← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

عائق مفاهيم خاطئة عن الدين عند الناس من العوائق -أيضاً- أن كثيراً من الناس اليوم عندهم مفاهيم خاطئة عن الدين:

стр. 3187

الالتزام بقدر الاستطاعة مثلاً: يأتي إلى حديث الرسول ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) احتج أحدهم على أحد من الفضلاء بهذا الحديث، وقال: يا أخي! أنت لماذا تريدنا أن نتمسك بكل شيء ونتبع كل شيء؟ الرسول ﷺ يقول: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ففهم ما استطعتم، أي: ما استطعتم على التيسير والتسهيل، أي: إن تيسر لك الالتزام التزمت، وإن لم يتيسر لك الالتزام لا تلتزم هكذا فهم. (فأتوا منه ما استطعتم) أي: على قدر الفراغ، مع أن الرسول ﷺ لم يقصد هذا الفهم مطلقاً. أيها الإخوة! الرسول ﷺ يأمرنا أن نتمسك بالدين بجميع ما أوتينا من قوة، لكن قد لا يستطيع الإنسان أحياناً، فعند ذلك إذا لم يستطع وعجز تماماً؛ فله أن يدع ذلك الأمر لعجزه. أما أن نأخذ الإسلام على التساهيل، إذا وجدنا فرصة التزمنا، وإذا لم نجد الفرصة لم نلتزم وهكذا، هذه مشكلة.

стр. 3188

الدين يسر كذلك يقول كثيرٌ من الناس عندما تواجههم بأمور وحقائق وأحكام يقول: يا أخي! (الدين يُسر) يفهم هذا فهماً خاطئاً. أقول: نعم الدين يسر ولا شك في هذا، والرسول ﷺ بعث بالحنيفية السمحة، ولكن إذا دققت في كلام أولئك الناس تجد أنهم يقولون: بلا دين هو اليسر، هو يحتج بأن (الدين يسر) ويريد من هذا التخلص والهروب من كثير من الأحكام، فإذا جئت تحقق في دعواه؛ وجدت أنه يقصد "بلا دين هو اليسر" هذه حقيقة ما يدعو إليه وما يقوله، أي: لا يريد الالتزام بالأحكام، لأن الدين يسر. هل معنى أن الدين يسر أنك لا تلتزم بأحكام الإسلام؟! هذا مفهوم عجيب جداً، مثلاً: أنت الآن في أرض منقطعة وليس عندك ماء، فإذا حان وقت الصلاة تيممت، هل فرض الله عليك أن تحفر بئراً حتى تتوضأ؟ لا. وإنما أباح لك التيمم رخصة من الله ، كذلك قصر الصلاة، والمسح على الجوربين، وجمع الصلاتين، هذه الأشياء المشروعة هي معنى "الدين يُسر". هل معنى الدين يُسر أن نتفلت من الأحكام ونأخذ ما نشاء وندع ما نشاء؟ لا. هذا أصبح الدين لعباً، وهذه من صفات بني إسرائيل أنهم اتخذوا دينهم لهواً ولعباً، الذي يعجبه يفعله والذي لا يعجبه لا يفعله، والذي يدخل عقله يفعله والذي لا يدخل عقله لا يفعله، والذي يطاوع هواه يفعله والذي لا يطاوع هواه لا يفعله وهكذا.

стр. 3189

أولئك هم الصحابة بعض الناس -مثلاً- إذا جئت تكلمه وتقول له: يا أخي! الحكم كذا، والرسول كان يفعل كذا. يقول لك: إيه ذاك الرسول، الصحابة كانوا يفعلون كذا: إيه أولئك الصحابة، هذا كلام نسمعه كثيراً. أي: سبحان الله! الرسول أرسل لكي يعمل بمفرده، وليعمل لنفسه، لا لأجل أن نستفيد من هذا العمل مطلقاً، هذا معنى كلامه، لأننا كلما أتينا بشيء قال: ذاك رسول، أي: لا نتبع شيئاً من أوامر الرسول ﷺ ، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال:٢٠]. وهؤلاء الصحابة قدوتنا، وإذا لم نقتدِ بالصحابة ولا بالرسل ﷺ فبمن نقتدي إذاً؟ وما هي فائدة القدوة؟ ولماذا صار ذلك الجيل الذي اجتمعت فيه تلك الصفات أمام الأمة وفي بدايتها، وما هي الحكمة أن نقتدي بهذا الجيل، وأن نسير على نهجه وعلى طريقه؟

стр. 3190

المقصود منه كذا وكذا وإذا جئت إلى أحكام كثيرة، تنهى الإنسان عن إسبال الثوب، يقول لك: المقصود الخيلاء وأنا لم أسبل خيلاء، ومن الذي قال لك: إن النهي عن إسبال الثوب المقصود منه الخيلاء؟ ومن أين استقيته؟ فكثير من الناس ليس عنده علم، يقول هكذا، فإذا رجعت إلى الأحاديث وجدت أن الإسبال منهي عنه مطلقاً لا للخيلاء ولا لغير الخيلاء: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فصار عندنا عملين مختلفين كل واحد له جزاء مختلف عن الآخر: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) مطلقاً و (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فالذي يسبل ثوبه إلى تحت الكعب له جزاء وهو أن يحترق ذلك الجزء من جسمه في النار، ومن جره خيلاء له جزاء أعظم وهو ألا ينظر الله إليه. انظر كيف تبين الأحاديث، وهذا الرجل يقول: المقصود أنها خيلاء، ثم كما يقول ابن العربي ﵀ في فتح الباري في التعليق على هذا الحديث الذي رواه ابن عمر في الصحيح: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) قال: وأي إنسان يقول: أنا لا يوجد في نفسي خيلاء، لا نقبل كلامه، لأن معناه أننا فتحنا الباب أمام كل أحد أن يقول: أنا لا أقصد الخيلاء: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ما يدريك أن ما في نفسك خيلاء، أي: لو لم يكن هذا الحكم إلا من باب سد الذرائع لكفى.

стр. 3191

هذه سنة وإذا جئت إلى إناس في قضايا كثيرة من الأحكام قال: يا أخي! هذه سنة، أي: إذا فعلتها أُثاب وإذا لم أفعلها لا أعاقب، ومن قال لك: إن هذا هو تعريف السنة، هل هذا هو التعريف فقط للسنة، أليس عندنا سنن واجبة، وسنن مستحبة، صلاة الظهر أربع ركعات ليست موجودة في القرآن، وموجودة في السنة، فصلاة الظهر أربع ركعات سنة لكنها واجبة. هل يستطيع أحد أن ما يريد، كثير من الأحكام وردت في السنة واجبة ملزمة لا يمكن أن يتخلى عنها الإنسان مطلقاً، فالذي يقول: إن أي سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها هذا كلام خطأ، ليس هذا هو التعريف فقط للسنة، هذا إحدى التعريفات؛ ولكن هناك سنن واجبة وسنن مستحبة، فيجب عليك أن تنظر هل هي من السنن الواجبة أم من السنن المستحبة.

стр. 3192

إنما الأعمال بالنيات كذلك يوجد عند الناس قضية (إنما الأعمال بالنيات) أي إنسان تريد أن تتكلم معه في أحكام يقول: والله إنما الأعمال بالنيات، وأنا نيتي طيبة، طيب! الحديث يقول: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل مشكلته أنه لا يوجد عنده أعمال في الأصل حتى تكون بالنيات! الحديث يقول: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا الرجل لا يعمل أي عمل، ثم يقول: (إنما الأعمال بالنيات) أين الأعمال؟ أرنا الأعمال أولاً؟

стр. 3193

إن الله غفور رحيم تجدهم يفهمون (إن الله غفورٌ رحيم) كما يشاءون، وينسون أن الله شديد العقاب، وإذا ناقشت أحدهم يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] والحمد لله أنا لست مشركاً؛ فإذاً -إن شاء الله- الله يغفر لي، والحمد لله أنا في خير، وأنا أملي في الله كبير، وأن واثق بالله، وأنا ولكن الآية تقول: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. ما يدريك أنك من الناس الذين شاء الله أن يغفر لهم؟ هل عرفت مشيئة الله وعرفت أنت في أي نوع من الأنواع إن شاء الله أن يعذبك أو يغفر لك؟! نحن نقول: نعم كل الأعمال سوى الشرك تحت المشيئة، يمكن أن الله يعذبه، وقد يغفر له ولا يعذبه، لكن ما يدريك يا مرتكب المنكر يا مرتكب الحرام يا من وقع في المعصية بأنك دخلت في مشيئة المغفرة وأن الله قد غفر لك؟ ثم تأتي وتحتج بالآية! أيها الإخوة! هناك مفاهيم كثيرة خاطئة عند الناس يفهمونها عن الإسلام، فمفهوم الشهادتين خطأ، ومفهوم العبادة خطأ، ومفهوم الإيمان خطأ، ومفهوم إن الله غفور رحيم خطأ، ومفهوم القضاء والقدر خطأ، فلذلك هناك عوائق كثيرة أمام الناس، ونحن الدعاة إلى الله يجب علينا أن نبين للناس وأن نعلمهم، وأن نزيل هذا الغبش من أذهانهم.

