Полный текст (7 030 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الغسل من خروج المني
قال ﵀: [وموجبه: خروج المني دفقاً بلذة].
(وموجبه) الموجب هو: المتسبب، أي: أن هذا الغسل يوجبه أو يتسبب في لزومه على المكلف خروج المني دفقاً بلذة، أي: إذا خرج المني من الإنسان دفقاً وبلذة لزمه الغسل.
أما الخروج: فهو ضد الدخول كما هو معلوم، ومراد العلماء بخروج المني أن يجاوز رأس الإحليل وهو المجرى من العضو، فإذا بلغ المني ذلك الموضع -بمعنى: أنه قذفه العضو- فقد وجب الغسل، فهذا المراد بالخروج، ولما قال المصنف: (خروج) فهمنا من ذلك: أنه لو لم يخرج وإنما حصل الانتقال، بأن شعر به قد خرج من صلبه ولكن لم يقذف، فهل يجب عليه الغسل؟
الجواب
لا، لأن الغسل مرتبط بالمجاوزة، ففائدة تعبير الفقهاء بكلمة: (خروج)، أنك لو سئلت عن رجل حصل منه تحرك الشهوة ونزع المني من الصلب أثناء الصلاة فأمسك العضو حتى سلّم فصلاته صحيحة ولا يحكم عليه بوجوب الغسل إلا بعد تحقق الخروج، فإذاً: الوصف بالخروج معتبر، ومفهومه: أنه إذا لم يخرج لم يجب الغسل، وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- (من) سببية، أي: بسبب الماء، وهو خروج المني، فإذا خرج المني وجب الغسل، فإذا لم يحصل الخروج لم يحصل الماء، ولذلك لا يجب الغسل.
قال ﵀: (خروج المني) المني: هو الماء الأبيض الثخين بالنسبة للرجل، والأصفر الرقيق بالنسبة للمرأة، ورائحته كطلع النخل، يخرج دفقاً عند وجود الشهوة أو اللذة الكبرى.
стр. 352
حكم الغسل من المني الخارج بغير تدفق
(دفقاً) والدفق: وصف معتبر اشترطه الفقهاء ﵏ لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] فوصف الله جل وعلا مني الإنسان بكونه دافقاً، ولذلك قالوا: إذا خرج المني دفقاً وجب الغسل.
وهنا مسألة: لو أن إنساناً خرج منه المني على قطرات دون أن يخرج دفقاً، فهل يجب عليه الغسل؟ قولان للعلماء: القول الأول: إذا خرج المني دفقاً وجب الغسل، وإن خرج بدون دفق فلا غسل عليه؛ لأن الله وصف المني بكونه دافقاً، فإن خرج على هيئة قطرات فهو مرض واعتلال في الصّحة لا يوجب الغسل، ولذلك لا يجب من مثله غسل.
القول الثاني: إنه يجب الغسل؛ لقوله ﵊: (إنما الماء من الماء).
وأصح القولين -والعلم عند الله-: أنه إن خرج المني على قطرات مع الشهوة وقصدها أوجب الغسل؛ لوجود المعنى الموجب، وإن خرج قطرات على سبيل المرض أو الاعتلال لم يوجب الغسل؛ لأن العلة التي ذكروها من كونه خارجاً عن وصف القرآن بسبب المرض لا تتحقق إلا في آحاد الصور، وإذا كانت العلة لا تتحقق إلا في آحاد الصور فيجب تخصيصها بما ذكر، ولذلك نقول: الأصل في خروج المني أنه يوجب الغسل؛ لقوله ﵊: (إنما الماء من الماء) فإن حصل للإنسان مرض وخرج منه قطرات، أو أصاب العضو مرض وأخرج منيه على هيئة قطرات دون قصد الشهوة ولم يكن ذلك بها فإنه لا يوجب الغسل، وهذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: تجد عند بعض المرضى -كمن استؤصلت منه البروستات أو ما يجري في مسألة غدة المسالك- يخرج المني مع البول، وقد يخرج بكثرة وهو دافق، فهل نعطيه الحكم؟ فنقول: مثله لا يوجب الغسل؛ لأنه ليس في حكم الغالب المعتاد، وهو نادر، ويحصل بسبب اعتلال الصّحة؛ فيأخذ حكم المرض، وبالنظر للأصول العامة في الشريعة: فإننا لو أوجبنا الغسل على مثل هذا لكان فيه حرج ومشقة، والشريعة لا حرج فيها ولا مشقة، وهذا حاصل ما ذكر في قولهم: خروج المني دفقاً.
(بلذّة) اللذّة: وصف معتبر، قالوا: إنه يخرج دفقاً مصحوباً باللذّة، وهي اللذّة الكبرى، وخرج بقولهم: اللذة الكبرى، ما يخرج باللذّة الصغرى وهو الذي يسمى: المذي، وهو قطرات يسيرة لزجة تخرج عند بداية الشهوة، فمثل هذه القطرات لا تأخذ حكم المني، والمني يختص باللذّة الكبرى والشهوة الكبرى، وهذا هو الموجب الأول.
يقول المصنف ﵀: (خروج المني دفقاً بلذّة) أي: إذا خرج المني من المكلّف بهذه الصورة الجامعة للوصفين: دفقاً وبلذّة، وجب الغسل.
والدليل على ما سبق: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فدل على وجوب الغسل من خروج المني بالصفة التي ذكرناها، وظاهر قول المصنف: (خروج المني) العموم، أي: سواء خرج المني في يقظة أو خرج في منام، فإن خرج في اليقظة فيستوي فيه أن يكون بجماع أو بغير جماع، وإن خرج في المنام فيستوي فيه أن يتذكر الاحتلام أو لم يتذكر الاحتلام.
أما الدليل على وجوب الغسل بمجرد خروج المني في يقظة أو منام على هذا الإطلاق فحديث صحيح مسلم، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (إنما الماء من الماء) فقد بيّن النبي ﷺ أن وجوب الغسل من الجنابة مبني على وجود الماء وهو المني، فكلما وجدنا الماء -وهو المني- حكمنا بوجوب الغسل، وعلى هذا لو أن إنساناً نام ثم استيقظ فوجد أثر المني في ثوبه، فهل يجب عليه الغسل حتى وإن لم يتذكر الاحتلام؟
الجواب
نعم؛ لظاهر الحديث، حيث أمر النبي ﷺ بوجوب الغسل دون نظر إلى كونه ذاكراً أو غير ذاكر، وبناءً على ذلك فالعبرة بوجود المني سواءً شعر بكونه احتلم أو لم يشعر.
стр. 353
الشك في البلل الموجود على الثوب
الأمر الأخير الذي نريد أن ننبه عليه: لو شك الإنسان في ماءٍ فاستيقظ من نومه فوجد بللاً في ثوبه ثم لم يدر هل هو مني فيغتسل، أو مذي حكمه حكم البول؟ نقول: يميز هذا الماء، فإن وجد علامة المني وهي رائحة المني التي هي كطلع النخل، أو وصف المني بيبسه إذا كان طال عهده بالمنام، كأن ينام بعد صلاة الفجر ثم يستيقظ بعد شروق الشمس ويسهو عن نفسه، ثم لما أراد أن يصلي الظهر وجد الماء في ثيابه يابساً، فحينئذٍ يعمل بالأوصاف من ثخن المني ورقة المذي، فإن وجد ثخن المني أو رائحته -لأنه إذا طال وقته كانت رائحته كرائحة البيض، وإن كان طرياً تكون رائحته كطلع النخل، وطلع النخل هو الوبار الذي تُؤبَّر به النخل- فإذا وجده بصفة المني حكم بكونه منياً واغتسل، وإن لم يجد الصفة أو وجد قطرات يسيرة فمثلها ليس بمني؛ لأن المني كثير، وحينئذٍ يبني على أنها مذي وهو الذي يكون عند بداية الشهوة، فإن وجد علامة المني أو علامة المذي حكم بما وجد من علامة، وإن لم يستطع التمييز رجع إلى اليقين من كونه مذياً حتى يستيقن أنه مني فيجب عليه الغسل.
فنقول لمن شك في هذا الماء الموجود في الثوب هل هو مني فيغتسل، أو مذي فيغسله ويتوضأ؟ نقول: هو مذي حتى تستيقن أنه مني، ولا يجب عليك الغسل بالشك.
قال ﵀: [لا بدونهما من غير نائم].
(لا بدونهما): لا: نافية، أي: لا يجب الغسل بمني خرج بدون دفق أو بدون لذة أو بدونهما، وقيل بالترابط بين الدفق واللذة لأنه لا توجد اللذة إلا مع الدفق، وبناءً على ذلك قلنا: هذان الوصفان إذا لم يوجدا لم يحكم بوجوب الغسل من المني.
стр. 354
حكم الغسل من خروج المني من النائم
قال ﵀: [من غير نائم].
(من غير نائم) وهو المستيقظ، فلو أن إنساناً كان مستيقظاً وخرج منه المني بدون دفق ولا لذة، فما الحكم؟ نقول: لا يجب عليه؛ لظاهر القرآن على التفصيل الذي بيناه، لكن لو كان نائماً فلم يشعر بلذة ولا بتدفق فما الحكم؟ قالوا: يجب عليه الغسل؛ لعموم قوله: (إنما الماء من الماء) والسبب في استثناء النائم أن النائم لا شعور عنده ولذلك لا يشعر باللذة، والنائم قد يحتلم ويستيقظ ولا يذكر أثر الاحتلام من وجود الشعور باللذة، وبناءً على ذلك أسقطت اللذة في حكمه وأُعمل عموم النص في قوله ﷺ : (إنما الماء من الماء) ولذلك لما سئل ﵊: (عن المرأة ترى ما يرى الرجل، فهل عليها من غسل؟ فقال ﵊: نعم، إذا رأت الماء، إنما هن شقائق الرجال).
