Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
صلاح الدين وتجديد الجهاد
صلاح الدين الأيوبي أحد مجددي الإسلام في الجهاد، نذر عمره في خدمته، وقد فتح الله له في جهاده مع النصارى ومع المارقين ممن كانوا يحسبون على الإسلام فتحاً عظيماً.
وهذه المادة تبين قصة هذا القائد منذ ولادته إلى وفاته؛ لتبرز صوراً من حبه للجهاد وزهده وفطنته، وحرصه على تحرير البلاد الإسلامية.
تتخلل هذه المحاضرة قصص لها فوائد، وعظات وعبر نحتاج إلى النظر فيها والتأمل والتفكر.
стр. 2
مراحل الجهاد والتجديد
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين.
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وسيد المجاهدين، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، فكانت سيرته ﷺ بحقٍ نموذجاً فريداً لم يمر بالبشرية مثله أبداً ولن يمر، كان قدوة بعبادته وتقواه وخشيته وتعليمه وجهاده ﷺ ، وتجرد ﵊ في دعوته للناس، فكان مستضعفاً في مكة، وجعل يدعو الناس إلى الإسلام حتى أذن الله له بالهجرة إلى المدينة بعد مرحلة استضعاف طويلة -مكث ثلاث عشرة سنة مستضعفاً- بـ مكة لا يستطيع الجهاد، حتى هاجر إلى المدينة، وأسس ذلك المجتمع المسلم، فأذن الله بالجهاد ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] فصار رسول الله ﷺ يرسل السرايا، ويجهز البعوث، ويقود الجيوش حتى آخر لحظة من حياته.
مات ﷺ جاهداً مجاهداً، وسار من بعده خلفاؤه على هذا النهج في حرب المرتدين، وفي حروب فارس والروم، حتى أذن الله بأن تضعف هذه الأمة مرة أخرى، وأن ترجع ضعيفة بعد قوتها الأولى، ولكن الله رحيم بعباده، فلما جاءت جيوش الصليبيين إلى بلاد الشام كانت أكبر نكسة أصيب بها المسلمون، وأعظم الخطوب خطراً منذ حرب المرتدين.
ثم بعد ذلك جاءت نكسة التتر بعد موجة الصليبيين، ثم بعد ذلك جاء الكفار في العصر الحديث بغزوهم العسكري والفكري، والله لا يترك هذه الأمة بلا رحمة، بل إنه أذن بأن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، ولذلك كان التجديد وأحاديث المجددين من البشائر التي ينبغي على المسلم أن يتمعنها ويتأملها؛ لأنها تبعث في النفس الأمل في أوساط الضعف والهزيمة مثل الأوساط التي يعيشها المسلمون في هذه الأيام، ولكن هذه الأمة كالغيث لا يدرى خيرٌ أوله أم آخره (الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة).
فبعث الله المجددين في كل فرع من فروع الدين، فكان منهم من جدد في جميع الفروع كـ عمر بن عبد العزيز ﵀، وكان منهم من جدد في جوانب الفقه أو التفسير أو الحديث، وكان منهم من جدد في جوانب الجهاد، ولذلك تمر بعض القرون بالأمة الإسلامية ولا يمكن أن يكون المجدد فيها واحداً، بل قد يكون مجموعة من الناس يجدد في وقت واحد؛ هذا يجدد من جهة، وهذا من أخرى، وهذا من ثالثة، حتى يقوم عماد الإسلام مرة أخرى.
كان الوقت الذي غزا فيه النصارى بلاد المسلمين وقتاً عصيباً جداً؛ فإنهم -عليهم لعائن الله- قام فيهم بطرس الناسك يحرضهم على غزو بلاد المسلمين، ويقول: إن أرض المسلمين تنبع لبناً وعسلاً، وأعلن بما يسمى بـ (الحرب المقدسة) حتى اجتمع من جيوش الكفرة من النصارى خلق عظيم غزوا سواحل بلاد الشام، فاحتلوا كثيراً منها، وأمعنوا في المسلمين قتلاً، وفي بلادهم وممتلكاتهم نهباً وسلباً، وقام المسلمون من كل مكان من بلاد الشام يذهبون إلى إخوانهم يستنصرونهم فلا معين ولا ناصر، وكان يشكو مصر في ذلك الوقت الدولة الفاطمية الباطنية الرافضية الكافرة -التي لما قام ملوكها قاموا بقتل علماء السنة في مصر، وجعلوا المساجد والأئمة والخطباء والقضاة منهم من أتباع المذهب الفاطمي، ينتسبون إلى فاطمة وفاطمة منهم بريئة ﵂.
وكان هؤلاء من خياناتهم: أنهم كانوا يتعاونون مع النصارى، وهكذا الباطنيون في كل عصر ومصر يكيدون لـ أهل السنة، ويتعاونون حتى مع الشيطان الرجيم في سبيل القضاء على ملة الإسلام، وما كانوا يقلون خطراً أبداً عن النصارى، بل إن شرهم مستطير، وبلاءهم عظيم، وقد قيَّض الله لأمة الإسلام في هذه الفترة ثلاثة من ملوك المسلمين العظام تتابعوا واحداً بعد واحد: محمود بن زنكي (نور الدين الشهيد) وصلاح الدين الأيوبي رحمهم الله تعالى، وهو الذي سنتحدث عن سيرته في هذه الليلة وعن تجديده في جانب الجهاد، وسنركز على جانب الجهاد أكثر شيء.
صلاح الدين ﵀ بشر يصيب ويخطئ، وقد تكون له زلات، ولكن لا شك كما قال شيخنا عبد العزيز حفظه الله، وقد سألته عن هذا الرجل، وعما قيل فيه سلباً وإيجاباً، قال: لا شك أنه من مجددي الإسلام في الجهاد، وقال: وجهوده في القضاء على الباطنيين والنصارى عظيمة جداً لم يقم بها أحدٌ مثله، في القضاء على هاتين الطائفتين في وقت واحد.
стр. 3
مولد صلاح الدين ونشأته
ولد صلاح الدين رحمه الله تعالى في قلعة تكريت عام [٥٣٢هـ] واسمه: يوسف بن أيوب بن شاذي وهو كردي لا عربي، ولقبه: صلاح الدين.
انتقلت أسرته إلى الموصل، ثم رافق والده الذي عُيِّن حاكماً على بعلبك؛ ودرس صلاح الدين ﵀ فيها أنواعاً من العلوم، وتعلم الصيد والفروسية، ثم لحق بعمه أسد الدين ابن شيركوه في حلب، وأبدى صلاح الدين في دمشق مهارة وقدرة كبيرة، ثم رجع إلى حلب واهتم به نور الدين لملامح الفطنة التي رآها عليه، ثم إن عمه أسد الدين شيركوه قد اصطحبه معه إلى مصر بأوامر من نور الدين ﵀، وكان نور الدين يسعى إلى تحقيق الوحدة الإسلامية بين الشام ومصر لجعل الصليبيين بين شقي الرحا، وكان من أهداف نور الدين ﵀ أن يوحد بلاد المسلمين لحرب النصارى وهو يعلم علماً تاماً أنه لا يمكن أن يحارب المسلمون النصارى وهم متفرقون.
وفي هذا درس عظيم لكل من يرى أن نبدأ بالأعداء الخارجيين قبل الأعداء الداخليين.
стр. 4
صلاح الدين في مصر
أراد نور الدين ﵀ إسقاط الخلافة الباطنية، كما زعموا أنها خلافة، وعينوا لها خلفاء باطنيين في مصر، فأراد نور الدين ضمها إلى نفوذ أهل السنة والجماعة مرة أخرى، واستغل نور الدين خلافاً حصل بين وزيرين من الدولة الفاطمية، فأرسل أسد الدين مع ابن أخيه صلاح الدين في جيش إلى مصر، ثم عاد إليها مرة أخرى في عام (٥٦٢هـ) ومعه ولد أخيه صلاح الدين أيضاً، وحصلت معركة مهمة بين شاور الخائن والصليبيين من جهة، وشاور من الباطنيين في مصر الذي استنجد بالصليبيين، حيث حدثت معركة بينه وبين الصليبيين من جهة، ومع جيش أهل السنة بقيادة أسد الدين شيركوه وصلاح الدين من جهة أخرى، وانتهت المعركة بانتصار أهل السنة بقيادة أسد الدين شيركوه، وخرج أسد الدين من مصر ليعود إليها ويصبح وزيراً للخليفة الفاطمي الذي لم يبق له تقريباً إلا مجرد اسم، وقتل الخائن شاور عام (٥٦٤هـ)، وشاء الله أن يموت أسد الدين شيركوه في عام (٥٦٤هـ) ليتولى بعده صلاح الدين الوزارة، وظن الخليفة الفاطمي أن صغر سن صلاح الدين كم كان عمره ذلك الوقت؟ تولى عام (٥٦٤هـ) وكان عمره في ذلك الوقت [٣٢] سنة، ولكن صلاح الدين خيب ظن ذلك الخليفة الفاطمي الباطني، وقام بإصلاحات كثيرة جداً، منها: إلغاء ضرائب الفاطميين، وبذل الأموال للناس في أوقات الشدة حتى أحبوه، وصدَّ غارات شنها الصليبيون على دمياط عام (٥٥٥هـ] وأسس المدارس، وحصن المدن والموانئ والثغور المصرية، وبنى قلعة المقطم المشهورة، واكتشف خيانة من الفاطميين فتخلص منها، وبدأ بمشروع مهم جداً وهو عزل قضاة مصر الباطنيين الفاطميين وتولية قضاة بدلاً منهم من أهل السنة والجماعة، وألغى (حي على خير العمل) من الأذان التي اخترعها أولئك الباطنيون في مصر ومسجد الأزهر الذي بناه الباطنيون الكفرة الذي يعتقد كثير من المسلمين أن جوهر الصقلي بطل إسلامي، مع أنه زنديق ملحد من هؤلاء الباطنيين، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم، فكان ذلك المسجد منارة لـ أهل السنة في مصر كما طهره صلاح الدين رحمه الله تعالى.
وتمكن صلاح الدين ﵀ بحنكته وحماسه وإخلاصه من إلغاء الخلافة الباطنية الفاطمية في مصر في أول جمعة من محرم عام (٥٦٧هـ) وصار الخطباء في يوم الجمعة يدعون للخليفة العباسي على المنابر، وتوفي آخر خليفة باطني في (العاشر من محرم) من هذه السنة دون أن يعلم بأن دولته قد سقطت؛ لأن صلاح الدين أخفى ذلك عنه، ثم قام الباطنيون بتدبير عدة محاولات لاغتيال هذا القائد المسلم صلاح الدين ﵀ بعد هذه الإصلاحات العديدة، منها: مؤامرة عمارة اليمني وعبد الصمد الكاتب وداعي الدعاة في عام (٥٦٩هـ)، واتصلوا بالإسماعيليين لاغتيال صلاح الدين؛ وكان الإسماعيليون مسرورين بتدبير محاولة الاغتيال، فاتصلوا بهم من مصر واتصلوا بالصليبيين لغزو مصر، وإشعال الفتنة من الداخل، وكان حول صلاح الدين أناس مخلصون يقظون، فكان أحد رجال صلاح الدين داخلاً في بطن هذه المؤامرة ليستكشف أحوالها، فأحبطت قبل أن تنفذ، وصلب زعماءهم، وعرف الصليبيون اكتشاف المؤامرة فرجعوا مدحورين، وجرت معارك في البر والبحر بين صلاح الدين وملك صقلية في أواخر عام (٥٦٩هـ) انتهت بانتصار صلاح الدين.
стр. 5
صلاح الدين بعد نور الدين محمود
وفي عام (٥٦٨هـ) وافت المنية نور الدين محمود ﵀ وتولى ولده بعد ذلك، وقام الطامعون يريدون الاستيلاء على دولة نور الدين محمود الذي كان في بلاد الشام في حلب وفي دمشق، فتمهدت الأمور لـ صلاح الدين لدخول دمشق وضمها إلى مصر ليكمل خطته؛ وهي بلاد الشام، ومحاصرة الصليبيين، وأراد بعض طلاب الدنيا ممن كانوا مع نور الدين الاستعانة بالإسماعيليين في محاولة أخرى لاغتيال صلاح الدين ﵀، وأوشكت المؤامرة على النجاح لولا أن الله قدر انكشافها، ففشلت بعد أن جرح صلاح الدين في تلك المؤامرة.
استطاع صلاح الدين أن يوحد بلاد الشام تحت قيادته، وكان مع ذلك لا يخوض معارك مع بعض الطامعين في الإمارة من المسلمين لاستبقاء الدم الإسلامي -يبقى دم المسلم لحرب النصارى- وحاول الإسماعيليون مرة أخرى قتل صلاح الدين عام (٥٧٠ - ٥٧١هـ) بالاندساس في جيشه حتى وصلوا إلى خيمته، حتى أن أحد هؤلاء الباطنيين وصل إلى خيمة صلاح الدين وفي يده سكينٌ مشفرة، ولكن الله قيض من الحراس من قتله، وأُحبطت اغتيال صلاح الدين وهو يحاصر قلعة أعزاز بـ حلب؛ وهذا دليل على أن الباطنيين المنافقين الذين يزعمون الإسلام، خطرٌ على المسلمين في كل زمان ومكان، ويجب كشفهم والقضاء عليهم، وما ضُرب الإسلام منذ خلافة عثمان بن عفان ﵀ حتى هذه الأيام بمثل ما ضرب من الباطنيين ابتداءً بـ عبد الله بن سبأ وانتهاءً بهم الآن، وهم يدبرون المؤامرات تلو المؤامرات للقضاء على أهل السنة.
قام صلاح الدين ﵀ بتأديبهم، وكان من طرق صلاح الدين في مواجهة بعض الأمراء من المسلمين الطامعين في السلطة أن يقول: من جاءني راضياً سلمت له بلاده على أن يكون من جنودي في جهاد الصليبيين، فكان من الواضح أن الرجل لا يريد الدنيا، ولا يريد الملك لنفسه، وإنما يريد أن يوحد المسلمين لحرب النصارى.
ومع الأسف! فإن بعض الطامعين في الدنيا من المسلمين قاموا بعقد المعاهدات مع النصارى، وبعضهم دفع عشرة آلاف دينار سنوياً للنصارى وسلمهم بعض ثغور المسلمين، وأطلق بعض أسرى النصارى مقابل الاستعانة بالنصارى في حرب صلاح الدين، وهكذا يفعل حب الدنيا الأفاعيل، وعندما لا يكون الولاء والبراء الصحيح متمكناً من قلب المسلم، فإنه يفقد توازنه، فمثل هؤلاء الناس لم يكن الولاء والبراء متحققاً في نفوسهم، فصاروا يوالون الكفار ويعادون المسلمين، والولاء والبراء من أساسيات العقيدة، لا يمكن لمسلم أن يجاهد دون أن يتمكن الولاء والبراء من قلبه، ولا يمكن أن يحقق الإيمان بدون أن يتمكن الولاء والبراء من قلبه.
مكث صلاح الدين الأيوبي تسع سنوات من عام (٥٧٠ - ٥٧٩هـ) من أجل توحيد بلاد المسلمين، حتى ضم مصر والشام وإقليم الجزيرة وأخضع الموصل ليصبح أقوى ملوك الشرق قاطبة.
стр. 6
جهود صلاح الدين في تجديد الجهاد
وأما تجديد صلاح الدين في الجهاد فلم يكن رجلاً يخلط خلط عشواء، وإنما كان ﵀ يعلم عظم المهمة التي انتدب نفسه لأجلها، ويعلم بأن هؤلاء النصارى ليسوا من السهولة أبداً، ولذلك أنت عندما تدقق في إصلاحات صلاح الدين في الجهاد، تعلم علم اليقين أن الرجل كان يعد العدة المكافئة للكفرة، وكان يطبق قول الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠].
ولذلك فإنك لتستغرب أشد الاستغراب من تلك العقلية الفذة التي هيأها الله لترتيب صفوف المسلمين، وتطمئن اطمئناناً فعلياً إلى عناية الله بهذه الأمة، وأنت تتأمل وتتمعن في تخطيط صلاح الدين لإعداد الأمة للجهاد، لم يكن الرجل يعد نفسه وأهل بيته فقط ولا المدن التي كانت حوله فقط، كان يعد الأمة الإسلامية قاطبة لحرب الصليبيين.
وابتدأت المسألة من جوانب الاقتصاد، وإعداد السلاح، والجند والجيوش، والدواوين، والأسلحة، والمؤن، والذخائر، والعتاد، والخطط الحربية، وسنأتي على كل شيء بلمحات تبين عظم تلك العقلية التي قيضها الله .
стр. 7
صلاح الدين وإقطاع الأراضي الزراعية لخدمة الجهاد
جعل صلاح الدين ﵀ الإقطاعات الزراعية لخدمة الجهاد، وكان يقطع الأراضي الزراعية والقرى للقادة الحربيين، على عادة نور الدين ﵀ سابقاً، ولكن مع تطويرات إضافية، وكان يأخذ الإقطاع من كل أمير يهمل في واجباته، وكان صلاح الدين يعطي مثلاً: أرضاً زراعية لهذا القائد العسكري ممن معه فيستفيد منها، لا يتملكها هو ولا يورثها لأولاده، يستفيد منها ومن محاصيلها وخيراتها بشروط مقابل الخدمات الحربية.
فمثلاً: لا بد لهذا الأمير الذي أقطعه صلاح الدين هذه الأراضي أن يقدم العساكر في وقت الحرب، وأن ينفق على عساكره، وأن يعدها، وأن يلحق بالسلطان على رأس فرقته الحربية إذا طلب منه ذلك، وأن يرسل العتاد والسلاح والجند، وكذلك على هذا الأمير الذي أقطع هذا الإقطاع أن يراقب تحركات الأعداء، ويقر الأمن الداخلي في الإقطاع الذي أقطعه إياه، وكان لدى صلاح الدين ﵀ ديوان جيش منظم لضبط الإقطاعات فيه أسماء الجند، ومراتبهم، ورواتبهم، ويصدر هذا الديوان إحصائيات دورية فيها أعداد الجند وقدراتهم، وكان هذا الديوان يصرف على العمائر والتحصينات وبناء الأسوار والقلاع، وكان فيه مسئولون يحاسبون أمراء الإقطاعات على تقصيراتهم، ويرفعون بشأنهم إلى صلاح الدين ﵀.