стр. 3194

عائق انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة كذلك من العوائق: انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تكون بين الناس وبين الالتزام بالإسلام، مثلاً: يأتي إنسان إليك ويقول لك: (نية المؤمن خيرٌ من عمله) فإذاً النية أحسن من العمل، إذاً العمل شيء ثانوي والنية هي الأساس، فأنا يمكن أن تكون نيتي طيبة ولا أعمل، والدليل على ما أقول: هذا الحديث. فإذا نظرت إليه وجدته حديثاً منكراً باطلاً لا يصح عن الرسول ﷺ . ويأتي آخر يقول: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) رجل فيه فسق لكنه يريد أن يصلي؛ لكن المشكلة الآن أنه فاسق؛ فينظر إلى هذا الحديث: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) أو (لم يزدد من الله إلا بعداً) فيقول: لا أصلي، فأحد الإخوان قال لي: أنا ضللت ستة وعشرين عاماً لا أصلي بسبب هذا الحديث، كنت واقعاً في بعض المنكرات ولكني أريد أن أصلي مع أني واقع فيها، وكلما جئت أصلي أتى هذا الحديث أمامي: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له) فيقول: لماذا أصلي؟ وهذا الحديث منكر باطل، ولا يثبت عن الرسول ﷺ . أحدهم يأتي يشيع على ألسنة الناس حديث: (السارق من السارق كالوارث من أبيه) هذا سمعته في أحد المجالس، أي: المسألة معناها أن كل أحد يبحث له عن سارق ويسرق منه؛ لأنه كالوارث من أبيه، أي: أصبحت القضية لها مستنداً شرعياً، صارت هذه أحد الأوجه التي يتملك فيها الإنسان المال من طريق شرعي، لأن السارق من السارق كالوارث من أبيه، وهذا حديث غير معروف ولا مشهور وليس له أصل، بل وضعه بعض العامة، فاشتهر بينهم على أنه حديث، وقس على ذلك أحاديث كثيرة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة المنتشرة التي تثبط الناس وتخذلهم، وإذا وبحثت عنها وجدتها ضعيفة أو موضوعة أو مكذوبة على الرسول ﷺ ، والعلاج أن نبين، والواجب على الناس أن يسألوا ما حكم هذا الحديث؟ وما درجة صحته؟

стр. 3195

عائق مواصفات بعض الشخصيات ختاماً: هناك بعض المواصفات في بعض الشخصيات يعوق التزامه بالإسلام، فمثلاً: إنسان شخصيته هزلية، يحب الهزل كثيراً، لا يريد أن يلتزم بالإسلام لماذا؟ يقول: أخشى إن التزمت أني لا أبتسم أبداًَ، ولا أضحك مطلقاً، ولا يمكن أن أفرح ولا أمرح وهذه هي طبيعتي، وسأضيق وأكتم نفسي!! يا أخي! من قال لك: إن الإسلام يحرم الضحك؟! ومن قال لك: إن الإسلام يحرم المزاح؟! ألم يكن صحابة الرسول ﷺ يترامون بقشر البطيخ، كما ثبت في الحديث الصحيح، كانوا إذا أكل بعضهم بطيخاً؛ أخذوا القشر فتراموا -مزاح- فإذا جاء الجد كانوا هم الرجال. لكن نحن الآن في الجد وفي غير الجد هزليين، بل إن كثيراً من الملتزمين وغير ملتزمين، يضحكون على أنفسهم؛ لأنه هزلي، فلا يقدر أبداً أهمية هذا الدين وهذه المبادئ التي يحملها، هزلي في جميع التصرفات، ولا يمكن أن يكون قدوة بأي حال من الأحوال، ولا يمكن أن نتلقى منه علماً، ولا يمكن أي يتأثر منه أحد، والسبب أن شخصيته هزلية جداً، لا تمثل أبداً ذلك الوقار والسمت الحسن الذي أمر به الرسول ﷺ لدرجة أنك ترى أناساً ظاهرهم الالتزام لكن يأخذ السيارة ويفحط، أحدهم قال: أعرف شخصاً يفحط وهو يسمع القرآن. يا أخي! نحن فعلاً في آخر الزمان! كذلك بعض الشخصيات إنطوائية لا تحب المعاشرة، ولا الكلفة، فهذا يحول بينه وبين التأثر بالشخصيات الطيبة، لكن هذا العائق قد لا يكون لهذا الإنسان ذنب فيه، وإنما هذه قضية يتحملها دعاة الإسلام، الذين يجب عليهم أن يتغلغلوا ويحاولون أن يتداخلوا مع هذا الرجل، ويبينوا له الحق ويعرضوا عليه النور الذي أنزله الله . بعض الشخصيات عندها ضعف إرادة في اتخاذ القرارات، ليس عنده مقدرة على اتخاذ القرار أبداً، هذه الشخصية التي فيها الضعف الناتج عن قلة الإيمان لا يمكن أن يتمسك بحكمٍ ما، لا يمكن أن يقرر أن يواجه المجتمع بشيءٍ ما، ليست عنده إرادة وقدرة على اتخاذ القرار، وقد سمعت أشياء عجيبة عن بعض الرجال، أحدهم يقول: لا أستطيع أن أعمل كذا؛ لأن زوجتي ستطلقني إذا فعلت، سبحان الله! النساء قوامات على الرجال، انقلبت الآية. قال: زوجتي ستطلقني، وهو يتكلم ليس هزالاً، قال: والله ستطلقني ستطلقني. سبحان الله العظيم! إذاً هؤلاء أشباه الرجال ولا رجال، وفعلاً هذه حال كثير من الناس في بيوتهم، أمام الناس شخصية من أحسن ما يكون، وفارض نفسه على غيره، فإذا رجع إلى البيت صار مثل الدجاجة. بعض الشخصيات -مثلاً- عندها اللامبالاة، وتبلد في الإحساس، ويمشي من غير هدف، وقد يقلد الملتزمين في الشكل، لكن لا يحس بأي قيمة لأحكام الإسلام، ولا يحس أن وراءه هدف، ولا أن عليه مسئولية، ولو أن أحداً كلمه لا يبالي، فهذا الرجل لا يمكن أن يتحرك مطلقاً في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نهائياً أبداً. فلذلك بعض الناس عندهم صفة الكبر، هذه الصفة الذميمة الأثيمة التي تمنع تقبل الحق، والكبر هو بطر الحق وغمط الناس، فهو لا يقبل الحق لهذه الصفة. وبعض الناس في شخصياتهم المراوغة واللف والدوران، بحيث أنك إذا جئته بأي شيء لا بد أن يروغ منك. إذا أعطيته حكماً لابد أن يدبر لك حلاً أو مخرجاً، يقول: يا أخي! اللحية! تشوه زوجتي إذا اقتربت منها، وتتأذى منها، ويقول مثلاً: عندي حساسية وحبوب، المهم أنه لا يطبق الحكم، وهذا مثل، وأنا لا أقصد هذا الحكم لذاته، وإنما أقصد المثل عموماً، وأن هذه البلايا الموجودة في بعض الشخصيات تمنع كثيراً من الناس من الالتزام بالإسلام. ما هو الحل؟ علاج هذه العيوب بالإيمان والعمل الصالح، ويجب على الدعاة إلى الله أن يتفطنوا لنقاط الضعف في شخصيات أولئك الناس الذين يدعونهم إلى الإسلام، حتى يعرفوا كيف يتسللون إلى نفوسهم، وما هو مكمن الضعف عند هذا الرجل حتى يُعالج ويُدفع ويُقوى، وحتى يستقيم على شرع الله . نكتفي بهذه النقاط التي ذكرناها في هذا الموضوع، وهو موضوع طويل، ويحتاج إلى تفصيل، وبعض النقاط سردناها هكذا، ولكن لعل في هذا يكون ذكرى لنا جميعاً.

стр. 3196

الأسئلة

стр. 3197

حكم الصلاة ببطاقة العمل السؤال ما حكم صلاة رجل يعلق بطاقة العمل وعليها صورته بارزة كما في بعض المستشفيات؟ وهل إذا نسي وصلى صلاته صحيحة؟ الجواب لقد أجاب الشيخ ابن باز على هذا السؤال، وقال: هذا لا يجوز مطلقاً، أي: لا يجوز أن يصلي الإنسان وهو يعلق البطاقة التي فيها صورته على جيبه، إما أن يقلب البطاقة، أو يدخل الصورة في جيبه، لكن لا يعلق الصورة على جيبه. أما بالنسبة لو صلى هل صلاته صحيحة؟ فقد أجاب عن هذا الشيخ ابن عثيمين فقال: نعم صلاته صحيحة ولا شيء عليه.

