← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

باب التوبة مفتوح لكل أحد تقدم أن أكثر الكبائر إذا ذكرت في كتاب الله وذكرت العقوبات الخاصة بها فإنه بعد ذلك يفتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] فيفتح الباب لمن أراد أن يتوب حتى لا يقنط أحدٌ أبداً من رحمة الله. قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٥٩-٦٠] ، ففتح باب التوبة لمن أراد أن يتوب. وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة:٣٣-٣٤] ، ففتح لقطاع الطريق باب التوبة ولم يغلق عليهم. وقال الله سبحانه في أكبر قوم وأعظم قوم أجرموا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج:١٠] أحرقوهم بالنار، وخدوا لهم الأخاديد، وأشعلوا فيها النيران، وجلسوا ينظرون ويتفرجون عليهم وهم يعذبون في النار، كما قال تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:٥-٧] ، ومع ذلك فتح لهم باب التوبة فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] . فكما قال العلماء: إنهم لو تابوا مع أنهم حرقوا عباد الله بدون ذنب لقبل الله توبتهم، وقال سبحانه أيضاً في هذا الباب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات:٤-٥] ، ثم فتح لهم باب التوبة بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ [الحجرات:٥] ، أي: غفور لمن استغفر، إذا تقرر هذا فلا ينبغي أن يقنِّط أحد أحداً من رحمة الله أبداً، ولا يغلق أحد باب التوبة في وجه أحد أبداً، فباب التوبة باب مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها. (وقال الشيطان: وعزتك يا رب! لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال سبحانه: وعزتي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني) ، فلينتبه لذلك.

стр. 667

تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم .) ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] هذه الآية أو ما بعدها من العلماء من اعتبرها من الآيات التي بها يرتفع الحرج عن أمة محمد ﵊، ووجه ذلك: أن الرجل يرى من امرأته ما لا يرى منها غيره، ويدخل عليها بدون إذن لا كغيره الذي يحتاج إلى إذن، فقد يدخل فيرى امرأته على حال تكره -أي: يرى معها رجلاً- فإذا ذهب يأتي بالشهود قضى الرجل حاجته وانصرف، وإن سكت سكت على غيظه، وإن قتله قتل به، فجاءت آيات ترفع الحرج عن أمة محمد ﵊ في شأن الزوج مع زوجته، وهذه أيضاً إحدى الاستثناءات من الآية العامة التي تقدمت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] ، فقد استثني منها: الزوج مع زوجته. ولكن إذا رمت المرأة زوجها بالزنا، فالراجح أنها لا تلاعنه، إذ من أسباب الملاعنة: نفي الولد، وهذا شيء لا يتعلق بالمرأة بل تأتي بالشهود أو يقام عليها الحد. قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] أي: يقذفون نساءهم بالزنا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦] .

стр. 668

حكم شهادة النساء في الحدود قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] . هل يجزئ في شهادات الحدود ثمانية نساء مكان الأربعة رجال؟ الجمهور من العلماء قالوا: إن ثمانية نساء لا يقمن مقام أربعة رجال في الحدود، وإن قامت المرأتان مقام الرجل في شهادات الأموال، فقيل لهم: لماذا هذا التقرير والتقعيد؟ قالوا: لأن النبي ﷺ أمر بأن تدرأ الحدود بالشبهات، وقد قال سبحانه في شأن النساء: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فلما كان هناك وجه ضلال من المرأة -أي: ذهاب عن الصواب- كان هذا شبهة لدفع الحد، فمن ثمّ قرر الجمهور من العلماء أن شهادات النساء في الحدود غير مقبولة على الإطلاق، ومن أهل العلم -كـ عطاء بن أبي رباح تلميذ عبد الله بن عباس - يرى إمضاء شهادات النساء في كل شيء: في الأنكحة، والطلاق، والحدود، والأموال. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] تقدم أن الرمي بأحد شيئين: إما أن يرميها بالزنا، أو يرميها باللواط، أو يصرح صراحة بنفي الولد، فهذا يقوم مقام الرمي، أما إذا عرض بنفي الولد فالتعريض على ما تقدم لا يقوم به حد القذف؛ لحديث الأعرابي الذي جاء إلى الرسول ﷺ وقال: (إن امرأتي وضعت غلاماً أسوداً يا رسول الله) الحديث. قال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦-٧] ، وقد تقدم التفصيل في تفسير اللعن بما حاصله: أن اللعن هو: الطرد من رحمة الله، وليس معنى ذلك أن المقسم كذباً والملاعن كاذباً يخلد في النار، فمن أصول أهل السنة والجماعة أنه مرتكب لكبيرة، والكبيرة قد يغفرها الله له، فقد قال ﵊ في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين بعد أن ذكر البيعة على عدم الشرك والزنا. إلى آخر الأمور التي ذكرها: (فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وقال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت:٢١] ، فكل هذه الأصول تفيد أنه قد يغفر الله لهذا الشخص، وإن لم يغفر له فيجري عليه ما يجري على أهل التوحيد، من أنه يعذب إذا لم يغفر له لذنبه الذي ارتكب وبعد ذلك يكون مآله إلى الجنة لحديث: (أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله. الحديث) .

стр. 669

الفرق بين الشهادة واليمين من العلماء من قال: الملاعنة شهادة؛ لأن الله سماها شهادة، فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦] ، ومن العلماء من قال: إنها يمين وهم الأكثر. وهناك فرق بين الشهادة واليمين، فالشهادة تتطلب العدالة، أما اليمين فلا تتطلب العدالة، فإن اليمين قد تطلب من يهودي كافر. قال الرسول الله ﷺ للأنصاري في حديث القسامة المشهور: (أترضون بأيمان خمسين من يهود؟ قالوا: إنهم يهود يا رسول الله. فقال: مالكم إلا ذلك) أو كما قال النبي ﷺ ﵊، أما الشهادة فتستلزم العدالة؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فإن قال قائل: قد سماها الله شهادة لقوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور:٦] ، فالإجابة: أن الشهادة تطلق على اليمين في بعض الأحيان. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦] والآية مصدرة (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ * فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ * ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:١٠٦-١٠٨] . فأطلق على الشهادة يميناً، ثم إن قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٦] ، يفيد أن اليمين يكون بالله. أما أقوى وجه لترجيح أن المراد بالشهادة اليمين فهو سبب النزول؛ لأن الرسول ﷺ أمرها أن تقسم أربعة أيمان بالله، فدل ذلك على أن المراد بالشهادة اليمين وليس المراد بها الشهادة التي هي كالشهادات على الطلاق ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٦] ، الآية استلزمت خمسة شهود هنا، فالشهادات تختلف من شيء إلى شيء آخر والشهود كذلك، فمثلاً: الشهود على الأموال يتطلب شاهدين أو شاهداً ويمينه، أو رجلاً وامرأتين. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، إلى أن قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، في شهادات الأموال إما رجلان أو رجل وامرأتان، والجمهور إذا لم يكن هناك إلا رجلاً واحد فتكفي معه يمينه؛ لأن النبي ﵊ قضى بالشاهد مع اليمين. شهادات الإرضاع: من العلماء من قال: يكفي فيها واحد لما أخرجه البخاري وفيه: (أن امرأة سوداء جاءت إلى رجل وقالت: إني أرضعتكما -أي: هو وزوجته- فقال النبي: كيف وقد قيل!) وفي الحدود لا بد أن يكون فيها أربعة شهود.

стр. 670

سبب نزول قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم .) للآية سببان للنزول والمعنى المستخلص منهما واحد. السبب الأول: ما ورد من حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ ، لما قرأ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] ، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! -وكان النبي ﵊ قد تلا هذه الآية في مجلس فيه مهاجرون وأنصار- لو وجدت رجلاً مع امرأتي أأتركه ولا أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله -يا رسول الله- لا آتي بأربعة شهداء إلا ويكون قد قضى حاجته منها ثم انصرف) . وفي الرواية الأخرى: (قال سعد: يا رسول الله! لو وجدت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح -يعني: ليس بعرض السيف إنما بحد السيف- فقال النبي ﷺ للأنصار: انظروا ماذا يقول سيدكم! -أي: سعد بن عبادة فهو سيد الخزرج- فقالوا: لا تؤاخذه يا رسول الله، إنه رجل شديد الغيرة على النساء، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً -أي: لا يرضى أن يتزوج امرأة قد تزوجها رجل قبله- وما طلق امرأة قط وتزوجها أحد منا من شدة غيرته) ، فحاصل كلام سعد ﵁: والله -يا رسول الله- ما رددت أمر الله قط، ولكني نظرت إذا رجعت إلى بيتي فوجدت رجلاً مع امرأتي أأتركه وأذهب ألتمس الشهود؟ فسكت الرسول ﵊، فبينما هم على هذه الحال إذ جاء رجل من الأنصار مشهود له بالصدق والخير، شهد بدراً مع رسول الله ﵊ وتخلف عن غزوة تبوك بلا عذر، فلما رجع الرسول ﷺ ودخل الناس عليه يلتمسون المعاذير لتخلفهم دخل هو وقال: (تخلفت بلا عذر يا رسول الله) فمنع الناس من الكلام معه ومع صاحبيه مرارة بن الربيع وكعب بن مالك إلى أن نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨] . الشاهد: أن هذا الرجل كان من المشهود لهم بالصدق والخير، وهو هلال بن أمية حيث دخل المجلس، فقال: (يا رسول الله! إني كنت في عملي فرجعت من عملي فرأيت رجلاً مع امرأتي، فرأيت بعيني -يا رسول الله- وسمعت بأذني -أي: رأى الفاحشة الكبرى- فلم أهيجه ولم أحركه فجئت إليك تقضي بما أراك الله. فقال الأنصار: ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، ابتلينا بما قال سعد بن عبادة. فقال النبي ﵊: هات البينة -أي: الشهود-، قال: ليس عندي بينة يا رسول الله. قال: البينة أو حد في ظهرك) . فحاصل كلامه: أنني لو كنت في الجاهلية ورأيت هذا المنظر لقتلتهما معاً ولكني صبرت ونقلت إليك الخبر، والرسول ﷺ لا يجيب إذ هو مطبق لأمر الله لا يزيد على قول: البينة أو حد في ظهرك. هلال من ثقته بالله ومعرفته بالله يقسم بالله أن الله سيبرئ ظهره، والأنصار رأوا هلال بن أمية وقد أخذ كي يجلد، فبكوا من أجله، فقالوا: الآن يجلد هلال بن أمية ثمانين جلدة وتسقط شهادته في الناس ويعد من الفاسقين. وهلال ثابت واثق بربه يقسم أن الله سيبرئه، فأخذ هلال كي يجلد فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦-٧] وهذه القصة وقعت لـ عويمر العجلاني، فقد جاء وقال: (يا عاصم! سل لي رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً، إن سكت سكت على غيظ! وإن تكلم حددتموه -أي: أقمتم عليه الحد- وإن قتله قتلتموه! سل لي يا عاصم رسول الله عن ذلك، فذهب عاصم يسأل رسول الله ﷺ ، فَكَرِهَ النبي ﷺ المسائل وعابها، فذهب عويمر إلى عاصم: فقال ماذا صنعت يا عاصم؟ قال: ما جئتني بخير، لقد كره النبي ﷺ المسائل وعابها، فقال: والله يا عاصم لا أبرح حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فذهب وسأله فنزلت الآيات) . ونرجع إلى قصة هلال، فإن النبي ﷺ عند نزول هذه الآيات قال: (أبشر يا هلال! فقد أنزل الله ما يبرئ به ظهرك، ثم قال الرسول ﷺ : ائتوني بالمرأة. فجيء بها، فقال النبي ﷺ لهما: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب؟ فكلاهما أنكر، فبدأ بالرجل فقال له: أقسم أربعة أيمان بالله إنك من الصادقين، فأقسم أربعة أيمان بالله أنه من الصادقين، واستوقفوه عند الخامسة وقالوا له: يا هلال! ويحك عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وهذه هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فأقسم هلال أربعة أيمان بالله أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فاتجهوا إلى المرأة بعد ذلك وقالوا: أقسمي أربعة أيمان أنه لمن الكاذبين، فأقسمت أربعة أيمان بالله إنه من الكاذبين، فقبل الخامسة استوقفوها وقالوا لها: اتقي الله، هذه هي الموجبة التي توجب عليك غضب الله، وأمر النبي ﷺ رجلاً فوضع يده على فيها حتى لا تسرع باليمين، فتلكأت ساعة وترددت هل تفضح قومها أم أن تقبل العذاب؟ ثم أقسمت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) فيعلم من القرائن أنها فعلت لكن ليس لرسول الله ﵊ -مع أنه يعلم صدق صاحبه هلال، ومع أن قرينة الحال يدل على أنها زنت- أن يتقدم بين يدي ربه، بل يمضي أحكام الله كما أمره، فبعد الخامسة فرق النبي ﷺ بينهما، وهذا التفريق -تفريق الملاعنة- تفريق أبدي لا رجعة بعده أبداً عند جماهير المسلمين؛ لأنه لا يجتمع ملعون مع بريئة، ولا تجتمع مغضوب عليها مع بريء، فالتفريق بينهما أبدي. قال رسول الله ﷺ : (فرقوا بينهما، وإن جاءت به خدلج الساقين نحيفاً سميناً -وكان هلال قد رماها برجل يقال له: شريك بن سحماء - فلا أراه إلا قد صدق عليها وقد كذبت، وإن جاءت به نحيفاً أو رفيع الساقين فلا أرى إلا أن هلالاً قد كذب وقد صدقت) وهذا مجرد رؤيا فقط، فجاءت به على نعت شريك بن سحماء، كما أن الغراب يشبه الغراب بالضبط، فقال ﵊ -في بعض الروايات: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) فألحق الولد بالمرأة. وآيات الملاعنة لم ترد إلا في هذه السورة الكريمة، وفي هذا الموطن الكريم، إلا أن هناك آية المباهلة ولكنها ليست بين الزوجين فقط، بل على العموم، وهي في سورة آل عمران.

