← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7701

سلسلة التربية لماذا

محمد حسان

Полный текст (59 стр.). Показаны 36–59 · переход к 41.

стр. 36

من وسائل التربية أيها الأحبة! وبعد الانتهاء من مصادر التربية وخصائص التربية فإننا الليلة سنبدأ الحديث عن عنصر آخر من عناصر هذا المنهج التربوي ألا وهو: وسائل التربية، كيف نربي؟ وبعد الانتهاء من الوسائل إن شاء الله جل وعلا إن قدر لنا البقاء واللقاء فسوف أتحدث عن صفات المربي، أي: من الذي ينبغي أن يتصدى للتربية؟ وقبل هذه تعالوا لنبدأ الليلة عنصراً جديداً من عناصر هذا المنهج التربوي ألا وهو: وسائل التربية، وسوف أركز الحديث مع حضراتكم في الوسائل التالية: أولاً: التربية بالقدوة. ثانياً: التربية بالموعظة. ثالثاً: التربية بالقصص القرآني والنبوي. رابعاً: التربية بالمثل القرآني والنبوي. خامساً: التربية بالعادة والأحداث الجارية. سادساً: التربية بالعبادة. وأخيراً: التربية بالعقوبة.

стр. 37

من وسائل التربية القدوة الصالحة وأرجو الله أن يبارك لي في وقتي وفي وقتكم، لنتحدث الليلة عن الوسيلة الأولى ألا وهي: التربية بالقدوة. والحق أقول: والله يا إخواني إنني وأنا أتحدث الآن عن التربية بالقدوة أراني أتجاوز قدري، وأتعدى حدودي، ويرن في أذني الآن قول القائل: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كي ما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالفعل منك وينفع التعليم ولكن المرء -أيها الأحباب- قد ينطلق في حديثه لا من منطلق شعوره بأنه قدوة، ولا من منطلق الشعور بالأهلية، وإنما ينطلق من منطلق الشعور بالمسئولية، والقاعدة الأصولية تقول: (من عدم الماء تيمم بالتراب) . فأسأل الله جل وعلا أن يغفر ذنبنا، وأن يستر عيبنا، وأن يتقبل منا وإياكم صالح أعمالنا، وأن يرزقنا الإخلاص والصدق في أقوالنا، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أيها الحبيب الكريم! إن التربية بالقدوة من أهم وأخطر وسائل التربية، وإننا نرى الآن كثيراً من شباب الأمة يتخبط في حيرة، يرى انفصاماً نكداً ورهيباً، لا يرى قدوة عملية بعدما صمت آذانه بكثير الكلام، وهنا يعيش كثير من شبابنا في هذا الصراع النفسي القاتل، لماذا؟ لأنه يسمع كلاماً ككلام جحا الذي صنع يوماً ساقية على النهر، تأخذ الماء من النهر فترد نفس الماء إلى نفس النهر، لم يكن عندنا غير هذا الأسلوب، والحمد لله كلكم أهل علم وأهل فهم. أقول: كـ جحا الذي صنع ساقية على النهر، لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر، فتعجب الناس وقالوا: عجباً لك يا جحا! تصنع ساقية تأخذ الماء من النهر لترد نفس الماء إلى نفس النهر، فقال: جحا: يكفيني نعيرها، وهذا هو الواقع، يكفينا أننا نسمع هذا الصياح. وهذا هو الواقع المر أيها الأحباب! أعني هذا الانفصام، بل إن شئت فقل: هذا الصراع النفسي الذي يعيشه كثير من شباب الأمة -لا أقول في مصر وحدها، بل في جميع أرجاء المعمورة- إنما هو نتيجة حتمية؛ لأن شباب الأمة يسمع ولا يرى، يسمع كلاماً كثيراً ولا يرى القدوة العملية الحية، ورحم الله من قال قديماً: مشى الطاوس يوماً باختيال فقلده بمشيته بنوه فقال علام تختالون قالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه نرى طالب العلم جريئاً على الفتيا، نرى طالب العلم لا يحسن الأدب مع العلماء إلا من رحم الله جل وعلا؛ لأن طالب العلم يرى الآن رحى الصراع دائرة بين علمائه وشيوخه، وبين من يتلقى المنهج على أيديهم، هذا صراع نفسي، والله إني أعذر طلاب العلم حينما يرون هذا، فلذا أيها الأحباب! أقول: إن أعظم خطوة عملية نخطوها الآن لتصحيح المسار والمنهج، ولتصحيح الطريق إنما هي أن نقدم لشباب الأمة ولأبناء الأمة القدوة العملية، ليرى الشباب القدوة تتحرك بين أيديهم، يرونها بأعينهم، ويسمعونها بآذانهم، حينئذ لا ترى هذا الصراع النفسي القاتل المدمر. فحينئذ قد يكون من اليسير جداً أن نقدم منهجاً نظرياً في التربية كساقية جحا بالضبط، ونقدم منهجاً دقيقاً محكماً، وكيف لا وسوف نقدم منهجاً نقول فيه: قال الله قال رسوله فعل السلف الصالح، منهج نظري دقيق محكم، ولم لا وهو قرآن وسنة وفعل سلف. ولكن ليست العبرة بأن نقدم المنهج النظري فحسب، بل سيظل هذا المنهج حبراً على ورق ما لم يتحول إلى منهج عملي وواقع يتحرك في دنيا الناس، كل عالم نظري يقدم المنهج النظري، وكثير من طلبة العلم وشباب الأمة حافظين المنهج النظري، لكن المنهج هذا ليس له قيمة والعياذ بالله! ليس في ذاته وإنما في حياتنا لماذا؟ لأن المنهج سيظل حبراً على ورق مثل القوانين التي هي محبوسة في أدراج مجلس الشعب لتقنين وتطبيق الشريعة، حبر على ورق لا قيمة له، ليس في ذاته فهو الخير كله ولكن في حياتنا وواقعنا، سيظل المنهج حبراً على ورق إلى أن يتحول في حياة الناس إلى منهج عملي، وإلى واقع متحرك مرئي ومسموع ومنظور. يا أخي! هب أن الله جل وعلا قد أرسل رسوله للناس ملكاً، فهل ينفع؟ لا ينفع. لو جاء هذا الملك وصام رمضان ثلاثين يوماً، لقالوا: الحمد لله هذا ملك، ليس من خلقتنا، وليس من طينتنا، ولو جاء وصلى الخمس الصلوات في اليوم، لقالوا: الحمد لله هذا ملك، ولو جاء وأدى الأمانة وأدى جزئيات وأركان المنهج، وحولها إلى واقع لقال الناس: إنه ملك هيئ وأعد لهذا، أما نحن فلا نستطيع أن نفعل ما فعله، ولكن الله جل وعلا -وهو الحكيم الخبير- لم يرسل رسوله ولا نبيه إلا من جنس البشر: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام:٩] . سبحان الله! لابد أن يكون من صنف البشر لماذا؟ حتى ولو جاء هذا الرسول ليحول المنهج التربوي الإسلامي إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة متحرك ومرئي ومسموع ومنظور، ويرى الناس بأعينهم، ويسمع الناس بآذانهم، يعرف الناس حينئذ أن هذا المنهج حق، حول في دنيا الناس إلى واقع؛ فيتبعونه بدون انفصام وصراع. ومن هنا أرسل الله القدوة والمثل للعالمين جميعاً؛ ليحول هذا المنهج الرباني إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله سلم القدوة الطيبة والمثل الأعلى ليحول المنهج النظري إلى واقع، وقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] . أقول: أعظم وسائل التربية: التربية بالقدوة، متى يخرج الولد محباً للصلاة؟ إذا رأى أباه يصلي، وإذا رأى أمه تصلي. متى تخرج البنت الصغيرة محبة للحجاب والعفة؟ إذا رأت أمها محبة للحجاب ملتزمة به. متى يخرج الولد راقصاً؟ إذا رأى أباه راقصاً، وإذا رأى أمه عارية. متى تخرج البنت مستهترة لا تعترف بفضيلة ولا تقدس إلا الرذيلة؟ إذا نشأت في بيت يحارب الفضيلة ويقدس الرذيلة، وهكذا كما ذكرت في أبياتي التي ذكرتها منذ قليل: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه لا يمكن على الإطلاق أن يتربى الولد على الصدق إذا رأى أباه كاذباً لا يمكن على الإطلاق أن يتربى الولد على الأمانة إذا رأى أمه تخون أباه لا يمكن على الإطلاق أن تتربى البنت على الفضيلة إذا رأت أمها مستهترة تحب الرذيلة!

