Полный текст (7 030 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
سنن الخطبة
قال رحمه الله تعالى: [ومن سننهما: أن يخطب على منبر أو موضع عالٍ، ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين، ويخطب قائماً، ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه، ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين].
قوله: [ومن سننهما] أي: من سنن خطبة الجمعة الأولى والثانية [أن يخطب على موضع عالٍ].
والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ أنه قال: (أنا أعلمكم بمنبر رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال لامرأة منا -أي: من الأنصار-: مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس.
قال: فصنعها)، فشهد رسول الله ﷺ حين قام عليه.
فهذا الحديث فيه قصة المنبر، والمنبر: من النبر، وأصله: ارتفاع الصوت.
قالوا: إن المنبر إنما شرع من أجل أن يبلغ صوته.
والسبب في هذا أن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس، وكان المسلمون في المدينة قليلين حينما كانت محصورة على أهلها والمهاجرين الذين هاجروا معه، فلما فتحت مكة وقدم الناس والوفود على رسول الله ﷺ كثر الناس في المدينة، فأمر النبي ﷺ بالمنبر لأجل أن يبلغ صوته في خطبته صلوات الله وسلامه عليه، فصنع هذا المنبر من ثلاث درجات، ثم خطب عليه ﷺ ، فصارت سنة أن يخطب الإمام على منبر، فإن تيسير وجود المنبر فبها ونعمت، وإن لم يتيسر فإنه يخطب على شيء عالٍ، كأن تكون هناك صخرة يقف عليها، أو يكون هناك درج عالٍ من الخشب، أو وعاء من الحديد عالٍ، فالمهم نشز على الأرض عال يقف عليه، ولو كانوا في البر فوقف على هضبة أو ربوة فخطب عليها فلا حرج، والسبب في هذا أنه إذا علا فإن ذلك أدعى لسماعهم صوته وانتفاعهم بموعظته وخطبته.
قوله: [ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم].
هذا هو هديه ﵊، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، فمذهبهم أن السنة إذا رقى الخطيب المنبر والتفت بوجهه إلى الناس أن يسلم عليهم.
وقال بعض السلف: يسلم عند دخوله للمسجد، فإن سلم عند دخوله للمسجد لم يحتج أن يعيد السلام على المنبر.
ولكن المحفوظ من فعله ﵊ وفعل أبي بكر وعمر وعثمان السلام عليهم على المنبر، فالروايات تدل على أن النبي ﷺ سلّم كان إذا رقى المنبر وأقبل على الناس سلّم صلوات الله وسلامه عليه.
وقد روى أبو النجاد أن أبا بكر وعمر كانا يفعلون ذلك.
وفي رواية منفردة عن عثمان، أنه فعل ذلك، كل ذلك يؤكد على أن سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده السلام بعد رقي المنبر إذا أقبل على الناس.
قوله: [ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين].
أي: إذا سلم جلس حتى يفرغ المؤذن من أذانه، ويردد معه، وبعد الفراغ من الأذان يقول الدعاء المشروع، ثم يبتدئ بخطبته، فهذا هو المسنون والمشروع لظاهر النصوص، كقوله ﵊ في حديث أبي سعيد: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، هذا يدل على أن السنة أن يسكت أثناء الأذان.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا سلّم على الناس وأذّن المؤذن أخذ الصحابة يكلّم بعضهم بعضاً، فإذا ابتدأ عمر خطبته قطعوا الكلام وامتنعوا عن الحديث.
قوله: [ويجلس بين الخطبتين].
هذا كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره أنه: (كان ﵊ يفصل بين الخطبة الأولى والثانية بالجلوس)، وهذا الجلوس يسير، وضبطه بعض العلماء بقدر ما تحصل به الطمأنينة.
وقال بعضهم: يقارب قراءة سورة الإخلاص، أي: بقدرها من الزمان اليسير.
والصحيح أنه لا يتقيد بهذا، وإنما يكون بأقل ما تحصل به الطمأنينة، فلو جلس جلسة خفيفة تحصل بها الطمأنينة فإنه حينئذٍ يعتد بجلوسه، ولا يصل الخطبتين ببعضهما.
وهنا مسألة، وهي أنه إذا كان يجوز للإنسان أن يخطب جالساً لوجود عذر كمرض ونحوه، فخطب جالساً الخطبة الأولى فإن كيفية فصله بين الخطبة الثانية والأولى- كما قالوا- أن يسكت هنيهة بقدر جلوسه بين الخطبتين، فإذا سكت بين الخطبة الأولى والثانية كان سكوته بمثابة الجلوس.
قوله: [ويخطب قائماً].
ثبت في الحديث الصحيح عنه ﵊: (أنه خطب قائماً)، ولذلك قبّح الصحابة رضوان الله عليهم وشنّعوا على من خطب جالساً، كما أثر عنهم ﵃ وأرضاهم، ولما دخل بعض الصحابة على بعض أهل البدع وهو يخطب جالساً قال: انظروا إلى هذا الخبيث.
وذلك لأنه تمرد على سنة النبي ﷺ ، وهذا من باب غيرتهم على سنته ﷺ ، خاصةً وأن الخطبة ينبغي أن تكون على صفة خطبة النبي ﷺ في صفته وحاله، وهذا يؤكد ما ذكرناه، بدليل أن الصحابة كانوا يشنّعون على كل من خالفه، ولما رؤي مروان بن الحكم وهو يرفع يديه قال الصحابي: (تباً لها من يدين قصيرتين، ما كان رسول الله ﷺ يزيد على الإشارة)، أي: ما كان يرفع يديه على المنبر في الدعاء إلا في الاستسقاء.
فقوله: [ويخطب قائماً] لأنه أبلغ في الهيبة، وأبلغ في التأثير، وأكثر نفعاً للناس، وذلك برؤيتهم الخطيب، خاصة إذا رآه المستمع وهو ينفعل في كلامه ويتأثر بما يقول، فإن ذلك أدعى لحصول الموعظة في القلوب وتأثرها بها، ولذلك كان ﷺ يخطب قائماً، وإذا خطب رفع صوته واشتد غضبه، وهذه هي السنة، فلابد أن يكون في الخطيب في هيئته وصورته ومنظره ما يدل على هيبته لذلك المقام، وهو مقام الوعظ والتذكير بالله ، وهو أشرف المقامات وأحبها إلى ، وهو مقام الدعوة إلى الله ، فكان ﵊ إذا خطب -كما في حديث جابر - تحمر عيناه، وتنتفخ أوداجه -أي: عروق رقبته ﵊، ويشتد غضبه، ويعلو صوته كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، قال العلماء: لأنه إذا خطب بهذه الصفة شعر الناس بهيبة الكلام الذي يقوله، أما لو خطب ببرود وخمول وبصوت ضعيف فإن الناس لا تتأثر ولا تتفاعل مع كلامه، ولا تحسب بأن هذا الكلام يخرج من إنسان يتأثر به، فإذا كان الخطيب يتأثر بالكلام الذي يقول، وكانت كلماته خارجة بوقع بليغ يدل على تأثره بالكلمات التي يلقيها على الناس، فإن الناس يستجيبون لذلك، ثم إن صورته من شدة الغضب وتغير وجهه تدعو الناس إلى دفع السآمة والملل والنوم، والإقبال عليه، حتى إنهم يشفقون عليه في حاله، ويحسون حينئذٍ أنه يتكلم عن أمر عظيم، وهذا أدعى إلى هيبة الشرع، بخلاف ما إذا تكلم الإنسان ببرود وبطمأنينة وهدوء، فإن الناس ربما ناموا وربما تكاسلوا وانشغلوا، ولكنه إذا تفاعل مع خطبته كان الأثر أبلغ، وهذا الشيء مجرب، ولذلك حمدت طريقة الإلقاء على طريقة الخطبة من الورقة، فإنه إذا خطب بالإلقاء تفاعلت الناس برؤيته وأحسوا أنه يتفاعل مع الكلام الذي يقول، بخلاف ما إذا كان يخطب من ورقة، وهذا الذي جعل بعض العلماء يستحب أن يكون الإلقاء مباشرة تأسياً برسول الله ﷺ ، وكل ذلك المقصود منه أن يكون الأثر أبلغ في النفوس، حتى يعظم الناس شأن الخطبة وشأن المنبر، ويحس الناس بهيبة المنبر، أما لو علا المنبر ضعيف النفس ضعيف الإلقاء والتحضير فإنه لا يبلغ أثره في القلوب بموعظته، وترى الناس تستهين بالمنبر، وربما يصل إليه من ليس بأهل فلا يحصل المقصود من تأثير الناس في المواعظ والخطب، ويكون هذا مخالفاً لمقصود الشرع ومراده.
قوله: [ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا] فيه حديث اختلف العلماء في سنده، وحسنه الحافظ ابن حجر ﵀ في اعتماده ﵊ على العصا.
ولذلك لا ينكر على أحد اعتمد على عصا، ودرج على ذلك العلماء رحمة الله عليهم، ولكن لو خطب بدون عصا فإنهم يقولون: لا حرج عليه ولا ينكر عليه.
وبعض العلماء يرى أنه ما دام الحديث مختلفاً فيه فإنه يخطب بدون عصا.
قوله: [ويقصد تلقاء وجهه].
أي: إذا خطب الخطيب لا يلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأنه إذا التفت يميناً ظلم أهل اليسار؛ لأن صوته يعزب عنهم، وإذا التفت يساراً ظلم أهل اليمين؛ لأن صوته يعزب عنهم، ولذلك قالوا: يقصد تلقاء وجهه.
أي: يجعل وجهه إلى الأمام، فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً.
وفي هذه المسألة دليل خفي أشار إليه بعض المحققين، كالإمام الحافظ ابن الملقن ﵀، فقد أشار إليه في حديث أنس في الصحيحين، وهذا يدل على عمق فهمه رحمة الله عليه، وذلك أنه ذكر أن الأعرابي -كما في الرواية الصحيحة- لما دخل على النبي ﷺ في الجمعة التي استسقى فيها، وسأل رسول الله ﷺ أن يستسقي للناس، دخل من باب عمر)، وكان يسمى: باب القضاء، وهي دار كانت لـ عمر بيعت وصارت دار قضاء، وهذا الباب كان في الجهة الغربية إلى الشمالية من مسجد النبي ﷺ ، ودخل منه هذا الأعرابي.
قال أنس: (فمضى حتى صار تلقاء وجه النبي ﷺ فاستقبله).
ووجه الدلالة في انتزاع هذا الحكم -كما قالوا- أنه لو كان النبي ﷺ يلتفت في خطبته لما احتاج الأعرابي أن يتكلف المسير من الجهة الغريبة حتى ينتصف المسجد ويأتي تلقاء وجهه، فقالوا: دل هذا على أنه كان إذا خطب قصد تلقاء وجهه ﵊.
واستثنى بعض العلماء الدروس وأثناء المجالس العامة، فقالوا: إنه إذا خشي على الناس أن ينام بعضهم، أو يحصل له ما يدعوه إلى السآمة والملل فلا حرج أن يلتفت، خاصة عند تقرير المسائل وضبطها، أما في الخطب فالسنة أن يقصد تلقاء وجهه، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وقالوا: هذا كله أدعى لهيبة الخطيب ولإقبا
стр. 1332
الأسئلة
стр. 1333
حكم إلقاء خطبة الجمعة بغير العربية
السؤال
هل هناك حرج لو كانت الخطبة بلغة غير عربية لكي يفهمها المصلون؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فاختلف العلماء ﵏ في صحة خطبة الجمعة بغير العربية على قولين مشهورين، والصحيح أنه يبتدئ الخطبة والموعظة بالكلام العربي حتى يحصِّل القدر المعتبر لصحتها، ثم بعد ذلك يخطب بلغة القوم ولا حرج عليه حينئذٍ، أما لو تمحضت بالأعجمية، فإن في صحتها نظراً، ولذلك لا بد من ورودها على الوجه الذي ذكرنا، فيخطب بالعربية على القدر المجزي بما فيه بشارة ونذارة، ثم بعد ذلك شأنه بالقوم يعظهم ويذكرهم.
والله تعالى أعلم.
стр. 1334
حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة ومدى تأثيره على الصلاة
السؤال
إذا كان لا يجوز الكلام أثناء الخطبة، فهل معنى ذلك أن من تكلم بطلت جمعته ولا أجر له؟ وهل يؤثر ذلك على صحة صلاته؟
الجواب
إن تكلم أثناء الجمعة فإن جمعته صحيحة ولكنه ينقص في الأجر، ويكون كلامه من اللغو الذي يوجب نقصان أجره في الجمعة، ويكون قوله ﵊: (فلا جمعة له) أي: لا جمعة كاملة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1335
الجمع بين السعي المذكور في آية الجمعة والمشي بالسكينة المذكور في الحديث
السؤال
كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وقول النبي ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة)؟
الجواب
قوله : ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أي: امضوا إلى ذكر الله، وليس المراد به السعي الذي هو الاشتداد في السير، وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة دليلاً على أنه يجوز السعي عند إقامة الصلاة، والصحيح أن ذلك خلاف السنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فدل نهيه ﵊ عن السعي عند المضي إلى الصلاة على أنه لا ينبغي من المكلف هذا الضرب من السير، وهذا اللفظ في الحديث عام شامل لصلاة الجمعة وغيرها، وتكون الآية: (فاسعوا إلى ذكر الله) المراد بها مطلق السعي الذي هو المضي، كما تقول: سعيت إلى المسجد، بمعنى: مضيت إليه، ويؤكد ذلك قراءة ابن مسعود: (فامضوا إلى ذكر الله)، والقراءة تفسر قراءة، وعلى هذا يكون السعي هنا في الآية الكريمة ليس على ظاهره، ولا يعارض منصوص السنة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1336
حكم الالتزام بخطبة الحاجة في خطبة الجمعة
السؤال
هل يسن بدء الخطبة يوم الجمعة بخطبة الحاجة؟
الجواب
أما خطبة الحاجة فقد جاءت عنه ﵊ وهي مطلقة، وأما بالنسبة لخطبة الجمعة فالأمر فيها واسع، وهكذا مجالس الذكر والمحاضرات والندوات، وأما الالتزام والتقيد بخطبة الحاجة إلى حد أن الإنسان لا يكتب رسالة ولا كتاباً، ولا يخطب، ولا يحاضر، ولا يتكلم إلا ويستفتح بخطبة الحاجة، فهذا التقيد الزائد عن الحد لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، فالثابت في الأحاديث الصحيحة (حمد الله وأثنى عليه)، وهذا فيه حديث عائشة في الصحيحين، وحديث جابر في صحيح مسلم، وكلها بلفظ: (حمد الله وأثنى عليه)، فلم يتقيد بلفظ معين، ولو كان تعتد لقال: (خطب خطبة الحاجة) ولذلك السنة أن ينوع، وانظر إلى كتب الأئمة والسلف ودواوين العلم، فإنك لن تجد أحداً صدّر كتابه بخطبة الحاجة، فالالتزام بها والتقيد يشعر بأنها واجبة، حتى إن بعض طلاب العلم ربما أنكروا على الخطيب، أو على المحاضر، أو على المدرس، أو على الواعظ إذا استفتح موعظته أو خطبته بغير خطبة الحاجة، أو استفتح كتابه بغير خطبة الحاجة، وهذا محل نظر، وحديث خطبة الحاجة يدل على فضل هذه الخطبة، ولكن لا يتقيد بها حيث يشعر أو يظن الناس كأنها واجبة لاستفتاح الذكر.