стр. 671

تفسير قوله تعالى: (ويدرأ عنها العذاب .) ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٨] أي: يدفع عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٨-٩] . فإن قال قائل: لماذا خص الرجل باللعنة في قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧] ؟ وخصت المرأة بالغضب في قوله تعالى: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ؟ من العلماء من قال: لأن المرأة متأكدة من نفسها أكثر من تأكد الرجل منها، فإنها إن أقسمت ستقسم على علم أدق، فإذا أقسمت على يمين كاذبة تكون قد حادت عن الحق على علم، كاليهود الذين حادوا عن الحق على علم. فغضب الله عليهم، وهي كذلك تكون قد حادت عن الحق على علم فيغضب الله عليها كما غضب على اليهود، والله تعالى أعلم.

стр. 672

تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته .) يقول الله سبحانه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠] . هنا مقدر محذوف، فالمعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم ولحل بكم العنت، ولكن من فضل الله عليكم ومن رحمته عليكم ومن رحمته بكم أن أنزل آيات الملاعنة التي ذكرت حتى ترفع هذه الآيات الحرج عن الأزواج الذين يجدون رجالاً مع نسائهم ولا يمكنهم الإتيان بالشهود، فيقع في صدورهم الضيق، فلرفع الضيق والحرج نزلت آيات الملاعنة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [النور:١٠] على من تاب، فالله حكيم في تشريعه .

стр. 673

تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك .) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] . آيات الملاعنة كانت توطئة لحادث اشتهر على عهد رسول الله ﷺ وهز المسلمين كافة، وهز بيت النبوة الطاهرة، بيت رسول الله ﷺ ، وامتنع الوحي في أثناء الخوض فيه شهراً عن رسول الله ﷺ فلم ينزل عليه هذه الآيات أو هذا الحادث هو حادث الإفك.

стр. 674

حادثة الإفك نسوق حديث الإفك بنوع تصرف واختصار. فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن، والمسانيد ما حاصله: أن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه -أي: أسهم بين نسائه- فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأسهم بيننا في غزوة غزاها، فخرج سهمي فخرجت مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ غزوته وقفل راجعاً فقدت عقداً لي من جزع ظفار قد انقطع. قالت: فحبسني ابتغاؤه) . الحديث باختصار: أن أم المؤمنين عائشة رجعت مع النبي ﷺ من سفر، فنزلوا مكاناً ونزلت معهم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فجاء النبي ﷺ وأصحابه فحملوا الهودج الذي كانت فيه أم المؤمنين عائشة وظنوا أن عائشة فيه؛ لأن النساء كن خفافاً لم يثقلهن اللحم، فظن الصحابة أن عائشة رضي الله تعالى عنها في الهودج، فحملوا الهودج على الجمال وانطلقوا وكان النبي ﷺ قد وكل رجلاً من أصحابه يقال له: صفوان بن المعطل السلمي خلف الجيش لالتقاط الساقطة ولرد الضالة والشاردة، فانصرف النبي ﷺ وأصحابه وهم يظنون أن عائشة معهم، فجاءت عائشة رضي الله تعالى عنها إذ كانت تلتمس العقد الذي ضاع منها فلم تجد بالأرض داع ولا مجيب، فجلست في مكانها، فغلبتها عيناها فنامت وليس بالمكان أحد لعلهم يفتقدونها فيرجعون إلى هذا المكان فيأخذونها منه. فجاء صفوان بن المعطل السلمي رضي الله تعالى عنه، فوجد إنساناً نائماً فرأى عائشة فعرفها، وكان يعرفها قبل نزول الحجاب، قالت: (فلما رآني صفوان خمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني صفوان بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه) ، أي: قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فوطأ لها الراحلة -أي: برك لها الناقة- فركبت ﵂، وطفق صفوان يسحب الناقة إلى المدينة، فلما رآها بعض أهل السوء طعنوا فيها هذا الطعن، حيث بلغوا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين في المدينة بذلك فقال مقالته الخبيثة التي لا تصدر إلا من خبيث: والله ما نجت منه ولا نجا منها. وطفق أهل النفاق يتحدثون في هذا الحدث في مدينة النبي ﷺ ، وشاء الله أن تأتي عائشة إلى المدينة فتمرض، فمكثت في بيتها مريضة لا تعلم شيئاً عن الحادث وعن الكلام الذي يتحدث به، فنامت مريضة والنبي ﷺ تأتيه الأخبار أن عائشة فعلت كذا وكذا مع صفوان بن المعطل السلمي، واستمرت الوشايات شهراً كاملاً، ومما زاد الموقف تأزماً أن الوحي انقطع عن رسول الله ﷺ هذا الشهر، فاتخذ أهل النفاق من ذلك ذريعة لتعزيز مقالتهم، فقالوا: ولأن البيت شابته الشوائب فقد امتنع الوحي عنه، ولما كثر كلام أهل النفاق انضم إليهم أيضاً بعض المسلمين وطفقوا يطعنون في أم المؤمنين عائشة ﵂، فانضم إليهم حسان بن ثابت ﵁، وطفق يطعن في أم المؤمنين عائشة ويتهمها هذا الاتهام، ودخلت في باب الطعن في أم المؤمنين حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين، وطفق بعض الذين شهدوا بدراً مع رسول الله ﷺ يطعنون في عائشة، فقام منهم مسطح بن أثاثة وكان رجلاً شهد بدراً مع رسول الله ﷺ وطفق يطعن في أم المؤمنين عائشة، فآذى هذا الوضع النبي ﷺ غاية الأذى وآلمه غاية الألم، حتى استشار أقاربه ومن يحبهم في شأن عائشة، فاستشار علياً ﵁، فقال علي: (يا رسول الله! إن الله لم يضيق عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية التي تلازمها في البيت -وهي بريرة - تصدقك) . ثم استشار النبي ﷺ أسامة بن زيد حب النبي ﵊، فقال أسامة: (أهلك -يا رسول الله- وما علمت عليهم إلا خيراً) فاستشار النبي ﷺ : بريرة، فقال: (يا بريرة! هل رأيت من عائشة شيئاً يريبك؟ قالت: ما رأيت منها إلا خيراً يا رسول الله، إلا أنها جارية حديثة تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله) أي: أن عائشة تغفل عن العجين فتأتي الشاة فتأكل هذا العجين. فاشتد الوضع على النبي ﷺ فقام يخطب على المنبر ويقول: (من يعذرني من رجل بلغني آذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، فقال سعد بن معاذ ﵁-سيد الأوس-: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان منا قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة -وكان رجلاً صالحاً كما وصفته أم المؤمنين عائشة، ولكن احتملته حمية الجاهلية- وقال: والله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وقال لـ سعد بن عبادة: والله لنقتلنه، إنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان واشتدت الأزمة حتى كادوا أن يقتتلوا فيما بينهم، فاشتد حزن النبي ﷺ لذلك وبدأ يخفضهم ويسكنهم، ثم رجع إلى أم المؤمنين عائشة، وعائشة تقول: ولا أشعر بالشر ولا أدري ماذا يحدث في الناس إلا أنه يريبني من رسول الله ﷺ أني لا أجد منه اللطف الذي كنت أجده حين أمرض، إنما يدخل النبي ﷺ عليَّ فيسلم ويقول: كيف تيكم؟ فذاك الذي يريبني، وتقول: مر عليّ شهر كامل وأنا مريضة، ثم خرجت يوماً مع أم مسطح قبل المناصع نتبرز فعثرت أم مسطح في مرطها، فلما كان ذلك قالت أم مسطح: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هنتاه! أولم تسمعي ما قال؟ قالت عائشة: فقلت لها: وماذا قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فقلت لها: والنبي ﷺ علم ذلك القول؟ قالت: نعم، قلت لها: وأبو بكر علم هذا القول؟ قالت: نعم. قلت: وأمي علمت هذا القول؟ قالت: نعم. قالت: فازددت مرضاً على مرضي، وبقيت ثلاثة أيام لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، ثم استأذنت النبي ﷺ فقلت له: يا رسول الله! ائذن لي أن آتي أبواي. فأذن لي، فذهبت إليهما، فأخبراني بالذي قال أهل الإفك، أما أمي فقالت: يا بنيه! هوني عليك إنه لم تكن امرأة قط وضيئة عند زوج يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها -أمها تعزيها بهذا العزاء- فبينما هم على ذلك وهي مع أبيها وأمها ومع امرأة من الأنصار تزورهم، إذ جاء النبي ﷺ فسلم ثم جلس وتشهد ثم قال: يا عائشة! إني مخبرك بأمر إن كنت منه بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إن تاب تاب الله عليه، ثم أخبرها النبي ﷺ الخبر، قالت: فانقطع دمعي حتى ما أحس منه بقطرة، فقلت: يا أبي! أجب عني رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ ، فقالت أمي: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت: والله لقد رميتموني بأمر والله يعلم أني منه بريئة، وإن قلت لكم: إني بريئة لم تصدقوني، وإن قلت لكم: إني فعلت هذا الأمر صدقتموني، والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ، ثم انخرطت في البكاء وأبوها يبكي معها وأمها تبكي معها والأنصارية تبكي معهم، فكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦] . فنزل على النبي ﷺ الوحي ثم سري عنه فقال: أبشري -يا عائشة - فقد أنزل الله براءتك! ثم تلا هذه الآيات: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُم ... ) . الآيات. فقالت أمي: قومي إلى رسول الله ﷺ فاحمديه، فقلت لها: والله لا أقوم إلى رسول الله ﷺ ولا أحمده، إنما أحمد الله الذي أنزل براءتي، ونزلت آيات الإفك عشر آيات) والغرض منها ليس فقط إظهار براءة أم المؤمنين عائشة ﵂، وإن كان هذا وارد فالله يدافع عن الذين آمنوا، فكما قالت أم المؤمنين عائشة: (والله ما كنت أظن يوماً أن الله سينزل في شأني وحياً يتلى، وغاية ما كنت أريد أن يري الله نبيه ﵊ رؤيا في نومه يبرئ الله بها ساحتي) ، ولكن الله كريم يبرئ المظلومين في الدنيا والآخرة. فقد برأ الله مريم مما وصفت به بأن أنطق عيسى ﵊ في المهد، وبرأ الله موسى مما وصف به فطار الحجر بثوبه، وبرأ يوسف ﷺ مما رمي به، فشهد الشاهد من أهلها ليوسف ﷺ ، وبرأ الله تلك الجارية التي كانت تخدم عند قوم، وكانت قد انتقلت إلى الإسلام وجالست عائشة فكانت تكثر من قولها: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني قالت عائشة: (ما هذا البيت الذي

стр. 675

ما يستفاد من حادثة الإفك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور:١١] (والإفك) : معناه: الكذب، ويطلق الإفك على الصرف، قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩] ، أي: يصرف عنه من صرف، وقال تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس:٣٤] أي: تصرفون وتبعدون. و (الإفك) يطلق على الكذب، والأفّاك: الكذاب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور:١١] أي: بهذا الكذب والافتراء على أم المؤمنين عائشة وعلى الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] (عصبة) : أي: مجموعة. ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] في قوله تعالى: (منكم) دليل على أن الافتراء قد يصدر من شخص يقول: "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فها هي أم المؤمنين عائشة قد افتري عليها من قوم يشهدون "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" من قوم صحبوا النبي ﷺ وآمنوا به، بل من قوم منهم من شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ؛ فعلى ذلك: لا ينبغي أن نزكي أنفسنا هذه التزكية، فإذا حصل خلاف بين أحد الإخوة وأحد العامة فإننا نخطئ العامي مباشرة، وهذا لا يصح بل يجب أن تقف مع الحق وتتحراه. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] ممن يشهدون "أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" بألسنتهم. ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ فإن تكلم ثلاثة أو مجموعة بكلام يطعنون بهذا الكلام في عرض شخص، وإن كانوا جماعة فلا يقبل قولهم إلا بالقرائن والبينات الواضحات. ﴿عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ [النور:١١] لا تظنون أن هذا الذي حدث من التهم الباطلة والافتراءات الكاذبة، ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] ووجه الخيرية في هذه الحادثة: تعليم أمة محمد ﷺ كيف تعمل إذا اتهم شخص منها ويكمن في تأدب أمة محمد بهذه الآداب عند اتهام شخص منها، ويكمن في الدفاع عن أعراض المؤمنين، فأعراض المؤمنين لها حرمة لا تنتهك، والنبي ﵊ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) فللمسلم حرمة، واللسان يجب أن يضبط، وليس كل ما يقال ينقل. قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] فكم من أمر ظاهره الشر وهو يحمل لك -يا عبد الله- كل الخير، والله يعلم وأنت لا تعلم. قال سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩] ، فلقصر نظرك تقيس الأمور بمقياسك الخاطئ أو القاصر، أما رب العزة فيعلم وأنت لا تعلم، ألم تعلم أن موسى استنكر على الخضر قتل الغلام وكان في ذلك الخير؟!! واستنكر عليه خرق السفينة وكان في خرقها خير؟! واستنكر عليه بناء الجدار وكان في بنائه خير؟ وقد قال الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما أنقص هذا العصفور الذي نقر بمنقاره من البحر، فالله يعلم وأنت لا تعلم. وقوله: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] أي: جزاء ما اكتسب من الإثم وعقوبة ما اكتسب من الإثم، فقد أقيم على البعض حد في الدنيا، فذكر عدد من العلماء أن حسان ﵁ وحمنة ومسطح أقيم عليهم الحد، وبرأ حسان ساحة عائشة ﵂ بقوله: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تصبح غرثى. أي: جائعة؛ لأنها لم تغتب الناس ولم تأكل لحوم الناس الميتة. ومن العلماء من قال -وقد وردت بذلك رواية وينظر فيها- أن صفوان بن المعطل لما بلغه ذلك وأنه اتهم هذه التهمة قال: (والله ما كشفت كنف أنثى قط) ، وذهب إلى حسان فعلاه بالسيف على رأسه فشجه وقال: تلقَّ ذباب السيف عني فإنني غلام إذا ما هجيت لست بشاعر وكبر حسان وعمي فكانت عائشة ﵂ تثني عليه، فقال لها عروة: يا أم المؤمنين! أليس قد قال ما قال وخاض مع من خاض في حديث الإفك؟ قالت: (يا ابن أختي! إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ ، فلم يمنعها قول حسان من أن تثني على حسان بالذي تعلم فيه من الخير. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم والمسلمة أهل إنصاف، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] وقال لها عروة: أليس قد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] ، وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] . قالت: يا ابن أختي! أليس قد عمي، تعني: أن من العذاب العمى الذي أصيب به ﵂، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] أي: جزاء وعقوبة ما اكتسب من الإثم ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور:١١] ، أي: الزعيم الأكبر الذي تولى نشر هذا الإفك والكذب واستوشاه وكان يجمعه ويبثه في الناس يسمع من هذا ويسمع من هذا، ويلفق الأكاذيب وينشرها، ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ [النور:١١] وهو عبد الله بن أبي بن سلول له عذاب عظيم فكل بحسبه. ثم قال تعالى معلماً إيانا ماذا نصنع إذا اتهم أحد إخواننا في عرضه، فكلنا عرضة لمثل هذا من السفهاء، فقد لا يتورع سفيه أن يأتي ويقذفك بامرأة من النساء، وقد لا يتورع سفيه أن يأتي إلى امرأة من النساء ويقذفها برجل، فماذا يجب علينا في مثل هذه الأحوال؟ هل تكون أعراضنا ملعوبة في أيدي الفسقة؟ لا. فلنا دين ولنا آداب نتأدب بها في مثل هذه الأحوال: أولها: قوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور:١٢] أي: هلا إذ سمعتموه ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] ، ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم، أي: بإخوانهم. كقوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: ولا تلمزوا إخوانكم. ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] ، أي: ليقتل بعضهم بعضاً. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: فليسلم بعضكم على بعض. إذاً: أول أمر يطلب إذا اتهم مسلم بشيء ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ﴾ [النور:١٢] أي: بإخوانهم ﴿خَيْرًا﴾ [النور:١٢] فالمؤمنون كالجسد الواحد ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] يعني: إذا خبر في أخيك الذي يصلي بجوارك في المسجد بأنه قد زنى أو فلانة من اللواتي يحضرن الدروس معكم قد فعلت الفاحشة، فلأول وهلة عليك أن تظن بأخيك الخير، وتقول: هذا كذب عليه وافتراء، فهو رجل مصلٍّ، وتلك أخت تخاف الله فلا يصدر منها ذلك، هذا الظن الحسن لا بد أن يتوفر. ولذلك فإن عمر ﵁ جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إن فلانة العابدة بالمدينة قد زنت. فقال عمر: (أظنها قامت تصلي من الليل فسجدت فتجشمها رجل، أو فنامت في صلاتها في الليل من طول القيام فوسد عليها فاسق من الفساق فزنى بها) . فدافع عنها في أول وهلة، فأرسل عمر إليها فجاءت فسألها عن الذي حدث فحكت نفس مقالة عمر بالضبط، فلأول وهلة ينبغي أن تظن بإخوانك الخير، وورد في إسناد ينظر فيه أن أبا أيوب الأنصاري كان يقول لزوجته: (أنتِ خير أم عائشة؟ فتقول له: عائشة خير مني، وتسأله هي: أنت خير أم صفوان؟ فيقول: صفوان خير مني، فتقول لزوجها ويقول لزوجته، إذا كان صفوان خير مني وعائشة خير منك وأنا وأنتي لا نقبل أن نزني، فمن باب أولى: أن الأفضل منا لا يقبلان على أنفسهما الزنا) . وفقنا الله لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 676

