Полный текст (2 242 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
إرسال الملك الرسول إلى يوسف
حينئذ: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ [يوسف:٤٥] ، أي: من الفتيين اللذين كانا مع يوسف ﷺ ؛ ففيه دليل على أن رؤيا يوسف ﵊ قد تحققت، ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:٤٥] ، أي: تذكر بعد أمة، والأمة هي المدة الزمنية، وأحياناً تطلق الأمة على معانٍ أخر، منها: الجماعة من الناس، كما في قوله تعالى: ﴿فوَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص:٢٣] ، وتطلق الأمة أيضاً على الملة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون:٥٢] ، على رأي كثير من المفسرين، أي: ملتكم ملة واحدة، وتطلق الأمة كذلك على الرجل الحنيف العاقل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] ، وهنا تطلق الأمة على المدة الزمنية؛ فالكلمة الواحدة من كتاب الله تتعدد معانيها، وينبغي أن تفسر في كل سياق بالمعنى المناسب لها، وإلا حدنا عن طريق الجادة في التأويل والتعبير والبيان.
قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف:٤٥] ، أي: فأرسلوني إلى يوسف في السجن واسمحوا لي بزيارته، فأفاد السياق أنهم أذنوا له وأرسلوه، فانطلق قائلاً: ﴿يُوسُفُ﴾ [يوسف:٤٦] ، أي: يا يوسف! ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦] ، أي: يا أيها الصديق! يا من بشرتني بالنجاة، وفيه ثناء على الشخص بين يدي الطلب منه.
стр. 562
تمكين الله ليوسف في الأرض
لما سمع الملك هذه الشهادة الطيبة من هؤلاء النسوة عموماً، ومن امرأة العزيز على وجه الخصوص، كل ذلك لما سمعه الملك بوضوح وجلاء، وبلا تدليس وغش، قال على إثر ذلك: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف:٥٤] ، أي: أجعله مستشاراً خاصاً بي أستشيره في أموري، ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ [يوسف:٥٤] ، إن يوسف ﵇ قد رفع الله قدره في الدنيا فضلاً عن الآخرة أتى يوسف إلى الملك من سجنه، وكلم يوسف الملك، وكلم الملك يوسف ﷺ ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف:٥٤] ، أي: عندنا ممكن أمين، أي: لك مكانة ووجاهة ومستأمن.
وحينئذٍ سأل يوسف ﷺ عملاً عند هذا الملك -وهو كافر- لمصلحة عامة يراها ﷺ ، ولأمر يريده الله .
стр. 563
أعطاء الله الملك ليوسف وتدبيره له
يوسف ﵇ كان ينتظر سبعاً شداداً وقبلها سبعاً سماناً، فكان يحتاج إلى تدبير الأمور، وقد علمه الله ذلك، فحينئذٍ ليس هناك مانع في أن يظهر ما عنده من الكفاءات، وليس هذا من باب الرياء بل للصالح العام، وجائز أيضاً مساعدة من هم على غير الإسلام في كرب سيقعون فيه ما لم يكونوا من المحاربين.
فأجابه الملك إلى طلبه، فهو عنده كما ذكر من قبل: مكين أمين، قال الله وهو الذي يولي الناس المناصب، وهو الذي ينزعها منهم، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وما الملك إلا سبب، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ فالذي مكن له في الحقيقة هو الله وليس الملك، فما الملك إلا سبب من الأسباب، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف:٥٦] ، أي: ينزل منها حيث أراد.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:٥٦] ، أي: نتفضل برحمتنا على من نشاء، ونصيب بفضلنا من نشاء، كما قال تعالى في السحاب المسخر الذي ينزل على أنه غيث فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، فالله يرزق من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ، فإذا علم الناس ذلك فعليهم أن يأتوا البيوت من أبوابها، ويطرقوا باب ربهم الذي لا يغلق، فإليه المنتهى في كل شيء: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢] ، فخزائن كل شيء بيديه، والأمر في كل شيء ينتهي إليه .
قال سبحانه: ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٥٦] ، فالمحسن لا يذهب إحسانه عند الله سدى، بل الله له شاكر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] ، فالله لا يضيع أجر المحسنين أبداً، بل يثيبهم على أجرهم، ويعجل لهم بالخيرات أحياناً، ويدخر لهم كامل الثواب أحياناً أخرى.
فليفهم ذلك الفاهمون، وليعمل لذلك العاملون، وليحسن في الأبواب كلها المحسنون، وليس هذا في الدنيا فحسب؛ بل قال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف:٥٧] ، فلنحتسب الأجور عند الله، ولنقدم على عمل الصالحات والإحسان؛ فربنا رب شكور غفور ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] .
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 564
حكم تولي الإمارة وتزكية النفس
وهنا يرد سؤالان: السؤال الأول: كيف سأل يوسف ﵇ الإمارة ونبينا محمد ﵊ يقول: (إنا لا نولي هذا الأمر أحداً سأله أو حرص عليه) ، ويقول: (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة، فإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن أعطيتها بغير مسألة أعنت عليها) ، فكيف إذاً يسأل شخص الإمارة والنبي نهى عن ذلك؟
و
الجواب
أن المقامات تختلف، فإذا كان المقام مقام ظلم متفش، وبتوليك للإمارة ستصلح ما أفسد غيرك من الناس، وترى في نفسك القدرة على ذلك؛ فلا بأس حينئذ بطلب الإمارة، وقد طلبها يوسف الصديق ﷺ .
والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه: وهو قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ، فكيف زكى نفسه ورب العزة يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ، ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٤٩] ، وقال النبي ﷺ -وقد أثنى رجل على رجل فأطرى وبالغ في الثناء-: (ويحك! قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك، إن كان أحدكم لا محالة فاعلاً فليقل: أحسب فلاناً كذا وكذا والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً) .
فكيف نوفق بين هذه النصوص وبين سؤال يوسف وبين تزكيته لنفسه؟ والجواب: أن المقام مقام يحتاج إلى بيان القدرات، وهذا من بيان القدرات، وليس من باب التعالي على الخلق، وأيضاً قد زكى النبي قوماً من صحابته كي تحفزهم هذه التزكية على ممارسة العمل ابتغاء وجه الله، فقال النبي ﷺ في شأن عثمان: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) ، وقال في شأن علي: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ثم قال: أين علي؟) ، وقال في شأن أبي بكر: (آمن بي إذ كذبتموني، وأعطاني إذ منعتموني) ، وقال في شأن عمر: (ما لقيك الشطان سالكاً فجاً إلا سك فجاً غير فجك يا ابن الخطاب، إن الشيطان ليفر منك يا عمر) ، وقد قال عثمان يوم أن حوصر -وقد أشرف على الناس-: أناشدكم الله ولا أناشد إلا أصحاب محمد ﵊: هل سمعتم النبي ﷺ يقول: (من حفر بئر رومة فله الجنة) ، فحفرتها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أناشدكم الله ولا أناشد إلا أصحاب محمد ﷺ : هل سمعتم النبي ﷺ يقول: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) ، فجهزته؟ فقالوا: اللهم نعم.
فقال: فبم يقتلونني؟ فأظهر بعض مناقبه حتى يدفع هؤلاء الأشرار الذين أرادوا قتله، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقد قتله الثوار الخوارج لا جزاهم الله خيراً.
إذاً: معشر الإخوة! تجوز التزكية أحياناً بحسب الاحتياج إليها، فقد يكون في التزكية -أحياناً- دفع للهمم وشحذ لها؛ لمواصلة العطاء، أما إذا كان في التزكية قطع للأعناق وتملق وتكلف، فتذم حينئذٍ التزكية، وينبغي أن ننزل الأمور المنزلة اللائقة بها، وهذا هدي نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وجاء عدي بن حاتم الطائي وهو معروف بكرمه وببذله للإسلام وبعطائه، وقد ارتد قومه بعد وفاة الرسول وثبت هو، وحارب قومه إلى أن يسلموا، فجاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوجد أمير المؤمنين عمر معرضاً عنه، فناداه: يا أمير المؤمنين! أما تعرفني؟ فقال عمر: أعرفك وكيف لا أعرفك؟ أنت الذي أسلمت وثبت إذ كفروا، أنت الذي أعطيت إذ منعوا، أنت عدي بن حاتم، فقال: إذاً لا أبالي يا أمير المؤمنين! فأحياناً يحتاج الشخص إلى إظهار مناقبه وبيان قدراته لعمل يوكل إليه.
стр. 565
ما يشترط توفره في الأجير والعامل
قال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥] ، لِم؟ قال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] ، ومن هنا يؤخذ شيء يتعلق بالفقه في العامل الذي يستأجر للعمل، فالعامل الذي يستأجر للعمل ينبغي أن يكون قوياً على هذا العمل، والقوة بحسبها، وينبغي أن يكون أميناً، قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ، فلزاماً في الأجير أن يتوافر فيه الشرطان: القوة والأمانة، القوة بحسبها، والأمانة معروفة.
وكشاهد آخر لهذا المعنى الذي ينبغي أن يكون في المستأجر: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:٣٩] ، وقال تعالى في شأن جبريل ﵇ وهو السفير بينه وبين رسله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:٢٠] ، أي: قوي له مكانة، مطاع هناك في الملأ الأعلى، وأيضاً هو أمين، فَوُصف جبريل بالقوة والأمانة كذلك.