стр. 8
صلاح الدين وتطوير السلاح والعتاد
وأما بالنسبة لجانب الأسلحة والمؤن والعتاد، فإنه كان ﵀ يحرص على إعداد ما يكافئ المهمة، وقد اهتم بقضية السلاح اهتماماً كبيراً حتى طلب من أحد رجاله أن يؤلف له كتاباً حول الموضوع يشمل أنواع السلاح، وطرق صناعتها، وكذا استخدم الأسلحة التي تناسب الغرض المنشود من الأثقال والأحمال من العدد الواقية، والدروع السابغة، والنصال، والخوذ، والنقود، والمنجنيقات العادية والتركية والإفرنجية، وكان لدى صلاح الدين خبراء بالمنجنيقات، وطور المسلمون سلاحاً مهماً جداً من خلال الحروب الصليبية بفضل الله، ثم بدعم صلاح الدين وهو سلاح النفط؛ وسلاح النفط جمع صلاح الدين من أجله النفاطين والزراقين؛ النفاطين: خبراء في هذا النفط، وطوروا سلاحاً وهو خليط من خلطة من الزيوت، والنورة المطفأة وغير المطفأة، والنفط، والصمغ، والكبريت، والخل، وشحوم الحيوانات، ونخالة الحنطة، وهي تخضع لعمليات شبه كيميائية، لها طرق حتى تصبح هذه الخلطة مثل الألغام المتفجرة تقريباً، وكانت هذه الخلطة ترمى من المنجنيقات بواسطة النشاب وعلى ظهور الخيل، وتوضع في قشر البيض بعد إخراج ما في البيضة، فتوضع الخلطة داخل هذه البيضة ويغلق عليها وترمى من أقواس مخصوصة، كما طوروا أنواعاً من سلاح النفط يسير على الماء دون أن ينطفئ ليصطدم بمراكب العدو، ويحرقها ويغرقها في البحر أشبه بالألغام المائية الموجودة الآن.
وساعد الخليفة العباسي الذي أسدى له صلاح الدين خدمات جليلة بإرسال حمولات من النفط ومعهم جماعة من النفاطين وجماعة من الزراقين -خبراء الرمي- النفاطين: خبراء النفط التركيبة، والزراقين: خبراء الرمي، فكان عندهم هذه الزراقات أنابيب خاصة لرمي هذه المواد الملتهبة.
وكان من الأسلحة التي استخدمها صلاح الدين أيضاً: المثلثات والمسدسات؛ والمثلثات: عبارة عن حديدة لها شوكتان تغرس في الأرض وشوكة على ظاهر الأرض، والمسدسات: ثلاث شوكات في الأرض وثلاثة على سطح الأرض، حتى إذا داستها خيول الأعداء نفرت وأوذيت إيذاءً شديداً، وطاحت في الأرض وطرحت من عليها، وكانت ترمى في الطرق التي من المتوقع أن يسلكها الأعداء.
وطور المسلمون كذلك سلاح الدبابات؛ والدبابة كانت عبارة عن بناء من الخشب تصميم معين، يغلف بقطع من القماش والستائر المبلولة بالخل، والخشب المضادة للنيران، وكانت تسير على عجلات خشبية، وكان يستتر في داخلها الجند، أو تملأ بالمواد الملتهبة لتدفع دفعاً إلى الأسوار لتدمرها، وكانت تحمي من بداخلها.
وكذلك تستخدم هذه الستائر التي صنعها المسلمون لحماية الأبراج والدبابات والسفن والمنجنيقات، هذا بخلاف السيوف والرماح والتروس والدروع والجنديات التي كان يسير بها مجموعة من الجنود تقيهم ما أمامهم، وكان لدى جنود صلاح الدين مطارق خاصة لتهشيم خوذ الأعداء وضربهم على رءوسهم.
стр. 9
مهارة صلاح الدين في تنظيم الجيش واستحداث أساليب جديدة في الحرب
وأما بالنسبة لتنظيم الجيش، فقد كانت مهمة صلاح الدين كبيرة جداً، وبشكل خاص في تنظيم الجيش، فكان لديه أنواع من الجند: منهم: العسكر السلطاني المتفرغون تماماً للجهاد؛ الذين يستخدمهم في الإغارة وصنع الكمائن دائماً.
وكان لديه أيضاً نوع آخر وهم: جند الأمراء الذين يستدعون وقت الحرب فقط ويستريحون بعدها ويذهبون إلى أهاليهم وقت الشتاء، وكان لديه أيضاً صنف ثالث: وهم المتطوعة، والقوات المساعدة من العلماء والصلحاء والقضاة والمتحمسين من المسلمين الذين يهبون كلما استدعاهم صلاح الدين.
وكان لديه من أبناء القبائل من يدله على الدروب والمسالك، وكان يدعم جنده بالعناصر الجيدة التي كان ينتخبها من الأقطار الإسلامية المختلفة ويعمد إلى أمراء الإقطاعات أن ينتخبوا له مجموعة كلما أراد أن يدعم جيشه لمعركة مهمة.
وهؤلاء المتطوعة من بين هذه الأصناف هم أشد الناس بلاءً وأحسنهم قتالاً؛ لأنهم لا يأخذون مرتبات، وليست لهم أموال تدفع للجهاد -ليس لهم رواتب- ولذلك كان منهم: العلماء، والقضاة، وكان لوجودهم أثر كبير في تحميس المسلمين؛ بل إنهم شاركوا في اختراع وسائل جديدة، وابتكار طرق مثلما حدث في معركة حطين عندما أثار بعض المتطوعة وقاموا بإشعال النار في مناطق فيها حشائش كثيرة يابسة استغلوا اتجاه الريح التي كانت تسير باتجاه الصليبيين حتى يجتمع عليهم حر هذه الأعشاب المحترقة مع دخانها مع انقضاض المسلمين عليهم.
وعمد صلاح الدين رحمه الله تعالى إلى تجميع أساليب القتال، فكان عنده نظام تعبئة، ونظام اصطفاف، وتنظيم للجيش في داخل الخيام عندما يخيمون، حتى إذا صاح قام أهل الميمنة إلى أماكنهم، وأهل الميسرة إلى أماكنهم، دون أي لخبطة.
وكان لديه حركات استكشاف، وقوات استطلاع، وعلامات بينه وبين الجنود يعرفون بها وقت الانقضاض وبدء الهجوم، وكان لديه قضاء داخل الجيش لفصل الخصومات عند حدوثها بين بعض المسلمين.
وكان لديه مجلس مشورة خاص وعام يرأسه هو، وكان يفتتحه هو ويأخذ بآراء جنوده، وأحياناً يفضل آراء المستشارين على رأيه الخاص، مع أنه كان يرى أحياناً أن رأيه أصوب تأليفاً لقلوبهم، وتطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] ومن افتتاحياته في مجلس الشورى في شعبان عام (٥٨٥هـ) في حصار عكا قوله: اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا؛ أجلب بخيله ورجله، وأناخ بكلكله كله، وقد برز بالكفر كله إلى الإسلام كله، وجمع حشده، وحشد جمعه، واستنفذ وسعه، وإن لم يعالج الآن فريقه المضل؛ عظم داؤه، وتعذر غداً لقاؤه.
وكان لديه جواسيس كما فعل في كشف خبر ملك الألمان الذي اخترق معسكره بعض جنود صلاح الدين.
وكان ﵀ يستخدم الحمام الهادي في نقل الرسائل كما حصل في حرب عكا.
وكان يستخدم الحرب الخاطفة، والكر والفر، ويرسل المسلمين لحصد غلات الصليبيين؛ الصليبيين كان لديهم مزارع، فكان صلاح الدين يرسل جنوداً لحصد غلات الصليبيين والإتيان بها إلى المسلمين.
ويستخدم أساليب التمويه والخداع؛ فيظهر أنه خارجٌ من جهة ويأتي من جهة أخرى.
وكانت لديه غارات، وتخريب لممتلكات، وكمائن، وشن حرب عصابات كما هجم جماعة من المسلمين أثناء حصار عكا عام (٥٨٥هـ) سوق الخمارات، وسبوا عدداً من النساء الفواجر.
وكان بعض المسلمين يتسللون إلى معسكرات الصليبيين لخطف الجنود.
وكان من سياساته أنه يتفق مع المستأمنين من القادمين من النصارى يطلبون الأمان من صلاح الدين، يقول لهم: في طريقكم أغيروا على سبل النصارى وسلبها بيني وبينكم، فإذا جاءوا بالسلب أعطاهم كلهم، وكان هذا سبب في إسلام شطر منهم.
وكان ﵀ يعرف كيف يستدرج العدو إلى المكان المناسب، وكيف يوفر المواد اللازمة لجنوده كالماء والعشب للدواب، ويراعي درجة حرارة الشمس واتجاه أشعة الشمس، كما حصل في معركة حطين.
وكان يتبع طريقة النوبات في حصار حصون الأعداء، ويهتم بتحصين المناطق، وتسوير المدن التي يخشى عليها من الصليبيين، وتجديد آلات الدفاع، ويهتم بحفر الخنادق، وبناء الأبراج، وعمل الجسور.
وأنشأ دوراً خاصة لصناعة الأسطول الإسلامي في مصر بعد أن أحرقه الكفار، وكان يجلب أخشاب الصنوبر والأرز من لبنان والحديد من جبالها من قرب بيروت، وحصل من إيطاليا عبر اتفاقية عقدها مع الإيطاليين على معاهدات تجارية استطاع أن يأتي من خلالها بأخشاب ومواد يحتاجها لبناء الأسطول الإسلامي، وكان لديه ثمانين سفينة في الأسطول؛ خمسين سفينة لحماية سواحل مصر، وثلاثين سفينة لحرب الصليبيين في بلاد الشام وحماية الحجاج الذين يأتون عن طريق البحر، ويهتم بتقوية أجهزة الدفاع والحراسة الساحلية في سواحل مصر والشام، وجعل في دمياط سلسلة لإعاقة دخول العدو في حالة الطوارئ.
وكان يهتم بوضع الخطط لإدخال المؤن إلى الموانئ والأماكن المحاصرة؛ فمن ذلك: الحصار المفاجئ واستخدام القوة لفتح ثغرة في صفوف العدو مثلما حدث في حصار عكا، أو يدخل المؤن قبل ذلك إلى الأماكن المتوقع حصارها، أو كان يستخدم مهاجمة العدو وإشغاله في طرف حتى يتمكن فريق آخر من إدخال المؤن من الطرف الآخر.
وكان يشن هجوماً برياً لكي يشغل الأعداء عن أسطول المسلمين القادم من مصر بالمؤن والذخائر.
وأعد صلاح الدين في بيروت سفينة كبيرة محملة بالمؤن (٤٠٠) غرارة من القمح والجبن والميرة والبصل والغنم والنفط، واستخدم المسلمون وسيلة عظيمة لإدخال المؤن إلى ميناء عكا المحاصر، وكانت هذه الخطة: أن المسلمين على ظاهر هذه السفينة المحملة بالمؤن قاموا بما يلي: علقوا الصلبان في صدورهم، ولبسوا ملابس الفرنج وتزيوا بزيهم، بل إنهم وضعوا الخنازير فوق السفينة بشكل ظاهر، ودخلوا بهذه السفينة وسط سفن النصارى التي تحاصر عكا، وصاروا يقتربون من مدينة عكا ويعتذرون للنصارى بأن الريح تدفعهم بهذا الاتجاه، والنصارى يظنونهم منهم، حتى دخلت هذه السفينة إلى عكا، ففرج الله بها عن المسلمين تفريجاً كبيراً.
وكان صلاح الدين ﵀ يهتم باستثارة الناس للجهاد؛ فكان يرسل الرسل والكتب إلى الخليفة العباسي ويطلعه على سير الفتوحات كما حدث في معركة حطين، وأرسل رسالة إلى البلاد التي لم تكن خاضعة للخلافة العباسية يستنجد بهم، كالتركمان في الشرق، ودولة الموحدين في الغرب، كما استعان بخطباء المساجد بالدعاء لجيشه بالنصر، وحث الناس على الجهاد.
وكان حريصاً على شن المعارك يوم الجمعة في التوقيت التي تقام صلاة الجمعة؛ تبركاً بدعوة الخطباء على المنابر.
وكان يستعين بالقضاة والفقهاء لتأليب الناس على الجهاد، وفي ساحات المعارك، وفي المدن التي كان يفتحها.
وكان يسير بين صفوف الجيش بنفسه يحثهم على الجهاد، وينادي: يا للإسلام، كما حدث في حصار عكا، وكان من ضمن فقرات الرسالة التي أرسلها إلى ملك المغرب المسلم من الموحدين يقول له: لا ترضى أن يعين الكفر الكفر، ولا يعين الإسلام الإسلام.
يقول له: هؤلاء الكفار يعينون بعضهم، أنت لا ترضى بذلك، ألا ترضى أن يعين المسلمون المسلمين؟!! هذه نبذة عن التجهيزات التي قام بها صلاح الدين لمحاربة النصارى، ومنها نعلم أن صلاح الدين ﵀ ما قام على الحماس الفارغ أبداً، ولا دخل في المعارك دون أن يعد العدة، ولا ألقى بأبناء المسلمين غنيمة سهلة للكفار أبداً، رجل يعرف حجم المهمة، بل إنه لم يبدأ بحرب النصارى حرباً جدية إلا بعد أن وحد بلاد المسلمين؛ وصلاح الدين يعلم تماماً أنه بدون توحيد المسلمين لا يتمكن من حرب النصارى، بل إنه تعلَّم درساً من معركة هزم فيها أمام النصارى قبل أن يستكمل توحيد بلاد المسلمين، تعلم من ذلك أنه لا بد من استكمال عملية التوحيد؛ وهذا درس عظيم ينبغي أن يهتم به المسلمون في هذا الزمان، وبالذات طائفة الشباب المتحمسين الذين يظنون أن المهم هو إلقاء النفس إلى العدو فقط، وأن الله ينصر المسلمين بأي شيء، ولا يتمعنون في قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] ليعلم أولئك المتحمسون أن النصر لا يأتي بهذه السهولة، وأن أخذ العدة العسكرية والمعنوية بعد تهيئة الناس عموماً للجهاد، تريد أن تجاهد بنفر من المتحمسين للجهاد الذين تتوق أنفسهم للجنة، وهناك أعداد كبيرة جداً من المسلمين ركنوا إلى الدنيا ولم يعبأ الناس للجهاد، كيف ستقوم بهذه المهمة؟! ولذلك فإننا مع تحرقنا للجهاد في سبيل الله، وتشوقنا لجنة عرضها السماوات والأرض إن شاء الله، وتوطيننا العزم لهذا اليوم الموعود، فإننا أبداً لا يمكن أن ننساق وراء الحماس الفارغ دون إعداد العدة وتجهيز الأمة، ولا بد من التربية الواعية، ولا بد من قيام المصلحين، والعلماء، والدعاة، والخطباء، والمدرسين كلٌ في مكانه، وكلٌ في ثغرته، بشحذ همم الأمة وإعدادها للجهاد، وليس فقط الإعداد الحماسي بالخطب والكتب والتآليف والكلمات الرنانة، بل بإعداد العدة العسكرية حقيقة لأجل الوصول إلى هذا الهدف، وليس المهم أن يحدث طفرة في مكان واحد من الأمكنة فقط! كلا.
وإنني أقول بهذه المناسبة أيها الإخوة: إن الله إذا علم من المسلمين صدقاً وإخلاصاً، فإنه يوفقهم وينصرهم.
وكم كانت رءوس المسلمين مطأطئةً فما رفعت إلا بعد الجهاد الأفغاني، الجهاد هو الذي يحيي في الأمة الروح ويبعثها بعثاً جديداً، الجهاد هو الذي يوقظ الطاقات
стр. 10
مواقف من جهاد صلاح الدين (قصة أرناط)
وإنه من المناسب هنا أن نستعرض بعض المواقف التي حصلت لـ صلاح الدين، وإلا فإن سياق جهاد أهل الردة الصليبيين أمرٌ متعسر الآن في هذه العجالة.
ولا يمكننا أن نسير على مخططه، وغزواته كلها وجهاده، والأماكن التي بدأ منها، والحصون التي اقتحمها، والمدن التي استولى عليها، والمعارك التي انتصر فيها والتي حصل فيها شيء من الهزيمة للمسلمين؛ هذا أمر يصعب.
ولكن نتأمل في قصة أرناط أحد ملوك النصارى، هذا الرجل صليبي حاقد، ولص، ولا يوجد بين ملوك النصارى من هو أشد منه نقضاً للعهود والمواثيق، هذا الرجل أسر في زمن نور الدين محمود وبيع في حلب، وذهب مرةً أخرى إلى النصارى ليكون قائداً من قوادهم، وهذا الرجل النصراني أرناط حدث أن جيشاً لـ صلاح الدين هزم قبل الرملة من قبل أرناط بعد أن حرر نفسه من المسلمين وذهب، وحصل أن هذا الرجل تزوج من ملكة للنصارى على حصن يسمى الكرك في الطريق بين مصر والشام، وصار يضيء منه على حجاج المسلمين لدرجة أن القاضي الفاضل أفتى في تلك الأيام أن الحج ليس بواجب على أهل تلك البقعة الذين لا يمرون إلا من هذا الطريق لعدم أمنهم، ووصفه بعض علماء المسلمين بأنه أغدر الفرنجة وأخبثهم وأنقضهم للمواثيق وأنكثهم وأحنثهم، وانتهك عام (٥٧٧هـ) هدنة معقودة بين المسلمين والصليبيين، وجمع جيشه وسار إلى تيماء، ثم حدثته نفسه بالمسير إلى مدينة الرسول ﷺ ليستولي عليها، ويضرب المسلمين في أعز ما يملكون، وأقدس المناطق التي يكنون لها في أنفسهم قدراً عظيماً.
ولكن أمير دمشق من قبل صلاح الدين الأيوبي أغار على حصن الكرك وكبَّد النصارى خسائر كبيرة، مما اضطر أرناط العدول عن خطته والعودة وعدم غزو المدينة.
