ذبح نَظِير الْمُتْلف من النعم الأهلي من حَيْثُ الْهَيْئَة وَالصُّورَة إِن كَانَ لَهُ نَظِير من حَيْثُ الصُّورَة عِنْد مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ سَوَاء كَانَت قِيمَته مثل قيمَة الْمُتْلف أَو أقل أَو أَكثر بِأَن يجب فِي الظبي شَاة وَفِي النعامة بَدَنَة وَفِي الأرنب عنَاق وَفِي اليربوع جفرة والجفرة من أَوْلَاد الْمعز الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ سِتَّة أشهر وَإِن لم يكن لَهُ نَظِير من حَيْثُ الْخلقَة فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِقِيمَتِه هَديا فَيذْبَح فِي الْحرم

стр. 398

فَأَما إِذا مَا حكما عَلَيْهِ طَعَاما أَو صياما فعلى مَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فَأَما إِذا كَانَ الْمَقْتُول غير مَأْكُول اللَّحْم سوى المؤذيات الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وَقد قَتله ابْتِدَاء لَا بطرِيق الدّفع لأذاة فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ إِلَّا أَنه لَا يُجَاوز عَن ثمن هدي وَإِن كَانَت قِيمَته أَكثر من ذَلِك فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن الْكَرْخِي أَنه قَالَ لَا يبلغ دَمًا بل ينقص مِنْهُ شَيْء هَذَا حكم الْمحرم فَأَما حكم صيد الْحرم فَنَقُول إِن أَخذ صيد الْحرم وَقَتله حرَام لحُرْمَة الْحرم قَالَ النَّبِي ﵇ فِي صفة الْحرم لَا يخْتَلى خَلاهَا وَلَا يعضد شَوْكهَا وَلَا ينفر صيدها إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول الْحَلَال إِذا أتلف صيدا مَمْلُوكا فِي الْحَرَام معلما كالبازي وَالْحمام فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ قيمتان قِيمَته معلما للْمَالِك وَقِيمَته غير معلم حَقًا لله تَعَالَى لِأَنَّهُ جنى على حقين إِلَّا أَن فِي حق الله تَعَالَى يضمن من حَيْثُ إِنَّه صيد لَا من حَيْثُ إِنَّه معلم وَلَو أتلف صيدا غير مَمْلُوك يجب عَلَيْهِ جَزَاء وَاحِد وَهُوَ قِيمَته وَلَو أتلف الْمحرم صيدا الْحرم فَالْقِيَاس أَن يجب عَلَيْهِ جزآن لوُجُود الْجِنَايَة على الْحرم وَالْإِحْرَام وَفِي الِاسْتِحْسَان يجب عَلَيْهِ جَزَاء وَاحِد لِأَن حُرْمَة الْإِحْرَام أقوى من حُرْمَة الْحرم فَيجب اعْتِبَار الْأَقْوَى

стр. 399

وَلَو اشْترك الحلالان فِي إِتْلَاف صيد الْحرم يجب عَلَيْهِمَا جَزَاء وَاحِد لِأَنَّهُ فِي معنى إِتْلَاف مَال النَّاس كإتلاف الْمَسَاجِد لِأَن مَنَافِعهَا ترجع إِلَى الْعباد فَكَانَ وَاجِبا بطرِيق الْجَبْر والفائت وَاحِد فيكتفي بِضَمَان وَاحِد بِخِلَاف المحرمين إِذا أتلفا صيدا يجب على كل وَاحِد مِنْهُمَا جَزَاء كَامِل لِأَنَّهُ وَجب حزاء الْفِعْل وَفعل كل وَاحِد مِنْهُمَا جِنَايَة على حِدة وَلَو اشْترك الْحَلَال وَالْحرَام فِي قتل صيد خَارج الْحرم إِن كَانَ غير مَمْلُوك لَا يجب على الْحَلَال شَيْء وَيجب على الْمحرم جَزَاء كَامِل وَإِن كَانَ مَمْلُوكا يجب على الْحَلَال نصف الْقيمَة للْمَالِك وعَلى الْمحرم نصف الْقيمَة للْمَالِك وَجَزَاء كَامِل لأجل الْجِنَايَة على الْإِحْرَام وَلَو أَن حَلَالا ومفردا بِالْحَجِّ اشْتَركَا فِي قتل صيد الْحرم يجب على الْحَلَال نصف الْجَزَاء وعَلى الْمُفْرد جَزَاء كَامِل وَلَو اشْترك الْحَلَال والقارن يجب على الْحَلَال النّصْف وعَلى الْقَارِن جزآن وَلَو اشْترك الْحَلَال والقارن والمفرد يجب على الْحَلَال ثلث الْجَزَاء وعَلى الْمُفْرد جَزَاء وَاحِد وعَلى الْقَارِن جزآن وَكَذَلِكَ قطع شَجَرَة وحشيش نبت بِنَفسِهِ فِي الْحرم فَإِنَّهُ يحرم قطعه وَعَلِيهِ الْجَزَاء بِقدر قِيمَته وَإِن كَانَ مِمَّا ينبته النَّاس وَصَارَ ملكا لَهُم لَا يجب الْجَزَاء بِقطعِهِ وَلَكِن تجب الْقيمَة لصَاحبه إِلَّا فِي الْإِذْخر فَإِنَّهُ لَا يجب بإتلافه شَيْء فَإِن النَّبِي ﵇ لما قَالَ لَا يخْتَلى خَلاهَا قَالَ الْعَبَّاس إِلَّا الْإِذْخر فَقَالَ الْإِذْخر اسْتَثْنَاهُ وَحكم الْمُسْتَثْنى خلاف حكم الْمُسْتَثْنى مِنْهُ

стр. 400

وَأما الكمأة فِي الْحرم فَلَا بَأْس بأخذها لِأَنَّهَا لَيست من جنس النَّبَات وَكَذَلِكَ إِذا جف النَّبَات وَالشَّجر وَسقط فَلَا بَأْس بِأَخْذِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من النَّبَات لِأَنَّهُ خرج عَن حد النمو وَلَو أَن الْحَلَال إِذا دخل الْحرم وَمَعَهُ صيد مَمْلُوك يجب عَلَيْهِ إرْسَاله فِي الْحل وَلم يجز بَيْعه لِأَن التَّعَرُّض للصَّيْد حرَام عَلَيْهِ فِي الْحرم وَفِي إِمْسَاكه تعرض لَهُ وَكَذَلِكَ فِي بَيْعه وَمعنى يجب عَلَيْهِ إرْسَاله فِي الْحل أَن يَضَعهُ فِي يَد رجل وَدِيعَة لَا أَن يضيعه ويطيره وَلَو ذبحه يجب عَلَيْهِ الْجَزَاء لِأَنَّهُ لما وَجب عَلَيْهِ الْإِرْسَال لحُرْمَة الْحرم فَيكون بِالذبْحِ تَارِكًا للْوَاجِب وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الْمحرم فِي الْحل إِذا كَانَ فِي يَده صيد مَمْلُوك يجب أَن يُرْسِلهُ فِي يَد رجل وَلَا يجوز لَهُ أَن يَبِيعهُ ويذبحه لِأَنَّهُ تعرض لَهُ وَإِزَالَة لأمنه وَعَلِيهِ الْجَزَاء لَو فعل ذَلِك وَأما مسَائِل الْأَمر بالحجفنقول من مَاتَ وَعَلِيهِ حجَّة الْإِسْلَام وَله مَال فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن أَمر بِأَن يحجّ عَنهُ وَأوصى بِهِ أَو لم يَأْمر الْوَصِيّ بِشَيْء أما إِذا لم يوص سقط عَنهُ فِي حق أَحْكَام الدُّنْيَا وَلَا يجب على الْوَارِث وَالْوَصِيّ أَن يَأْمر بِالْحَجِّ عَنهُ بِمَالِه عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي يجب كمن مَاتَ وَعَلِيهِ الزَّكَاة من غير إيصاء فَإِنَّهُ تسْقط الزَّكَاة عَنهُ عندنَا خلافًا لَهُ وَقد ذكرنَا فِي كتاب الزَّكَاة وَلَو أحج الْوَارِث عَنهُ رجلا بِمَال نَفسه أَو حج عَنهُ بِنَفسِهِ من غير وَصِيَّة من الْمَيِّت قَالَ تسْقط عَن الْمَيِّت حجَّة الْإِسْلَام إِن شَاءَ الله

