Полный текст (7 030 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
شرح زاد المستقنع - باب صفة الصلاة [٥]
للتشهد صفة واردة عن النبي ﷺ ، وله صور وحالات معلومة، وينقسم إلى: التشهد الأول، والتشهد الثاني، فإذا أتم التشهد الثاني فإنه يسلم من صلاته، وللتسليم صور واردة عن النبي ﷺ ، وبذلك يكون قد أتم صلاته على أكمل وجه وأحسنه.
стр. 842
صفة الجلوس للتشهد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [ثم يجلس مفترشا ويداه على فخذيه] أي: إذا تم من الركعة الثانية يجلس مفترشاً كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، وكذلك غيرها في صفة جلوسه ﵊ أنه (افترش اليسرى ونصب اليمنى، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة)، صلوات الله وسلامه عليه.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون ذلك، حتى أُثر عن بعضهم أنه كان إذا انحنى إبهامه أصلحه حتى يكون مستقبلاً القبلة، ويكون معتمداً عليه في جلوسه، وهذه إحدى الجلسات.
كذلك أيضاً جاء عنه ﵊ أنه جلس بين السجدتين، فنصب قدميه وجعل صدور القدمين على الأرض مستقبلاً بها القبلة وإليته على العقبين، وهذا ليس بالإقعاء المنهي عنه، فقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ فعله، وأنه من السنة فلا حرج فيه، وإنما الإقعاء المنهي عنه أن يجعل طرفي القدمين ويفضي بإليتيه إلى الأرض، فهذا الصورة للإقعاء.
الصورة الثانية: أن ينصب رجليه، ثم يفضي بإليتيه إلى الأرض.
الصورة الثانية: أن تكون بطون القدمين إلى الأرض، وتلتصق العقبان بالإلية، هذه كلها صور للإقعاء المنهي عنه.
أما لو نصب واستقبل بأطراف أصابعه القبلة؛ فإن هذا ورد فيه حديث ابن عباس أنه من هدي رسول الله ﷺ .
قال ﵀: [ويداه على فخذيه] أي: تكون يدا المصلي على الفخذين، وهذه جلسة التشهد، فقد جاء عنه ﵊ أنه فعل هذا الفعل، فشرع ﵀ في الصفة الفعلية، فجلسة التشهد تحتاج إلى فعلٍ وقول، أما الفعل فشيءٌ منه يتعلق بمؤخر الإنسان وشيء يتعلق بمقدمه، فالذي يتعلق بمؤخَّره فقد ذكرناه من افتراش اليسرى ونصب اليمنى، واستقبال القبلة بأطراف أصابع اليمنى.
أما ما يتعلق بمقدمه فنبدأ بوضع اليد اليسرى، وفيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قال بعضهم: يُلقِمها ركبته كما جاء في السنن عنه ﵊ أنه ألقَم ركبته، والإلقام: أن تجعلها بمثابة الفم على الركبة، كأن نصفها على آخر الفخذ، ونصفها الذي هو أطراف الأصابع ملتصق بظاهر الركبة، وهذه الصورة تعرف عند العلماء بصورة اللقم.
الوجه الثاني: أن يجعل رءوس أصابعه عند ركبته مستقبلاً بها القبلة.
الوجه الثالث: أن تكون على الفخذ، بمعنى أنها لا تكون قريبة من الركبة، وإنما تكون على الفخذ.
هذه ثلاثة أوجه للعلماء رحمةُ الله عليهم.
واليد اليسرى بالإجماع أنه لا يشرع التحريك فيها، والأصل في ذلك أن رسول الله ﷺ لما مرّ على الرجل وهو يشير بإصبعيه قال: (أحِّد أحِّد) أي: اجعله واحداً، فنهى عن رفع إصبعه الثانية؛ فدل هذا على أنه ليس من السنة أن يشير بالأصبعين من اليدين، وإنما يقتصر بالإشارة على الكف الأيمن.
قال ﵀: [يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها] بالنسبة للوسطى مع الإبهام يحلق بهما، ويشير بالسبابة.
والسبابة: هي ما بين الإبهام والوسطى، فالعرب تسمي أصغر الأصابع: الخنصر؛ ثم التي تليها البنصر، ثم الوسطى، ثم السبابة، ثم الإبهام، والسبابة سُمِّيت بذلك لأن الإنسان عند السب أو اللعن -والعياذ بالله- مع شدة الغضب يشير بها، كالمتوعد، ووُصِفت بهذا وأصبح اسمها، فيقبض الخنصر والبنصر، ثم يحلق ما بين الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة.
[ويحلق إبهامها مع الوسطى ويشير بسبابتها في تشهده] بعض العلماء يرى أنها تكون كالدائرة، وقال بعضهم: أن يجعل طرف الإبهام عند منتصف السبابة، وهذا مبني على رواية: إحدى وخمسين، بناءً على حساب العرب في عدّ الأصابع.
وبعضهم يرى أنه يكون جامعاً بها على هذه الصفة، بحيث تجتمع الأنملة العليا من الوسطى مع طرف الإبهام، وهذا وارد عن النبي ﷺ في التحليق، وثبت عنه في الأحاديث الصحيحة، ويشير بالتوحيد عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) وذلك لقوله ﷺ : (أحّد) والسبب في هذا أن الأصل عدم التحريك؛ لأن النبي ﷺ قال: (اسكنوا في الصلاة) وقال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
قالوا: الأصل السكون وعدم الحركة والكلام حتى يدل الدليل على حركة وكلام معتبر، فلما جاء الدليل ووجدنا أنه ﵊ أمره بالتوحيد، فدلّ ذلك على أنه عند الشهادة، وهذا على الأصل، ولذلك قالوا: يرفعها عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) وهذا هو أوجه الأقوال وأعدلها وأقربها إلى السنة إن شاء الله تعالى.
وللعلماء في هذه الإشارة أوجه: منهم من يرى أنه يُشار بها شديدا، يعني: بقوة، ومنهم من يرى أنها لا تُشد ولا تُرخى وإنما يُتوسط فيها، كما جاء في حديث ابن عمر عند البيهقي وغيره؛ ولذلك قالوا: منكتاً بها إلى الأرض، وهذا أولى الأقوال، ولو فعل الأول فلا حرج، لكن أولى الأقوال أنه يُنَكِّت بها إلى الأرض، ويرمي ببصره إليها، كما جاء عن النبي ﷺ أنه كان ينظر إليها كما في حديث السنن.
إذاً: ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه كان يجعل مرفقه عند فخذه صلوات الله وسلامه عليه، ثم يعقد خنصره وبنصره، ويحلق بالوسطى مع الإبهام ويشير بالسبابة.
وهناك صورة أخرى اشتمل عليها حديث وائل بن حجر ﵁ وأرضاه، وحديث أحمد في المسند، وكذلك غيره عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عقد ثلاثاً وخمسين، وهذا يعني: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويجعل الإبهام عند أصل الوسطى.
الصورة الثالثة: أنه يستقبل بالأصابع القبلة، ويجعل أصابعه مستقبلة القبلة، ويُشير بالسبابة، وهذه الصورة اختارها بعض العلماء ﵏ استحساناً، من جهة استقباله للقبلة، قالوا: لأنها هيئة الساجد.
والأقوى ما ذكرناه من الصفتين أنه إما أن يُحلّق بين الوسطى وبين الإبهام ويشير بالمسبحة، وإما أن يعقد ثلاثاً وخمسين.
والسبب في ذلك أن الخنصر واحد، والبنصر الثاني، والوسطى الثالث، والعرب إذا أرادت أن تعد تعقد الإبهام إلى أصل الأصابع، فيكون فيه إشارةً إلى الخمسين، فأصبح المجموع ثلاثاً وخمسين.
هاتان الصفتان هما أقوى ما جاء عن النبي ﷺ في صفة كفه اليمنى أثناء التشهد.
أما بالنسبة للكف اليسرى فلها كما قلنا إما أن يجعلها على فخذه، وإما أن يجعل أطراف أصابعه عند ركبته، وإما أن يلقم بها الركبة، وكلٌ قد جاءت به سنة عن النبي ﷺ .
وأما الإشارة باليسرى فإنه لم يثبت بها دليل، وقد جاء عن النبي ﷺ كما في حديث أنس وغيره أنه رأى رجلاً يشير بإصبعيه يدعو بهما، فقال ﵊: (أحّد أحد) وهو حديث عند النسائي، وهذا على سبيل المناسبة؛ فإن الله واحد؛ ولذلك جعل الإشارة بتوحيده بالإصبع الواحدة، ولم يجعله بإصبعين، حتى تكون هناك مناسبة بين العدد الذي يشير به وبينما يدل عليه.
стр. 843
حكم الإشارة بالإصبع في التشهد
الإشارة في الصلاة للعلماء فيها ثلاثة أوجه: منهم من قال: يشير ولا يحرك، وهذا بناءً على ما ثبت في حديث ابن عمر وحديث وائل ﵄، أن النبي ﷺ أشار بها، وكلها أثبتت الإشارة دون تحريك.
وأما التحريك فقالوا: أخذوه من حديث ابن الزبير (يدعو بها) قالوا: والدعاء بها يقتضي التحريك، وجاءت أحاديث -لم يخل حديث منها من كلام، وقد أشار الذهبي وغيره إلى ضعفها- أنها مذعرةٌ للشيطان أي: أنها تصيب الشيطان بالذعر، ولكن لم يصح في ذلك حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ، والأحاديث إما منكرةٌ أو موضوعة.
والذين قالوا بالتحريك ينقسمون إلى طائفتين: طائفة تقول: يبتدئ الدعاء بالرفع، فيجعل الرفع عند ابتداء كل دعاءٍ، وعلى هذا إذا قال: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات) ابتدأ الرفع عند قوله: (اللهم) وكلّما ابتدأ دعاءً رفع إصبعه سائلا الله الإجابة.
هذا بالنسبة لمذهب من يقول: يدعو بها؛ أي: أنه يحركها عند ابتداء كل دعوة.
والقائلون بهذا القول كأنهم يرون أن الأصل هو ثبوت الإصبع، فقالوا: يدعو بها؛ ويتقيد تحريكها بالدعاء.
لكن يُشكل عليهم لفظ الشهادة، فإنه لا يشتمل على السؤال، ولا يشتمل على الدعاء؛ فالذين يقولون: تثبت دون تحريك أي: من عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) يبقى مشيراً بها ومنكِّتاً إلى الأرض، كما في حديث ابن عمر عند البيهقي وغيره، وعلى هذا تثبت إلى نهاية الصلاة.
وأما الذين يقولون بالتحريك فيقولون: يبتدئ تحريكها عند الشهادة فيشير ثم يقبض، فإذا ابتدأ الصلاة على النبي ﷺ لاشتمالها على نوع من الدعاء: (اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد) فيحرك عند ابتداء كل صلاةٍ؛ لأنها دعاء ومسألة.
والذين قالوا بالتحريك المطلق -وهو أضعف الأقوال، وهو القول الثالث- قالوا: إنه يشير بها، أي: يحركها سواء كان في ابتداء الدعاء أو أثنائه.
وأقوى هذه الأقوال أنه يشير بها ولا يحركها؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (اسكنوا في الصلاة) وقوله: (يدعو بها) متردد بين شهادة التوحيد وبين أن يبقى مشيراً بها، فنقول: إن من رفعها أثناء دعائه فكأنه داعٍ بها؛ ولذلك ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه كان إذا خطب لا يزيد على الإشارة بها صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 844
التشهد الأول والصيغ الواردة فيه
قال رحمه الله تعالى: [ويقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
هذا التشهد الأول] التشهد -كما قلنا- يشتمل على فعلٍ وقول، ففرغ ﵀ من هيئة المتشهد، ثم شرع في أذكار التشهد، والسبب في تقديمه للأفعال والأوصاف على الأقوال أن أول ما يبتدئ به المتشهد أن يهيئ مجلسه للتشهد، فابتدأ بهيئة الجلوس، ثم أتبعها بذكر الجلوس، وذكر التشهد يبتدئ بالتحيات.
وقد جاءت عن النبي ﷺ صِيغٌ للتشهد، منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي ذكره المصنف.
ومثله حديث عبد الله بن عمر، وحديث أبي موسى الأشعري مع اختلاف يسير، وهناك صيغٌ أخرى منها تشهُّد عبد الله بن عباس ﵄، وتشهد عمر بن الخطاب.
فأما الإمامان أحمد وأبو حنيفة فاختارا تشهد ابن مسعود هذا، والسبب في ذلك أنه قال: (علمني النبي ﷺ التشهد وكفي بين كفيه) إشارة إلى القرب واتصال الرواية، ولأن ألفاظ تشهد ابن مسعود جاءت متناسقة، ولم يحدث بينها اختلاف، ولأن هذا التشهد علَّمَه غير واحدٍ من السلف، فلذلك قالوا: إنه أفضل صيغ التشهد.