стр. 3198

أكل الفاكهة قبل الطعام السؤال هل أكل الفاكهة قبل الطعام سنة من سنن الرسول ﷺ ؟ الجواب يمكن أن هذا الأخ يقصد أن قول الله : ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] أنه قدم الفاكهة على لحم الطير -هذا في الجنة لكن لا يؤخذ منه- كما يقول الشيخ ابن عثيمين - أن هذا سنة، وأما أنه بدأ بالفاكهة، أو بدأ بالطعام، أو بدأ بالماء فليس هناك حرج في هذا كله.

стр. 3199

حكم أكل شجرة رمان نبتت في بلاعة السؤال شجرة رمان تنبت في بلاعة هل يجوز أكل ثمرها؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين: إذا لم يتغير طعم ولون هذه الثمرة بنجاسة؛ فيجوز أكلها، أما إذا تغير الطعم بالنجاسة؛ فلا يجوز أكلها.

стр. 3200

حكم إغماض العينين في الصلاة بسبب الزخرفة السؤال هل الزخرفة الموجودة في سجاجيد المساجد اليوم مبرر شرعي لإغماض العينين في الصلاة؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين: ليست مبرراً شرعياً لإغماض العين إذا تعود عليها، أي: إذا تعود عليها يفتح عينيه ويصلي، كان الرسول ﷺ يصلي وهو مفتوح العينين ينظر إلى موضع السجود، وينظر إلى السبابة وهو يحركها في الصلاة، لأنه إذا غمض عينيه فسوف تفوته مثل هذه السنن، أما إذا كان ينشغل ذهنه -فعلاً- ويتشوش وهو ينظر إلى هذه السجاجيد المزخرفة؛ فلا حرج عليه في إغماض عينيه.

стр. 3201

شرط شفاعة البقرة وآل عمران السؤال قال الرسول ﷺ فيما معنى الحديث: (تأتي سورة البقرة وآل عمران شفيعتان لأصحابهما) هل يشترط الحفظ حتى يحصل هذا الأجر، أو هذا الجزاء؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين: ليس الحفظ شرطاً، وإنما يحصل هذا الشيء -إن شاء الله- بالقراءة، والحفظ أفضل، ولكن لا يعني أنه لا يحصل هذا الأجر إلا بالحفظ، وإنما يحصل أيضاً بالقراءة.

стр. 3202

الدعاء بالنجاح أو بالأفضل السؤال ما هو الصحيح: أن أدعو الله أن ينجحني في الامتحان، أم أدعو الله أن يختار لي الأفضل سواءً النجاح أو الرسوب؟ الجواب الشيخ ابن عثيمين لما عَرضت عليه السؤال ضحك وقال: تدعو الله أن ينجحك في الامتحان. قال: وإلا جالس يذاكر طوال السنة من أجل أن يرسب في الأخير، فأنت تدعو الله بما تريد، تقول: اللهم أعطني كذا، وهب لي كذا وتعمل الأسباب وتتوكل على الله ، وكذلك لا مانع أن تدعو بالدعاء العام أن الله ييسر لك الخير حيثما كان، ولذلك شرعت لهذه الأشياء صلاة الاستخارة.

стр. 3203

اختلاف الزوج والزوجة في بعض الأحكام السؤال كثيراً ما يرى الزوج حرمة شيء، وترى زوجته خلاف هذا الأمر، وكلاهما يستند إلى دليل شرعي، فما هو الحل هل يقدم رأي الزوج أو رأي الزوجة؟ الجواب فصّل الشيخ ابن عثيمين في هذا السؤال تفصيلاً طيباً، فقال: إذا كان الشيء خاصاً بالزوج، وهذا مفروغ منه، فلابد أن تقدم قناعة الزوج الشرعية، أما لو كان الشيء متعلقاً بالزوجة فقط؛ فتقدم قناعة الزوجة الشرعية. مثلاً: زكاة الحلي: نفترض أن رجلاً يعتقد وجوب الزكاة في الحلي، والمرأة تعتقد عدم وجوب الزكاة في الحلي، وكل واحدٍ عنده أدلة ومقتنع برأي بعض العلماء الموثوق بهم، فهنا المسألة متعلقة بالمرأة لا بالرجل. فلذلك لا يجوز للرجل أن يجبر زوجته على تطبيق الرأي الذي توصل إليه؛ لأن هذه المسألة متعلقة بالزوجة وهي المتعبدة به والمسئولة عنه أمام الله ، أما إذا كان الشيء مشتركاً، مثل: آنية المطبخ -مثلاً- الزوجة ترى في هذا الإناء شيئاً وزوجها لا يرى فيه شيئاً، أو مثلاً: أكل اللحم المستورد: الزوجة ترى فيه كذا والزوج يرى كذا. فهذه الأشياء المشتركة يقول الشيخ ابن عثيمين: يقدم فيها رأي الزوج؛ لأنه هو ولي الأمر الذي تجب طاعته، فصارت عندنا الأشياء ثلاثة أقسام: ١ - شيء متعلق بالزوج وهذا مفروغ منه. ٢ - شيء متعلق بالزوجة: فإذا كانت الزوجة عندها أدلة فعلاً، وسألت أناساً موثوق بهم فعلاً، وهي لا تعلم، أو أن الحق ليس عندها مطلقاً، فإذا كان عندها قناعة شرعية، لا يجوز لزوجها أن يجبرها على الرأي الذي توصل إليه هو. ٣ - أما لو كان الشيء مشتركاً، فعند ذلك يقدم قول الزوج.

стр. 3204

حكم الصدقة ببقية الطعام الزائد دون إذن الزوج السؤال امرأة تتصدق ببقية الطعام الزائد عندها، والزوج لا يسمح لها بهذا، فماذا تفعل؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين: لا يجوز لها أن تتصدق بهذا الطعام؛ لأنه ملكٌ لزوجها، ولكن إذا كان عندها من المال ما تضمن به هذا الشيء الذي تصدقت به لو طالبها به الزوج؛ فيجوز لها أن تفعل هذا.

стр. 3205

أخي الأكبر لا يصلي وهو ولي الأمر في البيت س السؤال أخي الأكبر هو ولي الأمر في البيت؛ لأن والدي قد توفى وهو يصرف علينا، فهل يجوز أن آكل وأسكن في البيت وهذا الأخ لا يصلي مطلقاً، أي: خارج عن ملة الإسلام؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين: نعم يسكن ويجلس في البيت ويأكل معه من الطعام، وينصحه ويواظب على نصحه، فإن استجاب وإلا فإنه يهجره ولا يسلم عليه.

стр. 3206

حكم الصلاة بين الأعمدة والسواري السؤال هل هناك حديث ينهي في الصف بين الأعمدة والسواري في المسجد، فلو أن الناس يصلون في الزحام في الحر فهل يصلون بين السواري؟ أي: يصفون وتكون الأعمدة متخللة الصف أم يتركون هذا حتى لو اضطروا إلى الصف خارج المسجد في الحر؟ الجواب يقول الشيخ ابن عثيمين: لا بأس بهذه الحالة أن يصف الإنسان بين السواري، ويجب عليهم أن يملئوا الصف ويكملوه.

стр. 3207

حكم اتلاف الصور السؤال أنا شابٌ ملتزم، وزوجتي عندها صور، فبعد أن التزمت هذه الصور التي عند زوجتي هل يجب عليّ أن آخذها من زوجتي إن رفضت؟ الجواب كان جواب الشيخ ابن عثيمين: نعم يجب عليك ذلك، وأجاب الشيخ ابن جبرين كذلك: يجب عليك.

стр. 3208

حكم الصور المدفونة السؤال أنا شابٌ ملتزم عندي صور قديمة، فأخفيتها في محل لا يعلم به إلا الله وهو كذلك يعلم به -دفنها مثلاً- يقول: فما هو الحكم؟ الجواب قال الشيخ ابن عثيمين مجيباً على هذا السؤال: يجب عليه أن يتلفها. فما هي المصلحة في إبقائها إذاً في مكان أنت لا تستفيد منها.

стр. 3209

معاملتي لرفقة أبي السيئة السؤال أنا والدي فاسق، ويأتي إليه أصحاب يشربون معه الخمر، ويطرقون الباب ويكون أحياناً غير موجود، فهل يجوز لي أن أدخلهم إلى البيت وأرحب بهم علماً بأنني إذا لم أفعل ذلك سيغضب والدي؟ الجواب كان جواب الشيخ عبد الله بن جبرين على هذا السؤال: لا يجوز لك أن تدخلهم، ولا أن ترحب بهم، بل تطردهم من البيت أو تردهم على الأقل حتى لو غضب والدك.