стр. 38

الأستاذ والمعلم هو القدوة الصالحة جاء تلميذ يوماً لأستاذه وقال: يا أستاذي! أريد أن تعلمني اسم الله الأعظم، الله أكبر شيء عظيم! التلميذ يفكر في مثل هذا. الأستاذ قال له: يا بني أنت تظن أن المسألة سهلة، وأن العملية بسيطة؟! من الذي يعرف اسم الله الأعظم؟ ومعظم الأحاديث التي وردت وحددت الاسم الأعظم ضعيفة، لكن الأستاذ كان قدوة أراد أن يقنع تلميذه بالدليل والمنطق، وبالحجة وبالواقع، ما نهره وما طرده، وما سفه سؤاله، كلا، وهذا هو المربي الناجح، إياك أن تتهرب من أسئلة ولدك أجب، وإن عجزت عن الجواب فسل أهل العلم لتجيب على ولدك إجابة صادقة صحيحة، ابنك يقول لك: أين الله؟ تقول له: الله في كل مكان، تبقى داهية، وكثير من الدعاة لو سألته: أين الله؟ يقول: والله قرأتها الليلة الماضية في كتاب مطبوع لعالم كبير بعيني يقول: أين الله؟ ويجيب على نفسه: في كل مكان. والجارية التي لم تدخل جامعة من الجامعات، ولا كلية من الكليات، ولم تحصل على الماجستير، ولم تأخذ الدكتوراه، لما سألها الحبيب ﷺ وقال لها: ﴿أين الله؟ قالت: في السماء) . ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْض﴾ [الملك:١٦] الآيات، قال: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى وليها وقال: أعتقها فإنها مؤمنة) . الجارية لا درست في جامعة ولا كلية، ولا معها ماجستير ولا دكتوراه، أين الله؟ قالت: في السماء، لكن اليوم لو سألت كثيراً: أين الله؟ يقول لك: في كل مكان، يا أخي! اتق الله، لا تجعل ذات الله في أماكن الأقذار والأنجاس وإنما: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] بعلمه بسمعه ببصره بقدرته بإحاطته بمعيته، ولا تقل بذاته لتقع فيما وقع فيه أهل الحلول والاتحاد. حتى أني قرأت يوماً لرجل من هؤلاء، أنه دخل ليزور رجلاً من العلماء، وكان الرجل العالم عنده غنم أعزكم الله، فهو جالس فسمع غنم عالمه تعير؛ فرد عليها العالم قائلاً: لبيك يا سيدي!! الله! نظر الرجل حوله فما وجد أحداً فقال له: هل يوجد شيء؟ قال له: ألا تعلم أن الله قد حل فيها وينادي عليّ الآن؟! المسلم البسيط الفلاح لا يعرف شيئاً أبداً إلا رب العزة بالفطرة، وليس عنده إلا ملكة الفطرة، فقال: بالله هل ترضى ذلك عن ملك الملوك وجبار السماوات والأرض جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ؟ سئل إسحاق بن راهويه: يا إسحاق! كيف تزعمون أن الله يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ويدع عرشه؟ فقال إسحاق: يا هذا! إن كنت لا تؤمن بإله يتنزل كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأول، فنحن نؤمن به جل وعلا، واعلم بأن الله قادر على أن يتنزل من عرشه ولا يخلو منه عرشه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] . لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأفهام، ولا يحيطون به علماً، استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقال، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته والكرسي وعظمته؛ الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته. فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. عظم ربك جل وعلا، عظم الله جل وعلا، واعرف قدر الله ﵎، والله جل وعلا يقول: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] . ووالله ما تجرأنا على أن نتحدى الله وشرع الله، وعلى أن نتحدى سنة رسول الله، وعلى أن نعصي الله في الليل والنهار إلا يوم أن غاب في قلوبنا قدر العزيز الغفار جل وعلا. ولذا قال أحد السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. هذه العبارة عجيبة يا إخوان! لا تنظر إلى صغر المعصية، يا أخي! فالذنوب إذا وقعت من المؤمن رآها في عينه كالجبل، أما المنافق فهو الذي يرى ذنبه كذبابة سقطت على أنفه، فقال بها هكذا فطارت، لكن المؤمن وقاف عند ذنوبه ومعاصيه. ورحم الله ابن المعتز إذ يقول: خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى أيها الحبيب الكريم! جاء التلميذ لأستاذه ليطلب منه أن يعلمه اسم الله الأعظم، الأستاذ، فما طرده ولا نهره وإنما قال له: سأعطيك أمانة تذهب بها إلى فلان، فإذا رجعت علمتك، قال له: فما هي الأمانة؟ فأحضر أستاذه فأراً ووضعه في صندوق مغلق بحيث لا يظهر الذي فيه، وأعطاه وقال له: هذه الأمانة اذهب بها إلى فلان وعندما ترجع أعلمك. أخذ التلميذ هذا الصندوق، وبداخله الفأر، فجعل الفأر يلعب ويتحرك في الصندوق فالولد تعجب ماذا يوجد في الصندوق؟! ودائماً الممنوع مرغوب. وهذه ركيزة في أي إنسان فهو دائماً يريد أن يعرف ما الذي خلف الجدار، فالولد مسكين! هو حامل للصندوق وإذا الفأر يلعب فيه، فهو يقول: ما هذا الذي في الصندوق؟ إذاً: هناك شيء لو فتحت الصندوق وعرفت الذي فيه ثم أوصلت الأمانة وهل سيبقى بعد هذا أميناً يا إخوان؟! لا. ففتح التلميذ غطاء الصندوق، فهرب الفأر ورجع الغطاء على الصندوق ثم رجع إلى أستاذه فقال: يا أستاذ! هل يوجد أحد في الدنيا يهدي لأخيه فأراً؟ وهل هذه هدية؟ فقال له: أنت رأيت الفأر قال له: هو نط من الصندوق وجرى، فقال أستاذه: اسمع -وهذا محل الشاهد- يابني! إنك لم تستأمن على فأر فكيف تستأمن على اسم الله الأعظم؟! هنا التربية يا إخوان بالقدوة، المعلم ما نهره، لكن علمه درساً عمره ما سيأتي مرة ثانية يسأل هذا السؤال. وهذا أستاذ يريد أن يربي أولاده وطلابه وتلاميذه الصغار على المراقبة لله، يريد أن يعلمهم درساً عملياً، فقال لهم: يا أولاد! كل واحد يأخذ هذه الدجاجة ويذهب يذبحها في مكان، بشرط أن لا يوجد أحد في المكان ينظر إليه أبداً، قالوا: هذا أمر سهل. فالناس كانوا يربون أبناءهم على المراقبة واليوم القانون يريد أن يربي الناس على مراقبة المهازيل العمي من البشر، يعني: أنا أذكر وأنا في الجيش كنت أذهب فألقي الكلمة في طابور الصباح، ويأتي الأول برتبة صغيرة فلا يبالون، فإنا أتى صاحب الرتبة الكبيرة يكثر الصمت ويسود الهدوء، فعلى قدر الرتبة يسود الهدوء، حتى يأتي من هو أعلى رتبة والنجمات تلمع فالكل يسكت، سبحان الله! فإذا ذهب هذا العميد وركب سيارته تجد الذي يقوم والذي يقعد والذي يلف، ويرتفع الهرج والمرج حتى يسود الطابور كله. فسبحان الله! جلست مع بعض الإخوة وأردت أن أعملهم من خلال هذا المشهد كيف يجب علينا أن نربي قلوبنا على أن تراقب الله وحده، فقلت لهم: يا إخوان! انظروا الضابط الكبير الذي يمشي ما الذي يحصل؟ وقلت لهم: أيش رأيكم في الألوف المؤلفة التي تقف وراء الإمام في صلاة الجمعة، الإمام يقف فيلتفت للصف الأول فقط ويقول: استووا اعتدلوا استقيموا ثم يعطي المأمومين ظهره، فإذا ما أعطاهم ظهره هل ينصرف منهم أحد؟ هل يجلس منهم أحد؟ هل يخرج منهم أحد؟ لأن هؤلاء ما وقفوا مراقبين للإمام، بل وقفوا مراقبة لله جل وعلا! فنحن نريد أن نربي قلوبنا على أن نراقب الله لا على أن نراقب عين القانون الأعمى؛ لأن القانون لو نظرنا في مكان وفي ساعة، فلن يرانا في مكان آخر وفي ساعة أخرى، رب قلبك ونفسك وابنك وزوجتك وبنتك على مراقبة الله جل وعلا. المهم: كل تلميذ الدجاجة، فبعضهم ذهب تحت شجر السلم، وبعضهم دخل الغرفة وقفل على نفسه، وكل منهم ذهب مكاناً كهذا وذبح دجاجته، ثم رأى الأستاذ تلميذاً رجع بالدجاجة وهي حية، فقال له: لمَ لم تذبح دجاجتك؟ قال له: يا أستاذ! أنت اشترطت علينا أن نذبح الدجاجة في مكان لا يرانا فيه أحد، وما من مكان ذهبت فيه إلا وعلمت أن الله يراني، فأين أذهب إذاً؟ إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب

стр. 39

محمد ﷺ هو المعلم الأول والقدوة المثلى أيها الحبيب! أقول: إن التربية بالقدوة من أعظم وسائل التربية، ولذا لما علم الله جل وعلا أن المنهج التربوي لا يمكن أن يتحول في دنيا الناس إلى واقع عملي إلا بالقدوة، بعث الله القدوة الطاهرة، والمثل الأعلى محمداً صلى الله عليه وعلى وآله وسلم، فأدبه ربه وزكاه في كل شيء، ويحلو لي أن أكرر هذه التزكية في كل زمان ومكان: زكاه ربه في عقله فقال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢] . وزكاه ربه في فؤاده فقال سبحانه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] . وزكاه في بصره فقال سبحانه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] . وزكاه في صدره فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] . وزكاه سبحانه في ذكره فقال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] . وزكاه في طهره فقال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] . وزكاه في حلمه فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] . وزكاه في علمه فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٥] . وزكاه في صدقه فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] . وزكاه كله وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . ﵌، أعظم قدوة يا إخوان! نريد أن نأخذ القدوة هذه مثلاً أعلى، في وقت قدم فيه الفارغون والتافهون، والساقطون والراقصون ليكونوا القدوة والمثال، ساقط داعر يقدم للشعب ولأبناء الأمة على أنه قدوة، وعلى أنه مثل يقتدى به، اسأل اليوم كثيراً من شباب الأمة، ماذا تعرف عن محمد بن مسلمة؟ ماذا تعرف عن معاذ بن جبل؟ ماذا تعرف عن خالد بن الوليد؟ ماذا تعرف عن عادل إمام الكلب؟ سبحان الله! قدم الساقطون والفارغون والتافهون ليكونوا القدوة والمثال، وأخر الأطهار الأبرار الأخيار، السادة القادة، أهل العظمة البشرية بكل معانيها وصورها، أخر هؤلاء وحذف تاريخهم حتى لا يشب الجيل على سير هؤلاء الأطهار، وإنما ليشب الجيل على سير هؤلاء الأوباش الأقزام وإنا لله وإنا إليه راجعون! وهذا يلقي عبئاً كبيراً على الدعاة بصفة خاصة وعلى الآباء بصفة عامة، لا تكتف بأن يكون ابنك داخل مدرسة، أنت اطمئن على المنهج، اطمئن على عقيدة ولدك، اطمئن على فكر ولدك، اطمئن على سلامة منهجه، لا تتكل على هذا، وإذا كنت لا تجيد هذا الاطمئنان فخذ ولدك إلى أهل العلم والفضل إلى أهل الخير الذين يصححون المسار والطريق، ويصححون المنهج ويزيلون عنه الشوائب والشبهات والشكوك. رسول الله ﷺ قدوتنا، وارفعوا رءوسكم لتناطح كواكب الجوزاء، وأعلنوها للدنيا وقولوا: قدوتنا محمد بن عبد الله ﵌، رجل وشخصية جمع الله جل وعلا فيها شخصيات كثيرة في آن واحد، فهو رسول الله، ورحم الله من قال وغفر له: فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم بشر تجمعت فيه شخصيات متخصصة متجمعة في آن واحد، فهو رسول يتلقى الوحي من الله، ليربط الأرض بالسماء في أعظم رباط، وهو رجل سياسة من الطراز الأول يبني أمة من الفتات المتناثر، فإذا بها بناء لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً. أقول العبارة مرة ثانية: رجل سياسة من الطراز الأول، يبني دولة وأمة من الفتات المتناثر، فإذا هي بناء لا يطاوله بناء في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً. وهو رجل حرب من الطراز الأول، يقود الجيوش، ويضع الخطط، ويقف في غرفة العمليات ليوجه الجند والصف، بل إذا حمي الوطيس واشتدت المعركة وصمتت الألسنة الطويلة، وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب، كان الحبيب في مقدمة الصفوف يعلن بأعلى صوته للجمع ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) . وأب وزوج، ورب أسرة كبيرة تحتاج كثيراً من النفقات، من نفقات الوقت من نفقات الجهد من نفقات الشعور من نفقات الفكر من نفقات العقل من نفقات التربية من نفقات التوجيه، فضلاً عن نفقات المادة، فقام الحبيب بهذا الدور خير قيام. وهو رجل إنساني من الطراز الأول، تشغله هموم الناس، وتملأ نفسه مشاعرهم وآلامهم وأحزانهم، فيمنحهم من وقته وفكره وعقله وجهده، بل ومن روحه، بل ومن ماله، بل ومن تربيته، بل ومن توجيهه كرجل إنساني القلب قد شغلته في هذه الدنيا هموم الناس فحسب. وهو رجل عابد خاشع خاضع أواب، كرجل تفرغ للعبادة فقط لا يشغله هم من هموم الدنيا، ولا تؤثر فيه شهوة من شهواتها أو نزوة من نزواتها. هذه الشخصيات كلها في رسول الله، فضلاً عن أنه كان صاحب دعوة أخذت عقله ووقته وجهده وروحه وفكره بل ودمه، ومع هذا كان الحبيب ﵌ قدوة في كل مجال وميدان من هذه الميادين المتفرقة. نعم أيها الأحباب! أمر النبي أصحابه بالعبادة فكان القدوة، تورمت قدماه من العبادة، فلا تقل لابنك: صل، وأنت جالس في البيت، ولا تقل لابنك: لا تدخن، وأنت تدخن في وجهه كل ليلة، أين القدوة؟ حتى لو امتثل الولد سيمتثل بخلل، وبدون اتزان وتوافق أبداً، أمر النبي ﷺ أصحابه بالعبادة فتورمت قدماه من العبادة وقيل له: (يا رسول الله! أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال الحبيب: أفلا أكون عبداً شكوراً) . فهذا هو القدوة يا إخوان! أمرهم بالجود والإنفاق والبذل والعطاء فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، ورد في صحيح مسلم من حديث أنس ﵁ أنه قال: (إن رسول الله ﷺ ما سئل على شيء في الإسلام إلا وأعطاه، ولقد جاءه يوماً رجل فسأله، فأعطاه غنماً بين جبلين، فانطلق الرجل يسوق الغنم كلها بين يديه -وعاد إلى قومه ليقرر هذه الحقيقة الكبرى وليصرخ في قومه ويقول-: يا قوم! أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) . أيها الأحبة! أقول: إن القدوة العملية التي قدمها رسول الله ﷺ لأصحابه بل وللدنيا كلها، يجب علينا أن نقف أمامها طويلاً طويلاً، لنحول فعل النبي ﷺ الآن إلى واقع، لنقدم القدوة عملية واقعية سلوكية مرة أخرى كما فعل الحبيب مع أصحابه، بل ومع أمته. أمر النبي ﷺ الصحابة بالعبادة فكان سيد العباد أمر النبي ﷺ الصحابة بالإنفاق فكان أجود بالخير من الريح المرسلة أمر النبي ﷺ الصحابة رضوان الله عليهم بالحلم والرحمة والتواضع فكان سيد هذه الصفات، واحتل ذروة سنامها. نعم أيها الأحباب! ولا أريد أن أتوقف مع كل صفة وإلا لطالت وقفتنا. أقول: أيها الحبيب الكريم! يكفي أن تقف مع هذا المشهد الحي، والحديث رواه الحاكم في المستدرك وابن ماجة في السنن، وابن سعد في الطبقات وهو حديث صحيح: (أن أعرابياً دخل على النبي ﵌ يوماً فارتعدت فرائصه واضطربت جوارحه -فماذا قال له الحبيب؟ - فقال له: هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في مكة) انظروا التواضع يا إخوان! ونحن الآن في أمس الحاجة -يا طلاب العلم- إلى أن نتواضع، تاج الداعية التواضع؛ أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل التواضع. تاج طالب العلم التواضع، إذا من الله عليك بالعلم فتواضع ليرفعك الله، ليزيدك الله جل وعلا، فمن تواضع لله رفعه، لا تتعال على إخوانك وأحبابك وعلى طلابك، ولا تقل بلسان الحال: أنا العالم وأنتم الجاهلون، وأنا الطائع وأنتم المذنبون، وأنا الموفق وأنتم المقصرون، لا يا أخي! تذكر فضل الله عليك ونعمة الله عليك، فورب الكعبة لو تخلى الله عنك برحمته طرفة عين لهلكت، من أنت حتى تغتر بعملك؟ من أنت حتى تغتر بمالك؟ من أنت حتى تغتر بجاهك؟ أنت لا شيء بدون ستر الله، وبدون فضل الله، وبدون رحمة الله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] ، كنت ضالاً فهداك، وكنت وضيعاً فرفعك، وكنت فقيراً فأغناك، وكنت ذليلاً فأعزك، فاعرف فضل الله عليك، ووالله لو تخلى الله عنك طرفة عين لكنت بمثابة الشاة التي احتوشتها الذئاب من كل ناحية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] . وهكذا أيها الأحباب! ما أمرهم النبي بأمر إلا وكان أول الممتثلين له، وما نهاهم عن شيء إلا وكان أول المجتنبين له، وما حد لهم حداً إلا وكان أول الوقافين عند هذا الحد. ومن هنا تعلقت به قلوب أصحابه، هذا أعظم سبب لتعلق القلوب بالقدوة، أن يرى الناس بالقدوة النموذج الحي لكل ما يقول. ومن هنا تعلقت القلوب برسول الله ﷺ ؛ لأنه قال وفعل، وقدم القدوة العملية المشرقة في أروع وأجل صورها! وأختم بعبارة مهمة جداً، وأرجو الله أن تحفر في القلوب قبل العقول، وأقول: قدوتنا وأسوتنا هو رسول الله ﵌، ولما قدم الإسلام هذه القدوة فإنه ما قدمها لجيل الصحابة فحسب، وإنما قدم الإسلام هذه القدوة لتظل خالدة على مر الأجيال والقرون، ولم يقدمها الإسلام لتكون قدوة باهتة ليتعامل الناس معها تعاملاً نظرياً بحتاً، وإنما ليحول الناس هذه القدوة مرة أخرى في حياتهم إلى منهج حياة، وإلى واقع متحرك مرئي ومسموع ومنظور: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] . فيا أيها المسلم! يا أيها الأستاذ! يا أيها المربي! يا أيها الأب الكريم! يا أيتها الأم الفاضلة! يا من حملك الله أمانة التربية، وأمانة التوجيه، وأمانة ال