تفسير سورة النور [١٢-٣٠] انتهاك عرض المسلم حرام، والواجب حسن الظن بالمسلم، وإن وقع مسلم في زلة فيجب ستره، ولا يجوز إشاعة زلته، وهذا من اتباع خطوات الشيطان، ومن تُكلِّم في عرضه بغير حق فصبر فله العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة. والقرآن يهدي للتي هي أقوم، ولم يفرط الله فيه من شيء، حتى إنه بين لنا فيه أحكام الاستئذان وآداب الدخول إلى البيوت.

стр. 677

حسن الظن بالمسلمين باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد ورد بإسناد ينظر فيه: أن أبا أيوب الأنصاري كان يقول لزوجته: أنت خير أم عائشة؟ فتقول له: عائشة خيرٌ مني، وتسأله هي: أنت خير أم صفوان؟ فيقول: صفوان خير مني. فتقول لزوجها ويقول لزوجته: إذا كان صفوان خيراً مني، وعائشة خيراً منك، وأنا وأنتِ لا نقبل أن نزني، فمن باب أولى أنهما لا يقبلان الزنا، لأنهما أفضل منا. فالواجب عليك أن تظن بإخوانك الخير، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، أي: الظن السيئ، أما الظن الخيري فمطلوب في أول وهلة إذا اتُهم أخوك بالزنا. قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ﴾ [النور:١٢] أي: كذب واضح ظاهر. قد تتشابك الأمور لكثرة الناقلين، فلان يأتي وينقل لي، وفلان يأتي وينقل لي، وفلان يأتي وينقل لي، فتكثر المقالات حتى أكاد أُغلب وأصدق بالطعن الذي طعن به أخي، فماذا عليّ إذا غلبت في هذه الحالة؟ قال تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] ، فيا أيها المدعي لهذه التهمة! ائت بأربعة شهود يشهدون لك بأنك صادق وقد تقدم حكم القذف فيما سبق من الآيات التي هي كالتوطئة لحديث الإفك، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] . قال تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] ، وهذه الخطوة الثانية مع الظن الحسن، فإذا جاء من يتهم إخواني في أعراضهم فإني أوقفه، وأقول له: ائت على ما تقول بأربعة شهود، وإذا لم تأت بهم فأنت فاسق، وشهادتك ساقطة، وحكمك أن تجلد ثمانين جلدة. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤] أي: فيما تقولتم به بألسنتكم (عذاب عظيم) ، ولكن رحمة الله سبحانه بكم رفعت عنكم هذا العذاب وإلا فأنتم تستحقونه بخوضكم بألسنتكم في أعراض إخوانكم، أنتم تستحقون العذاب العظيم لما تخوضون في أعراض المؤمنين وأعراض المؤمنات، ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤] فليس كل كلام يتكلم به. ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور:١٥] كل يأخذ المقالة بلسانه وينقلها ولا يتثبت ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] وليس الأمر كما زعمتم، أخرج البخاري حديثاً -وإن انتقده البعض- وهو: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً) ، فليس كل حديث يتحدث به. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور:١٥] أي: تحسبون الخوض في أعراض المسلمين والمسلمات أمراً هيناً سهلاً، وهو عند الله عظيم! ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:١٦] أي: ليس لنا وما ينبغي لنا ولا يليق بنا أن نتحدث بهذا الحديث في عرض نبينا محمد ﷺ وعرض الصديقة بنت الصديق. ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:١٦] أي: ما ينبغي لنا هذا الحديث، كيف تسوّل لنا أنفسنا أن نخوض في أهل رسول الله؟ كيف تسول لنا أنفسنا أن نخوض في عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂؟ ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزهت -يا ربنا- عن أن يدنس بيت نبيك محمد ﷺ ، ونزهت زوجة نبينا محمد عن الزنا، يا ربنا! سبحانك، وهذه اللفظة محمولة على التعجب. ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي: افتراء، فالبهتان: أن تذكر أخاك بما يكره وليس فيه. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ [النور:١٧] ، يحذركم الله ويذكركم الله، ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ [النور:١٧] لا مع عائشة ولا مع غير عائشة، ﴿إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٨] .

стр. 678

عقوبة الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور:١٩] ، أي: يحبون أن تنتشر الفاحشة في الذين آمنوا. فبمجرد حبك الفضيحة لإخوانك ينالك العذاب، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] ، فلا تفرح إذا زلت قدم أخيك المسلم، ولا تنشر الفضيحة لقريبك ولا لزوجك، لا تتشف بسقطة سقطها أخوك المسلم، وتمزق عرضه بهذه السقطة، وتتشفى فيه من طرفٍ خفي أو جلي. فالذي يحب لإخوانه الفضيحة له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وانظر في نفسك -يا عبد الله- فأنت تعلم حال نفسك التي بين جنبيك، هل إذا حدثت زلة لمسلم من المسلمين تفرح بها وتذهب تنشرها، أم أنك تستغفر الله لصاحبها وتستر عليه؟ إذا كنت تستغفر الله له وتستر عليه؛ فاعلم أنك على خير، وإذا كنت تنشر الرذيلة وتفرح بها؛ فاعلم أن إيمانك ضعيف، وأن في قلبك مرضاً، وأنك تجلب لنفسك النكد والعذاب من الله . فانظر إلى قلبك وعالجه، فأنت طبيب قلبك بعد الله ، فاستغفر الله إذا وجدت هذا الخلق الدنيء السخيف في قلبك، إذا وجدت أن الفرح بمصائب المسلمين وفضائح المسلمين والمسلمات يتسرب إلى قلبك، فاستغفر الله، فإن في قلبك مرضاً، وفي قلبك غِلاً، فاستغفر الله منه. أما إذا وجدت في قلبك شفقة على المسلم الذي سقط، أو على المسلمة التي فعلت شيئاً محرماً، وسترت السقطة، ولم تتحدث بها، فاعلم أن مآلك إلى خير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور:١٩] أي: أن تنتشر الفاحشة ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] أي: عذاب قبل الآخرة عذاب يطاردهم في الدنيا، ثم في الآخرة، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] . فهذه الآية تحذّر أشد التحذير من إشاعة الفاحشة في المؤمنين أي: من نشر الفاحشة في المؤمنين، وفي معناها قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ، فالكلام السيئ والأفعال السيئة ينبغي أن تكتم، ولا تنشر في الناس، ومن ثم فصفحة الحوادث التي في الجرائد، ليس لها مستند شرعي، إذ هي تنشر الفاحشة في الذين آمنوا، وتنشر جرائم شخصٍ وتسميه، وقد يتوب هذا الشخص من هذا الذنب، وتبقى وصمة عارٍ في جبهته طيلة حياته، وقد تكون سبباً في الحيلولة بينه وبين التوبة والرجوع إلى الله . فأفادت الآية الكريمة: أن الذي يحب للمؤمنين أن يفتضحوا ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] . ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠] ، هذه الآية خاتمة عشر آيات نزلت في حديث الإفك، وقد تقدم ذكره على مسامعكم باختصار.

стр. 679

من فوائد حديث الإفك ومن الفوائد التي تؤخذ من هذا الحديث: أنه يجب على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المؤمنين، لقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] . ويؤخذ من الحادثة: الإنصاف، إنصاف عائشة ﵁ مع من هجاها ورماها، فمع أن حسان بن ثابت ﵁ قد رماها بالفاحشة، لكن لم يمنعها هذا من أن تُقر له بالفضل الذي له، إذ قد نافح عن النبي ﷺ ، وكان يدافع عن رسول الله ﵊، ويقول لمن هجا رسول الله ﷺ : أتهجوه ولست له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداء فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء فـ عائشة ﵁ لم تنس له هذه المنقبة، وهذا من شدة إنصافها ﵂. كذلك أم المؤمنين زينب بنت جحش لم تحملها الغيرة -وهي ضرّة لـ عائشة - على أن تتكلم في عائشة بغير الحق الذي تعلمه، فقالت: أحمي سمعي وبصري يا رسول الله! أهلك وما علمت فيها إلا خيراً! ويؤخذ من الحادثة أيضاً بعض الأحكام الفقهية التي سيقت في حديث الإفك، كالتأدب مع النساء، والسير أمام النساء، وترك السير خلفهن، فإن صفوان بن المعطل السلمي ﵁ لما وجد عائشة استرجع وأناخ الناقة ثم ركبت عائشة، وسحب الناقة ومشى أمامها، ولم يمش خلفها رضي الله تعالى عنه. فيؤخذ من هذا التأدب في المسير مع النساء، وفي الحديث مع النساء، ونحو ذلك ما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في حديث الفتون الطويل في قصة موسى ﵊ مع ابنة الشيخ الصالح التي جاءت تدعوه قائلةً: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥] ، ففي الأثر أن موسى ﵊ مشى أمامها، ومشت خلفه رضي الله تعالى عنها، فيؤخذ من هذا التأدب في الحديث وفي المسير مع النساء، ولا يكثر الشخص من الكلام معهن إلا عند الحاجة إلى الكلام، فإن عائشة قالت: والله! ما سمعت من صفوان كلمةً غير استرجاعه، أي: قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهي الكلمة الوحيدة التي سمعتها أم المؤمنين عائشة من صفوان بن المعطل السلمي. فيؤخذ منه التأدب في الحديث مع النساء وعدم الإكثار من الكلام معهن، إذا لم تدع الحاجة إلى ذلك؛ وذلك لأنه قد يصدر من المرأة كلمة يفتن بها الرجل، أو يسوّل لها الشيطان فتخضع بالقول فيطمع فيها الذي في قلبه مرض، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] ، وهذا من باب سد الذرائع الموصلة إلى الفساد، فإن النبي ﵊ قال: (ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء) . ويؤخذ من حديث الإفك: مشروعية سفر النساء مع أزواجهن، ولذلك مباحث واسعة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ﴾ [النور:١٩] أي: تنتشر، ﴿الْفَاحِشَةُ﴾ [النور:١٩] أي: الكبيرة، والفاحشة تطلق على الزنا، وتطلق على كل ما يفحش من الأقوال والأفعال، لكن في أكثر المواطن يراد بها الزنا، فمثلاً قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، الفواحش هنا أعم من الزنا. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] هذه الآية فيها دليلٌ على أن من أعمال القلوب ما يؤاخذ عليه العبد، وقد تقدم تفصيل القول في ذلك، فللقلوب أعمال لا يؤاخذ عليها العبد، وهي الخطرات والوساوس التي تخطر على القلب وتمر به، لقول النبي ﵊: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل) . لكن الأمور التي يجتمع عليها القلب، ويعقد العزم على فعلها، يحاسب عليها العبد، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] ، فلما عقد القلب العزم على فعلها أصبحت كسباً له فيؤاخذ عليها العبد، ولذلك يؤاخذ العبد ويحاسب على الحسد، وهو من أعمال القلب، ويحاسب العبد على حب شيوع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا الحب من أعمال القلب. ويثاب العبد على حب الرسول ﷺ ، والحب من أعمال القلب، ويثاب العبد على حب المؤمنين، وهو من أعمال القلب، ويثاب العبد على تمنيه فعل الخير كما قال النبي ﵊: (إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شاركوكم في الأجر حبسهم العذر) ، فكُتِبَ لهم أجر لحبهم الخروج مع رسول الله والجهاد مع رسول الله ﷺ ، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩١-٩٢] الآيات.