وقيل بتشهد عبد الله بن عباس ﵄ وأرضاهما: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)، وهناك تشهد عمر بن الخطاب ﵄، وفيه أن النبي ﷺ قال: (التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله)، وفي رواية: (الطيبات) بدون (لله)، وفي رواية: (الطيبات لله، والصلوات لله)، وكلتاهما روايتان ثابتتان عن النبي ﷺ .
فاختار الإمام الشافعي تشهُّد عبد الله بن عباس ﵄، واختار الإمام مالك ﵀ تشهد عمر بن الخطاب ﵁، وقد بيّن المحققون -ومنهم الإمام الحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما قرره في القواعد النورانية، وابن عبد البر في الاستذكار، وكذلك الإمام ابن القيم ﵀ في غير ما موضع من كتبه- أن الأمر واسع، فإن شئت تشهدت بتشهد ابن مسعود، أو بتشهد عبد الله بن عباس، أو بتشهد عمر بن الخطاب.
وكأنهم يرون أن هذا الخلاف إنما هو من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد، فالأمر واسع، فإن شئت تشهدت بهذا، وإن شئت تشهدت بهذا، واستحب بعض العلماء أن يُكثر من تشهد عبد الله بن مسعود وذلك لقوة رواياته، ولكن ينوع في بعض الصلوات بالتشهد الآخر الوارد عن عمر وعن عبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع.
ومعنى: (التحيات) أي: البقاء والدوام لله .
ومعنى: (والصلوات) أي: الثناء على الله ، والأدعية مختصة بالله لا تكون لغيره.
وقوله: (والطيبات) وصَفَها بالطيب؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً .
و (المباركات) من البركة، وأصل الشيء المبارك: الكثير الخير والنماء والزيادة، فالبركة هي النماء والزيادة والخير الكثير.
وقوله: (السلام عليك أيها النبي) جاء في الرواية عنهم أنهم ﵃ لما توفي ﵊ كانوا يقولون: (السلام على النبي)، وقال بعض العلماء: يُبقى على اللفظ الوارد؛ لأنه هو الذي علمه النبي ﷺ للصحابة فيقتصر عليه، وإن قال الإنسان: (السلام على النبي) فلا حرج.
فالذين قالوا إنه يقول: (السلام عليك أيها النبي) قالوا: إن كاف الخطاب لا يشكل عليها وفاته ﵊؛ لأن الصحابة كانوا يسافرون، وكانوا يبتعدون أحياناً عن النبي ﷺ في حال حياته، ومع ذلك لم يغيروا هذا اللفظ، فيبقى هذا اللفظ على ما هو عليه لا يختلف في حياته وموته صلوات الله وسلامه عليه، ولا شك أن هذا المذهب من جهة الاتِّباع والقوة في التأسي من حيث اللفظ الوارد هو أقوى، وذلك لأن التحيات ذكر مخصوص، وينبغي أن يلتزم فيه المصلي ما ورد، وأما اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم فهذا منهم، فلهم أجرهم على الاجتهاد، ولكن الأقوى والأولى ما ذكرناه.
وقول: [السلام عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين] في التشهد لأنهم كانوا في القديم يسلّم بعضهم على بعض عند انتهاء الصلاة، فأبدلهم الله بهذا، وكانت هي الصلاة المدنية؛ فعندما كان يسلم بعضهم على بعض، ويشير بعضهم على بعض لبُعدهم قال ﷺ : (ما لي أراكم رافعي أيديكم كأذناب خيلٍ شمسٍ، اسكنوا في الصلاة)، فنهاهم عن هذا السلام، وأبدلهم الله بقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وقد ورد في الخبر أنه لا يبقى عبدٌ لله صالح إلا أصابه هذا السلام، إذا قال المصلي: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وفيه دليل على فضل صلاح الإنسان.
قال بعض العلماء: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) عامة تشمل كل مسلم.
وقال بعضهم: بل تختص بمن زاد خيره وزادت طاعته، فهو المختص بهذا التسليم من المصلين إظهاراً لشرف الصلاة والزيادة في الهداية، فكلما زادت هداية الإنسان وازداد صلاحه وخيره كان عليه سلامٌ من المصلين، فمن صلى نفلاً أو فرضاً أصابه هذا التسليم من عباد الله المصلين، وهذا فضلٌ عظيم وخيرٌ كثير.
وأما قول: [أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] لقد جاء في الرواية الثانية: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له -بزيادة (وحده لا شريك له- وأشهد أن محمداً رسول الله)، وجاء في روايةٍ أيضاً: (محمداً عبده ورسوله)، وكل هذا ثابت عن النبي ﷺ .
قوله: [هذا هو التشهد الأول] لأن النبي ﷺ قال: (سبع كلمات وهي تحية الصلاة)، وهو حديث عند مسلم وغيره، قالوا: هو التشهد الأول؛ لأن التشهد تفعلٌ من الشهادة، فمن بلغ إلى قوله: (أشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقد انتهى من تشهده الأول، وأما الصلاة على النبي ﷺ فإنها لا تكون في التشهد الأول على أصح أقوال العلماء، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمن قال إنها تكون في التشهد الأول.
والسبب في ذلك أن الصلاة على النبي ﷺ دعاء، وقد بين النبي ﷺ أن الدعاء إنما يكون في التشهد الثاني لا في التشهد الأول، وقد اختلف في حديث النسائي وغيره الذي فيه ما يدل على أنه يدعو في التشهد الأول، ولذلك خطَّأ بعض العلماء هذه الرواية، وقوَّى أن الدعاء إنما هو في التشهد الثاني، وقد بين ذلك النبي ﷺ في قوله لمن انتهى من صلاته: (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)، فالتشهد الأخير هو تشهد المسألة والدعاء، وأما التشهد الأول فإنه لا يُدعا فيه، ولذلك جاء في الحديث عنه ﵊ أنه: (كان إذا جلس في التشهد الأول قام كأنما كان على الرضف)، وهو الحجارة المحماة، وهذا إشارة إلى أنه كان يستعجل، ولم يكن يطيل جلوسه للتشهد الأول.
ولذلك قالوا: السنة أنه لا يصلي على النبي ﷺ ، ولأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أمُرُه ﵊ بالصلاة عليه في هذا الموضع، فيقتصر على التشهد، وقد سموه تشهداً واسمه دال عليه، وقد وصفه النبي ﷺ بذلك، قالوا: فتسمية النبي ﷺ له تشهداً تدل على أنه يقتصر فيه على قول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
فالخلاصة أن ما قلنا هو أقوى الأقوال، هناك قولٌ ثانٍ: أنه يصلي على النبي ﷺ ، وهناك قولٌ ثالث: أنه يشرع له الدعاء.
ولكنه قولٌ ضعيف عند العلماء للاختلاف في ثبوت الرواية بدعائه ﵊؛ لأن المحفوظ عدم دعائه، وسرعة قيامه إلى الركعة الثالثة.
стр. 845
الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الثاني
قال رحمه الله تعالى: [ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد].
هذه هي الصلاة على النبي ﷺ ولها صيغٌ عديدة، واختار المصنف ﵀ منها هذه الصلاة، وهي صحيحة ثابتة، فهذه الصلاة لها أكثر من عشر صيغ ثابتة في الكتب الستة عن النبي ﷺ .
وأي صلاةٍ صلى بها فإنها مجزئة، لكن المعتبر منها الصلاة الإبراهيمية التي اختارها المصنف رحمة الله عليه، وقد دلّ عليها حديث كعب بن عجرة ﵁ وأرضاه.
стр. 846
حكم الاستعاذة من النار والقبر بعد التشهد الثاني
قال رحمه الله تعالى: [ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر] أي: يسأل الله أن يعيذه من عذاب جهنم، والتعوذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال أربع كلمات، اختلف العلماء فيها على وجهين: فمنهم من قال: يُستحب للمصلي أن يتعوذ من هذه الأربع: من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب القبر، ومن عذاب جهنم.
والسبب في ذلك أمره ﵊ على سبيل الندب لقوله ﷺ : (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)، فقوله: (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء) يدل على الندب والاستحباب، وأنك تقول هذا الدعاء على سبيل الأفضلية لا على سبيل اللزوم.
وهناك قولٌ ثانٍ يقول: يجب على المصلي أن يتعوذ بالله من هذه الأربع، ويُلزمه بها، وهو قول بعض فقهاء الظاهرية كما اختاره ابن حزم، بل شدد بعضهم -ويوافقه بعض أهل الحديث رحمة الله عليهم- فقال: من لم يتعوذ بالله من هذه الأربع تبطل صلاته.
والصحيح أنها مندوبة مستحبة، وليست بلازمة واجبة؛ لدلالة السنة على صرف الأمر عن ظاهره من الوجوب إلى الندب، والقاعدة في الأصول أن الأوامر تبقى على ظواهرها من الدلالة على الوجوب ما لم يقم الصارف على صرفها عن ذلك الظاهر.
وقد قام الصارف في قوله ﷺ : (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)، فوسَّع النبي ﷺ ولم يقيِّد.
وهذه الأربع -كما يقول العلماء- اشتملت على شرور الدنيا والآخرة؛ فإن الإنسان يأتيه الشر من فتنة المحيا، وقد يؤخر الله عنه البلاء فيكون في فتنة الممات، والأمر الثالث: البرزخ، والرابع: عذاب جهنم.
قال بعض العلماء: فتنة الممات ما يكون عند سكرات الموت، نسأل الله أن يلطف بنا فيها.
فالإنسان المسلم الموفَّق السعيد يخشى من هذه الأربعة المواضع.
الموضع الأول: فتنته في حال حياته، فمادامت روحه في جسده فإنه معرضٌ للفتن، حتى ولو بلغ أعلى درجات الصلاح فإنه لا يأمن أن يُمسِي مؤمناً فيصبح -والعياذ بالله- كافراً، ولا يأمن أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ففي الحديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) نسأل الله السلامة والعافية.
فإذا كان حياً فإنه يخاف من فتنة المحيا، وكم من إنسان كان على خير فانعكس حاله -والعياذ بالله- إلى الشر بسبب طول حياته إلى زمان الفتن، ولذلك كان بعض العلماء -رحمةُ الله عليهم- من مشايخنا يقول: كنت أسمع قول النبي ﷺ في أمره بالتعوذ من فتنة المحيا والممات، وكنا نتعوذ، ونسأل الله أن يعيذنا، ولكن لم نعرف ولم نجد أثر ذلك إلا بعد رؤية الفتن، فعلمنا فضل هذا الدعاء: (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)، وكم من إنسانٍ يتمنى العيش إلى دهر يسوءه ولا يسره ولا ينفعه، بل يضره، نسأل الله أن يلطف بنا وبكم.
الموضع الثاني: إذا سَلِم في حياته فقد يبتليه الله قبل موته، فيختم له بخاتمة السوء، ولذلك قد يتخبط الشيطان الإنسان عند سكرات الموت -والعياذ بالله- فقال ﷺ : (وفتنة الممات)، فيسأل الله أن يلطف به في فتنة الممات، وأن يجعل خاتمته على خير؛ فإنه قد يموت الإنسان على خاتمة السعداء، وقد يموت على خاتمة الأشقياء، ولذلك ثبت في الحديث أن رجلاً طُعِن يوم أحد فسالت دماؤه فاستعجل الموت -والعياذ بالله- فطعن نفسه فقتل فمات قاتلاً لنفسه.
فعلى الإنسان أن يسأل الله أن يلطف به، خاصةً عند سكرات الموت وشدته، فإن سَلِم من فتنة المحيا والممات فإنه قد تكون هناك ذنوبٌ وخطايا منه لم يغفرها الله لعدم وجود التوبة النصوح منه، فيبتليه بفتنة القبر، فقال ﷺ : (وأعوذ بك من عذاب القبر)، فإن سلم من فتنة المحيا ومن فتنة الممات، ومن فتنة القبر فإنه يحتاج إلى أن يسلِّمه الله من عذاب جهنم.
ثم بعد هذه الفتن الأربع هناك فتنٌ خاصة وهي التي عناها بقوله: (فتنة المسيح الدجال)، فالفتن منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، فاستعاذ من فتنة المحيا العامة، ثم شرع في فتنة المحيا الخاصة وهي فتنة المسيح الدجال، وهي من أعظم الفتن، وسمي مسيحاً لأنه يمسح الأرض، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه لا يدع موضعاً من الأرض إلا وطئه، إلا ما يكون من المدينة، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ -كما في حديث تميم الداري - أنه: (على كل نقب من أنقابها ملائكةٌ يحرسونها، فلا يستطيع أن يدخلها، وإنما ترجف فيخر المنافقون إليه في السبخة من أرض الجرف، ويمكث أربعين يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، ويوم كسائر أيام السنة).
وتعظُم فتنته، حتى ثبت في الحديث الصحيح أنه يمر على الأرض الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل، أي: من الذهب والفضة وما فيها من الكنوز، فيفتن الناس به فتنةً عظيمة، ويدعي أنه الله، ويعظمُ بلاؤه، وله جنةٌ ونار، فناره جنة وجنته نار، حتى يكتب الله للمؤمنين السلامة من فتنته بنزول عيسى ابن مريم ﵇ وقتله للمسيح، كما ثبتت بذلك الأخبار في الصحيحين.