والله تعالى أعلم.
стр. 1337
حكم تقديم الحافظ للصلاة بالناس يوم الجمعة على الخطيب غير الحافظ
السؤال
إذا خطب الإمام الخطبة وكان في القوم من هو أقرأ منه، وهل يقدمه لقول النبي ﷺ : (فليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله)؟
الجواب
لا يقدمه؛ لأن صلاة الجمعة متصلة بخطبتها، وبناء على ذلك يسير على منهج رسول الله ﷺ ، فمن خطب بالناس صلى بهم، وعلى هذا فإننا نقول: يغتفر هذا اليسير، وخاصة إذا كان إماماً راتباً فإنه: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وإن كان على عمومه، فلا حرج أن يتقدم ولو كان هناك من هو أقرأ منه، ما دام أنه أقدر على الموعظة والتأثير على الناس، قال العلماء: المهم في صلاة الجمعة يوم الجمعة الخطبة، ولذلك لا يلي الجمعة القارئ، بمعنى أنه لو كان قارئاً لا يحسن الخطبة ولا يحسن توجيه الناس فإنه يقدم من يحسن توجيه الناس على القارئ؛ لأن مقصود الجمعة يوم الجمعة التذكير والخطبة، ولذلك أُمر الناس بالسعي إليها ونهوا عن الكلام أثناء خطبة الخطيب، وكل ذلك تعظيم لشأن الخطبة، الأمر الذي يدل على أن الشرع قصدها، وعلى هذا فإنه إن كان خطيباً مؤثراً وكلامه نافعاً، أو كان فقيهاً عالماً ولكنه دون غيره في القراءة فإنه أولى، والسنة عن رسول الله ﷺ أنه من ولي الخطبة يلي الصلاة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1338
حكم الاحتباء يوم الجمعة بالحبل أو باليدين
السؤال
هل النهي عن الاحتباء أثناء الخطبة يختص بمن كانت معه حبوته -أي: الحبل الذي يحتبي به- أم أنه إذا جمع رجليه بيديه يقع في النهي؟
الجواب
النهي عن الاحتباء فيه حديث تكلم العلماء رحمهم على سنده، وقال من يقول به: إن النهي عن الاحتباء لعلتين: العلة الأولى: خوف النوم، وذلك أنه إذا احتبى لم يأمن أن يسترسل في نومه، ثم بعد ذلك ينتقض وضوءه فتبطل صلاته، وكذلك ينشغل عن ذكر الله وعن الموعظة التي ينبغي أن يستمع إليها ويتأثر بها.
العلة الثانية: أنه إذا احتبى انكشفت عورته، وذلك لأن الناس كانوا يأتزرون، والاحتباء مع الائتزار لا يمنع من كشف العورة في كثير من الأحوال والصور، ولذلك قالوا: إنه يبقى النهي على عمومه، سواء، أكانت معه الحبوة أم لم تكن معه.
أما الذين يفرقون بين وجودها وعدمها فقالوا: إن كانت معه حبوته -كأن يكون معه القماش الذي يدار، أو يلف غطاء رأسه عليه ويعقده، أو يأتي بحزام ثم يجمع بالحزام ركبتيه إلى صدره- فإنها تعينه على النوم، فلا يحتبي بها، أما لو لم تكن معه حبوته وإنما احتبى بيديه، فإنه إذا نام سقط واستيقظ، ففرقوا بين أن تكون معه حبوته وبين ألا تكون معه، وهذا راجع إلى العلة؛ لأنهم لما نظروا أن العلة هي النوم قالوا: إذا كانت معه حبوته يسترسل وينام ولا يشعر، ولكن إذا لم تكن معه حبوته فإنه يجمع بيديه، فإذا نام انفكت يديه فيستيقظ.
ففرقوا بين أن تكون معه الحبوة أولاً تكون معه، ولكن ظاهر السنة العموم، ولذلك يكون تخصيص هذا العموم من جهة علته، والتخصيص من جهة العلة إن قويت قوي وإن ضعفت ضعف.
والذي يظهر والله أعلم -عند من يقول باعتبار هذا الحديث- أن النهي على العموم أولى، وعلى ذلك يشمل من جمع بحبوة أو جمع بيديه فقط.
والله تعالى أعلم.
стр. 1339
الواجب على الخطيب إذا نسي الخطبة الثانية
السؤال
إذا نسي الخطيب الخطبة الثانية، ونزل من المنبر، وأقيمت الصلاة، فهل يجوز أن يرجع؟ وما الحكم لو صلّى ولم يؤد الخطبة الثانية؟
الجواب
سئل بعض العلماء عن هذه المسألة فقال: من أغرب ما رأيت أن تكون الأمة كلها نائمة، ولا أحد ينبه الخطيب، حتى أثناء إقامة الصلاة، فهي أشبه بقولهم: (إذا لم تغرب الشمس).
ولذلك لا يرون أن هذه المسألة لها حقيقة ووجود.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فبعض العلماء يرى أن الخطبتين قائمتان مقام الركعتين الأوليين من الظهر، وبناء على ذلك لا يصح أن يخطب خطبة واحدة وينزل ويصلي، ويلزمه حينئذٍ أن يعيد الجمعة إذا صلى.
وبعضهم يقول: يرجع ويخطب الخطبة الثانية، ثم يقيم للصلاة ويصلي، فحينئذٍ يصح بناؤه.
وهذا أقوى في الاعتداد بصلاته، وسقوط الشبهة في الاعتداد بها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1340
حكم الصلاة على النبي أثناء الخطبة والجهر بها
السؤال
هل يحوز للمأمومين أن يؤمنوا إذا دعا الإمام، أو يجهروا بالصلاة إذا صلى على النبي ﷺ ، أو يكون ذلك في أنفسهم بقاءً على الصمت وعدم الكلام؟
الجواب
أما الصلاة على النبي ﷺ فقد قال بعض العلماء: إذا صلى يصلي جهراً، ولا حرج عليه؛ لحديث: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين، فقلت: آمين)، فقالوا: يصلي عليه لأنه مأمور بالصلاة عليه ﵊ عند ذكره، فقالوا: هذا واجب، فيجب عليه، ولا حرج أن يفعل هذا.
وقال جمهور العلماء: يصلي في نفسه.
وهو أقوى، وحينئذٍ يكون أمره ﵊ دليلاً على سقوط الصلاة عنه، وهو قوله: (إذا قلت لصاحبك -والإمام يخطب- أنصت فقد لغوت)، فتأمل هذا الحديث، فإنه يخاطب صاحبه ويقول: أنصت.
وهذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو واجب، ومع ذلك قال: (فقد لغوت)، فدل على أنه لا يتكلم ولو كانت الصلاة واجبة، وهذا يدل على عظم شأن الخطبة، وأنه ينبغي الإنصات لها والتأثر بها، وكذلك أيضاً عقد العزم على العمل بما فيها من الخير.
والله تعالى أعلم.
стр. 1341
حكم رفع اليدين بين الخطبتين والدعاء
السؤال
هل يجوز رفع اليدين بين الخطبتين والدعاء؟
الجواب
رفع اليدين بالدعاء بين الخطبتين قول طائفة من العلماء، وأنه مما يتحرى لإجابة الدعوة، أي أنه مما يظن أن فيه الساعة التي هي ساعة الجمعة، ولذلك يدعو فيها، ولكن رفع اليدين بقصد القربة يعتبر من الحدث، أما لو أنه دعا دعوة مطلقة فلا حرج عليه في ذلك، أو لم يتخذ ذلك ديمة ولم يعتقد فيه فضلاً فلا حرج عليه؛ لمطلق الأحاديث في جواز رفع اليدين في الدعاء، والوقت الذي بين الخطبة الأولى والخطبة الثانية يشرع فيه الكلام، ويشرع فيه الفعل، وهذا دل عليه الحديث في صحيح البخاري أن الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عمر ﵁ وأرضاه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1342
مواضيع يستحب الحديث عنها في خطبة الجمعة والتذكير بها
السؤال
ما المواضيع التي ينبغي أن يعتني الأئمة بها في خطبة الجمعة؟ وهل كان من هدي السلف تفقيه الناس ما يجهلونه من الأحكام في خطبة الجمعة، أم يقتصر على الوعظ والإرشاد؟
الجواب
أما ظاهر القرآن فخطبة الجمعة دعوة إلى ذكر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، ومعنى هذه الآية الكريمة: أن الناس أحوج ما يكونون في خطبة الجمعة إلى من يذكرهم بالله ، ويذكرهم بوعده ووعيده، وتخويفه وتهديده، وجنته وناره، وبشارته ونذارته، وما عنده من الخير، وما عنده من الشر، وأن الخير لمن أطاعه والشر لمن عصاه، فتذكير الناس بذلك هو المقصود، وإذا وفق الخطيب لأن يمس شغاف قلوب الناس بتذكيرهم بوعد الله ، وما أعد للأخيار من جنته ودار كرامته، وكذلك تخويفهم وتهديدهم من وعيده، وما أعده للأشرار من ناره وعقوبته، فخرج الناس من الخطبة وقد بلغتهم الموعظة، وهم على الرجاء والخوف في قلوبهم، فإن ذلك أدعى لصلاح أمورهم كلها.
فلو أن خطيباً تكلم بموعظة عن الآخرة، فإنه سيتأثر بها صغير الناس وكبيرهم، وعالمهم وجاهلهم، وسفيههم ورشيدهم، وسيصبح التأثر على جميع طبقات من حضر من أفاضل المجتمع، فإذا خرجوا لسلوكهم وتصرفاتهم، وخرجت هذه الموعظة معهم؛ لأنها لا تتقيد بزمان، ولا تتقيد بمكان، ولا تتقيد بحدث، ولا تتقيد بشيء معين، فلو خرج الواحد منهم من المسجد فرأى عورة من عورات المسلمين قال: أستغفر الله.
فغض بصره، ولو سمع أمراً محرماً.
قال: أستغفر الله.
لأن الجنة والنار جعلت أمام عينيه، ولذلك ينبغي التركيز على تبشير الناس بما عند الله تعالى، وتخويفهم مما عند الله، فإن هذا يدعوهم إلى صلاح جميع أمورهم، وقد قالت أم المؤمنين: (كان أول ما أنزل على رسول الله ﷺ آيات فيها ذكر الجنة والنار).
فالناس إذا خافت ورجت ما عند الله تركت زمام أمورها لمن خوفها بالله وبشرها بما عنده؛ لأن الخوف والرجاء مظنة السلامة، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وقال عن عباده الأخيار: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، فجمع لهم بين الخوف والطمع، وبناء على ذلك فإن المقصود من الخطبة أن يمس الإنسان شغاف قلوب الناس حتى يكونوا مطيعين لله ، فيفعلون أوامره ويجتنبون نواهيه، ويخرج كل إنسان إن كان أخطأ في أمور دنيوية لكي يصحح هذه الأمور الدنيوية على وفق شرع الله، وإن كان في أمور دينية اتقى الله فيها فلزم السنة وترك البدعة والتزم الجماعة، وسار على نهج الكتاب والسنة.
فهذا بالنسبة لأفضل ما يكون من ذكر الله ، فإذا ذكّر بهذا التذكير، وكانت الخطبة قائمة على الإيمان بالله وقواعد الإيمان به المدعمة بالأدلة الصحيحة الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ انتفع الناس على اختلاف طبقاتهم.
أما بالنسبة لما يلي ذلك من الأحكام والأمور التي لها مساس بالفقه والمعاملات فهذا بقدر حاجة الناس، فإذا رأى الناس يحتاجون إلى تفقيههم في العبادات فعل، كمواسم الحج، فإنه يذكرهم ببعض الأمور المهمة في حجة النبي ﷺ ، وكذلك يذكرهم بالمعاملات المحرمة، وكيف يتبايعون، وما الذي يحرم عليهم، خاصة إذا عمت البلوى في بعض المعاملات المحرمة، فإنه يخطب فيها خطبة يبين للناس حرمة هذا النوع من التعامل؛ لأن هذا من التذكير بالله .
وكذلك يذكرهم بأمور المسلمين وما يتربص به أعداؤهم من الكيد والأذية لهم، من تشتيت كلمتهم وتفريق صفوفهم، والنيل من ديانتهم وقربهم من الله ، فهذا أمر مهم ومطلوب.
فلابد للخطيب أن يكون عنده تنويع في مثل هذه الأمور، أما المبالغة في الأشياء، بمعنى أن الإنسان يبالغ في جانب معين، فيأتي الناس إليه خطبته في أشياء معينة يدور فيها، ويحيا ويموت عليها، وكأن الإسلام حصر فيها، فهذا من الغلو، فكونه ينحصر في هذه الجوانب، أو يرى العناية بواقع المسلمين ومشاكلهم فيحقر من يذكر الناس بالجنة والنار، فهذا ليس من السنة في شيء، فهو أقرب إلى البدعة منه إلى السنة؛ لأنه غلا في دين الله ، وعدّ أن العناية بواقع المسلمين ومشاكلهم هو الإسلام كله، وهذا ليس بصحيح، بل إن الناس يحتاجون إلى عناية؛ لأن صلاح الناس يبتدئ من الناس أنفسهم، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع، وهذا الذي أمامك إن أصلحه الله بموعظتك وتذكيرك فإنه أدعى إلى أن يخرج إلى بيته وإلى زوجه وإلى إخوانه وأخواته فيؤثر فيهم.
فكون الإنسان يعتني بالإسلام عموماً، ولا ينحصر في جانب معين، هو أقرب إلى سنة النبي ﷺ وهديه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
стр. 1343
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجمعة [٣]
من الأحكام المتعلقة بصلاة الجمعة: أن صلاتها تكون ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ويسن أن يقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقون، ومنها: حكم إقامة أكثر من جمعة في البلد الواحد، ومقدار السنة التي تصلى قبل الجمعة وبعدها.
