← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7691

تحفة الفقهاء

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أسلم لم يجز تيَمّمه عِنْد عَامَّة الْعلمَاء إِلَّا مَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يجوز أما عِنْد الشَّافِعِي فَلِأَن التَّيَمُّم عبَادَة وَالْكَافِر لَيْسَ بِأَهْل لَهَا وَعِنْدنَا التَّيَمُّم لَيْسَ بِعبَادة كَالْوضُوءِ لكنه لَيْسَ بِطهُور حَقِيقَة وَإِنَّمَا جعل طهُورا بِاعْتِبَار الْحَاجة إِلَى مُبَاشرَة فعل لَا صِحَة لَهُ بِدُونِ الطَّهَارَة وَالْإِسْلَام يَصح بِدُونِ الطَّهَارَة فَلَا حَاجَة إِلَى أَن يَجْعَل طهُورا فِي حَقه بِخِلَاف الْوضُوء فَإِنَّهُ يَصح من الْكَافِر لِأَنَّهُ طهُور حَقِيقَة وَلَو تيَمّم الْمُسلم ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ أسلم فَهُوَ على تيَمّمه عِنْد عَامَّة الْعلمَاء أما عِنْد الشَّافِعِي فَلِأَن التَّيَمُّم وَإِن كَانَ عبَادَة وَلَكِن عِنْده لَا تبطل الْعِبَادَات بِالرّدَّةِ وَأما عندنَا فَلِأَن الرِّدَّة لَا تبطل وصف الطّهُورِيَّة كَمَا فِي الْوضُوء وَاحْتِمَال الْحَاجة بَاقٍ لِأَنَّهُ مجبور على الْإِسْلَام وَمن شُرُوطه أَيْضا أَن يكون التُّرَاب طَاهِرا حَتَّى لَو تيَمّم بِالتُّرَابِ النَّجس لَا يجوز وَلِهَذَا لَو تيَمّم بِأَرْض أصابتها النَّجَاسَة فجفت بالشمس وَذهب أَثَرهَا إِنَّه لَا يجوز فِي ظَاهر الرِّوَايَة لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن أَجزَاء النَّجَاسَة وَفِي رِوَايَة ابْن الكاس جَازَ لاستحالته أَرضًا وَأما بَيَان مَا يتَيَمَّم بِهِ فَنَقُول اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ

стр. 37

قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد ﵄ يجوز بِكُل مَا هُوَ من جنس الأَرْض وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يجوز إِلَّا بِالتُّرَابِ والرمل خَاصَّة وروى الْمُعَلَّى عَن أبي يوسفرحمه الله أَنه لَا يجوز إِلَّا التُّرَاب وَهُوَ قَوْله الْأَخير وَبِه أَخذ الشَّافِعِي وَالصَّحِيح قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد لقَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ والصعيد عبارَة عَن وَجه الأَرْض وَذَلِكَ قد يكون تُرَابا ورملا وحجرا أَو غير ذَلِك والْحَدِيث الْمَشْهُور دَلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ﵇ جعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا أَيْنَمَا أدركتني الصَّلَاة تيممت وَصليت ثمَّ الْحَد الْفَاصِل بَين جنس الأَرْض وَغَيرهَا أَن كل مَا يَحْتَرِق بالنَّار فَيصير رَمَادا كالشجر والحشيش أَو مَا ينطبع ويلين كالحديد والصفر وَعين الذَّهَب وَالْفِضَّة والزجاج وَنَحْوهَا فَلَيْسَ من جنس الأَرْض ثمَّ اخْتلف أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد فِيمَا بَينهمَا فعلى قَول أبي حنيفَة يجوز التَّيَمُّم بِكُل مَا هُوَ من جنس الأَرْض سَوَاء التزق بِيَدِهِ شَيْء أَو لَا وَعند مُحَمَّد لَا يجوز إِلَّا أَن يلتزق بِيَدِهِ شَيْء من أَجْزَائِهِ إِذا ثَبت ذَا فعلى قَول أبي حنيفَة يجوز التَّيَمُّم بِالتُّرَابِ والرمل والحصى والجص والزرنيخ والنورة والطين الْأَحْمَر والأخضر والأصفر وَالْأسود والكحل وَالْحجر الأملس والحائط المطين والمجصص

стр. 38

وَالْملح الْجبلي دون المائي والسبخة المنعقدة من الأَرْض دون المائية والمردراسنج المعدني دون الْمُتَّخذ من شَيْء آخر وَأما الْآجر فقد ذكر هَهُنَا وَقَالَ يجوز لِأَنَّهُ طين مستحجر فَيكون كالحجر الْأَصْلِيّ وَفِي رِوَايَة لَا يجوز والخزف إِن كَانَ من طين خَالص يجوز كَمَا فِي الْآجر وَإِن كَانَ من طين مخلوط بِمَا لَيْسَ من جنس الأَرْض لَا يجوز كالزجاج الْمُتَّخذ من الرمل وَشَيْء آخر لَيْسَ من جنس الأَرْض وَعند مُحَمَّد فِي هَذِه الْفُصُول إِن التزق بِيَدِهِ شَيْء مِنْهَا بِأَن كَانَ مدقوقا جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَلَو تيَمّم بالرماد لَا يجوز لِأَنَّهُ من أَجزَاء الْخشب وَنَحْوه وَإِن تيَمّم باللآلىء لَا يجوز مدقوقة كَانَت أَو لَا لِأَنَّهَا لَيست من جنس الأَرْض وَلَو تيَمّم بالياقوت والفيروزج والمرجان والزمرد جَازَ لِأَنَّهَا أَحْجَار مضيئة وَلَو تيَمّم بِأَرْض ندية على قَول أبي حنيفَة يجوز التزق بِيَدِهِ شَيْء أم لَا وَعند مُحَمَّد إِن التزق بِيَدِهِ شَيْء جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَعند أبي يُوسُف لَا يجوز كَيْفَمَا كَانَ لِأَن التُّرَاب مخلوط بِمَا لَا

стр. 39

يجوز بِهِ التَّيَمُّم وَهُوَ المَاء وَلَو تيَمّم بالطين الرطب فَهُوَ على هَذَا الِاخْتِلَاف يجوز على قَول أبي حنيفَة التزق بِيَدِهِ شَيْء أَو لَا وَعند مُحَمَّد إِن الْتَصق بِيَدِهِ شَيْء جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَعند أبي يُوسُف لَا يجوز لِأَنَّهُ مخلوط بِمَا لَا يجوز بِهِ التَّيَمُّم وَهُوَ المَاء وَإِن تيَمّم بالغبار بِأَن ضرب بِيَدِهِ على ثوب أَو على لبد فارتفع غباره أَو على الذَّهَب وَالْفِضَّة أَو الْحُبُوب فارتفع غُبَار فيتمم بِهِ جَازَ عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد خلافًا لأبي يُوسُف لِأَنَّهُ من أَجزَاء الأَرْض وَأما وَقت التيممفنقول اخْتلف الْعلمَاء فِي وقته إِن وقته أول وَقت الصَّلَاة أَو آخِره أَو وَسطه ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَقَالَ أحب إِلَيّ أَن يُؤَخر الصَّلَاة إِلَى آخر الْوَقْت وَلم يفصل بَين مَا إِذا كَانَ على طمع من وجود المَاء فِي آخر الْوَقْت أَو لم يكن وروى الْمُعَلَّى عَن أبي حنيفَة وَأبي يوسفأنه إِن كَانَ على طمع من وجود المَاء فِي آخر الْوَقْت يُؤَخر إِلَى آخر الْوَقْت وَإِن لم يكن على طمع من وجود المَاء فِي آخِره فَإِنَّهُ يُؤَخر إِلَى آخر الْوَقْت الْمُسْتَحبّ وَيُصلي فِي آخِره وَتَكون هَذِه الرِّوَايَة تَفْسِيرا لظَاهِر الرِّوَايَة وَقَالَ حَمَّاد لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى آخر الْوَقْت مَا لم يتَيَقَّن وجود المَاء فِي آخر الْوَقْت وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَقَالَ مَالك يسْتَحبّ لَهُ أَن يتَيَمَّم فِي وسط الْوَقْت وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما رُوِيَ عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ مثل مَذْهَبنَا وَلم يرو عَن غَيره خِلَافه فَيكون كالإجماع وَإِن تيَمّم فِي أول الْوَقْت وَصلى فَإِن كَانَ عَالما أَن المَاء يقرب مِنْهُ بِأَن كَانَ أقل من ميل لَا تجوز صلَاته وَإِن كَانَ ميلًا فَصَاعِدا جَازَت صلَاته لِأَن حد الْبعد هُوَ الْميل وَإِن كَانَ يُمكنهُ أَن يذهب وَيتَوَضَّأ وَيُصلي فِي الْوَقْت وَتعْتَبر الْجُمْلَة وَإِن لم يكن عَالما بذلك يجوز سَوَاء كَانَ يَرْجُو وجود المَاء فِي آخر الْوَقْت أَو لَا بعد الطّلب أَو قبله عندنَا لِأَن الْعَدَم ثَابت من حَيْثُ الظَّاهِر وَاحْتِمَال الْوُجُود لَا يُعَارض الثَّابِت ظَاهرا فَأَما إِذا كَانَ على يَقِين من وجود المَاء فِي آخر الْوَقْت أَو من حَيْثُ الْغَالِب فَإِن كَانَ بَينه وَبَين المَاء مِقْدَار مَا يُمكنهُ أَن يذهب وَيتَوَضَّأ وَيُصلي فِي الْوَقْت فَإِنَّهُ ينظر إِن كَانَ أقل من ميل لَا تجوز صلَاته وَإِن كَانَ ميلًا فَصَاعِدا جَازَت صلَاته لِأَن حد الْبعد هُوَ الْميل وَإِن أخبر فِي آخر الْوَقْت أَن المَاء بِقرب مِنْهُ

стр. 40

بِأَن كَانَ أقل من ميل وَلَكِن لَو ذهب إِلَيْهِ وَتَوَضَّأ تفوته الصَّلَاة عَن الْوَقْت فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ أَن يذهب وَيتَوَضَّأ وَيُصلي خَارج الْوَقْت وَلَا يجْزِيه التَّيَمُّم لِأَن الصَّلَاة تفوته إِلَى بدل وَهُوَ الْقَضَاء وَأما مَا يبطل التَّيَمُّم فَنَقُول كل مَا يبطل الْوضُوء من الْحَدث الْحَقِيقِيّ والحكمي فَإِنَّهُ يُبطلهُ وَأما مَا يُبطلهُ على الْخُصُوص فَهُوَ رُؤْيَة المَاء وَأَصله قَوْله ﵇ التَّيَمُّم وضوء الْمُسلم وَلَو إِلَى عشر حجج مَا لم يجد المَاء أَو يحدث ثمَّ إِن وجد المَاء قبل الشُّرُوع فِي الصَّلَاة يبطل تيَمّمه وَيجب عَلَيْهِ الْوضُوء بِالْإِجْمَاع وَإِن وجد بعد الشُّرُوع إِن كَانَ قبل أَن يقْعد قدر التَّشَهُّد من الْقعدَة الْأَخِيرَة فَإِنَّهُ تفْسد صلَاته عندنَا