стр. 40

التربية لماذا؟! [٥] من أعظم وسائل التربية: التربية بالقدوة الحسنة حين تترجم إلى واقع عملي مشاهد، كما كان حال المعلم الأول والمربي العظيم ﵊. ومن وسائل التربية أيضاً: التربية بالقصص القرآني والنبوي؛ لأنه يتسم في كل فصوله بالواقعية مع الحفاظ على عنصر الطهر والعفاف والأخلاق الحميدة، بخلاف القصص المعاصر الذي يروج للشهوة والدعارة، ويحرك الغرائز الكامنة.

стр. 41

أهمية دروس التربية بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً منزلاً من الجنة، وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أيها الأحبة في الله! إن لقاءنا هذا هو اللقاء الخامس من هذه السلسلة المنهجية التربوية التي عنونا لها بعنوان: التربية لماذا؟ فأعيروني القلوب والأسماع؛ فإن هذا اللقاء من الأهمية بمكان، ونسأل الله أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة في الله! لقد بدأنا الحديث عن هذه السلسلة بأسباب اختياري لهذا الموضوع، وركزت الحديث في الأسباب التالية: أولاً: أن الصحوة الإسلامية في أمس الحاجة إلى منهج تربوي أصيل يصحح سيرها ومسراها، حتى لا تقع الصحوة في أي تعامل خاطئ مع النصوص الخاصة أو العامة بوضعها في غير موضعها، أو بالاستشهاد بها في غير محلها، أو بدون تحقيق المناطات الخاصة أو العامة التي لابد منها للربط بين دلالة النصوص وحركة الواقع ربطاً صحيحاً. السبب الثاني: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة؛ فإننا نرى كثيراً من المسئولين عن وضع المنهج التربوي لأبنائنا وبناتنا طيلة السنوات الماضية قد ضعفوا أمام المناهج التربوية الغربية الدخيلة، ووجدوا أنفسهم ينسابون في هذه الأطر وفي تلك المناهج، ومن ثمَّ وجب علينا أن نبين أننا نملك -وبكل ثقة- المنهج التربوي الأصيل الذي يصلح لكل زمان، ويصلح لكل مكان، ويصلح لجميع مستويات البشر؛ لأن الذي وضعه هو خالق البشر جل وعلا، الذي قال -وهو أصدق القائلين-: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] . ثالثاً: الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير؛ فإننا نرى انفصاماً كثيراً بين منهجنا المشرق وبين واقع الأمة في جانب العقيدة، وفي جانب العبادة، وفي جانب التشريع، وفي جانب الأخلاق، وفي جانب المعاملات والسلوك، ونرى كثيراً من أخلاق الإسلام قد أعرض كثير من المسلمين عنها في هذه الأيام، ومن ثمَّ وجب على الأمة أن تعود مرة أخرى إلى هذا المنهج التربوي الذي جاء به الحبيب المصطفى ﵌. ثم تكلمت عن مصادر التربية وقلت: إن أهم المصادر التي يجب على الأمة أن ترجع إليها مرة أخرى لتستقي منها منهجها التربوي هي: - القرآن الكريم. - والسنة. - ومنهج السلف، باعتباره يمثل التطبيق العملي للقرآن والسنة. ثم تكلمت بعد ذلك عن خصائص التربية، وركزت الحديث في الخصائص التالية: أولاً: التكامل والشمول. ثانياً: التوازن والاعتدال. ثالثاً: التميز والمفاصلة، وتحدثت عن هذا بالتفصيل. ثم تكلمت في اللقاء الماضي عن وسائل التربية، وقلت: إنني سوف أركز الحديث عن الوسائل التالية: أولاً: التربية بالقدوة. ثانياً: التربية بالقصص القرآني والنبوي. ثالثاً: التربية بالمثل القرآني والنبوي. رابعاً: التربية بالموعظة. خامساً: التربية بالعادة والأحداث. سادساً: التربية بالعبادة. وأخيراً: التربية بالعقوبة.

стр. 42

التربية بالقدوة الحسنة تكلمت في اللقاء الماضي عن أعظم وسائل التربية ألا وهو: التربية بالقدوة، وقلت: يا أحبابي! إن شبابنا الآن يعيش صراعاً نفسياً داخلياً رهيباً؛ لأنه قد فقد القدوة الطيبة الصالحة في جانب التربية، وفي جانب الدعوة، وفي جانب الأبوة. يعيش شبابنا اليوم صراعاً نفسياً رهيباً؛ إذ إنه فقد القدوة الطيبة والمثل الأعلى في هذه الأيام، لاسيما وقد قُدم الفارغون والتافهون ليكونوا القدوة والمثال. أيها الأحبة! من اليسير جداً أن نقدم منهجاً نظرياً في التربية، أمر ميسور أن يجلس مقنن أو مرب أو مبدع أو مفكر ليضع منهجاً تربوياً نظرياً غاية في الإتقان والإبداع، ولكن هذا المنهج يظل حبراً على ورق -لا قيمة له على الإطلاق- ما لم يتحول في حياة الناس إلى واقع يتحرك. فالمنهج النظري ليس له قيمة إلا إذا تحول في حياة الناس إلى منهج عملي، فنحن نتغنى بالصدق، ولكن ندر الصادقون! ونتغنى بالأمانة، ولكن قلَّ أهل الأمانة! ونسعد بالوفاء بالعهد والوعد، ولكن ندر الموفون بوعودهم وعهودهم! وهكذا. فالمنهج النظري حتى وإن كان رائعاً جميلاً يظل حبراً على ورق ما لم يتحول إلى واقع يتحرك في دنيا الناس. ولذلك لما شرع الله جل وعلا هذا المنهج التربوي المعجز علم -وهو العليم الخبير- أنه لابد لكي يتحول هذا المنهج التربوي في حياة الناس إلى واقع أنه لابد للناس من قدوة تتحرك بهذا المنهج في دنيا الناس، فيعي الناس أن هذا المنهج حق؛ لأنهم رأوه بأعينهم واقعاً يتحرك في دنياهم، ومن ثمَّ بعث الله أعظم قدوة وأطهر مثل محمداً ﵌؛ لتتحرك هذه القدوة وليتحرك هذا المثل بين الناس، فيعلم الناس علم اليقين أن هذا المنهج حق لا مراء فيه؛ لأنهم يرونه يتجسد في هذه القدوة الطيبة والمثل الأعلى؛ في محمد بن عبد الله ﵌. وقد زكى الله هذه القدوة تزكية مطلقة -بأبي هو وأمي- زكاة في عقله في علمه في صدقه في فؤاده في قلبه في صدره في حلمه وفي كل شيء؛ لتكون هذه القدوة وليكون هذا المثل مستمراً على مدار الأزمان والأيام؛ لأن الإسلام وهو يقدم هذه القدوة لا يقدمها للإعجاب السالف، ولا لنتغنى بقدوته وأخلاقه وصدقه؛ ثم يتوقف حالنا عند هذا الحد، كلا! وإننا نرى كثيراً من أبناء الأمة الآن يتغنون بأخلاق الحبيب المصطفى، بل ويعلنون على مدى الأزمان والأيام أن قدوتهم الطيبة ومثلهم الأعلى هو رسول الله، في الوقت الذي لا نرى فيه اتباعاً عملياً لهذه القدوة الطيبة، ولهذا المثل الأعلى. فالإسلام حينما يجعل قدوته الطيبة ومثله الأعلى رسول الله ﷺ ؛ فإنه لا يقدم هذه القدوة للإعجاب السالف، أو للتفكير النظري التجريدي، كلا! وإنما يقدم الإسلام هذه القدوة الطيبة ليحول الناس أخلاقها إلى منهج حياة، وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس. فالرسول ﵊ كان آية من آيات الله، وعجيبة من عجائب الكون، ومعجزة من معجزاته، جمع الله في شخصه شخصيات كثيرة؛ فهو رسول من عند الله، يتلقى الوحي من السماء؛ ليربط الأرض بالسماء بأعظم رباط وأشرف صلة. وهو رجل سياسة من الطراز الأول، يقيم دولة من فتات متناثر، فإذا هي بناء لا يطاوله على الإطلاق بناء. وهو رجل حرب، وكأنه لا يجيد إلا فن النزال والقتال، كان يضع الخطط والبرامج، ويكون في مقدمة الصفوف، وإذا حمي الوطيس واشتدت المعركة وخاف الناس؛ وقف الحبيب في المقدمة ينادي بأعلى صوته إذا صمتت الألسنة الطويلة، وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب، وقف الحبيب يعلن بأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ﵊. وهو رجل إنساني من طراز فريد، امتلأت نفسه من هموم الناس وآلامهم، فأعطاهم -بالرغم من كل هذه المسئوليات- من وقته ومن عطفه ومن حنانه ومن خلقه، بل ومن ماله، وكأنه رجل إنساني لا يعيش إلا لآلام الناس وآمالهم. وهو زوج وأب ورب أسرة كبيرة تحتاج كثيراً من النفقات؛ من نفقات الوقت، ومن نفقات الفكر، ومن نفقات الشعور، ومن نفقات المسئولية، فضلاً عن نفقات المال؛ فكان الحبيب يقوم بهذا الدور الكبير على أعظم وأتم صورة عرفها التاريخ وشهدتها الأرض. وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك، فهو رجل دعوة، أخذت الدعوة منه وقته وروحه وجهده وعرقه، بل ودمه. هذه القدوة الطيبة وهذا المثل الأعلى، ما أحبه أصحابه، وما تعلقت به قلوب أبنائه وطلابه إلا لأنه ما أمرهم بأمر إلا وكان أول المؤتمرين به، وما نهاهم عن شيء إلا وكان أول المنتهين عنه، وما حد لهم حداً إلا وكان أول الوقافين عند هذا الحد؛ ومن هنا تعلقت به القلوب ﷺ !