стр. 355
حكم الغسل من انتقال المني دون خروجه
قال ﵀: [وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له].
هذا هو الوجه الثاني الذي أشرنا إليه، فقد قال بعض العلماء: إذا شعر بانتقاله دون أن يقذفه فإن العبرة بالانتقال لا بالخروج.
قال ﵀: [فإن خرج بعده لم يعده].
وهذا على صورتين: الصورة الأولى: التي ذكرناها، والصورة الثانية: أن يخرج المني من جماع أو من احتلام ثم تبقى قطرات فيغتسل الرجل، وبعد أن يغتسل إذا بهذه القطرات أو فضلة المني قد نزلت ولو دفقاً، فهل العبرة بالسابق الذي هو الأصل أم العبرة باللاحق؟ إن قلت: العبرة بالسابق، فإن هذا اللاحق لا يؤثر في إيجاب الغسل، ولذلك قال: التابع تابع، فيعتبر تابعاً لما قبله، وإن قلنا: إن العبرة باللاحق؛ فحينئذٍ يجب عليه أن يعيد غسله؛ لأن الحكم مترتب على اللاحق لا على السابق، والصحيح: أن العبرة بالسابق، وأنه إذا اغتسل للأول فلا يجب عليه إعادة الغسل لفضلة المني الباقية التي خرجت بعد غسله، وهو اختيار طائفة، وهو مذهب الحنابلة والمالكية ومن وافقهم.
стр. 356
الغسل من إيلاج الفرج في فرج
قال ﵀: [وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً].
السبب الثاني الذي يجب به على المكلف أن يغتسل: تغييب حشفة أصلية، والتغييب: هو المواراة، تقول: غَيَّبَ الشيء في التراب إذا واراه فيه، والغائب هو: المتواري عن الأنظار، وتغييب الحشفة: الحشفة هي رأس الذكر، والمراد بالتغييب: أن يحصل الإيلاج، فبعض العلماء يقول: إيلاج، وبعضهم يقول: تغييب، والمعنى واحد، فلما قال: (تغييب الحشفة) فهمنا من ذلك: أنه لو ألزق رأس العضو برأس العضو فلا يجب الغسل، سواء كان من قبل أو دبر فإنه لا يترتب عليه الحكم الشرعي المترتب على الإيلاج، وهذا يكاد يكون بالإجماع.
فالتغييب شرط معتبر، ولذلك أشار إليه النبي ﷺ بقوله: (إذا ألزق الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل) فكنى صلوات ربي وسلامه عليه عن الإيلاج بقوله: (إذا ألزق) فإن هذا لا يحصل إلا بإيلاج رأس العضو، قالوا: لا يحصل ذلك إلا إذا وقع الإيلاج، وبناءً على ذلك فشرط هذا الموجب الثاني أن يحصل تغييب لرأس العضو أو قدر رأس العضو من مقطوع رأس العضو، فلو سئلت عن حكم مواراة رأس عضو مقطوع، فتقول: بتغييب قدر رأس العضو أي: حشفته.
(تغييب الحشفة في فرج أصلي) في الفرج: يشمل ذلك الأنثى والذكر، والحي والميت، والحيوان والإنسان، فإذا حصل إيلاج على هذه الصورة في فرج آدمي ذكراً كان أو أنثى، أو كان من بهيمة، أو كان من حي أو ميت وجب الغسل، وهذا فيه أصل وفيه مقيس على الأصل: أما الأصل في إيجاب الغسل بالإيلاج فهو الجماع، وهذا بنصوص الأحاديث كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في الصحيحين: (إذا ألزق الختان الختان ... ) وقوله ﵊: (إذا مس الختان الختان ... )، وقوله: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) فهذه النصوص الصحيحة تدل على أن العبرة بإيلاج رأس العضو، وهذا منصوص جماهير السلف والخلف من أهل العلم رحمة الله عليهم.
أما بالنسبة للملحق بهذا الأصل ففرج الدبر سواء كان من امرأة أو من رجل أو كان من بهيمة -وهو محرم وطؤه- فإن كل ذلك يعتبر آخذاً حكم ما ذكرناه بالقياس؛ لأن الشرع ينبه بالنظير على نظيره، وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وخالف بعض أهل العلم فقال: لا يجب إلا إذا حصل الإيلاج في عضو الأنثى بالجماع، وأما غيرها فلا يجب فيه غسل، ولكن الصحيح ما ذكرناه.
(تغييب حشفة في فرج أصلي) هذا التغييب ظاهره سواء كان في يقظة أو منام، فإن التكليف بوجوب الغسل مبني على الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي، بمعنى: أنه متى ما حصل الإيلاج فالحكم بوجوب الغسل حاصل بغض النظر عن كونه في يقظة أو منام.
(تغييب حشفة في فرج أصلي) خرج من هذا الفرج الغير الأصلي، ومثل له العلماء بالخنثى المشكل، فقال بعض العلماء ﵏ وهو يكاد يكون مذهب الجمهور: إنه إذا جامع الخنثى وكان مشكلاً فإنه لا يحكم بوجوب الغسل عليه، وهي مسألة فيها خلاف، وأنا متوقف فيها، فبعض العلماء يرى أن العبرة بالفرج الأصلي؛ قالوا: لأن الخنثى إذا لم يتبين أهو ذكر أم أنثى فإننا نعمل بقاعدة: (اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين أن المجامع يعتبر طاهراً، وشككنا في هذا الفرج: هل الخنثى رجل فيكون بمثابة وطء فرج غير أصلي فحينئذٍ لا يجب الغسل، أو هو أنثى فيكون جماعاً صحيحاً موجباً للغسل؟ فرجعنا إلى اليقين، هذا وجه إسقاط الغسل، يقولون: إن المجامع الأصل فيه الطهارة وشككنا في هذا الجماع: أيوجب الغسل أو لا يوجبه؟ والأصل براءة الذمة، فلا يجب غسل بجماع خنثى مشكل، هذا بالنسبة لكلام العلماء رحمة الله عليهم.
قال ﵀: [قبلاً أو دبراً].
(قبلاً أو دبراً) هذا للتنويع، سواء وقع في قبل أو دبر، يخرج من هذا الفرج غير الأصلي كما ذكرنا في الخنثى المشكل، أو يكون مصنّعاً، فكل ذلك لا يوجب الغسل.
قال بعض العلماء: الإيلاج يوجب الغسل للمولج فيه، سواء كان المولَج عضواً أو غيره، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعية وغيرهم، ومنها: ومسألة المناظير الطبية الموجودة التي تولج من الدبر، فإذا احتاج المريض لكشف مرض جراحي أو للتأكد من وجود قرحة أو القسطرة التي تكون -مثلاً- في الإحليل، فقال بعض العلماء: إيلاج أي شيء في الفرج سواءً كان مخلوقاً حياً أو كان غير حيّ كالآلات الحديديّة الموجودة الآن من مناظير ونحوها يوجب الغسل، فيتفرّع على هذا لو سأل سائل عن إدخال المناظير أيوجب الغسل أم لا؟ فحينئذٍ نقول على هذا القول: يجب عليه أن يغتسل، والصحيح: أنه لا يجب الغسل بإيلاج غير الأعضاء المعتبرة.
قال ﵀: [ولو من بهيمة أو ميت].
أي: لو وقع الإيلاج في بهيمة أو ميت.
стр. 357
حكم الغسل لمن جامع زوجته ولم ينزل
وبالنسبة للإيلاج ففيه مسألتان: المسألة الأولى: كان بعض السلف يقول: إذا جامع الرجل ولم يُنزل لا يجب الغسل، أي: أنهم لا يرون أن مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وذهب الجماهير من الصحابة رضوان الله عليهم إلى أنه يجب الغسل، سواء حصل الإنزال في الجماع أو لم يحصل، إنما هذا كان في أول التشريع في الإسلام، أن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا يجب عليه الغسل، وفيه أحاديث صحيحة، منها: ما ثبت من قوله ﵊: (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- بسبب الماء -وهو المني-، فإذا جامع أهله ولم ينزل فلا غسل عليه، هذا مفهوم الحديث.
ومما دل عليه أيضاً: ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ زار رجلاً من الأنصار، فقرع عليه الباب فخرج الرجل مسرعاً كأنه كان مع أهله، فقال ﵊: لعلنا أعجلناك، إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) (أعجلت) بمعنى: أن الإنسان نزع قبل أن ينزل في الجماع، (أو أقحطت) أي: لم يحصل إنزال أثناء الجماع (فلا غسل عليك)، فظاهر هذا النص أن العبرة بحصول المني.
وجاء في الحديث الثالث أيضاً ما يؤكد هذا في قوله ﵊: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فكانت هذه رخصة في أول الإسلام، أنه لا يجب الغسل بمجرد الجماع، ثم جاء الأمر من الله بإيجاب الغسل بالجماع في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في قوله ﵊: (إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل) وفي رواية: (أنزل أو لم ينزل).
وعندما اختلف الصحابة في عهد عمر ﵁ كان بعض الصحابة يحفظ الفتوى الأولى ويحفظ التشريع الأول، وكان بعضهم يحفظ النسخ، فاختلفوا واختصموا إلى عمر ﵁، فبعث عمر ﵁ إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها فأخبرته بحديث النبي ﷺ ، وهذا من ورع الصحابة وكمال عقلهم وفضلهم أنهم كانوا ينزلون العلم بأهله.