وللجمعة سنن ينبغي مراعاتها والمحافظة عليها، ومنها: الاغتسال، والتطيب، وليس أحسن الثياب، والتبكير، والدنو من الإمام، وقراءة سورة الكهف، والإكثار من الدعاء والصلاة على النبي ﷺ .
стр. 1344
أحكام صلاة الجمعة
стр. 1345
عدد ركعاتها، والسنة فيما يقرأ فيها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: الجمعة ركعتان].
أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن الجمعة ركعتان، وهي هدي النبي ﷺ الثابت عنه في الأحاديث الصحيحة، ركعتان يجهر فيهما بالقراءة.
قال رحمه الله تعالى: [يسن أن يقرأ جهراً في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين].
قوله: (يسن) أي: ثبت عن رسول الله ﷺ من فعله أنه قرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقون، أما اختيار الجمعة فالمناسبة في ذلك أنه يوم الجمعة، ولذلك إذا قرأها ختمها بأمرهم بما يدل على أهمية شهود صلاة الجمعة؛ لأن الله ختمها بالأمر بحضور صلاة الجمعة وشهودها والنهي عن التخلف عنها، وأما سورة المنافقون؛ فلأنها تشتمل على صفاتهم المذمومة التي حذّر الله منها عباده المؤمنين، فيكون ذلك أدعى إلى دعوة الناس إلى الإخلاص وترك الرياء وصفات المنافقين التي لا يحبها الله ، فذكر صفات أهل النفاق فيه قرع للقلوب، وتذكير لها وتحذير لها من سلوك هذا السبيل الذي سمّى الله أهله، ونفّر العباد من اتباعه.
стр. 1346
التفصيل في حكم إقامة الجمعة في أكثر من موضع من البلد
قال رحمه الله تعالى: [وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة].
والسبب في ذلك أن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده لم يجمِّعوا أكثر من جمعة واحدة، وكان أهل قباء على أميال من مسجد النبي ﷺ ومسجدهم له الفضل والمكانة، ومع ذلك لم يأمرهم النبي ﷺ أن يجمِّعوا، وهذا يدل على أنه لا تشرع أكثر من جمعة في المدينة الواحدة، فإن وجدت الحاجة كاتساع العمران كما هو موجود الآن، وأصبح الناس في مشقة أن يشهدوا الجمعة في مسجد واحد فيجوز التعدد بقدر الحاجة.
وأول تعدد للجمعة وقع في بغداد في عهد بني العباس، وذلك في عصر هارون الرشيد ﵀، فإنه ازدحم الناس على جسر دجلة، وشهد أهل جانب بغداد الشرقي الجمعة فكانوا يزدحمون على الجسر، فربما سقطوا بدوابهم في النهر وغرقوا وماتوا، ولربما مات الضعفاء من النساء والأطفال ونحوهم، فاسترخص الناس في أن يقيموا الجمعة في الشط الثاني من بغداد، فأذن لهم ورخص لهم القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، وهي أول مسألة حصل فيها تعدد الجمعة كما يذكر العلماء رحمة الله عليهم، ولما أفتاهم أن يجمِّعوا أمرهم أن يعيدوها ظهراً احتياطاً.
قال رحمه الله تعالى: [فإن فعلوا، فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها].
قوله: [فإن فعلوا] أي: عددوا من دون حاجة فهم آثمون، كأن تكون هناك جمعة في حي وهناك حي قريب منه، فيقول أهل الحي القريب: لو أننا أحدثنا جمعة في حينا، ولا حاجة أن نذهب إلى الحي الثاني.
فإحداثهم للجمعة محرم إذا لم توجد حاجة وضرورة، فحينئذٍ إذا أحدثوها أثموا.
فإن صلوا فهل العبرة بالجمعة القديمة، أم العبرة بالجمعة الحديثة، أم العبرة بالجمعتين وكلتاهما صحيحة؟ هذا فيه تفصيل بين العلماء: فبعض العلماء يقول: العبرة عندي بأول الجمعتين، فأول الجمعتين وقعت هي المجزئة، فلو أن المسجد الحديث بكّر وصلى الجمعة قبل فجمعته هي المعتدّ بها وهي المعتبرة، ولا ينظر إلى قديم ولا إلى جديد وهذا يقول به بعض أصحاب الشافعي ﵀.
القول الثاني: العبرة بالمسجد القديم، وهو قول الجمهور، كما ينص عليه أصحاب الإمام مالك ﵀، وأصحاب الإمام أحمد، وكذلك جمع من أصحاب الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع، وهذا هو ظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨]، فدل على أن المسجد الذي هو أقدم جمعته هي المعتبرة، وعلى هذا فالجمعة في المسجد الثاني لاغية، سواءٌ أوقعت قبل جمعة المسجد القديم أم وقعت بعده، فالعبرة بالمسجد القديم، سواء أتقدم أم تأخر، ولا حاجة إلى تفصيل العلماء رحمة الله عليهم.
وهناك وجه آخر -كما درج عليه المصنف- أن العبرة بالجمعة التي أذن فيها الإمام وهذا مشكل؛ لأنه ربما أذن الإمام لأصحاب الجمعة الثانية، والجمعة الأولى في الأصل كانت موجودة قبل إذن الإمام، فحينئذٍ لازم هذا أن يحكم ببطلان الجمعة بالمسجد العتيق وصحتها في المسجد الحديث، وظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، فيستصحب نص القرآن على أن العبرة بالمسجد القديم؛ لأنه أحق، والمسجد الجديد داخل عليه، وأهله ظلموا المسجد القديم بدخولهم عليه، ولذلك يعتد بالجمعة التي تقع في المسجد القديم، ولو كانت متأخرة، أما لو كانت وجدت حاجة لإحداث الجمعة الثانية فلا إشكال، فكلتا الجمعتين صحيحة.
قال رحمه الله تعالى: [فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة].
لو أذن الإمام بكلتا الجمعتين فقد قيل: العبرة بالأسبق وقوعاً، وهي التي وقعت ولو كانت في الجمعة القديمة، فإنها هي الصحيحة، ولو أن الجمعة التي وقعت في المسجد الحديث وقعت قبل فإنها هي الصحيحة، والصحيح ما ذكرناه أن العبرة بالمسجد القديم سواء أستويا في الإذن أم استويا في الوقت، أم شك في الوقت، فالعبرة بالمسجد القديم على ظاهر آية التوبة، وهي نص قوي في الاعتداد بالمسجد القديم وعدم الاعتداد بالمسجد الحديث الطارئ عليه.
قال رحمه الله تعالى: [وإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا].
إذا كانت العبرة بالوقت فيرد
السؤال
لو وقعتا معاً فما الحكم؟
و
الجواب
تبطل الجمعتان؛ لأنه لا بد من تصحيح إحدى الجمعتين وإلغاء الأخرى، والضابط في التصحيح مستوٍ فيهما، فلا وجه لتصحيح إحداهما دون الأخرى، قال: [بطلتا]، فيصلونها ظهراً.
والصحيح أن العبرة بالجمعة القديمة -كما ذكرنا- حتى ولو استويتا في الوقت.
стр. 1347
بيان مقدار السنة بعد الجمعة
شرع المصنف ﵀ في بيان جملة من السنن التي أثرت عن النبي ﷺ في يوم الجمعة، فمنها ما يتعلق بالصلاة كالسنن الراتبة، ومنها ما يتعلق بالمكلف من ناحية تهيؤه لصلاة الجمعة ومضيه إليها، فقال ﵀ في بيان السنة الراتبة التي تكون بعد الجمعة: [إن أقلها ركعتان]، وهذا على ما ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (أنه صلى بعد الجمعة ركعتين)، وهاتان الركعتان كان ﵊ يصليهما في بيته، ولذلك حفظ بعضها من أحاديث أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن.
وكذلك ثبت عنه في حديث ابن عمر: (أنه ﵊ صلى بعد الجمعة ست ركعات)، وللعلماء ﵏ في هذا أقوال: فهناك أحاديث أنه صلى ركعتين، وهناك أحاديث أنه صلى أربعاً، وأنه صلى ست ركعات، وأنه بيّن أن السنة يوم الجمعة ست ركعات.
فبعض العلماء يقول: إذا صلى في المسجد يصلي أربعاً، وإذا تسنن في بيته يصلي ركعتين جمعاً بين النصوص، فما جاء عن أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن من صلاته ﵊ بالركعتين يكون في بيته، فنعمل الحديث على ظاهره، وما جاء عنه ﵊ من صلاته في المسجد أربعاً بعد الجمعة يكون في المسجد فهذا وجه للجمع.
ومنهم من خير فقال: يصلي تارة ركعتين، ويصلي تارة أربع ركعات، والاختلاف ليس اختلاف تضاد، إنما هو اختلاف تنوع، فإن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعاً، كأنه يرى أن أقصى ما يصلى هو الأربع ركعات.
ومن العلماء من قال: إن السنة هي ست ركعات، كما ثبت في حديث ابن عمر، فكان ﵊ يصلي أربع ركعات في مسجده وركعتين في بيته، وهذا هو أقوى الأقوال، وهو أن السنة أقصى ما يكون فيها ست ركعات، وأقل ما يكون فيها الركعتان، ولذلك من أراد أن يصيب السنة على أكمل وجوهها وأتمها، فليصل ركعتين في بيته إذا رجع، ويصلي قبلها أربعاً في المسجد.
ولكن إذا لم يتيسر له أن يصلي الأربع في المسجد فإنه يصلي الست في بيته، وإذا لم يكن له بيت، كأن يكون صلى ويريد أن يرجع إلى ضيافة، أو إلى دعوة ولا يتيسر له الرجوع إلى بيته يصلي في المسجد ستاً، وهذا هو المحفوظ عن عبد الله بن عمر ﵄، فإنه كان يصلي ست ركعات في مسجده، كما أثر عنه حينما قدم إلى مكة ﵁ وأرضاه.
والخلاصة من هذا أن للجمعة راتبة، وتختص راتبتها بالبعدية، وليس للجمعة راتبة قبلية، وذهب بعض السلف إلى أن للجمعة راتبة قبلية، وأنه يصلي قبل الجمعة ركعتين، وهذا مأثور عن بعض السلف من الأئمة رحمة الله عليهم، وقال به بعض أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
والأقوى الذي دلت عليه السنة أنه لا يصلى قبل الجمعة راتبة، ولكن الأفضل والسنة للإنسان إذا قدم إلى المسجد قبل صلاة الجمعة أن يكثر من النوافل؛ لأن النبي ﷺ قال في بيان بعض الأعمال والفضائل يوم الجمعة: (ثم دخل المسجد فصلى، ثم جلس فأنصت)، ولذلك استحب العلماء أن يكثر من الصلاة، خاصة وأنه قبل الجمعة بعد الزوال، وهناك قول يقول: إنها ساعة إجابة، ولذلك يستكثر من الصلاة ويصلي؛ لأن أفضل الأعمال هي الصلاة، فيستكثر من الصلاة، ولكن لا يتقيد بالسنة الراتبة، أي: ليس لها سنة راتبة.
واختلف العلماء في الصلاة بين الأذان الأول والثاني: فمذهب طائفة من أصحاب الشافعي ﵏ أنه يصلي بين الأذان الأول والثاني؛ لظاهر قوله ﵊: (بين كل أذانين صلاة)، فقالوا: لا حرج أن يصلي بين الأذان الأول والثاني، وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه إذا أذن المؤذن الأول قام فصلى حتى يشرع الخطيب في خطبته، فيصلي بين الأذان الأول والثاني.
وذهب الجمهور إلى أن حديث: (بين كل أذانين صلاة) يختص بالأذان والإقامة، وأنه لا يشمل الجمعة ولكن مع هذا لا ينكر على من يصلي بين الأذان الأول والثاني، وليس هناك نص صحيح في كتاب الله ولا سنة النبي ﷺ يدل على تحريم الصلاة بين الأذان الأول والثاني، فلو أن إنساناً صلى لا ينكر عليه، خاصة وأن ظاهر قوله ﵊: (بين كل أذانين صلاة) يحتمله، وقد قال به أئمة، والأصل في المسائل الخلافية أنه إذا تمسك أحدهم بظاهر السنة المحتملة فإنه لا ينكر على من فعلها، ولكن إذا اعتقد الفضل بأن قال: أقصد الصلاة بين الأذان الأول والثاني، فإذا اعتقد مزية الفضل في هذا الوقت يكون قد أحدث، أما لو أنه صلى صلاة مجردة، فإن الصلاة في هذا الوقت النصوص دالة على مشروعيتها وجوازها، ولا ينكر على من فعلها، وليس هناك وجه لتحريم الصلاة إلا بنص من الكتاب أو السنة.
ولذلك يبين في هذه المسألة، فإذا صلى بين الأذان الأول والثاني، وأخذ بظاهر قوله ﵊: (بين كل أذانين صلاة)، والأذان الأول أذان شرعي، وقد أجمعت الأمة وأصحاب النبي ﷺ من بعد عهد عثمان ﵁ على هذا الأذان، وقال: إنني أتأول ظاهر هذا الحديث: (بين كل أذانين صلاة)، فهذا وجه تحتمله السنة، ولذلك لا ينكر على من فعله، إنما ينكر لو اعتقد مزية الفضل، فإذا اعتقد مزية الفضل فقد أحدث في دين الله ما ليس منه باعتقاد فضل لوقت لم يرد النص به عيناً، أما لو صلى مطلق الصلاة، أو صلى لتأول ظاهر الحديث: (بين كل أذانين صلاة)، فإنه لا ينكر عليه، خاصة أن من أهل العلم رحمة الله عليهم من يقول: إن قوله ﵊: (بين كل أذانين صلاة) السبب فيه أنه إذا أذن المؤذن فتحت أبواب السماء، فشرع أن يصلى بين الأذان والإقامة، ولذلك يستجاب الدعاء بين الأذان والإقامة، وذلك نظراً إلى كونه إذا أذن المؤذن فتحت أبواب السماء لاشتمال الأذان على أفضل ما يقال وأعظم الكلمات وأجلها عند الله، وهي شهادة التوحيد، فتفتح أبواب السماء، وهذا المعنى ينطبق على الأذان الأول؛ لأنه أذان شرعي أجمعت الأمة على اعتباره والاعتداد به.
قال رحمه الله تعالى: [وأكثره ست].
أي: أكثر هذه السنة الراتبة البعدية ست ركعات، والصحيح -كما قلنا- أنه ليس هناك راتبة قبلية وإنما راتبة بعدية فقط، وهذا مما تختص به الجمعة، بخلاف صلاة الظهر في كل يوم فلها راتبة قبلية وبعدية، وقد تقدم الكلام على هذه الراتبة، وبيان ما ورد عن النبي ﷺ في أعدادها عند كلامنا على صلاة السنن الراتبة.