стр. 43

أهمية القدوة الحسنة في التربية كيف يتعلق الطالب بأستاذه وهو يرى أستاذه يأمر بأمر ويخالفه؟! كيف يتعلم الولد الصدق وهو يرى أباه يكذب؟! كيف تتعلم البنت الفضيلة وهي ترى أمها مستهترة؟! إن أعظم وسائل التربية هي القدوة، وهي أن يرى الابن والطالب والشاب هذه القدوة العملية تتحرك أمام عينيه وبين يديه. عندما رأى الحسن والحسين رضوان الله عليهما شيخاً كبيراً لا يحسن الوضوء، لم ينتهراه، ولا سخرا منه؛ لأن هؤلاء تربوا في مدرسة النبوة، وتربوا في بستان الأخلاق، وتربوا في حضن المصطفى وكفى! فماذا فعل الحسن والحسين؟ قال الحسين: (هلا أتيت لتحكم بيننا، ولترى من لا يحسن الوضوء؛ فإن الحسن يتهمني أني لا أحسنه، وأنا أقول: بل أنت الذي لا تحسن الوضوء؟! فتوضأ الحسن فأتم وأكمل، وتوضأ الحسين فأتم وأكمل) . فهم الرجل هذا الأسلوب التربوي الفريد بالقدوة الطيبة والمثل الأعلى، فنظر إلى الحسن والحسين وقال: كلاكما على صواب، وأنا المخطئ، فجزاكم الله عني خيراً يا آل بيت رسول الله! فهذه هي القدوة الطيبة، والمثل الأعلى. أعظم وسيلة من وسائل التربية: القدوة، أن يرى الشباب قدوته تتحرك أمام عينيه وبين يديه، وتخيل لو أننا في مصلحة من المصالح الحكومية، ورزق الله هذه المصلحة بقائد تقي نقي مؤمن، فإذا ما استمع إلى أذان الظهر قام من مكتبه على الفور ليجدد وضوءه، ثم نزل إلى مكان قد أعده للصلاة ليصلي؛ فماذا ستكون النتيجة؟ بالله عليكم! إذا كان هذا هو رئيس المصلحة فهل سيتخلف عن الصلاة موظف في هذا المكان؟ الجواب لا يمكن؛ لأن الرجل الأعلى في هذا المكان قام بالقدوة الطيبة؛ ليعلمهم أنه إذا حان وقت الصلاة وجب على الجميع أن يترك كل أعمال الدنيا ليضع أنفه وجبينه في التراب ذلاً لخالقه ورازقه جل وعلا. الرسول ﵊ لما أمر الصحابة بالإنفاق كان أجود بالخير من الريح المرسلة، جاءه رجل يسأله فقال له: (خذ الغنم الذي بين الجبلين، فساق الرجل الغنم كلها، وذهب إلى قومه ليقول: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) . عندما يأتي طالب العلم الصغير فيرى أحد شيوخه يتعامل مع أحد الدعاة بمنتهى التواضع والإجلال والأدب؛ سيتعلم بالقدوة أنه هكذا ينبغي أن يكون التعامل بين أهل العلم وأهل الفضل، وإذا رأى أستاذه وشيخه يجل رجلاً كبيراً ذا لحية بيضاء فسيتعلم بالقدوة كيف يكون الإجلال لأصحاب الشيبة في الإسلام، وهكذا. وأنا والله! أعلم يقيناً أنه لا ينبغي لمثلي أن يتكلم عن القدوة، ولا أقول هذا تواضعاً؛ فإنه لا ينبغي لمثلي على الإطلاق أن يتكلم عن القدوة إلا إذا توافرت فيه شروط الأهلية والعملية، ولكنني أتكلم من منطلق شعوري بالمسئولية لا من منطق شعوري بالأهلية، والقاعدة الأصولية تقول: (من عدم الماء تيمم بالتراب) ، فأسأل الله أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عنا بمنه وكرمه؛ إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أيها الأحبة الكرام! تعمدت أن أطيل بعض الشيء في التربية بالقدوة؛ لأنها أعظم الوسائل في التربية.

стр. 44

التربية بالقصص القرآني ثانياً: التربية بالقصص القرآني والنبوي: أيها الحبيب الكريم! إن للقصص القرآني والنبوي وظيفة تربوية بليغة، لا يمكن أن يقوم مكانها أي لون آخر من الأداء اللغوي. وذلك لما للقصص القرآني والنبوي من ميزات نفسية تخاطب أعماق الفطرة، وتحرك الوجدان، وتهز الشعور، مع الحفاظ على كل ملامح الواقعية في كل جزئيات القصة من أولها إلى آخرها. فالقصص القرآني والنبوي يقدم ملامح الواقعية في القصة في كل أشكالها وصورها وجزئياتها، بل في كل شخصياتها، بل في كل كلماتها، بل في كل حروفها، ولم يتخل القصص القرآني والنبوي بالرغم من هذا عن طابعه النظيف الطاهر في موقف واحد، ولم ينشئ القصص القرآن والنبوي ذلك المستنقع الكريه الآثم، ولم يثر الغرائز الكامنة، والشهوات الهاجعة كلا! لو قرأت أي قصة من قصص القرآن أو من قصص النبي ﵌ لوجدت منها كل ملامح الواقعية، بخلاف كتاب القصة الواقعية المعاصرة؛ فإنهم يقولون: من أجل أن يبقى الكاتب واقعياً فإنه يعزف على وتر الجنس، وعلى وتر الدم، وعلى وتر العنف، وعلى وتر الدعارة، وعلى وتر ابتزاز غرائز القراء؛ بحجة الواقعية في القصة، وبحجة الكمال الفني في الأداء. والذين يشاهدون التلفاز يعرفون هذا الكلام، فالكتاب المعاصرون يعزفون على هذه الأوتار بحجة الواقعية، يعني: لابد أن تكون القصة مطابقة للواقع، وعليه فلابد أن يجسد الكاتب هذه الشخصيات، وفي الوقت ذاته يثير الغرائز الهاجعة والشهوات الكامنة، وينشئ هذا المستنقع الآثم من الوحل والرذيلة والعفونة والعار. والله! لا أنسى أبداً وأنا طالب في الكلية حين دخل عليّ شاب من الإسكندرية، وكنت حينئذٍ أصلي بالإخوة إماماً، وكان مقرراً علينا قصة لـ نجيب محفوظ، فدخل عليّ هذا الشاب وهو يبكي، فقلت: ما الذي يبكيك؟ فقال: جلست الليلة لأقرأ ما قرر علينا في هذه القصة، فلم أتمالك نفسي فعصيت الله جل وعلا، وأنزلت شهوتي بيدي! فقلت: سبحان الله! ولمَ؟ قال: ألم تقرأ القصة؟ قلت: لا. ما قرأتها بعد، وما دام أنها مقررة علينا مددت يدي إلى الكتاب وفتحت على الباب الذي كان يقرؤه أخونا، فوالله الذي لا إله غيره! لقد قرأت كلاماً يحول النساك العباد إلى فساق فجار. فماذا تريد من شاب تجسد له الفاحشة تجسيداً دقيقاً، بتصوير دقيق رهيب، وهو شاب له نفس بشرية فيها الإقبال والإحجام، وفيها الطاعة والمعصية، وفيها الفجور والتقوى، وفيها الإيمان والكفر؟! قال : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧-١٠] ! فرجل في سن الشباب يرى فتاة جامعية جميلة تجلس إلى جواره، بل وتلصق فخذها بفخذه، ويقرأ هذا الكلام، ماذا تنتظرون منه؟! هل هو ملك مقرب أو نبي مرسل؟ الجواب لا هذا ولا ذاك، والنفس البشرية ضعيفة، كما قال : ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣] أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن رحم، وأي إنسان -يا إخوان- قد يزل، بل لقد زل أصحاب النبي ﷺ . بعض الصحابة وقع في الزنا فجاء إلى النبي ليقيم عليه حد الرجم؛ لأنه كان متزوجاً، وجيء برجل من أصحاب النبي شارباً للخمر؛ فالنفس البشرية فيها الطاعة والمعصية، وفيها الإقبال والإحجام، فكتَّاب القصة الواقعية المعاصرة -بحجة الواقعية، وبحجة الكمال الفني في الأداء- لا يعزفون إلا على وتر الجنس والدعارة والدم وابتزاز غرائز القراء، والحجة المزعومة: الإبداع الفني في القصة الواقعية المعاصرة!! وهذا والله! لا ينطلي إلا على أصحاب العقول القاصرة الضعيفة، فإذا كان هؤلاء يعبرون عن تجاربهم الشخصية بكل ما فيها من شذوذ وانحراف فهم صادقون مع أنفسهم على كل حال، لكن السؤال الخطير الذي يفرض نفسه: ما الداعي لتقديم هذه الأعمال الهابطة، وهذه التجارب الساقطة لشباب الأمة؟ نحن الآن في أمس الحاجة إلى أن نربي الشباب على الرجولة، وعلى البذل، وعلى العمل، وعلى الإنتاج, وعلى العطاء؛ لنوفر لكثير من أبناء الأمة رغيف الخبز! يقدم كتَّاب القصة الواقعية المعاصرة هذا اللون دون مراعاة لعقيدة أو لمنهج أو لخلق أو لفضيلة، بل دون رغبة صادقة في صناعة حياة شريفة هادئة!!

стр. 45

الواقعية في القصص القرآني وبيان ذلك في قصة يوسف يمتاز القصص القرآني والنبوي بأنه يعرض القصة الواقعية بكل صورها، وبكل ملامح حياتها، مع أنه لم يتخل في موقف واحد من مواقف القصة -من البداية إلى النهاية- عن الأسلوب الجميل النظيف الطاهر، وسأضرب لكم مثالاً واحداً بقصة قرآنية واحدة؛ لأدلل على أن القصة القرآنية ما تخلت في موقف من مواقفها، بل في كلمة من كلماتها، عن الأسلوب النظيف الطاهر الذي يهدف في النهاية إلى تربية القلب والعقل والروح والبدن إنها قصة يوسف. وبالمناسبة فقصة يوسف هي القصة الوحيدة في القرآن الكريم كله التي وردت بكمالها وطولها في سورة واحدة؛ لأن القصص القرآن حتى وإن ورد في سور أخرى بكاملها فإنه يأتي مجملاً، ويأتي مختصراً، ولكن القصة الوحيدة التي وردت بالتفصيل في سورة واحدة هي قصة يوسف، فهي القصة الوحيدة التي تتجسد فيها كل ملامح الواقعية في كل شخصية، وفي كل موقف، بل وفي كل كلمة. وقد عرضت القصة الصورة الشخصية الرئيسية وهي: شخصية يوسف ﵇، وبلغة الكتَّاب المعاصرين هو البطل، فعرضت القصة الشخصية الرئيسية بكل واقعية من أول لحظة إلى آخر لحظة، ابتداءً بفتنة الإلقاء في غيابة الجب، قال : ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:١١-١٢] . وفي الأخير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥] . ومروراً بفتنة البيع بثمن بخس: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] . ومروراً بفتنة التربية في بيت الملك: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] . ومروراً بأعصف فتنة مرت بهذا البطل ذي الشخصية الطاهرة الكريمة، إنها فتنة الشهوة، وفتنة اجتماع النسوة عليه، وكانت الفتنة في أول الأمر تتمثل في امرأة واحدة، ثم بعد ذلك تضخمت الفتنة فاجتمعت عليه نسوة، فالتجأ إلى الله وقال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٣-٣٤] . ومروراً بفتنة السجن: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف:٣٥-٣٦] إلى آخره. ومروراً بفتنة الملك والوزارة مرة أخرى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٤-٥٥] . وبعد ذلك تنهي القصة الحديث عن هذه الشخصية الفذة، وعن هذا العبد الصالح، وكيف نجاه الله من كل هذه الفتن، وكيف نجاه الله من كل هذه المحن، وكيف خرج طاهراً من كل هذه الابتلاءات، وهي تسلط عليه الضوء وهو يضرع إلى الله جل وعلا بهذا الدعاء الخاشع الأواب المنيب: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] . ما تخلت القصة عن طابعها النظيف الطاهر في أي موقف من هذه المواقف أبداً، إنها قمة النظافة قمة الإبداع قمة الجمال التعبيري. وبالإضافة إلى هذه الشخصية الرئيسية هناك شخصية الأب الملهوف، والنبي الموصوف، إنه نبي الله يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قدمته القصة بكل واقعية منذ اللحظة الأولى حينما قال لولده يوسف: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] ، ومروراً بحالة الخوف وهو يقول لبنيه: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف:١٣] . ومروراً بالحالة القاسية وهو يبكي بالليل والنهار ويقول لبنيه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] . ويوصي أبناءه بالرجاء وأن ينطلقوا ليبحثوا عن أخيهم وعن ابنه الذي أحبه من كل قلبه: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] . وانتهاءً بهذا المشهد الكريم الذي تجسد فيه القصة فرحة هذا الأب الكريم حينما يأتي البشير ليلقي قميص يوسف على وجه يعقوب ﵇، فيرد الله إليه بصره: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٦-٩٨] ؛ إنها قمة الواقعية! وجسدت القصة أيضاً صورة شخصية أخرى رئيسية، ألا وهي شخصية امرأة العزيز، بمنتهى الواقعية، ولم تتخل القصة عن الأسلوب الجميل الطاهر النظيف حتى في لحظات التعري النفسي والجسدي، يوم أن تقدمت المرأة وقد تجردت من كل حياء أنثوي، ومن كل كبرياء نفسي، ومن كل مركز اجتماعي؛ لتعلن عن شهوتها الجامحة بكل قوة وبكل جرأة وهي تقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] . وانظر إلى كيد المرأة الرهيب، وكيف فكرت في أن ترد الكيد والتهمة عن نفسها مع حفاظها على أن يبقى حبيبها أمام عينيها وبين يديها، فما أمرت بقتله وإنما أمرت بسجنه؛ ليظل أمام عينيها تراه حينما تريد، قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف:٢٥] فذكرت التهمة وحددت الجزاء: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] بكل واقعية تعرض القصة شخصية هذه المرأة، حتى في اللحظات الأخيرة وهي تعترف في تبتل وخشوع وهي تقول: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥١-٥٣] . وإلى جانب هذه الشخصيات هناك إخوة يوسف، فقد عرضتهم القصة أيضاً بكل واقعية، وعرضت كيف نما الحقد في قلوبهم، وكيف حجبت الكراهية قلوبهم وضمائرهم عن هذه الجريمة البشعة النكراء، وهم يلقون أخاهم في غيابة الجب، بل وهم يقولون في وجهه: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧] ، بل وهم يصرخون بين يديه ويعترفون بأن الله قد أعزه عليهم، وبأن الله قد رفع درجته عليهم ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] ، فيرد عليهم يوسف برحمة وشفقة وحنان: ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] إلى آخر كلماتهم في القصة، ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٧-٩٨] . وإلى جانب هذه الشخصيات هناك شخصية العزيز، وهناك شخصية الملك، بل وهناك البيئة التي جسدتها القصة تجسيداً دقيقاً حتى بملامحها التاريخية، ذلكم هو الإبداع الرباني والقرآني في القصة القرآنية؛ لأنه كلام الحق جل وعلا.