стр. 3210

حكم تزيين اللوحات بأجنحة الفراشة الطبيعية السؤال امرأة تقول: ما حكم تزيين بعض اللوحات بأجنحة الفراشة الطبيعية، أي: تصيد فراش وتأخذ الأجنحة وتضعها زينة في لوحاتها في المعارض الفنية إلخ؟ الجواب يقول الشيخ عبد الله بن جبرين: لا بأس بذلك، ومن الأسباب أن ما قطع من حيٌ فهو ميت لا ينطبق على هذا، لأن هذه الحيوانات لا نفس لها سائلة، وليس لها دم، فلذلك إذا ماتت فليست نجسة، أما البعوض ففيه دم لكنه غير نجس؛ لأن الدم الذي فيه دم امتصه من إنسان أو كائن حي وليس دم البعوض نفسه، أي: أن البعوض ليس لديه جهاز دموي ودم يسري فيه، وإنما الدم الذي يوجد بعد قتله إنما هو دم امتصه من مصدرٍ آخر، ولذلك تبقى هذه الميتات التي لا نفس لها سائلة طاهرة، فيقول الشيخ: فلا بأس من استعمالها. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 3211

فضيحة المشعوذين [١] الجن خلق من خلق الله خلقهم من نار، فالإيمان بهم واجب، وهم أصناف: فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، وقد عمد كفارهم إلى إغواء المسلمين، بما لديهم من قدرات وإمكانات خارقة. فضيحة المشعوذين هو عنوان هذه الخطبة التي تتضمن كلاماً عن خلق الجن وأصنافهم وقدراتهم؛ لأن الجن هم السلاح الأقوى لدى المشعوذين، الذي يتمكنون به من الإغواء والتزيين. فهذه الخطبة هي الجزء الأول من هذا الموضوع، ويغلب عليها تفصيل قدرات الجن في شتى المجالات.

стр. 3212

حقيقة خلق الجن وقدراتهم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فحديثنا اليوم -أيها الإخوة- عن خلقٍ من خلق الله تعالى، منهم المؤمن ومنهم الكافر، عمد كفارهم إلى إغواء المسلمين وحرفهم إلى الشرك، واستعملوا من أجل ذلك أنواع القدرات التي عندهم لإضلال الإنس، فاستجاب لهم كثيرٌ من الإنس، واستعانوا من أجل تحقيق غرضهم بأمر الشيطان كبيرهم بوسائل متعددة، ومن ذلك: هؤلاء الكهان والعرافون المنتشرون، والمشعوذون وغير ذلك. ومن أسباب طرح الموضوع ما سمعته من عدد من الإخوان الذين سألوا عن أشخاص يذهبون إليهم لمعرفة مكان السحر فيدلونهم عليه، ومكان المسروقات والمفقودات فيدلونهم عليها، ويجرون عملياتٍ بدون جراحة، ويستأصلون الأورام، ويزيلون العاهات، ويقرءون البطاقات الشخصية، ويعدون النقود في الجيب، ويخبرون الإنسان بأحواله الخاصة التي لا يعرفها إلا هو، ويكون كلامهم صحيحاً، وبدأت تجد الناس يصطفون طوابير على هؤلاء المشعوذين المتصلين بالشياطين رجاء شفاءٍ، أو معرفة مفقودٍ، وبعضهم عن فضول وحب استطلاع، فنريد أن نتعرف في هذه الخطبة على طرق هؤلاء الشياطين ووسائلهم وما هي ألاعيبهم، وما هي القدرات التي عندهم؟ لكي يبين بعد ذلك ويستبين للمسلم حقيقة هؤلاء، ولكي يكون الإنسان على بصيرة من أمره، خصوصاً وأن القضية قد دخلت حتى عالم الألعاب، فيحدثونك عن لعبة أو ألعاب تباع في السوق، رقعة تبسط عليها أشياء ثم يشير السهم أو القطعة إلى جوابٍ محدد، وتتحرك هذه القطعة على الرقعة بمفردها بدون أن يمسها الشخص ونحو ذلك. فما هو حكم الشرع في هذه الأشياء؟

стр. 3213

تقدم خلق الجن وبيان أصنافهم أولاً: لا بد أن نعود إلى الجذور، لا بد أن نعود للكلام عن الجن، ذلك العالم الذي خلقه الله تعالى كما خلق عالم الإنس وعالم الملائكة، والحمد لله رب العالمين، والعالمين جمع عالم، أخبرنا الله ﵎ أنهم خلقوا من النار، فقال : ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧] ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] ومارج النار: طرف اللهب، وقال النبي ﷺ : (خلق الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) رواه مسلم رحمه الله تعالى. وخلق الجن متقدمٌ على خلق الإنس، فكانوا قبلهم في الأرض بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٦ - ٢٧] وقيل في سبب قول الله تعالى في كلام الملائكة لما قالوا لربهم في خلق آدم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠] قالوا: إن الملائكة توقعت أن يكون هذا شأن المخلوق الجديد لما رأوا من المخاليق الذين قبله من الجن الذين أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وسمي الجن جناً لاستتارهم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] واستجن بالشيء أي: اتقى به واختفى وراءه، وأخبرنا النبي ﷺ عليه وسلم عن أصنافهم وعن شيءٍ من قدراتهم، فقال في الحديث الصحيح: (الجن ثلاثة أصناف: فصنفٌ يطيرون في الهواء، وصنفٌ حياتٌ وكلاب، وصنفٌ يحلون ويظعنون) فأخبرنا بقدرتهم على الطيران وأخبرنا بقدرتهم على التشكل في هيئة حياتٍ وكلاب، ولا مجال للتكذيب بعالم الجن ألبتة، ومن أنكر وجود الجن فهو كافر، لأنه كذب الله تعالى الذي قال في محكم تنزيله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ﴾ [الحجر:٢٧] ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩] فالمكذب بوجود الجن كافر، ولم يكذب به إلا طائفة من الفلاسفة والعقلانيين، وبعضهم زعموا أن الجن نوازع الشر في النفس الإنسانية، وأنهم ليسوا خلقاً مستقلاً وأنكروا وجودهم، وهؤلاء ولا شك ضلال، فإن المعرض عن كلام الله ورسوله لا يكون إلا ضالاً.

стр. 3214

الهداية والضلال في عالم الجن وقد أخبرنا النبي ﷺ أنه التقى بهم ودعاهم إلى الله تعالى وقال: (إنه أتاني وفد نصيبين -وهي بلدة- ونعم الجن! فسألوني الزاد فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظمٍ ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما) فكان منهم المؤمنون الذين انطلقوا في الأرض يستمعون لأي شيء يدل على سبب منع استراق الخبر من السماء ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢٩ - ٣٠] ودعوا قومهم إلى الله تعالى، وكان منهم الفقهاء لما قرأ عليهم النبي ﷺ سورة الرحمن فكان إذا مر بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد! ولكن كثيراً منهم كفار وضلال وفسقة، هؤلاء الجن. ولذلك فإنهم شياطين، الشيطان اسمٌ للكافر من الجن، وهم كثيرون جداً، وكانوا يسترقون الخبر من السماء، يركب بعضهم فوق بعض ليستمع الخبر من السماء كما قال النبي ﷺ : (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان) يعني: كصوت جر السلسلة على صخرة، وهو صوتٌ عظيم ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] فيسمعها مسترقو السمع الجن الذين يركب بعضهم فوق بعضٍ إلى السماء يستمعون شيئاً من كلام الملائكة عن أوامر الرب في مرض فلان، أو شفاء فلان أو موت فلان أو زلزالٍ في مكان كذا، ونحو ذلك من الأحداث الأرضية، فيسمعها مسترقو السمع واحداً فوق الآخر، وصف سفيان راوي الحديث بعضهم فوق بعض وفرج أصابع يده اليمنى نصب بعضها فوق بعض (هكذا يركب بعضهم فوق بعض) يستمعون هذه الأوامر بصوت الملائكة الذين نقلوها، قال النبي ﷺ : فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه -أي: الذي تحته- فيحرقه ولا تصل الكلمة إلى الأرض، وربما لم يدركه -الشهاب- حتى يرمي بها إلى الذي يليه، حتى يلقوها إلى الأرض، فإذا وصلت الكلمة إلى الأرض من خبر غيبي سيحدث فتلقى على فم الساحر -الجن هؤلاء الشياطين المتعاونون مع الساحر يأتون بالخبر إلى هذا الكاهن- فيكذب معها مائة كذبة فيصدق من قبل المغفلين في الأرض من الإنس الذين يأتون طوابير فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا بكذا وكذا فوجدناه حقاً؟ للتي سمعت من السماء، رواه البخاري في صحيحه، فالناس لا يذكرون من كلام الكاهن إلا الشيء الذي حصل، ويقولون: أخبرنا بوقوع كذا ووقع، ولا يذكرون الكذبات الكثيرة التي يخبرهم بها من عالم الغيب من التي لا تقع، وبعض هؤلاء الكهان أذكياء يستخدمون ذكاءهم في الشر، فربما يخبرهم عن أشياء متوقعة الحصول، وأشياء لا يبعد وقوعها تعرف بالاستنتاج مثلاً فلا يكتشفون أمره، إذاً لو فرضنا أن كاهنا أو عرافاً أو ساحراً أخبر شخصاً بأنه سيقع حدثاً، وهذا الحدث لا يمكن استنتاجه ولا معرفته أو توقعه ووقع كما قال، فربما يكون مما زوده به شيطانه من الأخبار التي يسترقها الجن من السماء، ولكن نسبة الصدق في كلامهم (١%) ونسبة الكذب في كلام الكهان (٩٩%)، لكن المغفلين لا ينتبهون إلا لهذا الخبر الواحد الذي تحقق ويقولون: يعلم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.