وهنا يوسف ﵇ يقول: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] ، حفيظ الأمانة، عليم القوة، وكما سلف فالقوة بحسبها، فقوة الطبيب لا تكون في بدنه بالدرجة الأولى؛ إنما تكمن في قدرته على تشخيص الأمراض، ووصف العلاج المناسب للداء، وقوة المهندس لا تكمن في بدنه بالدرجة الأولى بل في عقله وذكائه وقدرته على التخطيط، وقوة المدرس تكمن في علمه وإيصاله المعلومة إلى طلابه، وقوة العالم تكمن في حفظه وذكائه وعلمه بأحوال الناس، وإعطاء الفتيا المناسبة لكل حال من الأحوال، وهكذا فالقوة بحسبها وبمنزلتها، فقد يكون الشخص قوياً في دينه لكنه لا يصلح في جانب آخر من الجوانب.
فعلى سبيل المثال: أبو ذر ﵁ في دينه أقوى من خالد بن الوليد ﵁، وقد قال النبي في أبي ذر: (ما أقلت الغبراء -أي: الأرض- ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر) ، ولكن في الإمارة يقول له النبي ﷺ : (يا أبا ذر! لا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم) ، وخالد كان يتولى الإمارة ويؤمره النبي ﷺ على عدد هائل من فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
قال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] ، أي: عليم بتسيير الأمور بإذن الله، فالسنوات القادمة سنوات شدة ومجاعة تحتاج إلى حفظ وعلم بالإدارة كذلك.
стр. 566
حكم العمل عند الكافر لمصلحة
وهنا يرد بحث: هل يسوغ لمسلم أن يؤاجر نفسه من مشرك؟ والجواب فيه تفصيل: فإن كان هذا العمل عند المشرك فيه إهانة لدين المسلم، فلا يسوغ له أن يعمل عنده.
أما إذا لم يكن فيه إهانة وكان العمل في نفسه مشروعاً، فلا بأس بهذا العمل، فقد أورد البخاري في صحيحه باباً: (هل يؤاجر المسلم نفسه من مشرك في أرض الحرب؟) وأورد حديث خباب بن الأرت قال: كنت قيناً في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل، ثم جئت أتقاضاه فقال: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد ﷺ ، ومعنى قيناً: أي حداداً، والعاص بن وائل هو العاص بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص، قال: فقلت له: لا والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم ييحيك، قال: أو أنا ميت ثم حي؟ قلت: نعم، ستموت ثم تحيا، قال: فعند ذلك أعطيك حقك؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:٧٧-٨٠] ، ففي قوله: (كنت قيناً فعملت للعاص بن وائل) ما يدل على الجواز.
وقد ورد في هذا الباب أثر عن علي ينظر في إسناده: أنه كان جائعاً ذات يوم فعمل عند يهودي على استخراج ماء من بئر كل دلو بتمرة، فاستخرج إلى أن استجمع تمرات تكفيه، ثم ترك العمل.
وهذا لم أبحثه بعد، ثم هو موقوف إن صح على علي رضي الله تعالى عنه.
стр. 567
سلسلة تفسير سورة يوسف [٥]
يوسف ﵇ كريم كآبائه كما وصفهم النبي عليهم الصلاة والسلام جميعاً؛ فرغم كل ما صنعه به إخوته فقد أوفى لهم الكيل، وأكرمهم في المنزل، ورد إليهم بضاعتهم، وطلب منهم أخاً زيادة لهم في الكيل؛ فعادوا إلى أبيهم ليرسل معهم أخاهم؛ فأرسله معهم، لكن بعد أن استوثق منهم بالأيمان، ونصحهم بنصائح أخذاً بالأسباب، ولعلم علمه الله إياه؛ فهو نبي، وعنده من العلم الشيء الكثير.
стр. 568
مجيء إخوة يوسف ودخولهم عليه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] ، بيانه أنه قد حلت بمصر وبالبلدان المجاورة لها مجاعة شديدة اشتهرت في التاريخ، وبها كان النبي ﷺ يتمثل إذا دعا على المشركين فيقول: (اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف) ، فهي سنوات شدة وجدب شديد، وهي التي عبرها يوسف ﵇ للملك بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف:٤٨] .
فحلت بمصر مجاعة شديدة، وعمت هذه المجاعة البلدان المجاورة لمصر، فجاء إخوة يوسف ﵇ من بلاد كنعان إلى مصر من أجل التماس الطعام والزاد لأهليهم، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] ، أي: لا يعرفونه، ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٥٩-٦٠] ، فقوله ﵊: (ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ) يعني بذلك شقيقه الذي سماه جمهور المفسرين: بنيامين.
стр. 569
مزيد إحسان يوسف إلى إخوته
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف:٦٢] ، أي: البضاعة التي أتوا بها من بلادهم كي يأخذوا مكانها زاداً وطعاماً براً أو قمحاً أو شعيراً؛ ردوها إليهم مرة ثانية في ثنايا الرحال، والرحل: هو الوعاء الذي يضع فيه الشخص متاعه، فبعد أن جهزهم يوسف ﵇ بالزاد الذي أتوا من أجله وبالطعام الذي جاءوا راغبين فيه؛ أمر غلمانه بأن يدسوا الأموال التي أتى بها إخوته في ثنايا الرحال والطعام والبر والقمح والشعير، فقال لهم: (اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ) ، أموالهم التي أتوا بها وسلعهم التي أتوا لاستبدالها؛ ودسوها ثانية في أوعيتهم، لم؟ قال: (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .
لسببين أمر يوسف ﷺ أن تدس البضاعة في الرحال مرة ثانية: السبب الأول: لعلهم يعرفونها، ومن ثَم يعرفون كرمنا إذا رجعوا إلى أهليهم، فيطمئنوا أهليهم وأباهم أن أخاهم سيكون في يد أمينة، فهذا ملك لا يظلم، وعزيز لا يظلم، فقال لهم: ﴿اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ [يوسف:٦٢] ، ومن ثم يعرفون كرمنا وإحساننا.
هذا سبب.
السبب الآخر: (لعلهم يرجعون) ، فنحن إذا أخذنا منهم الأموال ورجعوا إلى بلادهم قد لا يكون عندهم أموال أخرى ولا بضاعة أخرى يأتون بها كي يأخذوا مكانها القمح والشعير، لكن إذا وجدوا أموالهم رجعت إليهم رجعوا إلينا مسرعين بأخيهم كي يأخذوا طعاماً جديداً، هذا هو الذي ذكره العلماء في هذا الباب.
غرضان من أجلهما قال يوسف لفتيانه: ﴿اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ ، الغرض الأول: لعلهم يستدلون على ذلك بإكرامنا وكرمنا، والغرض الثاني: حتى يسرعوا الرجوع إلينا بأخيهم، فإذا وجدوا بأيديهم أموالاً وبضاعة أتوا مسرعين لأخذ القمح مكانها، إذ الناس في أزمة وجوع شديد، وهذه حيلة من الحيل.
стр. 570
من أحكام الحيل في الشرع
وكذلك ستأتي حيلة في قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] ، وهذه وتلك يؤخذ منها شيء، وهو: مشروعية بعض الحيل إذا لم يكن فيها مخالفات للشرع، والحيل على قسمين في الجملة: حيل مباحة ومستحبة أحياناً، وحيل مكروهة ومحرمة.
أما أصل الحيل المباحة المشروعة في كتاب الله فما جاء في قصة أيوب ﵇، وكان أيوب ﵇ قد أقسم في مرضه أن يجلد امرأته مائة جلدة لما تخلفت عنه لأمر لم يكن عن تعمد منها، فأقسم إن شفاه الله أن يجلدها مائة جلدة، وامرأته لا تستحق هذا العقاب الشديد، فقال الله له حتى لا يحنث في يمينه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤] ، أي: شمراخاً به مائة عود، أو حزمة بها مائة عود، واضرب الزوجة بها ضربة واحدة تكن قد بررت في يمينك يا أيوب، (وَلا تَحْنَثْ) ، أي: ولن تقع في الحنث في اليمين الذي هو عدم الوفاء باليمين.
فهذا من الحيل المشروعة.
ومن الحيل المشروعة كذلك: التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها وهي ما زالت في عدتها، فكما هو معلوم أنه يحرم على شخص أن يتقدم لخطبة امرأة مات عنها زوجها وهي ما زالت في العدة، لكنه يجوز له أن يعرض، كما قال تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٥] ، فإذا كانت المرأة على سبيل المثال طويلة وسمراء، ولها أولاد أيتام، فيأتي إليها الرجل معرضاً ويقول: والله وددت أنني تزوجت امرأة سمراء طويلة، أو وددت كذلك أن أكفل أيتاماً، فهذا تعريض، وهي الأخرى تقول: قد فهمت، لعل الله أن يجيبك إلى ما سألت، فهذه صورة من صور التعريض.
وقد ورد عن بعض أبناء جعفر أنه جاء إلى امرأة مات عنها زوجها وهي في العدة يعرض لها فيقول ما معناه: أنا ابن جعفر الطيار، أي: أن أباه يطير بجناحيه مع الملائكة، وعمي رسول الله ﵊، وابنا عمي الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وعمي علي رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قالت المرأة: أتخطبني وأنا في العدة؟ قال: ما خطبتك إنما أنا أعرض، رضي الله تعالى عنه.
الشاهد: أن هذه من الحيل الجائزة، لكن ثَم حيل محرمة ومكروهة: أما المحرمة فتلك التي صنعها الإسرائيليون؛ إذ ذكرهم الله سبحانه في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف:١٦٣] ، أي: تأتي الأسماك ظاهرة على وجه الماء غير مختفية، ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٣] ، فكان الإسرائيليون قد حُرِّم عليهم العمل يوم السبت، وابتلاهم الله في هذا اليوم بأسماك تأتي على وجه الماء ظاهرة وبادية في جماعات كثيرة، وفي غير يوم السبت لا تأتي؛ ابتلاء من الله بسبب الفسق الذي هم فيه، فاحتالوا حيلاً لصيد الأسماك -كما ذكر بعض العلماء ذلك- فنصبوا شباكاً يوم الجمعة؛ حتى يقع السمك فيها يوم السبت ثم يسحبونها يوم الأحد، وغير ذلك من الحيل المحرمة.