وفي عام (٥٧٨هـ) شرع أرناط في بناء سفن نقلها مفككة على ظهور الجمال إلى ساحل البحر الأحمر، وركبها وشحنها بالمزاد، ولم يكن للصليبيين وجود في البحر الأحمر قبل هذا، وباغت المسلمين في ديارهم على حين غفلة؛ فقتل، ونهب، وسلب، وأسر، ثم توجه إلى أرض الحجاز وسار باتجاه المدينة المنورة مرة أخرى حتى وصل إلى رابغ، حتى لم يكن بينه وبين المدينة إلا مسيرة ليلة واحدة، فعند ذلك أمر صلاح الدين أميره على مصر وواليه عليها الملك العادل إلى إعداد أسطول قوي في البحر الأحمر وتجهيزه بقيادة الأمير حسام الدين لؤلؤ من المسلمين الذي تتبع الصليبيين في البحر الأحمر، وضرب أول الميناء أيلة التي احتلوها، ثم جعل يتتبع سفن الصليبيين واحدة واحدة حتى بلغ رابغ، وقد قتل معظمهم وأغرق سفنهم، وكان موسم الحج قريباً، فأرسل حسام الدين لؤلؤ القائد المسلم أسيرين من الصليبيين إلى منى حتى نحرهما هناك في يوم العاشر من ذي الحجة كما تنحر البدن؛ وهذا انتقاماً لإرهاب الكفرة، وأما الباقي فطيف بهم باستعراض في شوارع القاهرة والإسكندرية، وأمر صلاح الدين بقتلهم في مصر أمام الناس حتى لا تسول لأحد نفسه بغزو الحجاز مرة أخرى.
واستطاع أرناط من الهرب والعودة إلى حصن الكرك، وبعد عدة هجمات على حصنه هادن صلاح الدين، إلا أنه عاد مرة أخرى، وغدر، وخان، ونقض العهد، وهجم على قافلة من المسلمين؛ فغدر بهم، وأخذ أموالهم، وقتل من قتل، وأسر من أسر، فذكَّره بعض المسلمين بالمعاهدة التي بينه وبين صلاح الدين، فقال أرناط الصليبي الحاقد: (قولوا لمحمدكم يخلصكم) فأرسل إليه صلاح الدين يذكره بما حصل فلم يتذكر.
هذا الرجل كان لـ صلاح الدين موقف تَظهر فيه عزة الإسلام، وهكذا ينبغي أن تكون مواقف المسلمين أمام الكفرة؛ مواقف عزة لا مواقف ذله، هذا الموقف كان بعد معركة حطين مباشرة.
أما معركة حطين وهي لا بد من الإشارة إليها في هذا المقام؛ لأنها من أشهر الحوادث إن لم تكن أشهرها هي وفتح بيت المقدس: استطاع صلاح الدين بحنكته ودهائه استغلال فرصة خلاف بين الصليبيين ليميل مع جانب ضد الآخر، وأمر أهل حلب بعقد معاهدة مع البيزنطيين، فضمن عدم وصول إنجازات منهم للنصارى، ثم جمع قواته من مصر ودمشق وحلب والجزيرة والموصل وسار إلى قرب بحيرة طبرية، وعسكر على سفح جبل طبرية المشرف على سهل حطين، وكان صلاح الدين قبل ذلك قد عمل تعبئة ليتأكد أن المسلمين سيقدمون إليه إذا استنفرهم، واجتمع الصليبيون في تلك الموقعة وكانوا قد هزموا في صفورية، واستطاع صلاح الدين رحمه الله تعالى أن يستدرجهم إلى المكان الذي يريده في سهل جبل طبرية الغربي، وكان جملة من معه اثنا عشر ألفاً غير المتطوعين مع صلاح الدين، وجمع الصليبيون جنودهم فكانت قريبة من خمسين ألفاً، والتقى صلاح الدين ﵀ ومن معه من المسلمين في صباح يوم الجمعة (٢٤/ ربيع الآخر/ ٥٨٣هـ) وابتدأ القتال، وفصل بين الجيشين الليل، ثم عادوا في النهار للاشتباك مرة أخرى وصلاح الدين يطوقهم شيئاً فشيئاً ويطوف بين الصفوف يحرضهم على الجهاد، واستمات المسلمون في القتال وأدركوا أن من ورائهم نهر الأردن، ومن أمامهم الروم، وأنه لا ينجيهم إلا الله تعالى، واشتدت المعركة، ونحن لا نسرد هنا تفاصيلها، ولكن حصلت فيها كثير من البطولات، واستخدم صلاح الدين ومن معه من المسلمين الأسلحة وبالذات أسلحة النفط، حتى منح الله المسلمين أكتاف المشركين فقتل منهم في تلك المعركة ثلاثون ألفاً، وأسر كثير منهم، وكان من ضمن القتلى والأسرى أعظم ملوك النصارى وحكامهم وأمرائهم في تلك الديار، وكان يوماً ميموناً مباركاً، ولما انتهت الوقعة أمر صلاح الدين ﵀ المسلمين بضرب المخيم العظيم؛ وجعل فيه سريره، وعن يمينه أسرة مثلها، وأوتي بملوك النصارى في قيودهم يتهادون بذلة مطأطئي الرءوس، وكان من بين المأسورين أرناط -الذي تقدمت قصته- فقد ساقه الله إلى صلاح الدين في هذه المعركة، وصلاح الدين ﵀ كان يبتهل إلى الله طيلة القتال، حتى إنه لما قرب النصر للمسلمين قام المسلمون وندبوا ليقولون: هزمناهم، قال: اصبروا حتى تسقط تلك الخيمة لم نهزمهم بعد، وكانت خيمة ملك النصارى لازالت باقية، فلما سقطت خيمة ملك النصارى سجد صلاح الدين ﵀ شكراً لله تعالى وبكى من الفرح.
وكان من ملوك النصارى الذين مثلوا أمام صلاح الدين الملك جايك وأرناط وهنكري بن الهنكري وابن صاحب طبرية وجرار مقدم الداويه، وغيرهم من أكابر الصليبيين، فأجلس صلاح الدين ملوك النصارى بجانبه، وبدأ بالملك جايك فأعطاه إناءً مملوءاً بالماء البارد ليشرب، فهذا الرجل لما انتهى من الشرب أعطى أرناط ليشرب، فغضب صلاح الدين، وقال: لم أقل لك أن تسقيه؛ لأنه لا يشرب عندي! إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقيه! هذا لا عهد له عندي!! ثم إن السلطان صلاح الدين تحول إلى خيمة داخل الخيمة واستدعى أرناط، فلما أوقِفَ بين يديه قام إليه بالسيف، ودعاه للإسلام فامتنع، ثم قال له: أنت الذي غدرت وخنت وفعلت وفعلت، فكان يقول: هذه عادة الملوك، ثم قال له صلاح الدين ﵀ القولة الذهبية المشهورة: نعم أنا أنيب عن رسول الله ﷺ ، أنت قلت للمسلمين: هاتوا محمداً يخلصكم، أنا أنوب عن رسول الله ﷺ اليوم فأخلص المسلمين من شرك، ثم ضربه بسيفه على عاتقه وتتابع من حضر من المسلمين على أرناط، فقتل هذا الطاغية ذليلاً بين المسلمين، وكانت تلك فرحة عظيمة للمسلمين.
стр. 11
دخول صلاح الدين بيت المقدس
كانت معركة حطين تمهيداً لدخول صلاح الدين ﵀ إلى بيت المقدس، لأن هذه الهزيمة المنكرة مهدت الطريق، ولكن صلاح الدين بحنكته لم يدخل بيت المقدس مباشرة، إنما ذهب لإكمال فتح البلدان الساحلية حتى يمنع أي قادم عبر البحر لتعزيز الصليبيين من النصارى، ويقطع الطريق حتى تحاصر بيت المقدس تماماً، ثم اتجه بعد ذلك إلى بيت المقدس وقد اجتمع في بيت المقدس من النصارى خلق عظيم من الذين هربوا من معركة حطين ومن غيرها؛ وفيهم النساء والأطفال والجنود والأسلحة واستغل النصارى الفرصة، فعززوا الأسوار والحمايات، وحاصرها صلاح الدين ﵀ حصاراً عظيماً حتى خرب السور وهمَّ الجنود المسلمون بالدخول، فخرج قائد النصارى يلتمس الصلح من صلاح الدين؛ وصلاح الدين، يقول: لا أصالحكم حتى أفعل بكم مثلما فعلتم بالمسلمين عندما دخلتموها، حتى أن ملك النصارى جاء إلى صلاح الدين مرةً أخرى ليقول له: أيها السلطان! اعلم أننا في هذه المدينة خلق كثير؛ وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة، فإذا رأينا أنه لا بد منه؛ فوالله لنقتلن أبناءنا ونساءنا ولنحرقن أموالنا وأمتعتنا ولا نترككم تغنمون منها شيئاً، ولنخرب الصخرة والمسجد الأقصى، ثم نقتل من عندنا من أسارى المسلمين في مدينة القدس، فاستشار صلاح الدين أصحابه، فأشاروا عليه بالصلح الذي يكون من نتيجته تسليم المدينة، وأن تكون شروط الصلح هي نفسها شروط فتح المدن عنوةً؛ لأن صلاح الدين كان قد أقسم أن يفتح هذه المدينة عنوةً، وعند ذلك صالحهم صلاح الدين مقابل فداء يدفعونه، فجعل على الرجل عشرة دنانير يستوي فيها الغني والفقير، وعلى المرأة خمسة دنانير، وقيل: إنه جعل للطفل ديناراً واحداً، وأخليت المدينة لـ صلاح الدين رحمه الله تعالى فدخلها، وخرج النصارى بالفدية منها وسلموها لـ صلاح الدين ﵀.
стр. 12
أول خطبة جمعة في بيت المقدس
ولما كان يوم الجمعة التالية لجمعة الفتح؛ لأنه دخلها يوم جمعة، لكنهم صلوا ظهراً ولم يتمكنوا من صلاة الجمعة، حضر المسلمون الحرم الشريف فغص بالزحام، وتسامع الناس من سائر الأطراف بفتح بيت المقدس، وتوافدوا من كل صقع وفج ليحظوا بمشاهدة هذا الفتح العظيم، فاجتمع من أهل الإسلام عدد لا يقع لهم إحصاء، وامتلأت ساحات المسجد بالخلائق، واستعبرت العيون من شدة الفرح، وخشعت الأصوات، ووجلت القلوب، وأخذ الناس من ذلك الموقف أُهبته، وعرض أناس يخطبوا والسلطان ساكت لم يعين خطيباً، حتى إذا حان وقت الخطبة قدم محيي الدين بن زكي الدين القاضي، فقام فخطب على المنبر في هذا الحشد العظيم خطبة بديعة جداً، استهلها بقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] ثم تلا الآيات التي في بدايتها الحمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٢ - ٤].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:١].
الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدَّر الأيام دولاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه، ونصره لأنصاره، وتطهيره بيت المقدس من أدناس الشرك وأوباره، لم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله دافع الشرك وداحض الإثم، الذي أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرج به إلى السماوات العلا إلى سدرة المنتهى، صلى الله عليه وعلى خليفته أبي بكر إلى آخره.
ثم قال: أيها الناس! أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا؛ لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريباً من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله فيه أن يرفع اسمه إلى أن قال: وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموت إلا عليه، ولولا أنكم ممن اختاركم الله من عباده واصطفاهم من سكان بلاده لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجارٍ، فجزاكم الله عن محمدٍ نبيه أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منا ومنكم ما تقربتم به إليه من إهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء.
ثم قال لهم: فاقدروا رحمكم الله هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله بواجب شكرها.
ثم قال: أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه ونص عليه في خطابه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]؟! أليس هو البيت الذي عظمته الملوك وأثنت عليه الرسل، وتليت فيه الكتب الأربعة من إلهكم ؟! أليس هو البيت الذي أمسك الله فيه الشمس على يوشع قبل أن تهرب ليفتح عليه؟!! أليس هو البيت الذي أمر الله موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه منهم إلا رجلان ورفض الباقون؟! فاحمدوا الله الذي أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وفضلكم على العالمين.
إلى آخر الخطاب المشهور، الذي أمرهم فيه وحرضهم على حفظ النعمة ومواصلة الجهاد، وكانت خطبة عظيمة بكى الناس فيها في ذلك المكان، وضج المسجد على كبره بالبكاء، وشكر الناس الله على هذا الفتح العظيم، وأرسل صلاح الدين الرسل والكتب والبشائر إلى أنحاء العالم الإسلامي، وصدر كتابه إلى الخليفة العباسي بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور:٥٥].
стр. 13
صلاح الدين وجهوده في إصلاحات بيت المقدس
عمد صلاح الدين ﵀ إلى بيت المقدس فعمل فيه إصلاحات كثيرة، فمثلاً: كان النصارى قد أدخلوا بعض المسجد الأقصى في أبنيتهم، وبنوا على وجه المحراب داراً، وجعلوا المحراب مخزناً، واتخذوه مستراحاً، كما بنوا على الصحن كنيسة، وستروها بالأبنية، وملئوها بالصور، ونصبوا عليها مذبحاً، وعملوا مكاناً للرهبان، وأقاموا على رأس قبة الصخرة صليباً كبيراً، ولما دخل صلاح الدين أزال كل ما عمل الصليبيون في هذا المكان من الأمور المستحدثة، وكسرت الصلبان، وحولت الكنائس إلى مساجد، وجعل بيوت عظماء النصارى استراحات ومضافات لفقراء المسلمين، ولما تسلق بعض المسلمين إلى أعلى القبة واقتلعوا الصليب الذي سقط متكسراً، صاح الناس كلهم المسلمون والمشركون النصارى؛ فأما المسلمون فصاحوا فرحاً، وأما النصارى فصاحوا توجعاً وتألماً، ثم بدأ بعمارة المسجد الأقصى وتحسينه وتوسيعه، وخص المحراب باهتمام زائد عكس ما فعل به أولئك النصارى، وأتى بمنبر كان نور الدين محمود صنعه في حلب له كان يتمنى أن يخطب عليه في بيت المقدس أتى به صلاح الدين وجعله في بيت المقدس ليخطب عليه، وكذلك حصَّن هذه المدينة مرة أخرى حتى لا تعود إلى الكفرة ولم تعد إليهم إلا بعد أن دخلتها هذه الشرذمة من اليهود.
стр. 14
روعة أخلاق القائد صلاح الدين
لا بد أن نقول أيها الإخوة: إن صلاح الدين ﵀ كان يتمتع بأخلاقيات عالية جداً، فكم عفا عن أناس! وكم أعطى! وكم ترك أناساً يخرجون ولم ينتقم منهم كما فعلوا هم بالمسلمين من قبل! حتى أن بعض المستشرقين اضطروا إلى الاعتراف بمنة صلاح الدين في الكتب التي ألفت حديثاً، والمقارنة بين معاملة صلاح الدين ومعاملة غيره.
ومن القصص المشهورة التي تروى عن صلاح الدين في رحمته: أن بعض المسلمين لما دخلوا خيام العدو ليسرقوا رجالاً بعضهم سرق طفلاً رضيعاً له ثلاثة أشهر وأتوا به إلى خيمة السلطان، ثم ذهبوا به وباعوه، ولما فقدته أمه وهي في معسكر النصارى باتت مستغيثة بالويل والثبور طيلة تلك الليلة حتى وصل خبرها إلى ملوك النصارى؛ فأشفقوا عليها، وقالوا: اذهبي إلى صلاح الدين إنه رحيم القلب، قد أذنا لكِ بالخروج فاطلبيه منه فإنه يرده عليك، كيف عرفوا إلا من خلال معايشتهم لهذا القائد المظفر رحمه الله تعالى! وفعلاً فهذا ما حصل؛ ذهبت المرأة إلى صلاح الدين وأتى بترجمان يترجم بينها وبينه، فلما عرف وبكت أمامه بكاءً شديداً، وعرف قصتها رق لها ودمعت عينه، وأمر بإحضار الرضيع فوجدوه قد بيع، فاشتراه صلاح الدين من ماله ودفعه إليها، فبكت بكاءً وضمته إلى صدرها والناس ينظرون ويبكون، ثم حملت على فرس وألحقت بعسكرها هي وطفلها.
стр. 15
آخر محاولات النصارى لغزو بلاد الإسلام
وحصل بعد ذلك أن صلاح الدين أكمل الفتوحات، ولكن جاءت حملة صليبية ثالثة عظيمة جداً؛ أعظم من الجنود والجيش الذي أتى به النصارى من قبل، وكان عليها ملوك فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، والبابا في ذلك الوقت عمد إلى حيلة ووسيلة خبيثة لتحريض النصارى برسمين: الأولى: رسمة تبين قبر المسيح الذي يزعمونه في كنيسة القيامة في بيت المقدس، صور القبر وصور عليه فرساً عليه فارس مسلم راكب وقد وطئ قبر المسيح، والفرس يبول فوق القبر؛ ومن ثم طيف بها على بلدان النصارى.
ثانياً: رسمت رسمة أخرى يصور فيها عيسى ﵇ كذبوا طبعاً- وجعلوه مع صورة أعرابي يضربه، وقد جرحه أو قتله، ومبين في هذه الصورة أن الأعرابي هو محمد ﷺ .
فطيف بهذه الصور وبغيرها من الدعايات حتى استجمعت جيوش عظيمة للكفار، كان تعداد الجيش الألماني فقط ثلاثمائة ألف، ولكن الله بمنه وفضله جعل شرهم مقتصراً فقط في عكا، ولم يأخذوا عكا من المسلمين إلا بجهد جهيد، وهزموا بعد ذلك هزائم متوالية انتهت بعقد صلح الرملة الذي كان قبل وفاة صلاح الدين بوقتٍ قليل، ولم يأخذوا من بلاد المسلمين إلا هذه المنطقة ومناطق أخرى صغيرة جداً، حتى جاء بعد ذلك الملك الظاهر ﵀ فأخرجهم من آخر معاقلهم من عكا وطهرت بلاد المسلمين من النصارى بالكلية.