стр. 41

وَقَالَ الشَّافِعِي لَا تفْسد وَحجَّتنَا مَا روينَا من الحَدِيث الْمَشْهُور من غير فصل بَين حَالَة الصَّلَاة وَغَيرهَا وَإِن كَانَ بعد مَا قعد قدر التَّشَهُّد الْأَخير أَو بعد مَا سلم وَعَلِيهِ سجدتا السَّهْو وَعَاد إِلَى الصَّلَاة تبطل صلَاته عِنْد أبي حنيفَة وَيلْزمهُ الِاسْتِقْبَال وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد يبطل تيَمّمه وَصلَاته تَامَّة وَهَذِه الْمَسْأَلَة من جملَة الْمسَائِل الاثْنَي عشرِيَّة على مَا يعرف فِي موضعهَا وَإِن وجد بعد الْفَرَاغ من الصَّلَاة فَإِن كَانَ بعد خُرُوج الْوَقْت لَا يلْزمه الْإِعَادَة بِالْإِجْمَاع وَإِن وجد فِي الْوَقْت فَكَذَلِك عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ مَالك يُعِيد وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَنَّهُ قدر على الأَصْل بعد حُصُول الْمَقْصُود بِالْبَدَلِ وَأَنه إِذا رأى سُؤْر حمَار فَإِن كَانَ خَارج الصَّلَاة يَنْبَغِي أَن يتَوَضَّأ بِهِ مَعَ التَّيَمُّم لِأَنَّهُ مَشْكُوك فِيهِ فَوَجَبَ الْجمع بَينهمَا حَتَّى يكون مُؤديا للصَّلَاة بِيَقِين إِن كَانَ فِي الصَّلَاة يَنْبَغِي أَن لَا يقطع لِأَن الشُّرُوع قد صَحَّ فَلَا يقطع بِالشَّكِّ وَلَكِن يمْضِي عَلَيْهَا فَإِذا فرغ مِنْهَا يقْضِي تِلْكَ الصَّلَاة بسؤر الْحمار حَتَّى يكون مُؤديا للصَّلَاة بِيَقِين وَأما إِذا وجد نَبِيذ التَّمْر فعلى قَول أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ

стр. 42

ينْتَقض تيَمّمه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة المَاء عِنْد عدم المَاء الْمُطلق وعَلى قَول أبي يُوسُف لَا ينْتَقض لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطهُور أصلا وَعند مُحَمَّد يمْضِي على صلَاته ثمَّ يُعِيد كَمَا فِي سُؤْر الْحمار ثمَّ الأَصْل عندنَا أَن التَّيَمُّم بدل مُطلق وَلَيْسَ بضروري يَعْنِي بِهِ أَن الْحَدث يرْتَفع عندنَا بِالتَّيَمُّمِ إِلَى وَقت وجود المَاء فِي حق الصَّلَاة المؤداة لَا أَن تُبَاح لَهُ الصَّلَاة مَعَ قيام الْحَدث للضَّرُورَة وَعند الشَّافِعِي هُوَ بدل ضَرُورِيّ وعنى بِهِ أَن يُبَاح لَهُ الصَّلَاة بِالتَّيَمُّمِ مَعَ قيام الْحَدث حَقِيقَة وَجعل عدما شرعا لضَرُورَة صِحَة الصَّلَاة بِمَنْزِلَة طَهَارَة الْمُسْتَحَاضَة وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما روينَا عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ التَّيَمُّم وضوء الْمُسلم وَلَو إِلَى عشر حجج مَا لم يجد المَاء أَو يحدث وَيَنْبَنِي على هَذَا الأَصْل أَن عادم المَاء إِذا تيَمّم قبل دُخُول وَقت الصَّلَاة فَإِنَّهُ يجوز تيَمّمه لِأَنَّهُ خلف مُطلق حَال عدم المَاء وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز لِأَنَّهُ خلف ضَرُورِيّ وَلَا ضَرُورَة قبل الْوَقْت كَمَا فِي طَهَارَة الْمُسْتَحَاضَة وعَلى هَذَا إِذا تيَمّم يجوز لَهُ أَن يُؤَدِّي بِهِ مَا شَاءَ من الْفَرَائِض والنوافل مَا لم يجد المَاء أَو يحدث وَلَا ينْتَقض تيَمّمه بِخُرُوج الْوَقْت كطهارة الْمُسْتَحَاضَة وَعِنْده لَا يجوز لَهُ أَن يُؤَدِّي فرضا غير الَّذِي تيَمّم لأَجله وَلَكِن يجوز لَهُ أَن يُصَلِّي بذلك التَّيَمُّم النَّوَافِل لِأَنَّهَا تبع للفرائض كَمَا قَالَ فِي طَهَارَة الْمُسْتَحَاضَة وعَلى هَذَا الأَصْل

стр. 43

قَالَ الزُّهْرِيّ إِنَّه لَا يجوز التَّيَمُّم فِي حق النَّوَافِل لِأَنَّهُ طَهَارَة ضَرُورِيَّة وَلَا ضَرُورَة فِي حق النَّوَافِل وَلَكِن عَامَّة الْعلمَاء قَالُوا إِن الْحَاجة إِلَى إِحْرَاز الثَّوَاب مُعْتَبرَة كَمَا فِي طَهَارَة الْمُسْتَحَاضَة تطهر فِي حق النَّوَافِل بِالْإِجْمَاع لما قُلْنَا كَذَا كَذَا ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِي كَيْفيَّة الْبَدَلِيَّة قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف التُّرَاب خلف عَن المَاء عِنْد عَدمه والبدلية بَين التُّرَاب وَالْمَاء وَقَالَ مُحَمَّد التَّيَمُّم خلف عَن الْوضُوء عِنْد عَدمه والبدلية بَين التَّيَمُّم وَالْوُضُوء وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف بِأَن الْمُتَيَمم إِذا أم المتوضئين فَإِنَّهُ تجوز إِمَامَته لَهُم وَتَكون صلَاتهم جَائِزَة اسْتِحْسَانًا إِذا لم يكن مَعَ المتوضئين مَاء فَأَما إِذا كَانَ مَعَهم مَاء فَلَا تجوز إِمَامَته لَهُم وَتَكون صلَاتهم فَاسِدَة وَقَالَ مُحَمَّد لَا تجوز إِمَامَته سَوَاء كَانَ مَعَ المتوضئين مَاء أَو لم يكن وَقَالَ زفر تجوز إِمَامَته لَهُم سَوَاء كَانَ مَعَهم مَاء أَو لم يكن لِأَن عِنْد مُحَمَّد لما كَانَت الْبَدَلِيَّة بَين التَّيَمُّم وَالْوُضُوء فالمقتدي إِذا كَانَ على وضوء لم يكن تيَمّم الإِمَام الَّذِي هُوَ بدل عَن الْوضُوء طَهَارَة فِي حَقه لقدرته على الأَصْل وَيكون وجوده وَعَدَمه سَوَاء فَيكون مقتديا بالمحدث فَلَا يجوز كَالصَّحِيحِ إِذا اقْتدى بِصَاحِب جرح سَائل لم

стр. 44

يجز اقْتِدَاؤُهُ لِأَن طَهَارَته ضَرُورِيَّة فَلَا يعْتَبر فِي حق الصَّحِيح كَذَا هَذَا وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لما كَانَت الْبَدَلِيَّة بَين التُّرَاب وَالْمَاء فَإِذا لم يكن مَعَ المقتدين مَاء فَيكون التُّرَاب طَهَارَة مُطلقَة فِي حَال عدم المَاء وَإِذا كَانَ مَعَهم مَاء فقد فَاتَ الشَّرْط فِي حق المقتدين فَلَا يبْقى التُّرَاب طهُورا فِي حَقهم فَلم تبْق طَهَارَة الإِمَام طَهَارَة فِي حَقهم فَلَا يَصح اقتداؤهم بِهِ وعَلى هَذَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف إِن الْمُتَيَمم إِذا أم المتوضئين وَلم يكن مَعَهم مَاء ثمَّ رأى وَاحِدًا مِنْهُم المَاء بطلت صلَاته لِأَن طَهَارَة الإِمَام جعلت عدما فِي حَقه لقدرته على المَاء الَّذِي هُوَ أصل لِأَنَّهُ لَا يبْقى الْخلف عِنْد وجود الأَصْل

стр. 45

بَاب النَّجَاسَات الْكَلَام فِي هَذَا الْبَاب فِي سِتَّة مَوَاضِع فِي بَيَان أَنْوَاع الأنجاس وَفِي بَيَان الْمِقْدَار الَّذِي يصير بِهِ الْمحل نجسا شرعا وَفِي بَيَان مَا يَقع بِهِ التَّطْهِير وَفِي طَرِيق التَّطْهِير وَفِي شَرَائِط التَّطْهِير وَفِي حكم الغسالة أما الأول وَهُوَ بَيَان أَنْوَاع النَّجَاسَات فَمن ذَلِك أَن كل مَا يخرج من بدن الْإِنْسَان مِمَّا يتَعَلَّق بِخُرُوجِهِ وجوب الْوضُوء أَو الْغسْل فَهُوَ نجس نَحْو الْغَائِط وَالْبَوْل وَالدَّم والصديد والقيء ملْء الْفَم وَدم الْحيض وَالنّفاس والاستحاضة والودي والمذي والمني وَلَا خلاف فِي هَذِه الْجُمْلَة إِلَّا فِي الْمَنِيّ فَإِن عِنْد الشَّافِعِي هُوَ طَاهِر وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث عمار بن يَاسر أَنه كَانَ يغسل ثَوْبه من النخامة فَمر عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ مَا تصنع يَا عمار فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ وَمَا نخامتك ودموع عَيْنَيْك وَالْمَاء الَّذِي

стр. 46

فِي ركوتك إِلَّا سَوَاء وَإِنَّمَا يغسل الثَّوْب من خمس بَوْل وغائط وَدم وقيء ومني وَأما الْقَيْء الَّذِي يكون أقل من ملْء الْفَم وَالدَّم الَّذِي لم يسل عَن رَأس الْجرْح هَل يكون نجسا فعلى قِيَاس مَا ذكرنَا هَهُنَا لَا يكون نجسا لِأَنَّهُ لَا يتَعَلَّق بِهِ وجوب الْوضُوء وَهَكَذَا رُوِيَ عَن أبي يُوسُف لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَم مسفوح وَقَالَ مُحَمَّد هُوَ نجس لِأَنَّهُ جُزْء من الدَّم المسفوح وَأما الدَّم إِذا لم يكن مسفوحا فِي الأَصْل كَدم البق والبراغيث فَهُوَ لَيْسَ بِنَجس عندنَا وَعند الشَّافِعِي هُوَ نجس إِلَّا أَنه إِذا أصَاب الثَّوْب يَجْعَل عفوا لأجل الضَّرُورَة ثمَّ مَا ذكرنَا أَنه نجس من الْآدَمِيّ فَهُوَ نجس من سَائِر الْحَيَوَانَات من الأبوال والأرواث وَنَحْوهَا عِنْد عَامَّة الْعلمَاء إِلَّا أَنه قد سقط اعْتِبَار نَجَاسَة بَعْضهَا لأجل الضَّرُورَة وَقَالَ مُحَمَّد بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه طَاهِر وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف نجس لَكِن يُبَاح شربه للتداوي عِنْد أبي يُوسُف وَعند أبي حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ لَا يُبَاح وَقَالَ ابْن أبي ليلى بِأَن السرقين طَاهِر وَقَالَ مَالك بِأَن البعر والروث وأخثاء الْبَقر كلهَا طَاهِرَة وَقَالَ زفر رَوْث مَا يُؤْكَل لَحْمه طَاهِر