وأما عذاب القبر فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه: (دخل على عائشة، وكانت قد دخلت عليها يهودية فأطعمتها أم المؤمنين عائشة، فقالت لها اليهودية: أعاذك الله من عذاب القبر، فعجبت عائشة من قولها، فلما دخل عليها رسول الله ﷺ أخبرته، فقال ﵊: أشعرت أن الله أوحى إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم؟! قالت أم المؤمنين: فما سمعته صلى صلاةً إلا واستعاذ بالله من عذاب القبر).
وفي الحديث الصحيح من حديث البراء عند أحمد في مسنده: (أن النبي ﷺ خرج في جنازة أنصاري، فجلس -لكي يلحِدوا له- قال: وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً)، ثم ذكر الحديث، فالشاهد من هذا أنها فتنة عظيمة تكون للإنسان في قبره، ويستعيذ الإنسان منها لكي تحصل له من الله السلامة، فنسأل الله أن يعيذنا من هذه الفتن ما ظهر وما بطن.
قال ﵀: [ويدعو بما ورد] أي: يسأل الله من خير الدنيا والآخرة بما ورد، فيسأله العافية في دينه ودنياه وآخرته، ويقول الدعاء المأثور -كما في حديث أنس -: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، ومن أفضل الدعاء الدعاء بجوامع الكلم كقوله ﷺ : (اللهم إني أسألك الهدى والتقى)، وكقوله ﵊: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، واجعل الموت راحةً لي من كل شر).
فإن هذه الخمس الكلمات تجمع للإنسان سعادة الدنيا والآخرة، فمن أعطاه الله هذه الخمس فقد أعطاه السعادة بعينها.
فهذا اختيار جمعٍ من العلماء وهو أنه يقتصر في دعائه على ما ورد، وقالوا: لا يدعو بأدعية الدنيا، كأن يقول: اللهم إني أسألك دابةً سريعة، أو زوجةً جميلة، أو داراً فسيحة، ونحو ذلك.
وقالوا: إنما يدعو بما ورد، ورخص بعض العلماء في الدعاء؛ لقوله ﵊: (ثم يتخير من المسألة ما شاء)، وهذا في الحقيقة أقوى لظاهر دلالة السنة، ولكن أجمع العلماء على أن الأفضل للإنسان أن يدعو بما ورد؛ لأنه إذا دعا بما ورد كان له أجران: أجر الدعاء وأجر الاقتداء والتأسي بالنبي ﷺ ، ولذلك يقال: الأفضل الاقتصار على ما ورد، ولا يُقال: إنه يمتنع عليه الدعاء بغير ما ورد، لثبوت السنة بالإقرار.
стр. 847
السلام من الصلاة والأحكام الواردة فيه
قال ﵀: [ثم يسلم عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة الله) وعن يساره كذلك] السلام يحتاج إلى فعل وذكر، فأما هديُه ﵊ فكان يلتفتُ حتى يُرى بياض خده، وهذا البياض للخد سببه أنه كان يلبس العمامة صلوات الله وسلامه عليه فلا يمنع رؤية الخد شيء، فإذا وضع صلوات الله وسلامه عليه ذقنه على كتفه بدا خده، وبعض طلاب العلم يخطئ عند تطبيق هذه السنة، فإنه ربما يكون عليه غطاء رأسه فيتكلف حتى ينحرف عن القبلة بجذعه، فتجدهُ بحرف صدره كأنه يريد أن يري الناس خده، وهذا لا شك أنه يريد الخير والتأسي ببيان خده كما ثبت عن النبي ﷺ ، لكن خفي عليه أن خد النبي ﷺ لم يكن يستره شيء؛ لذلك ينبغي لمن أراد أن يطبق هذه السنة أن يثبُت؛ لأنه مطلوب منه أن يكون مستقبل القبلة، فالانحراف والحركة من الأمور التي شدّد فيها العلماء رحمةُ الله عليهم، بل كان يقول بعض العلماء: إذا انحرف انحرافاً لأغلب الجذع فإنه لا يؤمن أن تبطل صلاته؛ لأنه انحرف عن القبلة قبل تمام صلاته.
فهذا ينبغي التنبيه عليه ويخطئ فيه كثير، بل من طلاب العلم من يخطئ فيه.
فلذلك يثبت الإنسان مُستقبل القبلة بصدره، ثم يحرف رأسه ويجعل ذقنه على الكتف، فهذه هي السنة في السلام الكامل، وأما المبالغة في الحركة والانحراف، فليست من السنة في شيء، ولذلك يُشدد فيها ويمنع منها.
وكان ﵊ إذا فرغ من تسليمه عن اليمين سلم عن يساره، فابتدأ باليمين تشريفاً لها، ثم سلم عن يساره ﷺ .
стр. 848
صيغ السلام الثابتة في السنة
أما الذكر القولي فهناك أربع صيغ للسلام: الصيغة الأولى: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) عن اليمين، (السلام عليكم ورحمة الله) عن اليسار.
الصيغة الثانية: (السلام عليكم ورحمة الله) عن اليمين، (السلام عليكم ورحمة الله) عن اليسار.
وهي الصيغة المشهورة والموجودة الآن.
الصيغة الثالثة: (السلام عليكم ورحمة الله) عن يمينه، (السلام عليكم) عن اليسار.
الصيغة الرابعة: (السلام عليكم) عن يمينه.
فهذه أربع صيغ ثابتة عن النبي ﷺ ، سلم تسليمتين فجعلها كاملة، وجعلها كاملة عن اليمين ناقصة عن اليسار، وجعلها أيضاً متساوية في اليمين واليسار.
والتسليم يُعتبر من أركان الصلاة على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، خلافاً للإمام أبي حنيفة ﵀ الذي لا يرى وجوب التسليم، ويقول: لو أن المصلي خرج من الصلاة بصنعةٍ فإنه يُعتبر خارجاً من الصلاة؛ لقوله ﵊ للمسيء صلاته: (فإذا فعلت هذا فقد تمّت صلاتك) ولم يأمره بالتسليم.
والصحيح أنه لازم لقوله ﵊ في حديث علي ﵁ الثابت عنه: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فلما قال: (تحليلها التسليم) دلّ على أن المصلي لا زال في حرماتها حتى يسلم.
واحتج الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه أيضاً بحديث عن النبي ﷺ ، وهو حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وفيه أن النبي ﷺ قال: (وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته)، وهو حديث ضعيف، والصحيح ما ذكرناه من لزوم السلام ووجوبه.
وأصح الأقوال عند العلماء أن السلام مخيرٌ فيه، فإن شاء سلّم تسليمتين، وإن شاء سلم تسليمة واحدة، ولكن إذا كان مأموماً يرى التسليمتين، وصلى وراء إمامٍ يسلم تسليمة واحدة يُسلِّم وراءه تسليمةً واحدة، وإن كان مأموماً يرى التسليمة الواحدة، وصلى وراء إمامٍ سلم تسليمتين فإنه يسلم من ورائه تسليمتين.
قال بعض العلماء: الواجب في التسليم الأولى، والثانية سنة، وقال بعضهم: الواجب التسليمتان.
فإن قلنا: الواجب التسليمتان، أو قلنا الواجب التسليمة فالحكم يختلف.
وفائدة ذلك أنه لو قلنا الواجب تسليمة واحدة، فإن سلم الأولى ثم أحدث فإن صلاته صحيحة على القول بأن الواجب هي التسليمة الأولى.
وكذلك لو قلنا: إن الواجب التسليمة الأولى.
فإذا سلم التسليمة الأولى، وقبل أن يسلم الثانية مرت امرأة، أو مر كلبٌ أو مر حمارٌ فإنه على القول بأن الصلاة تقطع يُعتَبر بتسليمته الأولى قد خرج من الصلاة وصحّت صلاته.
أما على القول بأن الواجب تسليمتان فلا.
ومن فوائد هذا الخلاف أننا إذا قلنا: الواجب التسليمة الأولى فمعنى ذلك أنك لو صليت وراء إمام وفاتتك ركعة فأكثر، وسلم الإمام التسليمة الأولى، فإنك تقوم مباشرة؛ لأنك مأمورٌ بواجب، فلا تتوقف على السنة، قالوا: ولا ينتظر التسليمة الثانية، كما اختاره غير واحدٍ من أهل العلم، ومنهم الإمام العز بن عبد السلام، وطائفة من أصحاب الشافعي رحمة الله عليه، فقالوا: لا يجلس؛ لأن جلوسه تحصيلاً للسنة، وقد أُمِر بالإتمام لقوله ﵊: (وما فاتكم فأتموا)، قالوا: فلذلك لا يشتغل بالسنة عن الفرض اللازم عليه.
هذا حاصل ما ذُكِر في تسليم المصلي من صلاته.
стр. 849
مسائل متفرقة في الصلاة
стр. 850
التكبير ورفع اليدين عند القيام إلى الثالثة
قال رحمه الله تعالى: [وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرا بعد التشهد الأول] أي: إن كان المصلي في ثلاثيةٍ كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء نهض مكبراً إلى الركعة الثالثة، وقوله: (مكبراً)، أي: حال كونه مكبراً يقول: اللهُ أكبر، فإن استتمّ قائماً رفع يديه مشيراً بها كالحال في تكبيرات الركوع والرفع من الركوع.
وهذا هو الموضع الرابع الذي يُشرع فيه رفع اليدين كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر في صفة رفعه صلوات الله وسلامه عليه يده في الصلاة.
قال رحمه الله تعالى: [وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط] قوله: [كالثانية] أي: كما وصفنا في الركعة الثانية، لا كما وصفنا في الركعة الأولى؛ فإنه في الثالثة والرابعة يفعل ما يفعل في الثانية، لكن يقتصر في الثالثة والرابعة على سورة الفاتحة إلا الظهر، وهذا فيه حديث ابن عباس، فإن السنة أن يقرأ بسورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] في الركعة الثالثة، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في الركعة الرابعة، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ وصح عنه.
وقال بعض العلماء: يُقاس على الظهر العصر، ففي الأخريين من العصر يقرأ بسورتي الإخلاص.
وهذا محل نظر، فإن الأقوى أن يُقتصر على الوارد، ويُقال بسنيته في الظهر، ويضعف القياس في مثل هذا.
стр. 851
مسألة التورك في التشهد الأخير
قال رحمه الله تعالى: [ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا] أي: إذا كان في ثلاثية أو رباعية يجلس في تشهده الأخير حال كونه متوركاً.
والتورك ثَبَتَ فيه حديث ابن عمر وابن الزبير رضي الله عن الجميع.
وهذا التورك للعلماء فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يجعل طرف قدمه اليسرى بين الساق والفخذ قريباً من الركبة، وهذا الوجه يصعب في حال ازدحام الناس، بل قد لا يتأتى؛ لأنه يحتاج إلى انفراج الإنسان قليلاً حتى يتمكن من إدخال قدمه اليسرى بين ساقه وفخذه قريباً من الركبة.
الوجه الثاني: أنه يؤخِّرها حتى يقترب من الإلية.
الوجه الثالث: أنه يُنزلها ويجعلها تحت الساق، وتكون على صورتين: الأولى تكون فهيا مقدمة، بمعنى: قريبة من الركبة.
والثانية: تكون مؤخرة بحيال القدم المنصوبة.
فهذه كلها أوجه في التورك لا حرج على الإنسان أن يفعل أي واحدةٍ منها.
وتشرع في الثلاثية والرباعية.
والجلوس في الصلاة على صورتين: الأولى: الافتراش، وهي أن تجعل اليسرى بمثابة الفراش، فظاهرها على الأرض وباطنها الذي يلي الأرض عند المشي يكون إلى الإليتين، وينصب رجله اليمنى، ويجعل أصابعه مستقبلة القبلة، فهذا يسمى الافتراش، وفيه حديث عائشة ﵂، وحديث وائل بن حجر ﵁.
الثانية: التورك الذي ذكرناه.
والعلماء رحمة الله عليهم لهم في هذه الجلسات ثلاثة مذاهب: فمذهب يقول بتقديم الافتراش على التورك، كما هو اختيار الحنفية ومن وافقهم.
ومذهبٌ يقول بتقديم التورك على الافتراش، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم.
ومذهبٌ يرى التفصيل، كما هو اختيار الحنابلة والشافعية، وهو الأرجح.
ومذهب التفصيل هو أنه إن كان في ثنائيةٍ بعدها سلام، أو في التشهد الأول من الرباعية أو الثلاثية فإنه يفترش ولا يتورك، وإن كان في رباعيةٍ، أو في ثلاثيةٍ وجلس للسلام فإنه يتورك ولا يفترش، فهؤلاء يرون أن الافتراش يكون في الثنائية، ويكون في الجلسة الأولى من الرباعية، بمعنى أفهم يرونه في كل ركعتين، وأما التورك فيرونه لجلسة السلام.