فانظر إلى عمر ﵁ الخليفة الراشد والإمام العدل ﵁ وأرضاه، لما أعْيَته المسألة ما حكم وبتّ الأمر واختار أحد القولين وحسم، بل رجع إلى أم المؤمنين، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن نافلته ﵊ في السفر قالت: (سل عبد الله بن عمر فإنه أعلم بهدي رسول الله ﷺ في سفره مني) فهذا هو شأن أهل الفضل، والمنبغي بين طلاب العلم وأهله، أنك إذا علمت أن هناك من هو أعلم منك في فن أو علم فعليك أن تحيل إليه المسألة، فلما اختلفوا في هذه المسألة رجعوا إلى أمهات المؤمنين، وقد كانوا إذا خفي عليهم شيء من هدي رسول الله ﷺ في أمور البيت والنساء وأحكامها رجعوا إلى أمهات المؤمنين ﵃ وأرضاهم أجمعين، فأخبرته أم المؤمنين بالحديث فقال عمر ﵁: (من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً للعالمين) أي: عزرته، أي: أن النبي ﷺ نسخ الحكم الذي كان في أول الإسلام بالتخفيف، فوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل الإنزال.
وجاء أبو سلمة ﵁ -الإمام المشهور تلميذ ابن عباس - إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ -وحصل تشكيك في هذه المسألة في عهد التابعين- وذكر القول الذي يقول بإسقاط الغسل عن من جامع ولم ينزل، فسأل أم المؤمنين فقالت: (يا أبا سلمة! إنما مثلك مثل الفُرُّوج سمع الديكة تصيح فصاح بصياحها) أي: ما أنت إلا تبع للناس، وينبغي أن يؤخذ العلم عن أهله، ثم ذكرت له الحديث، فهذا يدل على شدة أم المؤمنين ﵂ في المسألة، وأن الأمر منسوخ ومنتهٍ، ولذلك يقول بعض العلماء: حصل الإجماع بعد الصحابة على أن مجرد الجماع يوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل.
стр. 358
حكم الغسل من الإيلاج بحائل
المسألة الثانية: ذكرنا أن الإيلاج يوجب الغسل، فالإيلاج يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون بدون حائل، وهذا بالإجماع معتبر بالأوصاف التي ذكرناها.
الصورة الثانية: أن يكون بحائل، فلو حصل الإيلاج بالحائل فهل يجب الغسل، أو لا يجب؟ فللعلماء ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قال بعض العلماء: لا يجب الغسل إذا وجد الحائل.
الوجه الثاني: وقال بعضهم: يجب الغسل سواء وجد الحائل أو لم يوجد.
الوجه الثالث: وقال بعضهم: إن كان الحائل رقيقاً وجب الغسل، وإن كان ثخيناً لم يجب الغسل.
والأقوى: أن الحائل لا يجب معه الغسل، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مس الختانُ الختانَ) فعبّر بالمس، ولا يكون المس مع وجود الحائل، ولذلك قال ﵊: (من مس ذكره فليتوضأ) وقد قالوا: إنه لا بد أن يكون بإفضاء دون وجود حائل، فأصح الأوجه -والعلم عند الله-: أن وجود الحائل لا يجب الغسل معه، لكن الاحتياط والأورع أن يغتسل سواء وجد الحائل أو لم يوجد.
стр. 359
الغسل عند الدخول في الإسلام
قال ﵀: [وإسلام كافر].
أي: إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل، وفيه حديث قيس -واختلف في إسناده وحسنه بعض العلماء، وقال به بعض أئمة السلف- حيث قال ﵊: (ألق عنك شعر الكفر واغتسل) وقالوا: إن الكافر يجب عليه الغسل، وللعلماء أوجه في هذه المسألة: فقال بعضهم: يجب الغسل على الكافر مطلقاً.
وقال بعضهم: يجب الغسل على الكافر إن كانت منه جنابة في حال كفره، ولا يجب إذا لم تكن منه جنابة.
وقال بعضهم: لا يجب الغسل على الكافر مطلقاً، وهذا مذهب الجمهور، أما القول الثاني فهو مذهب الحنفية، والقول الأول هو قول الحنابلة وطائفة من أهل الحديث، والحقيقة أن مدار هذه المسألة يتوقف على صحة الحديث.
стр. 360
وجوب غسل الميت
قال ﵀: [وموت وحيض ونفاس].
(وموت) أي: إذا حصل الموت وجب غسل الميت، لكنه متعلق بالمكلفين، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه لما وقف بعرفة وأُخبر بخبر الرجل الذي وقصته دابته، قال ﵊: اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه ولا تخمروا وجهه ولا تغطّوا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ومحل الشاهد قوله: (اغسلوه) فوجّه الخطاب للمكلفين؛ فدل على وجوب غسل الميت، ولكن هذا متعلق بالمكلفين.
الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لما توفيت ابنته زينب ﵂ وأرضاها، قال ﵊: (اغسلنها بماء وسدر) فهذا يدل على وجوبه أيضاً على الأنثى، فالأول للذكر، والثاني للأنثى، وبناءً على ذلك يجب غسل الميت من المسلمين ذكراً كان أو أنثى.
وهنا مسائل: لو أن الميت مات وليس هناك ماء؟ قالوا: يسقط الغسل، واختار بعض العلماء أن يُيمم.
والمسألة الثانية: لو حكمنا بوجوب غسل الميت، فهل هذا الوجوب مطلق أم مقيد؟ نقول: هو مقيد بالحالات الاستثنائية، فلو أن الميت كان محروقاً أو به مرض الجدري -والعياذ بالله- فكان غسله فيه ضرر على الميت كالمحروق، أو فيه ضرر على مغسله كالمريض بالجدري، فحينئذ إذا وجد ضرر يتعلق بالميت أو يتعلق بالحي سقط تغسيله، فلا يجب تغسيله، مثله الذي به جراحات كبيرة، كما يقع في بعض الحوادث -أعاذنا الله وإياكم- فترى الجسد مجروحاً أو مخدوشاً خدشاً شبه كلي، فمثل هذا لو غسل حصل له من الضرر ما الله به عليم، والتغسيل تكريم له، ولكنه على هذا الوجه يكون أذّيةً وإضراراً به، وقد قال ﵊: (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم) فلا ينبغي أن يتسبب في إتلاف أجزاء الميت والإضرار به، ولذلك قالوا: حتى لو قص من شعره فإنه يوضع في كفنه حفاظاً على كمال جثته التي توفي بها، فبناءً على ذلك: لو كان الميت محروقاً أو به أمور تمنع من تغسيله جاز تكفينه دون أن يغسل وسقط هذا الحكم بتغسيله.
стр. 361
الغسل من الحيض والنفاس
قال ﵀: [وحيض ونفاس].
أي: أن الحيض والنفاس يوجبان الغسل، أما الحيض فبالإجماع، والأصل فيه حديث الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها -في المرأة المستحاضة- فإذا هي خَلّفت ذلك -يعني: أيام العادة- فلتغتسل ثم لتصلي) فقوله ﵊: (لتغتسل) أمر، فدل على أن الحيض يوجب الغسل، والله عبّر عن ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] فقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] فنسب الطهر إليهن، ووصفهن بكونهن طاهرات أي: بعد انقطاع (فإذا تطهرن) فنسب التطهر إليهن، أي: فعلن الاغتسال، فالأصل في الحائض أنها تغتسل، ويجب عليها الاغتسال عند انقطاع دمها.
(ونفاس) وكذلك النفاس، وهذا كله بالإجماع، ويكون النفاس بأن يجري معها الدم ثم ينقطع سواء طال أمده أو قل.
стр. 362
حكم الولادة من غير دم
قال ﵀: [لا ولادة عارية عن دم].
أي: لو أنها وضعت جنينها دون دم لم يجب عليها الغسل؛ لأن العبرة بالدم، وقد يقول لك قائل: العبرة بخروج الولد، فنقول: لو كانت العبرة بخروج الولد لكان الغسل يجب بمجرد الولادة، لكن كون المرأة النفساء تنتظر حتى ينتهي وينقطع الدم ثم تغتسل بعد انقطاع الدم دلّ على أن حكم وجوب الاغتسال معلق بوجود الدم، والأصل أن الحكم يدور مع موجبه، وما دام أن الدم موجب للغسل، فلا يجب الغسل إذا لم يكن هناك دم، وهي ولدت بدون دم، وهذا موجود الآن، فإذا ولدت امرأة بعملية قيصرية، وأُخرج الجنين منها ولم يجر معها دم لم يجب عليها الغسل.
стр. 363
ما يحرم على من يلزمه الغسل
قال ﵀: [ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن].
الشيخ: (ومن لزمه الغسل) أي: من كانت عليه جنابة أو حيض أو نفاس حرم عليه قراءة القرآن، وفيه حديث علي ﵁ وحديث عائشة ﵂: (أما الجنب فلا ولا آية)، وقوله: (كان لا يمنعه من القرآن إلا الجنابة) والحديثان مختلف في ثبوتهما، ومن أهل العلم من حسن الحديثين، لكن ثبت في الحديث الصحيح عند النسائي وغيره: (أن النبي ﷺ لما مر عليه الرجل وكان قد قضى حاجته أو بوله فسلّم عليه، تيمم على الجدار، وقال: إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله فدل هذا الحديث على أن الأصل في الذكر أن يكون على طهارة، ولذلك ينبغي صيانة القرآن عن تلاوة الجنب، وهذه من الأمور التي يفرق فيها بين القرآن وبين الحديث القدسي كما قال بعض الفضلاء بقوله: ومنعه تلاوة الجنب في كل حرفٍ منه عشراً أوجبِ أي: أن القرآن يمنع الجنب من تلاوة القرآن الذي في كل حرف منه عشر حسنات، بخلاف الحديث القدسي.
قال ﵀: [ويعبر المسجد لحاجة ولا يلبث فيه بغير وضوء].