стр. 47

وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لِأَن الْآدَمِيّ أطهر الْحَيَوَانَات ذاتا وغذاء فَإِذا كَانَت هَذِه الْأَشْيَاء نَجِسَة مِنْهُ فَمن غَيره أولى وَأما خرء الطُّيُور فالطيور ثَلَاثَة أَنْوَاع مَا لَا يذرق من الْهَوَاء نَحْو الدَّجَاج والبط والأوز وخرؤها نجس فِي رِوَايَة الْحسن عَن أبي حنيفَة وَفِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَنهُ أَن خرء الدَّجَاج والبط نجس دون خرء الأوز وَمَا يذرق من الْهَوَاء نَوْعَانِ الصغار مِنْهَا مثل الْحمام وَنَحْوه وخرؤها طَاهِر والكبار كالصقر والبازي وَنَحْوهمَا وخرؤها طَاهِر عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد نجس وَهَذَا كُله قَول عُلَمَاؤُنَا وَقَالَ الشَّافِعِي خرء الطُّيُور كلهَا نجس وَالْقِيَاس قَوْله لِأَنَّهُ نجس حَقِيقَة إِلَّا أَنا استحسنا وأسقطنا نَجَاسَة الْبَعْض لمَكَان الضَّرُورَة وَمن أَنْوَاع الأنجاس الميتات وَهِي نَوْعَانِ مِنْهَا مَا لَيْسَ لَهَا دم سَائل وَهِي لَيست بنجسة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ على مَا نذكرهُ وَالثَّانِي مَا لَهَا دم سَائل فَنَقُول لَا خلاف أَن الْأَجْزَاء الَّتِي فِيهَا دم سَائل مثل اللَّحْم والشحم وَالْجَلد وَنَحْوهَا فَهِيَ نَجِسَة لاختلاط الدَّم النَّجس بهَا وَأما الْأَجْزَاء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دم فَفِي غير الْآدَمِيّ وَالْخِنْزِير من

стр. 48

الْحَيَوَانَات ينظر إِن كَانَت صلبة مثل الشّعْر وَالصُّوف والريش والقرن والعظم وَالسّن والحافر والخف والظلف والعصب والإنفحة الصلبة فَلَيْسَتْ بنجسة بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا وَأما الإنفحة المائعة وَاللَّبن فَكَذَلِك عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدنَا نجس وَقَالَ الشَّافِعِي الْكل نجس وَكَذَا الْجَواب فِيمَا أبين من الْحَيّ من الْأَجْزَاء إِن كَانَ فِيهِ دم فَهُوَ نجس بِالْإِجْمَاع وَإِن لم يكن فعلى هَذَا الْخلاف فالشافعي أَخذ بِظَاهِر الْآيَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ وأصحابنا قَالُوا إِن نَجَاسَة الميتات بِاعْتِبَار مَا فِيهَا من الدَّم السَّائِل والرطوبات النَّجِسَة وَلم يُوجد فِي هَذِه الْأَجْزَاء وَأما فِي الْآدَمِيّ فَعَن أَصْحَابنَا رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة نجس حَتَّى لَا يجوز بيعهَا وَلَا الصَّلَاة مَعهَا إِذا كَانَ أَكثر من قدر الدِّرْهَم وزنا أَو عرضا على حسب مَا يَلِيق بِهِ وَفِي رِوَايَة يكون طَاهِرا وَهِي الْأَصَح لِأَنَّهُ لَا دم فِيهَا إِلَّا أَنه لَا يجوز بيعهَا وَيحرم الِانْتِفَاع بهَا احتراما للآدمي وَأما الْخِنْزِير فيروى عَن أبي حنيفَة ﵁ أَنه نجس الْعين

стр. 49

فَيحرم اسْتِعْمَال شعره وَسَائِر أَجْزَائِهِ إِلَّا أَنه رخص فِي شعره للخرازين لأجل الْحَاجة وَإِذا وَقع شعره فِي المَاء رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يُوجب التَّنْجِيس وَعَن مُحَمَّد أَنه لَا يُوجب مَا لم يغلب على المَاء كشعر غَيره وَرُوِيَ عَن أَصْحَابنَا فِي غير رِوَايَة الْأُصُول أَن هَذِه الْأَجْزَاء مِنْهُ طَاهِرَة لِأَنَّهُ لَا دم فِيهَا وَأما الْكَلْب فَمن قَالَ من مَشَايِخنَا إِنَّه نجس الْعين فَهُوَ وَالْخِنْزِير سَوَاء وَمن قَالَ إِنَّه لَيْسَ بِنَجس الْعين فَهُوَ وَسَائِر الْحَيَوَانَات سَوَاء وَهَذَا أصح وَأما حكم أسآر الْحَيَوَانَات وَعرفهَا وَأَلْبَانهَا فَنَقُول الأسآر على أَرْبَعَة أوجه سُؤْر مُتَّفق على طَهَارَته من غير كَرَاهَة وسؤر مُخْتَلف فِي طَهَارَته ونجاسته وسؤر مَكْرُوه وسؤر مَشْكُوك فِيهِ أما السؤر الطَّاهِر الْمُتَّفق على طَهَارَته فَهُوَ سُؤْر الْآدَمِيّ بِكُل حَال إِلَّا فِي حَال شرب الْخمر فَإِنَّهُ نجس لنجاسة فَمه وَكَذَا سُؤْر مَا يُؤْكَل لَحْمه من الْأَنْعَام والطيور إِلَّا الْإِبِل الْجَلالَة وَالْبَقر الْجَلالَة والدجاجة المخلاة فَإِن سؤرها مَكْرُوه لاحْتِمَال نَجَاسَة فمها حَتَّى إِذا كَانَت محبوسة لَا يكره وَأما سُؤْر الْفرس فعلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد طَاهِر لطهارة لَحْمه وَعند أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ كَمَا فِي طَهَارَة لَحْمه على رِوَايَة الْحسن

стр. 50

نجس كلحمه وعَلى جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة طَاهِر كلحمه وَأما السؤر الْمُخْتَلف فِي طَهَارَته ونجاسته فَهُوَ سُؤْر الْخِنْزِير وَالْكَلب وَسَائِر سِبَاع الوحوش وَهُوَ نجس عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ مَالك طَاهِر وَقَالَ الشَّافِعِي سُؤْر السبَاع كلهَا طَاهِر سوى الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَأما السؤر الْمَكْرُوه فَهُوَ سُؤْر سِبَاع الطير كالحدأة والبازي والصقر وَنَحْوهَا اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَنه نجس وَكَذَا سُؤْر سواكن الْبيُوت كالحية والفأرة وَالْعَقْرَب وَنَحْوهَا وَكَذَا سُؤْر الْهِرَّة فِي رِوَايَة الْجَامِع الصَّغِير وَفِي ظَاهر الرِّوَايَة قَالَ أحب إِلَيّ أَن يتَوَضَّأ بِغَيْرِهِ وَلم يذكر الْكَرَاهَة وَعَن أبي يُوسُف أَنه لَا يكره وَأما السؤر الْمَشْكُوك فِيهِ فَهُوَ سُؤْر الْحمار والبغل فِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة وروى الْكَرْخِي عَن أَصْحَابنَا أَن سؤرهما نجس وَقَالَ الشَّافِعِي طَاهِر ثمَّ السؤر الْمُتَّفق على طَهَارَته وَالْمَاء الْمُطلق سَوَاء والسؤر الْمَكْرُوه لَا يَنْبَغِي أَن يتَوَضَّأ بِهِ إِن وجد مَاء مُطلقًا وَإِن تَوَضَّأ بِهِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة وَإِن لم يجد مَاء مُطلقًا يجوز من غير كَرَاهَة

стр. 51

والسؤر الْمَشْكُوك فِيهِ لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ إِن وجد مَاء مُطلقًا وَإِن تَوَضَّأ بِهِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة وَإِن لم يجد يتَوَضَّأ بِهِ وَيتَيَمَّم لِأَن أَحدهمَا مطهر بِيَقِين وَأيهمَا قدم أَو أخر جَازَ عندنَا وَعند زفر لَا يجوز مَا لم يقدم الْوضُوء على التَّيَمُّم حَتَّى يصير عادما للْمَاء وَمن الأنجاس الْخمر وَالسكر على مَا يعرف فِي كتاب الْأَشْرِبَة وَأما بَيَان الْمِقْدَار الَّذِي بِهِ يصير الْمحل نجسا شرعا فَنَقُول ينظر إِمَّا إِن وَقع فِي الْمَائِعَات من المَاء والخل وَنَحْوهمَا أَو أصَاب الثَّوْب وَالْبدن وَالْمَكَان أما إِذا وَقع فِي المَاء فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ جَارِيا أَو راكدا فَإِن كَانَ جَارِيا إِن كَانَت النَّجَاسَة غير مرئية فَإِنَّهُ لَا ينجس مَا لم يتَغَيَّر طعمه أَو لَونه أَو رِيحه وَيتَوَضَّأ مِنْهُ كَيفَ شاءمن الْموضع الَّذِي وَقع فِيهِ النَّجس أَو من الطّرف الآخر لِأَن المَاء طَاهِر فِي الأَصْل فَلَا يحكم بِنَجَاسَتِهِ بِالشَّكِّ وَإِن كَانَت النَّجَاسَة مرئية مثل الجيفة وَنَحْوهَا فَإِن كَانَ النَّهر كَبِيرا فَإِنَّهُ لَا يتَوَضَّأ من أَسْفَل الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الجيفة وَلنْ يتَوَضَّأ من الْجَانِب الآخر لِأَنَّهُ مُتَيَقن بوصول النَّجَاسَة إِلَى الْموضع الَّذِي يتَوَضَّأ مِنْهُ وَإِن كَانَ النَّهر صَغِيرا بِحَيْثُ لَا يجْرِي بالجيفة بل يجْرِي المَاء عَلَيْهَا إِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا جَمِيع المَاء فَإِنَّهُ لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ من أَسْفَل الجيفة لِأَنَّهُ تنجس جَمِيع المَاء وَالنَّجس لَا يطهر بالجريان وَإِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا بعض المَاء فَإِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا أَكثر المَاء