ولذلك بعض العلماء يقول: إن كانت ثلاثيةً ورباعيةً جلس متوركاً لسلامه، ويجلس مفترشاً في التشهد الأول، وفي كل ثنائية.
فهذا بالنسبة للمذهب الذي يقول بالتفصيل، فجمع بين الأحاديث، وقد جاء في حديث أبي حميد أن النبي ﷺ كان يفترش ويتورك على حسب حاله في التشهد من كونه مسلِّماً أو غير مسلِّم.
فإذا قلنا بالتفصيل فإنه قد يقال: هل التورك في الرباعية والثلاثية من أجل السلام، أم من أجل العدد؟ وهذا يتفرع عنه ما لو صلى الوتر، فإن قلنا: إن جلوسه متوركاً في الرباعية والثلاثية من أجل السلام فحينئذٍ يتورك في الوتر.
والأقوى عندهم أنه لا يتورك؛ لأنه في الفجر لا يتورك، ومن بعده السلام؛ وبعض العلماء الشافعية يرون أنه يتورك لتشهد السلام، فيرى أنه إذا أراد أن يسلِّم تورَّك لكل تشهد من بعده سلام، وافترش لكل تشهدٍ لا سلام بعده.
стр. 852
المرأة كالرجل في الصلاة
قال رحمه الله تعالى: [والمرأة مثله لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها] المرأة كالرجل فيما ذكرناه من صفات الصلاة، وقد قال ﵊: (إنما هن شقائق الرجال)، والأصل في الأحكام أن النساء فيها كالرجال حتى يدل الدليل على اختصاص الرجال، أو اختصاص النساء.
ولكن جلوسها للعلماء فيه وجهان: قال بعض العلماء: إذا جلست في التشهد فإنها تتربع ولا تفترش، والسبب في ذلك أنه أبلغ في سترها.
ورووا عن بعض أمهات المؤمنين ما يدل على جلوسها متربعة، كما أُثِر عن أم المؤمنين عائشة ﵂، وقالوا: ما كانت لتفعله إلا وله أصل، خاصةً وأن الصلاة مبناها على العبادة والتوقف.
ومنهم من قال بما اختاره المصنف وهو أنها تحمل رجليها إلى جهة اليمين، والسبب في ذلك أنها إذا جعلت الرجلين إلى جهة اليمين فإنه لا يتحدد جِرمها، فيكون أبلغ في سترها، ويكون غطاؤها عليها، فلا تستطيع أن تميِّز جرم المرأة بخلاف إذا ما جلست مفترشة.
стр. 853
الأسئلة
стр. 854
الإشارة بالسبابة في التشهد وغاية انتهائها
السؤال
إذا أشار المصلي بسبابته في التشهد عند لفظة الشهادة، فهل يبقى مشيراً إلى نهاية التشهد أم يقبضها؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فقد ذكرنا أن أصح شيء ما جاء في كونه يشير، ويبقى بإشارته حتى ينتهي منكتاً بها إلى الأرض، وإن حركها يتأول قول من قال بذلك فلا حرج، وإن أشار بها شديداً -كما هو اختيار بعض السلف- فلا حرج، فالأمر في هذا أن كل من ثبتت عنده سنة، أو اطمأن إلى قول عالمٍ يقول بسنة، أو يترجح عنده صحة حديث التحريك والإشارة بها ولو متردداً فلا حرج عليه؛ لأن له أصلاً، والأقوى ما ذكرناه؛ لأن السنة دلَّت على أن الحركة لا تجوز إلا بدليل، لقوله ﷺ : (اسكنوا في الصلاة) فلما قال ﵊: (اسكنوا في الصلاة)، كان الأصل هو عدم التحريك حتى يدل الدليل على التحريك، فجاء الدليل يدعو بها، فنقول: إن مطلق الدعاء بها لا يستلزم الحركة كما هو معلوم.
стр. 855
معنى السلام على عباد الله الصالحين في التشهد
السؤال
ما معنى أن كل عبدٍ صالح يصله السلام عند التسليم من عباد الله المصلين؟
الجواب
المراد بذلك أن السلام أصله الدعاء بالسلامة، فإذا قلتَ لإنسان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فمعناه: سلمكم الله من الآفات ومن الشرور، وسلمكم الله من الفتن، فتدعو له بالسلامة؛ لأن من سلِم غَنِم، فالعبد إذا سلَّمه الله كان غانماً وعلى خير وبر، والسلامة تكون في الدين والدنيا، ولذلك قال ﵊: (يا عم رسول الله! سل الله العافية، يا عم رسول الله! سل الله العافية، يا عم رسول الله! سل الله العافية) فالعافية هي السلامة، فمن عُوفي فقد سلم، فإذا قلت: (السلام عليكم) أي: سلمكم الله، وإذا قلت: (السلام علينا) أي: أسأل الله أن يسلمنا، (وعلى عباد الله الصالحين) أي: أسأل الله أن يسلمهم، فتلقي السلام عليهم، وهذا بمثابة الدعاء أن يسلمهم الله، والله تعالى أعلم.
стр. 856
إذا نسي المصلي فسلم عن اليسار قبل اليمين
السؤال
إذا نسي المصلي فسلّم أولاً على الشمال ثم على اليمين، فهل يلزمه سجود السهو، أم أنه خالف السنة ولا شيء عليه؟
الجواب
أما بالنسبة لتسليمه عن يساره قبل اليمين فإنه يعتبر خارجاً من الصلاة بتسليم اليمين زائداً لتسليمة اليسار؛ لأن تسليمة اليسار وقعت في غير موقعها، فلذلك يعتبر أشبه بالالتفات الزائد، ولذلك اختار بعض العلماء رحمة الله عليهم أنه يسجد للزيادة، خاصةً على القول بأن سجود الزيادة بعد السلام، فبعد أن يسلم يسجد سجدتين؛ لأن زيادة التسليم من جنس الصلاة، فيسجد السجدتين بعد السلام، والله تعالى أعلم.
стр. 857
حكم تكبيرات الانتقال للإمام والمأموم
السؤال
هل يجب على المأموم تكبيرات الانتقال؟
الجواب
تكبيرات الانتقال واجبة، وذلك لأن النبي ﷺ أمر بها، وقد فعلها ﵊ وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والمراد بتكبيرات الانتقال: تكبيره للركوع، وتكبيره للسجود، وتكبيره للرفع من السجود، وتكبيره للسجدة الثانية، وتكبيره للقيام إلى الثانية والثالثة، فكلها وصفت بكونها تكبيرات انتقال؛ لأنه ينتقل بها من ركنٍ إلى ركن، فلما كان قائماً انتقل إلى الركوع فقال: الله أكبر، وكان ساجداً فانتقل إلى الجلوس فقال: الله أكبر.
فقالوا: هذه تكبيرات الانتقال، وأصح الأقوال وجوبها، والله تعالى أعلم.
стр. 858
التسليم قبل الوجه ثم الالتفات
السؤال
ما حكم من ينطق بالتسليمة ثم يقوم بعد ذلك بالالتفات؟
الجواب
هذا قول بعض العلماء رحمة الله عليهم، ويميل إليه بعض المالكية، حيث قالوا: إن التسليم أن يسلِّم قبل وجهه ثم يلتفت.
خاصةً وأنهم يقولون بالتسليمة الواحدة، وعلى العموم فإذا اختار أحدٌ هذا القول وعمل به فلا إنكار عليه.
стр. 859
حكم من أدرك مع الإمام ركعة
السؤال
رجلٌٌ أدرك ركعة مع الإمام في صلاة المغرب، فهل يقرأ التشهد الثاني مع الإمام حتى يسلم، ثم يكمل ما فاته، أم يقتصر على التشهد الأول؟
الجواب
إذا صليت وراء إمام وأدركت شيئاً من الركعات، وفاتك شيءٌ منها، ثم جلست الجلسة الأخيرة فبعض العلماء يقول: العبرة بحاله عند ائتمامه كحال الإمام، فإذا كان مؤتماً يعتبر حاله كحال الإمام، فيفعل ما يفعله مَنْ وراء الإمام، ويَتفرَّع على هذا القول مسائل، منها: أنك لو أدركت الإمام في الركعة الثالثة من العصر تقتصر على الفاتحة، والثالثة من المغرب تقتصر على الفاتحة، والثالثة من العصر كذلك تقتصر على الفاتحة.
وأما القول الثاني فإنه يقول: العبرة بالمأموم؛ لأن صلاته مع الإمام هي الأُولى.
فعلى القول الأول فإنه عند تشهد الإمام التشهد الأخير يعتبر حاله حال المتم، ويتشهد تشهداً كاملاً، وهذا أقوى.
وعلى القول الثاني يعتبر حاله وراء الإمام حال الباني، فصلاته مع الإمام هي الأولى، ويكون حاله دون حال الإمام.
ومن فوائد هذه المسألة أن من أدرك الإمام في التكبيرة الثانية أو الثالثة من صلاة الجنازة، فبعضهم يرى أن العبرة بحاله، فحينئذٍ يبتدئ بالفاتحة، خاصةً وأنها ركنٌ في الصلاة، وحتى لو كان الإمام في الدعاء تداركاً لما فات، والقول بأنه يعتبر حاله كحال الإمام أقوى، وذلك لظاهر السنة: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فإنه جعل الإتمام والبناء بعد الانفصال، وبعد الإكمال، ولذلك يقوى في هذه الحالة اعتبار حاله مع الإمام كحال الإمام، فيأتم بالإمام على الصورة التي يجده عليها.
ولا يُشكِل على هذا قول من قال: إنه لو أدرك مع الإمام التكبيرة التي قبل الأخيرة في الصلاة على الجنازة فإنه يترك الفاتحة؛ فإننا نقول: إنه لو أدركه وصلى وراءه فإنه يدعو، فكما أنه لو أدركه راكعاً، أو أدركه قبل الركوع بقليل لا يتمكن فيه من قراءة الفاتحة فإنها تسقط عنه، كذلك تسقط عنه هنا، فدل على أن مسائل الاضطرار لا تأخذ حكم الاختيار، ولا يلزم فيها بالأصل ولا يُعترض به، والله تعالى أعلم.
стр. 860
الدعاء في الصلاة بغير اللغة العربية
السؤال
هل يجوز الدعاء في الصلاة بغير اللغة العربية؟
الجواب
فقد رخص بعض أهل العلم في الأمور التي هي من غير الأذكار والأدعية المخصوصة كالتشهد، فإذا كان الإنسان أعجمياً ولا يسعه أن يتعلم الدعاء الوارد فله أن يدعو بلسانه ولا حرج عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثم يتخير من المسألة ما شاء)، ولم يقيد ذلك بلسان، لذلك قالوا: إنه لا حرج عليه.
ولأن كثيراً ممن يسلمون ويكونون حديثي عهدٍ بجاهلية لا يستطيعون الكلام، فإذا كانوا من العجم فلا يستطيعون تعلم اللغة ومعرفة اللسان العربي في الدعاء إلا بعد وقتٍ وجهد، ولذلك وُسِّع عليهم من هذا الوجه، فلا حرج عليه أن يدعو بدعائه سواء أكان بعد انتهاء تشهده أم في حال سجوده، والله تعالى أعلم.
стр. 861
حكم التسليمتين في صلاة الجنازة
السؤال
نرى من يسلم في صلاة الجنائز عن اليمين والشمال، فما حكم التسليم عن الشمال؟
الجواب
المحفوظ التسليمة الواحدة، وحكى بعض أهل العلم التسليمة الثانية، لكني لا أحفظ في ذلك حديثاً صحيحاً عن النبي ﷺ ، فيُسأل، فإذا كان عنده حجة ودليل ثابت في هذا، فحينئذٍ لا إشكال، وإلا الأصل في التسليم المتابعة وعدم إحداث سلام زائد على ما ورد.
стр. 862
قول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وخلاف العلماء في محله
السؤال
هل ورد عن النبي ﷺ قوله: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) بعد التشهد؟
الجواب
نعم، فهذا اختيار بعض العلماء لقوله ﵊: (يا معاذ! إني والله لأحبك.
فقال معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
وأنا والله أحبك، فقال: أوصيك يا معاذ ألا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
فقال بعض العلماء في قوله ﷺ : (دبر كل صلاة) إن دبر الشيء منه.
فقالوا: تدعو بهذا الدعاء بعد التشهد، فتقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).
وقال بعض العلماء: إنه يدعو به خارج الصلاة وهو أقوى، وذلك لقوله ﵊: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر).
وبالإجماع فإن هذه الأذكار تكون بعد الفراغ من الصلاة، وقد وصفها النبي ﷺ بكونها دبر الصلاة، قالوا: قد عرف في اللسان العربي أنه يوصف الشيء بحكم قربه من غيره، ولذلك يقولون: إن قوله: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) إنما يكون بعد الانتهاء من السلام، وهذا المذهب أقوى لوجود النظير الدال عليه، ولأن الأصل أن لا يُدخل في الصلاة إلا بدليل، فإذا فعله الإنسان في أثناء التشهد لا يُنكر عليه، وإن فعله بعد انتهائه من السلام فهو الأولى والأحرى، والله تعالى أعلم.