فقوله: [أكثرها ست] أي: أكثر ما يتنفل به كراتبة بعدية، ولكن لو أن إنساناً أراد أن يصلي بعد الجمعة نافلة مطلقة فإن النبي ﷺ قال في حديث عمرو بن عبسة: (فإذا زالت فأمسك عن الصلاة، فإذا انتصفت في كبد السماء فأمسك عن الصلاة، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم، فإذا زالت فصل فإن الصلاة حاضرة مشهودة)، ولذلك لم يفرق بين الجمعة وغيرها، فلا حرج أن يتنفل النفل المطلق، لكن النفل الذي يقصد منه راتبة الجمعة البعدية لا يكون إلا على أقصى درجة، وهي ست ركعات، وهذا هو أقصى ما ورد عن رسول الله ﷺ ، خاصة وأن حديث الست فيه جمع بين الذي ورد عن النبي ﷺ بالأربع والذي ورد عنه بالركعتين.
стр. 1348
سنن الجمعة
стр. 1349
الاغتسال
قال ﵀: [ويسن أن يغتسل لها].
أي: يسن للإنسان أن يغتسل لصلاة الجمعة، والسبب في هذا أن بعض الصحابة كانوا يقدمون على الجمعة من العوالي ومن قباء، ومن نحوها من الأماكن التي هي من ضواحي المدينة، وكانت الأرض أرض زراعة، فإذا مشوا في الطريق يغشاهم الغبار والتراب، قالت أم المؤمنين: فَعَلَتِ المسجد منهم زهومة بمعنى أنه مع عرقهم وما يكون في الثياب من عرق فاحت هذه الرائحة في المسجد، وتضرر الناس، وكان مسجده ﵊ صغيراً، فتضرر الناس بذلك، فأمرهم ﵊ أن يغتسلوا للجمعة، وهذا يدل على أن السنة أن يغتسل، وهذا الاغتسال فيه حكم عظيمة: أولها: أنه يقوي نفس الإنسان على ذكر الله ، وذلك أن الاغتسال يقوي الإنسان وينشطه، ولذلك ثبت عن النبي ﷺ أنه: (كان إذا دخل إلى مكة اغتسل بذي طوى)، وذي طُوى مثلث الطاء، ويسمى الآن الزاهد، اغتسل فيه ﵊ ونزل وطاف، وهذه سنة يضيعها كثير من المعتمرين إلا من رحم الله، فمن السنة أن يغتسل الإنسان قبل الطواف؛ لأنه إذا اغتسل قويت نفسه، خاصة وأنه قد جاء من السفر في عناء وتعب، فإذا طاف وهو قوي النفس نشيطاً مرتاح البال، مع وجود الاستجمام بإصابة الماء للبدن، قويت نفسه على ذكر الله واستجمت، وأصبح في جلد على الطواف والسعي، فالاغتسال يقوي النفس.
ثانياً: أن الناس يحضرون ويدخلون يوم الجمعة، فإذا اجتمعوا في المسجد ولم يغتسلوا علت منهم الزهومة، وأضر بعضهم ببعض، وهذا جعل بعض العلماء رحمة الله عليهم ينبه على أن الإنسان إذا دعي إلى حلق الذكر ومجالس العلماء التي يكثر فيها الناس أنه يفضل أن يغتسل لها، لا بقصد العبادة، وإنما بقصد المعنى الذي قصده الشرع من الاجتماع، وفرق بين أن يغتسل بقصد القربة والعبادة، وبين أن يغتسل من أجل دفع ضرر النتن الذي قد يكون في ثيابه، أو يكون بسبب الازدحام مع غيره، فقالوا: إن الغسل يوم الجمعة يدفع عن الناس ضرر الرائحة الكريهة.
ثالثاً: أن النبي ﷺ قال في شأن الجمعة والذهاب إليها: (من غسّل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب) إلى آخر الحديث، وقد اختلف العلماء في قوله: (غسل واغتسل): فمنهم من يقول: (غسل واغتسل) معناهما واحد، والمراد به تأكيد الغسل.
ومنهم من يقول: (غسل) أي: تسبب في غسل زوجته، بناء على أنه يصيب أهله قبل أن يذهب إلى الجمعة، فإنه إذا أصاب الأهل قبل ذهابه إلى الجمعة انطفأت الشهوة، فكان أغض لبصره، وأحصن لفرجه، وأبعد له عن الفتنة، فإذا أقبل على الذكر أقبل بنفس مطمئنة، ويكون منشرح الصدر، بعيداً عن الوساوس والخطرات، خاصة وأنه في يوم الجمعة لا يأمن من وجود الاختلاط الذي قد تصاحبه فتنة النظر.
وقال بعض العلماء: (غسل واغتسل) أي: غسل رأسه واغتسل لسائر جسده.
وقال بعضهم: قوله (غسل) أي: أنه توضأ، (واغتسل) أي: غسل جميع بدنه.
وهذه كلها أوجه لها ما يبررها ويدل على اعتبارها، وقال بها جمع من أهل العلم رحمة الله عليهم.
وقول المصنف: [يسن] السنة: ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو قلنا: دعاء الاستفتاح سنة فإن من كبّر وقرأ الفاتحة مباشرة لا يأثم، وهكذا الدعاء المأثور: (ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) بعد التسميع والتحميد، وكذلك: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، فإن هذه الأدعية سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
فقوله: [يسن أن يغتسل] أي أنه إذا اغتسل فأفضل، وإذا لم يغتسل فلا إثم عليه، وهذا مذهب طائفة من العلماء.
والصحيح: مذهب الظاهرية ومن وافقهم من أهل الحديث أن غسل الجمعة واجب، وذلك للأمور الآتية: أولاً قوله ﵊: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، والأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه، ولا صارف صحيح.
ثانياً: أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم).
ثالثاً: أننا وجدنا الصحابة قد فهموا اللزوم للغسل، وذلك أن عثمان ﵁ دخل وعمر يخطب في الناس يوم الجمعة، فقال له عمر: (أي ساعة هذه؟) أي: ما بك وما شأنك قد تأخرت عن الجمعة؟ فقال: (يا أمير المؤمنين! ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت وقدمت فقال: والوضوء أيضاً) كأنه ينكر عليه، فدل على أن الغسل كان معروفاً أنه لازم لصلاة الجمعة، وعلى هذا فإنه يقوى القول بالوجوب.
ثم إن دليل النظر يقوي هذا القول، وهو أنه إذا لم يغتسل أضر بالناس، وذلك بحصول النتن، وإن كان النتن منه يسيراً فاليسير مع اليسير من غيره كثير، والجبال من دقائق الحصى، ومعنى هذا أن دفع هذا الضرر مطلوب شرعاً، وبناء عليه فإنه يعتبر أشبه ما يكون بالوجوب واللزوم منه إلى السنة.
أما الغسل للجمعة فإنه أفضل ما يكون عند إرادة الخروج، فهذا أفضل ما يكون، فمثلاً: لو كان يخرج الساعة التاسعة أو العاشرة، فإنه يؤخر غسل يوم الجمعة إلى هذه الساعة؛ لأنه إذا أخّر غسله إلى هذه الساعة حقق مقصود الشرع من حصول النظافة والنقاء، ومن ثم قال العلماء: الأفضل في غسل الجمعة أن يقع قريباً جداً من الخروج، ولكن إذا كان غسله عند الخروج فيه ضرر عليه كأن يكون في شدة برد، فإنه لا حرج أن يقدمه بوقت على قدر ما يدفع به الضرر عن نفسه.
لكن لو أن إنساناً صلى الفجر واغتسل، أو طلعت عليه الشمس واغتسل، فهل يصدق عليه أنه حقق الواجب من غسل الجمعة؟ الذي يقوى ويظهر أن هذا الغسل ينبغي أن يكون قريباً من الخروج، وذلك للرواية في الصحيح: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، فيكون مطلق قوله: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) مقيداً بقوله: (إذا أتى أحدكم الجمعة)، خاصة وأنه يفهم من النص أو الأمر بهذا الغسل أن يكون نقياً لصلاة الجمعة، فلو أنه اغتسل قبل الجمعة بوقت ربما زال هذا المعنى، فيعتريه ما يعتري الإنسان من العرق ونحو ذلك، فيذهب المقصود من غسله ليوم الجمعة.
قال رحمه الله تعالى: [وتقدم]: أي: تقدمت صفة الغسل، وهذه العبارة تُعقِّب فيها صاحب المتن بأن فيها نظراً، وليس المراد أنها فاسدة من كل وجه، فإذا كان الكلام مستقيماً والحجة مستقيمة وقال الخصم: (فيه نظر)، فإن قوله هذا يكون مكابرة وعناداً، وقد يكون الكلام فيه احتمال الخطأ، فقولهم: (فيه نظر) يعنى أنه يحتمل الخطأ، أو فيه خلل في ضابط من ضوابطه أو أصل من أصوله الذي اعتمدها.
فقول المصنف: [وتقدم] لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قوله: [وتقدم] أي: تقدم أنه مسنون، وهذا احتمال، وحينئذٍ على هذا الوجه يكون الذي تقدم حكم غسل الجمعة.
وإما أن يكون معناه: تقدمت صفة الغسل، أو تقدم بيان الغسل، أو بيان ما يتحقق به الغسل الذي يسن.
فإن كان معنى قوله: [وتقدم] أي: تقدم أنه مسنون، فهذا هو الذي جعلهم يقولون: (فيه نظر)؛ لأنه في باب غسل الجنابة لم يذكر أن غسل الجمعة سنة، فيكون قول الشارح: (فيه نظر)، أي: إن تقدم حكم غسل الجمعة بأنه سنة ففيه نظر.
والواقع أن المصنف ﵀ قصد بقوله: [وتقدم] بأنه تقدم ضمناً ولم يتقدم صراحة، وتوضيح ذلك أنه لما تكلم في باب الغسل ذكر من موجباته خروج المني دفقاً، وتغييب الحشفة، وإسلام الكافر، والحيض إلى آخره، ولم يذكر يوم الجمعة، فلما لم يذكر الجمعة مع الموجبات فهمنا أن غسل الجمعة مسنون وليس بواجب، وهذه إشارة خفية، ومن هنا لم يتبين لمن تعقب المصنف ﵀ وجه كونه قدم الحكم، والواقع أنه قدم الحكم، ولكن قدمه بدقة.
وإن كان مراده بقوله: [وتقدم] أي: تقدم بيان ما يتحقق به الغسل المعتبر، فقد تقدم، فإنه في الغسل بيّن ما يتحقق به الغسل في باب غسل الجنابة، وبناء على ذلك فلا وجه لتعقب صاحب المتن، وكلامه صحيح ومعتبر على الوجهين: إن قلنا: أراد الحكم، فلا إشكال.
وإن قلنا: أراد الصفة، فلا إشكال.
стр. 1350
التنظف والتطيب
قال رحمه الله تعالى: [ويتنظف ويتطيب].
هذا الأمر بالنظافة يفهم منه الأمر بالغسل، وذلك أنه لما أمر الشرع بالغسل فإن معنى ذلك أن يتنظف الإنسان، وهذا صحيح، فإننا نأخذ الأحكام إما من منطوق الشرع، أو مما نفهمه من الشرع، وهذا من الفقه، فإنه إذا جاء النص يأمرنا بغسل الجمعة فإننا نفهم أن المراد أن يكون الإنسان على نظافة ونقاء، إضافة إلى أن الأصل في شهود المساجد ودخولها أن يكون الإنسان على نقاء، يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، فقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] مما يتضمن الزينة المطلقة، سواء أكانت زينة البدن التي يصحبها نقاؤه ونظافته، أم الزينة التي يراد بها ستر العورة، وقد استدل العلماء ﵏ بهذه الآية على اشتراط ستر العورة، وقد تقدم معنا.
قوله: [يتنظف].
الغسل قد يكون فيه نظافة وقد لا يكون فيه نظافة، فالإنسان قد يبلّ جسده بأن يدخل في بركة ويغتسل ولكن لا يتنظف، بمعنى أنه لا يدلك جسده، ولا يبالغ في إزالة الشعث عنه، فالنظافة فوق الغسل، وبناء على ذلك فإن السنة والأفضل للإنسان أن يبالغ في نظافة جسده حتى يكون محققاً لمقصود الشرع من زوال الأذى الذي يتضرر به الناس، وهو وجود الرائحة الكريهة.
وقوله: [ويتطيب].
الطيب هو الرائحة، ويشمل الطيب الذي يكون سائلاً، أو يكون له رائحة كالبخور والند والعود، ونحو ذلك، فهذا كله من الطيب، والطيب من السنة؛ لأن النبي ﷺ قال -كما في الصحيح-: (ومس من طيب أهله)، وهذا يدل على أن السنة أن يتطيب الإنسان، وقد جاء في حديث فضل المضي إلى الجمعة: (ومس طيباً) أي: يمس من طيبه طيب بيته أو طيب أهله، وقالوا: التعبير بطيب الأهل لأن الإنسان إذا أراد أن يتجمل على أبلغ ما يتجمل فإنه يتجمل لزوجه، ولذلك اختار هذا النوع من الطيب الذي يكون به أبلغ ما يكون في زينته، وأحسن ما يكون في رائحته، وكأنه لما قال: (طيب أهله) لأن الإنسان لا يحب أن يضر أهله عند نومه معهم ونحو ذلك، كذلك أيضاً في مخالطته لإخوانه، فإنه يتطيب بأحسن ما يجد من الطيب وأفضله.
стр. 1351
لبس أحسن الثياب
قال رحمه الله تعالى: [ويلبس أحسن ثيابه].
لأنه يوم عيد، والجمعة عيد الأسبوع، ولذلك يلبس أحسن ما يجد، وهي السنة عن النبي ﷺ ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أراد شهود صلاة الجمعة، أو الصلاة عموماً فالأفضل له أن يلبس أحسن ما يجد.
ومن الأخطاء الشائعة عند الناس اليوم -وينبغي أن ينبهوا لها- شهود بعض الناس المساجد بملابس نومهم، فهذا أمر لا ينبغي، وهو يخالف أمر الله بأخذ الزينة عند دخول المساجد، وإذا رأيت إنساناً يدخل المساجد بهذه الثياب تنبهه، ولا مانع أن تبالغ في بيان أن هذا الأمر لا ينبغي للإنسان الذي يقف بين يدي الله ، فإنه لو مضى إلى مقابلة إنسان عظيم فإنه يتجمل ويلبس أحسن ما يجد، ولوجد في نفسه المنقصة أن يخرج بمثل هذه الثياب، والأصل عند العلماء وضوابط العلماء التي قرروها أنه لو خرج الإنسان بالثياب الداخلية أمام الناس والملأ عامة فضلاً عن المسجد فإنه تسقط عدالته، ويعد هذا من خوارم المروءة، فالذي يخرج بثياب نومه أمام الناس في الشارع، فضلاً عن أن يدخل بيت الله والمساجد التي يشهدها الناس على اختلاف طبقاتهم فإنه قد حرم مروءته.