стр. 401

وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه سَأَلَهُ رجل وَقَالَ إِن أُمِّي قد مَاتَت وَلم تحج أفأحج عَنْهَا فَقَالَ نعم وَإِنَّمَا قَالَ يجوز إِن شَاءَ الله لِأَن سُقُوط الْحَج بِفعل الْوَارِث بِغَيْر أمره أَنما يثبت بِخَبَر الْوَاحِد وَإنَّهُ لَا يُوجب الْعلم قطعا فَلَا يحكم بسقوطه عَنهُ قطعا وَلَكِن علق السُّقُوط بِالْمَشِيئَةِ احْتِرَازًا عَن الشَّهَادَة على الله تَعَالَى من غير علم قطعا فَأَما إِذا أوصى فَإِنَّهُ تصح وَصيته من الثُّلُث لِأَن دُيُون الله تَعَالَى من حَيْثُ إِنَّه لَا يجب بمقابلتها عوض مَالِي فَهِيَ بِمَنْزِلَة التَّبَرُّعَات فَيعْتَبر خُرُوجهَا من الثُّلُث ويحج عَن الْمَيِّت من بَلَده الَّذِي يسكنهُ إِن بلغ الثُّلُث ذَلِك لِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الْحَج من بَلَده الَّذِي هُوَ يسكنهُ وَلَو أَنه خرج إِلَى بلد آخر أقرب إِلَى مَكَّة فَمَاتَ فِيهِ وَأوصى بِالْحَجِّ ينظر إِن خرج لغير الْحَج يحجّ من بَلَده بالِاتِّفَاقِ فَأَما إِذا خرج لِلْحَجِّ ثمَّ مَاتَ فِي الطَّرِيق قَالَ أَبُو حنيفَة يحجّ من بَلَده وَقَالا يحجّ من حَيْثُ بلغ لِأَن الْخُرُوج من بَلَده بنية الْحَج يعْتد من الْحَج وَلم يسْقط اعْتِبَاره بِالْمَوْتِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ أَلا أَن أَبَا حنيفَة قَالَ إِنَّه لما لم يتَّصل بِالْحَجِّ بذلك الْخُرُوج خرج من أَن يكون وَسِيلَة وَإِن كَانَ حكم الثَّوَاب قَائِما بوعد الله أَلا ترى أَنه إِذا خرج إِلَى السقر بنية الْحَج ثمَّ أَقَامَ فِي بعض الْبِلَاد لعذر حَتَّى دارت السّنة ثمَّ مَاتَ وَأوصى بِأَن يحجّ عَنهُ فإنة يحجّ عنة من بَلْدَة لَا من

стр. 402

هَذَا الْموضع الَّذِي مَا لما ذكرنَا كَذَا هُنَا وَلَو أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ من غير بَلَده من مَوضِع أقرب إِلَى مَكَّة أَو أبعد فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ كَمَا أوصى لِأَنَّهُ لَا يجب الإحجاج عَنهُ بِدُونِ الْوَصِيَّة فَيجب بِمِقْدَار الْوَصِيَّة وَكَذَلِكَ إِذا أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ بِمَال مُقَدّر إِن كَانَ يبلغ أَن يحجّ عَنهُ من بَلَده يحجّ من بَلَده وَإِلَّا يحجّ عَنهُ من حَيْثُ بلغ لِأَنَّهُ لما عين المَال يجب الْحَج بِهَذَا الْقدر من المَال لِأَنَّهُ لم تُوجد الْوَصِيَّة بِالزِّيَادَةِ عَنهُ وَبِدُون الْوَصِيَّة لَا يجب وَأما إِذا أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ مُطلقًا فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ من ثلث مَاله فَإِن بلغ ثلث مَاله أَن يحجّ عَنهُ من بَلَده يجب ذَلِك وَإِن لم يبلغ من بَلَده فَالْقِيَاس أَن تبطل الْوَصِيَّة لِأَنَّهُ لَا يُمكن تنفيذها على مَا قَصده الْمُوصي وَفِي الِاسْتِحْسَان يحجّ من حَيْثُ يبلغ لِأَن قَصده إِسْقَاط الْفَرْض عَن نَفسه فَإِن لم يكن على الْكَمَال فيصر إِلَى قدر الْمُمكن ثمَّ إِن كَانَ الثُّلُث يبلغ أَن يحجّ عَنهُ رَاكِبًا من بَلَده فأحج عَنهُ مَاشِيا لم يجز لِأَن الْفَرْض هُوَ الْحَج رَاكِبًا أما إِذا لم يبلغ الْحَج رَاكِبًا من بَلَده وَبلغ الْحَج رَاكِبًا من بلد آخر أقرب إِلَى مَكَّة وَمن بَلَده مَاشِيا روى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يحجّ من حَيْثُ بلغ رَاكِبًا وَلَا يجوز أَن يحجّ من بَلَده مَاشِيا لما ذكرنَا أَن الْفَرْض هُوَ الْحَج رَاكِبًا فتنصرف الْوَصِيَّة إِلَيْهِ وروى الْحسن عنأبي حنيفَة أَنه قَالَ أَن أحجوا عَنهُ مَاشِيا من بَلْدَة جَازَ وَإِن أحجوا رَاكِبًا من حَيْثُ بلغ جَازَ لِأَن فِي كل وَاحِد

стр. 403

من الْوَجْهَيْنِ نقص من وَجه وَكَمَال من وَجه فاستويا ثمَّ الْأَفْضَل أَن يحجّ عَنهُ من قد حج عَن نَفسه حجَّة الْإِسْلَام لِأَن من حضر مَكَّة يكره لَهُ أَن يتْرك حجَّة الْإِسْلَام فَيكون مَا أدّى حجا مَكْرُوها وَلَكِن جَازَ لِأَن النَّبِي ﵇ قَالَ للخثعمية حجي عَن أَبِيك وَلم يسْأَلهَا عَن الْحَج عَن نَفسهَا وَلَو كَانَ الحكم يخْتَلف لاستفسر وَهَذَا عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز وَيَقَع الْحَج عَن الضَّرُورَة أَي عَن نَفسه وعَلى هَذَا إِذا حج الضَّرُورَة بنية التَّطَوُّع يَقع عَن التَّطَوُّع عندنَا وَعِنْده يَقع عَن الْفَرِيضَة ثمَّ الْحَاج عَن غَيره إِذا أصَاب فِي إِحْرَامه مَا يُوجب الدَّم وَغير ذَلِك من الصَّدَقَة فَهُوَ على الْحَاج وَكَذَا دم الْمُتْعَة وَالْقرَان إِذا أَمر بالقران وَلَا يجب على المحجوج عَنهُ إِلَّا دم الْإِحْصَار لِأَن هَذِه الدِّمَاء إِنَّمَا وَجَبت لفعله فإمَّا دم الْإِحْصَار فَإِنَّهُ يجب للتخليص عَن مشقة السّفر وَهُوَ الَّذِي أوقعه فِي هَذِه الْمَشَقَّة فَعَلَيهِ التخليص وَلَو جَامع الْحَاج عَن غَيره قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة فسد حجه ويمضي فِيهِ وَينْفق من مَاله وَيضمن مَا أنْفق من مَال المحجوج عَنهُ ثمَّ يقْضِي الْحَاج من مَال نَفسه حجَّة وعمره من الْقَابِل لِأَنَّهُ أَمر بِحَجّ صَحِيح فَإِذا أفسد فقد خَالف الْأَمر فَصَارَ حَاجا على نَفسه والمأمور بِالْحَجِّ إِذا حج عَن نَفسه بِنَفَقَة الْآمِر يضمن فَإِذا أفْسدهُ يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء على مَا بَينا