стр. 863
ضابط صلاة الإشراق
السؤال
هل ينبغي لمن جلس إلى الإشراق أن لا يتحرك من مكانه الذي صلى فيه؟ أم أن المقصود بالمصلى المسجد عامة؟
الجواب
أما بالنسبة لصحة الحديث الوارد في ذلك والقول بثبوته أو تصحيحه لغيره.
فهو يتوقف على مجموع طرق الحديث، والمعتبر بالتحسين منها كله بلفظ: (في مقعده)، (في مصلاه)، والقاعدة أن الإضافة تقتضي التخصيص؛ فإن معنى (مقعده) أي: مكان جلوسه، و (مصلاه) أي: مكان صلاته، ولذلك المحفوظ من كلام أهل العلم أن المراد بمقعده ومصلاه نفس المكان، حتى ولو قام يريد أن يأخذ المصحف فإنه لا يعتبر له هذا الفضل فإنك لو تأملت أن فضل ذلك حجة وعمرة تامة تامة فإنه ليس باليسير، وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يجتهد فيه، ولذلك كلما كان الفضل أعظم والأجر أكثر كان الابتلاء أكثر وأعظم، ولذلك ابتلي بأن يثبُت في نفس المصلى.
ثم إنه ينبغي عليه أن يكون ذاكراً لله؛ إذ بعضهم يجلس وينام، وربما يتكاسل حتى تصيبه السنَة من النعاس، ويغفل عن ذكر الله ، فقد شدد بعض العلماء حتى قال: لو أنه تكلم في فضول الدنيا فإنه لا يؤمن أن يفوته الفضل وهذا أقوى.
واعتُرِض على هذا القول بما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يجلس بعد صلاة الفجر فيحلق عليه الصحابة، فيأخذون فيما كانوا فيه من أمور الجاهلية -أي: يتحدثون بما كانوا عليه من الجاهلية- فيضحكون ويتبسم النبي ﷺ .
قالوا: فهذا يدل أنه لا حرج أن يتكلم في أمور الدنيا، ولكن هذا الاعتراض ضعيف؛ لأن الكلام كان من الصحابة، ولم يكن من النبي ﷺ .
والأمر الثاني: أنهم كانوا يتحدثون بما كانوا عليه من أمور الجاهلية على سبيل ذكر نعمة الله عليهم، فكان عبادة من هذا الوجه، فإنهم يذكرون ما امتنّ الله عليهم بنعمة الإسلام، فيكون التحدث بما كانوا عليه في الجاهلية على سبيل الإشعار بفضل الله عليهم بالهداية للإسلام، ولذلك كان التحدث بالنعم شكراً لله ، فهو ذكر وطاعةٌ من هذا الوجه.
فالذي تطمئن إليه النفس أن يبقى قارئاً للقرآن، أو مسبحاً، أو مهللاً، أو مكبراً، أو مستغفراً، أو قائلاً لأذكار الصباح، أو أذكار المساء، ويجلس في ذكرٍ وطاعة، وهذا يحتاج إلى جهاد وصبر حتى ينال فضل الحجة والعمرة التامةِ التامة.
وأما القول بأن مصلاه المسجد كله فلا أحفظ أحداً من العلماء من السلف رحمة الله عليهم يقول به، وخاصةً أن ظاهر الحديث لا يساعد عليه، فالقول بأن مصلاه المراد به المصلى كله من باب التجوُّز، والأصل حمل اللفظ على حقيقته بقيد (مصلاه) أي: مكان صلاته، كما يُقال: مسجده أي: مكان سجوده، وهذا هو الأقوى والأشبه بلفظ الحديث، والله تعالى أعلم.
стр. 864
شرح زاد المستقنع - فصل: مكروهات الصلاة
المكروه هو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، وفي الصلاة مكروهات لا ينبغي فعلها؛ لأنها تنقص من الخشوع والإقبال على الصلاة، ومنها: الالتفات، ورفع البصر إلى السماء، وإغماض العينين، والإقعاء في الجلوس، وافتراش الذراعين في السجود، والعبث، والتخصر، والتروح، وفرقعة الأصابع، وتشبيكها، والصلاة مع وجود البول، أو الطعام، وتكرار سورة الفاتحة.
стр. 865
مكروهات الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
стр. 866
الالتفات
فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: ويكره في الصلاة التفاته] بعد أن فرغ المصنف ﵀ من بيان صفة الصلاة المشروعة الكاملة، وشرع الآن في بيان ما يُكرَه للإنسان أن يفعله في الصلاة، ولذلك قال: [فصل]، وأصل الفصل: قطع الشيء عن الشيء، والفاصل: هو الحائل بين الشيئيين.
ووصف العلماء ﵏ هذه المواضع بكونها فصلاً؛ لأنه يُفصَل بها بين المسائل والأحكام لاختلاف أجناسها وما تضمنته من معانٍ.
وهذا الفصل سيتكلم المؤلف ﵀ فيه على الأمور المكروهة، وهي التي يتركها الإنسان فيُثَاب على تركها، ولا يعاقب على فعلها، والسبب في إيراد هذا الفصل في المكروهات هو أن اتقاء هذه المكروهات يحصل به المكلف على كمال الصلاة، فلما فرغ من صفة الصلاة الكاملة نبه على أن هذا الكمال ينبغي أن يكون مصحوباً بترك هذه الأمور التي فِعلها يُعد خلاف الأولى.
والمكروه: هو ما يُثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ويأتي النهي عنه من الشرع إما في الكتاب، وإما في سنة النبي ﷺ الصحيحة الثابتة عنه، وتدل الأدلة على أن هذا النهي الوارد في الكتاب، أو الوارد في السنة ليس على ظاهره وإنما هو على الكراهة.
قوله: [يكره في الصلاة التفاته] أي: يكره للمصلي إذا كان في صلاته أن يلتفت، يُقال: التفت إذا صَرَف وجهه قبل اليمين أو قبل الشمال، وهذا الالتفات يكون من المكلف على صورتين: الصورة الأولى: أن يَصرِف وجهه مع بقاء جذع جسمه.
الصورة الثانية: أن يصرف الوجه والجسد.
ومراد المصنف ﵀ هنا صرف الوجه وحده، فإن السنة لمن وقف بين يدي الله أن ينصب وجهه، وأن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وهذا من تعظيم أمر الصلاة، وتعظيم الموقف بين يدي الله ، ولذلك أمر الله باستقبال القبلة، ويكون استقبال المكلَّف لها بجميع جسمه، فإذا التفت فقد صرف وجهه عن قبلته؛ ولذلك يُعتبر هذا ممنوعاً عن المصلي.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سُئِل عن الالتفات الذي يقع من الناس، فقال ﵊: (هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، وأصل الاختلاس: الأخذ بسرعةٍ مع غفلة المأخوذ منه، أي: يأخذ الشيطان حظاً بهذا الالتفات من صلاة الإنسان، حتى قال بعض العلماء: إنه ينقص أجره على قدر ما كان منه من الالتفات.
والالتفات إذا كان ضرورياً لحاجةٍ؛ أو أمرٍ ناب الإنسان فالتفت من أجله، فهذا إن كان يسيراً فإنه لا يضر ولا يؤثر في الصلاة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أقر أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه حينما كان في الصلاة، وكان النبي ﷺ قد تأخر عن الحضور بسبب كونه يُصلِح بين حيين من بني عوفٍ بقباء، فتأخر النبي ﷺ عن الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر وأخبره، فأقام بلال الصلاة وتقدم أبو بكر ﵁؛ فلما كان في الصلاة قدم رسول الله ﷺ فسبَّح الناس لـ أبي بكر، وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت من كمال خشوعه وصلاته، فلما أكثر الناس عليه التسبيح التفت فإذا هو برسول الله ﷺ ، فتأخر، فأشار إليه النبي ﷺ أن مكانك إلى آخر الحديث.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ أقرَّ أبا بكر حينما التفت، ولم يجعل التفات أبي بكر موجباً لبطلان الصلاة، فأخذ العلماء من هذا دليلاً أن المكلَّف إذا كان في الصلاة والتفت لمصلحة الصلاة، أو لأمر مضطر إليه لمصلحة نفسه، كأن يظن أن عقرباً يتحرك عن يمينه، أو حيةً تحركت عن شماله فخاف على نفسه فالتفت، فحينئذٍ يكون مضطراً إلى هذا الالتفات ومُحتاجاً إليه، فلا يوجب بطلان صلاته.
والالتفات يكون جزءاً وكلاً، فالالتفات الكامل: أن يصل الذقن إلى العاتق، وفي هذه الحالة يكون الالتفات كاملاً، وأما الالتفات الجزئي فيكون بصرف الوجه قليلاً، وهذا لا يؤثر، وقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أن الرجل إذا شوّش عليه الشيطان في صلاته فيتفل عن يساره ثلاثاً.
فإذا كثُرت وساوس الشيطان على الإنسان وهو في الصلاة، وقال له الشيطان: اذكر كذا، اذكر كذا.
يريد أن يصرفه عما هو فيه من أمور الصلاة والخشوع فيها فإنه يُحرِّك رأسه قليلاً دون أن يلتفت التفاتاً كاملاً، ثم يتفل عن يساره، أي جهة اليسار، فكونه ﵊ يقول: (وليتفل عن يساره) يدل على أنه نوع التفاتٍ، وهو جزء الالتفات الذي ذكرناه.
أما الالتفات الكامل فقد قلنا: إنه إذا وُجِدت الضرورة فلا إشكال، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه التفت إلى الشِّعب وهو في الصلاة، وجاء في بعض الروايات أنه كان يلتفت إلى الشعب، وأن الشعب كان في جهة القبلة وهذه الرواية تخفف من شأن الالتفات؛ لأنه لو لم تأت هذه الرواية لفُهِم منه أنه التفات خارجٌ عن جهة القبلة؛ ولذلك لا حرج على المكلف أن يلتفت قليلاً، أو يُحرِّك رأسه قليلاً، ولكن مع هذا فإنه بالتفاته من دون حاجةٍ معرَّضٌ لفوات الكمال، ولذلك جاء في الحديث: (لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه)، وهذا يدل على فوات الكمال، والحظ الأوفر للعبد إذا صلى واستشعر موقفه بين يدي الله ولم يلتفت.
أما النوع الثاني من الالتفات: فهو الالتفات بالجذع، وهو الذي يتحرك الإنسان فيه إلى درجة ينحرف فيها عن القبلة، فلو أن إنساناً كان في صلاته ثم سمع صياح صَبِيِّه، فالتفت فتحرك جذعه حتى تحركت قدماه بحيث خرج عن كونه مستقبلاً الشرق فاستقبل جهة فرعية أو جهةٍ أصلية فإنه تبطل صلاته ولو كانت لضرورة، إلا ما استثني من ضرورة القتال؛ فإنه في حال ضرورة القتال يُستثنى لمكان نص الله على ذلك في آية المسايفة.
стр. 867
رفع البصر الى السماء
قال ﵀: [ورفع بصره إلى السماء] كان من هدي رسول الله ﷺ إذا صلى أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده صلوات الله وسلامه عليه، وهذا أكمل ما يكون من المكلف في خشوعه وخضوعه وذلته بين يدي الله وهو واقفٌ في الصلاة؛ فإن هذا يدل على الإقبال على الله ، والاشتغال بما في الآيات من العظات والذكرى، فأكمل ما يكون من المكلَّف أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وهذا هو هدي النبي ﷺ .
فأما رفع البصر إلى السماء فقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على إنكاره، فقال ﵊: (ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم)، ثم شدد فقال ﵊: (لينتهنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم)، وفي رواية لـ مسلم: (أو لا ترجع إليهم)، والعياذ بالله.
وهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يصرف بصره إلى السماء، وذلك لأن القاعدة في الأصول تقول: (إذا ورد الوعيد على فعل شيء دل ذلك على أنه محرم)، فكون النبي ﷺ يبين أنه سبب لأن تُخطَف الأبصار إن استمروا على ما هم عليه يدل على حرمة رفع البصر إلى السماء.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ كان يُقلِّب بصره في السماء حتى نزلت آية القبلة، ثم نهي عن ذلك، وقيل: لما نزلت آية المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ١] رمى ببصره ﵊ إلى موضع سجوده.
فلا يجوز للمصلي أن يرفع بصره إلى السماء، ويستوي في ذلك أن يكون في موضعٍ له سقف، أو يكون في موضعٍ منكشف السقف، وهذا على أن قوله ﷺ : (إلى السماء)، أي: إلى العلو، فإنه حينئذٍ يكون المراد به أن لا يرمي ببصره إلى أعلى، ويستوي حينئذٍ كونه مسقوفاً أو غير مسقوف.
وقال بعض العلماء: الحكم يختص بالسماء، أي: عند نظره إلى السماء.