стр. 16
اهتمام صلاح الدين بالجهاد والعلماء والجيش
كان صلاح الدين ﵀ رجلاً مغرماً بالجهاد، ومتوقداً حماساً للجهاد في سبيل الله، كان إذا أراد أحد أعوانه أن يتقرب إليه يتكلم إليه في أمور الجهاد، ومحاسن الجهاد، وفضائل الجهاد، وأمر صلاح الدين الكتاب والعلماء بتأليف كتب عن الجهاد، وفضائل الجهاد، كما ألف له العماد الأصفهاني والقاضي الفاضل وبهاء الدين بن شداد، ومن تعلقه أنه قال للقاضي ابن شداد وهو يسير معه في إحدى الغزوات: متى يسَّر الله فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت، وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم، أتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت.
بهذه النية الصالحة تم لهذا الرجل استرداد بلاد المسلمين.
وهذا الرجل كان يشارك في الجهاد بنفسه، لم يكن يجلس في غرفة القيادة مغلقاً عليه الباب ويوجه.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: لعله وجبت له الجنة في رباطه في هذين العامين؛ لأنه حصل له مرض، صار فيه دمامل في جسده يتدمل إذا جلس على الفرس، ومع ذلك جلس عليه وتحمل يصابر الألم طيلة ليلتين، وكان يقول: إذا ركبت الفرس زال عني ألم الدمامل.
وكان رحمه الله تعالى أيضاً يجدد سنة النبي ﷺ في الجهاد، وكان يحمس حتى الصبيان المسلمين على الجهاد.
وهناك قصة لطيفة ذكرت: عندما طال القتال جداً بين النصارى والمسلمين في بعض المواقع، سئموا القتال، فقال بعضهم لبعض: إلى كم يتقاتل الكبار وليس للصغار حظ، نريد أن يتصارع الصبيان؛ صبيٌ منا وصبيٌ منكم، يقول النصارى للمسلمين، فأخرج صبيان من المسلمين إلى صبيين من الإفرنج، واشتد الحرب بين الصبيان فوثب أحد الصبيين المسلمين إلى أحد الصبيين الكافرين فاختطفه وضرب به الأرض وقبضه أسيراً، واشتد به ليأخذه حتى سار وراءه أحد الفرنجة، وقال: هو أسيرك هو أسيرك، أريد أن أشتريه منك، فباعه منه بدينارين.
ومن الأشياء أيضاً: أن صلاح الدين ﵀ قرب منه العلماء، كان جيش صلاح الدين ليس محاربين فقط، كان فيهم علماء، ولذلك استدعى العلماء؛ والعلماء أيضاً تحمسوا للحاق بركب صلاح الدين، وكان يسمع منهم الحديث والأسانيد والأحكام، وهيأ الله له بطانةً صالحة من هؤلاء العلماء، وكان منهم الشيخ علي بن إبراهيم بن نجا الأنصاري الحنبلي، وكان منهم الحافظ القاسم بن علي بن حسن بن عساكر، ومن العلماء المجاهدين الفقيه عيسى الهتاري، أسر، فافتداه صلاح الدين بستين ألف دينار من النصارى لتعلم عظم مكانة العلماء عند صلاح الدين، ومنهم الشيخ أبو عمر المقدسي لا يترك معه معركة إلا حضرها، والشيخ عبد الله المنيني الملقب بـ أسد الشام؛ وكان أماراً بالمعروف لا يهاب الملوك، ومن العلماء المشهورين جداً الذين كانوا مع صلاح الدين: الحافظ عبد الغني المقدسي، والعالم المجتهد الرباني ابن قدامة المقدسي صاحب كتاب المغني المشهور، لأن آل قدامة كانوا يقاتلون مع صلاح الدين، وكان يقرب هؤلاء الفضلاء ويغدق عليهم ويعطيهم.
стр. 17
حاجة القائد إلى أمة تقف بجانبه
نقف هنا -أيها الإخوة- عند مسألة مهمة جداً وهي درس في غاية الأهمية، يظن بعض الناس أن وضع المسلمين الآن لا يحله إلا ظهور قائد رباني، وبعض المساكين يرون أن نجلس وننتظر ظهور قائد رباني يرفع الراية ليسير المسلمون وراءه؛ هذه السطحية الموجودة عند بعض الناس الذين يظنون أن مشكلة المسلمين هي وجود قائد، ويقولون: إذا ظهر القائد انتهى كل شيء، هؤلاء المساكين الذين يعيشون على هذا الوهم لم يقرءوا التاريخ، هل يوجد من القادة عظيمٌ بعد نبينا ﷺ وإبراهيم الخليل؟! هل يوجد قائد مثل موسى ﵇ الي قاد بني إسرائيل على أساس أنهم أسلموا معه إلى بيت المقدس، وطلب منهم اقتحامها، ماذا قالوا؟ ﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] فعاقبهم الله وضرب عليهم التيه أربعين سنة، وحرموا من دخول بيت المقدس، كان معهم قائد عظيم جداً؟ نعم.
لكن هل انتصروا؟ لا، وبذلك تبين لك يا أخي المسلم، وأقولها كلمةً أرجو أن تجد صداها في النفوس: قائد بدون جيش تربى على الإسلام لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ولذلك إذا تمعنا في سيرة صلاح الدين سنجد أن أفراد الجيش يختلفون عنا، ولذلك حصلت هذه الانتصارات، كان لأفراد جيش صلاح الدين دور كبير في هذا الجهاد، المسألة ليست صلاح الدين فقط، الذين يظنون أن المسألة صلاح الدين فقط مخطئون، صلاح الدين بمفرده لا يمكن أن يفعل كل هذه الأشياء، كانت الاجتماعات تعقد بين الجيش لتذاكر فرائض الجهاد، ويقوم بينهم العلماء والقضاة يذكرونهم، وحصل مرة أن اجتمعوا عند الصخرة وتحالفوا على الموت، وكانوا يتسابقون على معسكر صلاح الدين بمجرد علمهم بعزمه على الجهاد، وكان لهذه آثار على عامة المسلمين، فيتوافدون على أرض الجهاد وخصوصاً المتطوعة، كما حدث عندما عزم صلاح الدين على كبس خيام الصليبيين في معركة مرج العين عام (٥٧٥هـ) كان الأفراد يقومون بمهام جميلة في غاية الأهمية.
ذات مرة بنى النصارى في حصار عكا ثلاثة أبراج عظيمة جداً يقذفون منها عكا فلحق بالمسلمين خسائر شديدة جداً، فندب صلاح الدين الناس إلى إتلاف هذه الأبراج، فما استطاعوا، حاول كثيراً منهم، حتى جاء شابٌ من أهل دمشق؛ وكان ذكياً يجيد صناعة (الأخلاط الملتهبة والمشتعلة) فعمل خلطة وركزها وركبها ثلاث خلطات، وقذف بها الأبراج واحداً واحداً، فكلما أتت على برجٍ أحرقته ومات من في هذا البرج من جند الصليبيين، واستراح المسلمون جداً بعد إحراق هذه الأبراج الثلاثة، فأراد صلاح الدين أن يكافئ هذا الشاب، فعرض عليه الأموال النفيسة؛ لأنه قدم هذه الخدمة الجميلة، فقال الشاب: أنا فعلت هذا لله تعالى، ورفض أن يأخذ ولو درهماً واحداً، فلما كان مع صلاح الدين مثل هؤلاء الأذكياء انتصر المسلمون؛ هذا من الأسباب.
وكذلك إليكم هذه الحادثة: كان للسلطان مملوك اسمه/ سراسمكر كان شجاعاً قتل من أعداء الله خلقاً كثيراً، وفتك فيهم، فأخذوا في قلوبهم من نكايته فيهم، فمكروا به، وتجمعوا له، وكمنوا له، وخرج إليه بعضهم وتراءوا لهذا المسلم الشجاع، فحمل عليهم حتى صار بينهم فوثبوا عليه من سائر الجوانب من الكمين فأمسكوه، هذا يدل على شجاعة الناس الذين كانوا مع صلاح الدين، ولكن الله بلطفه يدافع عن الذين آمنوا، فأخذ أحد النصارى بشعر هذا الرجل المسلم ورفع الآخر السيف ليضرب رقبة المسلم؛ لأن حامل السيف بينه وبين المسلم ثأر؛ لأن المسلم قتل قريباً من أقرباء هذا النصراني، فشاء الله أن تقع ضربة السيف على يد الماسك بشعر المسلم، فقطعت يد النصراني وقام المسلم فهرب، وهم يشتدون وراءه ولم يلحقوه حتى دخل بين المسلمين ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾ [الأحزاب:٢٥].
стр. 18
زهد صلاح الدين حتى وفاته
كان صلاح الدين ﵀ زاهداً، مات ولا يوجد في خزانته أربعون درهماً، شيء يسير جداً، كان يصرف الأموال للجهاد في سبيل الله، وكان يربي أتباعه على هذه القضية، وكان أي إنسان فيهم يجد عنده ميلاً إلى الدنيا كما حدث عندما رجع إلى دمشق بعد غزوة حصن كوكب عام (٥٩٤هـ) وجد وكيل الخزانة في دمشق قد بنى له داراً ضخماً بقلعة دمشق، فغضب عليه وعزله، وقال: إنا لم نخلق للمقام بـ دمشق ولا لغيرها من البلاد، وإنما خلقنا لعبادة الله والجهاد في سبيله.
ومرض صلاح الدين رحمه الله تعالى سنة (٥٨٩هـ) وحصل بعد ذلك أن اشتد به المرض ليلة الأربعاء (٢٧/ صفر) واستدعى أبا جعفر ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا نزل به الموت، فذكر هذا الإمام: أنه كان يقرأ عند صلاح الدين وهو في غمرات الموت ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر:٢٢] فقال صلاح الدين: وهو كذلك صحيح، فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل ودخل عليه وهو في آخر رمق، فلما قرأ القارئ: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة:١٢٩] تبسم وتهلل وجهه وأسلم روحه إلى ربه سبحانه، ومات ﵀ وله من العمر (٥٧ سنة) واستمر أولاده من بعده مجاهدين.
هذه باختصار -أيها الأخوة- نبذة عن حياة هذا الرجل العظيم، وعن تجديده في ميدان الجهاد.
وهذه الأمة لن تعدم -إن شاء الله- أفراداً أناساً مخلصين يحيون فيها الجهاد في سبيل الله.
стр. 19
أمور تشترط لتحقيق النصر
أيها الأخوة! إن توحيد الأمة، وإعداد العدة، والتربية على الإسلام؛ ثلاثة أمور لا يمكن أن ينتصر المسلمون إلا بها، صلاح الدين عندما تحققت عنده انتصر.
أولاً: تربية الناس على الإسلام.
ثانياً: توحيد الأمة، فلا يمكن أن يقاتل المسلمون وهم متفرقون، ومن أين يأتي النصر؟ ثالثاً: إعداد العدة، فإذا تحصلت هذه الشروط انتصر المسلمون بإذن الله ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
وحتى يحين ذلك اليوم؛ الذي نسأل الله أن يبلغناه مجاهدين في سبيله، فإننا ندعو أنفسنا جميعاً لإعداد العدة، فالنصارى احتلوا بيت المقدس (٩٢) سنة واليهود احتلوا بيت المقدس (٤٢) سنة فإذاً كان من يحتل بيت المقدس جلسوا فيه ضعف الزمن الذي جلسه اليهود الآن، ولكن الله هيأ لهم من يخرجهم بعد (٩٢) سنة من الاحتلال، ولعل الله يجمع اليهود الآن في هذا المكان من كل حدبٍ وصوب من أقطار الأرض حتى تكون نهايتهم واحدة بإذنه ، مهما طال ليل الظالمين، فإن الفجر سيبزغ إن شاء الله، وهاأنتم ترون طلائع الجهاد في أرض الأفغان وفي أرض فلسطين بوادر وبذر طيبة، تمهيداً لذلك اليوم الذي يأذن الله فيه بعلو الإسلام، ولا بد أن يأتي؛ لأن عندنا من نصوص القرآن والسنة ما يجزم أن الله سيدخل هذا الدين كل بيت على سطح الأرض بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر وأهله.
المهم: ألا ننام نحن ولا نقعد، بل نواصل العمل في تعليم أنفسنا، والدعوة إلى الله، وتربية الناس، وشحذ هممهم، وتذكيرهم الجهاد (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية) لذلك لا بد أن تكون النية في الغزو -متى ما جاء وقته- حاضرةً عندنا جاهزةً لدينا، حتى إذا حانت اللحظات خرجت تلك النفوس إلى ربها تسعى سعياً حثيثاً.
والمسلمون يحتاجون اليوم إلى إعداد كبير وتربية عميقة، ولن يقوم بها إلا أنتم أيها المخلصون من المسلمين.
والمسلمون اليوم يعانون من أوضاع غريبة شاذة لم تمر بهم من قبل، فهم في ميدان يحتاجون فيه إلى دعم الجهاد، وفي ميدان يحتاجون فيه إلى إزالة جهل، ومحاربة شرك، وقمع بدعة، وفي ميدان يحتاجون إلى توطين أنفسهم، وفي ميدان يحتاجون إلى نشر الدعوة في أوساط الكفار، وفي ميدان يحتاجون إلى تربية؛ والتربية مهمة جداً لا بد أن تكون في جميع الميادين، وكلكم على ثغرة من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك، وأنت مسئول في بيتك، ووظيفتك، ومسجدك، وشارعك، وأنت مسئولٌ عن المسلمين في أرجاء الأرض المضطهدين في دعمهم بالنفقات المادية، وعلى الأقل بالدعاء لهم أن ينصرهم الله نصراً مؤزراً.
علينا أن نقرأ التاريخ -أيها الإخوة- لنعلم فعلاً أن الله لا يخلي بين هذه الأمة وبين الشيطان، وأن الله تعالى ناصر دينه ولا بد، ولو حصل الإيمان لجاء النصر بإذنه ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
وصلى الله على نبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 20
الموقف الرهيب في اليوم العصيب
يوم القيامة آت لا محالة، وهوله عظيم وحره شديد، والناس فيه على أحوال مختلفة ومواقف متباينة كما كانوا في الدنيا، وفي هذه المحاضرة وصف لذلك اليوم، وتذكير بأحوال الناس فيه، فهي موعظة عظيمة وعبرة بالغة.
стр. 21
شدة هول يوم القيامة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن المؤمن يخاف يوماً عبوساً قمطريراً، يخاف يوماً طويلاً كان شره مستطيراً، وقد أخبرنا الله عن ذلك اليوم في كتابه بتفصيلات كثيرة حتى كأن الإنسان ينظر إلى الآخرة رأي العين، ومن سره أن ينظر إلى القيامة رأي العين فليقرأ تلكم السور في جزء عم: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ذكرنا الله بذلك اليوم؛ لنستعد له بالعدة اللازمة، ونحسب للأمر حسابه، وكثيرٌ من الناس عن هذا اليوم غافلون.
عباد الله: إن الله إذا قبض خلقه بنفخة الصور، ومات الناس أجمعون، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، يمكث الناس بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، وليس شيء من الإنسان لا يبلى إلا عظماً واحداً، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة كما في الحديث المتفق عليه، وعجب الذنب مثل حبة الخردل وتكون آخر العمود الفقري، فتلك النقطة يركب منها الخلق يوم القيامة.
يرسل الله سحابةً سوداء من قبل المغرب مثل الترس، فلا تزال ترتفع في السماء وتنتشر حتى تملأ السماء، ثم ينادي منادٍ: أيها الناس ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] قال رسول الله ﷺ : (فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوب، فلا يطويانه، وإن الرجل ليمجر حوضه فلا يسقي منه شيئاً، والرجل يحلب ناقته فلا يشربه أبداً) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
فهي تذهلهم إذاً، حتى إن الرجل يرفع لقمته إلى فيه لا يطعمها، من هول المفاجأة التي تكون، ثم يموت الناس، ويبعثون بعد ذلك.
والمطلع قال النبي ﷺ في شأنه: (لا تمنوا الموت، فإن هول المطلع شديد) وسنتحدث إن شاء الله في هذه الخطبة عن موضوع الحشر، نذكر به أنفسنا، ويتعلم من جهل، ويتذكر من غفل، ولعله يكون بعد ذلك التوبة والعودة.
стр. 22
الحشر وأنواعه
الحشر: جمع الناس يوم القيامة، والمحشر: المجمع الذي يحشر إليه الناس.
والحشر أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فاللذان في الدنيا أحدهما المذكور في سورة الحشر في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢] والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة فيما رواه مسلم رحمه الله تعالى: (إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات) والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم بعد البعث إلى الموقف قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٧] والحشر الرابع: حشر أهل الموقف إلى الجنة، أو إلى النار.
أما الحشر الذي يكون في آخر الدنيا قبل قيام الساعة، فإن الناس يطردون إلى المحشر وهو بأرض الشام بنارٍ يخرجها الله من نحو حضرموت من عدن أبين كما جاء في الحديث الصحيح، ثم تنتشر في الأرض، فتحشر الناس إلى مكان الحشر وهو الشام، يحشرون بطرائق، كما قال النبي ﷺ : (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا) يحشرون إلى بيت المقدس في أرض الشام كما جاء ذلك في الحديث الصحيح: (فتخرج نار من نحو حضرموت تحشر الناس، قلنا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: عليكم بـ الشام) وقوله في الحديث: (راغبين راهبين) أي: ينطلقون هرباً من الفتن إلى أرض الشام في آخر الدنيا كما قال النبي ﷺ ، ومنهم من يبقى في مكانه، ثم بعد ذلك إذا جاءت الفتن والبلايا والزلازل العظام، وكثرت الصواعق، فعند ذلك يذهبون على الإبل والدواب اثنان على بعير وثلاثة وأربعة يعتقبون، يركب بعضهم ويمشي الآخر، ويبقى أناسٌ لا يلقون ظهراً كما شرح ابن مسعود فيما صح عنه: أن الله يرسل آفةً، فيفنى الظهر، فتقل الدواب جداً حتى يمشون مشياً، والنار تحيط بهم، ومن تخلف أكلته، حتى يحشرون إلى الشام التي سيكون فيها الموت لجميع أهل الأرض قبل أن يبعثوا مرة أخرى.