стр. 680

التحذير من اتباع خطوات الشيطان قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:٢١] ، يا: حرف نداء، وأيّ: منادى، والهاء للتنبيه. (الذين آمنوا) ، أي: آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وصدقوا وعد الله، وصدقوا بلا إله إلا الله، وصدقوا بالبعث وأيقنوا به. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] أي: طرق الشيطان ومسالك الشيطان، فطرق الشيطان أطلق عليها خطواته، فهي الطرق التي يرشد الشيطان إلى فعلها، وكلها طرق وخطوات توصل إلى النار والعياذ بالله، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ ، وقد جاء التحذير من اتباع خطوات الشيطان وأوامره في آيات في غاية الكثرة، قال تعالى محذراً من اتباع الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] ، وقال تعالى محذراً إيانا منه: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:٦٢] أي: خلقاً كثيراً، ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢] ، وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨] . فجاءت آيات في غاية الكثرة تحذر من اتباع الشيطان واتباع خطواته، ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١] أي: فليعلم الذي يتبع خطوات الشيطان، أنه يأمر أي: يحث ويحض (بالفحشاء والمنكر) والفحشاء: كل ما فحش، والمنكر: كل ما استنكر. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١] أي: ما طهر وما صلح منكم من أحدٍ أبداً، فأفادت الآية الكريمة: أن الصالح من أصلحه الله، وأن المهتدي من هداه الله، فإذا علم العبد ذلك ازداد تواضعاً لله سبحانه، فإذا علمت أن الذي هداك هو الله لم تستطل على الخلق، فهو سبحانه قادرٌ على إضلالك، وقادرٌ على إصلاح الآخرين، فليكن العبد متواضعاً لله، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] يا مؤمنون ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] ، فالذي كره الكفر والفسوق إليكم هو الله، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧-٨] ، أن منّ الله عليك بالإيمان ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٨] . قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا﴾ [النور:٢١] أي: ما صلح وما تطهر من الذنوب، فالتزكي يطلق أحياناً على التطهر، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، وفي الآية ردٌ على القدرية نفاة القدر، الذين يقولون: إن الإنسان يختار لنفسه ما شاء، ولا تدخل للرب في ذلك! إنما الرب كالطبيب الناصح! وهذا القول خطأ، تقدم التنبيه على خطئه مراراً، فالله هو الذي يزكي وهو الذي يهدي، ولو كان الأمر كما قالوا، ما قلنا في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] . فلماذا نطلب الهداية إذا كان أمر الهداية بأيدينا؟! فدل هذا على بطلان قيلهم، وبطلان معتقدهم في هذا الباب، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] ، فالله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والأمر في هذا كله لله، لا تقل: لماذا هدى الله فلاناً؟ ولماذا أغوى الله فلانا؟! فالله أعلم بالعباد، وأعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، وبمن يستحق الإغواء فيغويه، والعياذ بالله. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١] سميع للأقوال والحركات والسكنات، عليمٌ بالنيات، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.

стр. 681

تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة .) ثم قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ [النور:٢٢] أي: ولا يحلف، فالإيلاء هو الحلف، قال الشاعر: قليل الألايا حافظٌ ليمينه -أي: قليل الأيمان حافظٌ ليمينه- وإن صدرت منه الألية ضرت أي: إن صدرت منه يمينٌ ضر بيمينه، وقال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦] أي: للذين يحلفون ألا يقربوا نسائهم مدة طويلة، ليس لهم إلا أن يتربصوا أربعة أشهر ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦-٢٢٧] . ومعنى هذه الآية: أن الشخص إذا قال: أقسم بالله ألا أقرب زوجتي سنةً، نقول له: قف، ليس لك ذلك، إنما لك أربعة أشهر كحدٍ أقصى، فإن رجعت في خلال أربعة أشهر وجامعت أهلك فحيهلا، وإن لم تفعل توقف عند نهاية الأربعة أشهر وتجبر إما على الرجعة إلى زوجتك والجماع، وإما على الطلاق رغماً عنك، ومن أهل العلم من قال: يوقف المؤلي -يعني: الذي حلف- عند الأربعة الأشهر وإذا مرت الأربعة أشهرٍ ولم يرجع عدت طلقة عليه شاء أم أبى، هذان قولان لأهل العلم، ومحل بسطهما في كتب الفقه، فمادة (آلى) يعني: حلف، مثل حديث: (آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهراً) ، أي: حلف ألا يدخل على نسائه شهراً. فقال تعالى: (وَلا يَأْتَلِ) أي: ولا يحلف ﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾ [النور:٢٢] أي: أصحاب الفضل منكم يا مؤمنون! ﴿وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢] أي: أصحاب السعة، الذين وسع الله عليهم بالمال، والمعنى: لا يقسم الفضلاء ولا يقسم الأغنياء، لا يقسم أهل الغنى والفضل ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور:٢٢] . وهذه الآية الكريمة نزلت في الصديق أبي بكر، فقد كان أبو بكر ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان مسطح قريباً لـ أبي بكر الصديق، وكان ممن شهد بدراً مع رسول الله ﵊، ومع هذا طعن مسطح بلا علمٍ في أم المؤمنين عائشة، ووصفها بالزنا ظلماً وعدواناً. فلما برأ الله أم المؤمنين عائشة، قال أبو بكر: والله! لا أنفق على مسطح بعد اليوم، وكان معه حق، فرجلٌ محسن يحسن إلى شخص فاللائق بالشخص على أقل تقدير أن يجازيه بجزاك الله خيراً، ولا يذهب يطعن في ابنته بالزنا بلا علم، فقال أبو بكر لما نزلت براءة عائشة وتبين كذب مسطح ﵁: والله! لا أنفق على مسطح بعد اليوم، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢] أي: لا تقسموا يا أهل الفضل ويا أهل الصلاح ويا أهل الغنى أن تحرموا الفقراء والمساكين. والمذنب إذا لم يعترف بذنبه، فلا وجه للعفو عنه؛ لأنك والحالة هذه تكون قد نصرته ظالماً، ونصرة الظالم لا تجوز، ولكن إذا اعترف بذنبه وأقر بخطئه، فباب التوبة مفتوح، وينبغي العفو عنه، فإن النبي ﵊ قال: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس) ، والله أعلم. ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] ، في الآية الكريمة ردٌ على الخوارج، فإن قيل ما وجهه؟ فوجهه أن الخوارج يكفرون بالكبيرة، ووجه الرد عليهم أن مسطحاً ارتكب كبيرة، وهي قذف أم المؤمنين عائشة، ولم يخرجه ذلك عن دائرة أهل الإيمان، فقد وصفه الله بقوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢] ، وهذه كلها صفات لـ مسطح بن أثاثة، فلم يخرجه الله عن عباده المؤمنين بالقذف الذي قذفه لـ عائشة. وهذا من إنصاف ديننا، فالشخص يحكم عليه بمجمل ما صدر منه، ولا يحكم عليه بزلة زلتها قدمه، إنما يحكم عليه بمجمل سيرته، فلا نأتي إلى مسطح ونطيح بكل حسناته وفضائله ومناقبه لكونه قذف، فليوضع القذف في كفة من الميزان، ولتوضع سائر الخيرات في الكفة الأخرى، ففي الكفة الأخرى هجرة مع رسول الله ﵊، وجهاد مع رسول الله يوم بدر، وليرجح إما جانب الخير أو جانب الشر، وبهذا يحكم على الناس، فالله سبحانه جعل أمة محمد ﷺ أمةً وسطاً. وهذا القول ينسحب على عموم الصحابة، وعلى عموم الناس، فمثلاً: إذا جئنا نزن معاوية، نجد أن من إنصاف أهل السنة أنهم قالوا: معاوية قاتل علياً، فأخطأ في قتاله لـ علي ﵄، لقول النبي ﵊: (تقتل عماراً الفئة الباغية) ، ولكن ينظر إلى مناقب معاوية الأخرى، فهو كاتب للوحي على عهد رسول الله ﵊، وفتح الله على يديه جملة من بلاد الكفار، ودخل في خلافته ألوف مؤلفة من الكفار إلى الإسلام، فليوزن بمجمل أفعاله، لا بفعلة واحدة، فأهل الظلم والجور يزنون الشخص بعيب واحدٍ فيه، وبزلةٍ واحدة زلتها قدمه، فيظلمون الناس: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه على شعثٍ أي الرجال المهذب؟ قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ [النور:٢٢] أي: يعطوا ﴿أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢] ، (والمساكين) هل المسكين أشد فقراً أم الفقير؟ يقول العلماء: إن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، والمعنى: إذا جاء ذكر المسكين والفقير في سياق واحد -كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] ، فللفقر معنى وللمسكنة معنى آخر، والمسكين أعلى حالاً من الفقير، فالفقير لا يكاد يجد شيئاً، أما المسكين فيجد الشيء الذي لا يكفيه، قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] فوصفوا بالمسكنة. وإذا افترقا اجتمعا، أي: إذا جاء لفظ الفقير في سياق ليس فيه ذكر المسكين، دخل في هذا اللفظ المسكين، وكذلك إذا جاء لفظ المسكين في سياق ليس فيه ذكر الفقير، دخل فيه الفقير، كهذه الآية: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ [النور:٢٢] ، فدخل في المساكين هنا الفقراء، وهذا معنى قولهم: إذا افترقا -أي: في السياق- اجتمعا أي: في المعنى. والمسكين: من أسكنته الحاجة، ومن أسكنه الفقر. قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور:٢٢] أي: وليعفوا الأغنياء وأهل الفضل، وليصفحوا. فجدير بمن آتاه الله جاهاً أو مالاً أن يتغاضى عن هفوات الفقراء والضعفاء، ولا يعدد عليه أخطاءهم حتى لا تعد عليه نعم الله، قال النبي ﷺ لـ أسماء: (تصدقي ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا تحصي فيحصي الله عليك) . (وَلْيَعْفُوا) أي: ليطمسوا على أخطاء هؤلاء، (وَلْيَصْفَحُوا) أي: يعرضوا عنها، ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] أي: إذا أحببتم أن يغفر الله لكم فاغفروا للناس، فالجزاء من جنس العمل، إذا أحببت أن يغفر لك الله فاغفر لعباد الله، إن أحببت أن يستر الله عليك فاستر على الناس، وهكذا، فالجزاء من جنس العمل. وفي هذه الآية منقبة كبرى للصديق ﵁، لأنه أقسم أن لا ينفق على مسطح، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] ، قال: والله يا ربي! إني أحب أن تغفر لي، ولن أمنع عن مسطح الصدقة بعد اليوم، وهو الذي طعن في ابنته، وهو الذي اتهم ابنته بالزنا، ومع ذلك يقسم بالله ألا يمنع عنه النفقة بعد نزول قوله تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] . وهذا امتثال شديد من أبي بكر لكتاب الله ولأوامر الله، وهكذا كان أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد كانوا مولعين بشرب الخمر، فلما نزلت الآية بتحريم شربها قاموا إلى الدنان فكسروها، وهي ممتلئة خمراً، مع حبهم الشديد لها، وكانوا يلبسون خواتيم الذهب، فلما رءوا أن النبي ﷺ نزع خاتم الذهب، نزعوا خواتيمهم، وكانوا يصلون بالنعال مع رسول الله ﵊، فنزع النبي نعله فنزعوا نعالهم، ثم بين لهم أنه إنما نزعها لعلة، وهي أن فيها أذى كما أخبره جبريل ﵇، فكان الصحابة شديدي الامتثال لرسول الله ﵊، أحدهم كان مع زوجته يجامعها فسمع داعي الجهاد: حي على الجهاد! فقام عن الزوجة مسرعاً لا يتمهل، حتى أنه لم يغتسل، بل أسرع وقاتل حتى قتل ﵁، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، رضي الله تعالى عنهم، وأسكنهم فسيح الجنان، وقاتل الله أهل التشيع البغيض الذين ينالون منهم. قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] أي: امتثلوا واعملوا بهذه الصفة، صفة الغفران والرحمة للناس.

стр. 682

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات .) ثم قال تعالى مؤدباً الذين يخوضون بألسنتهم في أعراض أهل الإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] . (الذين يرمون المحصنات) أي: العفيفات، (الغافلات) أي: اللواتي لا يشعرن بالشر ولا يشعرن بالتهمة التي اتهمن بها، كامرأة جالسة في بيتها لا تعرف شيئاً عن الشر، وإذا بشخص ماجن فاجر يرميها بالزنا، وهي غافلة عما رميت به. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ ، ومن يرمي من يرمي غير الغافلات أيضاً داخل فيها، ويدخل في الآية أيضاً الذين يرمون الرجال بالإجماع، فكل من رمى رجلاً بالزنا تنسحب عليه هذه الآية أيضاً. (لعنوا) أي: أبعدوا عن رحمة الله، وطردوا ﴿فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:٢٣] ، أصل العذاب المنع، يقال: أعذبوا نساءكم، أي: امنعوهن من الخروج. ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور:٢٤] التي طعنوا بها في المؤمنات ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤] ، فاليد تشهد، والرجل تشهد، واللسان يشهد، إذا أشرت أن امرأة زنت بيديك فكذلك الحكم ينسحب عليك، إذا مشيت برجليك تنقل الطعون في المؤمنين والمؤمنات، شهدت عليك رجلاك، وشهد عليك لسانك، وشهدت عليك يداك. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [النور:٢٥] أي: يوم القيامة ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور:٢٥] أي: جزاءهم الذي يستحقونه ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٥] .

стр. 683

تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين ... ) الآية ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] الكلمات الخبيثة لا تصدر إلا من الأشخاص الخبثاء، والخبيثون لا تخرج منهم إلا الكلمات الخبيثة، (والطيبون للطبيات) أي: لا تصدر من الطيبين إلا الكلمات الطيبة، ولا تصدر الكلمات الطيبة إلا من الطيبين. هذه الآية من العلماء من أولها على هذا التأويل وهم الجمهور، ومنهم من قال: إن هذا في الأزواج، فالرجل الصالح يحرص على الزواج بصالحة، والخبيث يحرص على الزواج بخبيثة، وكذلك الخبيثة السافلة المتبرجة تحرص على الزواج بسافلٍ مثلها، هذا في الأصل. فإن عكّر معكرٌ بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم:١١] ، فنقول إذا اخترنا التأويل الثاني: فهذا على العموم، وكل عموم له استثناءات، وقد يقع الشخص الصالح في امرأة شريرة وهو لا يدري، لقضاء قضاه الله ولأمر أراده الله. إذاً قال قائل: كيف يجمع بين قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ﴾ [التحريم:١٠] وبين قوله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور:٢٦] ؟ فالإجابة من وجهين: أحدهما: أن المراد بـ (الطيبات للطيبين) الكلمات الطيبة تصدر من الطيبين. والوجه الثاني: أن الحكم على الغالب، ولكل غالب استثناءات، والله أعلم. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦] ، مبرءون في الدنيا والآخرة، برأ الله عائشة مما رميت به في الدنيا والآخرة، وبرأ الله موسى مما رمي به في الدنيا والآخرة، وبرأ الله مريم ﵍، وبرأ الله يوسف ﷺ . ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [النور:٢٦] فكل من طُعن فيه له مغفرةٌ على الطعون التي طعن بها إن كانت كاذبة، فإذا طعن فيك وأنت بريء؛ فبسبب الطعن فيك تكفر ذنوبٌ لك سالفة، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦] ، فلينم قرير العين من طعن فيه وهو بريء، فإن رب العزة يغفر ذنوبه ويجزل له الثواب، والله أعلم.