стр. 3215

ظهور القدرات الخارقة للجن في خدمتهم لسليمان وقد أخبرنا الله تعالى أنهم أصحاب قدرات عجيبة، وسخر الجن لنبيه سليمان فكانوا يقومون له بالأعمال الكثيرة، قال الله : ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٢ - ١٣] فيعملون له ما شاء بتسخير الله له، سلطه عليهم، لا يستطيعون أن يخالفوا أمر سليمان ومن خالف أذاقه الله من عذاب السعير، وهو الحريق فيحرق، والمحاريب هي: المساجد والأبنية الكبيرة، والتماثيل قيل: من غير ذوات الأرواح، ولو كانت من ذوات الأرواح فيحمل على أنه لم يكن حراماً في شريعة سليمان مثلاً، وجفانٍ ك الجواب أي أنهم يعملون له أحواض كبيرة جداً للماء، وقدورٍ راسيات: يعني ثابتات في أماكنها لا تتحرك من عظمها واتساعها، قدور يطبخ فيها طعام جيش سليمان الذي كانت تحمله الريح، غدوها شهر ورواحها شهر، ملك لا ينبغي لأحدٍ من بعده، ولا يكون عند الكفار المتقدمين ولا المتأخرين، مهما بلغوا أسباب القوة لا ينالون أبداً ما نال سيلمان ﵇ من أسباب القوة. إذاً لهم قدرات عجيبة، ومن قدرتهم: استطاعتهم لنقل الأشياء عبر الجدران، والطيران بها في المسافات الشاسعة وإحضارها، وإدخالها عبر الجدران مرة أخرى إلى مكان ما، ولذلك قال سليمان وهو يفكر في طريقة لدعوة ملكة سبأ إلى الله وكيف يقنعها؟ قال يستشير من حوله من أولياء الله الصالحين ومن الجن الذين سخرهم الله له: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩ - ٣٩] فهذا الجني الشديد كان يستطيع -ولم يكن يكذب في دعواه- أن يأتي بعرش ملكة سبأ من داخل قصرها في اليمن ويضعه داخل قصر سليمان في الشام قبل أن يقوم سليمان من مقامه! إذاً قضية استطاعتهم لنقل الأشياء عبر الجدران والأجسام الصلبة والطيران بها تلك المسافة الشاسعة في وقتٍ قصيرٍ جداً للغاية أمرٌ مقدورٌ لهم، أخبرنا الله عنه لا مجال للتكذيب به، فاستخدمت الشياطين هذه القدرات في إضلال الناس ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] وهذا المنطلق الذي ننطلق به في استكشاف كل القصص التي يأتي بها الناس ويتداولونها عن أشياء خرقت العادة التي يعرفونها، ونقول: انتبهوا يا عباد الله! فليست كل خارقة كرامة من الله، ليست كل خارقة تدل على صلاح صاحبها، والنبي ﷺ كان يمتحن الدجالين وذهب إلى عبد الله بن صياد، وكان قد ظن أنه الدجال، وكان النبي ﵊ حريصاً على كشف أمره فقال له: (قد خبأت لك خبئاً -يقول النبي ﵊ مختبراً له- قال عبد الله بن صياد: الدخ الدخ) والنبي ﵊ كان قد خبأ له سورة الدخان فقيل: إن شيطان عبد الله بن صياد قد أوصل إليه الخبر من السماء، ولكن الخبر وصلَ ناقصاً، وما وصلت كلمة الدخان كاملة لـ عبد الله بن صياد، ولذلك قال له ﵊: (اخسأ فلن تعدو قدرك) يعني: إنما أنت من إخوان الكهان والشياطين، يأتونك بهذا الخبر ويخلطون فيه، فلذلك أتوك به ناقصاً، وعرف بعد ذلك أن عبد الله بن صياد ليس هو الدجال المنتظر، وإنما هو دجالٌ من الدجاجلة يعينه الشياطين. وهكذا أعانت الشياطين مدعيي النبوة بعد النبي ﷺ من أجل فتنة الناس فهذا الأسود العنسي الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين -كما ثبت في التاريخ- من يخبره ببعض الأمور المغيبة، وكذلك مسيلمة الكذاب كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور قال شيخ الإسلام ﵀ كاشفاً زيف هؤلاء، ومن كلامه ننقل هذه الدرر النفيسة والتجارب العظيمة له ﵀ مع هؤلاء في كشف أحوالهم، ينقل تاريخياً ومن واقعه، قال: وأمثال هؤلاء كثيرون مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بـ الشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد -هو مقيد ويخرج من القيد- وتمنع السلاح أن ينفذ فيه -الشياطين تمنع السيوف والرماح من النفوذ في جسد هذا الدجال. وهذا يذكرنا بما يفعله بعض أصحاب الطريقة الرفاعية الصوفية الضُلَّال من ضرب أجسادهم بالشيش، وما يفعله بعض الذين يستعينون بالشياطين في بعض السيركات أو الحفلات التي يعملونها من ضرب أنفسهم بسكاكين، أو بسيوف، ولا يخرج منه قطرة دم واحدة، وليس خداع نظر، بل شيء حقيقي، ما هو التعليل؟ عندما يعرف المسلم الحقيقة لا تنطلي عليه الأباطيل، الاستعانة بالشياطين، إذا كان الشيطان يستطيع أن يستخرج عرش ملكة سبأ وهو جسمٌ كبير عبر الجدار، فكذلك يستطيع أن يمنع اختراق السيف لجسم شخصٍ، أو أن يخترقه دون إيذاء كما يخترق عرش ملكة سبأ جدران قصرها، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبِّح الرخامة إذا مسحها بيده، هذا الدجال كان إذا مسح رخامة سبَّحت، وصوت التسبيح صادر من الشياطين الذين يعينونه لإضلال الناس -وكان يرى الناس رجالاً وركباناً على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة وإنما كانت جنا- فالجن تتشكل بأشكالٍ يراها هذا الدجال ويظنها ملائكة تنزل عليه بالوحي، وفعلاً يلقون في سمعه كلمات وهكذا مسيلمة كان يسمع شيئاً في أذنه فعلاً، وهو مما تنزلت به الشياطين، ولذلك لا يمكن أن تجعل الأحوال الشيطانية هذه دليلاً على أن هذا الرجل ولي من أولياء الله، ولا يمكن أن تُجعل أي خارقة من خوارق العادات دليلاً على أن هذا الرجل صالح أبداً، فإنه قد يكون مشركاً عظيماً من المشركين تساعده هؤلاء الشياطين.

стр. 3216

من قدراتهم: الكلام بألسنة مختلفة والنقل السريع ومن طرقهم كذلك: أنهم ربما تكلموا بألسنة مختلفة على لسان هذا الدجال كما يتكلم الجني على لسان المصروع، ولذلك يحدثك بعض الأشخاص الذين ذهبوا إلى بعض العرافين أنهم سمعوا منه مرة صوت طفل، ومرة صوت امرأة، ومرة صوت رجل، ومرة صوتاً نحيفاً، ومرة غليظاً، وأنه دخل في غيبوبة وأغمض عينيه، وصار يتكلم وهو نائم ونحو ذلك، وكل ذلك من فعل الشياطين، تتكلم على لسانه، وربما لا يدري بما يخرج منه، ومن هؤلاء الدجالين يقول شيخ الإسلام ﵀ في المجلد التاسع عشر من فتاويه: من يأتيه الشيطان بأطعمةٍ وفاكهة وحلوى، وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع من فاكهة بلاد بعيدة، يأتيه بها في هذا البلد، ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما، ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته، وهذا الذي ادعاه من يسموهم بأهل الخطوة من الصوفية، الذين كانوا يذهبون في ليلة ويعودون في نفس الليلة، ويخبرون الناس بأشياء في عرفة ممن لقوا من فلان وفلان، وعندما يعود الحجاج يتبينُ أن كلامهم صحيح! كيف؟ حملته الجن، وليس بغريب يا إخوان ما دام أنهم يستطيعون حمل عرش سبأ من اليمن إلى الشام قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فلا تستغرب أن يحملوا شخصاً إلى عرفة ويعودوا به، ليس ذلك بغريبٍ ولا مستحيل! وهو بالنسبة إلينا غريب، ولكن هؤلاء الذين يذهبون بهم إلى الحج قال شيخ الإسلام ﵀: فلا يحج حجاً شرعياً، بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات، فهو يتكلم عن مسألة لها علاقة بإحرامنا بالطائرة اليوم من فوق إذا حاذينا الميقات، ولا يلبي ولا يقف بـ مزدلفة ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة ولا يرمي الجمار بل يقف بـ عرفة بثيابه ثم يرجع من ليلته وهذا ليس بحج، إذاً إذا سمعتم مرة بأهل الخطوة فكثيرٌ منهم دجالون كذابون لا يستطيعون إلا الاستعانة بالجن، ومنهم نفرٌ قليل تعينه الشياطين فعلاً.