стр. 46

دروس من قصة يوسف وبعد كل ذلك -أيها الأحباب- أقول: إن المربي الناجح -وهذا هو الهدف- هو الذي يعرف كيف يوظف القصة توظيفاً تربوياً؛ فالمربي الناجح هو كالأب في بيته، فإذا كنت تحكي قصة يوسف لابنك فانظر ما هي الدروس التربوية التي يجب عليك أن تقف أمامها لتعزف على وترها، ولتغرس معانيها في قلب ولدك. أيها الأستاذ في جامعتك، وفي فصل مدرستك! احرص على الدروس التربوية التي يجب عليك أن تقف أمامها لتغرسها في قلوب وعقول طلابك وأبنائك إذا ما وقفت يوماً لتقص عليهم قصة قرآنية؛ لأن هذا هو الهدف، والمربي الناجح هو الذي يعرف كيف يوظف القصة القرآنية توظيفاً تربوياً كريماً ليربي عقول وقلوب طلابه وأبنائه، فتدمع عيونهم، وتخشع قلوبهم، وتخضع جوارحهم، ولن يتسع الوقت للوقوف مع كل الدروس التربوية في القصة، وإنما سأقف عند دروس محددة:

стр. 47

الابتلاء سنة كونية الدرس الثالث من الدروس التربوية في قصة يوسف هو الابتلاء: فها هو نبي من أنبياء الله يبتلى بإخوانه، ويبتلى بالرق والعبودية، ويبتلى بفتنة الشهوة، ويبتلى بفتنة الملك، ويبتلى بالسجن، قال : ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف:٣٥] . فالابتلاء سنة جارية، ما من نبي ولا رسول على الإطلاق إلا وابتلي أبداً من لدن آدم إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، ونحن من نحن حتى لا نتعرض للمحن ولا نبتلى؟! فهؤلاء رسل الله وأنبياء الله قد تعرضوا للمحن والفتن والابتلاءات، فالابتلاء سنة جارية ثابتة؛ لتمحيص الصف، وتمييز الخبيث من الطيب. أرجو من الشباب أن يفهموا هذا الدرس جيداً، وإياكم وأن تظنوا أن الابتلاء لأهل الحق إنما هو غضب من الله على أهل الحق، فهل غضب الله على حبيبه المصطفى؟! كلا! فليس أحد أغير على الحق وأهله من الملك، ولكن الابتلاء هو كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢-٣] ، وقال جل وعلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] . فالابتلاء سنة جارية؛ لتمحيص الصف، وتمييز الخبيث من الطيب، فأرجو من أحبابي وإخواني إذا ابتلي الواحد منهم أن يصبر على الابتلاء. نسأل الله جل وعلا أن يستر ذنوبنا، اللهم استر ذنوبنا، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارزقنا الإخلاص والصدق في أقوالنا وأعمالنا، أنت ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 48

وحدة العقيدة ثانياً: وحدة العقيدة: وهذا من أعظم الدروس التربوية في قصة يوسف، فما من نبي ولا رسول إلا وقد أرسل بعقيدة واحدة، وكل الأنبياء والمرسلين عقيدتهم واحدة. والدليل من القصة قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩-٤٠] ، فهذه هي عقيدة يوسف، وعقيدة إبراهيم، وعقيدة نوح، وعقيدة موسى، وعقيدة عيسى، وعقيدة يعقوب، وعقيدة سليمان، وعقيدة لوط، وعقيدة محمد، فهي عقيدة واحدة، قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] . أيها الأحباب الكرام! والله إن الله لا يقبل إلا الإسلام، فليس عند الله يهودية، ولا نصرانية، ولا إبراهيمية، ولا موسوية، ولكن الديانة عند الله هي الإسلام، قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] . فالإسلام دين نوح، قال الله حكاية عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢] . والإسلام دين إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧-١٢٨] . والإسلام دين يعقوب، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣] . والإسلام دين لوط، ودين يوسف، ودين عيسى، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢] . والإسلام دين سليمان، قال تعالى: ﴿اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل:٢٨] فقالت ملكة سبأ حينما أرادت أن تدخل في دين هذا النبي: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤] . والإسلام دين مؤمني الجن، قال تعالى عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن:١٤] . والإسلام دين سيد النبيين محمد ﷺ ، فقد خاطبه ربه جل وعلا بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فالإسلام دين الله جل وعلا. عقيدة التوحيد هي عقيدة كل نبي ورسول بعثه الله جل وعلا لقومه، فما من نبي ولا رسول إلا ودعا قومه أول ما دعاهم إلى التوحيد، وكل الأنبياء دعوا أقوامهم إلى الإيمان بالله وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له. فعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام كانت الكلمات الأولى له وهو الصبي الصغير الذي ما زال في لفافته أن قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٠-٣٦] ، فاعبدوه أي: وحدوه كما قال ابن عباس، والعبادة هي الخالصة بكل صورها وأشكالها الظاهرة والباطنة. فوحدة العقيدة درس عظيم ينبغي أن نقف أمامه طويلاً؛ ويتجلى ذلك في قولة يوسف ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف:٣٩-٤٠] ، فهذه الآلهة والأرباب والأنداد والطواغيت إنما هي آلهة باطلة مكذوبة مدعاة، والذي يستحق العبادة إنما هو الإله الحق ﷻ .

стр. 49

تسلية النبي ﷺ أول درس من الدروس التربوية في قصة يوسف: أن القصة كاملة إنما هي تسلية لقلب المصطفى ﵊، لأن سورة يوسف مكية، نزلت على قلب رسول الله وهو في مكة لتثبت فؤاده ﷺ ، وكأن الله جل وعلا أراد أن يقول للمشركين في مكة: إن الله هو الذي نجى يوسف ﵇ من غيابة الجب، ونجاه من الأسر، ومن العبودية والرق، ورباه في بيت الملك، ونجاه من الشهوات والفتن في بيت العزيز، ومكنه من الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، حيث جعله وزيراً للاقتصاد في مصر، ثم رد الله عليه أهله بعد ذلك وجمع شمله بهم، إن الله الذي فعل ذلك قادر على أن ينجي محمداً وأصحابه، وسوف يخرجهم من بين أظهركم، وسوف يعيده مرة أخرى إلى بلدكم ظاهراً ظافراً منتصراً. وقد خرج النبي ﷺ من مكة مطروداً من بيته ومن ماله ومن أهله، وفي سنوات قليلة جداً عاد النبي ﵊ إلى مكة مرة أخرى في أكثر من عشرة آلاف موحد؛ ليفتح مكة، وليرتقي بلال على سطح الكعبة، بلال ذلك العبد الأسود الذي أغاظ الكفار والمشركين حتى قال أحدهم: ألم يجد محمداً إلا هذا الغراب الأسود ليرتقي على سطح الكعبة؟ يعود النبي ﵊ في هذه الجموع الموحدة ليأمر بلالاً أن يرتقي على سطح الكعبة؛ ليعلن -ولأول- مرة كلمة التوحيد وكلمة التكبير: الله أكبر، ويعلن الوحدانية لله: أشهد أن لا إله إلا الله، ويعلن النبوة لمحمد بن عبد الله: أشهد أن محمداً رسول الله؛ لتبكي حجارة الكعبة فرحاً وطرباً، بعدما طهرها الحبيب من الشرك، وكان يشير بعود في يده إلى هذه الأصنام التي قبعت على سطح الكعبة وفي جدرانها، وكلما أشار النبي بهذا العود إلى صنم من هذه الأصنام التي كانت تعبد بالأمس القريب يخر هذا الصنم على وجهه، ويتلو الحبيب قول ربه: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] . من كان يصدق هذا؟ لقد كان رسول الله وحده في مكة يقول: لا إله إلا الله، ولم يجد أحداً ينصره، ولقد خرج على قدميه المتعبتين الداميتين -بأبي هو وأمي- إلى الطائف، ومشى النبي ﷺ سبعين كيلو يا إخوان -أي: مائة وأربعين كيلو ذهاباً وإياباً- مشى على رجليه، لم يركب سيارة مكيفة ولا طائرة، بل ولا حتى دابة، خرج الحبيب على قدميه وذهب إلى الطائف، والله! ما يريد مالاً، ووالله! ما يريد جاهاً، ووالله! ما يريد منصباً، ووالله! ما يريد كرسياً زائلاً، وإنما أراد أن ينتشلهم من أوحال الكفر والشرك إلى أنوار التوحيد والإيمان. فماذا فعلوا به وهو حبيب الله وهو رسول الله وهو خليل الله وهو الذي كان يحمل في قلبه نور الله، وهو الذي ذهب إليهم يحمل لهم سعادة الدنيا والآخرة؟ رموه بالحجارة، وسلطوا عليه الصبيان والسفهاء، حتى نزف الدم الشريف منه، وأنزل الله إليه ملك الجبال في عودته -والحديث في البخاري - وقال له ملك الجبال: يا رسول الله! لقد أرسلني الله إليك فمرني بما شئت، لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت. ووالله! لو كان رسول الله ممن ينتقم لذاته، وممن ينتقم لقطرات دم نزفت منه، وممن ينتقم لمكانته، وممن ينتقم لشخصيته؛ لأمر ملك الجبال أن يحطم تلك الرءوس، وأن يهدهد تلك الجماجم؛ لتسيل الدماء من الطائف فيراها أهل مكة بمكة، ولكنه نهر الرحمة وينبوع الحنان، إنه الرحمة المهداة والنعمة المسداة، الذي ما خرج إليهم إلا وهو يعلم يقيناً أن هذه الأصلاب تحمل ربيعاً قادماً، وتحمل أملاً يشرق كالفجر، ويتحرك كالنسيم؛ ولذا قال الحبيب ﵌: (لا، إنما أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله . واليوم أرى كثيراً من أحبابنا وإخواننا الدعاة قد يثأر لذاته، وقد يثأر لشخصه، وقد يغضب إذا ما تكلم أحد الطلاب أو أحد الدعاة في حقه، يأتي من منطلق أنه يريد أن يبين الحق فيثأر لذاته، وينتقم لشخصه من مدخل شيطاني لا يشعر به. وأذكر نفسي وإياكم أيها الدعاة! وأيها الشباب! أنه يجب علينا أن نجعل أنفسنا وذواتنا في الوحل والتراب والطين نصرة لمنهج رب العالمين، فإذا كنت ممن يريد الحق فبين الحق دون تجريح، وإذا كنت ممن يريد الله ورسوله والدار الآخرة فما الداعي لأن تجرح أخاك، إذا كنت ممن يريد الله ورسوله والدار الآخرة فاحفظ لسانك وبين الحق دون أن تتعرض لتجريح أحد، أما إن كنت ممن يثأر لنفسه، وممن يثأر لذاته، وممن يثأر لشخصه، فقل ما شئت، واجرح من شئت، وعدِّل من شئت، وغداً سنقف بين يدي الله جل وعلا؛ وسنندم على كل كلمة تلفظت بها الألسنة، وعلى كل حركة أدتها الجوارح ولم تكن لمرضاة الله، ولا في مرضاة الله، مصداقاً لقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، ومصداقاً لقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] . رسول الله لم يثأر لذاته قط، ولم يثأر لنفسه قط، وما غضب لنفسه أبداً كما قال أنس، ولكن كان إذا انتهكت حرمة من حرمات الله غضب غضباً شديداً، كما في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، وجاء أسامة بن زيد ﵁ الحب ابن الحب ليشفع فيها، ولكن لم يكن هناك محسوبية، ولم يكن في المجتمع النبوي الكريم الطاهر مجاملة لأحد على حساب المنهج أبداً. ولما سمع النبي من أسامة ذلك غضب، وقام على المنبر وقال: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! والذي نفس محمد بيده! -وفي لفظ- وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ، وبين أن السبب الرئيسي من أسباب هلاك الأمم الماضية أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فالشريف يبرأ لأن له الواسطة وله المحسوبية، لكن المظلوم الفقير لا يبرأ لأنه لا واسطة له، وهذا سبب من أسباب هلاك الأمم والدول، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إذاً: الدرس الأول من الدروس التربوية هو: أن القصة بكاملها تسلية وتثبيت لقلب النبي ﵊، وللقلة المؤمنة التي آمنت به واتبعته، وأن لله قادر على أن ينصرهم ويعزيهم، وقد تحقق وعد الله، فأعز الله النبي والصحابة، وعادوا بعد سنوات -لا تساوي في حساب الزمن شيئاً- فاتحين لمكة منتصرين موحدين لله رب العالمين.