стр. 571
ضرورة استعمال الرفق والحزم في الأعمال
قال يوسف ﵇: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠] ، أي: لا تقتربوا مني ولا من بلادي، وأخذ العلماء من ذلك فقهاً يتعلق بمدراء الأعمال، أو برؤساء الهيئات والحكومات وبرب البيت كذلك، أخذوا فقهاً يتعلق بكل مسئول عن عمل ألا وهو: أن المسئول عن العمل عليه أن يلتزم بشيئين: بالرفق، وكذلك بالحزم إن احتيج إليه.
فيتسم بالرفق إذ هو الأصل، قال رسول الله ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) ، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، وإذا أراد بأهل بيت شراً حرموا الرفق) ، وقال ﷺ : (إن الله يحب الرفق في كل شيء ويكره التفحش) ، فالرفق يحبه الله ، ويحبه رسوله ﷺ .
فعلى المسئول عن العمل أن يتسم به، ويكون رفيقاً بمن هم تحت يده، قال رسول الله ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه) ، هكذا قال رسولنا محمد ﵊.
فجدير بالمسئول عن العمل أن يكون رفيقاً مرغباً، وأن يكون حازماً شديداً إذا احتاج الأمر إلى حزم وشدة، فإن الله قال لذي القرنين: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] ، فماذا قال؟ ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٧-٨٨] ، فاستعمل مبدأ الثواب والعقاب كذلك.
وكذلك قال الله سبحانه في شأن نبيه سليمان: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠-٢١] ، فاستعمل طريقة العقاب كذلك؛ إذ الأعمال تصلح أيضاً وتسلم إذا كان ثم عقاب يُوقع على المخطئ.
هذا وقد استعمل النبي ﷺ وهو الحليم الرحيم بأمته مبدأ الشدة أحياناً، فقد أرسل رجلاً من أصحابه عاملاً يجمع له الصدقات من بني سليم، ويقال لهذا الرجل: ابن اللتبية، فرجع الرجل فقال: يا رسول الله! هذا المال لكم، وهذا المال أهدي إلي، فقال رسول الله ﷺ : (هلا جلست في بيت أبيك أو بيت أمك حتى تنظر ما يهدى إليك، ثم قام في الناس خطيباً وقال: يا أيها الناس! ما بالنا نرسل الرجل يجمع الصدقات فيرجع قائلاً: هذا لكم وهذا أهدي إلي، هلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر ما يهدى إليه) ، فاستعمل الرسول الشدة في هذا اللفظ ﵊؛ إذ المقام يقتضي ذلك.
وكذلك كان الرسول ﷺ يقسم الغنائم فرأى سعد بن أبي وقاص سيفاً فأعجبه، فقال: (نفلنيه يا رسول الله! فقال له الرسول ﵊: ضعه، ثم قال سعد بعد مدة -وقد غلبته نفسه على هذا السيف-: أعطنيه يا رسول الله! فقال: ضعه، ثم بعد مدة قال سعد مرة ثالثة: نفلنيه يا رسول الله! فقال صلوات الله وسلامه عليه: ضعه من حيث أخذته، قال سعد: وحد بي رسول الله ﷺ صوته) ، أي في المرة الثالثة اشتد عليه النبي ﵊.
فيوسف ﵇ استعمل هذا الترغيب والترهيب قائلاً: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ، ثم عرج على الباب الآخر الترهيب والتخويف بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠] ، أي: لا تقتربوا مني! ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف:٦١] ، أي: سنطلبه من أبيه برفق وتلطف، وبشيء من الاحتيال كذلك، فهذا تقتضيه لفظة المراودة، وقد قدمنا معناها.
стр. 572
كرم يوسف ﵇
أما قوله: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ، أي: خير من أكرم الأضياف وأنزلهم منازل حسنة، فإكرام الضيف من سنن المرسلين ومكارم الأخلاق، ومن ثم قال الله سبحانه في شأن إبراهيم ﵇: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٦-٢٧] ، وقال نبينا محمد ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، وقال ﵊ كذلك: (أيما رجل نزل بقوم فلم يقروه كان له أن يأخذ منهم بقدر قراه) ، أي: بقدر الذي ينبغي للضيف، وما زالت العرب والشعراء يثنون على من أكرم الأضياف، فيثني بعضهم على آل عبد المطلب قبيلة رسول الله ﷺ فيقول: المطعمون اللحم كل عشية حتى تغيب الشمس في الرجاف والرجاف: البحر، وما زال الناس يذمون البخلاء؛ بل ذمهم الله في كتابه، وذمهم النبي ﷺ في سنته، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ، وقال النبي ﷺ : (يا بني عمرو بن الجموح من سيدكم؟ قالوا: سيدنا الجد بن قيس على أنا نبخله يا رسول الله! قال: وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم فلان) ، فاختار لهم سيداً آخر غير هذا السيد البخيل.
وقد قال شاعر يذم بخيلاً: رأيت الفضل متكئاً يناجي الخبز والسمكا فقطب حين أبصرني ونكس رأسه وبكى فلما أن حلفت له بأني صائم ضحكا وما زال الناس يذمون البخلاء؛ فيوسف ﵇ لم يكن ببخيل ﷺ ، بل قال عن نفسه: (أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) ، وكيف لا وجده الخليل إبراهيم ﵇ من أوائل من أكرم الأضياف ﷺ ، وأحسن منازلهم وأكرهم مثواهم إبراهيم الخليل ﵊، وكما يقول العلماء: إن العرق نزاع، فيوسف ﷺ اقتبس كرماً من كرم آبائه وأجداده عليهم الصلاة والسلام، واقتبس حلماً من حلم آبائه وأجداده صلى الله عليهم وسلم، واقتبس إيماناً من إيمان آبائه وأجداده عليهم الصلاة والسلام، وقال الله تعالى في شأن قوم من الأنبياء الفضلاء: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٤] ، أي: في الخير والصلاح.
стр. 573
إيفاء يوسف للميزان والمكيال
ثم قال: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ، فتمدح نفسه بصفتين: أولاهما: أنه يوفي الكيل، وهذه صفة محمودة، وقد ذم الله في كتابه الكريم الذين يطففون المكاييل والموازين وتوعدهم بأشد الوعيد، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:١-٦] .
وأمر الله بإيفاء المكاييل والموازين في عدة سور من كتابه، فقال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء:١٨١-١٨٣] .
وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٩] ، وبعث الله نبياً من أنبيائه كان محور دعوته بعد الدعوة إلى التوحيد: الأمر بإيفاء المكاييل والموازين، ألا وهو نبي الله شعيب ﵊.
فيوسف ﷺ قال لإخوته: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ، أي: خير من أكرم الأضياف، وهذا ثناء على النفس احتيج إليه في هذا المقام لعلة من العلل، فلا بأس بالثناء على النفس أحياناً، وقد قدمنا ما يفيد ذلك عند تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] .
стр. 574
أحداث عودة إخوة يوسف إلى أبيهم
قال الله : ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ [يوسف:٦٢-٦٣] ، وهل منع منهم الكيل حقاً؟ لا، ذلك أن يوسف ﵇ جهزهم بجهازهم -كما سبق- وزيادة في الفضل منه رد إليهم أموالهم وبضاعتهم، فكيف قالوا إذاً: (يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) ؟ وجه
الجواب
أنهم قالوا: منع منا الكيل باعتبار ما هو آتٍ، أي: يا أبانا! سيمنع منا الكيل، ولهذا نظائر في كتاب الله، فيطلق الشيء واللفظ باعتبار ما هو آتٍ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] ، فأطلق على أموال اليتامى ناراً باعتبار ما ستئوول إليه، وكذلك تقدم قول السجين ليوسف ﵇: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦] ، أي: أراني أعصر عنباً فيئول العنب إلى خمر، فأطلق على العنب خمراً باعتبار ما ستئول إليه.
فقولهم: (يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) ، أي: يا أبانا سيمنع منا الكيل.
стр. 575
ثناء الله على يعقوب بأنه ذو علم
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف:٦٨] ، حرصه على سلامتهم ﷺ ، وحتى لا يتوهم متوهم أن يعقوب ليس على علم، فالله يدافع عن يعقوب، وكما هو الحال فالله يدافع عن أنبيائه وأوليائه، فيقول تعالى مثنياً على يعقوب: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] ، حتى لا يأتي شخص يتهم يعقوب ويقول: أخطأ يعقوب، لماذا قال لهم كذا؟ ولماذا قال لهم كذا؟ فيقول ربنا: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] ، فالله يدافع عن أنبيائه أوليائه.
وقد ذكر الله في كتابه الكريم داود وسليمان فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٨-٧٩] ، وحتى لا يتوهم متوهم أن داود ليس عنده علم قال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٧٩-٨٠] ، فهكذا يدافع الله عن أنبيائه، وهكذا يدافع الله عن أوليائه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:٦٨] ، فجدير بك أيضاً أن تستعمل هذا الأسلوب وهذا الأدب إذا كنت تحكم أو تقضي بين اثنين، أو ترجح بينهما، فرجح الراجح ثم بعد ذلك لا تحرم الثاني من نوع من أنواع الثناء جبراً للخاطر.
стр. 576
مشروعية الأخذ بالأسباب
عُلمنا من نبي الله يعقوب هدياً في هذا الصدد: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف:٦٧] ، وهذا من باب الأخذ بالأسباب، وإلا فالمقدر سيكون، فقد أمرنا بالأخذ بالأسباب كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] ، وكما قال الله ﵎: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] .