стр. 404

وَلَو كَانَ مَأْمُورا بالقران فأفسد يلْزمه قَضَاء حجَّة وَعمرَة من مَال نَفسه لما قُلْنَا فَأَما إِذا فَاتَهُ الْحَج فَإِنَّهُ يصنع كَمَا يصنع الَّذِي فَوته الْحَج وَلَا يضمن النَّفَقَة لِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ الْمُخَالفَة حَتَّى يَنْقَلِب الْحَج عَنهُ والفوات حصل لَا بصنعه فَلَا يلْزمه الضَّمَان وَعَلِيهِ من مَال نَفسه الْحَج من قَابل لِأَن الْحجَّة لَزِمته بِالدُّخُولِ فَإِذا فَاتَت لزمَه قَضَاؤُهَا لِأَن فعل الْحَج يَقع عَن الْحَاج وَإِنَّمَا تقع عَن الْمَأْمُور ثَوَاب الْحَج ثمَّ مَا فضل فِي يَد الْحَاج من النَّفَقَة بعد رُجُوعه فَإِنَّهُ يردهُ على الْوَرَثَة وَلَا يَسعهُ أَن يمسِكهُ لِأَن النَّفَقَة لَا تصير ملكا للْحَاج لِأَن الِاسْتِئْجَار لَا يَصح عندنَا فِي بَاب الْحَج وَسَائِر الْقرب الَّتِي تجْرِي فِيهَا النِّيَابَة حَتَّى يكون المَال أُجْرَة فَيكون ملكا للْأَجِير وَلَكِن ينْفق المَال على حكم ملك الْمَيِّت فِي الْحَج ليَكُون لَهُ ثَوَاب النَّفَقَة فَإِذا فرغ من الْحَج يجب صرفه إِلَى وَرَثَة الْمَيِّت وَلَو كَانَ للْمُوصي بِالْحَجِّ وطنان فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ من أقرب الوطنين من مَكَّة لأَنا تَيَقنا بِدُخُول الْأَقْرَب فِي الْوَصِيَّة فَكَانَ الْأَخْذ بِالْيَقِينِ أولى وَلَو كَانَ مكيا فَقدم الرّيّ بِالتِّجَارَة فَمَاتَ وَأوصى بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يحجّ عَنهُ من مَكَّة لما ذكرنَا أَن الْوَصِيَّة بِالْحَجِّ تصرف إِلَى مَا فرض الله عَلَيْهِ وَالْفَرْض عَلَيْهِ من وَطنه وَلَو أوصى بِأَن يحجّ عَنهُ فَأعْطى الْوَصِيّ دَرَاهِم إِلَى رجل ليحج عَنهُ فحج عَنهُ مَاشِيا قَالَ يضمن النَّفَقَة ويحج عَن الْمَيِّت رَاكِبًا لِأَن الْحَج الْوَاجِب على الْمُوصي هُوَ الْحَج رَاكِبًا فتنصرف الْوَصِيَّة إِلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَو نَص أَن يحجّ عَنهُ رَاكِبًا وَلَو نَص وَحج مَاشِيا يضمن النَّفَقَة لمُخَالفَة

стр. 405

أمره كَذَا هُنَا وَمن حج عَن ميت وَقضى حجه ثمَّ نوى الْمقَام بِمَكَّة خَمْسَة عشر يَوْمًا لَهُ أَن ينْفق من مَال نَفسه فِي مقَامه وَإِذا رَجَعَ بعد ذَلِك ينْفق من مَال الْمَيِّت وَالْحَاصِل أَن الْإِقَامَة بعد الْفَرَاغ عَن الْحَج إِن كَانَت مُعْتَادَة فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت وَإِن زَادَت على الْعَادة فالنفقة فِي مَاله وَذَلِكَ مُدَّة مقَام الْقَافِلَة لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الْخُرُوج إِلَّا مَعَ النَّاس وَإِذا كَانَ منتظرا لخُرُوج الْقَافِلَة فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت وَإِذا تخلف عَن الْقَافِلَة فالنفقة فِي مَاله وَقد قَالُوا فِي الآفاقي إِذا حج عَن غَيره فَدخل بَغْدَاد فَأَقَامَ بهَا مِقْدَار مَا يُقيم النَّاس فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت وَإِن أَقَامَ أَكثر من ذَلِك فَفِي مَاله لَكِن إِذا رَجَعَ فالنفقة فِي مَال الْمَيِّت لِأَن هَذِه مُدَّة الرُّجُوع فَلم يَنْقَطِع حكم السّفر الأول فَهِيَ محسوبة على الْمَيِّت هَذَا إِذا لم يتَّخذ دَارا بِمَكَّة للإقامة فَأَما إِذا اتخذ دَارا وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ رَجَعَ فالنفقة فِي مَاله لَا فِي مَال الْمَيِّت لِأَنَّهُ انْقَطع حكم السّفر الأول باتخاذه دَارا للإقامة وَلَو أَن الْحَاج عَن غَيره إِذا تعجل الدُّخُول بِمَكَّة بِأَن دخل فِي شهر رَمَضَان محرما فَإِن عَلَيْهِ أَن ينْفق من مَاله إِلَى عشر الْأَضْحَى وَرُوِيَ إِلَى مَا قبل الْحَج بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ لِأَن هَذَا الْقدر من الْمقَام يعْتَاد فِي مَكَّة لِلْحَجِّ فَأَما الزِّيَادَة عَلَيْهِ فَلَا فَيَنْصَرِف الْأَمر إِلَى الْمُعْتَاد وَلَو دفع مَالا إِلَى رجل ليحج عَن الْمَيِّت فَلم يبلغ مَال الْمَيِّت

стр. 406

النَّفَقَة فأنفق الْحَاج من مَال نَفسه وَمن مَال الْمَيِّت فَإِن كَانَ مَال الْمَيِّت يبلغ الْكِرَاء وَعَامة النَّفَقَة فَهُوَ جَائِز وَإِلَّا فَهُوَ لمَال الْمَيِّت ويحج عَن الْمَيِّت من مَاله من حَيْثُ يبلغ لِأَنَّهُ إِذا كَانَ عَامَّة النَّفَقَة من مَال الْمَيِّت والقليل من مَال الْحَاج فالقليل يسْقط اعْتِبَاره بمقابلته الْكثير لحَاجَة النَّاس لِأَن الْحَاج يحْتَاج إِلَى أَن يزِيد من عِنْده النَّفَقَة لزِيَادَة الترفه والتوسعة وَأَن يزِيد ثيابًا وَلَو جعل هَذَا مَانِعا لامتنع النَّاس عَن الْحَج عَن الْغَيْر فَأَما إِذا كَانَ الْأَكْثَر من مَال نَفسه فَلَا عِبْرَة للقليل فَيكون حَاجا عَن نَفسه فَيضمن ثمَّ فِي الْحَج ثَلَاث خطب بَين كل خطبتين فاصل بِيَوْم فالخطبة الأولى قبل يَوْم التَّرويَة وَهُوَ الْيَوْم السَّابِع من ذِي الْحجَّة بِمَكَّة خطْبَة وَاحِدَة لَا يجلس فِيهَا بعد صَلَاة الظّهْر وَيعلم النَّاس فِيهَا أَحْكَام الْمَنَاسِك إِلَى يَوْم عَرَفَة وَالْخطْبَة الثَّانِيَة يَوْم عَرَفَة قبل صَلَاة الظّهْر يخْطب خطبتين يجلس بَينهمَا جلْسَة خَفِيفَة وَيعلم النَّاس فِيهَا أَحْكَام الْمَنَاسِك إِلَى أَيَّام الثَّانِي من أَيَّام النَّحْر وَذَلِكَ بعد الْأَذَان كَمَا فِي يَوْم الْجُمُعَة وَالْخطْبَة الثَّالِثَة فِي الْيَوْم الثَّانِي من أَيَّام النَّحْر بعد صَلَاة الظّهْر بمنى خطْبَة وَاحِدَة يعلمهُمْ فِيهَا مَا بَقِي من أَحْكَام الْمَنَاسِك وَهُوَ قَول أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة وقالزفر يخْطب فِي الْحَج ثَلَاث خطب مُتَوَالِيَات يَوْم التَّرويَة وَيَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر كتاب الْبيُوع اعْلَم أَن البيع مَشْرُوع عرفت شرعيته بِالْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأمة أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى ﴿وَأحل الله البيع﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تكون تِجَارَة عَن ترَاض مِنْكُم﴾ وَأما السّنة فَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ يَا معشر التُّجَّار إِن بيعكم هَذَا يحضرهُ اللَّغْو وَالْكذب فشوبوه بِالصَّدَقَةِ وَكَذَلِكَ بعث النَّبِي ﵇ وَالنَّاس يتبايعون فقررهم على ذَلِك والتقرير أحد وُجُوه السّنة وَعَلِيهِ إِجْمَاع الْأمة

стр. 407

بَاب السّلم البيع أَنْوَاع أَرْبَعَة أَحدهَا بيع الْعين بِالْعينِ كَبيع السّلع بأمثالها نَحْو بيع الثَّوْب بِالْعَبدِ وَغَيره وَيُسمى هَذَا بيع المقايضة وَالثَّانِي بيع الْعين بِالدّينِ نَحْو بيع السّلع بالأثمان الْمُطلقَة وَبَيْعهَا بالفلوس الرائجة والمكيل وَالْمَوْزُون والعددي المتقارب دينا وَالثَّالِث بيع الدّين بِالدّينِ وَهُوَ بيع الثّمن الْمُطلق بِالثّمن الْمُطلق وَهُوَ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَإنَّهُ يُسمى عقد الصّرْف وَيعرف فِي كِتَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالرَّابِع بيع الدّين بِالْعينِ وَهُوَ السّلم فَإِن الْمُسلم فِيهِ مَبِيع وَهُوَ دين وَرَأس المَال قد يكون عينا وَقد يكون دينا وَلَكِن قَبضه شَرط قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين بأنفسهما فَيصير عينا وَالْكَلَام فِي السّلم فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي بَيَان مشروعيته وَفِي بَيَان تَفْسِيره لُغَة وَشَرِيعَة وَفِي بَيَان رُكْنه وَفِي بَيَان شَرطه وَفِي بَيَان حكمه شرعا