стр. 52

فَهُوَ نجس وَإِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا أقل المَاء فَهُوَ طَاهِر لِأَن الْعبْرَة للْغَالِب وَإِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا النّصْف يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ فِي الحكم وَلَكِن الْأَحْوَط أَن لَا يتَوَضَّأ بِهِ وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي حد الجريان قَالَ بَعضهم إِن كَانَ يجْرِي بالتبن وَالْوَرق فَهُوَ جَار وَإِلَّا فَلَا وَقيل إِن وضع رجل يَده فِي المَاء عرضا لم يَنْقَطِع جَرَيَانه فَهُوَ جَار وَإِلَّا فَلَا وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف ﵀ أَنه قَالَ إِن كَانَ بِحَال لَو اغترف رجل المَاء بكفيه لم ينحسر وَجه الأَرْض وَلم يَنْقَطِع الجريان فَهُوَ جَار وَإِلَّا فَلَا وَأَصَح مَا قيل فِيهِ إِن المَاء الْجَارِي مَا يعده النَّاس جَارِيا وَأما إِذا كَانَ المَاء راكدا فقد اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ قَالَ أَصْحَاب الظَّوَاهِر بِأَن المَاء لَا ينجس بِوُقُوع النَّجَاسَة فِيهِ كَيْفَمَا كَانَ لقَوْله ﵇ المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شَيْء وَقَالَ عَامَّة الْعلمَاء إِن كَانَ المَاء قَلِيلا ينجس وَإِن كَانَ كثيرا لَا ينجس وَاخْتلفُوا فِي الْحَد الْفَاصِل بَينهمَا فَقَالَ مَالك إِن كَانَ بِحَال يتَغَيَّر طعمه أَو لَونه أَو رِيحه فَهُوَ قَلِيل وَإِن كَانَ لَا يتَغَيَّر فَهُوَ كثير وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا بلغ المَاء الْقلَّتَيْنِ فَهُوَ كثير لَا يحْتَمل خبثا

стр. 53

لوُرُود الحَدِيث فِيهِ هَكَذَا والقلتان عِنْده خمس قرب كل قربَة خَمْسُونَ منا فَيكون جملَته مِائَتَيْنِ وَخمسين منا وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا إِن كَانَ المَاء بِحَال يخلص بعضه إِلَى بعض فَهُوَ قَلِيل وَإِن كَانَ لَا يخلص بعضه إِلَى بعض فَهُوَ كثير وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الخلوص اتّفقت الرِّوَايَات عَن أَصْحَابنَا الْمُتَقَدِّمين أَنه يعْتَبر بِالتَّحْرِيكِ فَإِن تحرّك طرف مِنْهُ بتحريك الْجَانِب الآخر فَهَذَا مِمَّا يخلص وَإِن كَانَ لَا يَتَحَرَّك فَهُوَ مِمَّا لَا يخلص وَلَكِن فِي رِوَايَة أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة يعْتَبر التحريك بالاغتسال وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد يعْتَبر التحريك بِالْوضُوءِ والمشايخ الْمُتَأَخّرُونَ اعْتبر بَعضهم الخلوص بالصبغ وَبَعْضهمْ بالتكدير وَبَعْضهمْ بالمساحة إِن كَانَ عشرا فِي عشر فَهُوَ مِمَّا لَا يخلص وَإِن كَانَ دونه فَهُوَ مِمَّا يخلص وَبِه أَخذ مَشَايِخ بَلخ وَذكر الشَّيْخ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي فِي الْكتاب وَقَالَ لَا عِبْرَة للتقدير فِي الْبَاب وَلَكِن يتحَرَّى فِي ذَلِك إِن كَانَ أكبر رَأْيه أَن النَّجَاسَة وصلت إِلَى هَذَا الْموضع الَّذِي يتَوَضَّأ مِنْهُ لَا يجوز وَإِن كَانَ أكبر رَأْيه أَنَّهَا لم تصل يجوز التوضئة بِهِ لِأَن غَالب الرَّأْي دَلِيل عِنْد عدم الْيَقِين هَذَا إِذا كَانَ لَهُ طول وَعرض فَأَما إِذا كَانَ لَهُ طول بِلَا عرض كالأنهار الَّتِي فِيهَا مياه راكدة فَإِنَّهُ لَا ينجس بِوَقع النَّجَاسَة فِيهِ

стр. 54

وَعَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني أَنه لَا يتَوَضَّأ بِهِ وَلَو تَوَضَّأ بِهِ إِنْسَان أَو وَقعت فِيهِ النَّجَاسَة إِن كَانَ فِي أحد الطَّرفَيْنِ تنجس مِنْهُ مِقْدَار عشرَة أَذْرع وَإِن كَانَ فِي وَسطه تنجس من كل جَانب عشرَة أَذْرع وَأما العمق هَل يشْتَرط مَعَ الطول وَالْعرض عَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني أَن أَصْحَابنَا اعتبروا الْبسط دون العمق وَعَن أبي جَعْفَر الهنداوي إِن كَانَ بِحَال لَو رفع إِنْسَان المَاء بكفيه ينحسر أَسْفَله فَهَذَا لَيْسَ بعميق وَإِن كَانَ لَا ينحسر فَهُوَ عميق وَقيل مِقْدَار شبر وَقيل مِقْدَار ذِرَاع ثمَّ إِذا كَانَت النَّجَاسَة غير مرئية بِأَن بَال فِيهِ إِنْسَان أَو اغْتسل فِيهِ جنب اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ قَالَ مَشَايِخ الْعرَاق بِأَن حكم المرئية وَغير المرئية سَوَاء فِي أَنه لَا يتَوَضَّأ من الْجَانِب الَّذِي وَقعت فِيهِ النَّجَاسَة وَإِنَّمَا يتَوَضَّأ من الْجَانِب الآخر بِخِلَاف المَاء الْجَارِي ومشايخنا فصلوا بَين الْأَمريْنِ كَمَا قَالُوا جَمِيعًا فِي المَاء الْجَارِي وَهُوَ الْأَصَح ثمَّ النَّجَاسَة إِذا وَقعت فِي المَاء الْقَلِيل فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ فِي الْأَوَانِي أَو فِي الْبِئْر أَو فِي الْحَوْض الصَّغِير أما فِي الْأَوَانِي فتوجب التَّنْجِيس كَيْفَمَا كَانَت مستجسدة أَو مائعة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَوَانِي ضَرُورَة غالبة إِلَّا فِي البعرة إِذا وَقعت فِي اللَّبن عِنْد الْحَلب إِذا رميت من ساعتها عِنْد مَشَايِخنَا الْمُتَقَدِّمين لأجل

стр. 55

الضَّرُورَة وَهُوَ الصَّحِيح فَأَما إِذا كَانَ فِي الْبِئْر فالواقع لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون حَيَوَانا أَو غَيره من النَّجَاسَات فَإِن كَانَ حَيَوَانا فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن أخرج حَيا أَو مَيتا فَإِن أخرج حَيا إِن كَانَ نجس الْعين كالخنزير يجب نزح جَمِيع المَاء وَفِي الْكَلْب اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ هَل هُوَ نجس الْعين أم لَا وَالصَّحِيح أَنه لَيْسَ بِنَجس الْعين وَأما إِذا لم يكن نجس الْعين فَإِن كَانَ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ لَا يُوجب التَّنْجِيس إِلَّا إِذا كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَة بِيَقِين حَقِيقَة أَو حكمِيَّة أَو نوى الْغسْل أَو الْوضُوء فِي جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة وَهُوَ الصَّحِيح وَأما سَائِر الْحَيَوَانَات فَإِن كَانَ لَا يُؤْكَل لَحْمه كسباع الْوَحْش والطيور اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ وَالصَّحِيح أَنه يُوجب التَّنْجِيس وَكَذَلِكَ الْحمار والبغل وَالصَّحِيح أَنه يصير المَاء مشكوكا فِيهِ وَإِن كَانَ حَيَوَانا يُؤْكَل لَحْمه لَا يُوجب التَّنْجِيس لِأَنَّهُ طَاهِر وَهَذَا كُله إِذا لم يتَيَقَّن أَن يكون على بدنه نَجَاسَة أَو على مخرجه أَو لم يصل إِلَى المَاء شَيْء من لعابه فَأَما إِذا تَيَقّن يصير المَاء نجسا فِي النَّجَاسَة وَفِي اللعاب يصير حكم المَاء حكم اللعاب فَأَما إِذا خرج مَيتا فَإِن كَانَ منتفخا أَو متفسخا ينْزح مَاء الْبِئْر كُله لِأَنَّهُ تَيَقّن بوصول شَيْء من النَّجَاسَة إِلَيْهِ وَإِن لم يكن منتفخا وَلَا متفسخا ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة على ثَلَاث مَرَاتِب

стр. 56

فِي الْفَأْرَة وَنَحْوهَا ينْزح عشرُون دلوا أَو ثَلَاثُونَ وَفِي الدَّجَاجَة وَنَحْوهَا ينْزح أَرْبَعُونَ أَو خَمْسُونَ وَفِي الْآدَمِيّ وَنَحْوه ينْزح مَاء الْبِئْر كُله وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه جعله على خمس مَرَاتِب فِي الحلمة وَنَحْوهَا ينْزح عشر دلاء وَفِي الْفَأْرَة وَنَحْوهَا عشرُون وَفِي الْحمام وَنَحْوه ثَلَاثُونَ وَفِي الدَّجَاجَة وَنَحْوهَا أَرْبَعُونَ وَفِي الأدمِيّ وَنَحْوه ينْزح مَاء الْبِئْر كُله وَإِنَّمَا ثبتَتْ هَذِه الْمَرَاتِب بِإِجْمَاع الصَّحَابَة توقيفا لِأَنَّهَا لَا تعرف بِالِاجْتِهَادِ وَهَذَا إِذا كَانَ الْوَاقِع وَاحِدًا فَإِن كَانَ أَكثر رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ فِي الْفَأْرَة وَنَحْوهَا عشرُون إِلَى الْأَرْبَع فَإِذا بلغ خمْسا ينْزح أَرْبَعُونَ إِلَى التسع فَإِذا بلغ عشرا ينْزح مَاء الْبِئْر كُله وَعَن محمدأنه قَالَ فِي الفأرتين ينْزح عشرُون وَفِي الثَّلَاث أَرْبَعُونَ وَإِذا كَانَت الفأرتان كَهَيئَةِ الدَّجَاج ينْزح أَرْبَعُونَ وَأما إِذا كَانَ الْوَاقِع غير الْحَيَوَان من الأنجاس فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ مستجمدا أَو غير مستجمد فَإِن كَانَ غير مستجمد كالبول وَالدَّم ينْزح مَاء الْبِئْر كُله وَإِن كَانَ مستجمدا ينظر إِن كَانَ رخوا متخلخل الْأَجْزَاء كالعذرة وخرء الدَّجَاج وَنَحْوهمَا ينْزح مَاء الْبِئْر كُله رطبا كَانَ أَو يَابسا قل أَو كثر وَإِن كَانَ صلبا نَحْو بعر الْإِبِل وَالْغنم ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَقَالَ الْقيَاس أَن ينجس قل أَو كثر وَفِي الِاسْتِحْسَان ينجس فِي