وكما مر عمر مع صحابة رسول الله ﵊ بأرض بها الطاعون فاستشار عمر أصحابه: أندخل الأرض التي بها الطاعون أم لا ندخل؟ فبعضهم قال: ندخل ونتوكل على الله، وبعضهم قال: لا ندخل ونحن أيضاً متوكلون على الله، فأخرجهم عمر وقال: أدخلوا علي مشايخ المهاجرين والأنصار، ثم استشارهم: أندخل القرية التي بها الطاعون أم لا ندخل؟ فقالوا: لا ندخل يا أمير المؤمنين! فأخذ عمر الجيش وانصرف إلى مكان آخر، فإذا بصائح يصيح ومناد ينادي قائلاً: أفراراً من قدر الله يا ابن الخطاب! فسكت عمر ونظر، فإذا القائل أمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح ﵁، فتعجب عمر المسدد الملهم وقال: لو قالها غيرها يا أبا عبيدة! أي ما كانت هذه الكلمة تصدر منك يا أبا عبيدة، ثم قال: يا أبا عبيدة! أرأيت إذا نزلت بأرض خصبة وأرض أخرى جدباء في أيها ترتع إبلك وبعيرك أو غنمك؟ قال: في الأرض الخضراء، قال: إنك إن رعيتها في الأرض الجدباء رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها في الخضراء رعيتها بقدر الله، ثم بينما هم على ذلك إذ جاء رجل من بعيد يسرع، وهو عبد الرحمن بن عوف ﵁ فقال: عندي في هذا والله خبر عن رسول الله ﵊، فاستبشروا إذ سمعوا الخبر عن رسولهم محمد ﵊، قالوا: هات! قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا وقع بأرض ولستم فيها فلا تدخلوها) ، فكبر عمر وحمد الله على ما وفق به؛ فالأخذ بالأسباب لا يخدش في التوكل على الله.
قال يعقوب: ﴿يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف:٦٧] ، أي: إذا كان الله أمر فأمر الله نافذ وإن أخذنا بالأسباب، فأمر الله سبحانه نافذ رغماً عنا، لكنها أسباب أمرنا بالتماسها، وأمر الله فوق كل أمر: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، فنأخذ بالأسباب ونعتقد اعتقاداً جازماً أن أمر الله نافذ.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٦٧] ، الأمر والقضاء لله، يقضي كيف يشاء، يفعل ما يريد، يحكم كيف يريد سبحانه، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧] .
стр. 577
مشروعية تعويذ الأبناء من العين والحسد
قال موصياً أبناءه: ﴿يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف:٦٧] ، لم أمرهم أن لا يدخلوا من باب واحد ويدخلوا من أبواب متفرقة؟ لأمرين ذكرهما العلماء: الأمر الأول: أن هؤلاء إخوة يوسف ﵇ كانوا على درجة كبيرة من الجمال، وكذلك آتاهم الله بسطة في الأجسام، ومما يستأنس لذلك به قوله تعالى عن أجدادهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] ، أي: الأقوياء العلماء، فهؤلاء ذرية هؤلاء الأنبياء الأقوياء العلماء أولي الأيدي والأبصار.
فكانوا على درجة كبيرة من الجمال، فجدتهم سارة، ثم كذلك كانوا من ذوي الأجسام الكبيرة والشارات الحسنة، فإذا دخلوا جميعاً من باب واحد الواحد تلو الآخر؛ اتجه إليهم أذى المؤذين وحسد الحاسدين، فإذا رآهم شخص قد يكيد لهم إذا رآهم على هذا المنظر، والأمر الآخر: قد يصيبهم عائن بعين.
فالعين حق كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا) ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١] ، وقد رأى النبي ﵊ في وجه جارية لـ أم سلمة سفعة، أي: تغيراً وسواداً، فقال: (إن بها النظرة فاسترقوا لها) ، وقد مر حديث سهل بن حنيف الذي كان وسيماً وقام يغتسل، فمر به عامر بن ربيعة فقال: والله ما وجدت جلد مخبأة كهذا الجلد، ولا كأنها جلد جارية عذراء، فسقط سهل صريعاً في الحال، وجاء أصحابه إلى النبي ﷺ يقولون له: أدرك سهلاً صريعاً يا رسول الله! فقال: (من تتهمون؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فدعاه النبي ﷺ وقال: علام يحسد أحدكم أخاه، إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة) ، ثم أمر عامر بن ربيعة أن يغسل ركبتيه بعد أن يتوضأ وداخلتي إزاره، ثم يؤخذ الماء ويصب على سهل بن حنيف، فقام كأنما أنشط من عقال، أي: حل من وثاق كان فيه، وقام منطلقاً سريعاً.
ومن هنا يقول نبينا محمد ﵊: (وإذا استغستلم فاغتسلوا) ، بمعنى: إذا شك أحد في أحد أنه أصابه بعين فله أن يقول له: توضأ لي أو اغتسل لي، ويأخذ هذا الماء فيغسل به نفسه، ولا ينبغي أن يمتنع من طلب منه الاغتسال، كما قال نبينا محمد ﵊: (وإذا استغستلم فاغتسلوا) ، فللعين تأثير وهي حق بإذن الله.
وقد ذهب النبي ﷺ إلى بيت جعفر بعد مقتل جعفر بثلاثة أيام يعزي أسماء بنت عميس زوجة جعفر، فرأى رسول الله ﷺ أبناءها بجوارها ضعافاً كأنهم أفراخ، فقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: (ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ قالت: تسرع إليهم العين يا رسول الله! قال: فاسترقي لهم) ، فقد ترى الطفل يذهب إلى الأطباء فلا يجدونه مريضاً وليس ثم مرض بدني، ومع ذلك فالولد نحيف وضعيف بسبب داء آخر يلم به، ألا وهو عين العائنين وحسد الحاسدين.
ولذلك ينبغي أن نعوذ أبناءنا كما علمنا نبينا محمد عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، فقد كان ﵊ يعوذ الحسن والحسين ويقول: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) ، ويقول: (إن إبراهيم ﵇ كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق) ، فجدير بكل أب أن يعوذ أولاده وبناته، وأن تعوذ الأم أبناءها وبناتها، فلتمسح على رءوس الأولاد وأجسامهم قائلة: (أعيذك بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) ، الحين بعد الحين، امتثالاً لصنيع نبينا محمد، والتماساً لهديه صلوات الله وسلامه عليه، ثم دفعاً للشرور عن الأبناء بإذن الله ﵎.
ثم بالمعوذات كذلك، فإن نبينا محمد ﵊ كان في سفر فقال: (يا عقبة بن عامر! قل.
قال: ما أقول يا رسول الله؟ فقال ثانية: يا عقبة بن عامر! قل.
قال: ما أقول يا رسول الله؟ فقال: يا عقبة بن عامر! قل.
قال: ما أقول يا رسول الله؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] حين تصبح وحين تسمي تكفيك من كل شيء) ، وفي رواية: ( ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] فما سأل سائل بمثلهما، وما استعاذ مستعيذ بمثلهما) ، فجدير بالأب إذا أراد أن يحفظ ولده -والمحفوظ من حفظه الله- أن يمسح رأسه بالمعوذات، وبالذكر الذي سمعتموه عن النبي آنفاً.
قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف:٦٧] ، الوجه الذي ذكرناه أيضاً من قبل: أنهم إذا دخلوا من باب واحد قد يؤذيهم مؤذ، فإنك إذا دخلت بلدة من البلدان في بعض الدول تجد على مداخلها كمائن للشرط تستوقف الداخلين، فإذا رأوا عشرة عليهم ثياب بيضاء ومن الذين عليهم سيما الفضل والصلاح، ومتزينون بزينة رسول الله، ومتبعون لسنة رسول الله في لحاهم؛ إذا رأوهم يدخلون من باب واحد استوقفوهم وأحالوهم إلى الإدارات مما يسبب لهم بعض الأعطال.
стр. 578
طلبهم إرسال بنيامين معهم للكيل
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:٦٣] ، وكما هو معلوم: فالأنبياء ﵈ هم أذكى الخلق وأكمل الخلق علقاً، وأفهم الخلق، عليهم الصلاة والسلام، وما كان ينبغي لمؤمن أن يلدغ من جحر واحد مرتين، كما قال ﷺ : (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) ، وأيضاً ورد أن الزهري استدان فذهب إلى بعض أمراء بني أمية لقضاء الدين عنه، كي يقضي الأمير الدَّين عن الزهري، فأعطاه الأمير المال، لكنه أتبعه بكلمة قال فيها: يا زهري! تعود تدان، كلمة توجع، فالمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين.
فلما قال إخوة يوسف لأبيهم: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، لم يأخذ يعقوب ﵇ بقولهم هذا سريعاً، بل تثبت وقال مذكراً: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف:٦٤] ، أي: أي أمن هذا الذي أتوقعه منكم؟! أهذا الأمن الذي وعدتموني به في شأن يوسف ﷺ ، ثم أضعتموه بعد ذلك؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] ، فلستم أنتم الحفظة وإن وعدتم بذلك.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ [يوسف:٦٥] ، أي: ماذا نطلب وماذا نريد بعد هذا الإحسان بإعطائنا غلالاً ورد ثمنها إلينا؟ ولا نريد البغي كذلك، وكل هذا محتمل، ﴿مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف:٦٥] ، فهذا دليل على كرم هذا العزيز الذي على مصر، فهذه بضاعتنا ردت إلينا، (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) أي: نجلب لأهلنا الزاد، والميرة: هي الطعام والزاد، (وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) ، أي: الكيل الذي أتينا به كيل قليل، وقيل: إن كيل أخينا وهو البعير الزائد سهلٌ على الملك.