فهذا الحشر يكون في آخر الدنيا قبل قيام الساعة مباشرةً، بنارٍ تخرج وتحيط بالناس فتحشرهم جميعاً إلى بيت المقدس في الشام، وبعد ذلك نفخة الصعق التي يموت فيها الناس أجمعون، ثم يبعثون مرةً أخرى فينشرون كما قال النبي ﷺ لما سألته ميمونة بنت سعد: (يا نبي الله! أفتنا في بيت المقدس، قال: أرض المحشر والمنشر) حديث صحيح.
المنشر: بعث الناس من الموت إلى الحياة مرة أخرى، والمحشر جمعهم في ذلك المكان، قال النبي ﷺ : (إنكم تحشرون رجالاً وركباناً، وتجرون على وجوهكم هاهنا، وأومأ بيده إلى الشام).
أما أرض المحشر التي يحشرون إليها بعد قيامهم من القبور، فقد وصفها النبي ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد) عفراء: ليست نقية البياض، وإنما بياض يضرب إلى حمرة.
كقرصة النقي أي: كقرص الخبز النقي الخالي من الغش والنخالة.
ليس فيها معلم لأحد: لا علامة من سكنى، أو بناء، أو أثر، أو جبل، أو صخرة بارزة، وإنما هي مستوية لا ترى فيها عوجاً، ولا أمتاً، لا يستطيعون الاختباء خلف أي شيء في تلك الأرض: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨] فالله ؛ يبدل معالم الأرض، ويغير صفاتها فتكون مستوية: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٧] وقال النبي ﷺ : (تمد الأرض مد الأديم لعظمة الله ، فلا يكون لرجلٍ من بني آدم منها إلا موضع قدميه) قال البوصيري: إسناده صحيح.
والنبي ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، يخرج من قبره، ثم يخرج الناس على إثره بعد ذلك، قال ﵊: (أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي) يعني: على أثري، يحشر الناس بعد قيامه ﷺ ، يحشرون وراءه، ويحشر المؤمنون، قال الله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ [مريم:٨٥] ومعنى وفداً: كوفد الملوك الذين يقدمونع على الملوك لإكرامهم، الوافد من يأتي إلى الملك في أمر له شأن ينتظر الكرامة والنعمة والضيافة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾ [مريم:٨٥].
ويحشر بعض الصالحين من بطون الطير والسباع، كما قال النبي ﷺ لما مرَّ على حمزة بعد وقعة أحد، وقد جدع، أي: قطع أنفه، ومثل به: قطعت بعض أعضائه، فقال ﷺ : (لولا أن تجد صفية في نفسها، لتركته حتى تأكله العافية -وهي السباع والطير التي تقع على الجيف- حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع، ثم كفنه في نمرة ﷺ وفي هذا دليلٌ على أن الله تعالى يحشر المحترقين والذين تحولوا إلى رماد، والذين أكلتهم الحيتان والسمك في قاع البحر، والذين أكلتهم الطيور والسباع وتخطفتهم، فالله تعالى يحشرهم جميعاً، ولما أوصى بعضهم أولاده بأن يحرقوه، ويذروا رماده في البحر في يوم عاصف، قال الله تعالى: قم، فقام بين يديه، وقد جمعه الله.
стр. 23
صفة الناس في المحشر
يحشر الناس أجمعون يوم القيامة، قال ﷺ : (تحشرون حفاةً عراةً غرلاً، قالت عائشة ﵂: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟!! -عفة عائشة المفقودة في كثير من بنات جنسها في هذا الزمان، حياء عائشة المفقود في كثير من بنات هذا الزمان- فقال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك) حفاةً: لا شيء في أقدامهم من خفٍ، أو نعل.
عراةً: متجردين من الثياب.
غرلاً: غير مختونين، والأغرل من بقيت غرلته وهي القلفة (الجلدة) التي تقطع في الختان، يحشرون كما خلقوا، لا شيء معهم، لا يفقد منهم شيء، حتى الغرلة تكون معهم، يحشرون حفاةً عراةً مشاةً كما جاء في حديث آخر، قالت عائشة: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟!! فأخبرها النبي ﷺ أنهم مشغولون، ليس لديهم أي اهتمام لهذا النظر، وفي رواية: (يا رسول الله! واسوءتاه! ينظر بعضنا إلى بعض؟!! فقال: وشغل الناس، قلت: ما شغلهم؟ قال: نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل) كل الأعمال الصغيرة والكبيرة، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن موسى وهو ثقة.
والمتكبرون يحشرون كأمثال الذر في صور الرجال كما قال النبي ﷺ : (يغشاهم الذل من كل مكان) كما تكبروا في الدنيا يجعلهم الله على صور الرجال، لكن المقاس والحجم حجم النمل والذر، يطؤهم الناس بأقدامهم، ويحشر الكفار ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] يحشرون عمياً، وقال الله في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٣٤] عن أنس أن رجلاً قال: (يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه؟ -الوجه يكون بمثابة القدمين فيمشي على وجهه، وجهه إلى الأسفل ورجلاه إلى الأعلى- قال ﷺ : أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) قال قتادة: [بلى وعزة ربنا] والكافر الذي لم يسجد لله في الدنيا يعاقب بأن يسحب على وجهه في القيامة إظهاراً لهوانه، فويل لتارك الصلاة الذي لا يركعها، الذي لا يسجد لله رب العالمين، حيث يحشر على وجهه، ويمشي على وجهه، ويعفر بالتراب ويلاقي ما يلاقي، يحشرون يوم القيامة عمياً وبكماً وصماً.
والشياطين تحشر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ [مريم:٦٨] جاثون على الركب، وقال الله في شأن الكفرة والفسقة والفجرة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣] ومعنى أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم، ومن هو على شاكلتهم، فيحشر اليهود معاً، والنصارى معاً، ومن أحب اليهود والنصارى حشر معهم، ويحشر الزناة مع الزناة، والمرتشون مع المرتشين، والمرابون مع المرابين: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] كل طائفة على حدة يحشرون معاً، ومن أحب قوماً حشر معهم، فمن أحب مغنياً كافراً، أو ممثلةً فاسقةً فاجرةً، كل أولئك يحشرون سوياً ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] المقتدون بهم في أفعالهم، القرناء يحشرون معاً، وما يقع على هذا يقع على الآخر، ويناله نصيبه منه، ولا يبقى شيءٌ إلا ويحشر حتى الوحوش، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير:٥] أي: جمعت، وقال الله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] فيحشر كل شيء حتى الذباب كما قال ابن عباس ﵁ وأرضاه.
قال ﵊: (يحشر الخلائق كلهم يوم القيامة، والبهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء) التي لها قرون ونطحت أخرى ليس لها قرون، يقتص الله للمنطوحة من الناطحة وهذا من كمال عدل الله، ثم يقول لهذه الدواب والطيور والوحوش: كوني تراباً، فذلك حين يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ثم يبقى الذين قد كلفوا ليكون الحساب عليهم، يكون الحساب في ذلك الموقف العظيم، وأما حشر التجار، فقد جاء فيه حديثٌ خاصٌ عن البراء بن عازب، قال: (أتانا رسول الله ﷺ إلى البقيع، فقال: يا معشر التجار! حتى إذا اشرأبوا -ورفعوا رءوسهم- قال رسول الله ﷺ : إن التجار يحشرون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى وبر وصدق) إلا من اتقى في بيعه وشرائه، ولم يبع المحرمات، ولم يبع بطريقة محرمة، ولا غشَّ في تجارته، وبرَّ في يمينه، لأنهم كثيراً ما يحلفون على الكذب وهم يعلمون، وصدق.
تاجر: تاء التقوى، والألف أمانة، والجيم جرأة يحتاج إليها التجار، والراء رحمة، لكنهم في كثير من الأحيان بعيدون عن ذلك إلا من رحم الله، وفي هذا الحديث دليلٌ واضحٌ على حشر التجار الفجار، فإن الكثير يستغلون بجشعهم حال الناس، وكثيرٌ منهم يحتكر، وهم من أكبر أسباب رفع الأسعار في البلاد، ولذلك يحشرون فجاراً إلا من رحم الله، فإنهم يكرمون مع الآمنين المؤمنين.
стр. 24
أحوال الناس في يوم المحشر
.
стр. 25
الجمع إلى المحشر
أما أحوال الناس في يوم المحشر، فإنهم يخرجون من القبور في أول ذلك اليوم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:٤] قلبت فأخرج ما فيها، وقال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١] أي: يسرعون، وقال الله: ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] يعني: كأنه وضع لهم شيء أو علامة يسرعون إليها: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [القمر:٨] مهطعين أي: مسرعين، في ذل، رءوسهم مرفوعة لا تنظر يميناً ولا شمالاً: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم:٤٣] لا تعقل من الخوف: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق:٤٢] اليوم الذي يخرج فيه الناس من قبورهم ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] في الكثرة والانتشار والضعف والتخبط، وموجان بعضهم في بعض، والذلة والاضطراب والتطاير كتطاير الفراش إلى النار، قال الإشبيلي ﵀: فتفكر في بهتك وحيرتك وانكسارك، وذُلِّك، وافتقارك وقلتك يوم لا تجد إلا عملك وسعيك الذي سعيت.
يخرجون من القبور يتبعون الداعي، والداعي: ملكٌ موكلٌ من الله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] ملك يدعوهم إلى الحضور للحساب، يسمعون صوته، فيتبعونه ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه:١٠٨] أي: لا يحيدون عنه، ولا يميلون لا يميناً، ولا شمالاً ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه:١٠٨] أي: خفضت وسكنت وسكتت هيبةً لله تعالى، وإجلالاً وخوفاً ﴿فَلا تَسْمَعُ﴾ [طه:١٠٨] أي: في ذلك اليوم صوتاً عالياً، بل لا تسمع إلا همساً أي: صوتاً خفياً، أو صوت الأقدام إلى المحشر، كل هذا كائن، وكل دنيانا ذاهبة، ونحن سنصير إلى ذلك اليوم.
قال الإشبيلي ﵀: وتخيل قيام الناس وثورانهم من قبورهم دفعةً واحدةً، وانبعاثهم مرةٍ واحدةٍ، وأنت بينهم وفي جملتهم منكسفاً وجهك، متغيراً لونك، متعثرة قدمك، قد ملئ قلبك فزعاً، وقصم ظهرك ذلك المستمع، وأنت حيران عطشان سكران: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] شاخص البصر نحو النداء، مستمعاً لذلك الدعاء، ولو وجدت مطاراً لطرت، ومفراً لفررت.
وهكذا يحشرون إلى ربهم، ويقومون من القبور عراةً، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل ﵇.
ويتم الوقوف في ذلك الموقف، وفي أرض المحشر ليس للإنسان إلا موطئ قدميه فقط ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] ليس أحدٌ جالساً، ولا مضجعاً، كل الناس واقفون في ذلك اليوم، كم طوله؟ خمسون ألف سنة، كما قال الله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:١ - ٩] فالسماوات تطوى، وتذوب بعد ذلك ذوباناً تقطر منه، وتتغير ألوانها إلى الحمرة والزرقة والصفرة ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧] متغيرة الألوان، وتذوب وتقطر، وتكون السماء كالمهل ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] خمسون ألف سنة كما دل على ذلك حديث النبي ﷺ في عذاب مانع الزكاة، الذي يمنع زكاة الإبل، تعضه وتطؤه إبله، وغنمه وبقره تنطحه، وتعود كلما انتهت في دورات متوالية، وكذلك الذي يمنع زكاة المال والذهب والفضة، فتصفح صفائح من نار، يطوقه ثعبان أقرع عظيم شديد السم، له قرنان، يلدغه في شفتي شدقيه، يقول: أنا كنزك: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ثم يرى بعد ذلك سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار.
стр. 26
شدة الحر في يوم المحشر
قال الإشبيلي ﵀: ثم تفكر في ذلك الازدحام والانغمام، والاتساق والالتصاق، واجتماع الإنس والجن، وما يجمع من سائر أصناف الحيوان، وانضغاطهم، وتدافعهم، واختلاطهم، لا فرار ولا انتصار، ولا ملاذ ولا هروب، وقربت الشمس، وكانت قدر ميلٍ، وزيد في حرها، وضوعف في وهجها، ولا ظل إلا ظل العرش، وقد انضاف على حر الشمس حر الأنفاس لتزاحم الناس، واحتراق القلوب بما غشيها من الكروب، واشتد الفرق، وعظم القلق، وسال من الأجسام، وانبعث من كل موضع من الجسد، وكان الناس في العرق على قدر أعمالهم، فليتفكر الإنسان إذا سال عرقه، وجرى من قرنه إلى قدمه بحسب عمله، واعلم رحمك الله أنه لو سال عرقك في الدنيا طول عمرك في طاعة ربك، ورضا سيدك على ألا تعرق في ذلك اليوم، لكان ذلك يسيراً، وهذا العرق قد جاءت فيه أحاديث عن النبي ﷺ ، قال ﵊: (((يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)) [المطففين:٦] قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) العرق ذو الرائحة الكريهة الذي يحدث نتيجة الحر ودنو الشمس وتزاحم الناس وانضمام بعضهم إلى بعض، ينزل من هذا الإنسان، وتشربه الأرض حتى يغوص فيها سبعين ذراعاً، قال ﵊: (يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً) وهذا عمق العرق تحت؛ أما فوق، فقال ﵊: (ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم) وهذا في حق الكفرة الفجرة، وقال ﷺ مبيناً ما يحدث: (حتى إن السفن لو أجريت فيه لجرت) قال الهيثمي: إسناده جيد، وقال ﵊: (إن الكافر ليحاسب يوم القيامة حتى يلجمه العرق، حتى إنه يقول: أرحني ولو إلى النار) وكذلك قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال: [إن الرجل ليفيض عرقاً حتى تسيخ في الأرض قامته، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب، قالوا: ممَ ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس مما سيلقونه] قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
وهكذا تدنو الشمس من العباد، ثم إن جهنم يؤتى بها أيضاً، ليزداد الحر حراً، يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمامٍ سبعون ألف ملك يجرونها، أربعة آلاف وتسعمائة مليون ملك يجرون جهنم، ويزداد الحر حراً، ولا ينجو إلا من عصم الله، فهل أعددنا لذلك اليوم من عدة؟ وهل تبنا وقمنا بما يلزم من التوبة؟ وهل تركنا المعاصي وعدنا إلى الله رجاء النجاة في ذلك اليوم؟ اللهم اجعلنا في يوم الفزع من الآمنين، واغفر لنا أجمعين، وأظللنا في ظل عرشك يا كريم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 27
نزول الله لفصل القضاء
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، هو الحي لا يموت، والإنس والجن يموتون، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، لا إله إلا هو الحي القيوم، هو ديان يوم الدين ، وأشهد أن محمداً رسول الله المبعوث رحمةً للعالمين، السراج المنير، والبشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: ومن أكثر الأمور فزعاً في ذلك اليوم عندما يجيء الرب نفسه ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة:٢١٠] فيأتي الله لفصل القضاء بين الأولين والآخرين ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فتأتي الملائكة صفوفاً مع الرب ، يأتي لفصل القضاء بين الخلق بعد أن توسل النبي ﷺ وشفع، لأن الناس قيام في الحر، وهم في كرب شديد يفزعون إلى الأنبياء واحداً إثر واحد، والأنبياء لا يقولون إلا: اللهم سلم سلم، ويردونها حتى تنتهي إلى النبي ﷺ ، فيشفع ويسجد، ثم يقبل منه، ثم يأتي الله لفصل القضاء بين العباد.
صحح ابن حجر عن ابن عباس أنه قال: إذا كان يوم القيامة، مدت الأرض مد الأديم، وجمع الخلائق في صعيد واحد جنهم وإنسهم، فإذا كان كذلك قبضت هذه السماء -أي: كشفت- عن أهلها، فينثر على وجه الأرض من فيها من الملائكة، فلأهل السماء وحدهم أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، فإذا مروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، وقالوا: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا!! ليس هو فينا، وهو آتٍ ثم يقاض أهل السماء الثانية، فلأهل السماء الثانية وحدهم أكثر من أهل السماء الدنيا -من الملائكة- ومن جميع أهل الأرض بالضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزع إليهم أهل الأرض، وقالوا: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا!! ليس فينا، وهو آتٍ، ثم يقاض أهل السماوات كلها، فينثرون على وجه الأرض، فيفزع إليهم أهل الأرض فيقولون مثل ذلك، ويجيبونهم بمثل ذلك، ثم يقاض أهل السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة أكثر من أهل السماوات الست ومن جميع أهل الأرض بالضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثى صفوفاً، فينادى: سيعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون على كل حال -أصحاب الحمد لله على كل حال- فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادى ثانية: سيعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع -أصحاب قيام الليل- فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادى الثالثة: ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، فإذا أخذ من هؤلاء الثلاثة، خرج عنقٌ من النار، فأشرف على الخلائق، له عينان تبصران، ولسان فصيح، فيقول: إني وكلت بثلاثة: إني وكلت بكل جبار عنيد -الطغاة البغاة الذين كانوا يعذبون الناس في الدنيا ويتكبرون ويتجبرون على الخلق- إني وكلت بكل جبار عنيد، فيلقطون من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فيحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثانية، فيقول: إني وكلت بمن آذى الله ورسوله، فيلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فيحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثالثة، فيقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير -الذين يعملون التماثيل والصور ذوات الأرواح- إني وكلت بأصحاب التصاوير، فيلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فيحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء الثلاثة، نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب.