стр. 408

أما الأول فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز السّلم لِأَنَّهُ بيع الْمَعْدُوم وَفِي الِاسْتِحْسَان جَائِز بِالْحَدِيثِ بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ﵇ من أسلم مِنْكُم فليسلم فِي كل مَعْلُوم وَوزن مَعْلُوم إِلَى أجل مَعْلُوم وَرُوِيَ عَنهُ ﵇ أَنه نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم وَأما تَفْسِيره لُغَة فَهُوَ عقد يثبت بِهِ الْملك فِي الثّمن عَاجلا وَفِي الْمُثمن آجلا يُسمى سلما وإسلاما وسلفا وإسلافا لما فِيهِ من تَسْلِيم رَأس المَال للْحَال وَفِي عرف الشَّرْع عبارَة عَن هَذَا أَيْضا مَعَ زِيَادَة شَرَائِط ورد بهَا الشَّرْع لم يعرفهَا أهل اللُّغَة وَأما رُكْنه فَهُوَ الْإِيجَاب وَالْقَبُول والإيجاب هُوَ لفظ السّلم وَالسَّلَف بِأَن يَقُول رب السّلم لآخر أسلمت إِلَيْك عشرَة دَرَاهِم فِي كرّ حِنْطَة أَو أسلفت وَقَالَ الآخر قبلت وَيُسمى هَذَا رب السّلم وَيُسمى الْمُسلم أَيْضا وَالْآخر يُسمى الْمُسلم إِلَيْهِ وَتسَمى الْحِنْطَة الْمُسلم فِيهِ وَلَو قَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ لآخر بِعْت مِنْك كرّ حِنْطَة بِكَذَا وَذكر شَرَائِط السّلم فَإِنَّهُ ينْعَقد أَيْضا لِأَنَّهُ بيع على مَا روينَا أَن النَّبِي ﵇ نهى عَن بيع مَا لَيْسَ عِنْد الْإِنْسَان وَرخّص فِي السّلم وَأما شَرَائِط جَوَاز السّلم فسبعة عشر سِتَّة فِي رَأس المَال وَأحد عشر فِي الْمُسلم فِيهِ

стр. 409

أما السِّتَّة الَّتِي فِي رَأس المَال فَهِيَ أَحدهَا بَيَان الْجِنْس أَنه دَرَاهِم أَو دَنَانِير أَو من الْمكيل حِنْطَة أَو شعير أَو من الْمَوْزُون قطن أَو حَدِيد وَنَحْو ذَلِك وَالثَّانِي بَيَان النَّوْع أَنه دَرَاهِم غطريفية أَو عدلية أَو دَنَانِير محمودية أَو هروية أَو مروية وَهَذَا إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقود مُخْتَلفَة فَأَما إِذا كَانَ فِي الْبَلَد نقد وَاحِد فَذكر الْجِنْس كَاف وينصرف إِلَيْهِ لتعينه عرفا وَالثَّالِث بَيَان الصّفة أَنه جيد أَو رَدِيء أَو وسط وَالرَّابِع إِعْلَام قدر رَأس المَال فَهُوَ شَرط جَوَاز السّلم فِيمَا يتَعَلَّق العقد فِيهِ بِالْقدرِ كالمكيل وَالْمَوْزُون والعددي المتقارب وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَهُوَ قَول سُفْيَان الثَّوْريّ وَأحد قولي الشَّافِعِي وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد لَيْسَ بِشَرْط وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَصُورَة الْمَسْأَلَة إِذا قَالَ رب السّلم أسلمت إِلَيْك هَذِه الدَّرَاهِم وَأَشَارَ إِلَيْهَا أَو هَذِه الدَّنَانِير وَأَشَارَ إِلَيْهَا وَلم يعرف وَزنهَا وَكَذَا إِذا قَالَ أسلمت هَذِه الْحِنْطَة فِي كَذَا وَلم يعرف مِقْدَار كيل رَأس المَال وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا قَالَ أسلمت إِلَيْك عشرَة دَرَاهِم فِي كرحنطة وكرشعير وَلم يبين

стр. 410

حِصَّة كل وَاحِد مِنْهُمَا من الْعشْرَة وَكَذَلِكَ إِذا أسلم عشرَة دَرَاهِم فِي ثَوْبَيْنِ مُخْتَلفين فِي الْقيمَة هَذَا إِذا أسلم فِيمَا يتَعَلَّق العقد فِيهِ بِالْقدرِ فَأَما إِذا أسلم فِيمَا لَا يتَعَلَّق العقد فِيهِ بِالْقدرِ كالذرعيات والعدديات المتفاوتة فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط بَيَان الذرع فِي الذرعيات وَلَا بَيَان الْقيمَة فِيهَا ويكتفي بِالْإِشَارَةِ وَالتَّعْيِين فِي قَوْلهم جَمِيعًا وَأَجْمعُوا فِي بيع الْعين أَن إِعْلَام قدر الثّمن لَيْسَ بِشَرْط إِذا كَانَ مشارا إِلَيْهِ وَدَلَائِل الْمَسْأَلَة تعرف فِي الْمَبْسُوط إِن شَاءَ الله وَالْخَامِس كَون الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير منتقدة فَهُوَ شَرط الْجَوَاز عِنْد أبي حنيفَة أَيْضا مَعَ إِعْلَام الْقدر وَعِنْدَهُمَا لَيْسَ بِشَرْط وَالسَّادِس تَعْجِيل رَأس المَال وَقَبضه قبل افْتِرَاق الْعَاقِدين بأنفسهما فَهُوَ شَرط الْجَوَاز عِنْد عَامَّة الْعلمَاء سَوَاء كَانَ رَأس المَال عينا أَو دينا وَقَالَ مَالك إِن كَانَ رَأس المَال عينا لَا يشْتَرط تَعْجِيله وَإِن كَانَ دينا يشْتَرط فِي قَول وَفِي قَول قَالَ يجوز التَّأْخِير يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ وَأَجْمعُوا أَن فِي الصّرْف يشْتَرط قبض الْبَدَلَيْنِ قبل الِافْتِرَاق بأبدانهما سَوَاء كَانَ عينا كالتبر والمصوغ أَو دينا كالدراهم وَالدَّنَانِير وَأما الشَّرَائِط الَّتِي فِي الْمُسلم فِيهِ فَهِيَ أحد عشر أَحدهَا بَيَان جنس الْمُسلم فِيهِ حِنْطَة أَو شعير أَو نَحْوهمَا وَالثَّانِي بَيَان نَوعه حِنْطَة سقية أَو بخسية سهلية أَو جبلية

стр. 411

وَالثَّالِث بَيَان الصّفة حِنْطَة جَيِّدَة أَو رَدِيئَة أَو وسط وَالرَّابِع إِعْلَام قدر الْمُسلم فِيهِ أَنه كرّ أَو قفيز بكيل مَعْرُوف عِنْد النَّاس لِأَن ترك بَيَان هَذِه الْأَشْيَاء يُوجب جَهَالَة مفضية إِلَى الْمُنَازعَة وَهِي مفْسدَة بِالْإِجْمَاع وَالْخَامِس أَن لَا يَشْمَل الْبَدَلَيْنِ أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل وَهُوَ الْقدر الْمُتَّفق أَو الْجِنْس لِأَنَّهُ يتَضَمَّن رَبًّا النِّسَاء وَالْعقد الَّذِي فِيهِ رَبًّا فَاسد وَالسَّادِس أَن يكون الْمُسلم فِيهِ مِمَّا يتَعَيَّن بِالتَّعْيِينِ حَتَّى لَا يجوز السّلم فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَأَما فِي التبر هَل يجوز السّلم فِيهِ على قِيَاس رِوَايَة كتاب الصّرْف لَا يجوز لِأَنَّهُ ألحقهُ بالمضروب وعَلى قِيَاس رِوَايَة كتاب الشّركَة جَازَ لِأَنَّهُ ألحقهُ بالعروض وَهُوَ رِوَايَة عَن أبي يُوسُف أَيْضا أَنه كالعروض وَأما السّلم فِي الْفُلُوس فقد ذكر فِي الأَصْل وَقَالَ إِنَّه يجوز وَلم يذكر الِاخْتِلَاف وَيجب أَن يكون ذَلِك على قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لِأَن عِنْدهمَا لَيْسَ بِثمن مُطلق بل يحْتَمل التَّعْيِين فِي الْجُمْلَة وعَلى قَول مُحَمَّد لَا يجوز لِأَنَّهُ ثمن مُطلق على مَا عرف فِي بيع الْفلس بالفلسين بأعيانهما وَالسَّابِع الْأَجَل فِي الْمُسلم فِيهِ شَرط الْجَوَاز وَهَذَا عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي لَيْسَ بِشَرْط ولقب الْمَسْأَلَة أَن السّلم الْحَال لَا يجوز عندنَا وَعِنْده يجوز ثمَّ لَا رِوَايَة عَن أَصْحَابنَا فِي الْمَبْسُوط فِي مِقْدَار الْأَجَل وَاخْتلفت الرِّوَايَات عَنْهُم وَالأَصَح مَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه مُقَدّر بالشهر