стр. 684

تفسير آيات الاستئذان يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٧-٢٩] . قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا﴾ سبق بيانه بما حاصله: أن الياء حرف نداء، وأي: منادى، والهاء: للتنبيه. (يا أيها الذين آمنوا) قال بعض أهل العلم: إن المرادف لها في التوراة، أي: الخطاب الذي كان يخاطب به اليهود في التوراة: يا أيها المساكين! فتيمن بعض أهل العلم بذلك وقالوا: إن الله لما خاطب هذه الأمة بـ (يا أيها الذين آمنوا) كان هذا مشعراً بأن الأمن يحل عليها، وأن اليهود الذين خُوطبوا بـ (يا أيها المساكين) ، ضربت عليهم الذلة والمسكنة. وما ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) هو حديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وقد صحح إسناده بعض أهل العلم المتأخرون، ولكنهم جعلوا متن هذا الحديث لسند آخر سهواً منهم، وقد تراجع بعضهم عن ذلك.

стр. 685

الاستئذان في كل البيوت قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] ، هذا عام في كل البيوت إلا بيتك. فإذا كان لأمك بيتٌ مستقل، شرع لك أن تستأذن عليها؛ لأن الله فصل بيوت الأمهات عن بيوتك، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور:٦١] ، فإذا كان للأم بيتٌ مستقل، وجئت إليها، شرع لك أن تستأذن عليها، وإذا كانت أمك تعيش معك في البيت فالجمهور والأكثرون على أنه يستحب لك أيضاً أن تستأذن عليها، قال ابن عباس: أتحب أن تراها عريانة؟! وقال حذيفة: ما على كل أحوالها تحب أن ترى، وأبو هريرة ﵁ جاء إلى أمه فاستأذن عليها كما في قصة إسلام أمه، فقالت: على رسلك! فسمع صوت اغتسالها بالماء، وإذا لم تستأذن عليها ربما رأيت ما تكره، وقد ترى منها منظراً يسيئك، ويسيئها هي الأخرى، فيشرع الاستئذان على الأم. ويشرع الاستئذان أيضاً على الأخت، وفي الأثر أنه أتى رجلٌ إلى جابر فأمره أن يستأذن، وقال: إن لم تستأذن رأيت ما تكره! قال الله : ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ﴾ [النور:٢٧] أي: الاستئذان ﴿خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧] أي: تتعظون، فالتذكر يطلق على الاتعاظ.

стр. 686

من آداب الاستئذان هذا، ويكره للمستأذن أن يقول: أنا، إذا سئل: من أنت؟ ففي الصحيح: أن جابراً أتى إلى النبي ﷺ يستأذن عليه، فقال النبي: (من؟ قال: أنا، قال النبي ﷺ : أنا أنا!! كأنه كرهها ﵊ . فيكره أن تقول: أنا، وليست الكراهية على الإطلاق، إنما هي في باب الاستئذان، بل قل: أنا فلان. أما قول القائل: أنا فعلت كذا، فلا بأس بها، وقول بعضهم: أعوذ بالله من كلمة أنا، لا أعلم له مستنداً، إلا إذا كان على سبيل الغرور والكبر والاختيال فيذم، لكن ثبت أن النبي ﷺ قال: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ، وقال ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) . روى الخطيب البغدادي في جامعه: أن علي بن عاصم طرق على شعبة الباب، فقال شعبة: من؟ قال: أنا، قال: ليس لي صاحب اسمه أنا! حدثني محمد بن المنكدر حدثنا جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله، فذكر الحديث. والإذن إنما شرع لأجل البصر، كما قال النبي ﷺ : (إنما جعُل الإذن من أجل البصر) ، وقد ورد حديث ينظر في إسناده، أن النبي ﷺ قال: (إذا استأذن أحدكم فلا يأت الباب من قبل وجهه، إنما يأتيه من يمينه أو عن يساره) ، وهذا أدعى إلى عدم وقوع البصر على شيء يكره، والله أعلم. قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] ؛ حتى إذا كان البيت مفتوحاً يشرع لك أن تستأذن، وإذا لم يأذن لك أحدٌ، ولم يرد عليك شخصٌ، ولم تجد في الباب أحداً؛ فلا تدخل حتى يؤذن لك، فإن البيت ولو كان فارغاً ودخلته قد تكون مظنة للاتهام، وقد تحدثك نفسك بالسرقة منه، وقد تضع نفسك في مواطن الريب والشكوك، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا﴾ [النور:٢٨] . ثم سؤال آخر: إن وجدت فيه أحداً وأذن لك بالدخول، فهل تدخل؟ الأمر فيه تفصيل: إذا وجدت في البيت امرأةً بمفردها، وقالت لك: ادخل، وأنت وحدك؛ فلا يشرع لك الدخول؛ لأن النبي ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء! قال قائل: أفرأيت الحمو يا رسول الله؟! -أي: قريب الزوج- قال: الحمو الموت) . أما إذا أتيت أنت وزوجك إلى رجلٍ في بيته، فلم تجدا في البيت إلا امرأته، وأذنت لكما بالدخول، فتدخل أنت وزوجك، وتجلس زوجك معها، وأنت تنتظر داخل البيت في مكان آمن، وإذا كان مجموعة رجال، والفتنة مأمونة، والبيت به امرأة واحدة، وأذنت بالدخول برضا زوجها بذلك؛ جاز لهم الدخول، قال النبي ﷺ : (ألا لا يلجن رجلٌ على مغيبة بعد يومي هذا، إلا ومعه الرجل أو الرجلان والثلاثة) ، والنبي ﷺ دخل هو وأبو بكر وعمر بيت أبي التيهان الأنصاري ﵁ في غيابه، لما أذنت لهم المرأة، وهذا محله عند أمن الفتنة، والله لا يحب الفساد. قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨] : صاحب البيت هو سلطان بيته، وهو سيد بيته، وهو المسئول عن بيته، وهو أدرى بما فيه، وهو أحفظ لعورته، وأعلم بانشغاله من غيره، فإذا استعمل هذا اللفظ الشديد بلا مقدمات وقال لك مباشرة: ارجع، لزمك أن ترجع، من العلماء من قال: ترجع وأنت راضٍ مسلم لحكم الله سبحانه، فإن هذا هو أمر الله، أما إن رجعت وأنت متضايق متبرم، وذهبت تغتابه عند الناس، وتقول: أنا طرقت عليه الباب وقال لي: ارجع، أو لم يرد عليّ؛ فأنت مخطئ، قال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] . ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] أي: أطهر لكم، فالزكاة تطلق على التطهير، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] . ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨] ، أي: عليمٌ بقلوبكم، وعليمٌ باتجاه أبصاركم، وعليم بنياتكم. ثم قال سبحانه مرخصاً في بعض الدور: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النور:٢٩] أي: ليس عليكم إثم، وليس عليكم حرج، ﴿أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور:٢٩] ، ما هي البيوت غير المسكونة المرادة في الآية الكريمة؟ من العلماء من قال: هي السقائف التي كانت على الطرقات على عهد النبي ﷺ ، كان أهل الفضل وأهل الخير ينشئون سقائف وبيوتاً على الطرقات، فينتفع بها المسافرون للاستظلال بها وللراحة فيها، ويضعون فيها متاعهم، فمن العلماء من قال: إن المراد بالبيوت الغير مسكونة السقائف، كسقيفة بني ساعدة، التي هي سقيفة سعد بن عبادة وأسرته. ومن العلماء من قال: إنها الدكاكين التي لا يحتاج الداخل إليها إلى إذن، والنوادي التي يرتادها المرتادون ولا تحتاج إلى إذن، وبصفة عامة: هي الأماكن العامة التي لا تحتاج إلى إذن. قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور:٢٩] ، هنا تقدير أي: غير مسكونة بأحدٍ بعينه، فلا يلزم إذنٌ بالدخول إليها، ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] ، قال بعض العلماء: ليس المراد بالمتاع: الجهاز الذي يُتجهز به فقط، إنما المراد بالمتاع: كل ما يتمتع به، فقد يتمتع الشخص بالنوم مثلاً، قد يتمتع بالثياب، قد يتمتع بالمأكل، قد يتمتع بالاستظلال، والدنيا كلها متاع، فليس معنى قوله تعالى: (متاع) أي: حاجة من الأمتعة المعلومة لدى الناس، بل الأمر أعم من ذلك. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٩] .

стр. 687

معنى: الاستئناس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خطاب لأهل الإيمان الذين هم: أهل التصديق بالله، وبرسل الله، وبكتب الله، وبملائكة الله، وبالغيب، يا من هذه صفتهم! ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] سماها الله بيوتاً، ولم يسمها فللاً، إنما هي بيوت. قال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] ، ما معنى تستأنسوا؟ من العلماء من قال: إن (تستأنسوا) بمعنى: تستأذنوا، وقال ابن عباس ﵄: أخطأ النساخ! إنما هي: تستأذنوا، ودفع قول ابن عباس ﵄ جماهير أهل العلم، واستدلوا على تخطئة قوله بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، وبقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٧-١٩] ، وابن عباس نفسه فسَّر الآيات الأخيرة بقوله: إنّ علينا أن نجمعه لك في صدرك، ثم إنّ علينا أن نبينه، فاستدل بذلك وبإجماع القراء على أن الآية: (حتى تستأنسوا) كما نقله البعض، وعلى تخطئة القول بأن النساخ قد أخطئوا. على كلٍ فمن العلماء من قال: معنى (تستأنسوا) تستأذنوا، ومنهم من قال: هو الاستئذان بتنحنح ونحوه من الكلمات والهمهمات والأصوات التي بها يعرف الداخل. ومن العلماء من قال: إن الاستئناس بمعنى: الاستعلام، أي: حتى تستعلموا، أي تعلموا من فيها بدخولكم، وأخذ هذا من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء:٦] . أي: إن علمتم منهم رشداً، وقول موسى ﷺ : ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه:١٠] هو بنفس المعنى. ومن العلماء من قال: إن الاستئناس هو مقابل الاستيحاش، فالشخص يقول مثلاً: دخلت مكان كذا وكذا فاستوحشته إذا لم يجد من يأنس إليه، فهو من الأنس الذي هو ضد الاستيحاش. فهي ثلاثة أقوال: فمن العلماء من قال: إن الاستئناس هو الاستعلام، وقيل: هو الاستئذان، وقيل: هو ضد الاستيحاش. ﴿وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧] السلام هنا المراد به: سلام الاستئذان، وهو المراد أيضاً في حديث النبي ﷺ (أنه كان إذا سلم سلمّ ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً) . فالمراد بقول الراوي: (كان النبي إذا سلم سلّم ثلاثاً) ، سلام الاستئذان، وليس معناه أنه إذا التقى بشخص في الطريق يقول: السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم! إنما المراد: سلام الاستئذان، دل على ذلك حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: (أنه أتى إلى أمير المؤمنين عمر يستأذن عليه، فقال: السلام عليكم، فلم يأذن له، ثم قال: السلام عليكم أنا عبد الله بن قيس، فلم يأذن، ثم قال: السلام عليكم، فلما لم يؤذن له في الثالثة انصرف، فأرسل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه في أثره من يطلبه، فأتي به، فقال له: ما منعك أن تثبت، قال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) ، قال عمر: لتأتيني على هذا ببينة أو أوجعتك ضرباً، فرجع أبو موسى مذعوراً إلى مجلس الأنصار وفيهم أبي بن كعب وهو من سادات الأنصار، فقال: من يشهد لي أن النبي ﷺ قال: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) ، قال أبي: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا! قم يا أبا سعيد! فقام أبو سعيد فشهد عند عمر بذلك، فقال عمر ﵁: ألهاني الصفق بالأسواق! فدل ذلك على أن المراد بالسلام هنا سلام الاستئذان، ونحو ذلك الحديث الذي يحسن بمجموع طرقه، أن النبي ﷺ أتى إلى بيت سعد بن عبادة ﵁، فسلم النبي ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد بن عبادة سراً ولم يسمع النبي ﷺ ، فأعادها النبي مرة ثانية، فرد سعد سراً، فأعادها النبي ثالثة فردها سعدٌ سراً، وبنوه بجواره يقولون له: ائذن للنبي ﷺ ، فيقول: دعوه حتى يكثر علينا من السلام، فانصرف النبي ﷺ لما لم يؤذن له بعد الثالثة، فتبعه سعدٌ وقال: والله يا رسول الله! ما من مرةٍ سلمت فيها عليّ إلا رددت عليك السلام، ولكني لم أُسْمِعك حتى تكثر علينا من السلام) ، فالشاهد منه: أن السلام هنا يراد به سلام الاستئذان، وأنه يكون ثلاثاً. ومن معاني الاستئناس أيضاً: التجول بالبصر في الغرفة وفي البيت، كما في حديث عمر عندما استأذن على رسول الله ﷺ ، فلما أذن له بالدخول -كما في الصحيح- قال: أأستأنس يا رسول الله؟! فأذن له النبي بالاستئناس، فجال ببصره في الغرفة، قال: فلم أجد شيئاً يرد البصر إلا ثلاثة أهبٍ، وحفنة من شعير، وذكر الحديث، فلما كان الاستئناس بعد السلام حمل هذا بعض العلماء على أن يقولوا: إن المراد بالاستئناس الاستئذان، فالمعنى: حتى تستأذنوا وتسلموا، وقالوا: إذا قلنا: إن المراد بالاستئناس: التجول بالبصر أو الذي هو ضد الاستيحاش، كان ذلك بعد السلام ولا يكون قبل السلام، فكان سياق الآية سيكون إذا كان هذا هو المعنى: حتى تسلموا وتستأنسوا. لكن أجيب على هذا بأن الواو لا تقتضي الترتيب، إنما تقتضي مطلق التشريك، وقد أسلفنا القول في ذلك عند تأويل قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥] ، وقول العرب: جاء زيد وعمرو لا يريدون به الترتيب، بل يعنون: أن هذا جاء، وهذا جاء، وقد يكون أحدهما جاء قبل الآخر.