(ويعبر المسجد لحاجة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] وقوله: (إلا عابري سبيل) فيه تقدير وهو: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وهذا أحد الأقوال.
وقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] راجع إلى التيمم في السفر، وبناءً على هذا الاستثناء قالوا: يجوز للجنب أن يمر بالمسجد، وهو قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، ولكن ثبت في السنة أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ المساجد طرقات، ولذلك لا يعبر المسجد ولا يتخذ طريقاً.
وأقول بهذا القول لظاهر السنة بالمنع، فلعل هذا كان في أول الإسلام، وهناك آثار عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يعبرون من المساجد، ولكن يحمل الحديث على أنه متأخر، والأصل: (أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح)، ولا شك أن النفس تميل إلى أن النهي متأخر؛ لأن الأشبه في مثل هذا -كما هو معلوم في مسالك الأصوليين-: أن الحظر فيه متأخر عن الإباحة، فيقوى القول بنهي النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد طرقات حتى للطاهر، ولو كانت لك حاجة في طرف المسجد وأنت في الطرف الآخر فتستطيع أن تأتي من خارج المسجد، ويحظر أن تجتاز من داخل المسجد، وكان يقول الإمام أحمد -رحمة الله عليه- وبعض السلف: لا يتُخذ المسجد طريقاً، وهذا الذي تميل النفس إليه، والأحوط أنه لا يمر ولو كان عبوراً.
стр. 364
من يسن لهم الغسل
قال ﵀: [ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سُن له الغسل].
стр. 365
حكم الغسل لمن غسل ميتاً
(ومن غسل ميتاً) أي: قام بتغسيله، ويكون ذلك على صورتين: الصورة الأولى: أن ينفرد بتغسيله.
والصورة الثانية: أن يكون مع غيره، فإن انفرد بتغسيله فقول واحد -عند من يقول بوجوب الغسل عليه أو باستحبابه- وهو: أن عليه أن يغتسل، أما لو كان مع غيره فإنه يأخذ حكم الأصل؛ لأنه يصدق عليه أنه غسله؛ وبناءً على ذلك فإنه إذا غسل الميت منفرداً أو مشتركاً مع غيره فيجب عليه أن يغتسل على قول من يقول بالوجوب، لكن المصنف يميل هنا إلى القول بالسُّنية والاستحباب، وهو أصح الأقوال في هذه المسألة، وفي ذلك حديث جاء عن النبي ﷺ قال فيه: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) قال الإمام أحمد ﵀: لا يثبت في هذا شيء، والحديث ضعيف، وقد تكلم عليه الإمام الدارقطني ﵀ في العلل، وتكلم عليه الحفاظ، والصحيح عدم ثبوته، وإن كان بعض العلماء قد يحسنه، لكن الضعف فيه من القوة بمكان، ويكاد يكون الجماهير على ضعفه، وخاصة المتقدمين منهم، فإنهم يقولون: إنه ضعيف، لكن على القول بثبوته أو أنه حسن فيحمل على الندب والاستحباب والأفضل، أي: من غسّل ميتاً فله أن يغتسل على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب.
стр. 366
حكم غسل من أفاق من جنون أو إغماء
قال ﵀: [أو أفاق من جنون أو إغماء].
اختلف العلماء في المجنون: فقال بعض العلماء: المجنون إذا أفاق وجب عليه أن يغتسل، وكذلك المغمى عليه.
وقال بعضهم: لا يجب على المجنون غسل، والقول بوجوب الغسل على المجنون من القوة بمكان إذا تأتى منه خروج المني، أما إذا لم يتأتَّ منه خروج المني فيقوى القول بعدم الوجوب؛ لأنه لم يثبت فيه نص صحيح بالوجوب، ولذلك يقولون: إن المجنون إذا جنّ أو فقد عقله لم يأمن أن يخرج منه مني وهو لا يشعر، كما أن النائم إذا نام لم يأمن أن يخرج منه ريح وهو لا يشعر، فكما أن الشرع طالب النائم بإعادة وضوئه لوجود النوم الذي هو مظنة أن يكون فيه حدث، كذلك أيضاً الجنون أخذ حكم النوم في الإيجاب، هذا في الطهارة الصغرى وهذا في الطهارة الكبرى، لكن لماذا فرقنا بين كونه يتأتى منه أم لا؟ هذا مبني على نفس الدليل الذي استدل به، فإنك إذا قست الجنون على النوم في إيجاب الطهارة الكبرى قياساً على الإيجاب بالطهارة الصغرى فإنه يتعذر في النائم العلم بعلامة الريح، فلو خرج منه ريح لم يعلم، فوجب عليه الوضوء مطلقاً إذا نام، بخلاف المجنون فإن الخارج وهو: المني، له علامة وأمارة، ولذلك يفرق بين من كان يتأتى منه خروج المني ومن لا يتأتى فيه خروج المني، ويُنَزَّل المغمى منزلة المجنون.
قال ﵀: [بلا حلم سن له الغسل].
(بلا حلم) أي: بلا احتلام، (سن له الغسل) أي: لا يجب عليه، وهذا كما تقدم أن المجنون يغتسل -على القول بأنه يغتسل- فينزل السكران منزلة المجنون، فإذا قلنا: إن المجنون يغتسل فالسكران كذلك عليه الغسل، وفي حكم السكران من خُدِّر التخدير العام؛ لكن التخدير الموضعي لا يأخذ حكمه، والعلة في هذا كله زوال العقل.
стр. 367
الأسئلة
стр. 368
حكم وضوء من أمسك ذكره خوف نزول المني
السؤال
ذكرتم أن المصلي إذا أمسك ذكره خوفاً من نزول المني أن صلاته صحيحة، فهل إذا أمسك الرجل ذكره في حالة الانتصاب ينتقض الوضوء أم لا؟
الجواب
إمساك العضو على الصورة التي وردت في السؤال لا يجب بها الوضوء، وإن كان بعض المتأخرين يقول: إذا وجد اللذة والشهوة فيجب عليه أن يتوضأ، لكنه قول شاذ لا أعرف له أصلاً، والصحيح أنه لا يجب الوضوء بمجرد إمساكه الذكر، لما ثبت في حديث طلق بن عدي أنه لما سئل ﵊ عن لمس الذكر -على القول بأن هذا إذا كان بحائل- قال: (وهل هو إلا بضعة منك) قالوا: إنه محمول على وجود الحائل، وبناءً على ذلك فلا يجب عليه الوضوء سواءً وجد اللذة أو لم يجدها.
والله تعالى أعلم.
стр. 369
حكم من احتلم ولم يجد بللاً
السؤال
إذا رأى الرجل ما يوجب الغسل في نومه ولكنه لم يخرج شيئاً، فهل عليه غسل؟
الجواب
من رأى ما يوجب الغسل أو تهيأ له أنه احتلم ثم استيقظ ولم يجد أثر الاحتلام فلا يجب عليه الغسل؛ لما ثبت في الصحيح من قوله ﵊: (إنما الماء من الماء) فقد دل هذا الحديث على أن وجود الماء يوجب الغسل، ومفهومه: أنه إذا لم يوجد الماء فلا يجب الغسل، والله تعالى أعلم.
стр. 370
حكم وضوء المستحاضة لكل صلاة
السؤال
هل المستحاضة تتوضأ لكل صلاة؟ وهل هذا الوضوء على الاستحباب أم على الوجوب؟
الجواب
المستحاضة إذا جرى معها الدم فإنها تتوضأ لكل صلاة، فإذا خرج وقت الصلاة الأولى توضأت لدخول وقت الصلاة الثانية؛ والسبب في ذلك حديث تكلم العلماء في سنده، وهو قوله ﷺ : (توضئي لكل صلاة) وفي رواية: (تغتسل) لكنها ضعيفة، والقول بضعفها هو المعتبر، واختلف في قوله ﷺ : (توضئي لكل صلاة) فيقولون: المعذور يُعذر في حد الوقت، فإذا انقطع الوقت عنه طولب بالعبادة بدليل مستأنف، وسقطت الرخصة بالصلاة السابقة، فيجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة عند دخول وقتها، وهذه مسألة فيها خلاف، لكن الصحيح: أنها تتوضأ لكل صلاة -وهكذا من به سلس البول- لكن بشرط: أن يجري معها الدم، أما لو انقطع عنها الدم ثم جرى معها الدم في صلاة الظهر، ثم انقطع، فتوضأت وصلت الظهر ولم يجر معها الدم حتى دخل وقت العصر فوضوؤها معتبر، فمحل الكلام إذا جرى معها الدم، وهذا ينبني على مسألة فقهية قالوا: إنها بمجرد أن يخرج منها الدم ينتقض وضوؤها كالبول، فلما خرج منها الدم مستمراً رخص لها في الوقت، فإذا انتهى الوقت طولبت بدليل جديد أن تتوضأ وتصلي؛ لأنه بدخول الوقت يأتي الخطاب بالصلاة المستأنفة الجديدة فيسقط الترخيص في السابقة.
стр. 371
إعادة مسألة الغسل من الإيلاج بحائل
السؤال
يا حبذا لو تعيد مسألة: (بلا حائل)؟
الجواب
أما بالنسبة لما سألت عنه وهو قوله: (بلا حائل) فالحائل هو الفاصل بين الشيئين، والمراد بالحائل الذي ذكرناه: أن يكون بين العضو المولج والعضو المولجَ فيه حائل من قماش، سواءً كان ثخيناً أو رقيقاً، فإن قيل بقول التفصيل فيختلف الحكم باختلاف نوعية الحائل، لكن قلنا: الصحيح أن الحائل سواءً كان رقيقاً أو ثخيناً فإنه لا يوجب حكماً، ولذلك يعتبر شبهة، فلو أن رجلاً أولج في امرأة بحائل قد يعتبر شبهة توجب درء الحد عنه، وسنتكلم على هذا في باب الزنا، ولكن المنصوص عند العلماء -رحمة الله عليهم- تعليق الحكم بالإيلاج، ولم يفصلوا هل هو بحائل أو بدونه، والذي اختاره بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم-: أن الحائل مؤثر، قال ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات) فلذلك قالوا: لا يأخذ حكم المتصل.