стр. 57

الْكثير دون الْقَلِيل وَلم يفصل بَين الرطب واليابس وَالصَّحِيح والمنكسر وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي الرطب ذكر فِي النَّوَادِر أَنه ينجس كَذَا ذكر الْحَاكِم الْجَلِيل الشَّهِيد فِي الإشارات وَعَن الشَّيْخ الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن الْفضل البُخَارِيّ أَن الرطب واليابس سَوَاء لوُجُود الضَّرُورَة فِي الْجُمْلَة وَكَذَا اخْتلفُوا فِي الْيَابِس المنكسر وَالصَّحِيح أَنه لَا ينجس لِأَن الضَّرُورَة فِي المنكسر أَشد وَأما فِي رَوْث الْحمار والبغل وَالْفرس وأخثاء الْبَقر فقد رُوِيَ عَن أبي يُوسُف ﵀ أَنه قَالَ فِي الروث الْيَابِس إِذا وَقع فِي الْبِئْر ثمَّ أخرج من سَاعَته لَا يُوجب التَّنْجِيس وَاخْتلف الْمَشَايِخ قَالَ بَعضهم إِن كَانَ رطبا أَو يَابسا منكسرا يُوجب التَّنْجِيس وَإِلَّا فَلَا وَقيل إِن كَانَ فِي مَوضِع يتَحَقَّق الضَّرُورَة فِيهَا كَمَا فِي البعر فَالْجَوَاب سَوَاء وَإِلَّا فَلَا وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي الْبِئْر إِذا كَانَت فِي الْمصر وَالصَّحِيح أَنه لَا فرق بَين الْحَالين لِأَن الضَّرُورَة قد تقع فِي الْمصر فِي الْجُمْلَة أَيْضا ثمَّ لم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة الْحَد الْفَاصِل بَين الْقَلِيل وَالْكثير وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ مَا استكثره النَّاس فَهُوَ كثير وَمَا استقلوه فَهُوَ قَلِيل وَعَن مُحَمَّد أَنه اعْتبر الرّبع بِأَن يَأْخُذ ربع وَجه المَاء

стр. 58

وَقيل إِن كَانَ لَا يَخْلُو كل دلو عَن بَعرَة أَو بعرتين فَهُوَ كثير وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ بَعضهم إِن أَخذ أَكثر وَجه المَاء فَهُوَ كثير وَقيل مَا لم يَأْخُذ جَمِيع وَجه المَاء لَا يكون كثيرا وَقَالَ بَعضهم الثَّلَاث كثير وَهُوَ فَاسد فَإِنَّهُ ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَقَالَ فِي البعرة والبعرتين من بعر الْإِبِل وَالْغنم إِذا وَقعت فِي الْبِئْر لَا يفْسد المَاء مَا لم يكن كثيرا فَاحِشا وَالثَّلَاث لَيْسَ بِكَثِير فَاحش ثمَّ الْحَيَوَان إِذا مَاتَ فِي الْمَائِع الْقَلِيل فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ لَهُ دم سَائل أَو لم يكن وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بريا أَو مائيا وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن مَاتَ فِي المَاء أَو فِي غير المَاء أما إِذا لم يكن لَهُ دم سَائل فَإِنَّهُ لَا ينجس بِالْمَوْتِ وَلَا ينجس مَا يَمُوت فِيهِ من الْمَائِع كَيْفَمَا كَانَ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ إِلَّا فِيمَا فِيهِ ضَرُورَة على مَا ذكرنَا فَأَما إِذا كَانَ لَهُ دم سَائل فَإِن كَانَ بريا ينجس بِالْمَوْتِ وينجس الْمَائِع الَّذِي يَمُوت فِيهِ لِأَن الدَّم السَّائِل نجس فينجس مَا يخالطه وَأما إِذا كَانَ مائيا فَإِن مَاتَ فِي المَاء لَا يُوجب التَّنْجِيس كالضفدع المائي والسمك والسرطان وَنَحْو ذَلِك عندنَا وَعند الشَّافِعِي يُوجب التَّنْجِيس إِلَّا فِي السّمك خَاصَّة فِي حق الْأكل فَأَما إِذا سَالَ مِنْهُ الدَّم أصَاب الثَّوْب أَكثر من قدر الدِّرْهَم يُوجب التَّنْجِيس وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن المائي لَا دم لَهُ حَقِيقَة وَإِن كَانَ يشبه صُورَة

стр. 59

الدَّم لِأَن الدموي لَا يعِيش فِي المَاء وَأما إِذا مَاتَ فِي غير المَاء ذكرالكرخيعن أَصْحَابنَا أَن كل مَا لَا يفْسد المَاء لَا يفْسد غير المَاء وَكَذَا روى هِشَام عَنْهُم وَاخْتلف الْمَشَايِخ الْمُتَأَخّرُونَ فَمن مَشَايِخ بَلخ أَنه يُوجب التَّنْجِيس لِأَنَّهُ مَاتَ فِي غير معدنه ومظانه بِخِلَاف المائي وَعَن أبي عبد الله الثَّلْجِي وَمُحَمّد بن مقَاتل الرَّازِيّ أَنه لَا يُوجب وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دم حَقِيقَة لَكِن يحرم أكله لفساد الْغذَاء وخبثه وَيَسْتَوِي الْجَواب بَين المنفسخ وَغَيره إِلَّا أَنه يكره شرب الْمَائِع لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن أَجزَاء مَا يحرم أكله ثمَّ الْحَد الْفَاصِل بَين المائي والبري أَن المائي هُوَ الَّذِي لَا يعِيش إِلَّا فِي المَاء والبري هُوَ الَّذِي لَا يعِيش إِلَّا فِي الْبر فَأَما الَّذِي يعِيش فيهمَا جَمِيعًا كالبط والأوز وَنَحْو ذَلِك فقد أَجمعُوا على أَنه إِذا مَاتَ فِي غير المَاء يُوجب التَّنْجِيس وَإِن مَاتَ فِي المَاء فقد روى الْحسن عَن أبي حنيفَة ﵁ أَنه يفْسد المَاء هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم وُقُوع النَّجس فِي الْمَائِع فَأَما إِذا أصَاب الْبدن أَو الثَّوْب أَو الْمَكَان فَحكم الْمَكَان نذكرهُ فِي مَوْضِعه

стр. 60

وَأما حكم الثَّوْب وَالْبدن فَلَا يَخْلُو أما إِن كَانَت النَّجَاسَة غَلِيظَة أَو خَفِيفَة قَليلَة أَو كَثِيرَة أما النَّجَاسَة القليلة فَلَا تمنع جَوَاز الصَّلَاة غَلِيظَة أَو خَفِيفَة اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاس أَن تمنع جَوَاز الصَّلَاة وَهُوَ قَول زفر وَالشَّافِعِيّ إِلَّا إِذا كَانَت لَا تأخذها الْعين أَو مَا لَا يُمكن الِاحْتِرَاز عَنهُ كَدم البق والبراغيث وَالْقِيَاس مَتْرُوك لِأَن الضَّرُورَة فِي الْقَلِيل عَامَّة وَأما النَّجَاسَة الْكَثِيرَة فتمنع جَوَاز الصَّلَاة لعدم الضَّرُورَة وَالْحَد الْفَاصِل بَين الْقَلِيل وَالْكثير فِي النَّجَاسَة الغليظة هُوَ أَن يكون أَكثر من قدر الدِّرْهَم الْكَبِير فَيكون الدِّرْهَم وَمَا دونه قَلِيلا وَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة صَرِيحًا أَن المُرَاد من الدِّرْهَم الْكَبِير من حَيْثُ الْعرض والمساحة أَو من حَيْثُ الْوَزْن وَذكر فِي النَّوَادِر الدِّرْهَم الْكَبِير مَا يكون عرض الْكَفّ وَذكر الْكَرْخِي مِقْدَار مساحة الدِّرْهَم الْكَبِير وَفِي كتاب الصَّلَاة الدِّرْهَم الْكَبِير المثقال فَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الْعبْرَة للوزن وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الهنداوي لما اخْتلفت عِبَارَات مُحَمَّد رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي هَذَا فنوفق فَنَقُول أَرَادَ بِذكر الْعرض تَقْدِير الْمَائِع كالبول وَنَحْوه وبذكر الْوَزْن تَقْدِير المستجسد كالعذرة وَنَحْوهَا فَإِن كَانَت أَكثر من مِثَال ذهب وزنا تمنع جَوَاز الصَّلَاة وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْمُخْتَار عِنْد مَشَايِخنَا وَهُوَ الْأَصَح وَأما حد الْكثير فِي النَّجَاسَة الْخَفِيفَة فَهُوَ الْكثير الْفَاحِش وَلم يذكر حَده فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ عَن أبي حنيفَة رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ سَأَلت أَبَا حنيفَة ﵁ عَن

стр. 61

الْكثير الْفَاحِش فكره أَن يجد فِيهِ حدا وَقَالَ الْكثير الْفَاحِش مَا يستفحشه النَّاس ويستكثرونه وروى الْحسن عَنهُ أَنه قَالَ شبر فِي شبر وَذكر الْحَاكِم فِي مُخْتَصره عَن أبي حنيفَة وَمُحَمّد الرّبع وَهُوَ الْأَصَح لِأَن للربع حكم الْكل فِي أَحْكَام الشَّرْع وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي تَفْسِير الرّبع قيل ربع جَمِيع الثَّوْب وَالْبدن وَقيل ربع كل عُضْو وطرف أَصَابَته النَّجَاسَة من الْيَد وَالرجل والكم وَهُوَ الْأَصَح ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِي تَفْسِير النَّجَاسَة الغليظة والخفيفة قَالَ أَبُو حنيفَة الغليظة كل مَا ورد فِي النَّص على نَجَاسَته وَلم يرد نَص آخر على طَهَارَته مُعَارضا لَهُ وَإِن اخْتلف الْعلمَاء فِيهِ والخفيفة مَا تعَارض النصان فِي طَهَارَته ونجاسته وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الغليظة مَا وَقع الْإِجْمَاع على نجاستها والخفيفة مَا اخْتلف الْعلمَاء فِيهَا فعلى قَول أبي حنيفَة الأرواث كلهَا نَجِسَة نَجَاسَة غَلِيظَة لما رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ أَن النَّبِي ﵇ طلب مِنْهُ لَيْلَة الْجِنّ أَحْجَار الِاسْتِنْجَاء فَأتى بحجرين وروثة فَأخذ الحجرين وَرمى بالروثة وَقَالَ إِنَّهَا ركس أَي نجس وَلَيْسَ لَهُ نَص معَارض وعَلى قَوْلهمَا نجاستها خَفِيفَة لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهَا وَبَوْل مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه نجس نَجَاسَة غَلِيظَة بِالْإِجْمَاع على اخْتِلَاف الْأَصْلَيْنِ