وهذا جمودٌ على ظاهر النص؛ فإننا لو قلنا لهؤلاء: أرأيتم إن كانت السماء مغيمة فإن الحكم واحدٌ عندكم، فالغيم الذي بين المكلفين وبين السماء كالسقف الذي بينهم وبين السماء، ولذلك يستوي أن يكون رفعه للبصر عند وجود الحائل كالسقف، أو يكون بدون حائلٍ كالفضاء.
стр. 868
إغماض العينين
قال ﵀: [وتغميض عينيه] تغميض العين: إطباق الجفن على الجفن، فإذا أطبق الجفن على الجفن فقد غمَّض عينيه، فالتغميض مكروه في الصلاة؛ لأنه من فعل اليهود؛ فإنهم إذا صلَّوا غطوا رءوسهم وغمَّضوا أعينهم.
وقال العلماء: إن هذا التغميض يعتبر مكروهاً، ونص عليه غير واحدٍ من أهل العلم، وهذا الصحيح، ووجه كراهته ما ذكرناه من المشابهة، ولأنه يُفوِّت المصالح، وذلك أن المكلَّف إذا غمَّض عينيه قد لا يستطيع أن يدفع المار؛ لأنه مُغمَّض العينين، ولأنها حركةٌ زائدة، وحينئذٍ لا تُشرع إلا بدليل، ويستوي في ذلك تحرك العضو أو جزء العضو.
ويستوي في ذلك أن يغمض العينين أو يغمض إحداهما، فالحكم واحد.
ولم يكن من هدي النبي ﷺ أن يغمض عينيه في الصلاة، وفصَّل بعض الفقهاء فقالوا: إذا كان غمض عينيه لكمال الخشوع، أو لكون الموضع الذي أمامه فيه نقوش وزخرفة وإذا نظر إليها اشتغل بها عن الصلاة فغمَّض، فحينئذٍ لا حرج، والذي ينبغي ترك التغميض مطلقاً، حتى ولو كانت هناك نقوش؛ فإنه من المجرَّب أن الله إذا أراد بعبده خيراً ورزقه الخشوع يستوي عنده أن يُصلي على ذات نقوشٍ أو غيرها، فلو كانت النقوش موجودة وحدد البصر على موضع السجود فإنه سيخشع إن شاء الله، ولذلك الأَولى والأكمل والأحرى والأقرب لهدي النبي ﷺ الامتناع عن تغميض العينين.
стр. 869
الإقعاء
قال ﵀: [وإقعاؤه].
يقال: أقعى الكلب إذا أَلصَق إليتيه بالأرض، وهذه مسألة ينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا لها، فالإقعاء ينصب فيه الكلب -أكرمكم الله- رجليه ويجعل يديه على الأرض، فتكون الإليتين ملتصقة بالأرض والرجلان منتصبتان، فهذا إقعاء الكلب الذي تكلم عليه أئمة اللغة وجهابذتهم كـ أبي عبيدة مَعْمَر بن مثنى، وأبي عبيد القاسم بن سلام الجمحِي، وناهيك بهما علماً وفضلاً، فهما أعرف بلسان العرب، وقد نهى النبي ﷺ عن الإقعاء.
والذي عليه جماهير العلماء رحمة الله عليهم أنه هو المراد بالحديث، وأن من فعل هذا فقد فعل ما حرَّم رسول الله ﷺ ونهى عنه، وبعض الناس يفعل هذا الإقعاء بين السجدتين، أو يكون جلوسه لهذا الجلوس عند قيامه للركعة الثالثة أو الثانية، فإنك تجده ينصب القدمين ويلصق الإليتين ويتكئ على اليدين كالمرتاح، وبعضهم يَهِم ويظنها جلسة الاستراحة، وهذا لا شك أنه أبلى وأطم؛ لأن الإنسان حينها يوقع غير المسنون وغير المشروع موقع المسنون.
وهذا النوع من الجلوس يستوي فيه أن يكون بين السجدتين، أو يكون حال التشهد، أو يكون عند القيام إلى الركعة الثانية أو إلى الرابعة، فكل ذلك منهي عنه ومحرمٌ.
وهناك جلسات اختلف العلماء ﵏ في كونها من الإقعاء أو ليست من الإقعاء، ففسَّر بعض العلماء الإقعاء بكونه ينصب القدمين، ويجعل الإلية على العقبين، وهذا النصب له صورتان: الصورة الأولى: أن ينصب القدمين، ويجعل الأصابع مستقبلة للقبلة، وتكون الإلية على العقبين.
الصورة الثانية: أن ينصب القدمين ويجعل بطنهما إلى الأرض، ولا يجعل الأصابع مستقبلة القبلة، فإذا جعل البطنين إلى الأرض برز العقبان فكانت الإليتان عليهما.
وهناك صورةٌ ثالثة يدخلها بعض العلماء فيقول: هو أن ينصب القدمين ويجعل يديه على الأرض.
والأوّلون يقولون: يستوي أن تكون يداه على الأرض، أو تكونان على فخذيه.
أما كونه ينصب القدمين ويجعل رءوس الأصابع مستقبلة للقبلة فهذا ليس من الإقعاء، لظاهر حديث ابن عباس، إذ فعله بين السجدتين؛ لأن ابن عباس نصب قدميه ﵁ وأرضاه واستقبل بالأصابع القبلة، وجعل إليتيه على العقبين، فلما قال له تلميذه طاوس بن كيسان: إنه من الجفاء قال: سنةَ نبيكم ﷺ .
وهذا يدل على أنه من السنة أن يفعله الإنسان، ولكن بين السجدتين كما ورد عن ابن عباس.
أما الصورة الثانية: وهي أن يجعل بطني القدمين إلى الأرض والعقبين تحت الإليتين والأصابع إلى الأرض ليست بمنتصبة فهذه هي عقبة الشيطان، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، وفيها حديث عائشة ﵂ الصحيح من نهي النبي ﷺ عن هذه الجلسة، فالصحيح أنها محرمة ومنهيّ عنها من حديث عائشة لا من جهة الإقعاء، يعني: إذا رأيت الرجل ينصب قدميه فيجعل بطونهما إلى الأرض مع الأصابع، ثم يجعل الإليتين على العقبين فلك أن تنماه عن ذلك من جهة حديث عقبة الشيطان، لا من جهة حديث الإقعاء، وهذا هو أصح الأوجه عند الجماهير رحمة الله عليهم.
ونُهِي عن هذه الصورة -التي ذكرناها- من الإقعاء لما فيها من مشابهة الحيوان -أكرمكم الله-، وقد شرف الله الآدمي وكرمه كما أخبر الله تعالى في آية الإسراء، وأخبر أنه كرمه وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ومن باب أولى أن يُكَرَّم في أثناء وقوفه بين يدي الله ، ولذلك نهي عن هذه الصورة، ولأنها لا تتناسب مع الأدب ومقام الذلة بين يدي الله ، فنُهِي عن هذه الجلسة لما فيها من بشاعة الصورة؛ ولذلك فإن طاوس بن كيسان لما ذكر أن الرجل يجعل إليتيه على عقبيه قال: إنه من الجفاء بالرجل.
أي: كان السلف رحمة الله عليهم، وكان الناس في القديم يرون أن هذا جفاء، فكيف بالإقعاء الذي هو صورة الحيوان؟!
стр. 870
افتراش الذراعين في السجود
قال ﵀: [وافتراش ذراعيه ساجدا] أي: يُكره للمكلف إذا سجد أن يفترش ذراعيه افتراش السبع، كما ورد مِن نهي النبي ﷺ ، والمراد بالافتراش: أن يجعل الذراعين ممدودين على الأرض كانبساط الكلب إذا جلس، فإنه ينبسط انبساطاً، وهذا الانبساط مَنهِيٌ عنه.
فالسنة أن يَرفع وأن يُجافِي عَضُده عن جنبه، كما جاء عن النبي ﷺ ، فقد كان يجافي حتى كان الصحابة يُشفقون على النبي ﷺ من كثرة مجافاته، كما في حديث البراء عند ابن ماجة في سننه، ولذلك كان هدي النبي ﷺ فعل هذا، لكن لو اضطر الإنسان بسبب ضيق المكان فألزَق عضُدَه بجنبه بسبب الضيق وتراصّ الناس فإن هذا لا حرج فيه، ويُعتبر الإنسان فاعلاً له بغير الاختيار.
стр. 871
العبث
قال ﵀: [وعبثه].
أي: يكره له العَبَث، والعَبَث: الحركة الزائدة.
ووصف المتحرك بغير المشروع في صلاته بكونه عابثاً، لأن الأمر يقتضي منه ما هو أشرف وأكمل من اشتغاله بهذا الشيء.
فمثال العبث: أن يصلح ثوبه من دون حاجة، كأن يبالغ في تعديل عمامته على رأسه، أو ينظر إلى ساعته، أو يُحرِّكها كما هو حال بعض الناس اليوم أصلحهم الله.
ومن العبث كثرة تحريك الأرض، وإصلاح السجاد عند السجود، وكثرة العبث بها، واشتغاله بحركة يديه على فخذه إذا كان جالساً في التشهد، أو بحركة يده بثوبه إذا كان قائماً بين يدي الله في حال وقوفه، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن في الصلاة لشغلاً)، أي أن المكلف ينبغي عليه أن يشتغل بأمر الصلاة، وشأن الصلاة وحالها يشغل.
فقد أُثِر عن علي زين العابدين أنه كان إذا توضأ تغيّر وجهه فاحمرّ، فقالوا: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ قال: ألا تدرون من أناجي؟! فالإنسان إذا أقبل على الله فهو في شغل، وهو أشرف الأشغال وأعظمها وأجلها وأكرمها، كما قال العلماء، هو الشغل الذي خُلِق من أجله، وهو العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فهذا هو الشغل وأَنعِم به من شغل، فكونه ينصرف عما هو بِصَدَدِه من الإقبال على الله إلى تحريك اليدين، أو العبث بالفخذ، أو العبث بالساق، أو كثرة الحركة، أو الترنُّح أثناء الوقوف فكل ذلك مما لا يليق بالمصلي.
فإذا كان العبث يكثر منه إلى درجةٍ لو رآه إنسان لظن أنه في غير صلاة حُكِم بكونه قد بطلت صلاته، أما لو كان عبثه يسيراً فإنه حينئذٍ يكون بين درجة الحرام ودرجة المسنون وهو المكروه، فقالوا: يُكره.
فالعبث الذي يريده المصنف هنا رحمة الله عليه هو العبث الذي لا يخرج المصلي عن كونه مصلياً، أما لو بالغ في العبث فحينئذٍ تبطل صلاته.
فلو قال قائل: ما دليلكم على أن الحركة اليسيرة لا تُبطِل الصلاة ولو لم تكن من جنس الصلاة؟ قلنا: ثبوت السنة بذلك؛ فإن النبي ﷺ حينما وقف في صلاة الليل ووقف معه ابن عباس أخذ يفتِل أذنه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا نوع حركة وهي خارجةٌ عن الصلاة، وهذا يدل على أنه لا حرج.
стр. 872
الاختصار
قال ﵀: [وتخصره].
الاختصار للعلماء فيه أقوال: قال بعض العلماء: التخصُّر الذي نهى عنه النبي ﷺ في الحديث الصحيح هو وضع اليدين على الخاصرة، وهذا الوضع للعلماء فيه ثلاثة أوجه في التعليل: الوجه الأول: أنه من فعل الشيطان، فنُهِي عنه حتى لا يُشابه الشيطان.
والوجه الثاني: أنه فِعل اليهود، فنُهِي عنه حتى لا يشابه اليهود.
والوجه الثالث: أنه صنيع المتكبرين، والمقام مقام أهل الذلة والخضوع، وهم الخاشعون، فلا يليق أن يقف بهذا الموقف بين يدي الله .
وهذه الثلاثة الأوجه صحيحة؛ فإنه لما نهى عنه الشرع دلّ على أنه من الشيطان، ولذلك ينسب المنهي عنه إلى كونه من فعل الشيطان.
أما كونه من فعل اليهود فقد جاء عنهم أنهم يفعلون ذلك في صلاتهم.
وأما كونه من صنيع المتكبرين فإن أهل التكبر إذا أعجبتهم أنفسهم تخصَّروا، فوضع الواحد منهم يديه في خاصرته كالمستعظم لنفسه والمتعالي، والمقام مقام ذلة بين يدي الله ، فلذلك قالوا: لا يناسب الحال -أعني الخشوع بين يدي الله- أن يتخصَّر، فنهي عنه.
وقال بعض العلماء: المراد بالتخصر: الاختصار، وهو اختصار الآيات، كأن يقرأ من بعض السور آية أو آيتين ثم ينتقل إلى سورةٍ أخرى، ويقرأ منها آيةً أو آيتين.
وقال بعض العلماء: الاختصار الذي نهي عنه: السرعة والاختلاس في الصلاة، بمعنى أنه يختصر الصلاة، فبدل أن تكون على قدر من الزمان تكون على ما هو أقل منه، والمراد بذلك الاستعجال حتى إنه لا يُعطِي الأركان حظها، فنهى النبي ﷺ عنه؛ لأنه يُفوِّت الطمأنينة.