стр. 372
حكم غسل من أسقطت جنيناً
السؤال
إذا أسقطت المرأة، فهل يجب عليها غسل السقط؟
الجواب
إذا أسقطت المرأة الجنين فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون الجنين الذي أسقطته فيه خلقة أو صورة الخلقة، فإن أسقطت جنيناً كامل الخلقة أو فيه جزء من الخلقة كالوجه أو صورة الوجه أو الرأس أو الرجل أو اليد، فالأصح عند المحققين أنها تأخذ حكم النفاس، وحينئذٍ إن جرى معها الدم أخذت حكم النفساء.
الحالة الثانية: أن تسقط قطعة لحمٍ لا خلقة فيها، فحينئذٍ لا يجب عليها الغسل، ولا تأخذ حكم النفساء؛ بل تعتبر استحاضة، وتأخذ حكم الاستحاضة، وهذا تجعله أصلاً عندك، لأن هذه المسألة أشكلت عند العلماء.
فالضابط المعتبر عند بعض المحققين أن العبرة بوجود صورة الخلقة، فإن وُجِدَت حُكِمَ وإلا فلا.
стр. 373
حكم الغسل من العادة السرية
السؤال
هل يجب الغسل في العادة السرية، رغم أن الذكر لم يلج في فرج أصلي؟
الجواب
العادة السرية إذا حصل بها إنزال، أي: أمنى وجب الغسل، وإن لم يمن لم يجب الغسل، فمقصود السائل: أنه إذا وضع العضو بين أصابعه أو في موضع مثلاً ليس بفرج ولم يمن فلا يجب عليه الغسل، لكن لو حصل منه إمناء وجب عليه الغسل؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنما الماء من الماء) ولم يفرق بين كونه يخرج بحلال أو بحرام، والعادة محرمة سواء كانت بيدٍ أو بغيرها، والله تعالى أعلم.
стр. 374
حكم التنفل في المسجد الحرام
السؤال
هل الانتقال في المسجد الحرام يعتبر من المرور في المسجد؟
الجواب
لا، الحكم واحد، فإذا أراد -مثلاً- أن يقطع المسجد من الشرق إلى الغرب لحاجة ما وهو لا يريد أن يصلي فيه، فلا يجوز له ذلك، لكن لو مر وصلى فيه -ولو ركعتين- ثم يمر فلا حرج عليه، لكن أن يتخذه طريقاً فلا، والنهي عام في المساجد، والمسجد الحرام أحقها وأشرفها وأكرمها عند الله .
وأظن أن السائل قد يقصد: أن ينتقل من جهة الصفا إلى جهة أخرى في الحرم فهل يعتبر ماراً أم لا؟ أما بالنسبة للصفا فكنت أقول: إنها من الحرم، لكن ظهر لي أخيراً أنها ليست من الحرم، وهو اختيار بعض العلماء من المتأخرين ومن مشايخنا -رحمة الله عليهم- ولذلك إذا انتقل من الصفا من جهة المسعى ودخل إلى داخل المسجد فيعتبر آخذاً لحكم من دخل المسجد، وإذا كان العكس، مثلاً خرج من الحرم إلى الصفا، فالصفا خارج المسجد ويجوز فيها المرور، كأن يقطع من طرفي الأشواط، والله تعالى أعلم.
стр. 375
حكم منع تدفق المني
السؤال
إذا أحس الشخص بالتدفق فقام من نومه ولم يجعله يتدفق ولم يخرج سوى بعض القطرات، فهل يغتسل أم لا؟
الجواب
هذا لا يجوز؛ لأن الأطباء ينصون على أنه ضرر وأذية، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يفعل هذا، ولا يشك أن الشريعة تحرم على المكلف أن يتعاطى أسباب الضرر بنفسه؛ ولذلك حرمت العادة السرية -مع وجود ظاهر القرآن الذي يدل على تحريمها- لوجود الأضرار بشهادة الأطباء.
فالمقصود: أن كونه يمنع خروج المني هذا فيه ضرر بالغ، وقد قرأت بعض البحوث الطبية وتقول هذه البحوث: إنه يضر ضرراً بالغاً، ولربما يبقى ضرره معه إلى الأبد، فمسألة حبس المني والتلاعب به أثناء خروجه لا تجوز، والله يقول: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦]، فعليه أن يتركه على خلقة الله حتى لا يضر بنفسه، وهذا أصل في الشريعة: أنه لا يجوز للمسلم أن يتعاطى الأسباب التي تتسبب في الإضرار بنفسه أو بجسده، فلو حصل هذا وخرج منه المني فإن الصفة الأصلية له: التدفق، واعتبار العارض بتعاطي أسباب عدم تدفقه احتيال على الشرع، والقاعدة أن مثل هذا يعامل بنقيض قصده، فلا يعتد بتلاعبه ويعتبر منياً؛ لوجود الإمناء وهو الكثرة، وصورة التدفق، والتحكم فيها لا يؤثر ولا يلغي حكم الشرع بوجوب الغسل، والله تعالى أعلم.
стр. 376
خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها
السؤال
قد يخرج من المرأة بعد الغسل قطرات وهي تصلي، وقد تكون هذه القطرات مني الرجل، فما الحكم؟
الجواب
بالنسبة للخارج من الفرج، هذه مسألة اختلف العلماء -رحمة الله عليهم- فيها وهي مسألة رطوبة فرج المرأة: فمن أهل العلم من يقول: إن الخارج منها نجس ويوجب انتقاض الوضوء.
ومنهم من يقول: إنه طاهر.
والذي دلت عليه السُّنة أنه نجس، أي: بالنسبة للخارج -أي: الرطوبة- سواءً كانت قطرات أو كانت سائلة، حتى إن كانت من مني الرجل، فإنها تعتبر آخذة حكم الرطوبة بالكثرة والمغالبة؛ لأنه إذا كان منياً غلبه رطوبة الفرج الموجودة، ودل على نجاسة رطوبة فرج المرأة ما ثبت في الحديث الصحيح -عندما كانت الرخصة في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل فلا يجب عليه غسل- الذي قال ﵊ فيه: (ليغسل ما أصابه منها) فقوله: (ليغسل ما أصابه منها) يدل على أن الرطوبة نجسة، وهذا لا شك أنه أقوى الأقوال، ودليله صحيح ثابت عن النبي ﷺ ، وقد أشار إليه الإمام النووي -رحمة الله عليه- في المجموع، وبناءً على هذا فإن هذه القطرات آخذة حكم الناقض سواءً بسواء، ويجب عليها أن تتوضأ عند خروجها، فإن غلبتها واستمرت مع المرأة طيلة وقت الصلاة فلتتلجم كما ثبت في المستحاضة (تلجمي) فتضع قطعة قطن، أو تتلجم وتشد الموضع، فإن غلبها مع التلجم والقطن فتصلي على حالتها كالمستحاضة سواءً بسواء، وتتوضأ بدخول وقت كل صلاة، والله تعالى أعلم.
стр. 377
حكم تنبيه المستيقظ للنائم لشيء حدث منه في نومه
السؤال
لو رأى الإنسان شخصاً ما يحتلم، فهل يجب عليه إخباره بذلك بعد استيقاظه أم يسكت عنه خشية الإحراج؟
الجواب
هذه مسألة أشكلت عند العلماء -رحمة الله عليهم- يقولون: أحدهم مكلف، والثاني غير مكلف، فإذا نُظر -مثلاً- إلى الشخص النائم لو استيقظ وصلى فصلاته صحيحة وعبادته معتبرة؛ لأن الله كلّفه بالعلم وبما وسعه ولم يكلفه ما ليس بوسعه، وهذا ليس بوسعه؛ لأنه ليس بوسعه أن يعلم ما لم يكن.
وقال بعض العلماء: يعلمه من اطلع على ذلك واختلفوا هل يجب أم لا؟ فقال بعضهم: يجب؛ لأنه لو لم يخبره لأدى إلى الإخلال بالشرع باستباحة الصلاة على غير طهارة، وقال آخرون: هذا ليس بمستبيح للصلاة على غير طهارة؛ لأنه معذور في حكم الله جل وعلا، مثل الإمام الذي يقع منه الخلل بما يفسد الصلاة ولا يعلم المأمومون بذلك، فإن صلاتهم صحيحة؛ لأن الله ما كلفهم علم ما لم يعلموا، وهذا وجه من يقول بأنه لا شيء عليه إذا سكت.
والذين يقولون: يجب عليه أن يخبره، يستدلون بقولهم: عهدنا من الشرع أنه يربط التكليف بالمكلف مع سقوطه عن غير المكلف، ألا تراه أمر أن يؤمر الصبي بالصلاة، والذي يأمره وليه، مع أن الصبي غير مكلف، قالوا: فكلف المكلف بغير المكلف، فلزم أو وجب عليه أن يعلمه؛ صيانة للشرع، لكن لو سكت عنه فهل يأثم أم لا؟ فعلى القول بأنه يجب عليه: يأثم، وعلى القول بأنه لا يجب عليه: لا يأثم، لكن الأحوط أن يخبره، ثم ليس هناك إحراج لو أخبر أخاه بما فيه من خلل، أما بالنسبة للعبادة فهي صحيحة، وبالنسبة للمكلف فغير مؤاخذ.