стр. 62

وَبَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه نجس نَجَاسَة خَفِيفَة بالِاتِّفَاقِ أما عِنْده فلتعارض النصين وَهُوَ حَدِيث العرنيين مَعَ حَدِيث عمار وَغَيره فِي الْبَوْل مُطلقًا وَعِنْدَهُمَا لاخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهِ وَأما العذرات وخرء الدَّجَاج والبط فغليظة بِالْإِجْمَاع لما ذكرنَا من الْأَصْلَيْنِ وَالله أعلم وَأما الَّذِي يَقع بِهِ التَّطْهِير فأنواع من ذَلِك المَاء الْمُطلق فَنَقُول لَا خلاف أَن المَاء الْمُطلق يحصل بِهِ الطَّهَارَة الْحَقِيقِيَّة والحكمية جَمِيعًا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كل زوج كريم﴾ وَأما المَاء الْمُقَيد وَمَا سوى المَاء من الْمَائِعَات الطاهرة فَإِنَّهُ لَا يحصل بِهِ الطَّهَارَة الْحكمِيَّة بالِاتِّفَاقِ أما الطَّهَارَة الْحَقِيقِيَّة وَهِي إِزَالَة النَّجَاسَة فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف يحصل بهَا وقالمحمد وَزفر وَالشَّافِعِيّ لَا يحصل وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَهَذَا إِذا كَانَ مَائِعا ينعصر بالعصر فَأَما إِذا كَانَ لَا ينعصر بالعصر مثل الْعَسَل وَالسمن والدهن فَإِنَّهُ لَا يزِيل ثمَّ الْفرق بَين المَاء الْمُطلق والمقيد أَن المَاء الْمُطلق مَا تسارع أفهام النَّاس إِلَيْهِ عِنْد إِطْلَاق اسْم المَاء كَمَاء الْعُيُون والآبار والغدران وَمَاء الْبَحْر وَالْمَاء الَّذِي ينزل من السَّمَاء وَيَسْتَوِي فِيهِ العذب والأجاج

стр. 63

وَأما الْمُقَيد فَهُوَ المَاء الَّذِي يسْتَخْرج من الْأَشْيَاء الطاهرة الرّطبَة بالعلاج كَمَاء الْأَشْجَار وَالثِّمَار وَنَحْوهمَا وَأما المَاء الْمُطلق إِذا اخْتَلَط بِهِ شَيْء من الْمَائِعَات الطاهرة على وَجه يَزُول بِهِ اسْم المَاء وَمَعْنَاهُ بالطبخ وَغَيره فَإِن صَار مَغْلُوبًا بِهِ فَهُوَ مُلْحق بِالْمَاءِ الْمُقَيد غير أَنه يعْتَبر الْغَلَبَة أَولا من حَيْثُ اللَّوْن أَو الطّعْم ثمَّ من حَيْثُ الْأجر الْأَجْزَاء فَينْظر إِن كَانَ شَيْئا يُخَالف لَونه لون المَاء مثل اللَّبن والخل والعصير وَمَاء الزَّعْفَرَان والعصفر والزردج وَمَاء النشا وَنَحْوهَا فَإِن الْعبْرَة فِيهِ للون فَإِن كَانَت الْغَلَبَة للون المَاء يجوز التوضي بِهِ وَإِن كَانَ مَغْلُوبًا لَا يجوز وَإِن كَانَ يُوَافق لَونه لون المَاء نَحْو مَاء الْبِطِّيخ وَمَاء الْأَشْجَار فَإِن الْعبْرَة فِيهِ للطعم فَإِن كَانَ شَيْئا لَهُ طعم يظْهر فِي المَاء فَإِن كَانَ الْغَالِب طعم ذَلِك الشَّيْء لَا يجوز التوضي بِهِ وَذَلِكَ نَحْو نَقِيع الزَّبِيب وَسَائِر الأنبذة وَكَذَلِكَ مَاء الباقلي والمرقة وَمَاء الْورْد وَنَحْوهَا وَإِن كَانَ شَيْئا لَا يظْهر طعمه فِي المَاء فَإِن الْعبْرَة فِيهِ لِكَثْرَة الْأَجْزَاء إِن كَانَت أَجزَاء المَاء أَكثر يجوز التوضي بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا إِذا كَانَ شَيْئا لَا يقْصد بِهِ زِيَادَة التَّطْهِير فَأَما إِذا كَانَ شَيْئا يطْبخ المَاء بِهِ أَو يخلط لزِيَادَة التَّطْهِير فَإِنَّهُ لَا يمْنَع التوضي بِهِ وَإِن تغير لون المَاء وطعمه وَذَلِكَ نَحْو مَاء الصابون وَمَاء الأشنان إِلَّا إِذا صَار غليظا لَا يُمكن تسييله على الْعُضْو فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَنَّهُ زَالَ عَنهُ اسْم المَاء وَمَعْنَاهُ وَهَذَا كُله فِي غير حَالَة الضَّرُورَة فَأَما عِنْد الضَّرُورَة فَيجوز التوضي بِهِ وَإِن تغير بامتزاج غَيره من حَيْثُ الطّعْم واللون بِأَن وَقعت الأوراق

стр. 64

وَالثِّمَار فِي الْحِيَاض حَتَّى تغير فَإِنَّهُ يجوز التوضي بِهِ لِأَنَّهُ يتَعَذَّر صِيَانة الْحِيَاض عَنْهَا وَكَذَلِكَ إِذا اخْتَلَط بِهِ الطين الطَّاهِر أَو التُّرَاب الطَّاهِر وَتغَير المَاء إِلَى الكدرة يجوز التوضي بِهِ لِأَن المَاء فِي الْأَغْلَب يجْرِي على التُّرَاب إِلَّا إِذا صَار غليظا وَكَذَلِكَ الجص والنورة والنفط والكبريت لِأَنَّهَا من أَجزَاء الأَرْض وَالْمَاء يَنْبع مِنْهَا فَأَما إِذا تغير بِمُضِيِّ الزَّمَان لَا بالاختلاط بِشَيْء آخر من حَيْثُ اللَّوْن والطعم فَإِنَّهُ يجوز التوضي بِهِ لِأَنَّهُ لم يزل معنى المَاء واسْمه وَكَذَلِكَ إِذا طبخ المَاء وَحده لِأَن اسْم المَاء بَاقٍ وازداد بِهِ معنى التَّطْهِير وعَلى هَذَا الأَصْل يخرج قَول أبي يُوسُف فِي نَبِيذ التَّمْر أَنه لَا يجوز التوضي بِهِ لتغير المَاء من حَيْثُ الطّعْم كَمَا فِي سَائِر الأنبذة وعَلى قَول مُحَمَّد يجمع بَينهمَا وَأَصله حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَنه قَالَ كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ لَيْلَة الْجِنّ فَقَالَ لي هَل مَعَك مَاء يَا ابْن مَسْعُود فَقلت لَا إِلَّا نَبِيذ تمر فِي إداواة فَقَالَ ﵇ ثَمَرَة طيبَة وَمَاء طهُور فَأَخذه وَتَوَضَّأ بِهِ فصح هَذَا الحَدِيث عِنْد أبي حنيفَة وَلم يثبت نسخه فَأخذ بِهِ وَترك الْقيَاس وَلم يثبت الحَدِيث عِنْد أبي يُوسُف أَو ثَبت نسخه فَأخذ بِالْقِيَاسِ واشتبه الْأَمر عِنْد مُحَمَّد فَجمع بَينهمَا احْتِيَاطًا ثمَّ عِنْد مُحَمَّد أَيهمَا قدم أَو أخر جَازَ خلافًا لزفَر كَمَا فِي السؤر الْمَشْكُوك فِيهِ

стр. 65

ثمَّ لم يذكر مُحَمَّد تَفْسِير نَبِيذ التَّمْر الَّذِي فِيهِ الْخلاف فِي ظَاهر الرِّوَايَات وَإِنَّمَا ذكر الْخلاف فِي النَّوَادِر فَقَالَ على قَول أبي حنيفَة إِنَّمَا يجوز التوضي بنبيذ التَّمْر إِذا كَانَ رَقِيقا يسيل مثل مَاء الزَّبِيب فَأَما إِذا كَانَ غليظا مثل الرب فَلَا يجوز ثمَّ النيء مِنْهُ إِذا كَانَ حلوا رَقِيقا لَا يشكل أَنه يجوز الْوضُوء بِهِ وَإِن كَانَ مرا لَا يشكل أَنه لَا يجوز لِأَنَّهُ مُسكر وَأما إِذا كَانَ مطبوخا أدنى طبخه وَكَانَ رَقِيقا ذكر فِي الْكتاب عنالكرخيأنه قَالَ يجوز التوضي بِهِ حلوا كَانَ أَو مُسكرا وَعَن أبي طَاهِر الدباس أَنه قَالَ لَا يجوز التوضي بالمطبوخ مِنْهُ حلوا كَانَ أَو مُسكرا وهذ القَوْل أصح وَأما سَائِر الأنبذة فَلَا يجوز التوضي بهَا عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره يجوز اسْتِدْلَالا بنبيذ التَّمْر وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لِأَن الْقيَاس أَن لَا يجوز التوضي بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاء مُطلق وَلِهَذَا لَا يجوز التوضي بِهِ إِذا قدر على المَاء الْمُطلق وَإِنَّمَا جوز أَبُو حنيفَة التوضي بِهِ بِالْحَدِيثِ وَأَنه ورد فِي نَبِيذ التَّمْر فَبَقيَ الْبَاقِي على أصل الْقيَاس وَمِنْهَا الفرك والحث بعد الْجَفَاف فِي بعض الأنجاس فِي بعض الْمحَال فَنَقُول