стр. 579
أخذ يعقوب العهد من أبنائه بحفظ أخيهم
فماذا قال يعقوب ﵊؟ ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] ، يعني: إلا أن تهلكوا عن آخركم، فالإحاطة بالشيء أحياناً يكون من معناها الإهلاك، كما قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف:٤٢] ، أي: هلك ثمره.
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٦٦] ، أما الموثق فهو العهد المؤكد باليمين، ومن العلماء من قال: إن الموثق العهد المصحوب بإشهاد الله عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١] ، فذكر بعض المفسرين أن الرجل كان يقول للآخر إذا زوجه ابنته أو موليته: عليك عهد الله أن تحسن إليها ولا تسيء، عليك عهد الله أن تمسكها بمعروف أو تسرحها بإحسان، وكما هو معلوم أن الأيمان تتأكد بصور من التأكيد، فأحياناً إذا قلت: أقسم بالله العظيم، وأردت أن تؤكده فإنك تؤكده بتكراره، وقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١] ، قال: توكيدها: تكرريها، وأحياناً يتأكد اليمين بأن يكون بعد صلاة العصر؛ بأن يحبس الذي سيقسم في المسجد بعد أن يصلي صلاة العصر ويقسم اليمين التي تطلب منه، وهذا تأكيد ثانٍ.
وتأكيد ثالث: وهو أن يكون اليمين بعد صلاة العصر عند منبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد قال ﵊: (من حلف على يمين صبر هو فيها كاذب -أي: على يمين قد حبس عليها وهو فيها كاذب- ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) .
قال الله ﵎ في كتاب الكريم: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] ، فلما أعطوه الموثق الذي طلبه منهم: (قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) ، فلهذا ينبغي أن تختم الاتفاقيات التي تبرم بين الأشخاص بهذا، كما قال موسى ﵇ للعبد الصالح: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٨] ، فختمها بقول: والله على ما نقول وكيل.
стр. 580
سلسلة تفسير سورة يوسف [٦]
ما زال إكرام الله يتوالى على يوسف ﵇، فقد أنعم الله عليه بأخذ أخيه من إخوته، وفي مرجع إخوته إلى أبيهم بدون أخيهم دروس وعبر، ثم يظهر كرم الكريم مرة أخرى بعفوه عن إخوته، وبمعجزة من المعجزات بقميصه ﵇، ثم تنتهي هذه السنوات بآثامها باستغفار يعقوب لهم، وبعفو يوسف عنهم ولمِّ شملهم في ملك أخيهم.
стр. 581
عودة إخوة يوسف إليه مرة أخرى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للإنس والجن أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف:٦٩] ، أي: ضمه إليه قائلاً: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:٦٩] ، أي: لا تحزن، ولا تتضايق، ولا تتبرم بالذي صنعه إخوتك معك، فهذا يدل على أن شقيق يوسف لقي عناءً وشدة وإهانة من إخوته بعد فراق يوسف كذلك، وبدليل الآتي: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] ، فلهذا كان شقيق يوسف يلاقي عناءً من إخوته بعد فراق أخيه يوسف ﷺ .
стр. 582
يأس إخوة يوسف من إرجاع أخيهم
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف:٨٠] ، فلما استيأسوا من إرجاع أخيهم إليهم ومن أن يستبدل أحدهم بـ بنيامين خلصوا نجياً، أي: يتسارون فيما بينهم ويتناجون فيما بينهم حيث لا يسمعهم أحد إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] ، فالتناجي في الآية الكريمة هو التسارر بحيث لا يسمعهم أحد إلا الله ، والنجوى لها أحكام وفقه، فإذا لم يكن حاجة داعية إلى التناجي فلا تتناجى حتى لا تؤذ إخوانك، قال ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر؛ فإن ذلك يحزنه) ، وكذلك قال العلماء: إذا كنتم أربعة فلا يتناجى ثلاثة دون الرابع، وإذا كنتم عشرة فلا يتناجى تسعة دون العاشر، وهكذا.
قال الله سبحانه: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف:٨٠] ، يتناجون فيما بينهم، ويتسارون فيما بينهم.
стр. 583
تدبر السلف لكتاب الله
أعجبت هذه الآية الكريمة أعرابياً من الأعراب فقال: أشهد أن هذا القرآن من عند الله.
فكان الناس يتدبرون آيات القرآن ويتفهمونها، ويحضرني في هذا المقام أثر في كيفية تدبر الصحابة للقرآن، وإن لم يسعفني النظر في إسناده، وهو عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ يبين كيف كان ابن عباس يتلقى هذا القرآن ويفهمه ببركة دعاء النبي ﷺ له، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جالساً وأصحابه بعد صلاة الفجر، فقد كان يصلي الفجر ثم يدخل معه حملة كتاب الله يستشيرهم في أموره، ويتدارس معهم كتاب الله ، وكان يدخل معه عبد الله بن عباس ﵄، فدخل عبد الله بن عباس ﵄ يوماً مع أمير المؤمنين عمر ﵁ مع سائر الصحابة الذين هم من حملة كتاب الله، فإذا بقارئ يقرأ عليهم فبدأ بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤-٢٠٦] ، ثم قرأ القارئ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] ، فلما قرأ القارئ هذه الآية الكريمة ضرب ابن عباس برجل صاحبه الذي يجاوره وقال: اقتتلا والله اقتتلا والله!! استوقفت هذه الكلمة عمر ﵁، فقال لـ ابن عباس: ماذا قلت يا ابن عباس؟ فاستحيا ابن عباس، فأعاد عليه عمر: ماذا قلت يا ابن عباس؟ فاستحيا ابن عباس، فأعاد عليه عمر وأقسم عليه: ماذا قلت يا ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين! قلت: اقتتلا! قال: من اللذان اقتتلا؟ قال: اقتتلا يا أمير المؤمنين! قال: من اللذان اقتتلا؟ قال ابن عباس شارحاً الآيات: يا أمير المؤمنين! هذا رجل يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وتولى: أي خرج، أو أصبح والياً، فلما تولى مشى في الأرض يقتل هذا ويقتل ذاك، ويهلك حرث هذا ويهلك حرث ذاك، ويشتم هذا ويضرب ذاك يمشى على هذه الطريقة، يضرب ويقتل ويسمّ البهائم، ويحرق الأشجار، ويدمر الثمار، والناس تعبوا يقولون: اتق الله! خف الله! حرام عليك صنيعك هذا! فتأخذه العزة بالإثم ويزداد، فحينئذٍ لم يعجب هذا الصنيع رجلاً من الصالحين، فقام مشترياً نفسه ابتغاء مرضاة الله وقال: إني أوقف زحف هذا العدو الصائل الباغي، فقام متصدياً له، فحصلت المعركة، وحصل الاقتتال.
فانظر إلى فهم ابن عباس وتمشيه مع كتاب الله، وتدبره لآيات كتاب الله العزيز، وانظر إلى حالك مع كتاب الله، إن الله يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ، فلتستغفر الله يا عبد الله، لتستغفر الله حتى تزال الحجب التي على قلبك من جراء المعاصي، وتفهم كتاب الله على الوجه اللائق به، مستعيناً بالله ثم بالمذاكرة وبالمتابعة.
стр. 584
توسل إخوة يوسف برد أخيهم
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ [يوسف:٧٨] ، وهذا فيه جواز إطلاق العزيز على بعض البشر، وهناك أسماء لله يجوز إطلاقها على بعض البشر، مع أن الفارق بين الاسم والمسمى كالفارق بين الخالق والمخلوق.
فالعزيز -على سبيل المثال- اسم من أسماء الله، وأطلق هنا العزيز على عزيز مصر فقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ [يوسف:٧٨] ، وكذلك المؤمن اسم من أسماء الله، وأطلق الله على عبادة المؤمنين، قال النبي ﷺ : (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن، فأخبروني ما هي؟) ، وربنا هو الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وقال الله لموسى: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] ، وهناك أسماء لله يتسمى بها ربنا لا يشاركه فيها غيره، كلفظ الجلالة: (الله) كما قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] ، على الوجهين من أوجه التأويل، أي: هل تعلم أحداً تسمى (الله) ؟ أو هل تعلم له شبيهاً أو نظيراً؟ وكذلك الاسم الآخر: (الرحمن) فلا يتسمى شخص أحد بـ (الرحمن) ، ولما تشدق مسيلمة الكذاب ولقب نفسه برحمان اليمامة، فكان دائماً يوصف بالكذاب، فلا يقال إلا: مسيلمة الكذاب.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف:٧٨] ، توسلوا بشيخوخة أبيهم إلى يوسف ﵇، فالكبير كان له حق، وما زال له حق، فقد جاء رجلان إلى النبي ﷺ ، فجاء الأصغر منهما يتكلم، فقال النبي ﷺ : (كبِّر كبِّر) ، يعني: أن الأكبر هو الذي يتكلم، وقال رسول الله ﷺ : (رأيتني الليلة أتسوك بسواك، فجاءني رجلان فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبِّر كبِّر) ، وقال ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا) ، أي: ليس على طريقتنا ولا على أدبنا هذا الشخص الذي لا يوقر الكبير، فللكبير حق.