стр. 378
حكم مقابلة المرأة لأبناء زوجها من الرضاعة
السؤال
هل يجوز لزوجتي مقابلة أبناء زوج أمها من الرضاعة، وكذلك أبناء هذا الزوج من زوجة أخرى؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف: هل التحريم بالمصاهرة -مثل: أم الزوجة وكذلك زوجة الأب من الرضاعة- هل يأخذ حكم التحريم بالنسب؟ الاحتياط ألا تقابلهم، وقد كنت أقول: لها أن تقابلهم؛ لظاهر قوله ﵊: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) لكن في الأخير قوي القول بأن تحتاط فيها؛ لأن التغليب لجانب المحرمية وأصول الشرع يقتضي تقوية عدم الإلحاق.
والله تعالى أعلم.
стр. 379
حكم تناول الرياضي للمنشطات
السؤال
ما هو حكم استعمال الرياضي للبروتينات والمنشطات التي تساعده في البروز بسرعة في المجال الذي يمارسه؟
الجواب
استعمال المنشطات والمقويات فيها شبهة؛ لأن بعض التركيبات الموجودة فيها قد تعتمد على بعض المواد المخدرة، وبعض تركيبات المخدرات، والدكتور محمد علي البار له بحث جيد في المخدرات، نبّه فيه على أن بعض المنشطات فيها نسبة من المواد المخدرة، ولذلك مثل هذا يقتضي الحظر والتحريم، إلا إذا وجدت الضرورة والحاجة للاستعمال، وهذه ليست بضرورة وليست بحاجة، وعلى العموم: يبقى على الأصل من عدم جواز استعمال مثل هذه المنشطات التي فيها شبهة والتي فيها نسبة من المخدرات، ويرجع هذا الأمر إلى أهل الخبرة والذين لهم علم بتركيبات الأدوية في هذا، والله تعالى أعلم.
стр. 380
حكم ترك المبيت في منى
السؤال
امرأة حجت هذا العام، وخرجت من منى بعد رمي جمرة العقبة، وذلك بتوكيل أحد الأشخاص، وطافت طواف الإفاضة مع طواف الوداع، فماذا عليها بتركها الإقامة بمنى؟
الجواب
أولاً: أوصي السائلة ونفسي بتقوى الله ، وأنه لا ينبغي لمن حج بيت الله الحرام أن يتلاعب أو يتساهل في الواجبات والأنساك، فمن حج فعليه أن يتقي الله ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] (أتموا الحج) يعني: إذا حججتم فليكن حجكم كاملاً، أتموه لله بفعل أركان الحج وواجباته وأدائها على الوجه المعتبر.
أما أن يتساهل الإنسان في الواجبات والفرائض ويوكّل غيره في الرمي ويترك المبيت، فهذا لا يجوز، وبناءً عليه: فالذي يظهر من السائلة أنه لا عذر لها في ترك المبيت وترك الرمي، وعليها دم بترك هذه الواجبات، وكل واجب منها عليها فيه دم، واختلف العلماء: قال بعضهم كل مبيت ليلة نسك، وقال بعضهم: المبيت كله نسك، وأصح الأقوال: أن كل ليلة فيها دم -وهو القول بالتجزئة- وكذلك الحال في الرمي، فعليها دم لمبيت ليلة إحدى عشر، وليلة الثاني عشر وعليها أيضاً دم برمي الحادي عشر ورمي الثاني عشر، ويكون عليها أربعة دماء.
والله تعالى أعلم.
стр. 381
الإشارة للحجر الأسود عند الانتهاء من آخر شوط
السؤال
إذا انتهى الرجل من الشوط الأخير من الطواف فهل يشير ويكبر أم لا؟
الجواب
هذه مسألة خلافية، وفيها وجهان: قال بعض العلماء: يشير، وقال بعضهم: لا يشير.
والسبب في الخلاف: أنهم اختلفوا: هل هذه الإشارة والتكبير من أجل محاذاة الحجر، أم من أجل استفتاح الطواف؟ فمن قال: إنها من أجل محاذاة الحجر يقول: يكبر في الآخر ويشير؛ لأنه حاذى الحجر، ومن قال: إنها لاستفتاح الطواف قال: ليس هناك شوط ثامن حتى يستفتح فلا يشير.
وأصح القولين -والعلم عند الله-: إنها لمحاذاة الحجر؛ لأن جابر ﵁ قال: (استلمه فإن عجز أشار إليه)، فدل على أن العبرة بالمحاذاة وليس من أجل الاستفتاح.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
стр. 382
شرح زاد المستقنع - باب الغسل [٢]
جاءت النصوص الشرعية مبينة لكيفيات العبادات، ومن ذلك: الغسل، فقد بينت النصوص كيفيته وصفته، سواء كان هذا على سبيل الكمال أو على سبيل الإجزاء، وفصَّل العلماء في أحكامه بناءً على هذه النصوص.
стр. 383
صفة الغسل الكامل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي].
كان الحديث عن موجبات غسل الجنابة، أي: الأسباب التي توجب الغسل من الجنابة، وهنا -إن شاء الله- سيكون الحديث عن صفة غسل الجنابة، وهذا الترتيب يعتبر مراعياً للأفكار -أي: ترتيب الأفكار- فبعد أن تنتهي من الأسباب تصف الشيء، وبعد أن تبين للمكلف ما هي الأمور التي تتسبب في غُسل الجنابة يأتيك
السؤال
كيف أغتسل من الجنابة؟ فأولاً: نبين موجبات الغسل وأسبابه، ثم نتبع بعد ذلك بالحديث عن صفة الغسل.
فقال ﵀: [والغسل الكامل] الواو: للاستئناف، والغسل له حالتان عند العلماء: الحالة الأولى: يسميها العلماء حالة الإجزاء.
والحالة الثانية: يسمونها حالة الكمال.
والفرق بين الإجزاء والكمال: أن الإجزاء يتحقق به المأمور شرعاً، بمعنى: أنك إذا أوقعت الغسل على صفة الإجزاء عليه فقد أديت ما أوجب الله عليك، وأما بالنسبة للكمال فإنه يراعى فيه ما فوق الواجب واللازم، بمعنى: أن يصف لك الغسل وصفاً على أتم وجوهه وأكملها، وبناءً على ذلك: انقسم الغسل إلى غسل إجزاء وغسل كمال، فلو أخل المكلف بغسل الإجزاء فقد يحكم بعدم صحة غسله، لكن لو أخل بغسل الكمال في غير الإجزاء تقول: فاته الأفضل والأكمل، وغسله صحيح.
يقول رحمة الله: (والغسل الكامل) أي: الغسل الذي هو على أعلى مراتب الغسل هو أن ينوي ثم يسمي، ومن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يذكروا حالة الإجزاء وحالة الكمال، والمصنف هنا ابتدأ بصفة الكمال، وغيره ابتدأ بصفة الإجزاء، فطريقة المصنف ﵀ حينما ابتدأ بغسل الكمال تدرج فيها من الأعلى إلى الأدنى، وطريقة غيره ممن ابتدأ بالأجزاء ثم أتبعه بالكمال تدرج من الأدنى إلى الأعلى، وكلتا الطريقتين لها وجه.
أما طريقة المصنف بأن يبتدئ بالكمال ثم يبين لك غسل الإجزاء فهي أنسب؛ لأنه إذا فعل ذلك ترك التكرار، فإنك إذا ذكرت الغسل الكامل ثم قلت: والواجب منه كذا وكذا، أفضل مما لو قلت: الغسل الواجب كذا، ثم أتبعت صفة الكمال وذكرت ضمنها الواجبات، فطريقة المصنف في ذكر الكمال ثم إتباعه بالإجزاء أولى من طريقة غيره ممن ابتدأ بالإجزاء ثم أتبعه الكمال.
هذه الصفة التي يسميها العلماء: صفة الكمال، ثبتت بها أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، منها: حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، وحديث ميمونة ﵂ وأرضاها، وكلا الحديثين ثابت عن النبي ﷺ في الصحيحين، فقد وصفت كل منهما غسل النبي ﷺ ، فمنهما من فصلت في شيء وأجملت في شيء، ومنهما من فصلت في شيء آخر وأجملت في غيره، وقد راعى العلماء ﵏ في صفة الكمال ما تضمنه حديث عائشة وحديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله عن الجميع.
يقول ﵀: (أن ينوي) أي: ينوي الغسل، والنية: القصد، والمراد بها كما يقول العلماء: العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى، كما ذكر هذا التعريف البعلي في المطلع، وكذلك غيره، ومعنى (العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى): أن تعزم على عبادة أو معاملة، والهدف من ذلك والقصد من ذلك وجه الله ، سواءً كانت عبادة أو معاملة، فالعبادة: كأن تصلي فتفعل القيام والركوع والسجود وغيره من أفعال الصلاة وفي نيتك وجه الله جل وعلا، أما المعاملة: كأن تعطي ابنك المال قاصداً بذلك مرضاة الله ، فإنها عادة ولكنها صارت عبادة بالقصد.
بعض العلماء يقول: العزم على فعل الشيء، وبعضهم يقول: قصد فعل الشيء قربة لله، والتعبير بالقصد أنسب من التعبير بالعزم؛ لأن من العلماء من فرق بين القصد والعزم فقال: القصد: ما يكون عند توجه النية، والعزم: يكون متراخياً عن ذلك التوجه، ولذلك قالوا: التعبير بالقصد أدق، خاصة وأن الحقيقة اللغوية للنية عرفوها بالقصد، فيكون فيه اشتراك بين التعريف اللغوي والشرعي من هذا الوجه.