ومن الحياء والخجل أن يخرج الإنسان بثياب نومه إلى بيوت الله ، فينبغي إجلال هذه البيوت، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦]، ولذلك ينبغي للإنسان أن يشهدها وهو على أحسن وأفضل ما يكون، قال ﵊: (ما على أحدكم أن يتخذ ليوم جمعته ثوبين سوى ثوبي مهنته) أي: ما عليه من ضرر لو أنه جعل ثوباً لمهنته، وثوباً لجمعته، مع أن ثياب المهنة يقابل بها الناس، فكيف إذا كان بثياب بيته التي لا يقابل بها الناس؟ ولو أنه دعي لمقابلة إنسان يكرمه ويجله ويعظمه لما خرج بثياب نومه، ولأحس هذا الإنسان أنه يزدريه وينتقصه، فكيف بالله ﷻ ؟! ولذلك ينبغي للإنسان أن يظهر نعمة الله عليه.
كما أن خروج الناس بمثل هذه الثياب فيه أثر نفسي على الأبناء والأطفال، فإن الأبناء والأطفال إذا رأوا آباءهم، أو رأوا كبار السن يخرجون بمثل هذه الثياب إلى المساجد احتقروا أمر الصلاة، وتقالوا أمر المساجد، ولكنهم إذا رأوهم يأخذون زينة المساجد تأسوا بهم واقتدوا بهم، فكان شعوراً نفسياً يعين على إجلال بيوت الله ومساجده، وإجلال شعائره التي من أعظمها الصلاة، قال ﷺ : (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فعلى الأئمة والخطباء أن ينبهوا الناس، وإذا رأيت إنساناً يصلي بجوارك وعليه هذه الثياب تنبهه، وإذا كان الإنسان له مكانة لا مانع أن تقرعه وتقول: إن هذا لا ينبغي، وقد قال ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فالحياء يدعو الإنسان ألا يخرج بمثل هذه الثياب؛ لأن هذه ثياب البيت.
стр. 1352
التبكير في الذهاب إلى الصلاة مشياً
قال رحمه الله تعالى: [ويبكر إليها ماشياً].
هذه هي السنة، لقوله ﵊: (من بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا وأنصت)، فقوله: (من بكر وابتكر) قالوا: بكّر على وزن (فعَّل)، وهذه الصيغة تدل على زيادة المبنى، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، قالوا: إن هذا يدل على تكلف البكور، والبكور في أول النهار، واختلف العلماء رحمة الله في التبكير للجمعة متى يكون؟ فمنهم من يرى أن التبكير للجمعة يكون من بعد الزوال، كما هو قول طائفة من فقهاء المدينة من السلف رحمة الله عليهم، وبه يقول إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمة الله على الجميع.
والقول الثاني أن التبكير يكون من أول النهار، وهو مذهب الجمهور، فيمشي من بعد طلوع الشمس.
بل قال بعضهم: لو صلى الفجر وجلس كان أبلغ في التبكير، أي: لو أنه بعد صلاة الصبح، وبعد رجوعه إلى بيته وإصابته لطعامه خرج إلى مسجده، فهذا أبلغ ما يكون من البكور.
وإن كان الأقوى أنه بعد طلوع الشمس؛ لأن فيه الساعات الأول التي فيها الفضل، والتي سبق بيانها وأنه: (من خرج في الساعة الأولى كان كأنما قرب بدنة ... ) الحديث، فهذا الفضل لا يكون إلا للمبكر، وهو الذي يخرج في أول الساعات.
فالفضل يكون في البكور، ولأن البكور فيه مسارعة للخير ومسابقة إليه، والله ندب عباده إلى المسارعة والمسابقة إلى الخير، فقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣]، فالذي يسارع إلى الجمعة يسارع إلى مغفرة من ربه، والذي يسابق إلى الجمعة يسابق إلى مغفرة من ربه، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض؛ لأن دافعه إلى ذلك رجاء رحمة الله، ورجاء عفوه ومغفرته ورضوانه، فالفضل في التبكير للجمعة، وأعظم الناس أجراً في الجمعة أبعدهم إليها ممشى، وأسبقهم إليها تبكيراً.
стр. 1353
الدنو من الإمام
قال رحمه الله تعالى: [ويدنو من الإمام].
لأنه في القديم كانت المساجد لا يوجد فيها الأجهزة التي يبلغ فيها الصوت، فكلما دنوت من الإمام كلما كان ذلك أدعى لسماعك، والمقصود من الجمعة أن تسمع الموعظة، ولذلك من أفضل ما يكون للعبد يوم الجمعة أن يكون تأثره بالخطيب بليغاً، حتى ولو كانت خطبته لا يجد فيها تلك الفصاحة وتلك البلاغة، لكن ينبغي أن يتفاعل مع ما يقوله الخطيب وما يأمر به من أوامر الله وما ينهى عنه من زواجر الله، فإنه إذا فعل ذلك، وتأثر بما يقوله الخطيب فإنه من أفضل الناس وأعظمهم أجراً، وكان العلماء ﵏ يستبشرون للعبد بذلك، ويعدونه من دلائل الإيمان.
وما جعلت هذه المنابر، وما أمر الأئمة بإلقاء الخطب عليها إلا للعمل وللتأثر بما يقولون، فإذا رزق الله العبد أذناً صاغية وقلباً واعياً، فإن هذا من نعم الله عليه، وقد كانوا يقولون: من أعظم الناس أجراً يوم الجمعة أفضلهم تأثراً بقول الخطيب.
وكان بعضهم يقول: إن من دلائل القبول أنه إذا وجد نفسه في الخطبة تتأثر وينكسر قلبه ويخشع، وربما يبكي، ويحس أن هذه الزواجر تقرعه وتذكره وتعظه، وأنها تنصحه، ويجد لها وقعاً بليغاً على قلبه، فليحمد الله، على عظيم نعمة الله عليه، فهذا من نعم الله، ومما يخص الله به من شاء من عباده.
وقد اختلف العلماء في مسألة وهي: لو أن الإنسان يوم الجمعة كان في بادية، أو في مكان ليست فيه أجهزة مكبر الصوت، فلو أنه جاء مبكراً فأدرك الصف الأول في طرفه بحيث لا يسمع الخطبة، ويمكنه أن يأتي في الصف الثاني فيسمع الخطبة، فهل الأفضل أن يكون في الصف الأول مع بعده عن سماع الإمام، أم يكون في الصف الثاني مع سماعه وتأثره؟ ومثل هذه المسألة أيضاً: صلاة الفجر، فقد اختلفوا فيها: هل الصف الثاني أفضل إذا كان الصف الأول أبعد عن الإمام بحيث لا يسمع قراءته، أم الفضيلة للصف الأول وإن لم يسمع قراءة الإمام؟ فبعض العلماء يقول: إن قربه من الإمام ولو كان في الصف الثاني أو الثالث أو الرابع أفضل من الصفوف الأول، ويرجح ذلك بقوله : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فقالوا: إن هذا يدل على فضل هذه القراءة، خاصة وقد قيل: إن الفجر تشهده الملائكة وقيل: إنه يشهده الله ، أي أن النزول إلى السماء الدنيا يستمر إلى قراءة الفجر إعظاماً لهذه الصلاة.
والصحيح: أن قوله: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، معناه: تشهده الملائكة؛ لقوله ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار يجتمعون في صلاة الصبح والعشي) التي هي صلاة العصر، فقوله: ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] معناه: تشهده الملائكة.
وفائدة الخلاف أن من يقول: الأفضل أن يكون في الصف الثاني والثالث مع السماع والتأثر، يقول: السماع والتأثر مقصود من الشرع، فكأن صلاة الجمعة قصد منها أن يسعى الإنسان ويتأثر، فيحقق بذلك مقصود الشرع والنفع بها متعدد، خاصة وأنها من جنس العلم، والصف الأول من جنس العبادة، والعلم مقدم على العبادة، ففضل العلم مقدم على العبادة.
ومن يقول: الصف الأول أفضل، فذلك لعموم النصوص.
وثانياً: أن الصف الأول فضيلته متصلة، أي: أنه يتصل بنفس فعل الصلاة، والسماع لا يعتبر في كل الصلاة وإنما في بعضها، فإذا صلى الصلاة كلها في الصف الأول فالفضيلة كاملة له، لكن السماع لا يكون إلا في حال الخطبة، ولا يكون إلا في حال القراءة، كما في صلاة العشاء يكون في الركعتين الأوليين، وفي صلاة المغرب في ثلثي الصلاة وهما الركعتان الأوليان.
فقالوا: الأفضل أن يصلي في الصف الأول.
والحقيقة أن الصف الأول أفضل من جهة النص ومن جهة المعنى، ومقصود الشرع من ناحية الفائدة، فإن القرب من الإمام أفضل، لكن والحمد لله مع وجود الوسائل الموجودة الآن لا شك أنه يرتفع الخلاف، ويكون الصف الأول أفضل مطلقاً؛ لأنه يسمع الإمام ويصيب فضيلة الصف الأول.
стр. 1354
قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
قال رحمه الله تعالى: [ويقرأ سورة الكهف في يومها].
أي: السورة التي ذكرت فيها قصة أهل الكهف، وتسمى سور القرآن بما يذكر فيها، وقد اختلف السلف في ذلك: فبعضهم يقول: لا يقال: سورة الكهف، ولا يقال سورة البقرة، وإنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، أو السورة التي يذكر فيها الكهف.
والصحيح أنه يجوز أن يقال: سورة الكهف، وسورة البقرة؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما ذكر شفاعة القرآن قال: (تقدمهم سورة البقرة وآل عمران)، وقال: (من قرأ الآيتين من آخر البقرة في ليلته كفتاه)، فهذ يدل على مشروعية تسمية السورة مباشرةً بقوله: سورة البقرة، وسورة آل عمران، ونحو ذلك.
وذكره قراءة سورة الكهف لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الحديث -وحسنه غير واحد من الأئمة- قوله: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطي نوراً كما بين السماء والأرض)، وهذا يدل على فضل قراءة هذه السورة يوم الجمعة.
وللعلماء وجهان في قراءتها: فمنهم من يقول: تقرأ في ليلة الجمعة، ولا حرج أن يقرأها في الليل أو النهار فهو بالخيار.
ومنهم من يقول: لا تكون قراءتها في الليل، وإنما بين طلوع الشمس إلى غروبها.
ويفضل بعض العلماء أن تكون قبل الصلاة، بمعنى أن تكون ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الجمعة، وهذا أقوى وذلك لأنه يكون في أول النهار، فلما يقرأ القرآن تكون عبادته معينة له على صلاة الجمعة وحضور القلب، فكلما شهد الإنسان الجمعة وهو أكثر خيراً وأكثر براً كلما كان أكثر تأثراً وأكثر انتفاعاً وأرجى للقبول من الله ، ولكن لا حرج لو قرأها بعد صلاة الجمعة، أو بعد العصر.
وينبغي أن ينبه على أنه لا يعتقد الفضل لوقت معين بعينه لقراءة هذه السورة، فلو قال إنسان: لا تقرأ هذه السورة إلا في الساعة الأولى من الجمعة، فإن تحديده لهذه الساعة بدعة، وذلك لأنه أحدث؛ لأن الشرع أطلق وهو قيد، ولا يجوز تقييد المطلقات من الشرع إلا بدليل يدل على هذا التقييد.
قال العلماء: سبب تخصيص سورة الكهف بالقراءة يوم الجمعة لما فيها من ذكر ابتداء الخلق، وكذلك لما فيها من ذكر مآل الناس من مشاهد يوم القيامة وعرصات يوم القيامة، ولما فيها من التزهيد في الدنيا وضرب الأمثال على حقارة الدنيا، خاصة قصة صاحب البستان، وما كان منه من كفر نعمة الله عليه، وكيف أن الله انتقم منه لما كفر نعمة الله ، وبيان حقيقة الدنيا بقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٤٦]، فكون الإنسان يقرأ مثل هذه الآيات، ويتأثر بها ويحس أنها تخاطبه لا شك أن هذا يدل على فضل هذه السورة، وكذلك ما اشتملت عليه من الدعوة إلى طلب العلم وفضل طلب العلم -كما في قصة الخضر وموسى- كل هذا يدل على فضل هذه السورة لما تشتمل عليه من معانٍ جليلة، ولذلك كان ﷺ يقرأ في فجر الجمعة بسورتي السجدة والإنسان، قالوا: لما فيهما من ذكر الآخرة، والتذكير بمآل الناس يوم القيامة من نعيم وجحيم.
стр. 1355
الإكثار من الدعاء والصلاة على النبي ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [ويكثر الدعاء والصلاة على النبي ﷺ ].
قوله: [ويكثر الدعاء] أي: يوم الجمعة، والسبب في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم -أو قال: مؤمن- يسأل الله شيئاً إلا أعطاه) أياً كان هذا الشيء من خيري الدنيا والآخرة.
ومعنى ذلك أنه يشرع الإكثار من الدعاء يوم الجمعة، ويسن الإكثار منه، ولذلك لما كان قيام ليلة القدر له فضله شرع في العشر الأواخر أن يحيا ليلها بالقيام، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه شد المئزر وأحيا ليله، فلما نبه الشرع على أن: (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله شيئاً من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه) دل على أنه يشرع ويسن الإكثار من الدعاء حتى يصيب الإنسان هذه الساعة، يقول العلماء: التنبيه على الساعة دعوة إلى الإكثار من الدعاء؛ لأنه لما نبه على أن هناك ساعة فكأنه يقول: ادعوا وأكثروا من الدعاء علكم أن توافقوا هذه الساعة.
والعكس بالعكس، فإذا منع الشرع، أو كان هناك رجاء إجابة وخيف من دعوة ظالمة يمنع من الدعاء، كما قال ﵊: (لا تدعوا على أولادكم لا توافقوا باباً في السماء مفتوحاً فيستجاب لكم)، فحذر ومنع؛ لأن هناك ساعة يستجاب فيها الدعاء، فمنع من الدعوة التي فيها ضرر.