стр. 3217

من قدراتهم: التصور بصور الموتى ومن طرق الشياطين أن المخلوق قد يستغيث بشخصٍ حيٍ أو ميت؛ سواءً كان هذا المستغيث مسلماً أو نصرانياً أو مشركاً، فيتصور له الشيطان بصورة ذلك المستغاث، فيظن الشخص أنه هو، فإذا نادى مستغيثاً يا فلان أغثني ظهر الشيطان بصورة البدوي، وظهر بصورة أبي العباس المرسي، أو العيدروس أو أي ولي من الأولياء المزعومين، النبي ﵊ أخبرنا أن الجن يتشكلون بحيات وكلاب، إذاً يمكن أن يتشكلوا بصورة شخصٍ أيضاً، وهنا يلبس على هذا الإنسي المسكين ويظن أن الاستغاثة صحيحة فعلاً، وأن الشيخ أغاثه، وأن الميت حضر وأنجده، قال شيخ الإسلام: ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له: أنا الخضر، وربما أخبره ببعض الأمور، وأعانه على بعض مطالبه، فيقول له: ماذا تشتهي؟ فيقول: عنباً من المكان الفلاني، فيأتيه به، كما قد جرى ذلك لغير واحدٍ من المسلمين واليهود والنصارى، وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب، يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، وهذا هو التفسير الحقيقي لعملية تحضير الأرواح، وسيأتي عليها كلامٌ بعد قليل إن شاء الله. فيأتي هذا الشيطان بصورة الميت ويكلم الشخص بأمورٍ دقيقة تتعلق بالميت، وقد أخبرني أشخاصٌ عن أمورٍ حدثت لهم من هذا القبيل، فعلاً يأتيه بصورة أبيه، أو يأتيه بصورة لا يراها ويقول له: أنا روح أبيك، وبصوت أبيه؛ لأن القرين الشيطان الذي مع الأب يعرف صوت الأب، ويقلد صوت الأب، وإذا كانوا ينقلون الأشياء ويتشكلون، فهم يقلدون الأصوات أيضاً، ويصف له أشياء دقيقة في البيت لا يعرفها إلا الولد والأب الذي مات، وفعلاً يخرج الواحد من عند المشعوذ والعراف مذهولاً بسبب أنه لا يعرف حقيقة القضية، ونظراً لانتشار قضية العرافين والدجالين والمشعوذين جداً، فإننا نؤكد ونركز على هذه المسألة، تدخل الشياطين لإغواء الإنس، ويصدق الإنسان فعلاً بالعراف ليوقعه في الشرك. قال شيخ الإسلام ﵀: وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند فيظنون أنه عاش بعد موته، ومن هؤلاء شيخٌ كان بـ مصر أوصى خادمه فقال: إذا أنا مت فلا تدع أحداً يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي، فلما مات رأى شخصاً في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله غاب، وكان ذلك شيطانه، فإذاً لا تستغرب إذا سمعت ببعض الأخبار، فإن القضية واضحة لأهل الحق وضوح الشمس، دجالون ومشعوذون، كهنة وسحرة، وعرافون يتعاونون مع الشياطين لإضلال الناس، وهؤلاء المساكين الذين لم يستقر التوحيد في قلوبهم ينخدعون. نسأل الله تعالى أن ينور بصائرنا، ونسأله أن يجعلنا على الحق مستقيمين، وبالتوحيد عاملين إنه سميعٌ قريبٌ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 3218

بعض أفعال الجن المحسوسة الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، أشهد أن الله ولي الصالحين، ورب الأولين والآخرين، وخالق الإنس والجن والناس أجمعين، يخلق ما يشاء كما يشاء على ما يشاء ، لا معقب لحكمه، ولا يُسْأَلُ عما يفعل وهو الحكيم الخبير. ومما ذكره شيخ الإسلام ﵀: أنه ربما يرى شخص في المنام أن شعره قد قص، أو أنه لبس طاقية، فيصبح وقد قص شعره فعلاً وأُلبس تلك الطاقية، ويكون ذلك بفعل الشياطين، قصوا شعره في المنام، وبعد ذلك يصدق ببقية المنام ويكون فيه من الشرك والكفر ما الله به عليم. وكذلك فإن من هذه الطرق أيضاً مناداة عباد القبور من داخل القبر، وهو شيءٌ تفعله الشياطين، فلا تُكذّب من قال لك: سمعت الشيخ من قبره يتكلم، فربما يكون صحيحاً لكن الذي تكلم هو الشيطان. قال شيخ الإسلام ﵀: وقد يضعون مصروعاً عند القبر فيغادره الشيطان ويقوم بعافية، ليتوهم الناس أن الولي الذي في القبر عالجه، وإنما فعلت ذلك الشياطين، وغادرت المصروع ليستقر عند الناس أن الميت الذي في القبر هو البركة التي عالجت هذا المصروع، وإذا قُرئت هناك آية الكرسي بصدق بطل هذا، فإن التوحيد يطرد الشيطان، ولهذا حمل بعضهم في الهواء فقال: لا إله إلا الله فسقط على الأرض، ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد انشق، وخرج منه إنسان، فيظنه الميت وهو شيطان، ومثل المناداة من المغارات والجبال والكهوف؛ يأخذون إليها الشخص أو يذهب إليها بعض الناس، ويسمعون أصواتاً من داخل المغارات والكهوف، وما هي إلا شياطين، قال شيخ الإسلام ﵀: ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي، وهو سماع المشركين، وهذا هو الذي يُفعل في حفلات الزار لمن سمع بها، وهي الحفلات التي يجتمع بها أناسٌ يضربون بالدف بالطبول العظيمة بأصواتٍ عالية جداً، ويرقصون رقصات جنونية حتى يؤدي بهم الأمر إلى الوقوع في حالة إغماء ونحو ذلك، ثم تتكلم الشياطين على ألسنتهم، وتحضر حفلات الزار؛ لأن الغناء والطبل يجر الشياطين، كما أن القرآن يطردهم، وربما خاطبه من عصفورٍ، أو من ثمرةٍ، أو من حجرٍ ونحو ذلك، وربما جاءه بصورة جميلة وزعم أنه ملكٌ يريد أن يزوره، وبعد ذلك تأتي الشركيات، والأمر بالسجود له، والصلاة له، وذبح شيءٍ له، ولذلك بعض الدجالين يقول: من شرط العلاج أن تذبح ديكاً أسود لكن لا تقل: باسم الله، لو قلت: باسم الله، فلن ينفع العلاج، وبعض الشياطين يأمرون الكهان الذين يتعاملون معهم أن يخنقوا لهم دابة بدون ذكر اسم الله عليها، وهكذا.

стр. 3219

من قدراتهم: إمكان رؤية الأماكن البعيدة قال شيخ الإسلام: أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم قال: يُرونني الجن شيئاً براقاً مثل الماء والزجاج، ويمثلون له فيه ما يطرد من الأخبار، وهذا شيءٌ قد حدثني عنه شخصٌ ذهب إلى عمان قال ذهبنا إلى ساحر، فوضع لنا طستاً فيه زئبق -سطح عاكس لماع- فقال له الرجل: أريد أن أرى أهلي في البلد التي جاء منها في الخبر في الدمام قال: فجعل يتمتم بأشياء ثم صفا ذلك السطح وظهرت صورة البلد ثم ظهرت صورة الحي ثم ظهرت صورة الحارة ثم ظهرت صورة العمارة ثم ظهرت صورة الشقة قال: فرأيت أولادي يلعبون، لا شيء في هذا مستنكر من جهة الوقوع، إذا كان الإنس قد نقلوا الأشياء بالبث المباشر حياً على الهواء، ترى في بيتك ما يحدث في أمريكا، أفلا يستطيع الجن أن ينقلوا على هذا السطح صورة أولاده؟ بلى يستطيعون، ولكن القضية فيما بعد ذلك، فيما يأمره به هذا الدجال والساحر من الكفر والحرام، وبعضهم يقول: لا يأخذون نقوداً؛ ليضلوا الناس، أو لا يأخذون نقوداً في البداية، ويقولون: ما فعلناها إلا خدمة وواجباً علينا، وعبادة، لا يأخذون نقوداً ويظهرون العفة وهم يتعاملون مع الشياطين قطعاً وبلا شك، والذي يسمع الأخبار لا يمكن أن يقول إلا هذا. أيها الإخوة: إن إدراك هذه الأشياء يفسر لك شيئاً من الحركات، وبعض الألعاب يقولون: وضعناها وتحركت أمامنا، وأشارت إلى السهم المعين، ومن الذي يحركها؟ هو الشيطان، الشياطين الذين يضلون الناس. ومن ذلك أن يشترطوا على الساحر بكتابة العزائم والطلاسم لكي يساعدوه أن يكتب القرآن بدم الحيض والنجاسات، وهذا مستخدم عندهم، ويعكسون السور من آخرها إلى أولها، وبعض هذه الأوراق لو فتحتها وجدت فيها استغاثات واضحة بجني أو شيطان، ومن شروط الرقية أن تكون بالقرآن، وبالكلام العربي مما يعرف، وليست مشتملة على شرك، ولا يعتقد أنها تنفع بذاتها، وكثيرٌ يأخذون هذه العزائم والتمائم وهذه الأشياء المربوطة، وبالجملة فإن الشياطين هم الذي يفعلون كثيراً من هذه الأشياء بالتعاون مع شياطين الإنس؛ لإضلال هؤلاء المساكين، وكثيرٌ منهم لا يفهمون ولا يدركون ولا يعقلون ويرجعون مخدوعين.