قال عبد الله بن عمر ﵄: سأل النبي ﷺ أصحابه فقال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن؛ أخبروني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فأردت أن أتكلم فنظرت فإذا شيوخ القوم -وفي رواية: فإذا أنا أصغر القوم- فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ : هي النخلة) ، فانظر إلى حياء ابن عمر أن يتكلم بحضرة كبار السن رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فعلينا أن نتأدب بهذا الأدب مع الكبار، فكم صلى هذا الكبير لله من صلاة، وكم ركع لله من ركعة، وكم سجد لله من سجدة، وكم ابتلي فصبر فأجر على صبره، وكم سبح من تسبيحة، وكم كبر من تكبيرة وهلل من تهليلة! فجدير بنا معشر الإخوة! أن نوقر كبار السن، وأن ننزلهم منازلهم اللائقة بهم، فهذا هدي نبينا محمد ﵊، فلنتأدب بأدب نبينا محمد عليه أفضل صلاةٍ وأتم تسليم.
قال الله : ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف:٧٨] ، حفاظاً على الميثاق الذي واثقوا به أباهم، ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] ، فعلامات الإحسان ظاهرة وبادية على يوسف ﵇، على وجه هذا الكريم الحليم العفيف ﵊ علامات الإحسان بادية على وجه هذا المظلوم الذي رفعه الله سبحانه.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٧٩] ، نعوذ بالله أن نظلم ونأخذ أحداً مكان أحد، فلا يصح هذا ولا يعقل، إن الله قال في كتابه الكريم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٦-٣٧] ، ماذا في صحف موسى؟ وماذا في صحف إبراهيم الذي وفى؟ قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٨] ، فلا يؤخذ شخص بجريرة شخص آخر، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٨-٣٩] ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤] ، فما بال شخص يقتل آخر بريئاً من أجل شخص آخر، فلا يصح ولا يجوز، يعلمنا هذا نبي الله يوسف ﷺ ؛ فقد أمرنا بالاقتداء به كذلك.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف:٧٩] ، ولم يقل: أن نأخذ إلا من سرق، لكن قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩] ، أترضى لنا بهذا الظلم نأخذ شخصاً بريئاً ونترك مرتكب الجريمة؟ إنا إذاً لظالمون، لا يصح ولا يليق أبداً أن يؤخذ البريء ويترك المتهم، لا يؤخذ البريء ويترك الجاني، أي شرع هذا؟ فحاولوا معه وحاولوا، ولكن لم تجدِ المحاولات معه ﷺ ؛ إذ لم تجد محاولة من أراد أن يلقي ببريء مكان متهم.
стр. 585
حلم يوسف على إخوته
قال تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٧٧] ، وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإيمان وأهل العقل الراجح والمسئولون عن الأعمال، عليهم أن يكونوا حلماء، عليهم أن يكونوا من الصابرين ضابطي النفس غير المتهورين؛ فيوسف ﵇ نبي عاقل كريم ليس سريع الغضب ولا سريع الانفعال؛ بل هو هادئ يستمع ويصبر على ما يلاقي من الأذى، وعلى ما يسمع من الكلمات الشديدة اللاذعة.
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٧٧] ، لم يظهرها لهم يوسف ﷺ ، وهكذا ينبغي أن يتحلى المسئول عن العمل بالحلم وترك المعاجلة بالعقوبة؛ فالحليم: هو الذي لا يعاجل بالعقوبة، بل يصبر ويتريث، وينظر بعد ذلك هل الأمر هذا يستحق المعاقبة على فعله أو لا يستحق.
وكما لا يخفى أن الله وصف إبراهيم ﵇ الذي هو جد يعقوب أبي يوسف ﵇ وصفه بالحلم، ومناسبة ذلك: أنه قد صدر من قوم لوط ما صدر من جرم وفحش ومنكر، ومرت الملائكة ﵈ بإبراهيم ﷺ وهم في طريقهم لتدمير مدائن قوم لوط، فسألهم إبراهيم ﵇ إلى أين يذهبون، قالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠] ، أي: لندمر عليهم مدائنهم، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤] ، أي: يطلب إمهال قوم لوط، ويطلب تأخير العذاب عن قوم لوط، فأثنى الله عليه بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥] ؛ فالحليم هو الذي لا يعاجل بالعقوبة، لكن لم يجب إبراهيم إلى طلبه؛ لأن أمر الله قد جاء، قال الله: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود:٧٦] .
فينبغي أن يتسم الفضلاء بالحلم، وألا يكونوا سريعيِّ الانفعال، إنما يتريث أحدهم ويدرس المسألة، ويعيد النظر وينظر مرة ثانية وثالثة: هل الأمر يستحق العقاب أو العفو؟ وما نوع العقاب الذي يستحقه الأمر؟ هل عقاب بالكلمة يكفي، أم عقاب بالسوط، أم عقاب بالسجن واللازم المطلوب؟ فينظر ويعيد النظر مرة بعد مرة.
قال تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [يوسف:٧٧] ، أي: لم يظهرها لهم ﵊، ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧] .
стр. 586
أخذ يوسف لأخيه بأمر الله وتدبيره
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٥-٧٦] ، لنفي التهمة والشبهة، حتى لا يقال: إن هذا أمر مدبر مخطط، فإذا أخر وعاء أخيه إلى آخر الأمر في البحث والتفتيش والتنقيب وفتش رحل الأكبر فوجده بريئاً، فحينئذٍ يطمئن الأكبر إلى عدل هذا الملك، ثم يتفش رحل الذي يليه فيجده بريئاً فيطمئن هو كذلك إلى عدل الملك، فإذا اطمأن الكل إلى أنه عادل: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٦] .
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٧٦] ، أي: دبرنا ليوسف، فهذا التدبير كان من الله ، وهذا الحكم باسترقاق السارق الذي حكم به إخوة يوسف كان بإذن الله أيضاً، فوُفق يوسف ﵇ لهذه الحيلة بإذن الله تعالى.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:٧٦] ، أي: بالنبوة والعلم، فالعلم بعد الإيمان ومع الإيمان، نرفع درجات من نشاء بالعلم والفقه، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] ، كل عالم فوقه عالم، كل عالم فوقه عالم، وعلم الله فوق علم جميعهم، وكما قال النبي ﷺ في شأن بعض أبواب العلوم كالطب مثلاً: (ما أنزل الله داءً وإلا وأنزل له دواء؛ علمه من علمه وجهله من جهله) ، فكل صاحب علم فوقه عليم، كما قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
ثم قال إخوة يوسف وقد أظهروا ما بداخلهم تجاه أخيهم: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧] ، يريدون يوسف ﵇، ويريدون أيضاً أن العرق دساس، ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ، فأخرجوا ما بداخلهم تجاه أخيهم، ويوسف يعلم مرادهم ﵊.
стр. 587
تمهيد يوسف لأخذ أخيه منهم
قال تعالى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٤] ، أي: فما جزاء السارق إذا وجدناه متلبساً بالسرقة، ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٧٤] ، قال إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ ، أي: جزاء السارق الذي سيوجد الصواع في رحله، ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٥] ، أي: أن الذي تجدون عنده الصواع خذوه كعبد مسترق عندكم مقابل هذه السرقة، وهذه الفعلة القبيحة التي صدرت منه.
وهذا كان في شرع يعقوب ﵇، أما في شرع أمة محمد ﵊: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] ، لكن في شرع يعقوب ﵇ كان السارق يؤخذ عبداً مسترقاً مقابل السرقة، فأنت إذا سرقت مني شيئاً فيحق لي أن آخذك كعبد عندي مقابل سرقتك، أبيعك إن شئت، أو أستخدمك في أعمالي إن شئت؛ على ما يقتضيه معنى العبد، فكان هذا في شرع يعقوب، وكما قال نبينا ﷺ : (الأنبياء إخوة لعلات؛ دينهم واحد وأمهاتهم شتى) ، أي: أصل دينهم التوحيد واحد، لكن الشرائع فيها بعض الاختلاف.
فإخوة يوسف هم الذين اقترحوا العقوبة لما سئلوا: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٤-٧٥] ، أي: خذوا من وجدتم الصواع في رحله كعبد لكم، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٥] ، أي: في شريعتنا، فالذين اقترحوا العقوبة هم إخوة يوسف ﵊ بهذا الذي سمعتموه: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ .
كذلك نلفت النظر هنا إلى شيء لعله ينفع فيما بعد، وليس فيه خبر عن رسولنا محمد ﵊ وإنما نقله كثير من المفسرين: أن يوسف ﵇ إذ كان صغيراً كانت عمته تربيه، فلما تقدم به السن بعض الشيء أراد أبوه أن يأخذه من عمته، وكانت عمته قد أحبته حباً زائداً؛ فطلبت من أبيه أن يبقيه عندها، فأبى، فألصقت به تهمة السرقة وأنه أخذ شيئاً منها، ومن ثم قبضته عندها في بيتها، ومن ثم قالوا: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٧٧] ، وهذا سيأتي، وتقدم أنه ليس فيه خبر عن النبي ﷺ ، وكأنه مأخوذ من الإسرائيليات، والله تعالى أعلم.
стр. 588
خطة يوسف لأخذ أخيه
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف:٧٠] ، والسقاية: هي الصواع الذي سيأتي ذكره، ومن أهل العلم من قال: إن الملك كان يشرب به ويكيل به أيضاً للناس، وهناك من تجشم أقوالاً فقال: كان من فضة، أو كان مرصعاً بالجواهر، إلى غير ذلك من الأقوال، والله أعلم بصحتها، والرحل: هو الوعاء الذي توضع فيه الأشياء ويحمل على البعير.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ [يوسف:٧٠] ، أي: نادى منادٍ، فالأذان هو الإعلام، ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] أي: يا أصحاب العير! يا أصحاب هذه الإبل! إنكم لسارقون، ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف:٧١] ، يؤخذ من قوله: ((قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ)) إعمال القرائن، فالمتهم البريء يكون جريئاً، فهؤلاء ناداهم المنادي: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] ، فلم يقفوا في مكانهم، ولم يهربوا؛ بل قالوا وأقبلوا عليهم، فالمتهم البريء يكون جريئاً في أكثر الأحيان، حتى العجماوات تفهم ذلك، يقول العلماء: إذا كان بجوارك هرة وأنت تأكل سمكاً فناولتها قطعة أكلتها آمنة مطمئنة بجوارك، لكن إذا سرقت الهرة سمكة هربت تأكلها بعيداً خفية عن عينك، فحتى العجماوات تفهم شيئاً من هذا.