стр. 688

تفسير قوله تعالى: (قل للؤمنين يغضوا من أبصارهم) والأمر بالاستئذان كما قال الرسول ﷺ : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) . وبعد أن جاء الأمر بغض البصر ضمنياً في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧] ، جاء صريحاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] : (يغضوا) أي: يقصروا، من غض الطرف ومنه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] أي: اخفض من صوتك، ومنه أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٣] أي: يخفضون أصواتهم. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] أي: يخفضوا من أبصارهم، و (من) هنا اختلف في موقعها في معناها: فمن العلماء من قال: إن (من) هنا زائدة، والمعنى: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم. القول الثاني: إن من هنا للتبعيض، والمعنى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] أي: يغضوا أبصارهم أحياناً، وليس في كل الأوقات، إنما يغضونها عن المحرمات فقط؛ لأن البصر لا يغض دائماً، بل البصر يباح له النظر حيث شاء في المباح، فالرجل يباح له أن ينظر إلى أي شيء من امرأته، أما حديث: (النظر إلى فرج المرأة يورث العمى) ! فهو حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ . وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 689

تفسير سورة النور [٣٠-٣٥] لقد أمر الله في هذا المقطع من الآيات بغض البصر للرجل والمرأة، ثم بين الله المحارم الذين يجوز للمرأة أن تنظر إليهم وتختلي به وتسافر معهم، وأن ما عدا ذلك فلا يجوز لها أن تظهر زينتها أمامهم، فإنهم ليسوا بمحارم لها، وقد حث الله على سد ذرائع فساد النظر إلى الحرام والزنا بالنكاح المشروع في الكتاب والسنة المطهرة.

стр. 690

تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم .) باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد سئل النبي ﷺ عن نظر الفجاءة فقال: (اصرف بصرك) وقد ورد في الباب حديث علي وفي إسناده كلام: (يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة) وهو حديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﷺ . وقال ﵊ في معرض بيان غض البصر: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) ، ومن الجهل والقبح والعار أن ترى رجالاً ونساء عراة، أو رجالاً يسبحون في البحر عراة كما ولدتهم أمهاتهم، وفي الأنهار والترع كالبهائم والعياذ بالله. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] قد يقول قائل: إن حفظ الفرج آكد من غض البصر؛ لأن عدم حفظ الفرج كبيرة، أما إطلاق البصر ليس من الكبائر عند كثير من العلماء، لأن ابن عباس فسر اللمم بحديث أبي هريرة: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: فالعين تزني وزناها النظر) فقال: ما رأيت أشبه باللمم المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] مما قال أبو هريرة عن رسول الله ﷺ : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة ... ) الحديث، فلماذا قدم الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، مع أن حفظ الفرج أهم من غض البصر؟! صحيح أن حفظ الفرج أهم من غض البصر، لكن النظر هو الوسيلة إلى المحرم. فالفرج لا يتحرك إلا بعد نظر، وكما قال الشاعر: ومعظم النار من مستصغر الشرر فالأمر بغض البصر أمر بسد الذريعة إلى الوصول إلى المحرم، فالزنا جعل له حمى حتى لا يقع شخص فيه، فلا تدخل بيت شخص إلا إذا استأذنت، ولا تنظر إلا إلى الذي أبيح لك، وقد قدمنا أن من الحمى الذي وضع للزنا: مصافحة المرأة الأجنبية، فإنها لا يجوز، والخلوة بالمرأة الأجنبية لا تجوز، سفر المرأة بدون محرم لا يجوز، والغناء الذي يثير الكامن ويهيج على الفاحشة لا يجوز، فللزنا حمى فليبتعد عنه الشخص، ومنه غض البصر. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] فيه أن ذكر الرجل يطلق عليه الفرج خلافاً لمن كره ذلك من العلماء، فمن أهل العلم من كره أن يقال عن عورة الرجل فرج، وقال: الفرج هو ما انفرج، أي: ما فتح، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] فقال: إن الفرج مختص بالمرأة، لكن هذه الآية ترد عليه، لأن الله جل ذكره قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] . والمقصود أن يحفظوها عن الزنا، وعن اللواط، وعن الاستمناء، وعن نظر الأجانب إليها، وعن نظر من لا يحل له النظر إليها، وبالجملة عن كل ما حرمه الله عليهم، قال النبي ﵊ فيما تقدم: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل) . وقد ورد في الباب حديث محمول على الاستحباب، ألا وهو حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: (يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق -وذكر الحديث وفيه:- عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟) يعني: ما هو الشيء الذي يرى، وما الشيء الذي يترك؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: الرجل يغتسل عارياً يا رسول الله؟! قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس) فمن العلماء من قال: وإن كنت وحدك استحب لك أن تستتر ولا تباشر السماء بفرجك، ولا تكن مكشوفاً، وحمل هذا على الاستحباب لا على الإيجاب؛ لأن نبي الله موسى اغتسل عرياناً، ولأن نبي الله أيوب اغتسل عرياناً، وهذا حيث لا يراهما الناس، لكن الكلام على الاستحباب في شريعتنا، والله تعالى أعلم. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] ، هذا التعقيب بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) [النور:٣٠] لأن للأعين خائنة لا يعلمها إلا الله ، فقد تكون ماشياً مع شخص في طريق ولعينه خائنة وأنت لا تشعر بها، ولا تستطيع أن تضبطه بحال، يسارق النظر وأنت لا تشعر، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] فختمت الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] فمهما أخطأت على الناس فإن الله يعلم حالك ويطلع عليك.

стр. 691

رسول الرجل إلى الرجل هل يعد إذناً له ؟ في الباب أيضاً رسول الرجل إلى الرجل هل يعد إذناً له؟ مثاله: أنت في بيت قلت لفلان: اذهب فادع لي فلاناً من الناس، فجاء الرجل الذي أرسل إليه، هل يلزمه أن يستأذن أو يدخل مباشرة عليه؟ من العلماء من قال: يدخل مباشرة؛ لحديث: (رسول الرجل إذنه) وقد حسنه البعض من مجموع طرقه. والرأي الآخر أنهم يستأذنون، لما في الصحيح أن النبي ﷺ قال لـ أبي هريرة: (ادع لي أهل الصفة يا أبا هريرة، فذهب أبو هريرة يدعوهم، فأتوا واستأذنوا عند دخولهم على رسول الله ﷺ ، هذه وجهة القائلين بالاستئذان، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] . ومن العلماء من فصل بين طول زمن الفترة التي أرسل إليها الرسول وقصرها، قالوا: إذا كان قومٌ بالباب فقلت: ادعهم فدعاهم، لم يحتاجوا إلى الإذن، لكن إذا إرسلت إليهم فأتوا بعد خمس ساعات، فهذا يحتاج إلى استئذان، والله أعلم.

стр. 692

مسألة استئذان الصغير المميز كذلك في أبواب الاستئذان أيضاً مسألة، وهي: هل يستأذن الصغير المميز أو لا يستأذن؟ قال كثير من العلماء: إذا كان الصغير مميزاً فيستأذن؛ لأن أنساً كان خادم النبي ﷺ ولم يبلغ الحلم، ولما نزلت آية الحجاب قال أنس: (فجئت أدخل عند النبي ﷺ عليه مع زوجه زينب بنت جحش، فضرب الحجاب بيني وبينها) ، قالوا: فالصبي إذا كان مراهقاً مناهزاً للاحتلام يستأذن أيضاً. وفي الباب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨] الآية.

стр. 693

حكم من اطلع إلى بيت قوم بغير إذنهم ففي أبواب الاستئذان مسألة فقهية حاصلها: إذا اطلع شخص في بيت قوم بغير إذنهم فما حكم ذلك؟ معلوم أنه حرام، ومن العلماء من قال: إذا فقأ القوم عينه فلا جناح عليهم ولا إثم، ولا قصاص، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أيما رجل اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه، لم يكن عليهم جناح) وقال بهذا طائفة من أهل العلم. بينما ذهب آخرون إلى أن هذا الحكم على سبيل التغليظ وليس القصد منه فقأ العين على الحقيقة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦] ولقوله تعالى أيضاً: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥] قالوا: وهذا كقول الرسول ﷺ الذي روي عنه بإسناد ينظر فيه: (أن رجلاً أتى إلى النبي وكان حاد اللسان متكلماً، فقال النبي ﷺ لـ بلال: قم فاقطع لسانه) قالوا: ومعنى قول النبي: (قم فاقطع لسانه) أي: أعطه شيئاً حتى يسكت، قالوا: فليس المراد فقأ العين حقيقة، إنما المراد التغليظ في بيان العقوبة، هذا وجه قولي العلماء في هذا الباب.

стр. 694

تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) يقول الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] .

стр. 695

أولو الإربة المذكورون في الآية قال تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] في تفسيرها أقوال: أحدها: الخدم الذين ليس لهم حاجة في النساء، أو المخنثون، والتخنيث على قسمين: تخنيث جبلي: يعني: رجل في خلقته مخنث. تخنيث مكتسب: رجل يتشبه بالنساء ويتمايل كما تتمايل النساء، ويتكسر كما تتكسر النساء. فالأول وهو المخنث تخنيثاً جبلياً لا حاجة له في النساء من أصل خلقته، فتظهر له المرأة زينتها، أما المخنث تخنيثاً مكتسباً فلا تظهر له المرأة زينتها، وإن اكتشف أن المخنث تخنيثاً جبلياً يصف المرأة منعت المرأة من إبداء زينتها له أيضاً، فكان في عهد النبي ﷺ مخنث يقال له: هيت (كان يدخل على أزواج النبي ﷺ ، فقال ذات يوم لـ عبد الله بن أبي أمية: يا عبد الله! إذا فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بـ ابنة غيلان) يعني: إذا غنمتم فاحرص على أن تكون من نصيبك ابنة غيلان وهي بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي الذي كان متزوجاً بعشر نسوة، فهي إحدى بناته، (عليك بـ ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان) يصف تكسرات جسمها، فقال النبي ﷺ : (لا يدخلن هذا عليكم) فمنعه النبي ﷺ من الدخول على أزواجه، وفي بعض الروايات: (لقد غلغلت إليها النظر يا عدو الله!) فإن اكتشف أن المخنث على هذا النحو فيمنع. من العلماء من قال أيضاً: إن التابعين غير أولي الإربة أي: غير ذوي الحاجة في النساء، يدخل فيهم الشيخ الكبير الفاني الذي انقطعت حاجته في النساء، أو الرجل الأهطل الأبله الذي لا يفكر في النساء ولا يخشى منه، فهناك كم من شخص أهطل أبله لا يلتفت إلى النساء، إنما حاجته لقمة يأخذها من البيت أو نحو ذلك، فهذا أدخله أيضاً بعض العلماء في التابعين غير أولي الإربة من الرجال. فعلى ذلك للمرأة أن تبدي زينتها لمثل هؤلاء المذكورين في كتاب الله . ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ [النور:٣١] الطفل هنا اسم يطلق للمفرد ويطلق للجمع، لكن المراد به هنا الجمع بمعنى الأطفال، بدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] . والأطفال على نوعين: - طفل مميز يفهم أمور النكاح وقد تهيج به الشهوة أحياناً وإن لم يكن بالغاً. - وطفل لا يفهم شيئاً من ذلك، فالطفل الذي ظهر على عورات النساء، فيعرف عورة المرأة، ويعرف الجماع ونحو ذلك؛ فهذا لا تظهر له المرأة زينتها، كالمراهق ابن العشر السنين، أو ابن إحدى عشرة سنة، أو اثنتي عشرة سنة، أما الطفل الذي لا يميز شيئاً من هذا فتظهر له الزينة. ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: لا تضرب المرأة برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها، وكانت المرأة تلبس الخلخال، فإذا مرت برجال وضربت برجلها أحدث الخلخال صوتاً فيلتفت إليها الرجال ينظرون إلى عراقيبها وإلى ساقيها من أسفل، وهذا من حيل النساء، كان هذا في زمان رسول الله وقبل زمان رسول الله ﷺ ، والمرأة اليوم تكشف مباشرة إلى ما فوق الركبة، ولا تحتاج إلى أن تضرب بالخلخال، حتى ينظر شخص إلى موطن الخلخال. قال تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فأي شيء يدعو إلى إظهار المخفي من الزينة تنهى عنه المرأة، مثلاً إذا جاءت المرأة ورفعت بعض ثوبها لتري الناس الثوب الأسفل أو قميص اليوم مثلاً أو أي شيء من ذلك دخلت في الذنب -والعياذ بالله-، وإن تطيبت حتى يلتفت إليها الناس دخلت في الذنب، وإن وضعت على شعرها ما يلفت النظر إليها ويظهر ما قصي من زينتها دخلت في الذنب. قال تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور:٣١] أي: لا يزكي أحد منكم نفسه، فإن ابن آدم كتب عليه نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة كما قال النبي ﷺ ، فلذلك قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] فاللمم يقع فيه الجميع، ومن اللمم النظر، فجاء بعد الأمر بغض البصر أن هناك تجاوزات ستحدث، ولا يستطيع أحد أبداً أن يطبق الآية (١٠٠%) ، بل لابد أن يظهر منه خلل، فإن النبي قال في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر ... ) الحديث، فلذلك جاء التذييل في الآية بالتوبة التي تجب ما قبلها، وذلك لما يعتري التطبيق من خلل، ولا أخال أحداً قد نجا، فلابد وأن يكون صدر شيء من ذلك من الشخص، فجاء التذييل بقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] ويدخل في الخطاب المؤمنات.