стр. 412

لِأَنَّهُ أدنى الآجل وأقصى العاجل وَالثَّامِن أَن يكون جنس الْمُسلم فِيهِ مَوْجُودا من وَقت العقد إِلَى وَقت مَحل الْأَجَل وَلَا يتَوَهَّم انْقِطَاعه عَن أَيدي النَّاس كالحبوب فَأَما إِذا كَانَ مُنْقَطِعًا وَقت العقد أَو وَقت حُلُول الْأَجَل أَو فِيمَا بَين ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز عندنَا وَقَالَ الشَّافِعِي إِن كَانَ مَوْجُودا وَقت مَحل الْأَجَل يجوز وَإِن كَانَ مُنْقَطِعًا فِي غَيره من الْأَحْوَال ولقب الْمَسْأَلَة أَن السّلم فِي الْمُنْقَطع هَل يجوز أم لَا وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَكَذَلِكَ الْمُسلم فِيهِ إِذا كَانَ مَنْسُوبا إِلَى مَوضِع مَعْلُوم يحْتَمل انْقِطَاعه عَلَيْهِ بالآفة كحنطة قَرْيَة كَذَا أَو أَرض كَذَا لَا يجوز لِأَنَّهُ يحْتَمل الِانْقِطَاع بالآفة وَذكر فِي الأَصْل إِذا أسلم فِي حِنْطَة هراة لَا يجوز وقاس عَلَيْهِ بعض مَشَايِخنَا أَنه لَو أسلم فِي حِنْطَة سَمَرْقَنْد أَو بُخَارى لَا يجوز وَإِنَّمَا يجوز إِذا ذكر الْولَايَة نَحْو خُرَاسَان وفرغانة وَالصَّحِيح أَن فِي حِنْطَة الْبَلدة الْكَبِيرَة يجوز لِأَنَّهَا لَا تحْتَمل الِانْقِطَاع غَالِبا وَمَا ذكره مُحَمَّد فِي الأَصْل من حِنْطَة هراة أَرَادَ بِهِ اسْم قَرْيَة من قرى عراق دون الْبَلدة الْمَعْرُوفَة الَّتِي تسمى هراة وَالتَّاسِع أَن يكون العقد باتا لَيْسَ فِيهِ خِيَار الشَّرْط لَهما أَو لأَحَدهمَا حَتَّى لَو أسلم عشرَة دَرَاهِم فِي كرحنطة على أَنه بِالْخِيَارِ ثَلَاثَة أَيَّام وَقبض الْمُسلم إِلَيْهِ رَأس المَال وتفرقا بأبدانهما وَيبْطل عقد السّلم لِأَن البيع بِشَرْط الْخِيَار ثَبت بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس فَلَا حَاجَة إِلَيْهِ فِي السّلم

стр. 413

وَلَو أبطلا الْخِيَار قبل التَّفَرُّق وَرَأس المَال قَائِم فِي يَد الْمُسلم إِلَيْهِ يَنْقَلِب جَائِزا عندنَا خلافًا ل زفر وَلَو كَانَ رَأس المَال هَالكا لَا يَنْقَلِب إِلَى الْجَوَاز بِالْإِجْمَاع والعاشر بَيَان مَكَان الْإِيفَاء فِيمَا لَهُ حمل ومؤونة كالحنطة وَالشعِير وَغَيرهمَا فَإِنَّهُ شَرط لجَوَاز السّلم حَتَّى لَو ترك لم يجز السّلم فِي قَول أبي حنيفَة الآخر وَكَذَا الْخلاف فِي الْإِجَارَة إِذا آجر دَاره سنة بِأَجْر لَهُ حمل ومؤونة وَلم يعين مَكَانا للإيفاء لم تجز الْإِجَارَة فِي قَوْله الآخر وعَلى قَوْلهمَا جَازَ وَحَاصِل الْخلاف رَاجع إِلَى أَن مَكَان العقد هَل يتَعَيَّن مَكَانا للإيفاء فِيمَا لَهُ حمل ومؤونة مَعَ اتِّفَاقهم على أَن مَكَان الْإِيفَاء إِذا كَانَ مَجْهُولا لَا يجوز السّلم لِأَنَّهُ جَهَالَة مفضية إِلَى الْمُنَازعَة وَإِذا لم يتَعَيَّن مَكَان العقد مَكَانا للإيفاء عِنْد أبي حنيفَة وَلم يعينا مَكَانا آخر للإيفاء صَار مَكَان الْإِيفَاء مَجْهُولا فَيفْسد السّلم وَعِنْدَهُمَا يتَعَيَّن مَكَان العقد مَكَانا للإيفاء فَلَا يُؤَدِّي إِلَى الْجَهَالَة فَيصح السّلم وَفِي الْإِجَارَة عِنْدهمَا يتَعَيَّن بتعين مَكَان إِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَكَان إِيفَاء الْأُجْرَة فَإِن كَانَ لمستأجر دَارا أَو أَرضًا فتسلم عِنْد الدَّار وَالْأَرْض وَإِن كَانَت دَابَّة فَعِنْدَ المرحلة وَإِن كَانَ ثوبا دفع إِلَى قصار وَنَحْوه يَدْفَعهَا فِي الْموضع الَّذِي يسلم فِيهِ الثَّوْب إِلَيْهِ وَإِنَّمَا يتَعَيَّن مَكَان العقد مَكَان التَّسْلِيم عِنْدهمَا إِذا أمكن التَّسْلِيم فِي مَكَان العقد فَأَما إِذا لم يُمكن بِأَن كَانَ فِي الْبَحْر أَو على رَأس الْجَبَل فَإِنَّهُ لَا يتَعَيَّن مَكَان العقد للتسليم وَلَكِن يسلم فِي أقرب الْأَمَاكِن الَّذِي

стр. 414

يُمكن التَّسْلِيم فِيهِ من مَكَان العقد فَأَما الْمُسلم فِيهِ إِذا كَانَ شَيْئا لَيْسَ لَهُ حمل ومؤونة كالمسك والكافور والجواهر واللآلىء وَنَحْوهَا فَعَن أَصْحَابنَا رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة يتَعَيَّن مَكَان العقد وَفِي رِوَايَة يسلم حَيْثُمَا لقِيه وَلَا يتَعَيَّن مَكَان العقد وَلَو شرطا مَكَانا آخر للإيفاء سوى مَكَان العقد فَإِن كَانَ فِيمَا لَهُ حمل ومؤونة يتَعَيَّن وَإِن كَانَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ حمل ومؤونة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة لَا يتَعَيَّن وَله أَن يُوفيه فِي أَي مَكَان شَاءَ وَفِي رِوَايَة يتَعَيَّن وَهُوَ الْأَصَح وَالْحَادِي عشر أَن يكون الْمُسلم فِيهِ مِمَّا يضْبط بِالْوَصْفِ وَهُوَ أَن يكون من الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة الْمكيل وَالْمَوْزُون والذرعي والعددي المتقارب فَأَما إِذا كَانَ مِمَّا لَا يضْبط بِالْوَصْفِ كالعدديات المتفاوتة والذرعيات المتفاوتة مثل الدّور وَالْعَقار والجواهر واللآلىء والأدم والجلود والخشب والروس والأكارع وَالرُّمَّان والسفرجل والبطاطيخ وَنَحْوهَا لَا يجوز لِأَن الْمُسلم فِيهِ مَا يثبت دينا فِي الذِّمَّة وَسوى هَذِه الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة لَا يثبت دينا فِي الذِّمَّة فِي عُقُود الْمُعَاوَضَات إِلَّا إِذا كَانَ شَيْئا من جنس الْجُلُود والأدم والخشب والجذوع إِذا بَين شَيْئا مَعْلُوما من هَذِه الْأَشْيَاء وطولا مَعْلُوما وغلظا مَعْلُوما وَأَن تَجْتَمِع فِيهِ شَرَائِط السّلم والتحق بالمتقارب يجوز