стр. 589
حكم أخذ الأجر على إيجاد اللقطة
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] ، أخذ من ذلك: أن الشخص الذي وجد لقطة وأهدى إليه صاحب اللقطة شيئاً من غير مسألة ومن غير إيجاب، فلا بأس أن يقبلها، فإذا وجدت -على سبيل المثال- ألف جنيه، وجاء صاحب الألف وقال: من وجد الألف التي فقدت مني فله مني مائة، فلك أن تأخذ المائة إذا طيّب نفساً بذلك، أو أن تشترط، وليس لك أن تجبره على دفع هذه المائة، بل إن طاب خاطره بها فلا بأس؛ وذلك لقول النبي ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه) ، ولأن النبي ﵊ سئل عن اللقطة فقال: (عرفها حولاً -أي: سنة- فإذا جاء صاحبها فأدها إليه) ، ولم يقل: فخذ منه شيئاً.
فإذا أعطاك صاحب اللقطة شيئاً بنفس طيبة من غير طلب منك ولا إلزام منك له بشيء، فاقبله ولا بأس بذلك، ودليل ذلك ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢] ، أما قوله: زعيم، فمعناه: كفيل وضامن، ومنه قوله رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) .
فالزعيم معناها: الكفيل والضامن، فكأن المنادي ينادي ويقول: ولمن جاء بصواع الملك مكافأة، وهي: حمل بعير أزوده به، وأنا ضامن، وكفيل بذلك،: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ [يوسف:٧٣] ، أي: والله! ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٧٣] ، بل نحن قوم ضعفاء جئنا نلتمس الطعام لأهلينا وأسرنا، ولم نأت للسرقة، ولم نأت للفساد أبداً، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف:٧٣] .
стр. 590
عودة إخوة يوسف إلى يعقوب ﵇
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف:٨٠] ، أي: أكبرهم سناً، والذي يعرف قدر العهود والمواثيق -يفترض هذا- أكثر من غيره، قال كبيرهم مذكراً لهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠] ، أي: لن أغادر هذه البلاد حتى يأذن لي أبي، ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف:٨٠] ، برد أخي أو بالانتصار على عدوي، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف:٨٠] .
стр. 591
عتب يعقوب على أبنائه
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف:٨٣] ، أي: زينت لكم أنفسكم أمراً، وحسنت لكم أنفسكم تدبيراً ومكراً، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف:٨٣] ، صبر جميل لا شكوى معه إلا الله، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣] ، العليم بحالي، العليم بكبر سني، العليم بما أصابني، وبالحزن والهم الذي حل بي.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف:٨٤] ، أي: أعرض عنهم وانصرف، فلم يقبل عليهم، وقد أصيب بسببهم برزيتين كبيرتين: بفقدان يوسف ﵊، ولم يدر ما صنعوا به، ثم بفقدان أخيهم واتهامه بالسرقة إلى من يشكو؟ إلى عدو شامت، أو إلى جار حاسد، أو إلى متربص يتربص به الدوائر؟ ومن يشكو؟ أيشكو أبناءه الذين هم من صلبه؟!! إلى من يشكو إلا إلى الله الذي يسمع ويرى.
قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤] ، أنساه حب يوسف شأن بنيامين، (وَقَالَ يَا أَسَفَى) أي: يا أسف تعال وحل، تعال وحل يا ندم، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] ، أي: ممتلئ هماً وغماً وكرباً ونكداً، فالكظيم هو الممتلئ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] .
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] ، تبدل سواد العين بياضاً، وهو ممتلئ حزناً وهماً وغماً ﵊، ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ [يوسف:٨٥] ، أي: حتى يبلى جسمك، ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ [يوسف:٨٥] ، ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] ، أشكو ما بداخلي من هموم وغموم وآلام وأحزان إلى الله، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] .
стр. 592
استشهاد إخوة يوسف بأهل القرية والعير
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢] ، أي: اسأل يا أبانا أهل القرية، كما قال القائل: وسبحت المدينة لا تلمها رأت قمراً بسوقهم نهارا أي: سبح أهل المدينة.
فقولهم: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أي: واسأل أهل القرية، ومن أهل العلم من أورد وجهاً آخر فقال: واسأل القرية نفسها ببيوتها وأشجارها وأحجارها، فأنت نبي، والأنبياء لهم مثل هذه الخصائص، قال النبي محمد ﷺ : (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي) ، فهذه من خصوصيات الأنبياء.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ ، أي: فقد شاع الخبر فيها، وأي بلاء أشد من هذا البلاء؟! وأيضاً على يعقوب ﵇ أي بلاء أشد من أن يؤخذ ولده بجريرة السرقة؟! فالبلدة كلها تتحدث، مصر تتحدث أن ثَم رجالاً قدموا من بلاد كنعان أحدهم قد سرق، هكذا يتحدث أهل هذه القرية، والعير أيضاً: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢] ، فالعير وأصحاب القوافل يتحدثون أيضاً أن ولداً من أولاد يعقوب قد سرق، فتخيل أنت هذا المأزق وهذه المحنة، وهذا الابتلاء الشديد!! إذا أتاك آت وقال: ولدك سارق، ولدك أخذ كعبد مسترق من أجل السرقة إنه بلاء تلو بلاء يعتري الأنبياء وأهل الفضل والصلاح، كما قال رسول الله ﷺ : (يبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإذا كان في دينه صلابة زيد له في البلاء) ، وكما قال ابن مسعود: (يا رسول الله! ما لك توعك كما يوعك رجلان؟ قال: أجل؛ إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا الأجر كما يضاعف لنا البلاء) .
فنبي الله يعقوب ابتلي بفراق يوسف، ثم ابتلي بفراق شقيق يوسف بنيامين، وليس بموته، فالموت كتبه الله على كل نفس، ولكن لسرقة ولاسترقاق ناله بعد هذه السرقة، وأصبح الناس يتحدثون، فالقوافل راجعة إلى بلادها تحمل الطعام والشراب، وإخوة يوسف يرجعون إلى بلادهم بتخلف أخيهم، وبحمل تهمة السرقة إلى أبيهم هكذا يبتلي الله سبحانه أهل الفضل والصلاح، وهكذا الحياة الدنيا، يصبر على ذلك الصابرون وييأس اليائسون.
стр. 593
إخبار إخوة يوسف يعقوب بخبر بنيامين
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ [يوسف:٨١] ، أما أنا فلن أرجع، ﴿فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف:٨١] ، قال: قولوا: يا أبانا، ولم يقل: قولوا: يا (بابا) إن ابنك سرق، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] ، أي: نحن ما رأيناه يسرق لكن رأينا صواع الملك في رحله، وهكذا ينبغي أن يكون الشهداء، فإذا شهدت على شيء فاشهد بالذي رأيته فقط، فليس لك أن تقول: إنه سرق قاطعاً بذلك، لكن تقول: إني وجدت الصواع استخرج من رحله، هذا هو الصحيح، فلا تبن على ذلك أنت ودع البناء للقاضي، فلا تقل: بما أني وجدت الصواع في رحله إذاً هو الذي سرق لا؛ بل قد يكون الصواع دس له في رحله، فالذي تشهد به هو الذي تراه بعينك أو تسمعه بإذنك، كما أنك ترى الشمس ساطعة والقمر بازغاً.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١] ، فنحن وعدناك أن نحفظ أخانا ولكن ما كنا للغيب حافظين، فقد يقول العبد يوماً: إن شاء الله سأفعل كذا، ولا يشاء الله له أن يفعل، كما قال موسى ﵇ للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] ، فمرت حالتان وقبيل الحالة الثالثة قال موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٦] ، وما صبر موسى بعد الثالثة، قال نبينا محمد ﵊: (وددنا والله أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أخباره) ، مع أن موسى قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف:٦٩] ، لكن لم يشأ الله ذلك.
فإخوة يوسف قالوا: نحفظ أخانا، ثم قالوا بعد ذلك: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١] .
стр. 594
أمر يعقوب لأبنائه بالبحث عن يوسف وذهابهم إلى يوسف
﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، فهكذا لا ينقطع رجاء الأنبياء والصالحين في الله أبداً، فاليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله كبيرة من الكبائر، سطرها الذين صنفوا في الكبائر في كتبهم، مستدلين بقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] ، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] .
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا﴾ [يوسف:٨٨] ، وانظر إلى هذه الذلة والمهانة والانكسار، وانظر كيف يرفع الله المظلوم وكيف يخفض الظالم! انظر إلى هذه الذلة والانكسار في قول إخوة يوسف الذين ظلموه يوماً ما، انظر إليهم وقد قالوا له: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨] ، أي: في الأبدان، أولادنا مرضوا، وآباؤنا تعبوا وأصيبوا بالعمى، ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف:٨٨] ، ونحن فقراء، فالبضاعة التي أتينا بها قليلة لا تستحق أن نعطى من أجلها طعاماً وزاداً، ولكن نرجو كرمك بعد كرم الله، و (مزجاة) أي: قليلة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور:٤٣] ، أي: يسوقه سوقاً قليلاً قليلاً ضعيفاً ضعيفاً حتى يضم بعضه إلى بعض، ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٨٨] ، هكذا يتسول الظالم من المظلوم، قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨] .
стр. 595
استغفار يعقوب لأبنائه
قال يعقوب ﵇: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٩٦] ، ﴿قَالُوا﴾ [يوسف:٩٧] ، أي: أبناؤه، ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف:٩٧-٩٨] ، وعدهم أن يستغفر لهم ﷺ .
وإذا طرح سؤال مؤداه: لم أخر يعقوب ﵇ الاستغفار لأبنائه؟ فمن أهل العلم من قال: شدة وجده وحزنه منهم لم تجعله يبادر لهم بالاستغفار في الحال، وهذا قول تكلم به البعض، ولكن آخرون -وهم الأكثر- قالوا: أخر الاستغفار إلى وقتٍ الإجابة فيه أجدر وأولى، وهو الثلث الأخير من الليل، فإن النبي ﷺ يقول: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأجيبه) ، هكذا يقول ربنا سبحانه إذا كان الثلث الأخير من الليل.
стр. 596
معجزات الانبياء وكرامات الصالحين
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف:٩٣] ، إن قلت: كيف يأتي بصيراً بالقميص؟ فنقول: إن الله على كل شيء قدير، إن الذي أذهب بصره قادر على أن يرد عليه البصر، فالذي أذهب البصر هو الله، وما القميص إلا سبب من الأسباب، وهذه إجابتنا دائماً عن المعجزات التي يؤيد الله بها أولياءه، والتي يؤيد الله بها أنبياءه، إجابتنا عنها: أن الله على كل شيء قدير الله قادر على أن ينزل مائدة على عيسى من السماء فيها صنوف الطعام والشراب قادر على أن يسخر الريح لسليمان ﵇ قادر على أن يجعل شجرة تأتي إلى نبينا محمد ﷺ وتسعى حتى تقف بين يديه قادر على أن ينطق حجراً لرسول الله، كما قال الرسول: (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي) ، قادر على أن يشفي مريضاً طال سقمه، فربنا قادر على كل شيء.
هذه هي إجابتنا على هؤلاء الذين ينكرون المعجزات التي تحدث للأنبياء وللأولياء الصالحين المتمسكين بكتاب الله، لا الأولياء المشعوذين المشركين الذين ينحرفون عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وما من معجزة أوتيها نبي إلا وأوتي نبينا محمد ﵊ معجزة من جنسها كما قال الإمام الشافعي، وقد ورد في سير أعلام النبلاء أن أحد أحفاد قتادة بن النعمان دخل على عمر بن عبد العزيز ﵀، فقال له عمر بن عبد العزيز: من أنت؟ فقال له: من أنا، ألا تعرفني؟ قال: ما أعرفك، من أنت؟ قال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أجمل الرد فعادت كما كانت لأول وهلة فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد قال العلماء -وهذا أحتاج إلى نظر في إسناده إلى الرسول بسند آخر غير السير-: إن الله رد على قتادة عينه ببركة دعاء رسولنا محمد بيد النبي محمد ﵊.
стр. 597
قميص يوسف وما يحمله من بشارة
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ [يوسف:٩٣-٩٤] ، أي: خرجت العير عن مصر، وانفصلت عن بلاد مصر في طريقها إلى بلاد كنعان حيث يتواجد يعقوب ﵇ وأسرته، ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ﴾ [يوسف:٩٤] ، أي: هناك في بلاد كنعان: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٩٤] ، أشم ريح يوسف ﵇، ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف:٩٤] ، أي: أن تفندوا دعواي، وتتهموني بالتخريف وبالجنون، إني أجد ريح يوسف حقيقة، وأشمها بأنفي.
ترى من الذي أوصل هذه الريح من دولة إلى أخرى؟! إنه الله سبحانه، فهو قادر على كل شيء، ونبينا محمد ﵊ حدثت له من هذا النوع معجزات ومعجزات، ففي اليوم الذي مات فيه النجاشي في الحبشة والرسول بالمدينة يخرج -وليس ثَم هواتف- إلى أصحابه فيقول: (إن أخاً لكم بالحبشة قد مات؛ فهلموا نصلي عليه) ، فيصفهم صفوفاً ثلاثة أو صفين، ويكبر عليه أربعاً، وكذلك لما استشهد الثلاثة الشهداء: زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة؛ خرج الرسول -وعيناه تذرفان- إلى أصحابه ينعي الثلاثة قائلاً: (إن إخوانكم قد لقوا ربكم ، ما يسرهم أنهم عندنا) .
قال يعقوب: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قَالُوا﴾ [يوسف:٩٤-٩٥] ، أي: جلساؤه، ﴿تَاللَّهِ﴾ [يوسف:٩٥] ، أي: والله ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف:٩٥] ، ما زلت تخرّف، والضلال: هو الذهاب عن القصد والصواب، ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف:٩٦] ، بقدرة الله سبحانه، فماذا قال بعد أن ارتد بصيراً؟ ذكّر بنعم الله، وهكذا الأنبياء يعرفون نعم الله سبحانه، قال مذكراً بفضل الله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٩٦] ، فلا يتذكرون إلا فضل الله عليهم عند حلول الخيرات أو الملمات.
وسليمان ﵇ لما رأى عرش ملكة سبأ مستقراً عنده ماذا قال؟ ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] ، فهل قال ناجح في الامتحان ومتفوق فيه: هذا من فضل الله عليّ؟ هل قال قائل هذه المقولة لما بشر بنجاحه في الامتحان؟ هل قالها لأول وهلة؟! ما نجد أحداً يقول هذا إلا القليل النادر.
стр. 598
عفو يوسف عن إخوته
قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:٩٠] ، فنسب الفضل إلى مسديه وهو الله ، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ، ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ ، فالمنة لله وحده، والفضل لله وحده، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] ، درس آخر نتعلمه من نبي الله يوسف ﵊.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ [يوسف:٩١] أي: والله ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] ، أي: فضلك الله علينا وإن كنا لخاطئين، اعتراف منهم بالذنب في كلمة قصيرة موجزة، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن قطعوا الأرحام، وفرقوا بينهم وبين أخيهم يوسف، وفرقوا بين الوالد وولده، فبعد أن قطعوا الأرحام وتسببوا في ذهاب بصر أبيهم، قالوا كلمة: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] ، فبماذا يجيب يوسف هذا النبي الكريم ﵊؟! قال يوسف معلماً لنا ومبيناً كيف تكون الأخلاق قال يوسف محسناً عافياً عن إخوته قال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢] ، أي: لا تعيير ولا توبيخ مني أبداً عليكم! قضي الأمر، لا تتوقعوا بعد ذلك مني توبيخاً ولا تأنيباً ولا تجريجاً بكم، ولا تشهيراً أبداً، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] .
وهذا شأن المحسنين، يقابلون السيئة بالحسنة: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ، بهذا تنال الدرجات العلى من الجنان، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] ، يغفر الله لكم ما قدمتموه، وهو أرحم الراحمين.
стр. 599
تواضع يوسف مع إخوته
ولكن كرم يوسف ﵇ لا يسمح له بالاسترسال فيما هو فيه أمام هذا الضعف وهذه المسكنة التي صدرت من إخوته، قال يوسف ﵇: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] ، وصدق الله إذ قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥] ، أي مفاجأة أكبر من هذه المفاجأة؟! ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف:٩٠] ، فقال بتواضع الأنبياء كلمات في كل فقرة منها أدب نتأدب به: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي﴾ [يوسف:٩٠] ، أي تواضع أشد من هذا التواضع؟! لم يقل: أنا العزيز يوسف، ولم يقل: أنا الملك يوسف، ولم يقل: أنا الوزير يوسف، ولم يقل: أنا الدكتور يوسف، فإن هذه اللهجة من الكبرياء والتعالي التي يستعملها بنو زماننا وأولاد جلدتنا لم تكن من شأن الأنبياء، بل كان من شأنهم التواضع: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] ، نبي ملك تسخر له الجن والريح والطير معه، وكذلك الشياطين كل بناء وغواص، يرسل رسالة إلى امرأةٍ يقول فيها: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] ، لم يقل: من الملك الذي سخرت له الرياح أبداً، إنما بتواضع نتعلمه من أنبياء الله، إذ هم المعلمون، وهم القدوة صلوات الله وسلامه عليهم.
ونظيره في قول نبينا محمد ﵊ في رسالته لـ هرقل: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) ، وفي مصالحته يوم الحديبية: (هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو) ، إنه أدب يبعدنا عن الكبر والفخر، قال رسول الله ﷺ : (ثلاث أقسم بالله عليهن: ما تواضع عبد لله إلا رفعه الله، وما زاد الله بعبد عفواً إلا عزاً، وما نقصت صدقة من مال) .
стр. 600
سلسلة تفسير سورة يوسف [٧]
إن رسول الله ﷺ لما وصف يوسف ﵇ بالكرم يدل على أنه جدير وخليق بهذا الوصف؛ فهو لم يكتفِ بالعفو عن إخوته؛ بل واستقبلهم استقبال المتواضع، وخاطبهم خطاب الإخوة الذين لكل منهم حقه على الآخر، وشكر الله أن جمعهم بعد فرقة، ودعا دعاء الصالحين بحسن الخاتمة له ولهم.
وقد ختم الله هذه القصة بأمور تكون بين الدعاة والمدعوين في كل زمان ومكان؛ ففي وقت دعوتهم للحق ينكرونه ويجحدونه؛ بل ويعرضون عن آيات الله المبثوثة في الكون، حالهم كما قال الله: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) [يوسف:١٠٦] .
следующие страницы →