стр. 50

التربية لماذا؟! [٦] إن الناظر في أحوال المسلمين اليوم يرى انحرافاً كبيراً عن منهج الله تعالى، فعلى الدعاة والمربين أن يعملوا جادين في تصحيح مسار المسلمين، وتقويم اعوجاجهم، وإن من أهم الأمور التي يجب استخدامها في ذلك: تربية المسلمين على القصص القرآني والنبوي؛ لما فيها من تأثير قوي يدخل إلى أعماق القلوب محدثاً تأثيراً قوياً فيها، ومن ذلك قصة: الأعمى والأقرع والأبرص، فإن فيها من العبر والدروس الشيء الكثير، ففيها: أن الدنيا دار ابتلاء، وأن كفر النعم سبب لزوالها، وأن الإنفاق وشكر النعم سبب لبقائها.

стр. 51

الأسباب التي دعت إلى طرح موضوع سلسلة التربية بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وتعالى أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير. أعلم جيداً أيها الأحبة أننا الآن نمر بأزمة عارمة في جميع بيوتنا، ألا وهي أزمة (بعبع) الثانوية العامة التي تؤثر على الآباء والأمهات قبل الأبناء، وكم تمنيت أن تتوقف اللقاءات كلها حتى ينتهي أحبابنا وإخواننا الطلاب من أداء الاختبارات، فاسمحوا لي أن أقدم المحاضرة ولا أريد أن أشق على أحبابنا وإخواننا من الآباء والأمهات الحاضرين أو على إخواننا القليلين الحاضرين من الطلاب. وبداية أضرع إلى الله جل وعلا أن يذلل لهم الصعاب، وأن ييسر لهم الأسباب، وأن يفتح لهم الأبواب، وأن يذكرهم في الاختبارات ما نسوا، وأن يعلمهم ما جهلوا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة في الله! هذا هو لقاؤنا السادس مع سلسلتنا المنهجية بعنوان: التربية لماذا؟ وفي عجالة أذكر أحبابي وإخواني بما ذكرناه في اللقاءات الماضية. قلت: إن الأسباب التي دعتني لطرح هذا الموضوع هي: أولاً: الصحوة، فإن الصحوة الإسلامية التي لا ينكرها إلا جاحد، هذه الصحوة من أجل أن تكون صحوة بناءة راشدة فإنها في أمس الحاجة إلى منهج تربوي، لا أقول: إلى منهج نظري، فإننا لا نعدم الآن المنهج النظري، بل إن رفوف المكتبات تكاد تئن من الأحمال الثقيلة من الكتب، وإن عجلة المطبعة تنتج كل يوم الكثير والكثير، ولكننا في أمس الحاجة إلى أن نحول هذا المنهج النظري إلى منهج تربوي واقعي يتحرك بيننا في دنيا الناس. ثانياً: الذوبان في بوتقة المناهج التربوية الغربية الدخيلة، فلما هزمت الأمة راحت تحاكي الحضارة المنتصرة في كل شيء، ولم تفرق الأمة بين الحضارة المادية وبين الحضارة الأخلاقية، فراحت تنقل كل ما عند الغربيين دونما تفرقة، وصدق فيها قول نبينا ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري - (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم أو لتبعتموهم. قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) . ثالثاً: الانفصام بين المنهج المنير والواقع المرير، فإن الأمة قد ابتعدت كثيراً عن المنهج الرباني في جانب العقيدة والعبادة والتشريع والأخلاق والاتباع إلى آخره، ومن ثم وجب أن نطرح هذا الطرح لنحول -جميعاً- هذا المنهج النظري إلى منهج تربوي واقعي يتحرك بيننا في دنيا الناس. ثم تكلمت بعد ذلك عن مصادر التربية، وقلت: كل جديد طيب لا يتناقض مع القرآن والسنة الصحيحة، بل إننا نقر بكل جديد لا يصطدم اصطداماً مباشراً مع عقيدتنا أو منهجنا التربوي.

стр. 52

خصائص المنهج التربوي ثم تحدثت بعد ذلك عن خصائص هذا المنهج التربوي، وركزت الحديث عن الخصائص التالية: أولاً: أعظم خاصية يتميز بها منهجنا التربوي هي: خاصية التكامل والشمول، فإن أي منهج من صنع البشر قد يصلح لزمان ولا يصلح لآخر، وقد يصلح لمكان ولا يصلح لآخر، وقد يصلح لطائفة من الناس ولا يصلح لأخرى، أما منهج الله فهو الصالح لكل زمان ولكل مكان ولكل الخلق؛ لأن واضعه هو خالق الإنسان ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] . الخاصية الثانية من خصائص المنهج التربوي هي: التوازن والاعتدال، فإننا لا نجد منهجاً جمع بين الدنيا والآخرة، وبين الدين والدنيا كما جمع بينهما منهج الله ﵎، ومنهج المصطفى ﵌. أما إن نظرت إلى مناهج الدنيا التي وضعها البشر فإنك سترى منهجاً يركز في الجانب المادي، ويغفل عن الجانب الروحي، أو العكس، أما منهج الله فقد جمع بين التوازن وبين الاعتدال في آن واحد. الخاصية الثالثة التي يتميز بها منهجنا التربوي هي: خاصية التميز والمفاصلة، أعني: قضية الولاء والبراء التي تميعت، وهذا مع حسن ظني، ولا أكون مغالياً إن قلت: التي ضاعت وتلاشت عند كثير من المسلمين إلا من رحم ربك جل وعلا، فأصبحنا نرى من أبنائنا وإخواننا من يوالي أعداء الله ويعادي أولياء الله! وإنا لله وإنا إليه راجعون. فالمنهج التربوي منهج متميز، منهج متفاصل، لا يلتقي فيه الكفر مع الإيمان، ولا يلتقي فيه الحق مع الباطل، وإن المجاملة على حساب المنهج الحق تفرق ولا تجمع، فلابد من التميز، لابد من المفاصلة، بل كانت هذه من أولى الخطوات التي فعلها المصطفى ﷺ ليربي أعظم جيل عرفته الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها -في مجموعه- بلا منازع على الإطلاق، تميز بهذا الرعيل الأول، حيث فاصل به بيئة الكفر وبيئة الشرك التي ترعرع بين تربتها وجدرانها، فلما تميز الرسول ﷺ بمنهجه بفكره بأخلاقه بسلوكه بتصوره الاعتقادي بتصوره الاجتماعي بتصوره الأخلاقي؛ أحس المجتمع الشركي بأن نبتة طيبة ذات رائحة زكية عطرة بدأت تنبت في هذه البيئة، ولن يحس المجتمع بهذا التميز والتفاصل إلا إذا تميز أهل الحق، وفاصلوا كل البيئة الكفرية، وكل أهل الضلال. يجب عليك -أيها المسلم- أن توالي من والى الله ورسوله والمؤمنين، وأن تعادي من عادى الله ورسوله والمؤمنين.

стр. 53

وسائل المنهج التربوي ثم تكلمت بعد ذلك عن وسائل التربية، وقلت: إن أعظم وسيلة من وسائل التربية: هي التربية بالقدوة، ونحن الآن في أمس الحاجة إلى هذا المنهج، وإلى هذه الوسيلة المتجددة، وكما قلت وأكرر عن عمد: كان ينبغي ألا يتحدث عن التربية بالقدوة إلا من توافرت لديه الأهلية علماً وعملاً، ولكن قد يتحدث المرء لا من منطلق شعوره بالأهلية، وإنما من منطلق شعوره بالمسئولية، والقاعدة الأصولية تقول: (من عدم الماء تيمم بالتراب) ويتردد في أذني في كل مرة وأنا أذكر أحبابي بالقدوة كأعظم وسيلة من وسائل التربية قول القائل: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم وهناك يقبل ما تقول ويقتدى بالفعل منك وينفع التعليم فالله أسأل أن يغفر ذنبنا، وأن يستر عيبنا، وأن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص في أقوالنا وأعمالنا. الله جل وعلا علم أنه لن يتحول المنهج التربوي في حياة الناس إلا من خلال قدوة، فإن تقديم المنهج النظري ليس أمراً عسيراً، ولكن هذا المنهج التربوي النظري سيظل حبراً على ورق، ولن يساوي قيمة المداد الذي كتب به ما لم يتحول هذا المنهج التربوي في حياة الأمة إلى واقع، فإن المناهج النظرية تكدست في المكتبات، لكن ما هي النتيجة؟ هل الثمرة التي نقطفها الآن تساوي قيمة الكتب ومقدار المناهج التي قدمت طيلة السنوات الماضية؟ أقول بملء فمي: لا ورب الكعبة. إذاً: لابد أن يتحول هذا المنهج النظري في حياتنا إلى واقع، إننا لا نريد بهذا الطرح التربوي مجرد الثقافة الباردة التي لا تتعامل إلا مع الأذهان، والتي لا تتعامل إلا مع التلذذ والاستمتاع بحسن البيان، وفصاحة الأسلوب، ودقة العبارة، وحسن عنصرة الموضوع، كلا، إننا لا نريد هذا، بل إن العقول قد كلت وملت من هذا، إنما الذي نريده وأنقله بقلبي وروحي ودمي إليكم أن نحول هذا المنهج النظري التربوي في حياتنا إلى واقع. أين أخلاق الإسلام؟ أين الدين؟ إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي أن نشهد للإسلام شهادة واقعية، عملية، أخلاقية، سلوكية، بعدما شهدنا له جميعاً من قبل شهادة قولية. كلنا شهد الإسلام بلسانه، لكن من منا شهد الإسلام بسلوكه؟ من منا شهد الإسلام بأخلاقه؟ من منا قال للدنيا كلها: هذا هو إسلامي وهذا هو ديني. أيها المسلم! قم ودثر العالم كله ببزدتك ذات العبق المحمدي، قم واسق الدنيا كأس الفطرة، لتروى بعد ظمأ، ولتحيا بعد موات، قم وأسمع العالم كله خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا، قم وأظهر للدنيا كلها حقيقة إسلامك في صورة عملية وضّاءة مشرقة تتألق روعة وسمواً وجلالاً، إن عجزت أن تبين للدنيا كلها بلسانك حقيقة الإسلام، فلا تعجز عن ذلك بأفعالك، فإن الإسلام ما انتشر في المرحلة الأولى إلا عن طريق الرعيل الذي حول الإسلام في حياته إلى منهج حياة، وإن العالم اليوم كله يحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين المر الأليم. لقد قرأت لعالم ألماني شهير أعلن إسلامه، وأراد أن يأتي إلى بلاد المسلمين ليملأ عينه بحقيقة الإسلام في صور عملية مشرقة، فحج إلى مكة، ورأى الناس في الحج، ورأى الصراع، ورأى القسوة، ورأى الغلظة، ورأى الفضاضة، ورأى القوي يريد أن يقتحم وينتقم من الضعيف، ورأى المرأة العجوزة الشمطاء تصرخ على الشاب القوي الفتي وتنادي عليه: أعطني شربة ماء فيأبى! وقد جاء ليحج بيت الله الحرام! ولقد رأيت بعيني رأسي في حج العام الماضي شاباً ضعيفاً وطئته الأقدام، وسقط تحت أرجل الفرسان الذين يطوفون حول بيت الله الرحيم الرحمن، وصرخ ولكن من الذي يغيثه؟! ومن الذي ينقذه؟! ومن الذي يمد إليه يد العون؟! فوطئته الأقدام حتى انفجر بطنه، ونجس الصحن بأكمله! هذا الرجل لما رأى هذه الصور المؤلمة لحقيقة المسلمين قال قولته المشهورة: الحمد لله الذي عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين. وهذه حقيقة مرة جداً، ولا ينبغي أن ندفن رءوسنا في الرمال كالنعام وننكرها، فهذا ليس حلاً، وإنما الحل أن نشخص الداء لنستطيع أن نحدد الدواء بدقة، فإن تحديد الدواء يتوقف تماماً على تشخيص الداء، وإلا لو ذهبت إلى طبيب وصرف لك دواءً لا يتفق مع دائك فربما يأتي الضرر. إذاً: التربية بالقدوة من أعظم وسائل التربية، فلا يمكن أن تربي ابنك على الصدق وأنت تكذب أمامه، ولا يمكن أن تتربى البنت على الفضيلة وهي ترى أمها تخون أباها! ولا يمكن أن تتربى الفتاة على الطاعة وهي ترى أمها لا تسمع ولا تطيع أباها، فأعظم وسيلة للتربية هي التربية بالقدوة. مشى الطاووس يوماً باختيال فقلد مشيته بنوه فقال على ما تختالون قالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه ولا أريد أن أطيل في هذا، ووالله لا أمل التكرار والتذكرة بهذه الوسيلة فإنها بلا منازع من أعظم وسائل التربية التي يجب على كل معلم، وعلى كل والد، وعلى كل أم، وعلى كل أخت، وعلى كل من ولّاه الله أمانة التربية أن يحول المنهج التربوي في حياة تلاميذه وطلابه وأبنائه إلى واقع ليتعلم أبناؤه هذا المنهج من خلال القدوة.