стр. 66

لَا خلاف أَن الْمَنِيّ إِذا أصَاب الثَّوْب وجف فَإِنَّهُ يطهر بالفرك اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقيَاس لَا يطهر فَأَما إِذا كَانَ رطبا فَلَا يطهر إِلَّا بِالْغسْلِ وَأَصله حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لعَائِشَة ﵂ إِذا رَأَيْت الْمَنِيّ فِي ثَوْبك إِن كَانَ رطبا فاغسليه وَإِن كَانَ يَابسا فافركيه وَأما إِذا كَانَ على الْبدن وجف هَل يطهر بالفرك روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه لَا يطهر وَذكر الْكَرْخِي وَقَالَ بِأَنَّهُ يطهر لِأَن النَّص الْوَارِد فِي الثَّوْب يكون واردا فِي الْبدن بطرِيق الأولى لِأَنَّهُ أقل تشربا من الثَّوْب وَأما سَائِر النَّجَاسَات إِذا أَصَابَت الثَّوْب وَالْبدن وَنَحْوهمَا فَلَا تَزُول إِلَّا بِالْغسْلِ بِلَا خلاف كَيْفَمَا كَانَت يابسة أَو رطبَة لَهَا جرم أَو سَائِلَة فَأَما إِذا أَصَابَت الْخُف والنعل وَنَحْوهمَا فَإِن كَانَت رطبَة لَا تَزُول إِلَّا بِالْغسْلِ وَإِن كَانَت يابسة فَإِن كَانَت لَهَا جرم كثيف مثل السرقين والعذرة وَالدَّم الغليظ وَالْغَائِط والمني يطهر بالحت وَإِن لم يكن لَهَا جرم كثيف نَحْو الْبَوْل وَالْخمر وَالْمَاء النَّجس لم يطهر إِلَّا بِالْغسْلِ وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَقَالَ مُحَمَّد لَا يطهر بالفرك وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي إِلَّا فِي الْمَنِيّ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن محمدأنه قَالَ فِي الْمَنِيّ إِذا يبس يطهر بالفرك هَهُنَا كَمَا فِي الثَّوْب بطرِيق الأولى وَأما إِذا أَصَابَت النَّجَاسَة شَيْئا صلبا صقيلا كالسيف والمرآة وَنَحْوهمَا فَمَا دَامَت رطبَة لَا يطهر إِلَّا بِالْغسْلِ فَإِن جَفتْ أَو جففت

стр. 67

بِالْمَسْحِ بِالتُّرَابِ يطهر بالحت لِأَنَّهُ لم يدْخل فِي أَجْزَائِهِ شَيْء من الرُّطُوبَة وَظَاهره يطهر بِالْمَسْحِ وَأما الأَرْض إِذا أصابتها النَّجَاسَة فجفت وَذهب أَثَرهَا جَازَت الصَّلَاة عَلَيْهَا عندنَا خلافًا لزفَر وَالشَّافِعِيّ وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن مُعظم النَّجَاسَة قد زَالَ فَيجْعَل الْيَسِير عفوا فِي حق جَوَاز الصَّلَاة وَأما التَّيَمُّم على هَذَا التُّرَاب فِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا يجوز لِأَن النَّجَاسَة الْيَسِيرَة جعلت عفوا فِي حق جَوَاز الصَّلَاة لَا فِي حق الطَّهَارَة بِهِ كَمَا فِي المَاء وَفِي رِوَايَة يجوز التَّيَمُّم عَلَيْهَا وَمِنْهَا الدّباغ والذكاة أما الدّباغ فتطهير فِي الْجُلُود كلهَا إِلَّا فِي جلد الْإِنْسَان وَالْخِنْزِير عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ مَالك جلد الْميتَة لَا يطهر بالدباغ لكنه يجوز اسْتِعْمَاله فِي الجامد دون الْمَائِع بِأَن يَجْعَل جرابا للحبوب دون السّمن والدبس وَالْمَاء وَقَالَ عَامَّة أَصْحَاب الحَدِيث لَا يطهر إِلَّا جلد مَا يُؤْكَل لَحْمه وَقَالَ الشَّافِعِي مثل قَوْلنَا إِلَّا فِي جلد الْكَلْب لِأَنَّهُ نجس الْعين عِنْده كالخنزير وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر كَالْخمرِ تخَلّل فَتحل وَلما ذكر أَن نَجَاسَة الْميتَة لَهَا

стр. 68

فِيهَا من الرطوبات وَالدَّم السَّائِل وَأَنَّهَا تَزُول بالدباغ فَيجب أَن تطهر كَالثَّوْبِ النَّجس إِذا غسل ثمَّ قَوْله إِلَّا جلد الْخِنْزِير وَالْإِنْسَان جَوَاب ظَاهر قَول أَصْحَابنَا وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَن الْجُلُود كلهَا تطهر بالدباغ ومشايخنا قَالُوا أما الْخِنْزِير فَهُوَ نجس الْعين لَا بِاعْتِبَار مَا فِيهِ من الرطوبات وَالدَّم فَكَانَ وجود الدّباغ فِي حَقه كَالْعدمِ وَأما جلد الْآدَمِيّ إِذا دبغ فاندبغ فَإِنَّهُ يجب أَن يطهر على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجس الْعين وَلَكِن لَا يجوز الِانْتِفَاع بِهِ لِحُرْمَتِهِ أما الذَّكَاة فَنَقُول الْحَيَوَان إِذا ذبح إِن كَانَ مَأْكُول اللَّحْم يطهر بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ إِلَّا الدَّم وَإِن كَانَ غير مَأْكُول اللَّحْم فَمَا يطهر من الْميتَة نَحْو الشّعْر وَأَمْثَاله يطهر مِنْهُ وَمَا لَا يطهر من الْميتَة نَحْو اللَّحْم والشحم وَالْجَلد وَهل يطهر بالذكاة أم لَا على قَول الشَّافِعِي لَا يطهر وَأما عندنَا فقد ذكر الكرخيوق ال كل حَيَوَان يطهر جلده بالدباغ يطهر جلده بالذكاة فَهَذَا يدل على أَن جَمِيع أَجْزَائِهِ تطهر وَقَالَ بعض مَشَايِخنَا وَبَعض مَشَايِخ بَلخ إِن كل حَيَوَان يطهر جلده بالدباغ يطهر جلده بالذكاة فَأَما اللَّحْم والشحم وَنَحْوهمَا فَلَا يطهر بالذكاة وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَن الذَّكَاة أُقِيمَت مقَام زَوَال الدَّم المسفوح كُله ونجاسة الْحَيَوَان لأجل الدَّم والرطوبات الَّتِي لَا تَخْلُو أجزاؤه عَنْهَا وَمِنْهَا تَطْهِير الْبِئْر وَذَلِكَ باستخراج الْوَاقِع فِيهِ ونزح مَا وَجب

стр. 69

من عدد الدلاء أَو نزح جَمِيع المَاء عرفنَا ذَلِك بِإِجْمَاع الصَّحَابَة ثمَّ إِذا وَجب نزح جَمِيع المَاء من الْبِئْر يَنْبَغِي أَن يسد منابع المَاء وينزح مَا فِيهَا من المَاء النَّجس وَإِن كَانَ لَا يُمكن سد منابعه لغَلَبَة المَاء فَإِنَّهُ ينْزح جَمِيع المَاء بطرِيق الحزر وَالِاجْتِهَاد وَلم يذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة كم ينْزح عِنْد غَلَبَة المَاء وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة فِي غير رِوَايَة الْأُصُول أَنه ينْزح مائَة دلو وَفِي رِوَايَة مِائَتَا دلو وَعَن مُحَمَّد أَنه ينْزح مِائَتَا دلو أَو ثَلَاثمِائَة دلو وَقد تكلم الْمَشَايِخ فِيهِ والأوفق مَا رُوِيَ عَن أبي نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن سَلام أَنه قَالَ يُؤْتى برجلَيْن لَهما بصارة بِالْمَاءِ ثمَّ ينْزح مِقْدَار مَا حكما بِهِ لِأَن مَا يعرف بِالِاجْتِهَادِ يجب أَن يرجع فِيهِ إِلَى أهل الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك الْبَاب وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي الدَّلْو الَّذِي ينْزح بِهِ المَاء النَّجس من الْبِئْر قَالَ بَعضهم يعْتَبر فِي كل بِئْر دلوها صَغِيرا كَانَ أَو كَبِيرا وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه يعْتَبر دلو يسع قدر صَاع وَقيل الْمُعْتَبر هُوَ الدَّلْو الْمُتَوَسّط بَين الصَّغِير وَالْكَبِير وَأما حكم طَهَارَة الدَّلْو والرشاء فقد رُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه سُئِلَ عَن الدَّلْو الَّذِي ينْزح بِهِ المَاء النَّجس من الْبِئْر أيغسل قَالَ لَا بل يطهره مَا يطهر الْبِئْر وَعَن الْحسن بن زِيَاد أَنه قَالَ إِذا طهرت الْبِئْر يطهر الدَّلْو والرشاء كَمَا يطهر طين الْبِئْر وَالله أعلم وَمِنْهَا تَطْهِير الْحَوْض الصَّغِير إِذا تنجس وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ

стр. 70

قَالَ أَبُو بكر الْأَعْمَش إِذا دخل المَاء فِيهِ وَخرج مِنْهُ مِقْدَار مَا كَانَ فِيهِ ثَلَاث مَرَّات فَإِنَّهُ يطهر وَيصير ذَلِك بِمَنْزِلَة الْغسْل لَهُ ثَلَاثًا وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الهنداوي ﵀ إِذا دخل فِيهِ المَاء الطَّاهِر وَخرج بعضه يحكم بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ صَار مَاء جَارِيا فَلم يستيقن بِبَقَاء النَّجس فِيهِ وَبِه أَخذ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث وَقيل إِذا خرج مِنْهُ مِقْدَار المَاء النَّجس يطهر كالبئر إِذا تنجست تطهر بنزح مَا فِيهَا من المَاء وعَلى هَذَا أَيْضا الْجَواب فِي حَوْض الْحمام أَو الْأَوَانِي إِذا تنجست وَأما بَيَان طَرِيق التَّطْهِير بِالْغسْلِ فَنَقُول لَا خلاف أَنه يطهر النَّجس بِالْغسْلِ فِي المَاء الْجَارِي وَكَذَلِكَ بِالْغسْلِ بصب المَاء عَلَيْهِ فَأَما الْغسْل فِي الْأَوَانِي هَل يطهره أم لَا على قَول أبي حنيفَة وَمُحَمّد يطهر وعَلى قَول أبي يُوسُف فِي الْبدن لَا يطهره رِوَايَة وَاحِدَة وَفِي الثَّوْب عَنهُ رِوَايَتَانِ وَالْمَسْأَلَة مَعَ الْفُرُوع مَذْكُورَة فِي الْجَامِع الْكَبِير وَأما شَرَائِط التَّطْهِير بِالْمَاءِ فَمِنْهَا الْعدَد فِي نَجَاسَة غير مرئية وَبَيَان ذَلِك أَنه لَا خلاف أَن النَّجَاسَة الْحكمِيَّة وَهِي الْحَدث الْأَكْبَر والأصغر يَزُول بِالْغسْلِ مرّة وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْعدَد وَأما النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة فَينْظر إِن كَانَت غير مرئية مثل الْبَوْل وَنَحْوه ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنَّهَا لَا