والساعة التي حث عليها النبي ﷺ قليلة؛ لأن الرواية الصحيحة تقول: (أشار بيده يقللها) حتى قال بعض العلماء: إنها برهة من الوقت وجاء في بعض الأحاديث أنها ساعة كاملة تشمل جزء النهار، والنهار اثنتا عشرة ساعة كما في الصحيح، فهي ساعة بكاملها، وهي ستون دقيقة، وإن كان الأقوى في رواية الصحيح أنها ساعة يقللها ﵊.
وقد اختلف العلماء في وقت هذه الساعة: فقال بعض أصحاب النبي ﷺ : إنها بعد ارتفاع الشمس بقدر ذراع أي: بعد الارتفاع بقليل، وهذا قول ضعيف؛ لأن هذا الوقت منهي فيه عن الصلاة، وقد قال النبي ﷺ في الرواية الصحيحة: (لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي)، فدل على كونها في وقت صلاة، وإن كان اعتبر بعض العلماء هذا بأنه إذا جلس بعد صلاة الفجر ينتظر الإشراق وينتظر الصلاة يكون في حكم المصلي ولكن هذا محل نظر؛ لأن قوله ﷺ : (ما يزال في صلاة ما انتظر الصلاة) أي: الصلاة المفروضة، وهذا يجعله لا يوافق هذا الفضل إلا إذا كان جالساً في مصلاه بعد الفجر إلى أن يصلي الجمعة، وهذا من المشقة بمكان.
وقال بعض العلماء: تكون بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة إلى طلوع الشمس، وهذا أيضاً مروي عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وهذا القول مشكل؛ لأن هذا الوقت أيضاً ليس بوقت صلاة، وقد نهى النبي ﷺ عن النافلة فيه، ولذلك يضعف أن يكون هذا الوقت وقت إجابة؛ لأن تلك الساعة يكون فيها العبد مصاحباً للصلاة، لقوله ﷺ : (وهو قائم يصلي)، كما في رواية مسلم.
وقال بعض العلماء: إنها من بعد الزوال مباشرة.
أي: من حين أن يبدأ الزوال تكون هذه الساعة، وهذا القول فيه قوة، وخاصة أن النبي ﷺ لما صلى قبل صلاة الظهر أربعاً قال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، ولما التقى شيخ الإسلام -رحمه بالله- بالتتار كان يقول للقائد: انتظر -أي: لا تبادر المعركة- حتى تزول الشمس وتهب الرياح، ويكون الوقت أرجى لقبول الدعاء ساعتها، ويدعوا المسلمون على المنابر.
فهذا الوقت من أرجى الأوقات، وهو من بعد زوال الشمس، أو من بداية زوال الشمس.
وبعض أصحاب هذا القول: من بعد الزوال ولو لحظة أي: بعد أن تزول الشمس يقوم الإنسان ويصلي بعد زوالها مباشرة.
القول الرابع: أنها من بعد الزوال إلى أن تنتهي الصلاة.
القول الخامس: أنها من حين يشرع الإمام في الخطبة إلى أن تنتهي الصلاة.
القول السادس: أنها من حين يشرع في الخطبة إلى أن تقام الصلاة.
القول السابع: أنها عند إقامة الصلاة.
القول الثامن: أنها أثناء إقامة صلاة الجمعة، أي: من حين تقام الصلاة ويكبر تكبيرة الإحرام إلى أن يسلم.
القول التاسع: أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس.
القول العاشر: أنها قبل غروب الشمس بساعة.
القول الحادي عشر: أنها في الثلاث الساعات التي قبل غروب الشمس.
والأفضل والأولى وهدي السنة أن يسكت عن هذه الساعة؛ لأن الشرع سكت، وما ورد من الأحاديث فهو متعارض، مثل حديث أبي سعيد مع حديث أبي ذر، فالأحاديث فيها معارضة، مع أن الصحابة كانوا يفهمون هذا.
لكن الأقوى من ناحية النص والدليل أنها تكون في وقت تشرع فيه الصلاة، وهو من طلوع الشمس قيد رمح، إلى أن تصلى صلاة العصر، ويستثنى أثناء الزوال، وبعض العلماء لا يستثني وقت الزوال؛ لأنه يرى أن ساعة الزوال في يوم الجمعة مرتفعة، أي: ساعة انتصاف الشمس في كبد السماء، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (فإذا انتصفت فأمسك عن الصلاة، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم)، فمن بعد طلوع الشمس قيد رمح إلى صلاة العصر هذا هو الوقت المشتمل، وأما ما عدا هذا من الأقوال فإنه يعارض قوله ﷺ : (وهو قائم يصلي).
وأما القول بأنها بعد العصر فبناءً على أنه إذا جلس ينتظر صلاة المغرب أنه في صلاة، وأما ما أثر عن أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة فمشكل؛ لأنه قال: (وهو قائم)، ولم يقل: وهو يصلي.
مع أنه جاء في بعض الروايات: (وهو يصلي)، لكن رواية: (وهو قائم يصلي) تؤكد على أنها صلاة ذات ركوع وسجود، وكونه يقال: إنه إذا انتظر الصلاة فهو في صلاة فهذا حكم الصلاة، وفرق بين الحكم والوصف، فلو قال ﵊: (وهو يصلي) لاستقام القول، لكن لما قال: (وهو قائم يصلي) فالقيام يدل على وجود الفعل للصلاة بذاتها.
والذي تطمئن له النفس أنها ساعة من بعد ارتفاع الشمس قيد رمح إلى صلاة العصر، ما خلا ساعة الزوال، على أصح أقوال العلماء من أن ساعة الزوال في يوم الجمعة وفي غيرها على حد سواء يمسك فيها عن الصلاة، خلافاً للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فقد استدل بحديث رواه في مسنده وهو حديث ضعيف، وفيه استثناء يوم الجمعة، والصحيح: أن ساعة الزوال أو ساعة انتصاف الشمس في كبد السماء لا يصلى فيها للإطلاق في النصوص، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه حتى يرد ما يقيده من الأدلة الصحيحة.
كما أن الذي تطمئن إليه النفس أنه يمسك عن تحديد هذه الساعة؛ لأنه منهج الشرع، ولذلك جاء في ليلة القدر أن الأفضل أن يمسك عنها؛ لأنه أدعى إلى اجتهاد الناس وإقبالهم على العبادة، وبعض العلماء رحمة الله عليهم كان يستغرب من إهمال أول النهار، فيقول: إن الأقوال كلها انصبت على آخر النهار، وانصبت من بعد الزوال، مع أن ساعة الضحى تعتبر من ساعات الغفلة، ويوم الجمعة الناس فيه أكثر بيعاً وشراءً ولهواً في الدنيا، ولا يقبل على العبادة في مثل هذا الوقت إلا من كان حاضراً فقط، مع أنها ساعات فضل بالتبكير إلى الجمعة، ولذلك كان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يطمئن إلى الساعات في أول النهار، ولكن الأفضل والأولى أنه شيء سكت عنه الشرع، فإذا لم يرد الدليل الصحيح الصريح فإنه يبقى على الإطلاق الذي أطلق الشرع فيه هذه الساعة، خاصة وأنهم لما قالوا: بعد صلاة العصر فإن ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وقت طويل، وقد جاء في الحديث: (أشار بيده يقللها)، وكذلك من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، فقد يصل إلى أكثر من ساعة، ولذلك يضعف هذا القول، ويقوى القول الذي يقول: إنها في ساعة تباح فيها الصلاة، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس.
قوله: [ويكثر الدعاء]، هذا أمر يضيعه كثير إلا من رحم الله، فالناس عندما كانت قلوبهم مملوءة بالخير وبإعظام الله ﷻ ، وكان الدين قوياً كانوا في مثل هذه الأيام المباركة يكثرون من ذكر الله ، ومن سؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ولكن قلّ أن تجد اليوم من يعمر أوقاته في يوم الجمعة بذكر الله ، وهذا من الغفلة، وقد كان السلف يكثرون من تلاوة القرآن، وكذلك من الصلاة على النبي ﷺ ، فإنك لو تأملت قوله ﷺ : (أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) وسألت نفسك: كم تصلي على النبي ﷺ في يوم الجمعة لوجدتها صلوات معدودة، بل إنك قد تجد من الناس من لا يصلي على النبي ﷺ إلا في صلاته، أو حين يأمر الخطيب بالصلاة على النبي ﷺ ، وهذا من غفلة الناس.
فهذا اليوم مأمور بالإكثار فيه من الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، ويستحي العالم وطالب العلم والعامي أن يعرض اسمه على رسول الله ﷺ ولم يصل عليه إلا النزر القليل، ولذلك على الإنسان أن يكثر من الصلاة على النبي ﷺ في هذا اليوم، ويأمر أبناءه وأهله بهذه السنة التي أضاعها الكثير، فقد قال ﷺ : (من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً)، وهذا فضل عظيم، وفيه أجر كثير للإنسان، فعلى الإنسان أن يكثر من الصلاة والسلام على سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكانوا يقولون: من نعم الله التي أنعم بها على أهل الحديث ورواة حديث رسول الله ﷺ أنهم يكثرون الصلاة على رسول الله ﷺ ، وهي من أفضل القربات وأجلها وأحبها إلى الله .
واختلف العلماء في الأفضلية في يوم الجمعة: هل هي أن يكثر من تلاوة القرآن، أو من ا
стр. 1356
الأسئلة
стр. 1357
التنفل يوم الجمعة في وقت النهي
السؤال
كيف يكثر المصلي من النوافل يوم الجمعة، مع كون بعض أوقاتها منهياً عن الصلاة فيه؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن معنى السؤال أن يوم الجمعة لو أن إنساناً أكثر فيه من النوافل فإنه ربما صلى أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء، وبناءً على ذلك يقولون: كيف يُكثر من النوافل مع أنه ربما يوافق وقت النهي؟! والجواب أن وقت النهي في يوم الجمعة للعلماء فيه قولان: فمذهب طائفة من العلماء -كالشافعية ومن وافقهم- أن يوم الجمعة يجوز للإنسان أن يصلي فيه النافلة ولو كان أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء، وفيه حديث رواه الشافعي في مسنده، ولكنه ضعيف.
والذي يظهر أن يوم الجمعة وغيره على حدٍ سواء، وأنه لا يتنفل إذا انتصف النهار؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه نهى عن الصلاة في هذه الساعة، وهي ساعة انتصاف الشمس في كبد السماء، وقال ﵊: (فإذا انتصفت فأمسك عن الصلاة فإنها ساعة تسجر فيها جهنم) نسأل الله السلامة والعافية.
قالوا: هذا عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه، فإنه لم يقل: إلا يوم الجمعة.
وهذا القول هو أقوى الأقوال، وهو أن يوم الجمعة وغيره على حد سواء، ولا يصلي الإنسان أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء.
وتعرف هذا الوقت المنهي عن الصلاة فهي بأن تنظر إلى الوقت الذي يكون فيه إشراق الشمس، والوقت الذي يكون فيه غروب الشمس، وتحسب ما بينهما من الزمان، ثم تقسمه على اثنين، فذلك هو وقت انتصاف النهار.
فإذا كان طلوع الشمس الساعة السادسة، وغروبها الساعة السادسة، فإن المجموع سيكون اثنتي عشرة ساعة، فحينئذٍ تقسمها على اثنين فتكون ست ساعات، فعند بلوغ الساعة الثانية عشرة والنصف حينئذ تمسك عن الصلاة، ويبقى هذا القدر الذي يقارب عشر دقائق إلى سبع دقائق لا تصلي فيه، فتحسب ما يبن الإشراق -أي: الإشراق المحض، وليست صلاة الإشراق الموجودة في التقاويم- ووقت غروب الشمس؛ لأن صلاة الإشراق قد يُحتاط فيها بارتفاع الشمس قيد رمح، فلا بد وأن يكون الوقت دقيقاً في الإشراق ودقيقاًً في الغروب، فتحسب ما بينهما وتقسمه على اثنين، فيكون الناتج هو وقت انتصاف الشمس في كبد السماء، ففي هذه اللحظة تقف عن الصلاة، وإنما تصلي قبلها أو بعدها، والسبب في ذلك نهي النبي ﵌ عن الصلاة في مثل هذا الوقت، والنصوص عامة، ويوم الجمعة وغيره على حدٍ سواء، والله تعالى أعلم.
стр. 1358
الجمع بين القول بوجوب الغسل وقول الرسول ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت)
السؤال
إذا قلنا بوجوب غسل الجمعة فكيف نجيب عن حديث النبي ﷺ (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، وهل يقتضي كونه واجباً إثم من لم يغتسل؟
الجواب
اختلف العلماء في ثبوت هذا الحديث، فمن أهل العلم من ضعَّفه، وإن كان تحسينه قوياً عند طائفة من المحدثين، لكن القول بثبوته وكونه حسناً لا يعارض ما ثبت في الصحيح، فيجاب من وجهين: الوجه الأول: ما اختاره العلماء بأنه يحتمل أن يكون قبل أمر العزيمة، وهذا من أقوى الأجوبة، وذلك أن النبي ﷺ كان موسِّعاً على الناس، فقال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) قالت أم المؤمنين عائشة: (فلما علت المسجد منهم زهومة)، وهذا يدل على أنه أمرٌ متأخر لازدحام الناس، والسبب في ذلك أن النبي ﷺ كان يخطب على الجذع، فلما كان في آخر حياته خطب على المنبر -كما في الصحيحين من حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ لأجل كثرة الناس وامتلاء المسجد، وهذا يؤكد أنه كان في أواخر العصر المدني.
وعلى هذا يكون الجمع بين الحديثين أنه كان رخصة في أول الأمر.
الوجه الثاني: إذا قيل بالمعارضة فإن هذا الحديث لا يقوى على معارضة النص الذي معنا، وذلك أن النص الذي معنا مما اتفق عليه الشيخان، والقاعدة في الأصول أنه إذا تعارض الصحيح والحسن يُقدَّم الصحيح على الحسن، كما قال صاحب الطلعة في الحديث الحسن: وهو في الحجة كالصحيح ودونه إن صير للترجيح أي: الحديث الحسن نحتج به كما نحتج بالحديث الصحيح، ولكن إذا عارض الصحيح فإننا نسقطه في مقابل ما هو أصح منه وأثبت، وبناءً على ذلك فلا إشكال باعتماد القول الذي يقول برجحان وجوب غسل الجمعة، خاصة وأن هناك عدة أحاديث: منها: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، وحديث عائشة: (فأُمِر الناس أن يغتسلوا) وقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، فهذه الأحاديث قوية جداً في التأكيد واللزوم، وعلى هذا فإنه يقدم القول الذي يقول بوجوبه، مع أن بعض العلماء يقول: إن متن حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) لا يخلو من نظر من ناحية دقة تركيبه اللغوي، وبعده عن الجزالة ودقة البلاغة في التعبير، ولذلك يقولون: إنه لا يبلغ ما بلغه ما هو أصح منه من الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ .
ثم إن مما يقوي هذا الترجيح أننا وجدنا الصحابة يرجِّحون جانب الغسل، ووجه ذلك: أن عمر ﵁ لما تأخر عثمان قال: أي ساعة هذه؟! قال: يا أمير المؤمنين: كنت في السوق، فما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت ثم غدوت.
قال: والوضوء أيضاً! والإنكار لا يكون إلا في ترك واجبٍ أو محرم، فقوله: [والوضوء أيضاً!] دل على أنه كان معروفاً أنه لا جمعة حتى يغتسل من أراد أن يجمِّع، وهذا قاله أمير المؤمنين ﵁ على حضور ملأ من الصحابة، وكان ذلك الزمن غضاً طرياً قريباً من عصر النبي ﷺ ، ولا يقول قائل: إن هذا يدل على السنية لأنه جاء بأسلوب الإنكار.
وبناء على ذلك يقوى القول الذي يقول بأنه إذا تعارض النصَّان وعمل الخلفاء الراشدون أو أحد منهم بأحد النصين كان مرجِّحاً له على غيره، فهذا يقوي ترجيح الأمر على حديث السعة والرخصة، والله تعالى أعلم.
стр. 1359
الواجب على من شرع في الطواف يوم الجمعة ثم بدأت الخطبة
السؤال
ما حكم من شرع في الطواف يوم الجمعة، وقبل أن يكمل شرع الإمام في الخطبة، هل يُتِم طوافه، أو ينتظر حتى ينتهي الإمام من الخطبة والصلاة؟
الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل: فالأطوفة تختلف، فما كان من الأطوفة واجباً وفرضاً لازماً فالمختار أنه لا يقطعه، ويستمر فيه حتى ينتهي؛ لأنه يمكنه أن يستمع الخطبة، مع أنه في الغالب إذا كان الطواف عليه واجباً أن يكون من المسافرين الذين لا تلزمهم الجمعة.
ولذلك يقولون في مثل هذا: يستمر حتى ينتهي من طوافه، ثم بعد ذلك إذا أقيمت الصلاة دخل مع الإمام وصلَّى.
أما إذا كان الطواف سنة أو مستحباً، فحينئذٍ يقولون: إنه يقطعه، ويُنصِت للإمام ويستمع، ولا حرج عليه في ذلك واختار بعض العلماء أنه يُتِم الطواف، سواء أكان نفلاً أم فريضةً؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، ولأنه يمكنه أن يجمع بين الإنصات بالسكوت عن أذكار الطواف، ويكون مشتغلاً بالسماع للخطيب أثناء طوافه، ولا حرج عليه في إتمام الطواف على هذه الصورة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1360
كيفية صلاة السنة البعدية يوم الجمعة لمن صلاها ستاً
السؤال
من صلى السنة الراتبة بعد الجمعة أربعاً أو ستاً، فهل يصليها ركعتين ركعتين، أم يجعلها متصلة بسلام واحد؟
الجواب
من صلى هذه الست التي وردت في حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه وغيره، فإنه يجوز له أن يصلي الأربع الأُوَل بتسليمة واحدة، ثم يصلي ركعتين، ويجوز له أن يصليها ركعتين ركعتين، فهذان وجهان يخير بينهما، والله تعالى أعلم.
стр. 1361
أفضلية ترديد الأذان الأول لمن دخل المسجد وأراد أن يصلي التحية
السؤال
رجل دخل المسجد في وقت أذان الجمعة، فهل يصلي تحية المسجد، أم يستمع ويردد الأذان؟
الجواب
يردد الأذان لإمكانه بعد الأذان الأول أن يصلي تحية المسجد دون أن يفوته فضل المصاحبة والموافقة للمؤذن في ذكره، وأما إذا دخل أثناء الأذان الثاني فإننا إذا قلنا: إنه ينتظر فإنه يكون منشغلاً بالفضيلة التي يردد فيها وراء المؤذن، ويفوته ما هو أفضل من استماعه وإنصاته لخطبة الجمعة، وعلى هذا فإنه يصلي ولو كان ذلك أثناء الأذان لكي يدرك الإنصات للجمعة بكمالها، وهذا عند بعض العلماء آكد وألزم، والله تعالى أعلم.
стр. 1362
صيغة الصلاة على النبي ﷺ
السؤال
هل للصلاة على النبي ﷺ صفة معينة، وذلك للإكثار منها يوم الجمعة؟
الجواب
الصلاة على النبي ﷺ أفضل ما تكون إذا كانت بالصيغة الإبراهيمية التي دل ﵊ أمته وأصحابه عليها، فإذا صلى الصلاة الإبراهيمية فذلك أفضل وأكمل ما يكون؛ لأن القاعدة في الشرع: (الوارد أفضل من غير الوارد)، فالصلاة بهذه الصيغة الواردة عن رسول الله ﷺ أفضل وأكمل.
وأما بالنسبة للصيغة في الصلاة، فالأفضل أن يجمع بين الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فأمرنا أن نجمع بين الصلاة والسلام عليه ﷺ ، والله تعالى أعلم.
стр. 1363
حكم الصلاة على النبي أثناء الصلاة
السؤال
إذا قرأ الإمام قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فهل يجوز للمأموم أن يتلفظ بالصلاة، أم يجعلها في نفسه، أم لا يقول شيئاً على الإطلاق؟
الجواب
من فقه الإمامة التي ينبِّه عليها بعض العلماء أن لا يوقع الإمام المصلين وراءه في الحرج، ومن هنا قالوا: إنه لا يقرأ بسورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] لأنه إذا كبر للركوع ذهبوا إلى السجود وسجدوا.
وكذلك أيضاً قالوا: إنه لا يتعاطى الأمور التي توجِب اختلاج صلاة الناس.
ومثل هذه المسألة الأمر بالصلاة على النبي ﷺ ، يقولون: إنه سيعرض المأمومين إلى التكلم في الصلاة، ولذلك يقولون: إن الأفضل أن لا يتعاطى مثل هذه الأمور التي قد توقع الجاهل في الأمور المحظورة، فإن الإنسان إذا صلى وراء إمام وقرأ آية الصلاة على النبي ﷺ صلى عليه في نفسه، ولا يتلفظ بالصلاة، وقد قال ﵊ (إن في الصلاة لشغلاً).
وفي الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (وإذا قرأ فأنصتوا).
وأما بالنسبة للنافلة فقد قال بعض العلماء: يُشرع له أن يصلي على النبي ﷺ لما ثبت في السنة عن النبي ﷺ أنه: (كان إذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ)، ففرَّقوا بين الفرض والنفل.
قالوا: في الفريضة لم يثبت عنه ﵊ أنه كان يقف عند آية العذاب أو آية الرحمة ويتكلم، إنما كان يسرد قراءته، مع أنه ثبتت عنه الأحاديث الصحيحة الكثيرة في قراءته في الفرض من السور التي ذُكِرت في يوم الجمعة والصلوات، ومع ذلك لم يُحفظ عنه حديث واحد أنه توقف لآية عذاب، أو آية رحمة، وأما في قيام الليل فثبت عنه أنه توقَّف لآية الرحمة وسأل الله من فضله، وتوقف عند آية العذاب واستعاذ بالله ، فدلّ على الفرق بين الفرض والنفل، وقد يجوز الشيء في النفل ولا يجوز في الفرض، فلذلك يجوز للإنسان أن يصلي النافلة في السفر على الدابة، ولا يجوز له أن يصلي الفريضة، فالفرض أعلى مرتبة من النفل.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس المداومة على قراءة هذه الآية ليلة الجمعة، وهذا من البدع فينصح الإمام بعدم تكرار هذا والمداومة عليه، وإذا سمع الناس يتلفظون وراءه ويصلون على النبي ﷺ بصوت عالٍ فإن عليه أن يكون أشد محافظةً على صلاة الناس كي لا تبطل، خاصة وأن بعض العلماء يرى عدم جواز التلفظ في مثل هذه الحالة كما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
стр. 1364
اختلاف العلماء في أخذ المصلى حكم المسجد
السؤال
هل يأخذ المصلَّى حكم المسجد في صلاة ركعتين قبل الجلوس؟
الجواب
بعض العلماء يقول: إن المصلَّى لا يأخذ حكم المسجد وهذا قوي من ناحية أن المصلَّى لا يأخذ حكم المسجد من كل وجه، ولكن هناك أدلة تشير إلى أن المصلى قد يلتحق بالمسجد، ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (أما الحيض فيعتزلن المصلَّى)، وفي رواية (الصلاة)، فهذا يدل على أنه يأخذ حكم المسجد، ويقوي قول من قال: إن الحائض لا تدخل المصلى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
стр. 1365
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجمعة [٤]
دلت الأدلة الصحيحة من السنة على أن هناك مكروهات ومحذورات يجب على المسلم أن يجتنبها في يوم الجمعة حتى لا تخدش في صلاته ولا في أجره، ومن تلك المحذورات: تخطي رقاب الناس، وإقامة أحد الجالسين من مكانه، والكلام أثناء الخطبة أو اللهو والعبث، والبيع والشراء بعد الأذان الثاني، ونحوها.
стр. 1366
محذورات خطبة الجمعة وما قبلها
стр. 1367
تخطي رقاب الناس
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فُرْجةٍ].
أي: إذا دخل يوم الجمعة لا يتخطى رقاب الناس.
وقوله: (إلا إذا كان إماماً)؛ لأن الإمام لا يستطيع أن يبلغ المنبر إلا عن طريق التخطي، وخاصة أن الإمام لا يدخل إلا وقت الصلاة؛ لأنه هدي رسول الله ﷺ ، فقد كان ﵊ يدخل إلى السلالم مباشرة، ولم يكن يصلي تحية المسجد، ولذلك مذهب المحققين من العلماء، أن السنة للإمام أن يدخل مباشرة إلى المنبر، وألا يصلي تحية المسجد، لكن لو كان هناك وقت وأراد أن يصلي تحية المسجد وأن يجلس فلا حرج، لكن لو دخل في وقت الصلاة فالسنة له أن يدخل إلى المنبر مباشرة، وأن يبتدئ بالسلام على الناس، وهذا هو هدي رسول الله ﷺ ، وهو أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، ويعتبر مستثنىً من العموم بالأمر بتحية المسجد.
بعض العلماء يجيب في هذه المسألة بجواب لطيف، فيقول: إن جلوسه ﵊ كان في آخر الزوال.
أي: جلس في وقت منهي عنه، وهذا يقوي مذهب من يقول: إنه من دخل في وقت منهي عنه يجلس ولا يصلي.
وتوضيح ذلك أن حديث ابن سيدان حمله العلماء على أنه عند الزوال، بمعنى أن جلوس النبي ﷺ كان في وقت منهي عنه.
ضبط الزوال ضبطاً دقيقاً يحتاج إلى شيء من الموازين الدقيقة جداً، ولذلك حدده الصحابة بالتقريب، فقال جابر: حين تزول الشمس، وكان حديث أنس كذلك: (حين يصلي ويخطب) أي: حين تزول الشمس، وهذا -كما يقول العلماء- يرخص فيه، لكن على هذا الوجه الأخير أنه (كان دخوله أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء).
فمن دخل أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء، وكان يرى هذا القول لا يصلي ويجلس.
ومن دخل قبل أو بعد فإنه يتسنن إعمالاً للأصل الذي يأمر بتحية المسجد.
وقوله: (ولا يتخطى رقاب الناس) لأن فيه وعيداً عن النبي ﷺ ، وعدّه بعض العلماء أنه من كبائر الذنوب؛ لما فيه من أذية المصلين والتشويش عليهم، ولذلك لا يجوز للمسلم أن يؤذي المصلين، ويستثنى الإمام، أو من له فرجة، بمعنى أنه لو خرج لقضاء حاجة -كإنسان أصابه الحصر فخرج للوضوء ثم رجع إلى مجلسه- فهو أحق به، كما في الصحيح: (إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به)، فهذا نص، فكونه يخرج لقضاء حاجته ثم يعود فهو أحق بمجلسه، فلما أذن له الشرع بهذا المجلس جاز له أن يتخطى؛ لأن الإذن بالشيء إذن بلازمه، فلما كان من لازمه أن يتخطى فلا حرج عليه أن يتخطى، ولا إثم عليه في ذلك.
وقالوا: لو رأى فرجة في الصف الأول، أو في الصف الثاني فإنه يمضي إليها ويتخطى؛ لأن من وراء هذه الفرجة من الصفوف مقصر في سد هذه الفرجة، فيجوز له أن يتخطى وهذا محل إشكال.
والذي يظهر أن من الأولى والأحرى أن يحتاط الإنسان وأن لا يتخطى، حتى ولو رأى فرجة؛ لأن المعنى الذي من أجله منع موجود في التخطي للفرجة، وتقصير غيره لا يوجب الاعتداء عليه بالتخطي.
واختلف العلماء في كون النهي عن التخطي مخصوصاً بيوم الجمعة، أو يشمل.
فقالوا: لو كان هناك حلقة ذكر وجاء إنسان يتخطى؟ يشرع منعه؛ لأن المعنى موجود، فلو جاء إنسان في حلقة كبيرة ورأى الناس مجتمعين، وجعل يتخطى رقابهم حتى يصل إلى المقدمة، فهذا فيه ظلم لهم؛ لأنه تأخر، والمتأخر يجلس حيث انتهى به المجلس -كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أما كونه يتخطى رقاب الناس ويؤذيهم ويشوش عليهم فإنه يذهب الخشوع، فربما سمعت الإمام وهو يقرأ القرآن، أو يذكر الموعظة فتأثرت بالموعظة والقرآن، ثم تفاجأ بمن يأتيك فجأة فيضع رجله على عاتقك، أو يضع رجله بجوار كتفك، فإن هذا يزعج، والنفس البشرية ضعيفة، فإن الناس إذا تخطيت رقابهم انشغلوا عن الخطيب وتأثروا بذلك، وقال العلماء: المعنى موجود حال الخطبة وغير الخطبة، ولكنه حال الخطبة أشد.
ولذلك قال ﵊ للرجل لما جاء متأخراً وتخطى وهو يخطب: (اجلس فقد آنيت وآذيت)، ومعنى: (آنيت) جئت متأخراً، وليس هذا وقتك التي تبحث فيه عن الصفوف الأول، (وآذيت) أي: بتخطيك لرقاب الناس.