стр. 54

أهمية التربية على القصص القرآني والنبوي تكلمت في اللقاءات الماضية عن وسيلة التربية بالقصص القرآني والنبوي، وقلت: إن التربية بالقصص القرآني والنبوي مهمة جداً؛ لأن القصص القرآني والنبوي له أسلوبه الخاص في التربية، عن طريق إثارة الوجدان والمشاعر والترقب والتخوف والمراقبة للقصة من البداية إلى النهاية، والقصص القرآني والنبوي له وظيفة تربوية لا يمكن على الإطلاق أن يحل محلها أي لون من ألوان الأداء اللغوي الآخر أبداً، فالقصة القرآنية لها دور لا يقوم به المثل القرآني، والقصة النبوية لها دور لا تقوم به الموعظة، وكل له دوره. القصة لها دور عظيم في التربية، والمربي الناجح هو الذي يستطيع كيف يوظف القصة القرآنية والنبوية التوظيف التربوي الذي ينفذ من خلاله إلى قلب طلابه وأبنائه؛ ليخرج بعد ذلك بالدروس والعظات والعبر، أما أن يسرد القصة كسرد قصة ألف ليلة وليلة دون أن يقف مع المواعظ والعظات والعبر، وإنما مجرد استمتاع حسي وعقلي وانتهى الموضوع؛ فليست هذه هي الوظيفة التربوية للقصة. القصص القرآني والنبوي له أسلوب فريد، فأول القصة يشد الانتباه، ويحرك الوجدان خوف ترقب انفعال معين بالرضا أو بالسخط، فتعيش مع أحداث القصة وكأنك تراها، فما ظنك إن عشت بقلبك مع كلام الحق ﷻ . القصة القرآنية والنبوية تجسد الواقعية بكل ملامحها، أما كتاب القصة المعاصرون -مع الأسف- فنراهم قد اتجهوا اتجاهاً سيئاً؛ بحجة الكمال الفني للأداء، وبحجة الواقعية الكاملة لأشخاص القصة ومواقف القصة! فتراهم يعزفون على وتر الجنس والدعارة، والعنف والدم، وابتزاز غرائز القراء بأسلوب متدن هابط، ابتداءً من العنوان، وانتهاءً بالمضمون، وفي النهاية يقولون: بحجة الكمال الفني للأداء، وبحجة الواقعية الكاملة للقصة، مع أن القرآن قد ذكر القصة بكل واقعيتها ولم يتدن في جملة، بل ولا في لفظة، بل ولا في حرف، حتى في لحظات التعري الجسدي والنفسي لم ينزل القرآن في كلمة واحدة عن أسلوبه الطاهر النظيف؛ لأنه ابتداءً وانتهاء كلام الله خالق الإنسان. وضربنا مثلاً بقصة يوسف، ففي لحظة التعري الجسدي تجد قمة السمو، قمة الجلاء، قمة الروعة، تقف مع هذه المواقف ومع الشخصيات وكأنها تتحرك أمام عينيك وبين يديك، ومع ذلك لم تتحرك الغرائز الهاجعة، ولم تتحرك الشهوات الكامنة، أسلوب طاهر نظيف نقي، في كل لحظة من لحظات القصة، وفي كل موقف من مواقفها، بل ومع كل شخصية، بل ومع كل كلمة. واكتفيت بقصة يوسف في القرآن، وسأضرب لكم مثالين بقصتين نبويتين، وندلل على دور القصص النبوي، وكيف يقف المربي الناصح الفاهم ليأخذ الدروس التربوية من القصة النبوية، فيعلم أبناءه وأتباعه وتلاميذه.

стр. 55

قصة الأبرص والأقرع والأعمى القصة الأولى: قصة جميلة وردت في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ ذكر للصحابة قصة حدثت في بني إسرائيل فقال: (إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، أراد الله أن يبتليهم؛ فأرسل إليهم ملكاً، فأتى الملك الأبرص -أبرص يعني: مريض بمرض البرص- فقال له الملك: أي شيء أحب إليك؟ قال له: أحب شيء إليّ لون حسن، وجلد حسن، وأن يذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس -يعني: يذهب هذا البلاء عني- فمسحه -أي: الملك- فأعطي لوناً حسناً، وجلداً حسناً -الملك مسح لكن الذي أعطى هو الله جل وعلا- ثم قال له الملك: أي شيء من المال أحب إليك؟ قال: الإبل، فأعطاه الملك ناقة عشراء، وقال له: بارك الله لك فيها، ثم انصرف. ثم أتى الملك الأقرع وقال له: أي شيء أحب إليك؟ قال له: شعر حسن، ولون حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس، فمسحه -أي: الملك- فأعطي شعراً حسناً، ولوناً حسناً، ثم قال له: أي الأموال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطاه الملك بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها، ثم انصرف. ثم أتى الملك الأعمى وقال له: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري فأبصر الناس، فمسحه الملك فرد الله إليه بصره، قال: أي شيء من المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه الملك شاة والداً، وقال: بارك الله لك فيها. فأنتج هذان، وولد هذا، فأصبح لهذا واد من الإبل، وأصبح لهذا -أي: الثاني- واد من البقر، وأصبح لهذا -أي: الثالث- واد من الغنم -ما شاء الله! الأموال كثرت، وبورك فيها-. فأتى الملك الرجل الأول في صورته التي كان عليها من قبل -يعني: بصورة رجل أبرص مسكين فقير- وقال له: مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال -أي: الأسباب- في سفري، ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال؛ بعيراً أتبلغ به في سفري، قال له: الحقوق كثيرة، فقال له الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت -يعلق الحافظ ابن حجر في الفتح على هذا ويقول: ظاهر النص النبوي: أن الله قد صيره إلى ما كان-. فأتى الملك الرجل الثاني، وقال: مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والشعر الحسن، والمال؛ بقرة واحدة أتبلغ بها في سفري، فقال له كما قال الأول، قال الملك: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. ثم أتى الملك الرجل الثالث وقال: مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، فأسألك بالله الذي رد عليك بصرك وأعطاك المال؛ شاة واحدة أتبلغ بها في سفري، فقال: لقد كنت أعمى فرد الله علي بصري، وكنت فقيراً فأغناني الله، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم في شيء أخذته لله ، فقال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك) . وفي هذه القصة العجيبة دروس تربوية بليغة، ينبغي أن نستخرجها من هذه القصة القصيرة البليغة، وسآخذ أهم الدروس، وسأترك المجال لكل طالب علم نبيه، ولكل أستاذ كريم ووالد حبيب، وأخت فاضلة، أن يستخرجوا ما بقي في القصة من دروس تربوية ناجعة ناجحة.

стр. 56

ما يستفاد من قصة الثلاثة الدرس الأول: هو من أهم الدروس: أن الدنيا دار ابتلاء، وبوتقة اختبار، وهذا درس مهم جداً ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:١-٢] . فإن كثيراً منا الآن يعيش في الدنيا وكأنه يعيش الدار الخالدة الباقية، مع أن الله جل وعلا قد حذرنا تحذيراً متكرراً من الدنيا في أكثر من سورة من سور القرآن. اسمع إلى الله وهو يقول: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٥-٤٦] ، ويقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] ، ويقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] . آيات كثيرة يحذرنا الله فيها من حقيقة الدنيا. وأريد أن أركز على جزئية هامة ألا وهي: أنني أرى كثيراً من الدعاة إذا ما تعرضوا للحديث عن الدنيا عقّدوا الناس في عيشتهم، وترى الرجل الذي من الله عليه بشيء منّ الدنيا يجلس في مثل هذه المحاضرات مكسوف البال، مطأطئ الرأس، وكأنه المقصود بالكلام! يا أخي! الدنيا مزرعة للآخرة، يا أخي! الدنيا مصلى أنبياء الله، ومتجر أولياء الله، فأذكر نفسي وإخواني الشباب من الدعاة الطيبين أن يكونوا متوازنين، تذكر الناس بحقيقة الدنيا، وأنها دار فناء، ودار زوال، وبوتقة ابتلاء، وبوتقة اختبار، وأن الإنسان مبتلى، وإن منَّ الله عليك بالمال فأنت مبتلى، وإن ابتلاك الله بالشدة فأنت مبتلى؛ لكن لابد أن تركز على الجانب الآخر وهو أهمية الدنيا، وأنه ينبغي أن نعمر الدنيا، وأن نتاجر، وأن نصنع، وأن نزرع. إلخ، بل لقد أمرك الحبيب المصطفى لو كانت بيدك فسيلة واستطعت أن تغرسها قبل أن تقوم الساعة فاغرسها، ولا تقل: متى تكبر؟! ومتى تثمر؟! ومن يأكل؟! فهذا ليس إليك، وليس بالضرورة أن تأكل أنت من ثمر يدك، ولكن ازرع واعمل لإخوانك ولأحبابك، والنتائج ليست لك، وليست عليك، إنما هي بيد مسبب الأسباب ﷻ . يا أيها الحبيب الكريم! بين للناس حقيقة الدنيا، وأن الدنيا مزرعة للآخرة، فلو أنك زرعت فيها بنية طيبة أجرت. ومتى تكون الدنيا ملعونة؟ إذا صدتك عن الله، وأبعدتك عن الله، وأخذتك من الآخرة، لكن ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] . أما قولهم: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) فليس حديثاً نبوياً، فإن كثيراً من الناس يظنه حديثاً، وإنما هو من كلام علي بن أبي طالب، فلا مانع من أن نزرع ونصنع ونتاجر، ولكن بشرط: ألا تشغلنا الدنيا عن الآخرة. فإذا سمعت الأذان اقفل المكتب واقفل المحل، واستجب لنداء الحق ﵎، ولنضع الأنوف والجباه في التراب ذلاً لخالقنا ورازقنا ﷻ ، فلابد من توازن، فبعضهم يجلس أمام التلفزيونات ويأذن العصر والمغرب والعشاء والفجر، وهو لا يتحرك! وبالمناسبة كنت مرة في محاضرة في السويس، وكنت أتكلم عن التلفزيون واشدد فيه، فقال لي رجل -قد توفي، أسأل الله أن يغفر لنا وله وأن يرحمه، وأن يسكنه فسيح جناته-: يا شيخ! أنت تتكلم على التلفزيون، فهل يعني هذا أنه ليس عندك تلفزيون؟! قلت له: نعم ليس عندي، والحمد لله. قال: هل هذا ممكن؟! قلت له: والله ليس عندي، قال: والله حرام عليك! المهم أن بعض الناس يقضون الليل كله، ومنهم -ولا أقول: كلهم- من لا يقوم لصلاة الفجر، مع أنه قد قضى الليل كله في اللهو والمعصية، ما شاء الله! أقام الليل كله مع كأس المرارة والخمر، لكن هل يستطيع أن يقوم في الليل لله ساعة أو ساعتين؟! الشيطان يثقل عليه النوم. فيا أيها الحبيب الكريم! الدنيا مزرعة الآخرة، وهي محط ابتلاء وبوتقة اختبار، فاعرف حقيقتها حتى لا تغتر بها، كان علي بن أبي طالب إذا جاءته الدنيا يقول لها: (غري غيري، غري غيري) ، وهل هذا يعني أن أبيت الليل والنهار في المسجد، وأترك التجارة، وأعتكف وأعتزل المجتمع؟ لا، بل هو الفارس الذي وقف في ساحة الميدان والبطولة والشرف يوم خرست الألسنة، وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب، وقف علي بن أبي طالب يدافع عن دين الله جل وعلا. كان هناك توازن واعتدال حتى عند سيد الرجال الحبيب المصطفى ﷺ ، ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أنه جاء ثلاثة رهط يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها، فقال الأول: أما أنا. إلى آخره، فلما أخبر النبي ﷺ قال: (أما أنا فأصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، وفي نفس الحديث قال: (أما إني والله لأخشاكم وأتقاكم لله فالمهارة كيف توازن بين الدنيا وبين الآخرة، إياك وأن تأخذك الدنيا فتشغلك عن الآخرة، وتنسى حق الله ﵎، وتنسى أن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر. ثانياً: من الدروس البليغة التي يجب أن نقف أمامها في هذه القصة النبوية المباركة: أن كفران النعم سبب لزوالها، فقد جاء السائل إلى الأبرص وقال له: (مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، بعيراً أتبلغ به في سفري، قال: الحقوق كثيرة، قال: والله لكأني أعرفك! ألم تكن أبرص يشمئز الناس منك وينصرف الناس عنك؟ قال: كلا بل ورثت هذا المال كابراً عن كابر) فالإنسان قد ينسى أصله، وينسى فقره وضعفه وعجزه، من أنت أيها الإنسان؟! أنت ابن التراب، ومأكول التراب غداً، اقصر فإنك مأكول. روى أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي بسند حسن (أن الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصق يوماً على كفه، ووضع أصبعه عليها وقال الحبيب: قال الله تعالى: يا بن آدم! أنى تعجزني وقد خلقت من مثل هذه؟!) ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥-٦] وهو المني ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٧-٨] فأصلك من التراب، وفصلك من النطفة، أصلك يوطأ بالأقدام، وفصلك تطهر منه الأبدان! ولا يمكن أن نقف مع كل حكمة من حكم التشريع، وإنما الإسلام استسلام وإذعان لأمر الله جل وعلا وأمر حبيبه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو وقفنا مع حكم التشريعات والتكليفات لطالت بنا الوقفة، لماذا فرض الله علينا الظهر أربعاً ولم يفرضها خمساً أو عشراً؟ إلى آخره، فيجب عليك أن تذعن وأن تستسلم لأمر الله، فإن الإسلام استسلام وإذعان لأمر الله وأمر حبيبه المصطفى ﵌. فلا نريد كلام من يقول: إنما شرعت الصلاة لأنها رياضة، وهي مفيدة للعمود الفقري. إلخ، ولكن لا مانع أن نستأنس بمثل هذا، لكن لا نستدل به، ففرق بين الاستدلال والاستئناس. مر أحد السلف على رجل يلبس جبة من الخز -أي: من الحرير- وهو يتبختر فيها، فاقترب منه الرجل الصالح وقال: يا أخي! هذه مشية يبغضها الله ورسوله، قال: ألا تعرف من أنا؟ قال له: أعرفك والله! فأولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بينهما تحمل العذرة. ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦-٨] ، فإذا منّ الله عليك بمنصب فتواضع لله، وإذا أكرمك بكرسي فتواضع لله، والله العظيم لو دام الكرسي لغيرك ما وصل إليك! أين الظالمون وأين التابعون لهم في الغي بل أين فرعون وهامان أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجاء منه ذو السلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان فلا تبقى إلا السمعة الطيبة والكلمة الطيبة، فيقولون: فلان ﵀ رحمة واسعة، فيسر لييسر الله عليك، (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) ، (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) والله العظيم! لما أقف مع هذا الحديث يكاد شعر رأسي أن يقف! أفرج عن أخي مسلم كربة من كرب الدنيا، مثلاً: جاء رجل يريد مائة جنيه أو خمسين جنيه، أو جاء يريد مصلحة فاقضها له، فرج عنه الكربة البسيطة ليفرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة، أعلمت كرب يوم القيامة؟! كربة الميزان كربة الصراط كرب