стр. 28
المؤمنون في يوم القيامة
عباد الله: في ذلك اليوم العظيم؛ في خمسين ألف سنة ما حال المؤمنين؟ قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل:٨٩] وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر) على المؤمنين فقط، والإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، ليست القضية بالأماني: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] سلعة الله غالية حفت بالمكاره، فالمؤمنون يكون ذلك اليوم عليهم مثل ما بين الظهر والعصر، مثل وقت وجبة الغداء ينتظرون الكرامة من الله في ظل العرش؛ لا يصيبهم لهب الشمس، ولهم طعام وشراب، بين النبي ﷺ أن طعامهم الثور والحوت، ثورٌ يرعى في أطراف الجنة ينحر لهم، ويأكلون ذلك النون وهو الحوت في ذلك الموقف يأكلون الحوت، ويوزع عليهم زيادة كبد الحوت فقط، وزيادة الكبد ألذ شيء في الكبد، يأكل منها سبعون ألفاً، هذه الضيافة في ذلك اليوم كما ثبت في الحديث الصحيح، والشراب من حوض النبي ﷺ الذي يصب فيه نهر الكوثر، ميزاب من الجنة يصب في الحوض، وهو نهر الكوثر، لا ظمأ، ولا جوع، ولا حر، والوقت ما بين الظهر إلى العصر، وبقية الناس يا ويلهم! وحديث وفد بني المنتفق حديثٌ مشهورٌ رواه عددٌ من الأئمة في كتبهم، وقال بعضهم إن في سنده ضعفاً، ولكن قواه بعض أهل العلم كـ ابن القيم ﵀، وقال الهيثمي عن أحد أسانيده: إن رجالها ثقاة، وإسناده متصل، قام النبي ﵊ خطيباً، فقال: (أيها الناس! ألا قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لتسمعوا اليوم، ألا أني مسئولٌ هل بلغت! ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا) فجلس الناس، وقام هذا الوافد مع صاحبه، وحدثهم النبي ﷺ بقوله: (ثم تبعث الصائحة، فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها شيئاً إلا مات، والملائكة الذين مع ربك) حتى هم يموتون، ثم يبعثهم الله (فأرسل ربك السماء تهضب من عند العرش) تهطل منياً كمني الرجال، فتنبت الأجساد من الأرض (فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيلٍ، ولا مدفن ميتٍ إلا شقت القبر حتى تخلفه من عند رأسه، فيستوي جالساً) لأن الله وصف الحشر كالماء الذي ينزل فتحيا به الأرض مع أنها كانت ميتة ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] كما قال الله، فيقول ربك: متى عهدك يا بن آدم؟ يقول: أمس اليوم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥] لعده بالحياة يحسبه حديثاً بأهله، فقلت: يا رسول الله! فكيف يجمعنا بعد أن تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ فمثل له الأرض الميتة إذا نزل عليها المطر، ثم قال: فتخرجون من قبوركم فتنظرون إليه وينظر إليكم، ثم بعد ذلك قال ﷺ لما سئل ماذا يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: (تعرضون عليه باديةً له صفحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من ماء، فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما يخطأ وجه أحد منكم منها قطرة، فأما المسلم، فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر، فتنضحه، أو قال: بمثل الحمم الأسو) هكذا يكونون في سواد زرقة وسواد، هذا شيء مما يكون يوم الحشر، وهو شيء آتٍ آتٍ لا محالة، وكل ما حولنا من المتع والملذات سيفنى، ولا يبقى إلا العمل الصالح، فالعمل العمل، والبدار البدار.
اللهم تب علينا وارزقنا توبةً نصوحاً، اللهم أحسن عملنا، اللهم اجعل وفاتنا على طاعتك، اللهم اجعل وفاتنا على طاعتك، فإن العبد يحشر على ما مات عليه، اللهم اجعلنا يوم الفزع من الآمنين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين، وأظللنا في ظل عرشك يا كريم، اللهم اجعل حسابنا يسيراً، اللهم اجعل حسابنا يسيراً، اللهم اجعل حسابنا يسيراً يا رب العالمين.
стр. 29
مفسدات القلوب
إن القلب هو ملك سائر الأعضاء والجوارح، ولما كان القلب بهذه المنزلة، كان لابد من إصلاحه والابتعاد عما يفسده، وفي هذا الدرس يذكر الشيخ بعضاً من مفسدات القلوب.
стр. 30
الحث على إصلاح القلب والابتعاد عن مفسداته
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، الحمد لله الذي جمعنا وإياكم في هذا المكان، والحمد لله الذي هيأ لنا هذا اللقاء، ونسأله أن يجعله مجلساً من مجالس الذكر الذي تحفه ملائكته، ونسأله أن يجعلنا وإياكم من الذين تنزل عليهم الرحمة والسكينة وتتغشاهم.
أيها الإخوة: نحمد الله على ما من به من نزول هذه الأمطار ونقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، اللهم صيباً نافعاً، اللهم صيباً نافعاً، اللهم صيباً نافعاً، ونتفاءل بنزول هذا المطر، نتفاءل بنزول رحمة الله على المؤمنين، ونزول نصره عليهم، ونزول عذابه على الكفرة المشركين، وعلى اليهود والمنافقين وأعداء الدين، وربما سأل بعض الإخوان فقال: لماذا لا نجمع الآن؟ فأقول: الجمع في المطر لكي لا يشق على الناس الإتيان إلى المسجد لصلاة العشاء، وما دمنا نحن الآن في المسجد أصلاً فلعل هذه المشقة لا تكون موجودة بالنسبة للأعم والأغلب والحكم للأعم الأغلب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقد تكلمنا أيها الإخوة في المرة الماضية عن موضوع إصلاح القلوب، وذكرنا فيه نقطتين أساسيتين، أو ثلاثاً، ولعل من المناسب أن نسمي الموضوع الماضي بعنوان: (المسلم بين الزهد والورع).
وأن يكون عنوان هذا الدرس في هذه الليلة، (مفسدات القلوب)، لأننا سنتكلم عن مفسدات القلوب، ولا شك أن الموضوع الماضي وهذا الموضع يدخلان في الإطار العام لموضوع إصلاح القلوب.
أيها الإخوة: إن هذا القلب هو الملك على سائر الأعضاء، وهو الذي عناه رسول الله ﷺ بقوله: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله) ولما كان القلب هو الملك والجوارح هي الجنود المؤتمرة بأمره، ولما كان هو المسئول عن الرعية، وهو الراعي والجوارح هي رعيته، لما علم عدو الله إبليس بذلك أجلب على هذا القلب بالوساوس والشهوات، وصار يحاول إفساد قلوب بني آدم بشتى الوسائل التي يستطيعها، وما ذلك إلا أنه قد أخذ على نفسه العهد بأن يفسد من ذرية آدم من يستطيع، والله استثنى خلقاً من خلقه، فقال: "إلا عبادي" هؤلاء العباد ليس لك عليهم سلطان، عباد الله المتقون، وأما الناس الغافلون وأصحاب الشهوات والشبهات، فإن لكل منهم نصيباً من الشيطان، بحسب الضلال الذي أضله به، ولا يمكن أن ينجو الإنسان يوم القيامة إلا إذا جاء بقلب سليم من الشهوات والشبهات، كما قال الله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
стр. 31
أنواع القلوب
كما أن إضلال الشيطان لقلوب العباد على أنواع ومراتب، فإن القلوب أنواع كذلك، بحسب أصحابها، فمن القلوب: القلب الأول: قلب أسود مرباد كالكوز مجخٍ، قلب أغلف وذلك هو قلب الكافر، لا يدخل إليه النور ولا ينتفع بشيء.
القلب الثاني: قلب منكوس فيه مرض، وهو قلب المنافق.
القلب الثالث: وقلب فيه من النور الإيماني الرحماني ومن شهوات الشيطان والشبهات خلط، فيمده ميزابان، ميزاب النور الإيماني، وميزاب الشهوات والشبهات الشيطانية، فهو لما غلب عليه منهما، فإن كان الأغلب عليه نور الرحمن؛ فإنه ينجو، وإن كان الأغلب عليه مداد الشيطان؛ فإنه يهلك.
القلب الرابع: قلب المخبتين، الذين تخبت قلوبهم لذكر الله وتلين جلودهم لربهم ، وهذا قلب المؤمن الخالص.
وقلوبنا -أيها الإخوة- نحن الضعفاء قلوب فيها الخلط والأمور المختلفة، فيها ما يرضي الله وما لا يرضيه ولذلك فإن المسلم مطالب بتنقية قلبه، وهناك أشياء تُصلح القلب ذكرنا بعضها، ولا يتسع المجال لذكر أمرٍ آخر من الأمور التي تصلح القلب، كالاستطراد في ذكر الله مثلاً، فإنه مما يصلح القلب، والعبادات على تنوعها تُصلح القلب، وهكذا من أنواع الخوف والرجاء والمحبة، والمحاسبة، والمراقبة والطمأنينة، والحياء والمراتب الأخرى التي هي أخلاق القلوب وسنذكر في هذا الليلة بعضاً من المفسدات؛ لأن اجتناب المفسدات من أعظم وسائل إصلاح القلوب، فإن المسألة جلب مصالح ودرء مفاسد.
стр. 32
مفسدات القلوب
من مفسدات القلب -أيها الإخوة- خمسة مفسدات مرتبطة ببعضها البعض، وهي كثرة الخلطة، والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، وكثرة النوم، وسنضيف إليها موضوع الذنوب، والخواطر السيئة، وحب الرئاسة والرياء، إذا أسعفنا الوقت.
стр. 33
كثرة الاختلاط بالناس
أيها الإخوة! إن كثرة الاختلاط بالناس اختلاطاً شديداً بحيث لا يبقى للإنسان وقت يتفرغ فيه لنفسه ولا يتفطن فيه لعيوبه، ولا يصلح فيه قلبه، كثرة الخلطة مسألة سيئة، يتسبب عن كثرة الخلطة، وإمتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم، حتى يسود ويسبب تشتت القلب، وتفرقه ويسبب الهم والغم، وإضاعة المصالح والاشتغال بقرناء السوء، وينقسم الفكر عند كثرة الاختلاط بالناس، الاختلاط غير الشرعي، يقسم الفكر في أودية مطالب هؤلاء المخالطين، يتقسم الفكر في أودية مطالبهم وإراداتهم فماذا سيبقى في القلب لله والدار الآخرة؟! وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية؟ وهل آفة الناس إلا الناس؟ وهل كان أضر على أبي طالب من قرناء السوء؟ فلم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة توجب له سعادة الأبد، وهي كلمة التوحيد، ورسول الله ﷺ قائم على رأسه يقول: يا عم قل كلمة، كلمة حق أشفع لك بها عند الله، قل: لا إله إلا الله، وأبو جهل وغيره من عتاة قريش على رأسه من الجانب الآخر يقولون: تموت على غير ملة عبد المطلب، وهو يقول:
إني لأعلم أن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
فـ أبو طالب يعلم بأن دين محمد ﷺ خير أديان البرية ديناً، لكن يمنعه عن قول لا إله إلا الله، الملامة أو حذار مسبة، أن يلومه قومه، أو يسبوه بعد موته، ويقولون: مات على غير ملة آبائه وأجداده، فهذه الخلطة الشنيعة سببت هذا الوبال الذي حل بـ أبي طالب، ألم يقل الله عن أناس من أهل النار يعتذرون فيقولون: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] فيقال لهم: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ [الأنعام:١٢٨] وهؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أوثاناً مودة بينهم في الحياة الدنيا، كما قال الله : ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥].
اجتماع الناس في مودة على شيء لا يرضي الله، سيكفر بعضهم ببعض يوم القيامة على هذا الاجتماع الذي اجتمعوا عليه، وكثير من الناس الآن يلتقون على مودة، لكن أي مودة؟ ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٥] اتخذوا من دون الله أوثاناً مودة بينهم في الحياة الدنيا، التقوا مودة، لكنها مودة شركية كفرية، مودة معاصٍ، وأهواء وشهوات، هذه الذي اجتمعوا عليها ففي يوم القيامة سيكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، فهذه الخلطة المحرمة، وهذه الخلطة بقرناء السوء هي التي ستردي صاحبها في نار جهنم، فيكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ومأواهم النار وما لهم من ناصرين.
فإن قال قائل هل الخلطة أصلاً محرمة؟ وهل الإنسان مطالب أن يعيش وحدانياً ليس له صاحب ولا صديق؟ فنقول: أبداً ليس الأمر كذلك، فإن الإنسان خلق اجتماعياً بطبعه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل:٧٢] لتسكنوا إليها، وجعل الناس ذوي أشكال أو أرواح فيها تجاذب وفيها تنافر والناس يميل بعضهم إلى بعض، ويرتاح بعضهم إلى بعض، أقسام وجماعات وشيع، لكن لا بد أن نقول: إن الخلطة منها ما هو شرعي، مثل ما خاطب الله المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] والرسول ﷺ قال: (عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة) معناه: أن المسلم مطالب أن يكون في جماعة، إذا لم يكن في جماعة يشذ ومن شذ، شذ في النار.
وإذا لم يكن في جماعة فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية؛ لأن الجماعة هي التي تقويه وتشد أزره وتغذي وريد إيمانه، وهي التي تشجعه، فيتقوى بعضهم ببعض، وتنعقد أواصر الأخوة في الله، إذاً: الجماعة الصالحة مطلوب من المسلم أن يختلط بها، ومطلوب من المسلم أن ينضوي تحت لوائها، ومطلوب من المسلم أن يكون فرداً من أفرادها، المجموعة الصالحة والرفقة الطيبة، لا بد من الاختلاط بها، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه أو تجد منه ريحاً طيبة، فلا يمكن للإنسان أن يقول: إننا من أجل إصلاح القلوب ينبغي أن نعيش منفردين ولا نخالط الناس، لكن أين الخطأ وأين الخطر؟
الجواب
الخطر في مخالطة أهل السوء، والاجتماع بقرناء السوء، وهذه الوحشة التي تحصل من امتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم، الذين دائماً يسيرون على الخطأ ولا يتوبون إلى الله ولا يرجعون، هؤلاء أنفاسهم دخان ينعقد في القلب، فيعلون القلب من هذا النتن، ومن هذا الران، مالا يعلمه إلا الله.
فإن قال قائل: أعطنا ضابطاً يضبط لنا الأمور في الاختلاط الجيد والاختلاط الرديء فنقول: إذا خالطت الناس في الخير، كالجمعة والجماعات، والأعياد والحج، وتعلم العلم والجهاد في سبيل الله والنصيحة، فهذا اختلاط محمود بل هو مطلوب شرعاً، وينبغي عليك أن تفعل ذلك، وأن تعتزلهم في الشر وفضول المباحات، فإذا رأيتهم على لهو ولعب ومعاصٍ وفسوق، فلا يجوز لك أن تختلط بهم.
وإن قال قائل: إن الأوضاع اليوم لا تيسر لنا اجتماعاً دائماً على الخير، فإنني موظف في شركة، وطالب في مدرسة، وعضو في جامعة، وهذه الشركة، أو المدرسة، أو الجامعة، لا بد أن أذهب إليها، بحكم الدراسة والدوام، ولا بد أن أختلط بالطلبة والموظفين والناس الذين في ذلك المحل، وإنني تاجر وأختلط بالزبائن، فكيف أفعل؟ هل أترك هذه الأماكن لأن فيها سوءاً؟ فإن الأسواق فيها سوء، وكثير من المدارس قد يكون فيها سوء، والشركات فيها سوء، فهل أترك الخلطة في عملي في المستشفى أو الدائرة أو الشركة، وما إلى ذلك من أنوع أماكن التجمعات التي يتجمع فيها الناس لكي يعيشوا في وظائف، أو يعيشوا من الوظائف هذه في هذه التجمعات، هل أترك ذلك؟ فنقول: إن الاختلاط هنا أمر صار شبه مفروض عليك، ولا تستطيع أن تترك الاختلاط بهؤلاء الناس، في الشركة أو المستشفى، أو المدرسة، أو الجامعة أو السوق، فإذا دعتك الحاجة إلى خلطتهم، ولم يمكنك اعتزالهم وهم يفعلون أموراً من الشر؛ لأنك لن تعدم أحداً يدخن أو يغتاب أو يلعب الألعاب المحرمة، أو يأتي بمنكرات في المجلس الذي أنت فيه سواء في الشركة، أو الجامعة أو السوق أو المستشفى، أو المكان الذي أنت موجود فيه، ولا يمكن أن نقول للناس: عطلوا المستشفيات؛ لأن فيها اختلاطاً، وغادروا الشركات؛ لأن فيها مدراء سوء، واتركوا الجامعات؛ لأن فيها شللاً منحرفة، بل نحن مطالبون بالإصلاح ومطالبون بأن يكون لنا دور عملي نغير به الواقع، فيكون واقعاً يرضي الله ، فأنت طبيب في المستشفى، فلا بد أن تغير الواقع وتسعى في تغييره ليكون مرضياً لله، فتقاوم الاختلاط والسفور والخلوة المحرمة، وأنت طالب في المدرسة ينبغي أن تدافع المنكرات وتغير الواقع، وتقاوم قرناء السوء، وتقاوم الصورة المحرمة، والفلم المحرم الذي قد يجلب، والألعاب المحرمة، والنكت والطرائف المحرمة، وأنت في السوق ينبغي أن تقاوم البيوع المحرمة والتعامل الحرام مع الزبائن، والتحدث مع النساء مع تكسرهن في الكلام، ودعوتهن بالشهوات والمظاهر التي تجلب الشقاء للنفس، إذاً: نحن مهمتنا المدافعة وتغيير المنكر إلى ما يرضي الله .
فإذا دعتنا الظروف لأن نكون مختلطين في هذا الواقع فماذا نفعل؟ لأن الواقع هذا قد يفسد القلب أو يقسيه، إنهم أناس لا يتورعون عن فعل الشر، وفي نفس الوقت لا يمكن أن نتركهم، ولا بد أن نختلط بهم في حكم عملنا، وهذا مجال كسب ووظيفة، ولا بد أن نكون فيه فما هو الحل؟ فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم وهم على أمور من المنكرات والشر، ولا يمكنك اعتزالهم أبداً -لأنه قد يمكن اعتزالهم في الشر- وإذا جاء وقت المباحات أو الخير اختلطت بهم، لكن إذا لم يمكن، فالحذر الحذر أن توافقهم على منكرهم وشرورهم، وأن تصبر على أذاهم، لأنك ستدعو وتواجه بأنواع من الأذى؛ لأنه لا يمكن للإنسان أن يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دون أن يلقى أذى، فإذا لم يجد الأذى معناه أن في سيره خطأ، إما أنه يداهن أو شيء من هذا القبيل، وإذا لم يجد في إنكاره أذى أبداً، فمعنى أن في إنكاره خطأ، طبعاً لا يشترط أن يكون الأذى كل مرة، فقد يجد قلباً متفتحاً وأذناً سامعة، وإنساناً مستجيباً ويثني عليه، فلا يشترط أن يجد الأذى كل مرة، ولكن في أحوال كثيرة، أو في بعض الأحيان، لا بد أن يجد شيئاً من الأذى، فالحذر أن توافقهم، واصبر على أذاهم.
وإذا دعتك الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، في أشياء من المباحات، فاجتهد أن تقلب ذلك المجلس طاعة لله، وأن تشجع نفسك على هذا الأمر وأن لا تستجيب للشيطان إذا قال لك هذا رياء، وأنت تريد أن تقلب المجلس إلى مجلس ذكر وأن تفتح مواضيع إسلامية، أنت مراءٍ، أنت تريد أن تبرز بينهم، على أنك أنت الشيخ وأنت الواعظ المذكر، وهذا رياء فلا تستجب للشيطان، وادع وذكّر: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] واستعن بالله عليهم، وأخلص في عملك، فإن أعجزتك المقادير فلم تستطع أن تغير أو أن تقلب المجلس إلى مجلس ذكر، فماذا تفعل؟ قال: ابن القيم ﵀ فيمن هذا شأنه: "فليسل قلبه من بينهم، سل الشعرة من العجين وليكن فيهم حاضراً غائباً، قريباً بعيداً، نائماً يقظاً، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه؛ لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى، وما أصعب هذا، وما أشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه".
أحياناً يضطر الإنسان أن يجلس في مجلس أو في مكا
стр. 34
التمني
ثانيا: التمني، فإنه من مفسدات القلب، وهو بحر لا ساحل له، يركبه مفاليس العالم، والمُنَى رأس أموال المفاليس، والمفلس هو الذي ليس عنده أعمال صالحة، أو ليس عنده عطاء لهذا الدين، ماذا يفعل لكي ينجو من لوم النفس إذا لامته، أو ينجو من تأنيب الضمير إذا أنبه؟ يعلق النفس بالأماني، ويقول: سيغفر الله لي، أليس الله بغفور رحيم! فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة تتلاعب براكب بحر التمني، وكل حسب حاجته، فمنهم من يعتمد على رحمة الله ويعصي ويحلم بالأماني، ويحلم بجنة عرضها السماوات والأرض، ولكن لا يفكر في أنها أعدت للمتقين، هؤلاء المتكلون على رحمة الله، مما ضيعهم مسألة مهمة جداً ما هي؟ إذا تأملت حالهم وجدتهم ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، هذه عبارة مهمة جداً، ذكرها علماؤنا، "ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم"، هؤلاء أصحاب الأماني، ما هي مشكلتهم ومصيبتهم؟ إنهم ينظرون في حقهم على الله، فيقولون: لا بد أن الله يغفر لنا، فنحن موحدون، ونحن مسلمون، قلنا: لا إله إلا الله، أليس من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ أليس؟ أليس؟ أكيد أن الله سيغفر لنا، فينظرون في حقهم على الله، والآن كل تفكيرهم وجل همهم ماذا سيفعل الله لهم من أنواع النعيم المقيم وجنات النعيم، ولكنهم لا يفكرون في حق الله عليهم، لو فكروا في حق الله عليهم وأنهم ينبغي أن يعبدوه وأن يصلحوا شأنهم معه؛ لعرفوا تقصيرهم، ولعرفوا أنهم مهما قدموا من الصالحات فلا يزالون مقصرين، إلا إذا تداركهم الله برحمته، و (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فإذاً: هذا التمني من الدواهي التي تصيب القلب فتهلكه؛ لأن الإنسان لا يزال في أحلام وتخيلات، في أنواع الجزاء الذي سيأخذه يوم القيامة، وهو قد نأى بنفسه عن التفكير في حق الله عليه.
ومن الناس من يجعل تمنياته في القدرة والسلطان، فيحلم وينظر إلى المستقبل أو ينظر إلى نفسه، يتمنى أن يكون أميراً أو كبيراً أو وزيراً أو رئيساً أو زعيماً، أو مديراً أو نائب مدير، أو نائب المدير العام ونحو ذلك من الأشياء.
ومنهم من أمانيه في الضرب في الأرض والتطواف في البلدان، في السياحات، ورؤية البلدان والمناظر الخلاّبة إلخ.
وهذا أمانيه محصورة بهذا الجانب، ومنهم أناس من أمنياتهم أو أمانيهم في الأموال والأثمان، تاجر وربح وكسب، وتضاعف رأس ماله ولا خسارة تذكر وهكذا وتوسعت الشركات، وفتحت الفروع، وعملت الأعمال، وهكذا فهو محصور في عملية الأثمان والأموال والتجارات وكل متمن بحسبه.
ومشكلة التمني أنه يصور الأمر لهذا المتمني أنه قد فاز بمطلوبه؛ لأنه عندما يفكر أنه قد وصل وأنه حصل على هذه الأشياء، وهذا مجرد تفكير وخيالات يرتاح فيها مؤقتاً، ويلتذ لذة وهمية، لأنه لم يحصل له شيء من هذا، وإنما هي أمنيات، فبينما هو على هذه الحال إذا استيقظ فوجد الحصير في يده، ليس عنده إلا الحصير.
فلابد أن نقف وقفة بسيطة، نقول: هل خطأ أن الإنسان يتمنى مالاً، أو غنىً أو جاهاً، هل هذا خطأ في الشرع، نقول: لا.
لكن الخطأ ورد في حديث مهم جداً، ذكره ﵊: ذكر أربعة من الرجال وذكر أحوالهم، فكان مما قاله في أحد الأحاديث: (ورجل يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان) إنسان غني يعمل صالحات، وينفق أموالاً وزكوات وصدقات وكفالة أيتام ويبني المساجد ويعمل الملاجئ والأوقاف وآخر يقول: لو أن لي مال فلان لعملت بعمله، وكلمة لو أن لي مال فلان، تعتبر تمنياً وهذا هو التمني المحمود؛ لأنه يتمنى لو أن له مال فلان لعمل فيه بعمل فلان، أي لتصدق وزكى وأنفق وبنى المساجد وكفل الأيتام، وتصدق على الفقراء، وأخرج المجاهدين وعمل أوقافاً إلى آخره، وطبع الكتب، ودعم الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية، وعمل مراكز ربما في الخارج، وأنفق على دعاة، وجعل رواتب للدعاة لكي يتفرغوا للدعوة، وفكر في أشياء، هذا الإنسان يؤجر على أمنيته، يؤجر على نيته الطيبة، ولو ما عنده مال، يقول ﵊: (فهما في الأجر سواء).
وآخر عنده مال عمل فيه بمعصية الله، سافر السفريات المحرمة، وأنفق الأموال على أهل الفواحش، وأرباب الفسق وقرناء السوء، وظلم في هذه المال، وقطع رحماً، ومنع زكاةً ولم يكن من المصلين، ولم يحض على طعام المسكين، ونهر السائل، وقهر اليتيم الخ.
هذا إنسان آثم ولا شك، وشخص آخر يقول: لو أن لي مال فلان، لعملت بعمله، لو أن لي مال فلان، لركبت السيارات، ولبست الساعة الذهب الفلانية، وسافرت إلى المحلات الفلانية، وعملت الفواحش، وعملت الموبقات، ووضعت في البنك الربوي الفلاني وجاءتني الفوائد الفلانية، إذاً: هذا الإنسان ليس له مال، لكن مجرد الأمنية هذه يأثم عليها، فيقول: ﵊: (فهما في الوزر سواء) مع أنه ليس له مال، ولكن تصور حتى تعلم أن القلب يعبد الله أو يعصي الله، يؤجر على ما في القلب ويأثم على ما في القلب، وهذا الإثم من إنسان مريد عاقد النية، لو كان له مال فلان لعمل فيه وهذا غير الخواطر، لأنه قد يقول قائل: إن الإنسان لا يأثم على الخواطر، نقول: نعم.
لا يأثم على الخواطر السيئة إذا طردها، جاءت ومرت، لكن هذا عازم، لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، معناها أن هذا الإنسان مصمم على المعصية وعاقد العزم عليها، وقلبه متجه إليها بكليته غير الشخص الذي يعي قول الله: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] فلا تتناقض في النصوص الشرعية.
هل يمكن أن تحجب التمني عن إنسان تقول له أنت يا فلان لا تتمنّ أبداً ولا تتخيل أي شيء؟ لا يمكن؛ لأن التمني شيء من ضروريات التفكير والعقل، ولا بد منه، وكل شخص يتمنى شيئاً ما.
فإذاً: ذكرنا تمنيات أهل الفسق والفجور، فما هي تمنيات أهل الصلاح؟ ذكرنا بعض التمنيات التي تصرف الإنسان عن الله في الأثمان والنسوان والسلطان الخ.
فما هي تمنيات أصحاب الهمة العالية؟ مثلاً: رجل يتمنى أن يحفظ صحيح البخاري، أو يحفظ القرآن قبل ذلك، ويتمنى أن يكون قد قرأ كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ويتمنى أنه قد درس عند الشيخ الفلاني، أو يتمنى أنه كان في روابي أرض الجهاد فيجاهد في سبيل الله، يتمنى الخير ويقول: لو أن لي مالاً لعملت به بعمل فلان من الأتقياء، يتقي فيه ربه، ويخرج حقه، ويصل رحمه.
هذا التمني هو الذي ينبغي أن يكون في نفس المؤمن، يتمنى أن يقاتل أعداء الله، يتمنى أن يرفع لواء للجهاد فيكون من أوائل الخارجين في سبيل الله، هذه الأمنيات ينبغي أن تكون موجودة في القلب وهي ليست مهلكة، ولا آثمة، وإنما هي أماني المؤمن، ولكل إنسان أمانيه، فما هي أمنيتك أيها المسلم؟ إن العصاة يتمنون أن يعصوا الله بأموالهم وصاحب الدنيا يتمنى سيارة فارهة، وبيتاً من عدة أدوار، وسلطان، وأهل الآخرة أمنياتهم تختلف عن أهل الفسق تمام الاختلاف.
стр. 35
التعلق بغير الله
ومن الأمور التي هي من مفسدات القلب كذلك: التعلق بغير الله .
أيها الإخوة: التعلق بغير الله له عدة نواحٍ والكلام فيه من عدة فروع، فمن التعلق بغير الله: التعلق بالدنيا، وقد مثله حديث رسول الله ﷺ ، أجود تمثيل في قوله ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) هذا الرجل المتعلق بغير الله، فمن الناس من يتعلق بالأموال، فيعمل لها كل همه، فيخرج من الصباح ويسعى ويعمل ويكدح إلى الليل، وربما سهر إلى الساعة الثالثة في الفجر، كما قال بعضهم: امرأة تشتكي زوجها قالت: يخرج الصباح فلا يرجع إلا الساعة الثالثة في الليل، مضيع لزوجته ولأولاده ولبيته ويقول لها: هذه حياتي تريدين العيش أهلاً وسهلاً، لا تريدين هذا الباب مع السلامة.
فهذا الشخص عبد الدينار والدرهم، وجعل همه للدرهم والدينار، إن رضي فللمال، وإن غضب فللمال وإن سخط فللمال، وإن أعطى فللمال، وإن منع فلأجل المال، وهكذا، فجعل هذا الدرهم والدينار هو معبوده من دون الله، وهو إلهه الذي يسعى في مرضاته، والكلام في هذا الموضوع كثير، وسبق أن طرحناه عدة مرات في مجالات أوسع من هذا، ولكن هنا فقط إشارة، وهناك أناس يتعلقون مثلاً بمدير أو رئيس مثلاً، فيجعل هذه الرئيس إلهاً يعبد من دون الله، فيطيعه في معصية الله، ويجعل همه في إرضائه، ويتجنب إسخاطه بكل وسيلة ولو أسخط ربه، ويجعل هذا الرئيس إلهاً يعبد، ويكون هو عنده بمثابة الخادم العبد الذليل الذي يفعل له كل شيء، من أجل أن يرضيه، ولا يفكر في إرضاء ربه ، تعس عبد هذا الرئيس.
ومن الناس من قد يتعلق أو يجعل همه إرضاء زوجته، تعس عبد الزوجة، فلو أمرته بمعصية الله أطاع، وجرته إلى مكان معصية ذهب، وهكذا من الأشياء التي قد يقع فيها بسبب إسلامه القيادة لامرأة فاسقة عاصية.
ومن التعلق بغير الله: العشق، وهذا أمر خطير جداً، قد وقع فيه كثير من الناس في القديم والحديث، وقالوا فيه الأقاويل والأشعار حتى أوضحت لنا مكنونات أولئك الناس، فإذا أردت أن تعرف عذاب العاشق في الدنيا، فإنه إنسان فانٍ في محبة معشوقة، ومع ذلك ربما يقرب منه ويبعد عنه ذاك المعشوق ولا يفي له، ويهجره ويصل عدوه، فمعشوقه قليل الوفاء كثير الجفاء، كثير الشركاء سريع التغير، عظيم الخيانة، لا يدوم له معه وصل، فكيف إذا هجره ونأى عنه بالكلية، فإنه يكون عند ذلك جاءه العذاب الأليم، والسم الناقع، الذي يجعل حياته جحيماً لا تطاق، فالمشكلة تبدأ بالتعلق، أو بالإعجاب، قد يعجب بشخص من الأشخاص، ثم يتزايد هذا الإعجاب فيقوى، حتى يصبح تعلقاً بحيث إنه لا بد له من أن يلقاه في كل وقت، وفي كل حين، وأن يجلس إليه، وينظر إليه، ويسمع كلامه، ثم تتطور الأمور حتى تصبح عشقاً، فيصبح متيماً بهذا الشخص، همه إرضاء هذه الشخص قد غلبت محبته لهذا الشخص محبته لله ، فلذلك يعبده من دون الله ويستولي على قلبه، ويتمكن منه، فصار العاشق عابداً للمعشوق، يسعى في مرضاته ويؤثره على حب الله، بل يقدم رضاه على رضا الله، وحبه على حب الله، ويتقرب إليه ما لا يتقرب إلى الله، وينفق في مرضاة هذا المعشوق ما لا ينفق في مرضاة الله، ويتجنب في سخط هذا المعشوق ما لا يتجنبه من سخط الله، فعند ذلك يكون عبداً له بالكلية، ويكون مشركاً مع الله .
وتأمل كيف قاد العشق امرأة العزيز إلى أن وقعت في المهاوي وعمدت إلى الفاحشة، وركبت رأسها، وغلقت الأبواب، ودعت يوسف وخانت زوجها، وأودى الأمر إلى أن يتكلم فيها نساء المدينة، ومع ذلك هي مصرة على غوايتها، وتقول: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
فإذاً: أودى العشق بهذه المرأة في مهاوٍ، والشرك قرين للعشق، والتوحيد يبعد عن العشق تماماً، ولذلك كافأ الله يوسف بتوحيده لربه فأبعده عن الهلاك والرذيلة، وجعل تلك المرأة بشركها ملومة مذمومة يتكلم الناس عنها، حتى اعترفت بذنبها في النهاية، وبرأت يوسف ﵇.
وتكلمنا في محاضرة سابقة عن موضوع العشق لكنه -أيها الإخوة- ولم يجر عادة الكلام فيه، من شاء فليرجع إليه، لكن ينصح في هذا الموضوع بقراءة ما كتبه العلامة ابن القيم ﵀ في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وكتاب إغاثه اللهفان من مصائد الشيطان، تكلم عنه في موضع من المجلس الأول وفي المجلد الثاني ربما كان الكلام أكثر في أواخره تقريباً، فموضوع العشق هو نتيجة ضعف الإيمان، والقلوب التي لا يكون فيها إيمان مستقر، فإنه يتطرق إليها العشق، وأنتم أيها الإخوة: لو تأملتم في أكثر كلمات الأغاني لوجدتم أنها تدور على معاني العشق، وكلها صدرت من أشخاص قد جربوا العشق أو عشقوا سواء كان الملحن أو المؤلف أو المغني أو السامع، فإن غالب الكلام إذا تأملت فيه وتبصرت فعلاً بنور الإيمان في كلام هؤلاء المغنين، لوجدته وصفاً لأحوال العشق، وأنه قد عبر أمامه وأن قلبه قد أنشد إليه، وأنه أحسن ما في الدنيا، وأنه إذا أعطاه كلمة واحدة من الثناء، فإن له بالدنيا وما له بالدنيا وما فيها، ولذلك تقرأ حتى في بعض أشعارهم: (لو كانت ليلى في جهة المشرق، وأنا أصلي للغرب؛ لتيممت نحوها في صلاتي، ولو أنه بين الحطيم وزمزم) والكلام كله يدور على معاني العشق، وهذه الأغاني قد دمرت القلوب تدميراً، ولعله يتاح لي الفرصة للكلام على مساوئ الأغاني وترسيخ العشق في قلوب الناس السامعين، لأن بعض الناس يقول: لماذا أنتم تعقدون الأمور جداً، والأغاني ماذا فيها؟! موسيقى وكلمات، لكن صدق -بالله العظيم- أن هذه الكلمات والألحان تجر إلى الشرك بالله ، وتزين العشق للسامعين وللناس، ومن نتائج سماع الأغاني المتكررة، أن يبدأ هؤلاء السامعون للأغاني في عشق النساء والمردان وعشق الصور الجميلة -طبعاً الأشخاص- المحرمة، وينبني عليها فساد عظيم في الدنيا وفي الآخرة، وينبني عليها ثوران الشهوات وينبني عليها تخريب العلاقة برب العالمين، وينبني عليها فساد العبادات، يقول: إياك نعبد وإياك نستعين، الفاتحة، وقلبه متعلق بامرأة أو شخص وهكذا المسألة تسير في هذه الناحية فيجعل جل همه في إرضاء هذا المعشوق وفي طاعته، وباختصار في عبادته من دون الله.
وينبغي أيها الإخوة: أن نعلم أن العشق قد يرتبط بالمحبة، لأن العشق هو عبارة عن محبة، زادت جداً جداً حتى وصلت إلى مرحلة أنه صار متيماً بهذا الأمر، وبلغ فيه النهاية القصوى، وتخلل قلبه محبة هذا المتعلق به، فينبغي أن نعلم بأن المحبة، نوعان: النوع الأول: محبة نافعة.
النوع الثاني: محبة محرمة.
فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع: النوع الأول: محبة الله وهي الأساس.
النوع الثاني: المحبة في الله، فنحن نحب الأنبياء لأي شيء؟ لصورهم وأشكالهم!! لأن الله أرسلهم، لأننا نحب الله، وهؤلاء جاءوا رسلاً من الله، فنحن نحبهم لأنهم جاءوا من محبوبنا الأعظم من الله الذي نحبه أكثر من كل شيء، أو هكذا ينبغي أن يكون الأمر.
ثانياً: المحبة في الله.
النوع الثالث: محبة ما يعين على طاعة الله.
والمحبة السيئة ثلاثة أنواع: النوع الأول: محبة مع الله، هذا شرك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وهذا يقع فيه العاشقون، يقعون في هذا النوع من الشرك وهو المحبة مع الله، فهذا من أحسن أحوال بعضهم، وإلا فإن بعضهم نسي الله تماماً، وصار كل همه في محبة المعشوق محبة مع الله.
النوع الثاني: محبة ما يبغضه الله، وهي مذمومة أيضاً.
النوع الثالث: محبة ما يقطع عن الله، إذا كان محبتك لشيء تقطعك عن الله، فمحبتك لهذا الشيء حرام، إذا كان التلفزيون يقطعك عن الله، فمحبتك له حرام، إذا كانت الألعاب -أي لعبة لو كانت مباحة- فلو قال قائل: المحبة مع الله شرك عرفناه، محبة ما يبغضه الله عرفناها، ولو كانت أفلاماً محرمة، أو أغاني إلى آخره عرفنا أنها محرمة وأن محبتها محرمة وأن الله يبغضها وأن محبة ما يبغضه الله حرام، لكن ما معنى محبة ما يقطع عن الله؟ يعني: أن هناك أشياء مباحة أصلاً لا يبغضها الله، لكن إذا كانت محبتك لها تقطعك عن الله، فينبغي أن تبغضها، ولا تحب الأشياء التي تقطعك عن الله ولو كانت مباحة مادامت تقطعك عن الله مثلاً: إنسان محبته لزوجته تمنعه من الخروج إلى صلاة الفجر، ما حكم محبة الزوجة؟ مباح، بل شيء طيب، بل لا يمكن أن تستقيم الأسرة إلا إذا أحب الرجل زوجته والعكس، لكن لو أن هذه المحبة صارت إلى درجة أن الرجل من تعلقه بزوجته صار لا يمكن أن يفارقها، لإجابة نداء المؤذن في صلاة الفجر، فماذا يكون الحكم؟ هنا صار الأمر محرماً، لأن هذه المحبة في هذا الأمر قد قطعته عما يحبه الله، فصار تعطيلاً عن العبادة ومنعاً من أدائها، وصار أمراً لا يجوز، وقد أجاب ابن القيم ﵀ في موضوع العشق في إغاثة اللهفان عن مسألة قال: ما حكم عشق الرجل لزوجته؟ فقال: إنه جائز إلا إذا كان يشغل عن عبادة الله.
لا يمانع أن الإنسان يحب زوجته جداً، بشرط ألا يقع في الشرك لكن إذا وصل الأمر إلى أنها توقعه في معصية وتصرفه عن طاعة، فعند ذلك يصبح أمراً محرماً.
ومحبة الصور المحرمة وعشقها من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك، كان عشقه للصور أوقع وأكثر في نفسه.
стр. 36
كثرة الطعام
ومن مفسدات القلب أيها الإخوة: كثرة الطعام، وكثرة الطعام على نوعين: شيء من المحرمات، أو من المباحات، فإذا كان محرماً كالميتة، والدم والخنزير والخمر والشيء المغصوب والمسروق فإن أكله حرام، ولا يجوز فهو يفسد القلب بالتأكيد.
وكل جسم نبت من سحت فالنار أولى به، وإذا كان يأكل من الربا ويتغذى على الربا، فهل سيكون قلبه يقظاً؟ بالتأكيد لا.
الشيء الثاني: أطعمة مباحة، لكن الإنسان أسرف وجاوز الحد في المباح، والمباحات لها حدود فإذا جاوزت الحد في المباح تقع في المحذور، فالإسراف في الحلال في هذه المطعومات يؤدي إلى الشبع المفرط، والشبع المفرط يشغل عن الطاعة، وذلك لأنه يسبب بطنة، ومحالة إزالتها أو الوقاية من أمراضها، فيكون شيئاً مذموماً، ثم إن الشبع التام يقوي الشهوة، ويوسع مجاري الشيطان ومن أكل كثيراً شرب كثيراً فنام كثيراً فخسر كثيراً، ولا يمكن أن نقارن بين التوسع في الحلال وبين الأكل الحرام، لكن أيهما أعظم؟ الأصل أن الأكل من الحرام أعظم، والتوسع في المباح يصير مذموماً إذا شغل عن عبادة الله ، ودعوني أقول لكم فائدة ذكرتها الآن: جاءني سؤال في ذات مرة، قال: رجل يأكل ثم يذهب ويستفرغ، ثم يعود يأكل ثم يذهب ويستفرغ، لماذا؟ قال: لأن هذا الإنسان يحب الطعام جداً، ولا يمكن أنه لا يأكل، أو يتلذذ بالطعام، ولكنه في نفس الوقت لا يريد زيادة وزنه فكيف يجمع بين الأمرين؟ فصار هذا المسكين يأكل ويتلذذ بالطعام، ثم يذهب إلى دورة المياه ويتقيأ ويتقيأ، ثم يعود مرة أخرى، فسألت الشيخ عبد العزيز حفظه الله عن هذا الموضوع قال: لا أدري ما هذا؟ عبث وأقل أحواله الكراهية الشديدة، لأنه إنسان متلف للمال على غير شيء، يأكل ويذهب ويستفرغ، فصارت المسألة كأنها حياة البهائم.
стр. 37
كثرة النوم
والمسالة الخامسة من مفسدات القلب كثرة النوم، فإن كثرة النوم، تميت القلب، وتثقل البدن، ومضيعة للأوقات، وسبب في الغفلة والكسل، وهناك نوم نافع، كالقيلولة وأول الليل وسدسه الأخير، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه، أي: قبل الظهر أو بعد الظهر أنفع من طرفيه، وكلما قرب النوم من طرفي النهار زاد ضرره وقل نفعه، إلا المحتاج، فلو نمت مثلاً في أول النهار وقت تنزل البركات (بورك لأمتي في بكورها) ونوم بعد الفجر عند السلف مذموم؛ لأن هذا وقت تقسم فيه الأرزاق، وتحل فيه البركة، وتتنزل فيه ملائكة الرحمن، فيكون من حرمان الخير النوم فيه إلا المحتاج، وكذلك النوم بين المغرب والعشاء، وهذا أسوء الأشياء ولذلك نهى عنه الرسول ﷺ نهياً صريحاً، نهى عن النوم قبل العشاء، ولا ينام الإنسان قبل العشاء، النوم بعد المغرب منهي عنه، وهذا أسوء أنواع النوم، والنوم بعد العصر أيضاً فيه نوع من الضرب، ولكن إلا للمحتاج، لأن طبيعة العمل تحيج الإنسان لهذا، ولقد صار الناس نتيجة الورديات والأعمال وتطلب الإنتاج الكبير يشتغل في المصنع أربعاً وعشرين ساعة، حتى يكون إنتاجه أكثر فلما جعلنا همنا للدنيا، صار الناس حياتهم في جحيم، فيقول لك: أنا ليلي نهار، ونهاري ليل، منقلب وأريد أن أبدل وأسير على غير هذا إلا أن المجتمع صار هكذا، كل الأشياء مبنية على الدنيا.
стр. 38
الذنوب والمعاصي
ومن الأشياء التي تفسد القلب: الذنوب، ومن الأدلة على ذلك ما قاله ذلك الرجل الصالح:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
وكما جعلت حياة البدن بالطعام والشراب، فحياة القلب بدوام ذكر الله والإنابة إليه، وترك الذنوب، وإذا زادت الذنوب علا الران على القلب، حتى يتغلف ولذلك قال بعض السلف: اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: الموطن الأول: عند سماع القرآن.
الموطن الثاني: في مجال الذكر.
الموطن الثالث: في أوقات الخلوة.
فإن لم تجده في هذه المواطن، فاسأل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك.
стр. 39
الخواطر السيئة والاسترسال فيها
ومن الأمور التي تفسد القلب أيضاً: الخواطر السيئة والاسترسال فيها، وقد ذكرنا قبل قليل أن مجرد مرور الخاطر لا يمكن للإنسان أن يدفعه بل لابد أن يخطر ببالك شيء، لكن الخطر عندما تسترسل في الخواطر السيئة وتتمادى فيها، فإن مبدأ كل عمل خواطر وأفكار، الخاطرة تصبح فكرة، والفكرة تصبح تصوراً، والتصورات تدعو للإرادة، والإرادة تقتضي وقوع الفعل، وإذا وقع الفعل بكثرة وتكرر وصار عادة، فأنى لهم بعد ذلك أن يغيروا.
فإذاً: متى تصلح أعمالك؟ إذا صلحت خواطرك التي تخطر في قلبك ونفسك، وصارت خواطر طيبة، وإذا صارت الخواطر السيئة دائماً تخطر ببال الإنسان كالفواحش والحرام، والكسب المحرم، ويخطر بباله الظلم وأنه يريد أن يبطش.
إذا كثرت الخواطر السيئة والإنسان لم يدافعها ولا استعاذ بالله منها، واسترسل فيها وتمادى، تتحول إلى ملكات في النفس راسخة، ثم تضغط على الجوارح حتى تصبح فعلاً، فيفعل ما خطر بباله من المحرمات، والإنسان لا يمكنه منع نفسه من الخواطر، إلا أن قوة الإيمان تعين على دفع الخواطر الرذيلة.
انظر إلى حال الصحابة، يعني: أحياناً تأتي لأحدهم الخواطر في ذات الله ، (قالوا: يا رسول الله! إن أحدنا ليجد في نفسه ما أن يحترق حتى يصير حمماً، أحب إليه من أن يتكلم به) تأتينا أحياناً خواطر في ذات الله، لو أني ترديت من جبل أو احترقت حتى صرت فحماً ولا أن أتكلم به، فقال ﵊: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ذاك صريح الإيمان) يعني: إذا أنت توصلت إلى التحرج من هذه الخواطر لدرجة أنك تتردى من جبل، وتهلك وتحترق ولا تتكلم بها معناه أنك إنسان عندك إيمان قوي، ولذلك خنس الشيطان في نفسك ولم يقدر عليك إلا بهذه الخواطر تكرهها وتدافعها ما استطعت، والله خلق النفس شبيهة الرحى، ما هو الرحى؟ آلة الطحن، ولا تسكن، خلق النفس شبيهة بالرحى لا تسكن، هذا تمثيل جيد، ذكره ابن القيم ﵀ وهذه الرحى التي لا تسكن لا بد لها من حب تطحنه، فإذا طحنت حباً خرج دقيقاً جديداً، كان الحب قمحاً فخرج طحيناً جيداً، وإذا كان تراباً وحصىً ماذا يخرج الطحن؟ وإذا كان في الطاحون شيء من القمح، ثم جاء إنسان بسطل من التبن وفتح الطاحون ووضعه فيه، فماذا سيحدث؟ يختلط الطيب والرديء، فانظر في نفسك ما هي الأفكار التي تدور فيها؟ فإذا كان ما يدور في نفسك قمحاً جيداً ستكون النتيجة عملاً جيداً، ودقيقاً نافعاً.
وإذا كانت الخواطر التي تدور في نفسك خواطر سوء معناها أن النتيجة التي ستخرج بعد الطحن ستكون أعمالاً سيئة، وإذا كان مخلوط بينهما، يخرج لك مثل الدقيق المخلوط بالتبن والعلف وهذا حال النفس وما يأتي فيها من الخواطر الطيبة والرديئة.
стр. 40
حب الرئاسة
بقي لنا أيها الإخوة من الكلام في هذا لموضوع نقطتان: الأولى: تتعلق بحب الرئاسة، والثانية: تتعلق بالرياء، ثم الإجابة عن بعض الأسئلة.
أما بالنسبة لحب الرئاسة فإن حب الرئاسة شهوة خفية في النفس، وطمع يسعى إليه كل من في قلبه شيء من محبة هذه الأمور، فإن أكثر الناس يحب أن يكون ظاهراً ومعظماً، رئيساً مطاعاً وإليه الأمر في الأمور، وأن يؤخذ برأيه ومشورته، ونحو ذلك.
ونظراً لأن حب الرئاسة أو لأن الرئاسة إذا حصلت، يقع كثير من الناس بسببها في الظلم وفساد النية؛ لأن أصحاب المراكز دائماً الأنظار والأضواء مسلطة عليهم، جاء فلان وحضر فلان، فيقع في نفس الشخص شيء من كثرة ذكره بين الناس، وأنه شخص مهم، وبالتالي يقع فساد في قلبه من جراء هذا الأمر خصوصاً إذا بدأ الناس يتزلفون إليه، وقد يصرفون إليه شيئاً من الأشياء التي لا تجوز إلا لله، من أجل أن يحصلوا على مكاسب من ورائه فيتخذونه سلماً ويصرفون إليه أشياء من هذه الأمور التي فيها معاني العبودية، نظراً لذلك كانت الرئاسة مسألة خطيرة، وكان للسلف مواقف منها، وكان ﷺ إذا جاءه واحد يطلب إمارة لم يعطه، قال: (إنّا لا نولي هذا الأمر أحداً سأله) جاء واحد يسأل الإمارة فقال: (يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن سألتها -أي أعطيت لك- أوكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها) لو أعطيتها من غير مسألة وقيل لك: تولَّ قلت: لا أريد، ثم ألزموك بها، فسيعينونك رغماً عنهم؛ لأنهم هم الذين ورطوك في الأمر وأنت كاره له، فلا بد أن يعينوك، وإلا فلا تقبل بهذه، ولأن الرئاسة أو الإمارة فيها إفساد للقلب، ابتعد عنها كثير من السلف، وكانوا يتعوذون بالله منها كما يتعوذون من الشيطان، وهذا الذي يفسر لنا عزوف بعض السلف عن القضاء، يخشى من المنصب، ويخشى أن يظلم الناس بسببه، وكان ربما ضرب بعضهم وسجن ليتولى القضاء ويرفض ذلك.
فإن قال قائل، لكن الناس لا بد لهم من رؤساء، ولا بد لهم من قواد، فكيف نفعل؟ فنقول: في الوضع الإسلامي والجو الإسلامي، عندنا نماذج ما حدث في عهد أبي بكر وعمر، وقول أبي بكر لما بويع، طلب من الناس إذا وجدوه على خير أن يعينوه وإذا وجدوه على باطل أن ينقدوه ويصوبوه، وكان عمر دقيقاً في محاسبة الولاة، وكان يعزل ويولي على أشياء بالدقة والإتقان، ويجعل العيون على الولاة، وكانت تأتي إليه أخبارهم بالدقة دائماً وهذا في عهد السلف ولا بد أن نفهم هذه القضية، في عهد السلف كان الأكفاء وأهل العلم كثر، إذا تدافعوا القضاء سيتولى واحد من أهل العلم، لأن أهل العلم كثر، وكذلك إذا ولي فلان ولايات، هناك من الأكفاء وأهل الطاعة والإيمان والقدرة كثر، إنه مجتمع إسلامي ناضج وفيه خبرات متفتحة، فلما تدافعوا كان تدافعهم من أجل أنه وجد أكفاء يديرون الأمور، فلو دفع عن نفسه؛ لا يحصل بسبب ذلك ضرر على المجتمع، لكن نحن الآن في وضعنا ماذا نفعل، تعالوا ننظر في حال يوسف ﵇ ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] لماذا طلب يوسف المنصب؟ وكيف يطلب يوسف المنصب؟ ونحن نتكلم الآن عن حب الرئاسة، نقول: إن يوسف كان يعلم، ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، أنه كان لديه خبرة وقدرة على إدارة أمور التخزين، والصرف للناس بشيء من القدرة التي أعطاه الله إياها، ولم يكن يوجد في البلاد مثله ولا قريباً منه، فلأجل صالح الناس العام طلب أن يتولى ذلك المنصب، ولذلك نقول: إذا قل الأكفاء، فلا بد أن يولى الأكفاء وإذا ولي الأكفاء، فلا بد أن يربوا لأنه لو لم يتول هذا المنصب، لجاء آخر فأفسد فيه، لكن لو وجد من يتولى المنصب مثله في الكفاءة، أو قريباً منه، فالأسلم للقلب في هذه الحالة أن يبتعد عن المنصب، فلو كان يشغل المنصب عندنا فاسق وإنسان متمسك بالدين، وعنده خبرة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] أمانة وقوة وخبرة، فمن الذين يتولى؟ هل يقول الرجل الصالح: لا.
هذا خطر على قلبي لا.
إذا كان هذا المنصب ليس فيه من المنكرات والآثام والمفاسد أكثر من مصلحة وجودك فيه، فإنه يتعين عليك إنقاذاً لمصالح الأمة -التي تستطيع أن تحققها من هذا المنصب- أن تتولى هذا المنصب، ولو كانت المفاسد التي فيه أكبر من المصالح بحيث ربما تفسد أنت في المنصب، بحجة مصلحة المسلمين فلا يجوز لك أن تتولى، وإذا وجد مثلك في الكفاءة لنفس المنصب، فإن الأسلم للقلب أن تبتعد، لكن إذا لم يوجد غيرك، ومثلك في الكفاءة أو كانت المصالح أكثر من المفاسد، فإن توليك له مصلحة شرعية، وينبغي أن تحرص عليها، لا لأجل المنصب والشهرة، وأن يكون لك مكانة بين الناس، ولكن لأجل حماية مصالح المسلمين.
ونرجو بهذا التوضيح الأخير، أن تكون المسألة الآن قد صارت واضحة.
следующие страницы →