стр. 696

المراد بقوله: (أونسائهن أو ما ملكت أيمانهن) ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] : من أهل العلم من قال: إن المراد بهن نساء المؤمنين، يعني: النساء المؤمنات بصفة عامة، فللمرأة أن تبدي الزينة للمؤمنات، وعلى هذا القول لا يجوز للمرأة أن تبدي زينتها لامرأة كافرة، فما بالنا المرأة تبدي زينتها لرجل كافر، تذهب ليلة الزفاف لمصور نصراني يصورها، عياذاً بالله من ذلك! . ومن العلماء من قال: إن المراد بنسائهن جنس النساء، وأيد هذا القول بأن يهودية كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها. أهل القول الأول قالوا: لا تدخل النساء الكافرات؛ لأن النساء الكافرات قد يصفن المرأة للكفار ويفشين أسرارها، فأجيب على ذلك بأن من النساء المسلمات أيضاً فاسقات قد يفشين سر المرأة للأجانب، وهذا محرم في حق الجميع، قال النبي ﷺ : (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) . قال سبحانه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] : من العلماء من قال: إن المراد الإماء المسلمات، يعني: للمرأة أن تظهر زينتها للأمة المسلمة. ومنهم من قال: ملك اليمين هنا عامة، للمرأة أن تظهر زينتها لعبدها أيضاً، واستدل بحديث النبي ﷺ في شأن فاطمة أنه كان لها خادم، وكان لها في البيت ثياب قصيرة إذا غطت رأسها بدت رجلاها، وإذا غطت رجليها بدا رأسها، فقال النبي ﷺ : (إنما هو أبوك وغلامك) ولكن ينظر في صحة هذا الحديث، فأنا بعيد عهد به، والله أعلم.

стр. 697

المحارم الذين يجوز للمرأة أن تظهر زينتها أمامهم ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] البعل يرى كل شيء من المرأة، فقد تقدم بيان بطلان حديث (نظر الرجل إلى فرج امرأته يورث العمى) فهو حديث ضعيف جداً بل حكم البعض بوضعه. قوله: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يرى الأب من ابنته كما قال كثير من أهل العلم، ما يظهر منها غالباً، كمواضع الوضوء وشعرها، ورجليها، وذراعيها ونحو ذلك، فهذا هو الذي يظهر غالباً منها، واستدل لهذا القول بحديث ابن عمر ﵄ في البخاري: (كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد النبي ﷺ جميعاً) فهذا الحديث إما أن يحمل على ما قبل الحجاب، وإما أن يحمل على المحارم، وفي الحالين يتم الاستدلال به، ولما جاء بعض محارم عائشة يسألها عن غسل النبي ﷺ فجعلت بينها وبينهم ستراً، فاغتسلت وأظهرت لهم رأسها، وصبت على رأسها الماء، هذا مستند القائلين بأن المحرم يرى ما يظهر من المرأة غالباً كما ذكر. ثم إن هناك بعض المواطن التي تمتنع المرأة فيها عن إظهار بعض أجزائها أو جسمها لمحرمها، وهذا إذا كان المحرم فاسقاً يخشى منه أن يعتدي على محرمه، فحينئذٍ تتستر المرأة منه دفعاً لشره ولفساده، والنبي ﵊ قد قال لـ سودة بنت زمعة: (واحتجبي منه يا سودة) أي: من ابن وليدة زمعة والله أعلم. قوله: ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وهو أبو الزوج، أما أن يذهب أبو الخاطب كما يفعل بعض الجهلة يريد أن يرى مخطوبة ابنه قبل العقد، ويطمئن على شكلها وجمالها فليس هذا من حقه، فليس له أن يراها إلا إذا عقد ولده عليها، أما أن يراها وليست هناك صلة محرمية بينهما فلا يجوز له ذلك. قوله: ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: المرأة مع ابنها، ويرى ابنها منها زينتها، هذا الأمر مرده إلى الأعراف السائدة وإلى الملابسات التي تحيط بكل أسرة، فليس معنى أن الابن يرى زينة أمه أنها تتبرج له تبرجاً زائداً مزرياً، فيتحرك الشيطان في نفسه بسبب هذا التبرج، فهنا تتدخل نصوص عامة لتحسم هذه المواقف كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] (لا ضرر ولا ضرار) . ((أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ)) [النور:٣١] أي: ابن الزوج من امرأة أخرى. ((أَوْ إِخْوَانِهِنَّ)) [النور:٣١] أخوها. ((أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ)) [النور:٣١] ابن أخيها أو ابن أختها. قال بعض أهل العلم: لم يذكر العم والخال لأنه قد ينعت المرأة لأبنائه، وهذا التعليل واه، والله أعلم، والصواب أن السنة قد بينت أن العم والخال له أن يرى أيضاً، وله أن يدخل أيضاً على بنت أخيه أو بنت أخته، من حديث النبي ﷺ في شأن أفلح أخي أبي العقيس لما كان عماً لـ عائشة من الرضاعة، وعائشة منعته من الدخول عليها، فقال النبي ﷺ : (إنه عمك ليلج عليك) فإذا كان العم من الرضاعة يدخل فالعم من النسب من باب أولى. المحارم المذكورون في الآية من النسب، وإذا كانوا من الرضاعة، فيجري عليهم نفس الحكم، يعني: إذا كان الرجل ابنها من الرضاعة وابن أخيها من الرضاعة وابن أختها من الرضاعة، فكل هؤلاء يدخلون عليها أيضاً وتبدي لهم الزينة.

стр. 698

وجوب تغطية الرأس والوجه للمرأة قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الخمر: جمع خمار وهو ما تتغطى به المرأة، فقد تخمر المرأة رأسها فيكون الخمار هو ما خمر الرأس أي: غطاه، فالخمار الشيء الذي يغطي، قالت أم المؤمنين عائشة: (فلما رأيت صفوان بن المعطل خمرت وجهي بجلبابي) أي: غطيت وجهي بجلبابي. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الضرب: من معانيه التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥] أي: أفنهمل ذكركم؟ ومنه قول الرجل لولده: اضرب على هذا الحديث يعني: امحه، وقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١] فقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ [النور:٣١] أي: وليغطين. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والجيب: فتحة الصدر التي يدخل منها الشخص رأسه وهو يلبس الثوب، ومنه قول الله لموسى ﵊: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل:١٢] فهو فتحة الصدر، فقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: يغطين بخمرهن على فتحات صدورهن. أما الدليل على تغطية الوجه فهو المقطع الأول للآية: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] قال الإمام أحمد ﵀ كما نقل عنه القاضي أبو يعلى: المرأة كلها عورة حتى ظفرها، لا يحل لها أن يظهر منها شيء حتى الظفر. هذا رأي الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] . من العلماء من فصل في مسألة الزينة وقسمها تقسيماً حاصله: أن الزينة منها ما هو خلقي -يعني من أصل الخلقة- ومنها ما هو مكتسب، فالمكتسب: كالكحل وأنواع المكياج الذي تتزين به المرأة ونحو ذلك، والخلقي: ما كان من أصل خلقتها، فمن العلماء من قال: إن الزينة هنا الزينة الخلقية، ومنهم من عمم، وسيأتي. ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] البعل: هو الزوج، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء:١٢٨] فالبعل: الزوج. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] . من العلماء من سلك هنا مسلك النظر وقال: إن الزينة التي تظهر من المرأة تختلف من محرم إلى محرم آخر، ولم يكن هناك نص يحدد ذلك، لكن الزينة التي يراها البعل من امرأته أوسع من الزينة التي يراها أبوها منها إجماعاً، فللزوج أن يرى من امرأته كل شيء، أما أبوها فلا يحل له أن يرى مثلاً عورتها المغلظة، وكذلك أشياء من الأجزاء في جسدها لا يراها الأب. كذلك قال العلماء: إذا كانت هناك امرأة متزوجة برجل له أولاد من امرأة أخرى فهم محارم لامرأة أبيهم، لكن لا يرون منها القدر الذي يراه أبواها منها، فأبو المرأة محرم وابن زوجها محرم، لكن أبوها يرى منها أكثر مما يرى منها ابن زوجها، وليس على هذا نص صريح من الكتاب والسنة، ولكنه مبني على مسألة المفاسد، والله أعلم، فالمفسدة من ابن الزوج أعظم، وهي من الأب أخف، لأن الأب لا يفكر في الاعتداء على ابنته، لأنها عرضه، أما ابن الزوج فقد يتجرأ على امرأة أبيه، وكلاهما محرم، لكن الشر المتوقع من ابن الزوج أعظم من الشر المتوقع من الأب في الغالب، فهذا وجه تفصيل من فصل، ومبناه على النظر الصحيح عنده، والله تعالى أعلم.

стр. 699

المراد بالزينة المذكورة في الآية ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] ما المراد بهذه الزينة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] ؟ لأهل العلم في ذلك أقوال: أقوى هذه الأقوال من ناحية السند وصحته قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن هذه الزينة هي الرداء والثياب) فمن شأن العرب أن نساءهم كن يلبسن العباءة السوداء وتحتها ثوب ملون، فأحياناً يظهر ذيل الثوب الملون من أسفل العباءة، ويشق على المرأة ستره، فهذا الذي فسر به ابن مسعود الآية، فمن النساء الآن من تلبس العباءة السوداء وتأتي عند الرجال وتفتحها، فيرى الرجل الثوب الذي بداخلها فيفتن، فإذا كان شيء من ذلك يشق على المرأة ستره ولا تتعمد التبرج به جاز لها إظهاره، هذا قول عبد الله بن مسعود روي عنه بإسناد على شرط مسلم. أما ابن عباس ﵄ فقد روي عنه بأسانيد في كل إسناد منها مقال وضعف، فذهب إلى أن ما ظهر منها هو الوجه والكفان. وانتصر للقول الأول بأن الزينة التي على الشيء تكون خارجة عن أصله، فالله يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف:٧] فالذي على الأرض ليس من أصل الأرض، إنما هو شيء منفصل عنها، فليكن كذلك في تفسير الثياب للزينة فهو شيء منفصل عن المرأة، فالثوب والكحل والخلخال مثلاً، كل هذه الأشياء من الزينة لأنها خارجة عن المرأة، أما وجه المرأة في حد ذاته فلا يقال: إنه زينة؛ لأنه من أصل خلقتها. هذا الذي انتصر به بعض المفسرين بالقول الأول كـ الشنقيطي رحمه الله تعالى صاحب أضواء البيان وغيره من العلماء، واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦] والكواكب ليست هي السماء الدنيا بل منفصلة عنها. أما حديث: (يا أسماء! إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى وجهه وكفيه فهو إسناد تالف مسلسل بالعلل، فهو من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة، والوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وسعيد بن بشير ضعيف، وقتادة مدلس وقد عنعن، وخالد بن دريك لم يدرك عائشة ﵂، ثم هو بعد ذلك كله هل هو قبل الحجاب أو بعده؟ في ذلك أيضاً بحث، فالإسناد لا يثبت عن النبي ﷺ .

стр. 700

حفظ المرأة فرجها من المحرمات حتى ملك اليمين ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] وحفظ الفرج عن المحرمات، وتختلف المرأة في حفظ فرجها عن الرجل من ناحية ملك اليمين، فالرجل لا يحفظ فرجه عن ما ملكت يمينه، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥-٦] أما المرأة فيجب عليها إجماعاً أن تحفظ فرجها من عبدها، وقد أتي في زمن عمر بن عبد العزيز بامرأة مكنت عبدها من نفسها، فسألها عن سبب ذلك، فاحتجت بالآية فعذرها بالجهل، وأظن أنه أقام عليها حد الجلد أما الرجم فلم يقمه عليها، وأقام حد الزنا على العبد. وقوله سبحانه: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣١] أي: حتى من نظر النساء إليه، قال النبي ﷺ : (لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) فالمرأة لا تنظر إلى عورة المرأة إلا عند الضرورة التي لابد منها، مثال ذلك: أن تكون المرأة تلد ولا بد لها ممن يولدها، فحينئذٍ تلجأ إلى امرأة تولدها، إذ القوابل كن معروفات على عهد السلف، أما أن تبادر بالذهاب إلى رجل كالرجال الذين وجدوا هذه الأيام وتخصصوا دناءة في التوليد، ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا قوابل؛ فأن تبادر المرأة سريعاً بعرض فرجها على الرجال يعبثون بها، فهذا من المستقبح المستهجن. والله أعلم.

стр. 701

نظر المرأة إلى الرجل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] الأمر قد توجه للمؤمنين بغض البصر، وكان بالإمكان القول بأن النساء يدخلن في خطاب الرجال فيكفي ذكر المؤمنين إذ يدخل فيه المؤمنات، ولكن الله تعالى نص ثانياً على النساء لانسحاب الحكم عليهن حتى لا يظن ظان أن النساء خارجات من الحكم. فللتأكيد على أن الحكم ينسحب أيضاً على النساء قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ونحو هذا مع بعض فارق في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] فالنساء يدخلن في القوم، ولكن نص عليهن للتأكيد، ولبيان أن السخرية منهن بعضهن من بعض أكثر. قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والغض الخفض كما تقدم و (من) هنا: للتبعيض، فلم يقل: (يغضضن أبصارهن) لأن للمرأة أن تنظر إلى زوجها، فلذلك من العلماء من قال: إن (من) هنا للتبعيض. يعني: لا يغضضن أبصارهن كلية، بل يغضضن أبصارهن عما حرم عليهن فقط، أما الذي لم يحرم عليهن فلهن أن ينظرن إليه، وهم الأزواج. وبهذه الآية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] استدل فريق من العلماء على أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجال أصلاً، لا بشهوة ولا بغير شهوة، إلا ما دعت إليه الضرورة، وأيد أصحاب هذا القول قولهم بحديث فيه ضعف ألا وهو (أن النبي ﷺ دخل على بعض نسائه ورأى عندهما ابن أم مكتوم فأنكر ذلك عليهما، فقالتا: إنه رجل أعمى يا رسول الله! قال: أفعمياوان أنتما) . ففيه أن النبي ﷺ منعهما من النظر إلى الأعمى، إلا أن هذا الحديث ضعيف الإسناد، وهو من طريق نبهان مولى أم سلمة، وهو ضعيف، هذا مجمل أدلة القائلين بمنع المرأة من النظر إلى الرجال أصلاً. وضموا إلى هذين الاستدلالين أصلاً عاماً وهو: أن النظر طريق إلى الفساد وإلى الفاحشة، فمنعه من الأصل سداً للذريعة أي: ذريعة الوصول إلى المحرم، فأصبح هناك نصان وأصل عام، ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ومنه قاعدة سد الذرائع. بينما رأى فريق من أهل العلم جواز نظر المرأة إلى الرجال إذا أمنت الفتنة، ولم يكن ذلك بشهوة، واستدلوا (بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حمل عائشة ووضع خدها على خده وجعلها تنظر من شق الباب إلى الأحباش وهم يلعبون في المسجد) . واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ قال لـ فاطمة بنت قيس: (اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) فرأى هذا الفريق جواز نظر المرأة إلى الرجال إذا لم يكن مع ذلك شهوة، أما إن وجدت الشهوة فيمنع، أو إن كان النظر سيولد الشهوة فيمنع كذلك. والله أعلم.