فالصحيح أن يوم الجمعة وغيره على حد سواء، وأن التشويش على المصلين بتخطي رقابهم وأذيتهم لا يجوز.
واستثنى العلماء لو أنه أراد أن يمر واستأذن وأذنوا له، أو رأى فرجة بينهم قليلة يستطيع أن يمر منها؛ فقالوا: لا حرج، فهذا ليس من التخطي؛ لأن التخطي المراد به المجاوزة حيث لا توجد الفرجة، أما لو وجددت الفرجة وانخرط فيها، أو سلك فيها فلا حرج.
стр. 1368
حرمة إقامة من سبق إلى مكان والجلوس مكانه
قال رحمه الله تعالى: [وحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له].
قوله: (وحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه) أراد بـ (غيره) أي: من المصلين؛ لأن هذا نهى عنه ﵊ لما فيه من الظلم، فمن سبق إلى شيء فهو أحق به، ومن آداب المجالس التي أدب الله بها عباده المؤمنين أن الإنسان إذا سبق إلى مجلسه وجلس فيه فهو أحق به، ولذلك لا يجوز لأحد أن يقيمه، ولا أن يضايقه حتى يقوم.
والتشويش على من يصلي على وجه الأذية والإضرار حتى يفسح له، أو يأتي ويبرك عليه حتى يفسح وكل ذلك لا يجوز، سواء أأقامه أم ضايقه حتى يقوم، فكل ذلك من الأذية، وقد قال ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
واختلف العلماء في الأب والابن، فلو أراد الأب أن يقيم ابنه ويجلس مكانه، فهل من البر أن يتنازل الابن عن الصف الأول ويتركه لأبيه؟ قال بعض العلماء: الأفضل له أن يتأخر ويقدّم أباه، وذلك لأنه إذا تأخر وقدّم أباه أصاب البر الذي هو أفضل من الصف الأول، ووجه ذلك أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله بعد التوحيد بر الوالدين، فقد قال أحد الصحابة: (سألت النبي ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها -أي: أول الوقت- قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين) قالوا: فمن أفضل الأعمال وأحبها أن يتأخر الابن لأجل أن يجلس الأب.
وقال بعض العلماء: لا إيثار في القرب ولو للقريب حتى ولو كان الأب، ويدل على ذلك أن صحابياً أراد الجهاد في غزوة فطلب من ابنه أن يبقى ليخرج هو للجهاد، فقال: كل شيء لك إلا هذا.
إني أرجو الجنة.
وخرج ﵁ حتى قتل قبل أبيه ﵁ وأرضاه، فكانوا لا يؤثرون في القرب، والقاعدة: (لا إيثار في القرب)، فقالوا: لا يقدم الأب من هذا الوجه؛ لأنه إذا قدمه فكأنه زاهد في الخير.
والصحيح أن له أن يقدمه، وأنه إذا قدم أباه أصاب الفضيلتين: فضيلة الصف الأول بوجود البر، وفضيلة البر التي هي من الفضل بمكان، وقولهم: لا إيثار في القرب؛ لأن فيه زهداً.
فإن تقديم الأب ليس على سبيل الزهد، وإنما لرجاء فضيلة ولرجاء طاعة، فلا حرج عليه في مثل هذا.
كما اختلف في غير الوالد، مثل كبير السن، أو العالم، أو من له حق كالوالي الذي له فضل، ونحو ذلك، فقال بعض العلماء: لا حرج أن يقدمه، وهو في حكم الوالدين.
وبعض العلماء يخص الوالدين لورود النص، ودلالة النصوص بتفضيلهما على غيرهما.
قوله: [إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضعه يحفظه له].
هذه المسألة تعرف عن السلف الصالح رحمة الله عليهم من التابعين، فقد كان الواحد منهم كـ محمد بن سيرين وغيرهم ربما يبعث مولاه، فيجلس في مكان، والمولى لا تجب عليه الجمعة، فإذا حضر محمد قام المولى فجلس مكانه وصلى، وقد جاء هذا عن بعض السلف رحمة الله عليهم، وهذا كان أيام الموالي، لأنهم لا تجب عليهم الجمعة، وكذلك يحكى عن أبي هريرة ﵁ مثل هذا.
وإن كان الأقوى والأشبه أنه لا يفعل هذا، وأنه لا يجلس إلا في موضع يريد أن يصلي فيه، فإما أن يبكر ويكون له حق السبق، وإما أن يترك المكان لغيره، حتى ولو كان عالماً، كما يقع في بعض الأحيان في المحاضرات والندوات حينما يأتي الإنسان متأخراً -خاصة إذا كان على سفر، وكان قدومه في وقت الإقامة- فإنه يريد أن يدخل إلى الصفوف الأولى وربما يزعج المصلين، ولو كان هو المحاضر أو صاحب الندوة فعليه أن يترك الناس على أماكنهم ومصافهم، وإنما له حق التقدم في درسه وفي موعظته، فإذا جلس مكان كرسيه بعد درسه فلا حرج؛ لأنه بعد محاضرته في حكم الجالس في مكانه، فإذا جاء متأخراً وعاق أصحاب الصفوف الأولى، وربما خرج منهم من لا يستطيع الركوع ولا السجود، ولربما ازدحم الناس إلى درجة لا يستطيعون معها الصلاة أو الركوع، فالأفضل أنه يتأخر إلى ما بعد الصلاة، أو يصلي في ناحية المسجد إذا أمكنه، إلا إذا خشي تشويش الناس بالسلام عليه وإعاقته، فإذا دخل يدخل بعد الصلاة مباشرة، حتى يكون أسلم له، وصلاته بجوار الإمام إذا لم يجد مكاناً في الصف الأول أفضل من أن يزعج أهل الصف الأول، خاصة وفيهم المبكر، وفيهم من لا يستطيع السجود لو دخل معه، فكونه يحتاط ويتورع، خاصة أهل العلم فهذا أفضل وأولى؛ لأنهم القدوة.
فلا يجوز لأحد أن يحتكر مكاناً في مصلاه ولو كان مؤذناً أو إماماً، فلا يجوز له أن يحتكر هذا المكان إلا في الحدود الشرعية، كخطيب يوم الجمعة، فله أن يحتكر مكانه على منبره، ونحو ذلك، أما أن يأتي متأخراً ويؤذي الناس ويضرهم فلا، والمؤذن كذلك، فإذا أذن المؤذن وكان الناس في مصافهم، ثم خرج من المسجد، وعند الإقامة يأتي ويزاحم أهل الصفوف الأولى، فهذا ليس من حقه؛ لأن هذا المكان استحقاق شرعي لمن سبق، ولا يجوز أذية أحد فيه، وهذه الأمور يغفل عنها كثير من الناس إلا من رحم الله.
فالذي ينبغي أن يحتاط في مثل هذه الأمور ويتناصح الناس؛ لأن هذه المساجد أمرها عظيم، فلا يجوز لأحد أن يؤذي فيها مسلماً، وقد قال ﵊: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه المصلون) فالذين يأتون إلى الصفوف الأولى -خاصة الذين هم من وراء الإمام- هم أسبق الناس.
وقد يكون فيهم كبار السن، وقد يكون فيهم الضعفة والحطمة، فأمثال هؤلاء لا يجوز التضييق عليهم وإزعاجهم.
ومن الأخطاء أيضاً: حجز الأماكن في مجالس العلماء، أو مجالس الذكر، كأن يأتي مبكراً فيرمي بكتابه، أو يضع شيئاً ثم ينصرف ويجلس في مكان غير المكان الذي هو فيه، فالذي يظهر عدم جواز هذا، وأن الذي ينبغي للناس أن يصلوا ثم ينطلقوا إلى حلق الذكر الأسبق فالأسبق، حتى يكون الناس في هذه الأمور على حد سواء، لا فضل لغنيهم على فقيرهم، ولا لرفيعهم على سوقتهم، إلا بتقوى الله والمبادرة للخير، فمن سبق فهو أحق، ومن تأخر نال حظه على قدر ما وصل إليه من الخير، وبناء على ذلك ينبغي للإنسان أن يعمل الأصل، وهو أن السابق أحق، سواء في الصفوف، أم في مجالس العلماء، ولا يجوز لأحد أن يتخطى على أحد، ولا أن يضيق على أحد من المصلين، ما دام أن الأصل يقتضي أنه أحق بهذا المجلس وأولى به.
ولا يجوز له أن يحجز المكان لغيره، وهذا من الأمور المحرمة، خاصة إذا كان ذلك عن عوض، كأن يقول لرجل: احجز لي مكاناً بجوارك.
وربما يتواطأ الرجلان على أنهما إذا جلسا كان مجلسهما على توسع حتى يأتي الثالث فيجلس ويصلي بينهما.
ومن الأمور المحرمة أنه قد تكون هناك فرجة بين الرجلين، فيمتنعان من إدخال أي شخص فيها، إلا من يعرفان، أو من يحبان، فهذا من الظلم، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة:١١٤]، فهذه البقعة خير لهذا الرجل أن يصلي فيها، وأن يذكر الله ، وأن يتقرب إلى الله بذكره سبحانه في هذه البقع، فكونه يحجزها، أو يتوسع في مجلسه، أو يمنع أحداً من الجلوس بجواره فهذا كله من الظلم الذي لا يجوز للمسلم أن يفعله.
وعلى الناس أن يستشعروا عظمة هذه المساجد، وأنه ينبغي ألا يضار أحد فيها، فإن أذية المسلم لا خير فيها، وكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقولون: من الأمور التي تمنع قبول الصلاة: كثرة مظالمهم، وأذية بعضهم لبعض، فلربما يدخلون في المساجد فيقع منهم من الأذية والظلم ما يجعل الإنسان محروماً من قبول الصلاة -نسأل الله السلامة والعافية- فلذلك ينبغي التورع في مثل هذه الأمور، فلا يجوز أذية الناس، كأن يأتي الإنسان متأخراً، فيحاول أن يدخل بين الناس وهم في ضيق، ويحاول أن يشعر الناس بأنه صاحب حق لكونه عالماً، أو شيخاً، أو مؤذناً، أو غير ذلك، فليس هناك حق إلا بالتقوى، وهي المبادرة والمسابقة، وإذا كان الإنسان يريد أن يؤذن أو يؤم الناس فيبكر وليبادر إلى المسجد، فإن هذا أبلغ في البعد عن ظلمهم وأذيتهم.
قال رحمه الله تعالى: [وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة].
أي: لا يجوز لأحد أن يرفع المصلى المفروش لأحد مالم تحضر الصلاة؛ لأنه يحتمل أن يكون صاحبه معذوراً، كأن يذهب لقضاء حاجة أو نحو ذلك، فلا يجوز أن يرفع مصلاه؛ لأن مصلاه فرش لحفظ حقه، وهذا الحق مستحق شرعاً فيترك، لكن لو كان هذا المصلى لإنسان غير مستحق، كمن يفعل هذا لإنسان يعطيه مالاً أو نحو ذلك، فإنه يشرع لك أن ترفعه وتصلي في مكانه، وهذا نص عليه الأئمة رحمة الله عليهم وأفتوا به، ولـ شيخ الإسلام رحمة الله عليه كلام نفيس في مجموع الفتاوى، وهو أنه لا يجوز مثل هذا إلا عند وجود الضرورة والحاجة.
стр. 1369
حكم القيام من مكان لعارض والعودة إليه
قال رحمه الله تعالى: [ومن قام من مكانه لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به].
هذا لوجود النص الثابت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم، فإن عاد إلى مكانه فهو أحق به، خاصة عند الضرورة، وكأن يخرج لقضاء حاجته، أو أصابه حصر، أو خرج منه ريح فخرج يتوضأ، لكن لو أنه انتقل من دون حاجة، كأن ينتقل ليجلس مع صاحبه فلا، فإما أن يجلس بالمكان ويعمره بذكر الله ، وإما أن يتركه لغيره من المسلمين، خاصة في الصفوف الأولى.
ومن هنا كان على من يريد الاعتكاف في الصفوف الأولى في المساجد في رمضان إذا كان يريد أن ينام في ذلك المكان أنه يتركه إذا كان هناك من يُريد أن يصلي فيه، خاصة إذا كانت بقعة لها فضل الصلاة، كأن تكون قرب المقام، أو تكون في روضة المسجد النبوي أو نحو ذلك، فلا ينام فيها؛ لأنه إذا نام عطلها عن ذكر الله .
فالمساجد إنما بنيت من أجل ذكر الله، وإذا أراد أن ينام فله أن ينام في آخر المسجد، أما أن يأتي إلى الصفوف الأولى وينام فيها عند حاجة الناس فلا، بخلاف ما لو كان الناس ليسوا بحاجة إلى ذلك المكان، مثل أوقات الضحى، فليس هناك من يريد الصف الأول، وليس هناك من يطمع في الصف الأول، فإذا نام في مكانه يريد أن يحرص على هذا الخير وهذا الفضل فلا حرج عليه، أما أن يأتي في الأماكن التي يحتاجها الناس فينام فيها، ويتخذها مكاناً لراحته واستجمامه فيعطلها عن ذكر الله فلا، ولذلك لا يكون له حق إلا إذا عمرها بذكر الله .
ولكن لو أنه خرج لتشييع جنازة، فهل له أن يحجز المكان؟ الصحيح أنه لا يحجز، ومن أراد أن يشيع الجنازة فهو مخير بين فضيلتين: إما أن يبقى في هذا المكان عامراً له بالذكر والطاعة والصلاة والقربة، وإما أن يمضي لتشييع الجنازة، فإن اختار الخروج لتشييع الجنازة ترك المحل لعامة الناس، فهم فيه سواء، وإن اختار الجلوس فلا إشكال، فحينئذٍ يكون مستحقاً لمكانه بشغله له.
стр. 1370
حكم تحية المسجد حال الخطبة
قال ﵀: [ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما].
ذهب المصنف إلى هذا لأن النبي ﷺ أمر بذلك، وهذا أصح أقوال العلماء، وهو قول الشافعية والحنابلة، خلافاً للحنفية والمالكية، فإنهم يحتجون بأمره ﵊، حيث أمر المتخطي للرقاب بقوله: (اجلس)، وقالوا: إن هذا يدل على عدم لزوم ركعتي تحية المسجد أثناء الخطبة، ولأن الإنصات واجب والتحية عندهم سنة، ولا يشتغل بالسنة عن الواجب.
والصحيح: أنه يصلي ركعتين؛ لأن النبي ﷺ نص على ذلك فقال: (من دخل والإمام يخطب فليصل ركعتين)، وفي رواية: (وليتجوز فيهما)، أي: يقرأ قصار السور، أو قصار الآيات حتى يجلس للاستماع والإنصات.
следующие страницы →