فهذه أقوال العلماء رحمة الله عليهم في مسألة الاختصار، وجميع ما ذكرنا منهيٌ عنه إلا مسألة انتقاء الآيات من القرآن، فالصحيح أنك لو أخذت آيةً من البقرة وقرأتها في الركعة الأولى، ثم أخذت آيةً من آل عمران وقرأتها في الركعة الثانية فلا حرج؛ فإن الاختصار بهذا المعنى ثبتت فيه السنة، كما في حديث ركعتي الفجر، فقد صلى النبي ﷺ في الأولى منها بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة:١٣٦]، وفي الركعة الثانية بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤]، فدل هذا على جواز اقتطاع آيات من القرآن في الركعات، وأنه لا حرج فيه.
стр. 873
التروح
قال ﵀: [وتروحه].
التروُّح في الصلاة: مأخوذ من المروحة، وذلك من شدة الحر؛ لأن الإنسان ربما كان في مكانٍ حار، خاصة في القديم؛ فإن المساجد لم تكن مُهيّأة فيها وسائل الراحة والاستجمام، فلربما مع كثرة الناس -خاصةً في الجمع، أو في غيرها، أو في التراويح- يكون الحر شديداً، والمسجد مع كثرة الناس فيه تشتد حرارته، فربما احتاج أن يحرك شيئاً يتروح به، وهذا مكروه وممنوع منه؛ لأنه يُخالف هيئة المصلي، ولأنها حركةٌ زائدة لغير مصلحة الصلاة، لكن قالوا: هو مكروه مع وجود الحاجة، أي إذا كان الإنسان محتاجاً إليه، فقالوا: إذا كان يسيراً فإنه يعتبر مكروهاً لا يوجب بطلان صلاته، كأن تكون معه المروحة، فإذا اشتد عليه الحر إلى درجةٍ تزعجه قالوا: يدفع هذا الإزعاج؛ لأنه يحصل مقصود الصلاة من حضور القلب، فإن الحر يزعجه، وربما يخرجه عن كونه خاشعاً في صلاته.
وهناك نوع من التروُّح، وهو المراوحة بين القدمين، فإنك تجد بعض المصلين إذا طال عليه القيام في الصلاة يقف على القدم اليمنى وتكون اليسرى مُرسَلة لا يعتمد عليها، فإذا طال قيامه انتقل إلى الجهة اليسرى، فكان اعتماده على اليسرى وأصبحت اليمنى خفيفة الثقل، فأرسَلها لكي يتروح.
وهذا أُثِر عن عبد الله بن عمر ﵄، وقالوا: إنه السنة، وهذا هو المقصود، وهو أن يكون هناك تروُّح، بمعنى أن يفرج بين القدمين، ولذلك لا يَرُصّ القدمين معاً إذا وقف، ولا يُبالِغ في التفريج، إذا وقف المصلي فلا يُسن له أن يبالغ في توسعة ما بين القدمين، ولا يبالغ أيضاً في رصّ القدمين فيجمعهما.
ولذلك لما رأى ابن عمر ﵄ هذا الفعل أنكره، وبين أنه خلاف سنة النبي ﷺ ؛ ولذلك قالوا: يكون في قيامه وسطاً، ويروح بينهما، بمعنى أنه يعتمد على إحداهما، لكن كره بعض العلماء المبالغة في التروح؛ فإن البعض إذا رأيته متروِّحاً وهو واقفٌ ربما أنكرت أنه في صلاة، وهو التروُّح المبالغ فيه، كأن يَعتَمِد اعتماداً كلياً على اليسرى ويُرسِل اليمنى، وهي صورة ربما يكون فيها نوعٌ من الفوات للأكمل، ولذلك لا حرج أن يُروِّح بين الأقدام، خاصةً عند طول القيام، والسنة وسط، بل قال بعض العلماء: من رص القدمين معاً فقد تنطع، ومن بالغ في إلزاقها بمن هو بجواره فقد تنطع، فالمبالغة في التفريج والمبالغة في الضم كلاهما ذميم، وإنما السنة وسط.
لكن هنا مسألة، وهي أنه إذا كان النبي ﷺ قد أمر بإلزاق الكعب بالكعب والمنكِب بالمنكِب، وكان الإنسان لا يستطيع أن يُلزق الكعب بالكعب إلا إذا مد رجله ذات اليمين ومد الأخرى ذات اليسار، فقال العلماء: هذا فيه تفصيل، فبعض العلماء رحمة الله عليهم يقولون: إن الذي ينبغي أن الإنسان يرتصّ مع من بجواره، ويسحب الذي بجواره إليه، فإن امتنع الذي بجوارك أن يقترب منك فالإثم عليه والإخلال منه، قالوا: فلا يقتضي أن تبالغ في وجود الاتساع بين القدمين.
وبناءً على فإن الأصل أن الإنسان يقف وقوفاً اعتيادياً، فإن احتاج إلى شيءٍ قليل من التفريج لينضم إلى من بجواره حتى يصيب السنة من رصِّ القدم بالقدم فحينئذٍ لا حرج، أما أن يبالِغ في التفريج فإن هذا خلاف السنة، وخلاف صورة الأدب في الوقوف بين يدي الله .
وإذا قلنا: إنه يسحب من بجواره إليه حتى يرتص القدم مع القدم، وتُلزَق المنكب بالمنكب، فحينئذٍ يرد
السؤال
إلى أي جهةٍ يرتص؟ وهذه المسألة كثيراً ما تقع، فلو أن إنساناً مع الإمام وجاء فجذب الذي عن يمينه إليه، فأيهما أحق؟! هل الذي عن اليمين، أو الذي عن الشمال؟ قال العلماء: العبرة بجهة الإمام، فإذا دخلت المسجد وكان الإمام في جهة اليمين فإنك تجذب الذي في جهة اليسار؛ لأنه ينبغي عليه أن يرتص إلى جهة الصف، وبناءً على ذلك لو كان في جهة اليسار فإنك تجذب الذي في جهة اليمين.
وعلى هذا تتفرع مسألة إتمام الصفوف، فإنه إذا جاء الإنسان بعد اكتمال الصف الذي أمامه، فقد قالوا: الأفضَل له أن يقف وراء الإمام من جهة اليمين.
وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يكون وراء الإمام قصداً؛ لأن النبي ﷺ قال: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى).
فجعل هذا المقام مقام فضل، فقالوا: الأفضل أن يكون وراءَه مباشرة، ثم يليه في الفضل من كان عن يمينه، ثم من كان عن يساره، وفي الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وفيه كلام.
فالمقصود أنه إذا جئت وراء الإمام مباشرة حُق لك أن تسحب مَن على اليمين ومَن على الشمال، لكن إذا كنت منحرفاً عنه إلى جهة اليمين فإنك تسحب من كان عن يمينه، وإذا كنت على شماله فإنك تسحب من كان عن شماله، وقس على هذا.
стр. 874
فرقعة الأصابع وتشبيكها
قال ﵀: [وفرقعة أصابعه وتشبيكها].
فرقعة الأصابع أن يضغط على الإصبع حتى يُسمع له الصوت، وهذه الفرقعة نُهِي عنها وتعتبر مكروهة، ولذلك أُثِر عن حبر الأمة وترجمان القرآن ﵁ وأرضاه أنه كان معه مولاه ففرقع أصابعه في الصلاة، فلما سلّم ﵁ وأرضاه قال له: أتفرقع أصابعك في الصلاة لا أم لك؟! أي: وأنت واقفٌ بين يدي الله تفعل هذا الفعل! فهذا الفعل لا يليق، ولو فُعِل بين يدي أهل الفضل وأهل العلم وأهل المكانة فإنه يُعد من سوء الأدب، فكيف بالموقف بين يدي الله ؟ ولله المثل الأعلى، ففرقعة الأصابع لا تنبغي، ولذلك إذا كان الإنسان في صلاته فإنه لا يفرقع، وفيه أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ في النهي عنه.
قوله: [وتشبيكها].
التشبيك: إدخال الأصابع بعضها في بعض، وهذا التشبيك إما أن يكون خارج المسجد، أو يكون داخل المسجد، فإن كنت خارج المسجد قاصداً إلى المسجد فلا تشبك، فقد جاء فيه حديث أبي داود بالنهي، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (من توضأ ثم خرج يريد الصلاة فهو في صلاة)، ولذلك قالوا: ينبغي عليه أن يراعي أدب المصلِّي من السكينة والوقار، وقد ثبتت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ، فقالوا: إذا شبك بين أصابعه فإنه يخالف هيئة الصلاة، ولذلك لا يشبك وهو قاصدٌ إلى المسجد لجمعة أو جماعة.
فإذا كان في المسجد فإنه إذا كان قبل الصلاة -كأن يكون في حال دخوله، أو في كونه ينتظر الفريضة- فالحكم سواء، فإنه لا يشبك بين الأصابع لورود النهي، ولأنه في حكم المصلي، وقد ثبتت في ذلك الأحاديث.
وإن كان داخل الصلاة فالأمر أشد، وقد نهى النبي ﷺ عنه، وقالوا: إنه فعل اليهود في صلاتهم، وجاء في الحديث عنه ﵊ أنه: (رأى رجلاً شبك بين أصابعه في الصلاة ففرقها).
فإذا انتهت الصلاة فللعلماء وجهان: قال بعضهم: يستمر النهي.
وقال بعضهم: لا يستمر، فإذا أراد أن يقوم بذلك وهو في داخل المسجد فلا حرج وقد ثبت بذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه) الحديث.
قالوا: وهذا بعد انتهاء الصلاة؛ لأنه كان يظن أن الصلاة قد انتهت، فدل على أنه لا حرج في التشبيك بعد الصلاة وبعد انتهائها.
стр. 875
احتقان البول
قال ﵀: [وأن يكون حاقناً].
أي يكره أن يكون حاقناً ببول، والسبب في ذلك أنه إذا كان البول يزعجه ويحتاج إلى إخراجه، فإنه ينشغل عن الخشوع في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين) قالوا: فدل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للإنسان إذا كان محصوراً ببولٍ أو غائطٍ يدافعهما أن ينشغل بذلك عن الصلاة، وإنما يقضي حاجته ويتوضأ ويتطهر، ثم يصلي وقلبه قد فرغ من هذا الشغل، وهذا مبنيٌ على حديث عائشة الذي ذكرناه.
وأَلحق العلماء بهذا شِدة الحر وشِدة البرد، فإذا أمكنه أن يتقيهما فإنه يتقيمهما ثم يصلي، فلو كان المكان شديد البرد وأمكنه أن يأتي في مكانٍ أخف برد فإنه يتنحى إلى ذلك.
وهنا مسألةٌ لطيفة وهي: لو كان المكان الذي هو أخف برداً يبعد عن المكان الذي فيه البرد بقدر بحيث يفوته وقت أفضل وهو وقت أول الصلاة، فهل الأفضل له أن يذهب إلى المكان الذي هو منفصل وبعيد، حتى يكون أبلغ لخشوعه، أم أنه يصلي إدراكاً لفضيلة أول الوقت؟ قال بعض العلماء: فضيلة أول الوقت أفضل ويُغتفر فيها فوات الخشوع؛ لأنه كمال.
وقال بعض العلماء: هذا من تعارض الفضيلتين: فضيلة تخفيف البرد الذي يزعجه ويشغل ذهنه، وفضيلة الوقت، ولا شك أن الإزعاج المتعلق بذات الصلاة دفعه أولى من الفضيلة المنفكة عن الصلاة، وأَمِيل إلى هذا القول الثاني لوجود النهي عن الصلاة حال مدافعة الأخبثين؛ فإن ورود النهي يُقوِّي أن فضيلة الحضور للقلب والخشوع أبلغ من فضيلة أول الوقت، فلو أنه تنَحَّى إلى المكان الذي لا برد فيه أو لا حر فيه، وكان الوقت بقدر لا تفوت به الصلاة فإن هذا أفضل وأكمل على ظاهر ما ذكرناه.
стр. 876
الصلاة بحضرة الطعام المشتهى
قال ﵀: [أو بحضرة طعام يشتهيه].
حضور الشيء ضد غيابه، وحضرة الطعام هي أي أكلٍ من غداءٍ أو عشاءٍ أو فطورٍ، وقال: [بحضرة]، بمعنى أن الطعام قد حضر، ومفهوم ذلك أن الطعام إذا لم يحضر وجب عليه أن يصلي، فمحل النهي في قوله ﵊: (لا يصلي أحدكم بحضرة طعام)، إذا كان الطعام موجوداً والنفس جائعة بحيث تميل إليه، وبناءً على ذلك فإذا كان لا يشتهيه كأن يكون شبعاناً، أو تكون نفسه لا تميل إليه فإنه حينئذٍ يُصلِّي ويصيب فضل الصلاة في أول الوقت لما ذكرناه.
وبنى العلماء على هذا لو أذن المؤذن وعشاء الإنسان بين يديه فإنه يقدم طعام العَشاء على العِشاء، لظاهر السنة: (إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدأوا بالعَشاء قبل العِشاء).