стр. 384
حكم النية في الغسل
(أن ينويه) يعني: أن ينوي الغسل، صورة ذلك: أن يدخل الإنسان مكان الاغتسال وفي نيته أن يعمم بدنه لرفع الجنابة، وهكذا المرأة لإزالة الجنابة، فإذا حصل هذا القصد فقد نوى العبادة وقصدها تقرباً لله ، وخرج من هذا أن ينوي فعل الشيء لغرض غير وجه الله، مثل أن يدخل مستحمه للتبرد أو للسباحة، فلو غسل جسمه كاملاً للسباحة لم يكن غسلاً شرعياً، وإنما هو غسل عادة وليس بغسل عبادة، ولذلك قالوا: النية تفرق بين العادة والعبادة.
فقوله: (أن ينوي الغسل) أي: ينوي رفع الحدث، فإذا نواه فقد أجزأه، والأصل في النية أن تكون مقاربة لزمان الفعل فلو أنه قال: أريد أن أغتسل من الجنابة وجلس من الساعة الثانية ظهراً إلى الساعة الثالثة، ثم عزبت عنه هذه النية، ثم دخل إلى مستحمه وسبح وقد عزبت عنه النية، فنقول: إن هذا لا يجزئ، إنما المعتبر أن تكون النية مصاحبة، قال بعض العلماء: حتى ولو في طريقه إلى السباحة جرى في نفسه أن يغتسل من الجنابة أجزأه؛ لكن لو كانت النية للنظافة أو للتبرد في الصيف فكل ذلك لا يجزئه.
وهذه النية واجبة وفرض في قول جماهير العلماء خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، والصحيح مذهب الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] وجه الدلالة: أن الله أمر بإخلاص الدين والعبادة، ولا إخلاص إلا بنية، إذاً: النية واجبة، والغسل عبادة؛ إذاً: النية فيه واجبة، كذلك أيضاً قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيات) فقد علق صحة الأعمال على النية والغسل من الجنابة عمل، فلا غسل إلا بنية.
(أن ينويه) هذا هو الأصل؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يغتسل فإنه يبتدئ أول شيء بنية القلب، ثم بعد ذلك يكون منه الفعل المأمور شرعاً.
стр. 385
حكم التسمية عند الغسل
قال ﵀: [ثم يسمي].
(ثم) للعطف مع التراخي، أي: يقول: باسم الله، وهذه التسمية استحبها بعض العلماء، ومن العلماء من قال بوجوبها في الغسل، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- وأن الصحيح: عدم وجوبها، ولكن قال بعض العلماء: تستحب التسمية في العبادات وفي مبتدئها؛ لإطلاق الشرع.
ويسمي إذا كان المكان مهيأ لذكر الله، كأن يكون في بركة أو يكون في حمام معد للاغتسال لا لقضاء الحاجة، أما لو كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة فإنه لا يذكر اسم الله فيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إني كنت على حالة كرهت أن أذكر اسم الله عليها) فإذا امتنع أن يذكر اسم الله في حال حدثه فمن باب أولى أن يمتنع في مكان الحدث، ولذلك لا يسمي جهرة في أماكن قضاء الحاجة، وهذا هو المعهود شرعاً من عموم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] واسم الله لا شك أنه من أكبر الأشياء وأعظمها كما قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] فالإجلال لاسم الله من شعائر الله، فلا يذكر اسم الله جهرة، ولكن يسمي في نفسه على قول بعض العلماء، أي: أنه يجري في نفسه ذكر التسمية دون أن يتلفظ باللسان.
стр. 386
محل غسل الكفين في الغسل
قال ﵀: [ويغسل يديه ثلاثاً وما لوثه].
أولاً: ينوي، ثم يسمي، ثم يغسل يديه ثلاثاً، واليدان مثنى يد، والمراد بهما: الكفان، واليد تطلق ويراد بها جميع اليد إلى المنكب، وقد يراد بها إلى المرفق، وقد يراد بها إلى الزندين، وأقل ما يصدق عليه اليدان: الكفين، وسمي الكف كفاً؛ لأنه تكف به الأشياء، فالمراد أن يغسل كفيه ثلاثاً، والمصنف هنا قال: (يغسل يديه ثلاثاً) ثم أجمل، والحقيقة أن غسل اليدين أو الكفين في الغسل من الجنابة له حالتان: الحالة الأولى: غسل الكفين قبل تعميم البدن.
والحالة الثانية: غسل الكفين بعد غسل الفرج تهيأً للوضوء، فأما الحالة الأولى: وهي غسل الكفين عند الابتداء بالغسل، فقد ثبت في الصحيحين كما في حديث أم المؤمنين عائشة التصريح بهذا: (بدأ فغسل كفيه) وفي رواية مسلم: (يغسل كفيه) لكن ليس فيه التصريح بالتثليث، وفهم التثليث من مطلق هدي النبي ﷺ في الغسل كقوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) وكذلك حديث حمران مولى عثمان عن عثمان، وحديث عبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع في صفة وضوء النبي ﷺ ، وكلهم ذكر التثليث قبل ابتداء الوضوء، أي: عند غسل الكفين في ابتداء الوضوء.
قال العلماء: التثليث مناسبته: أنك إذا أزلت الأذى بالغسلة الأولى، فالغسلة الثانية تبرئ الموضع، بمعنى: أنك ربما تغسل ويكون الشيء عالقاً باليد، فالغسل الثاني آكد في إزالة العين، والغسلة الثالثة آكد وأبلغ للاستبراء، فلذلك قالوا: كان النبي ﷺ يغسل ثلاثاً، ولكن لم يرد التصريح في حديث أم المؤمنين عائشة وميمونة في ابتداء الغسل، ولكن ورد التثليث عن النبي ﷺ أنه غسل ثلاثاً في حديث ميمونة لما غسل فرجه صلوات الله وسلامه عليه، فإنها قالت: (مرتين أو ثلاثاً)، على الشك لا على الجزم بالثلاث.
والغسل للكفين في ابتداء الغسل من الجنابة مناسبته -كما يقول العلماء- أن اليدين ناقلتان للماء ولما كان الماء هو الذي يقصد به الطهارة فينبغي أن يكون طهوراً، وينبغي أن تكون آلته محافظة على الطهورية، فإذا كانت اليد نظيفة بقي الماء على أصل الطهورية، وإذا كانت اليد ليست بنظيفة فإن ذلك أدعى لخروج الماء عن وصفه بالطهورية، خاصة وأن الكف تنقل ماءً يسيراً، ولذلك أُمر بغسلها قبل الوضوء لمن استيقظ من نومه، أما الغسلة الثانية للكفين فإنها تكون بعد غسل الفرج.
قال المصنف: (يغسل يديه ثلاثاً وما لوثه) اللوث يطلق بمعنى: التلطيخ، يقال: لوث الماء إذا لطخه، وقد يطلق بمعنى: المرض والعاهة في العقل، ومنه قولهم: اللوثة الحمق وذهاب العقل -نسأل الله السلامة والعافية- وقد يطلق بمعنى: حاجة الإنسان.
فالتلويث في قوله: (وما لوثه) يعني: ما أصاب يده من القذر، وهذا يدل على أن المراد بغسل الكفين ما يكون بعد إزالة الأذى عن الفرج، فكان من هدي النبي ﷺ أنه يبتدئ فيصب الماء على يمينه ثم يفرغ على يساره، وبعد غسل كفيه صلوات الله وسلامه عليه يفرغ بيمينه على يساره ويأخذ الإناء بيمينه ويفرغه على يساره، ثم يغسل فرجه صلوات الله وسلامه عليه ومواضع الأذى، كما في حديث ميمونة ﵂ وأرضاها، فابتدأ بغسل الكفين ثم ثنى بغسل الأذى على الفرج وما جاوره كالفخذين ونحوهما.
ولما انتهى ﵊ -كما في الصحيحين من حديث ميمونة -: (من غسل فرجه وأزال الأذى، دلك يديه في الأرض دلكاً شديداً) كما قالت أم المؤمنين ﵂، ولذلك قال العلماء: يبتدئ بغسل الكفين، ثم يثني بالفرج، ثم يدلك يديه للغسلة الثانية، وهذه الغسلة الثانية آكد من الأولى، فإن الأولى قد تكون اليدان طاهرتين ولا يحتاج فيها إلى تجديد غسل، ولكن في الثانية لمكان الأذى وتلطخ اليدين بما هناك من الكدر ناسب أن يدلكها ﵊، قال العلماء: السنة لمن اغتسل في أرض ترابية أن يدلك يديه على الأرض الترابية، فالتراب يطهر يابساً أو مخلوطاً بالماء، أما يابساً فدليله: التيمم، وأما مخلوطاً بماء فدليله: حديث ولوغ الكلب، وقد ثبت ذلك طبياً، فناسب أن يدلك ﵊ يده بالأرض، وورد في الحديث أنه ضرب بها الحائط، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كانت الأرض صلبة وكان الحائط من طين فإنه يضرب بيديه الحائط.
وللعلماء في ضربه ﵊ على الأرض وضربه الحائط في غسله من الجنابة وجهان: الوجه الأول: أنها عبادة معللة تكون إذا وجدت علتها، بمعنى: أن الإنسان يضرب الحائط ويدلك الأرض إذا كان الحائط أو كانت الأرض ترابية أو من طين، لكن لو كانت الأرض صلبة وكان الحائط صلباً -كما هو موجود- فإنه على هذا القول تكون السنة الغسل بالصابون وما يحل محل الطين، قالوا: لأن العلة التنظيف، فكما أنه تحصل الطهارة بالطين فعند فقده تحصل بما يناسبه مثل الصابون.
الوجه الثاني: أنها عبادة، ويقتصر فيها على الصورة، فيكون وجود التطهير بالطين تبعاً لا أصلاً، وعلى هذا القول فإنه يسن للإنسان ولو كان الجدار أملس أن يضرب به يده -كما يقول بعض العلماء رحمة الله عليهم- وإذا كانت الأرض ليس فيها من فضلات النجاسة أو القذر فإنه يضرب يده أو يدلكها بها.