стр. 3220

من قدرات الجن في العلاج وحكم ذلك قال لي شخصٌ بالأمس: شاب صغير في الأردن يذهبون إليه طوابير يقول للشخص: أنت تحتاج إلى عملية ولا يدخل معه إلا لوحده في الغرفة، ويقول له: مهما سمعت من أصوات فلا تكترث، ويجري العملية دون أي جراحة، ويخرج من عنده، فيمكن أن يقع ذلك من الشياطين التي تعينه، والنبي ﷺ أخبر أم المؤمنين التي كانت تذهب إلى يهودي لرقيتها ونهاها، قالت: هذا إذا رقاني سكن الألم قال: (إن الشيطان ينخس العرق فيسكن). إذاً: الشيطان يستطيع أن يعمل عمل البنج، وأن ينخس عرقاً فيسكنه، فلماذا إذاً لا يُعمل شيءٌ مثل هذا؟! وهنا قد يقول قائل: فما حكم الاستعانة بالجن في الأمور المباحة؟ ولماذا تحرمون الذهاب إلى هؤلاء وهم يعملون أشياء مباحة؟ والوقت قد ضاق -أيها الإخوة- فلعلنا إن شاء الله نأتي على ذكر هذا الموضوع وأمورٍ أخرى متعلقة به في خطبة قادمة بحول الله وقوته، ونقول هذا الكلام إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل، وردعاً لكل من تسول له نفسه الذهاب إلى هؤلاء المشعوذين، أو الانخداع بهم، مع أن كثيراً منهم كذابون لا عندهم جنٌ ولا شياطين ولا عفاريت، لكنهم يضحكون على الناس ويشوشون عليهم. ولذلك فالمسلم على بصيرة من أمره والحمد لله، والموحد يعرف ربه، ويعرف أن الله خلق هذه الأشياء ، وأنهم لا يخرجون عن إرادته ولا عن مشيئته قيد أنملة، فكلهم تحت قهره وأمره يفعل ما يشاء. وأشهد أن محمداً رسول الله النبي الأمي، الذي أرسله رحمة للعالمين، فكشف أخبار الدجالين، وبين لنا صفات الدجالين، ونهانا عن الذهاب إلى العرافين والكهنة والمشعوذين، وأخبرنا أنه من ذهب إلى عرافٍ لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً، وأن من صدق كاهناً بما أخبره فقد كفر بما أُنزل على محمد ﷺ . اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم إنا نسألك أن تجنبنا كيد الشياطين ودجل الدجالين، اللهم أرنا التوحيد وبصرنا به، وارزقنا التمسك به يا رب العالمين، وباعد بيننا وبين الشرك وأهله؛ إنك على كل شيءٍ قدير.

стр. 3221

فضيحة المشعوذين [٢] بعد أن مهد الشيخ لهذا الموضوع في خطبة ماضية بكلام مفصل عن خلق الجن وقدراتهم، استهل هذه الخطبة ببيان علاقة رجال الإنس بالجن، ومنها استغاثة أهل الجاهلية برجال الجن. كما أورد في هذه الخطبة بعض حيل المشعوذين، وكذبهم في ادعاء تحضير الأرواح، وتفصيل صور كثيرة من عجزهم وضعفهم، وبيان الفرق بين حيلهم وبين كرامات الأولياء. وفي ختام هذه المادة ذكر حيل بعض المشعوذين الذي لا يتصلون بالجن، بل يضحكون على الناس بغية المال أو استهداف الدِّين.

стр. 3222

علاقة رجال الإنس برجال الجن إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فقد تحدثنا في الخطبة الماضية -أيها الإخوة- عن أمرٍ من مظاهرة شياطين الجن لشياطين الإنس، وشيءٍ من ماهية العلاقة بين شياطين الجن وشياطين الإنس، وأن هذه المؤامرة لا تزال مستمرة لحرف الناس عن التوحيد، وإيقاعهم في الشرك، ولا تزال تسمع بين الفينة والأخرى عن قصصٍ عجيبة غريبة تدل على كثرة وقوع الناس في زماننا في حبال الشعوذة والدجل، وكثرة إتيانهم وغشيانهم للسحرة والعرافين والكهان، وهذا أمرٌ يصادم التوحيد بالكلية، وهو أمرٌ خطيرٌ ينبغي أن يتصدى له دعاة التوحيد، وهذا شأنهم دائماً وأبداً أن يبينوا للناس أن أعظم معروفٍ جاءت به الرسل هو التوحيد، وأعظم منكرٍ نهت عنه الرسل هو الشرك. لقد بين الله هذه العلاقة بين شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ويبن الله لنا كيف استهوت بعض شياطين الجن المشركين فعبدوهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا نزل بالوادي في طريق سفره قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فلما استغاثت الإنس بالجن، ازدادت الجن طغياناً وكفراً، كما قال سبحانه تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] ولذلك فإن المسلم لا ينخدع أبداً بما يراه ويسمعه من أفعال هؤلاء الشياطين، مهما كانت الحيل، ومهما كانت الخوارق التي يظهرونها على أنها خوارق، ومهما كان التعاون بين شياطين الإنس والجن من هؤلاء الكهنة والعرافين والمشعوذين، مهما ظهر من الأشياء الغريبة والعجيبة، فإن المؤمن يبقى على الثوابت التي جاءت بها شريعته، ولا يستجرينه الشيطان، ولا تخدعه هذه التصرفات، فإنه ولله الحمد على إيمانٍ ودينٍ وتوحيد.