فدل على أنه يجوز للمكلف أن يتخلَّف عن الجماعة، ولكن بشرط أن لا يجعل ذلك إلفاً له وعادة، وإنما أن يحصل ذلك على سبيل الموافقة لا على سبيل القصد، وفرقٌ بين الموافقة وبين القصد.
والقصد: أن يُهيِّء طعامه على وجهٍ يعلم أنه سينتهي به عند حضور وقت الصلاة، فحينئذٍ يُعتَبر إخلالاً؛ لأن المقاصد مُعتبرة، فالقاعدة أن الأمور بمقاصدها، كما دلّ على اعتبارها حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات)، فلما وضع الطعام عند وقت الأذان أو عند وقت الإقامة دلّ على أنه قَصَد أن يُفوِّت إجابة النداء، فحينئذٍ شُدِّد في حقه، والقاعدة عند العلماء أنه يُعامَل بنقيض قصده، ويجب عليه أن يصلِّي مبالغةً في النكاية به، وهذا مذهب طائفة من العلماء رحمة الله عليهم.
فالمقصود أنه إذا حضر الطعام وحضرت الصلاة فإنه يقدم الطعام على الصلاة.
لكن هنا مسألة، وهي مسألة فطور الصائم، فبعض الناس -أصلحهم الله- يضعون الطعام الكثير، ويبالغون في إفطار الصائم إلى درجةٍ يفوتون بها على الناس إدراك الجماعات، ولربما تفوتهم الركعة الأولى وهم مشتغلون برفع الطعام، وربما يكون بعضهم مشتغلاً بإصابته، وهذا لا شك أنه منهيٌ عنه؛ لأن النصوص دالة على أن من دخل المسجد يجب عليه أن يدخل مع الجماعة، وقد ثبتت النصوص بذلك حتى على من صلى، وقد أَمَر النبي ﷺ من صلى في بيته أن يعيد في المسجد، كل ذلك حتى لا يشذ عن الجماعة، وإعمالاً للدخول مع الجماعة، فكون الصائم يضع هذه السُّفَر على وجهٍ يخِلُّ أو يؤدي إلى الإخلال لا شك أنه يعتبر آثماً من هذا الوجه، ولكن يفطر الصائم بالوجه المعروف، كأن يضع الطعام اليسير الذي ليس فيه إشغالٌ للصائم عن فرضه من أداء الجماعة والقيام بما أوجب الله عليه من الصلاة.
فالمقصود أنه ينبغي تنبيه الناس في إفطار الصائم، ولا شك أن الناس -إن شاء الله- نيتهم صالحة نحسبهم ولا نزكيهم على الله، وبعضهم يقول: إني أريد أن أصيب فضل تفطير الصائم قبل المغرب لا بعد المغرب.
ولا شك أنه إذا كان يريد إصابة هذا الفضل أنه سيضيع واجباً أهم مما هو مشتغلٌ به؛ فإن العلماء اتفقوا على أن تحصيل الفضائل لا يكون على حساب المنهيات، وهذا منهي عنه، ولربما أدى ذلك إلى إفساد فرش المساجد وغير ذلك مما لا يخفى، بل إنه يبالغ فيه إلى درجةٍ أن يزعج المصلين أثناء الركعة الأولى، فلا تسمع إلا اللغط، ولربما تسمع الكلام الذي يكون بسببه انشغال الناس عما هم فيه من الإقبال على الله ، فجميع هذه المفاسد تدل على أن طلبه لهذه الفضيلة لا يُعتبر شرعاً لوجود هذه الإخلالات.
وبناءً على ذلك نقول: يفطر الناس على التمرة والشربة، ثم بعد الصلاة يمد لهم ما شاء من الطعام والله يَأْجُره، فإنه على خير؛ لأنه امتنع من وضع طعامه كله لأمر الشرع، فإذا وضعه بعد الصلاة لا شك أنه يصيب الفضل إن شاء الله تعالى والله يأجره على حُسن نيته، فيُنَبَّه الناس على ذلك، وينبغي على الأئمة أن ينصحوا الناس.
ولقد رأينا -خاصةً في هذه الأزمنة- أموراً عجيبة مما ذكرناه، من التشويش على المصلين وأذية المساجد في فرشها؛ لأنه ربما يستعجل إلى درجةٍ يصيب بها الفراش، فيبقى الطعام على الفراش ولربما يُنْتِنُه، ولربما يؤذي المصلي بهذا النتن، فكل هذه المفاسد الموجودة مع ما فيها من إضاعة الركعة الأولى وفضل التأمين وراء الإمام، وإصابة أول الوقت بالتكبير تدل على أنه ينبغي تنبيه الناس على مثل هذا الأمر ونهيهم عنه.
стр. 877
تكرار الفاتحة
قال ﵀: [وتكرار الفاتحة].
تكرار الفاتحة يأتي على وجهين: الوجه الأول: أن لا يكون معذوراً.
والوجه الثاني: أن يكون معذوراً بالتكرار.
أما التكرار الذي لا يعذر فيه فكأن يقرأ الفاتحة مع علمه أنه قرأها، فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: من كرر الفاتحة عالماً أنه كررها بطلت ركعته.
وقال بعضهم: بل تبطل صلاته، ووجه ذلك: أن الفاتحة ركن، فإذا كررها مرتين فإنه يكون قد زاد ركناً قولياً، وزيادة الركن القولي مؤثرة كزيادة الركن الفعلي، فهذا وجه من يقول في أن من كرَّر الفاتحة تبطل صلاته.
وقال بعض العلماء -كما درج عليه المصنف-: من كرر الفاتحة كرِه له ذلك، ولا تبطل صلاته؛ لأنه خلاف السنة، ولا تبطل صلاته؛ لأن زيادة الأقوال ليس كزيادة الأفعال.
وهذا مُرَكَّب على مسألة الزيادة في الماهية والخارج عن الماهية؛ فإن زيادة الأفعال تُعتَبر زيادةً في الماهية فأبطلت؛ لأنها زيادة في هيئة الصلاة، بخلاف زيادة الأقوال فإنها لا تؤثر في الهيئة، فالهيئة على ما هي عليه، قالوا: وبناءً على ذلك لا يؤثر هذا على صلاته.
إلا أن تسليم أصحاب هذا القول بأن الفاتحة ركن يُوجِب إحراجهم من هذا الوجه، ولذلك ينبغي اتقاء تكرار الفاتحة على هذا الوجه.
الوجه الثاني: تكرارها لحاجة، مثل الذي يشك أنه قرأ الفاتحة، فهذا لا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون الشك معه طارئاً، كما لو صليت ذات يومٍ الظهر، ثم شككت هل قرأت الفاتحة أو لم تقرأها، فاليقين أنك لم تقرأ، فتقرأها وتلزمك قراءتها.
ففي هذه الحالة إذا كان الشك طارئاً فحينئذٍ لا حرج وأنت معذورٌ لوجود السهو.
الحالة الثانية: أن يكون الشك مسترسِلاً، كالموسوس، فإنه حينئذٍ لا يخلو شكه في الفاتحة من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون بعد دخوله في السورة، فإذا دخل في السورة وجاءه الشيطان وقال له: لم تقرأ الفاتحة فإنه يلغي هذا الشك؛ لأن الظاهر من حاله بدخوله في السورة أنه قد قرأ الفاتحة، ووجود الشك المسترسل يدل على ضعف هذه الشبهة، فيبقى على دلالة الظاهر ويُلغِي الأصل من هذا الوجه.
الحالة الثانية: أن يكون شكه في حال سكوته، والتبس عليه كون سكوته بين الفاتحة وبين السورة، أو بين دعاء الاستفتاح وبين الفاتحة، فالأصل أنه ما بين دعاء الاستفتاح وما بين الفاتحة فيقرأ الفاتحة ولا حرج عليه في هذا التكرار.
قال ﵀: [لا جمع سور في فرض كنفلٍ].
أي: أنه لا يُكره تكرار السور وجمعها في فرضٍ، فلو أن إنساناً قرأ سورتين في ركعة فلا حرج عليه، وليس بمكروه، وقال بعض العلماء بالكراهة، ولكن السنة خلافه، ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه أقر الصحابي الذي كان يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في كل ركعة، فإنه كان يقرؤها مضافةً إلى السورة، وكان ابن مسعود يقول: (إني لأعرف النظائر التي كان يجمع بينها رسول الله ﷺ في صلاته)، فلا حرج أن تجمع بين السورتين في ركعةٍ واحدة.
стр. 878
الأسئلة
стр. 879
حكم تغميض العينين في المساجد المزخرفة
السؤال
في المساجد المزخرفة -خصوصاً إذا كانت الزخارف في مواضع السجود- هل يجوز للمصلي أن يغمض عينيه؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فقد قال بعض العلماء: إنه إذا كان في الأرض زخرفة أو نحوها فإنه لا بأس بتغميض الإنسان لعينه؛ لأنه يُحصِّل الخشوع بالانكفاف عن هذه الزخرفة.
ولهذا القول ما يدل عليه في السنة، فإن النبي ﷺ في الحديث الصحيح عنه قال: (أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)، قالوا: هذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ من الخشوع فإنه يُشغَل، ولو جاهد الإنسان نفسه فإن الله يعينه.
وكنا في القديم نغمض ونظن أن هذا يُعين على الخشوع فوجدنا أن المجاهدة أفضل، حتى يصبح هذا الشيء شيئاً عادياً عندك، بحيث إذا أَلِفْته وأحدقت البصر إلى موضع سجودك وتأثرت بالآيات وأحسست أن الله يخاطبك بها بما فيها من الوعد والوعيد والترغيب والترهيب فإن هذا يدعوك إلى التأثُّر وعدم الالتفات إلى الزخرفة، ولذلك الذي تطمئن إليه النفس أن الإنسان يجتهد قدر استطاعته، ويجاهد علّ الله أن يبلغه إلى هذه الدرجة من الكمال، والله تعالى أعلم.
стр. 880
الواجب على من ترك الركوع سهواً
السؤال
رجلٌ كان يصلي وراء الإمام، وقد قرأ الإمام في آخر قراءته آية سجدة ثم ركع، ولكن هذا المأموم لم يركع مثل الإمام، وإنما سجد سهواً، فماذا يكون على هذا المأموم؟
الجواب
هذا أمرٌ ينبغي التنبيه عليه لأئمة المساجد وطلاب العلم، فقد نَبَّه العلماء رحمة الله عليهم أن من فقه الإمامة أن لا يفعل الإمام شيئاً يُوجب اختلال صلاة الناس وراءه، وهذا من النصح للعامة، ووجه ذلك أنه إذا وقف على موضع السجدة أَربَك الناس، فلا يدري الناس أهو ساجد أم راكع خاصةً إذا كان هناك أناس يقتدون به في خارج المسجد، فترى هذا راكعاً وهذا ساجداً، وترى آخر قائماً حائراً لا يدري، أيسجد أم يركع، ولذلك ذكروا أن من فقه الإمامة التَّنَبُّه لمثل هذه الأمور.
قالوا: فإذا قرأ ذلك وَوَقَع فيه فإن لم يكن عنده رغبة أن يَسْجُد فليصلها بسورة بعدها، فإنه إذا قرأ الآيتين والثلاث، أو استفتح سورةً مثل سورة (اقرأ)، ولا رغبة له في السجود فإنه يستفتح بسورة القدر، فإن دخوله بسورة القدر ينبه على أنه لا يريد الركوع، قالوا: حتى ولو قرأ منها آيتين لينبه الناس على أنه غير ساجد، ثم يركع بهم.
ولذلك يقولون: يَنبغي للإمام أن يكون عنده العلم بأحكام الإمامة وفقه الإمامة.
أما بالنسبة لحكم هذه المسألة فإن الإمام إذا كبر وركع ثم سجد الناس، فمَن سجد صحّ سجوده، وحينئذٍ إذا رفع الإمام يقوم مباشرة، ثم يركع ويدرك الإمام في الرفع من الركوع وصلاته صحيحة؛ لأنه سجد على وجه الإخلال، ويَحمِل الإمام عنه هذا السهو.
وأما إذا لم يركع وإنما سَجَد ثم قام من سجوده فوقف مع الإمام في الرفع من الركوع ولم يركع فعليه أن يلغي هذه الركعة، فإذا سلَّم الإمام قضى هذه الركعة؛ لأنه لم يركع.
فإن تَدَارك صحت ركعته، وإن لم يتدارك وجب عليه قضاء الركعة، فإن خرج من المسجد ولم يقض هذه الركعة وَجَب عليه قضاء الصلاة كاملة.
فالخلاصة أن الصور ثلاث: الأولى: أن لا يركع ولكن يتدارك، فصلاته صحيحة وركعته مجزية.
الثانية: أن لا يركع ولا يتدارك فتلزمه الركعة، فإن فَعَلَها وهو في المسجد وقام وتحرك كما في قصة ذي اليدين، فحينئذٍ صلاته صحيحة.
الثالثة: فإن خرج من المسجد ولم يتدارك هذه الركعة لَزِمه قضاء الصلاة كاملة، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →