Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
التواضع لله
ومن ذلك: التواضع لله، العلماء كانوا يتكلمون في كتبهم عن أبواب مهمة بعنوان " خمول الذكر " ما المقصود به؟ أن يسعى الإنسان يسعى إلى إخفاء عمله، وإخفاء ذكره، ومحو اسمه فلا تبقى إلا عبوديته لله، عن ثوبان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن حوضي من عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربةً لا يضمأ بعدها أبداً، أول الناس وروداً عليه فقرءا المهاجرين، فقال عمر بن الخطاب: من هم يا رسول الله؟ قال: هم الشعث رءوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد) قال ابن الأثير ﵀ في شرح العبارة الأخيرة في حديث واردي الحوض: (هم الذين لا تفتح لهم السدد) أي: لا تفتح لهم الأبواب، لو جاء إلى مكان، طردوه، قالوا: هذا فقير هذا مسكين ليس له مكانٌ عندنا، لا تفتح لهم الأبواب هؤلاء والوعد الحوض حوض النبي ﷺ ، حديثٌ صحيح.
وقال النبي ﵊: (رب أشعث مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره) هذا الشخص الذي يظهر أمام الناس أنه مهين وذليل ليس له قيمة، لو جاء إليهم دفعوه عن الأبواب وقالوا: اذهب عنا، هذا الرجل ربما لو أقسم على الله لأبره.
стр. 3677
إخفاء العمل عند السلف الصالح
من العلاج المهم لهذه المسألة: إخفاء العمل، فعن عوف بن مدرك قال: [كنت عند عمر إذ جاءه رسول النعمان بن مقرن - قائد الإسلام في الفتوحات- فسأله عمر عن الناس، فقال الرجل: أصيب فلان وفلان وآخرون لا أعرفهم، فقال عمر: لكن الله يعرفهم] ما يضرهم أن عمر ما عرفهم؛ لأن الله يعرفهم، فهذا من إخفاء العمل.
стр. 3678
أويس القرني وإخفاء نفسه
إخفاء العمل أمرٌ مهمٌ فقد كان السلف يحرصون عليه رحمهم الله تعالى، وسنسوق بعض الأمثلة على ذلك: ومن أعظم من كان يمثل هذا المعنى أويس القرني رحمه الله تعالى، هذا الرجل عجيب وسيرته عجيبة! ومع إخفاء الرجل لنفسه إلا أن الله أبقى لنا ذكره، فنحن نقتدي به ونتأثر من سيرته، قال ﵊: (إن خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس وله والدة، وكان به بياض -يعني: برص- فأذهبه الله عنه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم، فليستغفر لكم) رواه مسلم.
وفي روايةٍ لـ مسلم: (له والدةٌ هو بها بر) من أسباب سعادة الرجل هذا بره بأمه لو أقسم على الله لأبره، هذا الرجل من أهل اليمن، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، قال عمر لـ أويس: فاستغفر لي، فاستغفر له، قال عمر: أين تريد؟ -هو خارج من اليمن مع الأمداد إلى الجيوش الإسلامية في الشمال في الشام والعراق - قال عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها -وصية أعطيك توصية- قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، قال: فلما كان العام المقبل حجّ رجل من الناس من تلك الناحية التي ذهب إليها أويس، فسأله عمر عن أويس قال: تركته رثَّ البيتِ قليل المتاع، ثم جاء الرجل هذا إلى أويس -ذهب إلى أويس - فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدثُ عهدٍ بسفرٍ صالح، فاستغفر لي أنت، فـ أويس يعلم أن النبي ﵊ قال عنه: (يا أيها الناس اطلبوا من أويس أن يستغفر لكم) وعندما قال له هذا الرجل هذا: يا أويس! استغفر لي، قال: أنت أحق أن تستغفر لي، أنت حديث عهدٍ بسفرٍ صالح، قال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدٍ بسفرٍ صالح، قال: استغفر لي، قال أويس: لقيت عمر، قال: نعم.
فاستغفر له ففطن له الناس فانطلق على وجهه واختفى.
هذه رواية مسلم أيضاً.
وفي رواية للحاكم: لما أقبل أهل اليمن جعل عمر ﵁ يستقرئ الرفاق - عمر حافظ للحديث فمنذ زمن والحديث في ذهنه، عمر يريد أن يعرف الرجل- فيقول: هل فيكم أحدٌ من قرن، حتى أتى عليه قرن، فقال: من أنتم؟ قالوا: قرن، فرافع عمر بزمامٍ أو زمام أويس فناوله عمر، فعرفه بالنعت - عمر كان فطناً وكان عنده فراسة لا يقول لشيء هو كذا إلا كأنه- فقال له عمر: ما اسمك؟ قال: أنا أويس، قال: هل كان لك والدة؟ قال: نعم.
قال: هل بك من البياض؟ قال: نعم.
دعوت الله تعالى فأذهبه عني إلا موضع الدرهم من سرتي لأذكر به ربي -الله أبقى موضع درهم في سرة أويس من البرص ليتذكر نعمة الله عليه، أبقاه في موضعٍ خفي لنعمة الله عليه ليس في وجهه عيبه بل في سرته- دعوت الله تعالى فأذهبه عني إلا موضع الدرهم من سرتي لأذكر به ربي، فقال له عمر: استغفر لي؟ قال: أنت أحق أن تستغفر لي، أنتَ صاحب رسول الله ﷺ !! فقال عمر: (إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن خير التابعين رجلٌ يقال له أويس القرني وله والدةٌ وكان به بياضٌ فدعى ربه فأذهبه عنه إلا موضع الدرهم في سرته).
قال: فاستغفر له، قال: ثم دخل في أغمار الناس فلا يدرى أين وقع -ذهب أويس واختفى- قال: ثم قدم الكوفة، فكنّا نجتمع -راوي القصة عند الحاكم أسير بن جابر - قال: كنا نجتمع في حلقة فنذكر الله في الكوفة، وكان يجلس معنا أويس ولا يدري أحد أنه أويس، فكان إذا ذكّرهم، وقع حديثه من قلوبنا موقعاً لا يقع حديث غيره، ففقدته يوماً، فقلت لجليسٍ لنا: ما فعل الرجل الذي كان يقعد إلينا؟ لعله اشتكى -أي: مريض- فقال رجلٌ: من هو؟ فقلت: من هو وصفه؟ قال: ذاك أويس القرني، فدللت على منزله فأتيته فقلت: يرحمك الله، لماذا تركتنا؟ فقال: لم يكن لي رداءٌ فهو الذي منعني من إتيانكم، قال: فألقيتُ إليه ردائي، فقذفه إلي -رفض أن يأخذه- قال: فتخاليته ساعة، يحاول في أخذ الرداء، ثم قال أويس: لو أني أخذتُ رداءك هذا فلبسته فرآه علي قومي قالوا: انظروا إلى هذا المرائي لم يزل في الرجل حتى خدعه وأخذ رداءه، لو أخذت رداءك سيتهموني بهذا، فلم أزل به حتى أخذه، فقلتُ: انطلق، فقال الرجل -هذا أسير بن جابر -: انطلق اسمع ما يقول الناس عنه، فلبسه -لبس أويس الرداء- فخرجنا فمر بمجلس قومه، فقالوا: انظروا إلى هذا المرائي لم يزل بالرجل حتى خدعه وأخذ رداءه، فأقبلت عليهم فقلت: ألا تستحيون عندما تؤذونه، والله لقد عرضته عليه فأبى أن يقبله، قال: فوفدت وفودٌ من قبائل العرب إلى عمر فقال: فكان فيهم سيد قومه، هذا الوفد الذي جاء إلى عمر، فقال له عمر بن الخطاب: أفيكم أحدٌ من قرن؟ فقال له سيدهم: نعم أنا، فقال له: هل تعرف رجلاً من أهل قرنٍ يقال له أويس، من أمره كذا ومن أمره كذا، فقال: يا أمير المؤمنين! ما تذكروا من شأن ذا، ومن ذاك؟! فقال له عمر: ثكلتك أمك، أدركه أدركه -مرتين أو ثلاثة- ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: إن رجلاً يقال له أويس القرني من أمره كذا ومن أمره كذا، فلما قدم الرجل هذا الذي تحدث مع عمر لم يبدأ بأحد، لما قَدِم على بلدة أويس لم يبدأ بأحدٍ قبله، فدخل عليه، فقال: استغفر لي، فقال: ما بدا لك؟! قال: إن عمر قال لي كذا وكذا، قال: ما أنا بمستغفرٍ لك حتى تجعل لي ثلاثة؟ قال: وما هن؟ قال: لا تؤذيني فيما بقي، ولا تخبر أحداً بما قال لك عمر، ونسيت أنا الثالثة -الراوي- قال الذهبي: إسناده على شرط مسلم.
روى الإمام أحمد وهو حديثٌ صحيح، قال: (ليدخلن الجنة بشفاعة رجلٍ ليس بنبيٍ مثل الحيين ربيعة ومضر) قبيلة ربيعة كلها عن بكرة أبيها وقبيلة مضر كلها عن بكرة أبيها، كم عددهم؟ هناك واحد من أمة محمد ليس بنبي، سيدخل بشفاعته عدد مثل عدد ربيعة ومضر يدخلون الجنة بشفاعة هذا الرجل يوم القيامة، انتهى الحديث بقول ﵊: (إنما أقول ما أقول).
قال الحسن البصري: إنه أويس القرني، وقد ورد في رواية أنه أويس، لكنها ضعيفة، هؤلاء الناس إذا فقدوا طلبوا، وإذا طلبوا هربوا.
стр. 3679
ابن المبارك وإخفاء عمله
كان السلف ﵏ حريصين على إخفاء أعمالهم، ويكرهون الشهرة، فعن عبدة بن سلمان المروزي، قال: كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل- يعني: من المسلمين- فقتله، ثم آخر خرج من الكفار خرج إليه نفس الرجل من المسلمين فقتله، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله -المسلم قتل ثلاثة- تحدٍ أمام الجيشين فازدحم إليه الناس -إلى هذا المسلم- فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكمه -يخفي وجهه بكمه- فأخذت بطرف كمه فممدته فإذا هو ابن المبارك، فقال عبد الله بن المبارك للرجل هذا: وأنت يا أبا عمر ممن يشنع علينا.
стр. 3680
صاحب النقب يخفي عمله
وعن أبي عمر الصفار قال: حاصر مسلمة حصناً فندب الناس إلى نقب منه، من يدخل ليفتح لنا؟ فما دخله أحد، فجاءه رجل من عرض الجيش فدخله ففتح الله عليهم، فنادى مسلمة أين صاحب النقب؟ أين صاحب النقب؟ فما جاءه أحد، فنادى القائد بالجيش: إني قد أمرت الآن بإدخاله ساعة يأتي، فعزمت عليه إلا جاء، فجاء رجل فقال: استأذن لي على الأمير، فقال له: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه، فأتى مسلمة فأخبره عنه، فأذن له، فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثاً: ألا تسود اسمه في صحيفة الخليفة، ولا تأمروا له بشيء -يعني: من المال- ولا تسألوه ممن هو ولا تستخبروا عن اسمه، قال القائد مسلمة: فذلك له، فقال الرجل: أنا هو، هذا الرجل لأن أمر القائد لابد أن يطاع، القائد قال: عزمت عليه أن يأتي، لابد أن يطاع، فكان مسلمة لا يصلي بعدها صلاةً إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
стр. 3681
أبو العالية وثابت البناني وإخفاء أعمالهما
وكان السلف يبتعدون عن الشهرة قدر ما استطاعوا، قال عاصم الأحول: كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من أربعة قام فتركهم، وعن خالد بن معدان أنه كان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.
وقال محمد بن سيرين لـ ثابت: يا أبا محمد! لم يكن يمنعني من مجالستك إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى قمت على المصطلة، قال معمر: كان في قميص أيوب بعض التذييل -يعني: فيه طول قليل فقط ولكن ليس بمسبل- فقيل له: ما السبب وأنت قدوة؟! فقال: الشهرة اليوم في التشمير؛ اليوم صارت الشهرة أنهم يحسرون يعني: ليقال هؤلاء يتبعون السنة.
стр. 3682
قصة لابن نجيد
وهذه قصة عن ابن نجيد القدوة المحدث وكنيته أبو عمر: من محاسنه أن شيخه الزاهد أبا عثمان الحيري، طلب في مجلسه مالاً لبعض الثغور قال: يا أيها الناس! الثغر الفلاني يحتاج إلى مال، فتأخر ولم يأتِ أحد بمال، فتألم الشيخ وبكى في الدرس على رءوس الناس، فجاءه ابن نجيد بألفي درهم، فدعا له الشيخ، ثم إنه نوه به، صارت مناسبة، فقال: قد رجوت لـ أبي عمر بما فعل، فإنه قد نابَ عن الجماعة، يعني: ذكر اسمه وعرف به أنه هو الذي قدَّم المال، وعمل كذا وكذا، فقام ابن نجيد الذي قدَّم المال وسط الناس وقال: لكن إنما حملت من مال أمي وهي كارهة، فينبغي أن ترده لترضى، أرجع المال حتى ترضى أمي، فأمر أبو عثمان بالكيس فرد إليه، فلما جنَّ الليل جاء بالكيس، والتمس من الشيخ ستر ذلك، أرجع الكيس، هو أصلاً قال الكلام وورى استخدم التورية، لأجل أن ينفي عن نفسه التزكية التي زكاه بها الشيخ على المال، فلما صار الليل أرجع الكيس النقود، وكان الشيخ بعد ذلك يقول: أنا أخشى من همة أبي عمر.
стр. 3683
شريك وتواضعه
وقال سهل بن المغيرة: رأيت شريكاً وقد خرج من دار المهدي، فاحتوشه أصحاب الحديث- تجمعوا- فتقدمت إليه وقلتُ له: أطردهم عنك يا أبا عبد الله، قال: وأنطرد معهم.
فهذا الشيء من حال السلف في هذه المسألة يجب أن يتعظ أصحاب الشهرة به، والذين يحاولون الصيت، والذين يلبسون ثياب الشهرة ينبغي عليهم أن يعلموا بما لصاحب ثوب الشهرة يوم القيامة من العذاب والنكال: قال النبي ﵊: (من لبس ثوب شهرة ألبسه الله يوم القيامة ثوباً مثله، ثم يلهب فيه النار) رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديثٌ حسن.
стр. 3684
وصية فضالة بن عبيد لابن محيريز
حذر السلف من الشهرة وحبها، ولابد من سماع نصائحهم، فعن ابن محيريز أنه قال: سمعت فضالة بن عبيد وقلت له: أوصني، قال: خصالٌ ينفعك الله بهن، إن استطعت أن تَعرِف ولا تُعرَف، فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تكلم، فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يجلس إليك، فافعل، وفي رواية: إن استعطت أن تَعرِف ولا تُعرَف، وتسأل ولا تُسأل وتمشي ولا يُمشي إليك فافعل، ما أحب الله عبداً إلا أحب ألا يشعر به، يعني: يكتم أمره على الناس.
وعلينا أيها الإخوة بالتواضع، فإن الله مع المتواضعين، وقال النبي ﵊ في الحديث الحسن: (ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك، فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك: دع حكمته) فإذا تواضعت يرفعك الله بين الناس، وإذا تكبرت يذلك الله بين الناس.
ولابد أن يكون عندنا من يعطينا النصيحة من المخلصين، عمر بن عبد العزيز قال لغلامه: إن الولاة قد جعلوا العيون على العامة، وإني جعلتك عيني على نفسي، ما ترى عيباً علي إلا وتنبهني عليه، وينبغي أن ننظر في قصور أنفسنا وأن نجالس المتواضعين والعلماء الصالحين؛ لأن الإنسان يعرف قدره عند ذلك، وأن نحاسب أنفسنا بالكلمة والحركة، وإذا عوتبنا في شيء، لا ننفي عن أنفسنا التهمة، وإنما نسأل الله السداد.
وينبغي علينا أن نمنع المداحين الذين يمدحون في وجوهنا ونسكتهم ولا نرضى بمدحهم، وينبغي أن نربي الناس على هذا المفهوم، وأن نضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
ونسأل الله في الختام أن يرزقنا الإخلاص اللهم اجعل عملنا خالصاً لوجهك، ولا تجعل لأحدٍ من الناس فيه نصيباً يا رب العالمين، اللهم عظم أجورنا واغفر زلاتنا، اللهم إنا نستغفرك لما لا نعلم من الشرك، ونعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3685
العيد آداب وأحكام
لكل قوم عيد، وللمسلمين عيد يوم الفطر وآخر يوم النحر، ولا ثالث لهما، وصلاة العيدين مشروعة، وقد ورد في الشريعة بيان وقتها وصفتها، وآداب العيدين.
هذا ما احتوت عليه المحاضرة، مع ذكر أقوال أهل العلم في حكم صلاة العيد، وسننها وآدابها، وبيان لضوابط اللهو والفرح والألعاب في الأعياد.
стр. 3686
مشروعية العيدين وصلاتهما
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ونسأل الله أن يتقبل منا أجمعين ما حصل من الصيام والقيام، إنه خير مسئول وأكرم من أعطى ، وقد انتهى هذا الشهر الكريم بأسرع مما كنا نتخيل ونتصور، وانقضت تلك الأيام، وكنا في الليلة الماضية نقوم ونصلي وقد صرنا الآن في ليلة الأول من شوال، ورجع الأمر إلى ما كان عليه من قيام كل شخصٍ بمفرده، لأنه لا يشرع الاجتماع للقيام إلا في رمضان.
وبهذه المناسبة أيها الإخوة، نتعرض اليوم إن شاء الله لبعض أحكام وآداب العيدين، وذلك لأن المسلم مطالبٌ بأن يعرف أحكام دينه، وكلما حدثت مناسبة أن يعرف أحكامها الشرعية.
فأما بالنسبة لأحكام العيدين وآدابهما؛ فإن صلاة العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد كان المشركون يتخذون أعياداً زمانية ومكانية فأبطلها الإسلام وعوض عنها عيد الفطر وعيد الأضحى شكراً لله تعالى على أداء هاتين العبادتين العظيمتين، صوم رمضان وحج بيت الله الحرام.
فإذاً يأتي موسم الفرح هذا بعد انتهاء عبادة عظيمة وهي الصيام، وتأتي فرحة عيد الأضحى بعد الانتهاء من العبادة العظيمة أو في نهاية حج بيت الله الحرام.
стр. 3687
النهي عن مشاركة الكفار والمبتدعة في أعيادهم
صح عن النبي ﷺ أنه لما قدم المدينة كان لأهلها يومان يلعبون فيهما فقال النبي ﷺ : (قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما يوم النحر ويوم الفطر) وقال النبي ﷺ مبيناً اختصاص الأمم بأعيادٍ معينة فقال: (لكل قومٍ عيد) وبما أنه (من تشبه بقومٍ فهو منهم) فلا تجوز مشاركة الكفار في أعيادهم ولا المشاركة في المناسبات والأعياد البدعية الأخرى، ولا يجوز في الدين إحداث أعيادٍ أخرى غير عيد الفطر وعيد الأضحى في السنة، كما يفعله بعض المبتدعة من أعياد الموالد وغيرها، أو ما يفعلونه تقليداً للأمم الكافرة باتخاذ أعياد كعيد المسيح، وعيد الميلاد، وعيد رأس السنة، وعيد الزواج، وعيد الشجرة، وعيد الأم، وعيد الوطن، ونحو ذلك من الأعياد المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ فإنها كلها محرمة الإنفاق فيها والمشاركة فيها والاحتفال بها، كل ذلك محرمٌ تحريماً بالغاً ومصادم للعقيدة الإسلامية، وقد قال النبي ﷺ : (من تشبه بقومٍ فهو منهم) وقال ﷺ : (إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة).
стр. 3688
مذاهب العلماء في حكم صلاة العيد
وسمي العيد عيداً لأنه يعود ويتكرر كل عام، ولأنه يعود بالفرح والسرور، ويعود الله فيه بالإحسان على عباده على إثر أدائهم لطاعته بالصيام والحج، فإذاً هذان العيدان مرتبطان بعبادتين عظيمتين الصيام والحج، وعيد الفطر لزوال المنع من المباحات من الطعام والشراب والنكاح، والدليل على مشروعية صلاة العيد قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] وقال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] فذكر الله العيدين في هاتين الآيتين: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] هذا عيد الأضحى، صلّ وانحر بعد الصلاة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] أي: زكاة الفطر على أحد الأقوال، و ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٥] أي: بعد زكاة الفطر وهي صلاة عيد الأضحى، وكان النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده يداومون عليها، وقد أمر النبي ﷺ بالخروج لصلاة العيدين، وقالت المرأة وهي أم عطية ﵂: [كنا نُؤمر أن نخرج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها، حتى نخرج الحيَّض فيكنَّ خلف الناس فيكبرن بتكبيرهم ويدعين بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته] رواه البخاري رحمه الله تعالى، وهذا يبين التأكيد على مشروعية صلاة العيد وهي التي ذكر عددٌ من العلماء أنها واجبة، وهم قد ذكروا حكم صلاة العيد على ثلاثة أقوال: فقال بعضهم: إنها واجبة، يأثم من لم يحضر صلاة العيد؛ لأنه إذا كانت النساء اللاتي يطلب منهن القرار في البيوت قد أمرن بالخروج فالرجال من باب أولى، وأن هذا فيه دليلٌ على وجوب الخروج وأنه فرض عينٍ لنص الآية عليه، وللأمر به في الكتاب والسنة، وهذا رواية عن الإمام أحمد ﵀ وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها فرضٌ على الكفاية، إذا قام بها البعض سقط عن الباقين، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى بأنها فرض كفاية.
وذهب بعضهم وهم المالكية والشافعية إلى أنها سنة مؤكدة لقوله في حديث الأعرابي: (هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) ورد القائلون بالوجوب: إن حديث الأعرابي على صلوات تتكرر في اليوم والليلة ماذا يجب منها؟ قال: خمس صلوات أما وجوب صلاة أخرى لسبب يعرض مثل صلاة العيد، فإنه لم يكن متطرقاً إليه في حديث الأعرابي، وبما أننا أمرنا به وأمرت النساء بالخروج فإنه يكون واجباً، وقالت حفصة بنت سيرين: كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف فأتيتها، فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة فكانت أختها معه في ست غزوات فقالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى، فقالت: يا رسول الله أعلى إحدانا بأسٌ إذا لم يكن لها جلبابٌ ألا تخرج فقال: (لتلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين) يعني لو لم يكن عندها جلباب تأخذ جلباب صاحبتها، قالت حفصة: فلما أتيت أم عطية فسألتها: أسمعت في كذا وكذا، قالت: نعم بأبي -وقلما ذكرت النبي ﷺ إلا قالت: بأبي- وقال: (ليخرج العواتق) والعواتق جمع عاتق وهي البكر البالغة أو المقاربة للبلوغ، أو قال: (العواتق ذوات الخدور والحيَّض) وتعتزل الحيَّض المصلى وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين، قالت: فقلت لها: الحيَّض؟ قالت: نعم أليس الحائض تشهد عرفاتٍ وتشهد كذا وتشهد وكذا، رواه البخاري ﵀.