стр. 71

تَزُول إِلَّا بِالْغسْلِ ثَلَاثًا وَقَالَ الشَّافِعِي تطهر بِالْغسْلِ مرّة كَمَا فِي الْحَدث إِلَّا فِي ولوغ الْكَلْب فَإِنَّهُ لَا يطهر إِلَّا بِالْغسْلِ سبع مَرَّات إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما روينَا عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فَلَا يغمسن يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده أمره بِالْغسْلِ ثَلَاثًا عِنْد توهم النَّجَاسَة فَلِأَن يجب عِنْد التحقق أولى ثمَّ التَّقْدِير عندنَا بِالثلَاثِ لَيْسَ بِلَازِم بل هُوَ مفوض إِلَى اجْتِهَاده فَإِن كَانَ غَالب ظَنّه أَنَّهَا تَزُول بِمَا دون الثَّلَاث يحكم بِطَهَارَتِهِ وَإِن كَانَت النَّجَاسَة مرئية فطهارتها بِزَوَال عينهَا فَإِن بَقِي بعد زَوَال الْعين أثر لَا يَزُول بِالْغسْلِ فَلَا بَأْس بِهِ لما رُوِيَ فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لتِلْك الْمَرْأَة حتيه ثمَّ اقرصيه ثمَّ اغسليه بِالْمَاءِ وَلَا يَضرك أَثَره وَمن شَرَائِط التَّطْهِير أَيْضا الْعَصْر فِيمَا يحْتَمل أَو مَا يقوم مقَامه فِيمَا لَا يحْتَملهُ من الْمحل الَّذِي يتسرب فِيهِ النَّجس وَبَيَان ذَلِك أَن الْمحل الَّذِي تنجس إِمَّا إِن كَانَ شَيْئا لَا يتشرب فِيهِ أَجزَاء النَّجس مثل الْأَوَانِي المتخذة من الْحجر والخزف والنعل وَنَحْو ذَلِك أَو كَانَ شَيْئا يتشرب فِيهِ شَيْء كثير كالثياب واللبود والبسط فَإِن كَانَ مِمَّا لَا يتشرب فَإِنَّهُ يطهر بِمَا ذكرنَا من زَوَال الْعين أَو الْعدَد وبإكفاء المَاء النَّجس من الْإِنَاء فِي كل مرّة وَإِن كَانَ شَيْئا يتشرب فِيهِ شَيْء قَلِيل فَكَذَلِك لِأَن المَاء يسْتَخْرج ذَلِك الْقَلِيل فَيحكم بِطَهَارَتِهِ

стр. 72

وَإِن كَانَ شَيْئا يتشرب فِيهِ شَيْء كثير ينظر إِن كَانَ مِمَّا يُمكن عصره كَالثَّوْبِ وَنَحْوه فَإِن طَهَارَته بِالْغسْلِ ثَلَاثًا وَالْعصر فِي كل مرّة لِأَن المتشرب فِيهِ كثير فَلَا يخرج إِلَّا بالعصر فَلَا يتم الْغسْل بِدُونِهِ وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمكن عصره كالحصير الْمُتَّخذ من البردى وَنَحْوه فَإِن علم أَنه لم يتشرب فِيهِ بل أصَاب ظَاهره فَإِنَّهُ يطهر بِالْغسْلِ ثَلَاث مَرَّات من غير عصر فَأَما إِذا علم أَنه تشرب فِيهِ فقالأبو يُوسُف ينقع فِي المَاء ثَلَاث مَرَّات ويجفف فِي كل مرّة وَيقوم التجفيف ثَلَاثًا مقَام الْعَصْر ثَلَاثًا وَيحكم بِطَهَارَتِهِ وَقَالَ مُحَمَّد لَا يطهر أبدا وعَلى هَذَا الأَصْل مسَائِل على الْخلاف الَّذِي ذكرنَا مثل الخزف وَالْحَدِيد إِذا تشرب فِيهِ النَّجس الْكثير والسكين إِذا موه بِالْمَاءِ النَّجس وَالْجَلد إِذا دبغ بالدهن النَّجس وَاللَّحم إِذا طبخ بِالْمَاءِ النَّجس وَنَحْوهَا وَأما الأَرْض إِذا أصابتها نَجَاسَة رطبَة فَإِن كَانَت الأَرْض رخوة فَإِنَّهُ يصب عَلَيْهَا المَاء حَتَّى يتسفل فِيهَا فَإِذا تسفل وَلم يبْق على وَجههَا شَيْء من المَاء يحكم بطهارتها وَلَا يعْتَبر فِيهِ الْعدَد وَإِنَّمَا هُوَ على مَا يَقع فِي غَالب ظَنّه أَنَّهَا طهرت والتسفل فِي الأَرْض بِمَنْزِلَة الْعَصْر فِيمَا يحْتَملهُ وعَلى قِيَاس ظَاهر الرِّوَايَة يَنْبَغِي أَن يصب المَاء عَلَيْهَا ثَلَاث مَرَّات ويتسفل فِي كل مرّة وَإِن كَانَت الأَرْض صلبة فَإِن كَانَت صعُودًا فَإِنَّهُ يحْفر فِي أَسْفَلهَا حفيرة وَيصب المَاء عَلَيْهَا ويزال عَنْهَا إِلَى الحفيرة ويكنس الحفيرة

стр. 73

وَإِن كَانَت الأَرْض مستوية لم يزل المَاء عَنْهَا فَإِنَّهَا لَا تغسل لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي غسلهَا وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا كوثرت بِالْمَاءِ طهرت وَهُوَ فَاسد لِأَن المَاء النَّجس بَاقٍ حَقِيقَة وَلَكِن يَنْبَغِي أَن تحفر فَيجْعَل أَعْلَاهَا أَسْفَلهَا وأسفلها أَعْلَاهَا فَيصير التُّرَاب الطَّاهِر وَجه الأَرْض كَذَا رُوِيَ أَن أَعْرَابِيًا بَال فِي الْمَسْجِد فَأمر النَّبِي ﵇ بِأَن يحْفر مَوضِع بَوْله وَأما حكم الغسالة فَنَقُول الغسالة نَوْعَانِ أَحدهمَا غسالة النَّجَاسَة الْحكمِيَّة وَهِي المَاء الْمُسْتَعْمل وَالثَّانِي غسالة النَّجَاسَة الْحَقِيقِيَّة أما الأول فَنَقُول الْكَلَام فِي المَاء الْمُسْتَعْمل يَقع من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا فِي صفته أَنه طَاهِر أم نجس وَالثَّانِي أَنه فِي أَي حَال يصير مُسْتَعْملا وَالثَّالِث بِأَيّ سَبَب يصير مُسْتَعْملا أما الأول فَنَقُول ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنه لَا يجوز التوضي بِهِ وَلم يذكر أَنه طَاهِر أم نجس وروى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَنه طَاهِر غير طهُور وَبِه أَخذ مُحَمَّد وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي

стр. 74

وروى أَبُو يُوسُف وَالْحسن بن زِيَاد عَنهُ أَنه نجس إِلَّا أَن الْحسن روى أَنه نجس نَجَاسَة غَلِيظَة وَبِه أَخذ وروى أَبُو يُوسُف أَنه نجس نَجَاسَة خَفِيفَة وَبِه أَخذ وقالزفر إِن كَانَ الْمُسْتَعْمل غير مُحدث فالماء الْمُسْتَعْمل طَاهِر وطهور وَإِن كَانَ مُحدثا فالماء الْمُسْتَعْمل طَاهِر غير طهُور وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي وَقَالَ مَالك إِنَّه طَاهِر وطهور بِكُل حَال ثمَّ مَشَايِخ بَلخ حققوا هَذَا الِاخْتِلَاف على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا ومشايخ الْعرَاق قَالُوا إِنَّه طَاهِر غير طهُور بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا وَاخْتِيَار الْمُحَقِّقين من مَشَايِخنَا هُوَ هَذَا فَإِنَّهُ هُوَ الْأَشْهر عَن أبي حنيفَة وَهُوَ الأقيس فَإِنَّهُ مَاء طَاهِر لَاقَى عضوا طَاهِرا فحدوث النَّجَاسَة من أَيْن كَمَا فِي غسل الثَّوْب الطَّاهِر بِالْمَاءِ الطَّاهِر ثمَّ على هَذَا الْمَذْهَب الْمُخْتَار إِذا وَقع المَاء الْمُسْتَعْمل فِي المَاء الْقَلِيل قَالَ بَعضهم لَا يجوز التوضي بِهِ وَإِن قل وَقَالَ بَعضهم يجوز مَا لم يغلب على المَاء الْمُطلق وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَأما بَيَان حَال الِاسْتِعْمَال وَتَفْسِير المَاء الْمُسْتَعْمل فَنَقُول قَالَ بعض مَشَايِخنَا المَاء الْمُسْتَعْمل مَا زايل الْبدن وَاسْتقر فِي مَكَان وَذكر فِي الْفَتَاوَى أَن المَاء إِذا زَالَ عَن الْبدن فَلَا ينجس مَا لم يسْتَقرّ

стр. 75

على الأَرْض أَو فِي الْإِنَاء وَلَكِن هَذَا لَيْسَ مَذْهَب أَصْحَابنَا إِنَّمَا هُوَ مَذْهَب سُفْيَان الثَّوْريّ أما عندنَا فَمَا دَامَ المَاء على الْعُضْو الَّذِي يَسْتَعْمِلهُ فِيهِ لَا يكون مُسْتَعْملا وَإِذا زايله يكون مُسْتَعْملا فَإِن لم يسْتَقرّ على الأَرْض أَو فِي الْإِنَاء فَإِنَّهُ ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة رجل نسي مسح الرَّأْس فَأخذ من لحيته مَاء وَمسح بِهِ رَأسه لَا يجوز وَإِن لم يُوجد الِاسْتِقْرَار على الأَرْض وعَلى قَول سُفْيَان الثَّوْريّ يجوز لِأَنَّهُ لم يسْتَقرّ على الأَرْض وَذكر فِي بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ أَن من مسح على خفيه فَبَقيَ فِي كَفه بَلل فَمسح بِهِ رَأسه لَا يجوز وَعلل وَقَالَ لِأَنَّهُ مسح بِهِ مرّة وَإِن لم يسْتَقرّ على الأَرْض وَقَالُوا فِيمَن بقيت على رجله لمْعَة فِي الْوضُوء فبلها بالبلل الَّذِي على الْوَجْه أَو على عُضْو آخر لَا يجوز لِأَنَّهُ صَار مُسْتَعْملا وَإِن لم يسْتَقرّ على الأَرْض أَو فِي الْإِنَاء فَدلَّ أَن الْمَذْهَب مَا قُلْنَا وَأما سَبَب صيرورة المَاء مُسْتَعْملا فَنَقُول عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف يصير المَاء مُسْتَعْملا بِأحد أَمريْن بِزَوَال الْحَدث أَو بِإِقَامَة الْقرْبَة وَعند مُحَمَّد يصير مُسْتَعْملا بِإِقَامَة الْقرْبَة لَا غير وَعند زفر وَالشَّافِعِيّ يصير مُسْتَعْملا بِإِزَالَة الْحَدث لَا غير إِذا ثَبت هَذَا الأَصْل فَنَقُول من تَوَضَّأ بنية إِقَامَة الْقرْبَة نَحْو الصَّلَوَات الْمَعْهُودَة وَصَلَاة الْجِنَازَة
следующие страницы →