стр. 3223

كلام شيخ الإسلام عما يفعله الجن للمشعوذين ولما كان من واجب أهل العلم كشف هذه الأشياء سطر ذلك العلماء في كتبهم، وذكرنا شيئاً مما بسطه شيخ الإسلام ﵀ عن هذا التعاون، وعن الأشياء التي ظهرت في عهده، وهي في عهدنا موجودة بدرجة كبيرة إن لم تكن أكثر، ذكر ﵀ فعل هؤلاء الشياطين الذين كانوا يطيرون بأوليائهم في الهواء وينقلونهم من مكان إلى مكان، ويأتون لهم بأشياء يطلبونها، ولكنهم لا يفعلون لهم ذلك إلا إذا كفروا معهم بالله رب الأرض والسماوات، وفعلوا المنكرات والموبقات، وإن تظاهروا بالصلاح والتقوى، ولذلك لما تكلم رحمه الله تعالى عن الحلاج الذي يقدسه اليوم بعض مفكري القرن العشرين، ويكتبون عنه على أنه شهيد الثورة والإصلاح، وإنما كان دجالاً من الدجاجلة، وكان مشركاً بالله تعالى، قال: كان له شياطين تخدمه أحياناً، وكان بعض أتباعه معه على جبل أبي قبيس فطلبوا منه حلاوة، فذهب إلى مكانٍ قريبٍ فجاء بصحن حلوى، فكشفوا الأمر بعد ذلك فوجدوه قد سُرق من دكان حلوى بـ اليمن، حمله شيطان تلك البقعة. قال ﵀: ونحن نعرف كثيراً من هؤلاء في زماننا وغير زماننا، مثل شخصٍ هو الآن بـ دمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق، فيجيء من الهواء إلى نافذة البيت الذي فيه الناس، فيدخل وهم يرونه، ويجيء بالليل إلى باب الصغير فيعبر منه هو ورفيقه وهو من أفجر الناس، وكذلك كان بـ الشوبك وهي قلعة من أطراف الشام يأتي من قرية يُقال لها: الشاهدة، يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه، يحمله ذلك الشيطان يقطع به الطريق، ثم إن هؤلاء الشياطين يسألونهم أموراً كبقرٍ وخيلٍ يخنقونها خنقاً لا يذكرون اسم الله تعالى عليها، وهؤلاء الذين يتعاونون مع الشياطين منهم من يطير في الهواء والشيطان طائرٌ به، ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه تصرعهم يقول: أنا أصرع أمامكم شخصاً فيسقط شخصاً بالفعل، ويكون الشيطان الذي مع هذا الرجل هو الذي صرع ذلك الرجل، فيحسب الجاهلون أنها كراماتٌ من كرامات أولياء الله المتقين. قال رحمه الله تعالى: فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر ويقول له: هنيئاً لك يا ولي الله والشياطين هي التي تخاطبه، فإذا قرأ آية الكرسي ذهب ذلك، وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها فخاطبه، ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح، ومنهم من تأتيه الشياطين بمن يهواه من امرأة أو صبيٍ لفعل الفاحشة من زناً ولواط، وبعض هؤلاء إما أن يؤتى بهم إليه مدفوعاً ملجئاً مكرها أو مختاراً. إلى هذه الدرجة يصل التعامل بينهم إلى قيادة هؤلاء لعمل الفاحشة، وكذلك فإنه ﵀ قد بين أن بعض هؤلاء الشياطين يتنزلون بأشياء من المكاشفات والتأثيرات على هؤلاء، فيُسمعونهم كلاماً كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم عابديها في الجاهلية، وفي غير الجاهلية بعد الإسلام، فيتخيل هؤلاء أن الأصنام تتكلم، ثم بين رحمه الله تعالى أن هؤلاء يجتمعون في أماكن الخبث، والأماكن المقفلة المهجورة، وأماكن القمامة والأوساخ، نظراً لأن الشياطين تغشى تلك الأماكن. قال ﵀: ولما كان الانقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله؛ صارت الشياطين كثيراً ما تأوي إلى المغارات والجبال مثل: مغارة الدم التي بـ جبل قاسيون وجبل لبنان الذي بساحل الشام، وجبل الفتح بـ أسوان مصر، وجبالٍ بالروم وخراسان والجزيرة وجبل اللكامي والأحيس وجبل سولانا قرب أردبيل، وغير ذلك من الجبال التي يظن بعض الناس أن بها رجالاً من الصالحين يعتقدون أن فيها أولياء، ويسمونهم رجال الغيب، وإنما هم رجالٌ من الجن؛ فالجن رجال كما أن الإنس رجال، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦] قال ﵀: ومن هؤلاء من يظهر بصورة رجلٍ شعرانيٍ جلده يشبه جلد الماعز، فيظن من لا يعرفه أنه إنسيٌ وإنما هو جني، فهذا من التلبيسات أيضاً، وكذلك التحول إلى الصور والأشكال يساعدهم على ذلك.

стр. 3224

قصة من الواقع: فضيحة مشعوذ بعد الخطبة الماضية -أيها الإخوة- حضر لدي أحد الإخوان فقال: بمناسبة هذه الخطبة أخبرك عما وقع لي: سمعت أن شيخاً في القرية عندنا وليٌ من أولياء الله وعنده كراماتٌ وخوراق، فذهبت إليه، قال: فمن يوم أن لقيته قال: أهلاً بفلان، وسماني باسمي، ولم أكن رأيته من قبل، واستغربت ودهشت كيف عرف اسمي!! ثم بعد ذلك لزمته وصرت معه أخدمه على أني أخدم الشيخ، وأتقرب إلى الله بتلك الخدمة، وكنت أرى منه عجائب قال وهو يحدثني هذا الشخص: وكنت معه مرة في الغرفة، فالتفتُّ فجأة إليه فإذا شكله قد تغير وصار أقرب ما يكون إلى الشبح، فقلت له: شبهه لي بأي صورة؟ قال: أقرب ما يكون إلى شكل الخنزير، ثم عاد إلى شكله مرة أخرى، إلى هيئته الإنسية التي أعرفها، قال: وأتيته مرة بفتاة أوصتني أمها بالذهاب بها إلى هذا الشيخ، لأن الخطاب ينفرون منها، ولم يكتب لها نصيبٌ في الزواج، فخشيت عليها من العنوسة، قال: فذهبت بها إليه فجلس كأنه يقرأ عليها فذهبت لشيءٍ ثم جئت على حين غفلة، فرأيته يقبلها، ففوجئ لما رآني، وجعل يتمتم كأنه يأخذ عليها العهد بالانتساب إلى الطريقة، وذكر أشياء أخرى. والمهم -أيها الإخوة- أن هؤلاء الناس موجودون إلى الآن، وأن الناس يُفتنون بهم، وأنهم أصحاب فواحش، وهذا الذي يزعم أنه شيخ قال له في آخر الجلسة: اذهب إلى أهلك وأنا أوصلها إلى بيتها، فماذا وراء ذلك إلا فعل الحرام؟ وماذا وراء التعامل مع الشياطين إلا التلبيس على السذج والمساكين، ولذلك إذا قال لك أحد هؤلاء الذين يدعون أنهم يقرءون على المصروعين، ويخرجون السحر ويفكونه إذا قال: لا تدخل مع زوجتك أو لا بد أن أقرأ عليها لوحدها، فاعلم أنه دجالٌ كذاب أشر، وأنه أفاكٌ أثيم: (ما اختلى رجلٌ بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما).

стр. 3225

بعض حيل المشعوذين واعلموا -عباد الله- أن هذا شيءٌ موجودٌ واقعٌ عند هؤلاء الدجالين، يطلب الخلوة بالمرأة لكي يُخرج منها الشيطان بزعمه، وهو يريد من وراء ذلك فعل الحرام، وقضاء شهوته ووطره، ولذلك فإن الموحد يعلم علم اليقين أن مثل هذا مخالفٌ لدين الله، مخالفٌ لشريعة الإسلام. ومن حيل هؤلاء يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويحكى عن شيخٍ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس، فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون إبرائه، فيرسل إلى أتباعه من الشياطين فيفارقون المصروع ويقوم ليس به بأس، فيعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة، إذاً العملية عملية ابتزاز، هذا يعمل السحر وهذا يفكه، وهذا يصرعه، وهذا يخرج منه الجن، ويقوم المصروع سواءً كان بالتعاون بينهم أو كان نفس هذا الدجال الذي يرسل شيطانه ليصرع الإنس ثم يخرجه هو، ويأخذ الأشياء ويسرقها ذلك الشيطان ثم يخبرهم بمكانها، فالعملية صارت عملية تجارة، هذا يدخل الجني ثم يخرجه، وهذا يعمل لهم سحراً ثم يفكه، وهؤلاء يدفعون، ولو كانوا يتحصنون بكتاب الله ما جعلوا للشياطين عليهم سبيلاً. أقول لكم بصدقٍ وإخلاصٍ أيها الإخوة: إن هذه العملية نصبٌ واحتيال، ومع ذلك فالناس لا يزالون يذهبون إلى السحرة والمشعوذين الذين يعقدون السحر ويفكونه، أو يتعاونون فيما بينهم على ذلك، ويدعون المغيبات، وقد حصلت قصص ذكرها العلماء، ذكروا أن رجلاً عند أميرٍ في مجلس فيما مضى من الزمان تحدى الناس أن يعلم عدد الحصى في يد كل شخصٍ، فكان الناس يأخذون كفاً من الحصى فيعدونها ثم يخبرهم بعددها ويكون كلامه صحيح، حتى جاء رجلٌ من الموحدين ممن يعرف تلك الحيل فقال: أنا أقبض كفاً من حصى وأتحداك أن تعرف عددها فأخذ كفاً من حصى وقال: بسم الله ولم يعد، ثم قال: كم في كفي؟ قال: عدها حتى إذا قلت لك يكون الجواب مطابقاً، قال: لا أعدها إلا بعد أن تخبرني، فأخبره بعددٍ فلما عد ما في يده كان الذي أخبره به خطأً، ثم أخبرهم بأن القرين من الجن الذي يكون مع هذا العاد يعد معه ويعرف العدد، فيخبر قرين ذلك الدجال أو الذي يدعي معرفة المخبئات بالعدد، فيخبره لصاحبه ثم يخبر الناس، إذاً فهذا النوع من التعاون لا يمكن أن يخفى على الموحدين ولا أن يذهبوا بعد ذلك إلى الدجالين والمشعوذين، ثم إن بعض هؤلاء يأخذون أموال الناس ظلماً إما بالسرقة، وإما بغيرها من النصب والاحتيال. واحد يُتصل به بالهاتف (مكالمات خارجية) يقول: لا أخبركم بمكان السحر ولا بعلة صاحبكم حتى تحولوا لي مبلغ خمسمائة ريال، أو ألف وخمسمائة أو أكثر، وتحول المبالغ إلى ذلك الدجال، ليخبرهم عبر الهاتف أين يوجد السحر، وما هي علة هذا الرجل، ومن الذي سحر صاحبهم، ونحو ذلك من الكلام، هذا ما يحدث حقاً وحقيقةً من النصب والاحتيال على هؤلاء المساكين، والسبب ضعف الإيمان لم يتحصنوا بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وآية الكرسي، وباسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، وأعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ فصاروا نهباً للشياطين.
следующие страницы →