стр. 415

وَكَذَلِكَ السّلم فِي الجوالق والمسوح والفرش وَأما السّلم فِي الْحَيَوَان فَجَائِز عِنْد الشَّافِعِي إِذا بَين جنسه ونوعه وسنه وَصفته وَأَنه فِي نجارى فلَان أَو إبل فلَان أَو غنم فلَان وَعِنْدنَا لَا يجوز كَيْفَمَا كَانَ وَيجوز السّلم فِي الأليات والشحوم وزنا بِلَا خلاف وَأما السّلم فِي اللَّحْم مَعَ الْعظم الَّذِي فِيهِ فَلَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة أصلا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ يجوز إِذا بَين جنس اللَّحْم بِأَن قَالَ لحم شَاة أَو بقر وَبَين السن بِأَن قَالَ لحم شَاة ثني أَو جَذَعَة وَبَين النَّوْع بِأَن قَالَ لحم شَاة ذكر أَو أُنْثَى خصي أَو فَحل معلوفة أَو سَائِمَة وَبَين صفة اللَّحْم بِأَن قَالَ سمين أَو مهزول أَو وسط وَبَين الْموضع بِأَن قَالَ من الْكَتف أَو من الْجنب وَبَين الْمِقْدَار بِأَن قَالَ عشرَة أُمَنَاء وَأما منزوع الْعظم فقد اخْتلف الْمَشَايِخ على قَول أبي حنيفَة ذكر الْكَرْخِي وَقَالَ يجوز وَذكر الْجَصَّاص وَقَالَ لَا يجوز لاخْتِلَاف السّمن والهزال وَأما السّلم فِي السّمك فقد اضْطَرَبَتْ عبارَة الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا فِي الأَصْل والنوادر وَالصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن السّلم يجوز فِي السّمك الصغار كَيْلا أَو وزنا وَيَسْتَوِي فِيهِ المالح والطري فِي حِينه وَأما الْكِبَار فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أبي حنيفَة فِي ظَاهر الرِّوَايَة يجوز كَيْفَمَا كَانَ وزنا

стр. 416

وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف فِي الأمالي عَنهُ أَنه لَا يجوز وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة كَمَا فِي اللَّحْم وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنْهُمَا لَا يجوز بِخِلَاف اللَّحْم وَأما السّلم فِي الثِّيَاب فَإِذا بَين جنسه ونوعه وَصفته ورقعته وذرعه يجوز اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن لَا يجوز وَهل يشْتَرط بَيَان الْوَزْن فِي الثَّوْب الْحَرِير اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ بَعضهم هُوَ شَرط وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ بِشَرْط لِأَن الْحَرِير ذرعي كالكتان والكرباس وعَلى هَذَا السّلم فِي الْأَعْدَاد المتقاربة مثل الْجَوْز وَالْبيض وَنَحْوهمَا جَائِز كَيْلا ووزنا وعددا فِي قَول عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة وَقَالَ زفر يجوز كَيْلا ووزنا وَلَا يجوز عددا وَقَالَ الشَّافِعِي يجوز كَيْلا ووزنا فِي الْجَوْز واللوز وَلَا يجوز عددا وَفِي الْبيض يجوز كَيْلا ووزنا وعددا وَلَو أسلم فِي الْفُلُوس عددا يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن مُحَمَّد أَنه لَا يجوز لِأَنَّهَا من جملَة الْأَثْمَان وَلَو أسلم فِي التِّبْن أوقارا لَا يجوز لتَفَاوت فَاحش بَين الوقرين إِلَّا إِذا كَانَ فِي فيمان مَعْلُوم من فيامين النَّاس لم يخْتَلف فَيجوز وَلَو أسلم فِي الْخبز هَل يجوز لم يذكر مُحَمَّد فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَذكر فِي نَوَادِر ابْن رستم على قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لَا يجوز وعَلى قَول أبي

стр. 417

يُوسُف يجوز إِذا شَرط ضربا مَعْلُوما ووزنا مَعْلُوما وأجلا مَعْلُوما وَأما استقراض الْخبز هَل يجوز على قَول أبي حنيفَة لَا يجوز لَا وزنا وَلَا عددا كالسلم وَأَبُو يُوسُف جوز الْقَرْض فِيهِ وزنا لَا عددا كالسلم وَمُحَمّد لم يجوز السّلم فِيهِ لَا وزنا وَلَا عددا وَجوز استقراضه عددا لَا وزنا لحَاجَة النَّاس فَكَأَنَّهُ ترك الْقيَاس فِي جَوَاز استقراضه عددا لعرف النَّاس وَإِن لم يكن من ذَوَات الْأَمْثَال وَأما بَيَان حكم السّلم شرعا فثبوت الْملك لرب السّلم فِي الْمُسلم فِيهِ مُؤَجّلا بِمُقَابلَة ثُبُوت الْملك فِي رَأس المَال الْمعِين أَو الْمَوْصُوف معجلا للْمُسلمِ إِلَيْهِ بطرِيق الرُّخْصَة دفعا لحَاجَة النَّاس بشرائط مَخْصُوصَة لم تكن مَشْرُوطَة فِي بيع الْعين وَلَا بُد أَن يخْتَلف البيع وَالسّلم فِي بعض الْأَحْكَام وَنَذْكُر بعض ذَلِك مِنْهَا أَن الِاسْتِبْدَال بِرَأْس مَال السّلم قبل الْقَبْض لَا يجوز والاستبدال بِالثّمن جَائِز إِذا كَانَ دينا لِأَن قبض رَأس المَال شَرط والاستبدال يفوت الْقَبْض حَقِيقَة وَإِن وجد من حَيْثُ الْمَعْنى كَمَا لَا يجوز الِاسْتِبْدَال ببدلي الصّرْف لِأَن قبضهما شَرط حَقِيقَة فَأَما قبض الثّمن فَلَيْسَ بِشَرْط وَالْبدل يقوم مقَامه معنى وَأما الِاسْتِبْدَال بِالْمُسلمِ فِيهِ فَلَا يجوز قبل الْقَبْض كالاستبدال بِالْمَبِيعِ الْمعِين لِأَن الْمُسلم فِيهِ مَبِيع وَإِن كَانَ دينا فَيكون بيع الْمَبِيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض وَإنَّهُ لَا يجوز بِخِلَاف سَائِر الدُّيُون

стр. 418

وَأما الِاسْتِبْدَال بِرَأْس المَال بعد الْإِقَالَة أَو بعد انْفِسَاخ السّلم بِأَيّ طَرِيق كَانَ فَلَا يجوز فِي قَول عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَة اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن يجوز وَهُوَ قَول زفر سَوَاء كَانَ رَأس المَال عينا أَو دينا وَأَجْمعُوا على أَن الِاسْتِبْدَال ببدلي الصّرْف بعد الْإِقَالَة قبل الْقَبْض جَائِز وَأَجْمعُوا أَن قبض رَأس المَال بعد الْإِقَالَة فِي بَاب السّلم فِي مجْلِس الْإِقَالَة لَيْسَ بِشَرْط لصِحَّة الْإِقَالَة وَفِي الصّرْف شَرط لصِحَّة الْإِقَالَة وَأَجْمعُوا على أَن السّلم إِذا كَانَ فَاسِدا فِي الأَصْل فَلَا بَأْس بالاستبدال فِيهِ قبل الْقَبْض وَلَا يكون لَهُ حكم السّلم كَسَائِر الدُّيُون وَمِنْهَا أَن رب السّلم لَو أَخذ بعض رَأس المَال وَبَعض الْمُسلم فِيهِ بعد مَحل الْأَجَل أَو قبله بِرِضا صَاحبه فَإِنَّهُ يجوز وَيكون إِقَالَة للسلم فِيمَا أَخذ من رَأس المَال وَيبقى السّلم فِي الْبَاقِي وَهُوَ قَول عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ مَالك وَابْن أبي ليلى لَيْسَ لَهُ ذَلِك فَهُوَ إِمَّا أَن يَأْخُذ جَمِيع رَأس المَال أَو يَأْخُذ جَمِيع الْمُسلم فِيهِ وَفِي بيع الْعين إِذا أقَال فِي الْبَعْض دون الْبَعْض جَازَ بِالْإِجْمَاع وَأَجْمعُوا أَنه لَو أَخذ جَمِيع رَأس المَال بِرِضا صَاحبه أَو أقَال جَمِيع السّلم أَو تصالحا على رَأس المَال فَإِنَّهُ يكون إِقَالَة صَحِيحَة وينفسخ السّلم وَلَو أَخذ بعض رَأس المَال قبل مَحل الْأَجَل ليعجل بَاقِي السّلم فَإِنَّهُ لَا يجوز كَذَا ذكر فِي الْكتاب وَمَعْنَاهُ أَنه لَا يجوز هَذَا الشَّرْط