стр. 702

تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم .) يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] . قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا. والمراد بالنكاح في أغلب آيات الكتاب العزيز عقد التزويج، وفي هذا عموم آيات الكتاب العزيز، إلا في مواطن ثلاثة: الموطن الأول: هو قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦] فالمراد بالنكاح الحلم. الموطن الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] فالمراد بالنكاح على ما بينته السنة: الوطء الذي هو الجماع. الموطن الثالث: وفيه نزاع، وهو قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣] المراد به الجماع، أي: لا يطاوعه إلى زناه وإلى الجماع معه إلا زانية أو مشركة، أما ما سوى هذه الآيات فالمراد بالنكاح عقد التزويج. قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا. فالخطاب للأولياء، وبه استدل كثير من أهل العلم على وجوب الولاية في النكاح، وهناك ما هو أصرح منه سواء من الآيات أو من الأحاديث، أما من الآيات: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] أي: لا تزوجوا أيها الأولياء المشركين حتى يؤمنوا، فاستدل بها أبو جعفر الباقر على إثبات الولاية في النكاح، أما سنة رسول الله ﷺ ففيها (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا نكاح إلا بولي) فهذه النصوص بنى عليها جمهور العلماء وجوب الولاية في النكاح على الثيب وعلى البكر، وأما أبو حنيفة فخالف بعض المخالفة في ذلك. فعلى ذلك ما يطلق عليه اليوم بالزواج العرفي وهو: أن البنت تأتي إلى شاب في حضرة زميلين لهما كما يحدث في بعض الجامعات وتزوجه نفسه بحضرة شهود بدون ولي، فهذا النكاح باطل! باطل! قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور:٣٢] والأيم: هو من لا زوج له من الرجال أو من النساء، أما من النساء ففي الحديث: (لما تأيمت حفصة بنت عمر من زوجها عبد الله بن خنيس) ، فالشاهد: قوله: (لما تأيمت) أي: مات عنها زوجها وأصبحت بلا زوج، فالأيم من لا زوج له من الرجال أو النساء.

стр. 703

الزواج سبب من أسباب الغنى ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] هذه الآية هي التي يلتمس منها أن الفضل والغنى من الزواج. أما الأحاديث الواردة في هذا الباب (تزوجوا فقراء يغنكم الله) فلا تثبت عن النبي ﷺ ، كذلك حديث: (اطلبوا الرزق في الزواج) لا يثبت عن رسول الله ﷺ . وأما حديث: (ثلاثة حق على الله عونهم: وذكر منهم: الناكح يريد العفاف) فحديث ثابت بإسناد حسن عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد زوج النبي ﷺ طائفة من الفقراء من أصحابه، فزوج الصحابي الذي جاء وقال: (ما عندي إلا إزاري هذا يا رسول الله! أقسمه بيني وبينها نصفين) فوصل إلى هذه الدرجة من الفقر! ومع ذلك زوجه الرسول ﷺ على ما معه من القرآن. قال سبحانه: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢] فواهب العطاء عليم بمن يصلحه المال ممن يفسده، فينزل بقدر ما يشاء.

стр. 704

إشارة الآية إلى منع الاستمناء ثم أرشد الله إلى التعفف والاستعفاف وطلب العفة لمن لم يجد النكاح: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣] أي: مؤن النكاح وتكاليفه. وفي الآية من طرف خفي إشارة إلى منع الاستمناء؛ لأن الله أرشد إلى التعفف ولم يرشد إلى الاستمناء، كذلك النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج. ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ولم يرشد إلى الاستمناء، وأصرح من ذلك في المنع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥-٧] والاستمناء من وراء ذلك. فعلى ذلك ما يفعله شرار الشباب والنساء من العبث بأنفسهم الأمر فيه كما قال الشافعي: أنه محرم. استدلالاً بالآية الكريمة: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] فجدير بمن تسول له نفسه فعل هذا أن يذكر أن الله رقيب عليه، وأن لله ملائكة تراقب ولا تفارق الشخص، فعليه أن يذكر ذلك ويستحي من الله ومن ملائكة الله . قال سبحانه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣] ومن يستعفف يعفه الله، يعني: من سلك طريق التعفف وابتغاه أعانه الله عليه ويسره له، أما من أتبع نفسه شهواتها فيوشك أن تزل قدمه والعياذ بالله! ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور:٣٣] أي: لا يجدون مؤن النكاح وتكاليفه ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] . ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ [النور:٣٣] أي: يطلبون الكتاب، والمراد بالكتاب المكاتبة، وهي ما تكون بين العبد وسيده، يكاتب العبد سيده، أي: يتفقان على أن يشتري العبد نفسه من سيده بمبلغ من المال، ويكتبان ذلك، ويبدأ في السعي لسداد ما عليه من الدين، فإذا انتهى المال الذي تكاتبا عليه أعتق، هذا المراد بالكتاب، أي: المكاتبة التي تكون بين العبد وبين سيده حتى يتحرر به العبد. ورب العزة يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ [النور:٣٣] أي: يطلبون المكاتبة ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] أي: لا تتباطئوا في مكاتبتهم، فإنه قد يتباطأ السيد ويقول: لا أكاتب؛ متحكماً في رقبة عبده، فرب العزة يقول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] . وهل الأمر بقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] أمر إيجاب؟ رأى ذلك بعض أهل العلم واستدلوا بما صنعه أمير المؤمنين عمر ﵁ مع أنس بن مالك وعبده سيرين، أبي محمد بن سيرين فـ سيرين كان عبداً عند أنس وكان لـ سيرين مال كثير، وعلم أنه إذا مات وهو عبد عند أنس فسيأخذ أنس ماله، فأراد سيرين أن يكاتب عن نفسه، فأبى ذلك أنس، فترافعا إلى أمير المؤمنين عمر فقال لـ أنس: لتكاتبنه أو لأوجعتك ضرباً، فكاتب أنس ابن سيرين، ورب العزة يقول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] . قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] فيه للعلماء تأويلات: أحدها: أن المراد بالخير المال، واستدل له بأن عموم ذكر الخير في الكتاب العزيز يراد به المال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: المال. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:١٨٠] خيراً: مالاً. فمن العلماء من قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣] أي: إن علمتم عندهم مالاً. ولا تكاتبوهم وتتركوهم يتسولون ويسرقون حتى يأتوا بالمال الذي كاتبوكم عليه، والحالة هذه فيها دفع الفساد من سرقتهم، ودفع الفساد من تسولهم، لكن إن كنتم ترون أنهم يعملون أعمالاً تدر لهم مالاً فكاتبوهم، هذا وجه في التأويل. والوجه الآخر: أن المراد بالخير الصلاح، أي: فإن كانوا أهل صلاح فكاتبوهم وأعتقوهم، فهذا هو المعنى الثاني. قوله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ [النور:٣٣] أي: أعطوهم من مال الله الذي آتاكم، وما المراد بمال الله؟ هل المراد به الزكاة؟ أي: أن من كاتب عن نفسه قد أصبح من أهل الزكاة، فليعط منها، قال بذلك فريق من العلماء لقول الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠] هذا بند في الرقاب أي: لتحرير الرقاب، ومن العلماء من قال: يتصدق عليه صدقة عامة. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] من العلماء من قال: تترك له الربع أو العشر فمثلاً: كاتبته على ألف جنيه فاترك له مائة أو مائتين أو ثلاثمائة إحساناً منك إليه. ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور:٣٣] والفتيات المراد بها: الإماء، فالفتاة أحياناً أو في الغالب تطلق على الشابة، والفتى يطلق على الشباب، وأحياناً يقال: فتاي أي: عبدي وفتاتي أي: أمتي، ومنه قول النبي ﷺ : (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي ولكن ليقل: فتاي وفتاتي) فالغالب أن الفتاة شابة، والفتى هو الشاب حراً كان أو عبداً لكن المراد هنا الإماء، ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ [النور:٣٣] أي: إمائكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور:٣٣] أي: على الزنا. فالبغاء هو الزنا، ومنه قول قوم مريم لمريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] أي: زانية. وهل كان هناك أحد يكره فتاته على البغاء؟ نعم. كان ذلك موجوداً. فكان السادة الذين لهم عبيد وعندهم إماء إذا أتاهم الضيف فمن الإكرام الذي يكرمونه به أن يقدموا له الإماء يزني بهن، ومنهم من كان يرسل فتياته الإماء ليزنين بالإكراه، إكراه منه لهن حتى يتقاضى الأجور من ورائهن، كـ عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين كان عنده إماء، وكان يكرههن على الزنا تشرفاً بذلك عند أضيافه، وطلباً للمال من الذين يستأجرونهن. فأنزل الله : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] المراد بالتحصن هنا: العفة، فهنا يطرح السؤال إذا لم ترد المرأة تحصناً هل له أن أكرهها؟ فالإجابة: أن قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] خرج مخرج الغالب، فإذا لم تكن هي مريدة للتحصن فلا وجه للإكراه، إذا كانت هي زانية فهي ستزني باختياره واختيارها فانتفى الإكراه، وهذا ليس مباحاً بل حرام، لكن هذا وجه قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] فإنها خرجت مخرج الغالب. قال سبحانه: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] أي: عفة وطهارة وامتناعاً من الزنا. ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ [النور:٣٣] أي: لتطلبوا ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: متاع الحياة الدنيا، وقيل له عرض لأنه كالجملة الاعتراضية بين الجمل من الممكن أن تقوم الجمل بدونها، وكذلك الدنيا عرض زائل، كما قال القائل: (الدنيا ظل زائل) وقال الرسول ﷺ : (ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل بظل شجرة ثم قام وتركها) . ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيها وجهان: أحدهما: غفور رحيم للفتاة إذا أكرهت، فتكون الآية من آيات رفع الحرج عن العباد. والوجه الثاني: غفور رحيم لمن أكرههن ثم تاب من هذه الفعلة بعد نزول الآية، ففيها الوجهان. ﴿وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] : هل هناك فرق بين الرجل إذا أكره على الزنا، وبين المرأة إذا أكرهت على الزنا؟ فرق بينهما، فالمرأة قد تكره على الزنا وتزني رغماً عنها، بأن يتسلط عليها شرار المفسدين وتزني رغماً عنها، أما الرجل فلا ينتشر ذكره إلا إذا أراد هو من داخله ذلك، أي: لا يستطيع أحد أن يكره الرجل على أن ينتشر ذكره للجماع، هذا وجه التفريق. فمن العلماء من قال: لا يلتمس للرجل عذر في أنه أكره على الزنا، ومنهم من قال: إذا كان العذر قد التمس له إذا نطق بكلمة الكفر فلأن يلتمس له عند الزنا من باب أولى، وهناك تفريقات محلها كتب الفقه. ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور:٣٤] واضحات ظاهرات مزيلات للإشكال، ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور:٣٤] والموعظة هي الشيء الزاجر الذي يزجر الشخص ويخوفه.

стр. 705

الحث على النكاح في نصوص القرآن والسنة ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور:٣٢] أي: زوجوا من لا زوج له، فيؤخذ منه إما الاستحباب وإما الوجوب، إذ الأمر في الغالب إما للإيجاب أو للندب، أو للإباحة في بعض الأحيان، فهل النكاح واجب أو مستحب أو مباح؟ من العلماء من قال: تنسحب عليه الأحكام الخمسة، فيجب إذا كان الشخص سيفتن في دينه إذا لم يتزوج، فحينئذٍ يجب عليه الزواج، سداً للذريعة الموصلة للفساد، وأحياناً يستحب، والأصل في هذا الباب أن الأمر بالنكاح محمول على أنه مستحب، لقول النبي ﷺ : (وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ولقول عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] ولقول زكريا ﵊: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] . ولقول النبي ﷺ : (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم) ، ولقول النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. ، منها: ولد صالح يدعو له) . ولقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] ولقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] . ولأن النكاح سنة المرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (رد النبي ﷺ على عثمان بن مظغون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) ، ولقول عبد الله بن عباس ﵄: (تزوجوا فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءا) ، ولقول عبد الله بن مسعود ﵁: (لو لم يبق من حياتي إلا ليلة لأحببت أن يكون لي فيها زوجة) . فكل هذه النصوص تدفع في نحر من قال إن ترك الزواج أولى، ويستدلون ببعض الأفعال مع السلف لهم فيها أحوال خاصة، ويجعلونها أصولاً، والأصل دائماً مع كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا معنى لبرود شخص يقول: إن ترك النكاح أولى ويتشبث بخيوط أوهى من خيوط العنكبوت، فخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما العلماء الذين قالوا: إنه مباح فقط، فقالوا: إن شأن النكاح شأن الأكل والشرب والتلذذ بهما، فكما أن للشخص أن يأكل ويشرب ويتلذذ بالأكل والشرب، فله هذا أيضاً مع النكاح إن شاء ترك وإن شاء فعل، لكن النصوص الواردة: (إني مكاثر بكم الأمم) وجمعه ﷺ بين تسع نسوة عنده، كل هذا يؤيد الاستحباب. ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢] فيها نص على استحباب تزويج أهل الصلاح. : ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢] أي: من العبيد، وقد وردت قراءة فيها ذلك (من عبيدكم) لكن الأصح: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور:٣٢] والمراد بها العبيد. ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] الإماء: جمع أمة وهي المملوكة، أي: زوجوا العبيد والمماليك، وهل للثيب أن يزوج عبده ويجبره على الزواج؟ قال جمهور العلماء بذلك، وخالف في هذا فريق من العلماء وقالوا: ليس للثيب من مملوكه إلا الخدمة على ما ورد في الأحاديث، وهل له أن يزوج أمته؟ فقال الجمهور: له أن يزوج أمته ويجبرها على الزواج؛ لأن له فيها حق الصداق.
следующие страницы →