والصحيح: أنه عبادة معللة، فيضرب الجدار إذا كان من طين، وتدلك الأرض إذا كانت ترابية، وأما على حال اليوم فإنه لا يتأتى لقول أم المؤمنين: (دلك بيده الأرض دلكاً شديداً) والدلك الشديد لا يقصد به إلا الإزالة والتنظيف، ولذلك قالوا: إنها عبادة معللة، وهذا هو أصح الأوجه، ويكاد يكون قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم.
стр. 387
محل الوضوء عند الغسل وكيفيته
قال ﵀: [ويتوضأ] إذا فرغ من غسل يديه وأنقاها بالطين أو بالصابون فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولكن يؤخر غسل رجليه، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين ميمونة ﵂ وأرضاها، قالت أم المؤمنين عائشة: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) وذكرت مثلها أم المؤمنين ميمونة، لكن صرحت بتأخيره لغسل رجليه، فمن العلماء من قال: يتوضأ وضوءاً كاملاً ويغسل رجليه، ومنهم من قال: يتوضأ ويؤخر غسل الرجلين، ومنهم من قال بالتفصيل، فقال: إن كان المكان طاهراً نقياً كالموجود الآن من البلاط، فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً، وإن كان المكان فيه طين فإنه يحتاج فيه إلى تجديد غسله لرجليه بعد غسله لبدنه مع تطاير الطين فقالوا: يؤخر غسل الرجلين حتى لا يكون ضرباً من الإسراف في استعماله للماء، ومنهم من فصل من وجه ثانٍ فقال: إن كان الماء كثيراً غسل رجليه، وإن كان قليلاً فإنه يؤخر غسل الرجلين على ظاهر حديث أم المؤمنين ميمونة.
والذي يظهر -والعلم عند الله- أن الأقوى والأشبه أن تأخير النبي ﷺ لغسل الرجلين قصد به الأذى، وهذا يعرفه كل من اغتسل في مكانٍ ترابي، فإنه مهما فعل وغسل رجليه فإنه بمجرد أن يفيض الماء على بدنه فإن رذاذ الطين يتطاير على الرجل، وأيضاً ثبوت الرجلين على الطين يحتاج به إلى غسل جديد للرجلين، فالأشبه أنه أخر وضوءه ﵊ لمكان الطين في الموضع.
стр. 388
الخلاف في الوضوء عند الغسل هل هو مقصود أم لا
المسألة الثانية: لو أن إنساناً أراد أن يتوضأ، فهل هذا الوضوء مقصود للغسل أو مقصود لذاته؟ للعلماء وجهان: منهم من قال: يتوضأ وضوءه للصلاة وهو عبادة مقصودة، أي: أنها طهارة مقصودة، ومنهم من قال: لا، وضوءه للصلاة لشرف أعضاء الوضوء، يعني: أن النبي ﷺ حينما اغتسل من الجنابة وبدأ بالوضوء راعى فضل أعضاء الوضوء، وأقوى الوجهين القول الثاني: أنه توضأ لشرف أعضاء الوضوء فقدمها على غسل سائر البدن، يشهد لذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لـ أم عطية في غسلها لابنته غسل الموت قال: (ابدأن بميامينها وبأعضاء الوضوء منها) وذلك لما أمر بتوضئتها، يعني: إعطاء أعضاء الوضوء الأسبقية، ففهمنا أن هذا لشرف أعضاء الوضوء وليس وضوءاً مقصوداً.
فائدة الخلاف: إن قلنا: إنه وضوء مقصود أو وضوء غير مقصود تتفرع عليه مسائل، فمن العلماء الذين قالوا: إنه وضوء مقصود، قالوا: إن خروج المني يؤدي إلى الحدث الأصغر والأكبر فيكون وضوءه لرفع الحدث الأصغر ويكون غسله لرفع الحدث الأكبر، فيصبح خروج المني يؤدي إلى انتقاض الطهارة الصغرى والكبرى، وفائدة معرفة ذلك في القياس، فلو أن إنساناً خرجت منه حصاة فالذين يقولون: إن خروج الحصاة يوجب انتقاض الوضوء يقولون: الحصاة طاهرة، فتنقض الوضوء كما أن المني طاهر وينقض الوضوء، ولذلك وجب الوضوء والغسل.
فيستفاد مما سبق في الأقيسة في اعتبار الأصل الشرعي، فإذا اعتبرت أن هذا الوضوء للطهارة الصغرى وأن المجنب بخروج المني عليه طهارتان فيتفرع منها: أن خروج الطاهرات يوجب انتقاض الحدث كما ذكرنا في باب نواقض الوضوء.
стр. 389
إيصال الماء إلى أصول الشعر في الغسل
قال ﵀: [ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه] ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه بعد أن انتهى من وضوئه حثا على رأسه ثلاث حثيات، كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وحديث ميمونة -وهذان الحديثان يعتبران أصلاً عند العلماء رحمة الله عليهم في باب الغسل من الجنابة- وقد ذكرت ميمونة التعميم وذكرت عائشة ﵂ كذلك التعميم في موضع والتفصيل في موضع ثانٍ، فقد بينت أن هذه الثلاث حثيات كانت من النبي ﷺ ؛ الأولى منها: لشقه الأيمن صلوات الله وسلامه عليه، والثانية: لشقه الأيسر، ولذلك فالسنة لمن توضأ في الغسل من الجنابة أن يبدأ فيأخذ حثية إلى شق رأسه الأيمن، فيحثي عليه، ويروي بهذه الحثية الأولى شعر رأسه قالت أم المؤمنين عائشة: (حتى إذا ظن أنه روى أصول شعره).
فالمقصود من هذه الثلاث حثيات: أن الشعر يكون كثيفاً، وخاصة أن شعر النبي ﷺ كان كثيفاً، وربما إذا رجّله وصل إلى منكبه، وكانوا في القديم قليلي الحلاقة، ولذلك لما ذكر النبي ﷺ الخوارج قال: (سيماهم التحليق) فكانت الحلاقة قليلة في ذلك الزمان، فكان الإنسان إذا اغتسل من الجنابة يخاف من الشعر؛ لأن إنقاء البشرة مقصود في الجنابة، ولذلك قال علي ﵁: (فمن ثم عاديت شعري)، يعني: خوفاً من الجنابة عاديت الشعر، فكان يحلق ﵁ ويكثر منه، وكل ذلك خوفاً من التقصير في تروية أصول الشعر أو البشرة في الغسل من الجنابة.
فكان ﵊ يأخذ الحفنة الأولى ويروي بها أصول الشعر، فإذا بلغ الماء أصول الشعر في الشق الأيمن والشق الأيسر حثا ﵊ الحثية الثالثة التي يقصد بها التعميم، فإذا عمم رأسه تفرغ لبدنه، قالت أم المؤمنين ﵂: (ثم أفاض على جسده)، وفي رواية: (على سائر جسده الماء).
قال بعض العلماء: يستحب قبل التعميم أن يتفقد الإنسان المواضع الخفية في البدن كالإبطين فيبدأ بإيصال الماء إليها، كما أوصل ﵊ الماء لشئون رأسه؛ لأنه عند تعميم الماء لسائر الجسد قد يغفل عن هذه المواضع، ولذلك قالوا: تفقد ﵊ شعر رأسه، وهذا أصل في تفقد المواضع التي قد تكون بعيدة عن الماء إذا عمم.
стр. 390
تعميم البدن ثلاثاً أثناء الغسل
قال ﵀: [ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً] (يعم البدن) بمعنى: أن يصب على جسده الماء صبة يعممه بها، وهذا التعميم قال فيه ﵊ لـ أم سلمة: (ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ) والإفاضة: التعميم، والأصل في تعميم البدن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] وكذلك حديث أم سلمة (ثم تفيضين الماء على جسدك) وقول عائشة ﵂: ثم غسل سائر جسده، فيعمم البدن بالماء.
وقال المصنف: (ثلاثاً) أي: ثلاث مرات، وهذا فيه خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: السنة أن يعم البدن بغسلة واحدة، ولا يزيد إلى الثلاث، وهو قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وممن روي عنه هذا القول الإمام مالك، وكذلك جاءت عن الإمام أحمد رواية بهذا، وشددوا في الغسلة الثانية والثالثة، وقالوا: لأنه يفعلها معتقداً الفضل ولم يفعلها رسول الله ﷺ مع أنه ثلث في الوضوء، ومن ثم قالوا: التثليث في الغسل بدعة، وشددوا في أن يغسل ثلاثاً بقصد العبادة.
لكن لو أنه غسل الغسلة الأولى قاصداً رفع الجنابة، ثم غسل المرة الثانية والثالثة للمبالغة في التنظيف كما هو الحال الآن، فالإنسان قد يغتسل بالصابون فيحتاج إلى صبة ثانية وثالثة، فلا حرج؛ لأنها خرجت إلى قصد النظافة لا إلى قصد العبادة وفرق بين قصد العبادة وبين قصد النظافة، أما لو ثلث بدنه قاصداً العبادة فهذه بدعة في قول طائفة من السلف كما ذكرنا، وهذا القول هو الصحيح، فإن الناظر في أحاديث النبي ﷺ في غسله كلها يجد أنها نصت على أنه أفاض إفاضة واحدة ﵊، ولم يثنِ ولم يثلث -بأبي وأمي ﵊ ولو كان الفضل في التثنية والتثليث لما تركه ﵊، وهناك رواية عن الإمام أحمد -وهو قول لبعض الشافعية رحمة الله عليهم وبعض العلماء- تقول: إنه يستحب التثليث في الغسل، ولكن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
следующие страницы →