стр. 57

النظر في أحوال أهل البلاء يجلب الشكر قمت بزيارة لمستشفى الأمراض العقلية في حلوان، وعملت محاضرة في المعادي، وحضرها جمع كبير قرابة خمسين ألفاً، فطلب الإخوة المنظمون للمحاضرة أن نستغل هذا الجمع المبارك لنجمع قليلاً من المال لصالح مرضى الأمراض العقلية في مستشفى الأمراض العقلية، فقلت: والله فكرة طيبة، وتكلمت وجمع الإخوة مبلغاً كبيراً جداً، بل وأسجل لكم الآن أني والله -لا أقولها مبالغة- ما رأيت أطيب ولا أنقى من أهل مصر في الغالب، فرأيت مشهداً يثلج الصدور، فبفضل الله جمع الإخوة مبلغاً طيباً، والأعجب منه أنني رأيت مع الإخوة منديلاً كبيراً ملأه الأخوات ذهباً، التي خلعت العقد، والتي خلعت الأسورة، والتي خلعت الخاتم، والتي خلعت الحلق من الأذن، وجاءنا منديل مليء بالذهب بفضل الله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أهل مصر طيبون؛ لأن الذي دفع هو في أمس الحاجة إلى ما دفع، وهنا العظمة، أن تنفق من سعة ومن عطاء فهذا خير لكن أن تنفق من قلة ومن ضيق هذه عظمة، هذه العظمة بأسرها وبعينها، حتى وإن كان المبلغ قليلاً بالنسبة لما يدفع من مبالغ كبيرة طائلة من أماكن أخرى، والمثل الشعبي عندنا يقول: (ما بتهونش إلا على الفقير) ، وهذا في الغالب إلا من رحم الله من الأغنياء. ثم ذهبت مع الإخوة لزيارة عنابر المستشفى، والله -يا إخواني- حينما دخلت أول عنبر للأخوات بكيت بكاءً مريراً وكأني لم أبك من قبل، ولم أستطع أن أكمل معهم الزيارة، وقلت: من أراد أن يتعرف على فضل الله عليه وعلى نعم الله عليه فليأت إلى هذا المكان ليسجد لربه حمداً وشكراً أن منَّ عليه بنعمة العقل بعد نعمة التوحيد والإيمان. والله العظيم إن نعمة العقل نعمة عظيمة، من منا فكر فيها؟! أنا أقول عن نفسي: والله ما فكرت في هذه النعمة إلا بعدما رأيت أولئك الذين سلبوها، والله ما أحسست بها إلا يومها، ومن يومها وأنا أسأل الله جل وعلا أن يثبت علينا نعمة العقل بعد نعمة التوحيد والإيمان، منَّ الله عليك بلسان ذاكر، وبقلب شاكر، وبجسد على البلاء صابر، وبجسد تتحرك به ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] . كان بعض السلف إذا دخل الخلاء على قدميه وقضى حاجته، خرج حامداً شاكراً لمولاه، ووضع يده على بطنه ورفع رأسه إلى السماء وقال: يا لها من نعمة منسية غفل عنها كثير من الناس! فإن من الناس من لا يقضي حاجته إلا عن طريق زوجته، أو عن طريق أمه، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أسأل الله أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، إنها مسألة في غاية الحرج، حتى مع أقرب الناس إليه مع زوجته يحس بحرج شديد؛ لأنها هي التي تساعده على هذه المسألة، أما أنا وأنت فإننا ندخل ونخرج، ومن منا فكر في هذه النعمة العظيمة؟! إنها نعمة منسية غفل عنها كثير من الناس. خرج ملك من الملوك في رحلة صيد، ونفد عليه الماء؛ فطلب من خادمه ابن السماك ماء بارداً، فأحضر له خادمه ابن السماك كوباً من الماء البارد، وقبل أن يشرب قال ابن السماك لسيده: أستحلفك بالله يا سيدي! لو منع منك هذا الكوب فبكم تشتريه الآن؟ قال: بنصف ملكي. قال: أستحلفك بالله! لو حبس فيك فبكم تشتري إخراجه؟ قال: بملكي كله. فبكى ابن السماك وقال: اشرب هنأك الله، وأف لملك لا يساوي شربة ماء! اعرف فضل الله عليك، تذكر نعم الله عليك، ولا تستغلها في معصية الله، إن منّ الله عليك بالنعم فتواضع لربك، واخفض جناح الذل لخلق الله؛ ليحفظ الله عليك النعمة، واحمد الله واشكره على هذه النعمة ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] . الآن نسأل كثيراً من أهالينا وأحبابنا عن معيشتهم، ويكون البيت مليئاً بالخيرات، والثلاجة تبرد الطعام والشراب، والمروحة شغالة، والتلفزيون قابع على الصدور في وسط الصالة؛ فيجيب الواحد منهم قائلاً: هي عيشة والسلام، والله الحال غم. نعوذ بالله! احمدوا الله، كانوا في الزمان الماضي يقولون: ما أحد يموت من الجوع، أما في هذا الزمان فهناك الآلاف يموتون من الجوع، كما حدث في الصومال والبوسنة وكشمير والفلبين وطاجاكستان وتركستان، أما أنت فإنك تأكل وتشرب وتعيش آمناً، فهذه نعمة عظيمة، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] فكفر النعمة سبب من أسباب زوالها، فإذا كفرت بالنعمة وأنكرت فضل الله عليك فاعلم بأن هذا سبب خطير من أسباب زوال النعم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 58

قصة صاحب الجنتين وعاقبة كفران النعم كلكم قرأ قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، فقد كانت لرجل حديقة مزهرة مثمرة، ودخل هذه الحديقة متكبراً بنعمة الله عليه قال الله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [الكهف:٣٢-٣٥] أي: حديقته وبستانه، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٥-٣٦] قال له صاحبه: ويحك! اصبر لا تتكبر ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾ [الكهف:٣٧-٤٢] ما الذي حصل؟ صارت خاوية على عروشها بلمح البصر، انظر سرعة الأحداث كيف حصلت! والتعبير القرآني يتناسب مع هذه السرعة المذهلة في أحداث القصة، تأتي هذه النتيجة الفجائية بدون مقدمات: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٢] . وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦-٣٠] . وفي حديث بسر بن جحاش: (بصق النبي ﷺ يوماً على كفه وقال: قال الله تعالى: يا بن آدم! أنى تعجزني وقد خلقت من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟) قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩-١٠٠] وهذه الكلمة لا يجيبها الله، ولا وزن لها عند الله؛ لأنها كلمة خرجت من كاذب يعلم الله كذبه، ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] . فكفر النعم سبب من أسباب زوال النعم، قال ابن القيم ﵀: الشكر هو الحافظ والجالب، هو الحافظ للنعم الحالية، والجالب للنعم المستقبلية بأمر الله جل وعلا، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] .

стр. 59

الإنفاق في سبيل الله من أعظم القربات الدرس الثالث من دروس قصة الثلاثة: أن من أعظم القربات إنفاق الأموال ابتغاء مرضاة رب الأرض والسماوات، فالإنفاق قربة عظيمة، ولكن الشح والبخل فرخ وباض في قلوب كثير من الناس إلا من رحم ربك جل وعلا، الشح والبخل سبب من أسباب الكذب، البخيل يكذب خوفاً على المال، الشحيح يكذب خوفاً على المال، فما من منفق أنفق إلا ودعا له الملك قائلاً: (اللهم أعط منفقاً خلفاً) . الحقيقة -يا إخوان- إذا أراد الواحد أن يتكلم عن مشاكل الإنفاق، ويريد أن يستشهد ببعض النماذج لأصحاب المصطفى ﵊ يقف عيياً أمام هؤلاء الأطهار الأبرار الأخيار، ما الفرق بيننا وبينهم؟ كانوا إذا دعوا للإنفاق ساهموا وسارعوا، فما بالنا إذا دعينا اثاقلنا إلى الأرض؟! فالواحد منا قبل أن يخرج المال ينظر بطرف عينه إلى المال، فإذا وجد الورقة كبيرة أدخلها بسرعة، وذهب يبحث عن الورقة الأقل، أنا مقدر لظروف الناس، والمعيشة التي يعيشها الناس معيشة صعبة جداً، لكن أحدث القادر الذي يستطيع البذل والإنفاق. السلف كانت الدنيا في أيديهم فسهل عليهم العطاء، أما نحن فأصبح المال في قلوبنا فعز علينا العطاء، يقول ابن القيم ﵀ -ملخصاً حياة أبي بكر الصديق ﵁ في كلام قوي، وأختم به المحاضرة، ونكمل إن شاء الله الدروس والقصة النبوية في وقت آخر-: هذا هو أبو بكر الصديق الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له الصديق حب الحب على روض الرضا، واستلقى على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة، ثم تركه هنالك وعلى أغصان شجرة الصدق يغرد للصديق بأغلى وأعلى فنون المدح وهو يتلو في حقه قول ربه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] . وأكتفي بهذا القدر، وأسأل الله لإخواني وأحبابي الطلاب أن يرزقهم التوفيق والصواب والسداد، وأن ييسر لهم كل أمر عسير، وأن يبارك فيهم، وأن يحفظنا وإياهم من الفتن، وأن يدخل على أهليهم وآبائهم وأمهاتهم السعادة والهناء والسرور. وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم جميعاً صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.