стр. 419

وَتَصِح الْإِقَالَة لِأَنَّهُ يصير فِي معنى الِاعْتِيَاض عَن الْأَجَل فَيكون شرطا فَاسِدا إِلَّا أَن الْإِقَالَة لَا تبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة وَهَذَا على قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد فَأَما على قِيَاس قَول أبي يُوسُف فَتبْطل الْإِقَالَة وَالسّلم كُله بَاقٍ إِلَى أَجله لِأَن عِنْده الْإِقَالَة بيع جَدِيد وَالْبيع يبطل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَة وَمِنْهَا أَن الْمُسلم إِلَيْهِ إِذا أَبْرَأ رب السّلم عَن رَأس المَال لَا يَصح بِدُونِ قبُول رب السّلم وَإِذا قبل يَصح الْإِبْرَاء وَيبْطل السّلم لِأَنَّهُ فَاتَ قبض رَأس المَال لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر قَبضه بعد صِحَة الْإِبْرَاء وَلَو رده أَو لم يقبله بَقِي عقد السّلم صَحِيحا فَلهُ أَن يسلم رَأس المَال قبل الِافْتِرَاق حَتَّى لَا يفْسد وَلَو أَبْرَأ عَن ثمن الْمَبِيع صَحَّ من غير قبُول إِلَّا أَنه يرْتَد بِالرَّدِّ وَالْفرق هُوَ أَن قبض رَأس المَال فِي الْمجْلس شَرط صِحَة عقد السّلم فَلَو صَحَّ الْإِبْرَاء من غير قبُول الآخر لانفسخ السّلم من غير رضَا صَاحبه وَهَذَا لَا يجوز بِخِلَاف الثّمن لِأَن قَبضه لَيْسَ بِشَرْط وَلَو أَبْرَأ عَن الْمُسلم فِيهِ جَازَ لِأَن قَبضه لَيْسَ بِشَرْط وَالْإِبْرَاء عَن دين لَا يجب قَبضه شرعا إِسْقَاط لحقه لَا غير فَيملك ذَلِك وَلَو أَبْرَأ عَن الْمَبِيع لَا يَصح لِأَن الْإِبْرَاء عَن الْأَعْيَان لَا يَصح وَمِنْهَا أَن الْحِوَالَة بِرَأْس مَال السّلم وَالْكَفَالَة بِهِ وَالرَّهْن بِهِ وبالمسلم فِيهِ أَيْضا جَائِز عندنَا وَعند زفر يجوز بِالْمُسلمِ فِيهِ وَلَا يجوز بِرَأْس المَال وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه لَا يجوز ذَلِك كُله لَا بِرَأْس المَال وَلَا بِالْمُسلمِ فِيهِ

стр. 420

وعَلى هَذَا الْخلاف الْحِوَالَة وَالْكَفَالَة وَالرَّهْن بِأحد بدلي الصّرْف ثمَّ مَتى جَازَ ذَلِك عندنَا يجب أَن يقبض الْمُسلم إِلَيْهِ رَأس المَال من الحويل وَالْكَفِيل أَو من رب السّلم أَو يهْلك الرَّهْن قبل أَن يَتَفَرَّقَا عَن الْمجْلس وَقِيمَة الرَّهْن مثل رَأس المَال أَو أَكثر حَتَّى يحصل الِافْتِرَاق عَن قبض رَأس المَال فَيجوز وَلَا يبطل العقد وَأما إِذا تفرق رب السّلم وَالْمُسلم إِلَيْهِ قبل الْقَبْض يبطل السّلم وَإِن بَقِي الحويل وَالْكَفِيل مَعَ رب السّلم وَلَو ذهب الحويل وَالْكَفِيل وَبَقِي الْمُسلم إِلَيْهِ مَعَ رب السّلم لَا يبطل السّلم وَالْعبْرَة لبَقَاء الْعَاقِدين وافتراقهما وَكَذَلِكَ فِي بَاب الصّرْف الْعبْرَة لبَقَاء الْعَاقِدين وَكَذَلِكَ فِي الرَّهْن إِذا لم يهْلك حَتَّى تفَرقا يبطل السّلم لِانْعِدَامِ قبض رَأس المَال هَذَا فِي جَانب رَأس المَال فَأَما فِي جَانب الْمُسلم فِيهِ فالمحيل يبرأ بِنَفس عقد الْحِوَالَة وَيبقى تَسْلِيم الْمُسلم فِيهِ وَاجِبا على الْمُحْتَال عَلَيْهِ إِذا حل الْأَجَل فَإِذا حل الْأَجَل يُطَالب رب السّلم الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَلَا سَبِيل لَهُ على الْمُحِيل وَفِي الْكفَالَة رب السّلم بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ طَالب الْأَصِيل وَإِن شَاءَ طَالب الْكَفِيل وَله أَن يحبس الرَّهْن حَتَّى يَأْخُذ الْمُسلم فِيهِ وَمِنْهَا أَن الْمُسلم إِلَيْهِ إِذا قَالَ بعد قبض رَأس المَال إِنَّه زيوف أَو نبهرجة أَو مُسْتَحقّ أَو ستوقة أَو معيب فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن صدقه رب السّلم أَو كذبه

стр. 421

أما إِذا صدقه فَلهُ حق الرَّد ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ رَأس المَال عينا أَو دينا فَإِن كَانَ عينا فَاسْتحقَّ فِي الْمجْلس أَو رد بِالْعَيْبِ بعد الِافْتِرَاق وَلم يجز لمستحق وَلم يرض الْمُسلم إِلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يبطل السّلم لِأَن العقد وَقع على الْعين فَإِذا لم يجز فقد فَاتَ الْبَدَل فَصَارَ كَمَا لَو هلك الْمَبِيع قبل الْقَبْض وَلَو أجَاز الْمُسْتَحق أَو رَضِي الْمُسلم إِلَيْهِ بِالْعَيْبِ جَازَ لِأَنَّهُ سلم لَهُ الْبَدَل من الأَصْل فَأَما إِذا كَانَ رَأس المَال دينا فَقَبضهُ ثمَّ وجده ستوقة أَو رصاصا أَو مُسْتَحقّا أَو زُيُوفًا أَو نبهرجة فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن وجد ذَلِك فِي مجْلِس السّلم أَو بعد الِافْتِرَاق وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن تجوز بذلك الْمُسلم إِلَيْهِ أَو لم يتجوز أما إِذا وجد ستوقة أَو رصاصا فِي الْمجْلس فَتجوز بِهِ فَلَا يجوز لِأَن هَذَا لَيْسَ من جنس حَقه فَيكون استبدالا بِرَأْس المَال قبل الْقَبْض فَصَارَ كَمَا لَو استبدل ثوبا من رب السّلم مَكَان الدِّرْهَم فَأَما إِذا رده وَقبض شَيْئا آخر مَكَانَهُ جَازَ لِأَنَّهُ لما رده وانتقض قَبضه جعل كَأَن لم يكن وَأخر الْقَبْض إِلَى آخر الْمجْلس فَإِن ذَلِك جَائِز كَذَلِك هَذَا وَأما إِذا وجد ذَلِك مُسْتَحقّا فَإِن صِحَة الْقَبْض مَوْقُوفَة على إجَازَة الْمُسْتَحق إِن أجَاز جَازَ وَإِن لم يجز بَطل فَأَما إِذا وجد زُيُوفًا أَو نبهرجة فَإِن تجوز بهَا جَازَ لِأَنَّهَا من جنس حَقه فَيصير مُسْتَوْفيا مَعَ النُّقْصَان وَإِن رده واستبدل مَكَانَهُ فِي مجْلِس العقد جَازَ لِأَنَّهُ وجد مثله فِي

стр. 422

الْمجْلس فَكَانَ الْقَبْض مُتَأَخِّرًا هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ ذَلِك فِي مجْلِس السّلم فَأَما إِذا كَانَ بعد تفرقهما فَإِن وجد شَيْئا من رَأس المَال ستوقة أَو رصاصا بَطل السّلم بِقَدرِهِ قل أَو كثر كَيْفَمَا كَانَ لِأَنَّهَا لَيست من جنس حق الْمُسلم إِلَيْهِ فَظهر أَن الِافْتِرَاق حصل من غير قبض رَأس المَال بِقدر الستوقة فَيبْطل بِقَدرِهِ وَلَا يعود جَائِزا بِالْقَبْضِ بعد الْمجْلس كَمَا لَو لم يقبض أصلا ثمَّ قبض بعد الِافْتِرَاق وَإِن وجد ذَلِك مُسْتَحقّا إِن أجَاز الْمُسْتَحق جَازَ لِأَن الْقَبْض مَوْقُوف على إِجَازَته إِذا كَانَ رَأس المَال قَائِما نَص على ذَلِك فِي الْجَامِع الْكَبِير وَإِن رد بَطل السّلم بِقَدرِهِ لما ذكرنَا أَن الْقَبْض مَوْقُوف وَأما إِذا وجد ذَلِك زُيُوفًا أَو نبهرجة إِن تجوز بِهِ جَازَ وَإِن لم يتجوز بِهِ ورده أَجمعُوا على أَنه إِن لم يسْتَبْدل فِي مجْلِس الرَّد بَطل السّلم بِقدر مَا رد فَأَما إِذا استبدل مَكَانَهُ جيادا فِي مجْلِس الرَّد فَالْقِيَاس أَن يبطل السّلم بِقَدرِهِ قَالَ الْمَرْدُود أَو كثر وَبِه أَخذ زفر وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يبطل قل أَو كثر وَهُوَ قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأَبُو حنيفَة أَخذ فِي الْكثير بِالْقِيَاسِ وَفِي الْقَلِيل بالاستحسان وَكَذَلِكَ على هَذَا الْخلاف أحد المتصارفين إِذا وجد شَيْئا مِمَّا قبض زُيُوفًا ورده بعد الْمجْلس ثمَّ اتّفقت الرِّوَايَات عَن أبي حنيفَة أَن مَا زَاد على النّصْف كثير وَمَا دونه فَهُوَ قَلِيل

стр. 423

وَأما فِي النّصْف فَذكر فِي الأَصْل وَجعله فِي حكم الْقَلِيل فِي مَوضِع وَحكم الْكثير فِي مَوضِع وَرُوِيَ فِي النَّوَادِر أَنه قدره بِالثُّلثِ فَصَاعِدا وَهُوَ الْأَصَح هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم رَأس المَال فَأَما حكم الْمُسلم فِيهِ إِذا وجد رب السّلم بِالْمُسلمِ فِيهِ عَيْبا بَعْدَمَا قَبضه فَإِن لَهُ خِيَار الْعَيْب إِن شَاءَ تجوز بِهِ وَإِن شَاءَ رده وَيَأْخُذ مِنْهُ السّلم غير معيب لِأَن حَقه فِي السَّلِيم دون الْمَعِيب إِلَّا أَن خِيَار الشَّرْط والرؤية لَا يثبت فِي السّلم على مَا ذكرنَا فِي جَانب رَأس المَال هَذَا إِذا صدقه رب السّلم فَأَما إِذا كذبه وَأنكر أَن تكون الدَّرَاهِم الَّتِي جَاءَ بهَا من دَرَاهِمه الَّتِي أَعْطَاهَا وَادّعى الْمُسلم إِلَيْهِ أَنَّهَا من دَرَاهِمه فَهَذَا لَا يَخْلُو من سِتَّة أوجه إِمَّا إِن كَانَ الْمُسلم إِلَيْهِ أقرّ ذَلِك قبل ذَلِك فَقَالَ قبضت الْجِيَاد أَو قبضت حَقي أَو قبضت رَأس المَال أَو استوفيت الدَّرَاهِم أَو قبضت الدَّرَاهِم أَو قَالَ قبضت وَلم يقل شَيْئا آخر فَفِي الْفُصُول الْأَرْبَعَة الأولى لَا تسمع دَعْوَاهُ بعد ذَلِك أَنِّي وجدته زُيُوفًا وَلم يكن لَهُ حق استحلاف رب السّلم بِاللَّه إِنَّهَا لَيست من دراهمك الَّتِي قبضتها مِنْك لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِقَبض الْجِيَاد يصير مناقضا فِي دَعْوَاهُ لِأَنَّهُ أقرّ بِقَبض الْجِيَاد ثمَّ قَالَ لم أَقبض الْجِيَاد بل هِيَ زيوف والمناقضة تمنع صِحَة الدَّعْوَى وَالْحلف بِنَاء على الدَّعْوَى الصَّحِيحَة وَأما إِذا قَالَ الْمُسلم إِلَيْهِ قبضت الدَّرَاهِم ثمَّ قَالَ هِيَ زيوف فَالْقِيَاس أَن يكون القَوْل قَول رب السّلم إِنَّهَا لَيست من دَرَاهِمه مَعَ يَمِينه

стр. 424

على ذَلِك وعَلى الْمُسلم إِلَيْهِ الْبَيِّنَة أَنَّهَا من الدَّرَاهِم الَّتِي قبضهَا مِنْهُ لِأَن الْمُسلم إِلَيْهِ يَدعِي أَنَّهَا مَقْبُوضَة مَعَ الْعَيْب وَرب السّلم يُنكر أَنَّهَا مَقْبُوضَة أَو أَنَّهَا الَّتِي قبضهَا مِنْهُ وَيكون القَوْل قَول الْمُنكر مَعَ يَمِينه وَفِي الِاسْتِحْسَان القَوْل قَول الْمُسلم إِلَيْهِ مَعَ يَمِينه وعَلى رب السّلم الْبَيِّنَة أَنه أعطَاهُ الْجِيَاد لِأَن رب السّلم بإنكاره أَنَّهَا لَيست من دَرَاهِمه يَدعِي إِيفَاء حَقه وَهُوَ الْجِيَاد وَالْمُسلم إِلَيْهِ بِدَعْوَاهُ أَن هَذِه الدَّرَاهِم قبضتها مِنْك وَإِنَّهَا زيوف يُنكر قبض حَقه فَيكون القَوْل قَوْله مَعَ يَمِينه أَنه لم يقبض حَقه وعَلى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة أَنه أوفاه حَقه وَهَذَا هُوَ الْقيَاس فِي الْفُصُول الْأُخَر إِلَّا أَن ثمَّة سبق مِنْهُ مَا يُنَاقض دَعْوَاهُ وَهُوَ الْإِقْرَار بالجياد وَهَهُنَا لم يسْبق لِأَن ذكر قبض الدَّرَاهِم يَقع على الزُّيُوف والجياد جَمِيعًا بِخِلَاف الْفُصُول الأولى وَأما إِذا قَالَ قبضت لَا غير ثمَّ قَالَ وجدته زُيُوفًا يكون القَوْل قَوْله كَمَا قُلْنَا فِي الْفَصْل الأول إِلَّا أَن هَهُنَا إِذا قَالَ وجدته ستوقة أَو رصاصا فَإِنَّهُ يصدق بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ قبضت الدَّرَاهِم ثمَّ قَالَ وَجدتهَا ستوقة أَو رصاصا فَإِنَّهُ لَا يقبل قَوْله لِأَن فِي قَوْله قبضت إِقْرَارا بِمُطلق الْقَبْض والستوقة تقبض فبقوله مَا قَبضته ستوقة لَا يكون مناقضا وَفِي قَوْله قبضت الدَّرَاهِم يصير مناقضا لقَوْله قبضت الستوقة والرصاص لِأَنَّهُ خلاف جنس الدَّرَاهِم

стр. 425

بَاب الرِّبَا الرِّبَا نَوْعَانِ رَبًّا الْفضل وَربا النِّسَاء فَالْأول هُوَ فضل عين مَال على المعيار الشَّرْعِيّ وَهُوَ الْكَيْل وَالْوَزْن عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس وَالثَّانِي هُوَ فضل الْحُلُول على الْأَجَل وَفضل الْعين على الدّين فِي المكيلين والموزونين عِنْد اخْتِلَاف الْجِنْس أَو فِي غير المكيلين وَغير الموزونين عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس وَعلة رَبًّا الْفضل هِيَ الْقدر الْمُتَّفق مَعَ الْجِنْس أَعنِي الْكَيْل فِي المكيلات وَالْوَزْن فِي الْأَثْمَان والمثمنات وَعلة رَبًّا النِّسَاء هِيَ وجود أحد وصفي عِلّة رَبًّا الْفضل وَهِي الْكَيْل فِي المكيلات أَو الْوَزْن الْمُتَّفق أَعنِي أَن يَكُونَا ثمنين أَو مثمنين لِأَن وزن الثّمن يُخَالف وزن الْمُثمن وَهَذَا عندنَا وَعند الشَّافِعِي رَبًّا الْفضل هُوَ الْفضل الْمُطلق من حَيْثُ الذَّات أَو حُرْمَة بيع المطعوم بِجِنْسِهِ ثمَّ التَّسَاوِي فِي المعيار الشَّرْعِيّ مَعَ الْيَد مخلص عَن هَذِه الْحُرْمَة بطرِيق الرُّخْصَة وَربا النِّسَاء هُوَ فضل الْحُلُول فِي المطعومات والأثمان
следующие страницы →