إذاً الخروج لصلاة العيد مؤكد، والنساء مأمورات به يخرجن على الوجه الشرعي، وخروج المرأة على الوجه الشرعي يعني ألا تكون متطيبة ولا لابسة لثياب زينةٍ أو شهرة لقوله ﵊: (وليخرجن تفلات -يعني غير متزينات- ويعتزلن الرجال، ويعتزل الحَّيض المصلى).
стр. 3689
مكان صلاة العيد
والخروج لصلاة العيد، وأداء صلاة العيد على هذا النمط المشهود من الجميع فيه إظهارٌ لشعار الإسلام، فهي من أعلام الدين الظاهرة، وأول صلاة صلاها النبي ﷺ للعيد يوم الفطر من السنة الثانية من الهجرة، ولم يزل ﷺ يواظب عليها حتى فارق الدنيا صلوات الله وسلامه عليه، واستمر عليها المسلمون خلفاً عن سلف فلو تركها أهل بلد مع استكمال شروطها فيهم قاتلهم الإمام، لأنها من أعلام الدين الظاهرة كالأذان، وينبغي أن تُؤدى صلاة العيد في صحراء قريبة من البلد؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي العيدين في المصلى الذي على باب المدينة -وهو يبعد مسافة ألف متر من باب السلام (ألف ذراع من باب السلام) كما قدره بعض أهل العلم، هذا مكان مُصلى النبي ﷺ وكان النبي ﷺ يصلي العيدين في المصلى الذي في باب المدينة، فعن أبي سعيد: (كان النبي ﷺ يخرج في الفطر والأضحى إلى المصلى) متفقٌ عليه، ولم ينقل أنه صلاها في المسجد لغير عذر، ولأن الخروج إلى الصحراء أوقع لهيبة المسلمين والإسلام وأظهر لشعائر الدين، ولا مشقة في ذلك لعدم تكرره بخلاف الجمعة إلا في مكة المشرفة فإنها تُصلى في المسجد الحرام، وفي صلاتها في الصحراء فائدة وهي تمكين الناس من الاجتماع الكبير الذي لا يسعهم فيه إلا الصحراء، لكن إذا حدث عذرٌ جاز لهم الصلاة في المساجد، كالمطر، أو الخوف كحصار البلد، أو الزحام.
كان المصلى خارج البلد فلما توسع البنيان صار المصلى داخل البلد، فلو كان من الممكن الصلاة في صحراء تسع الجميع لكان هو السنة، لكن أصبح الآن المصلى محاطاً وأصبح لا يكفي للناس، ولذلك أصبح لفتح المساجد الكبيرة لصلاة العيد حاجة خصوصاً في عيد الفطر، ولذلك فإن صلاتها في المساجد لا بأس بها، ولو تعددت إذا لم يكفهم مسجدٌ واحد أو مُصلى واحد جاز لهم أن يعددوا المساجد لصلاة العيد.
стр. 3690
وقت صلاة العيد
ويبدأ وقت صلاة العيد إذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح، لأنه الوقت الذي كان النبي ﷺ يصليها فيه، ويمتد وقت صلاة العيد إلى زوال الشمس، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال صلوا من الغد قضاءً، وقيل أداءً، لما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: غمَّ علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركبٌ في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي ﷺ الناس أن يفطروا من يومهم -لأنه تبين أنه يوم عيد- وأن يخرجوا غداً لعيدهم.
رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وحسنه وصححه جماعة من الحفاظ.
فلو كانت تؤدى صلاة العيد بعد الزوال لما أخرها ﷺ إلى الغد، فلما جاء الخبر بعد الزوال وأخرها إلى الغد علمنا أن آخر وقت لها هو الزوال؛ ولأن صلاة العيد شرع لها الاجتماع العام، فلا بد أن يسبقها وقتٌ يتمكن الناس من التهيؤ لها، ولذلك لا بد من نشر الخبر قبل الصلاة بوقتٍ كافٍ حتى يتمكن الناس من الإتيان لصلاة العيد.
ويسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر ليتسع الوقت للناس لإخراج زكاة الفطر إذا أخر صلاة العيد، وتعجيل الأضحى لأجل أن يتمكن الناس من ذبح الأضاحي، أو أن يسرع الناس إلى ذبح الأضاحي، هذا بالنسبة للسنة، والآن الناس في عجلة من أمرهم، ويقولون: نريد أن نصلي العيد بسرعة ونذهب للسلام على الأقارب والجيران ونحو ذلك، وتقريباً كلهم يتعجلون في إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومٍ أو يومين حتى صارت السنة في إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد شبه مهجورة، وصاروا يقولون نحن أخرجناها قبل صلاة العيد، قبل العيد بيومٍ أو يومين فلا حاجة لتأخيرنا، صلوا بنا بسرعة حتى نذهب ونسلم على أهالينا والناس، فلا حرج أن يصلي الإمام صلاة عيد الفطر في أول الوقت لمصلحة الناس، فنحن إن شاء الله سنصلي صلاة العيد غداً بإذن الله بعد ارتفاع الشمس مباشرة، فإذا كان الإشراق الساعة السادسة وخمس دقائق فبعدها بربع أو ثلث ساعة نصلي مباشرة، بإذن الله تعالى.
стр. 3691
حكم الأكل قبل الخروج لصلاة العيد
ويسن أن يأكل قبل الخروج لصلاة الفطر تمرات، وأن لا يطعم في الأضحى حتى يصلي، يوم الفطر يأكل تمرات قبل صلاة العيد، أما الأضحى فإنه لا يأكل حتى يصلي لقول بريدة: (كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي) رواه أحمد وغيره، واتفق أهل العلم على استحباب تعجيل الفطر في هذا اليوم قبل الصلاة، ويستحب أكل التمرات الواحدة بعد الأخرى، فهو أصح وألذ وأمرأ، وإذا لم يجدها أفطر على غيرها، واستحب بعض أهل العلم الحلوى، وأقل الجمع ثلاث.
إذاً السنة أن يأكل ثلاث تمرات فأكثر، خمساً أو سبعاً أو أكثر ويقطع على وتر، يعني: تسع أو إحدى عشرة فالسنة أن يفطر على تمراتٍ وتراً، وقال شيخ الإسلام ﵀ في استدلالٍ بالغ ولطيف قال: لما قدم الصلاة على النحر في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] وقدم التزكي على الصلاة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة في عيد الفطر والذبح بعد الصلاة في عيد الأضحى.
стр. 3692
التبكير والتجمل لصلاة العيد
ويسن التبكير في الخروج لصلاة العيد ليتمكن من الدنو من الإمام، لأن بعض الناس يتأخرون وبعضهم ينامون وبعضهم لا يأتون إلا وقد انتهت الصلاة، وبعضهم لا يأتون إطلاقاً.
والتبكير لصلاة العيد سنة، وتحصل فضيلة لصاحبه في انتظار الصلاة فيكثر ثوابه، ويُسن أن يتجمل المسلم لصلاة العيد، ويلبس أحسن ثيابه، لحديث جابر: (كانت للنبي ﷺ حلة يلبسها في العيدين ويوم الجمعة) رواه ابن خزيمة في صحيحه، وعن ابن عمر ﵁: (أنه كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه) رواه البيهقي بإسنادٍ جيد.
وعمر ﵁ ابتاع أو جاء للنبي ﵊ بحلة من إستبرق أو من حرير، وأخبره أنه أتاه بها ليلبسها للعيد، وليتجمل بها للوفود، فأخبره النبي ﵊: (أن هذا لباس من لا خلاق له) لأنها حرير ولا يجوز للرجال لبس الحرير، لكن لم ينكر عليه أن يأتي بثوبٍ جديدٍ جميلٍ لأجل العيد.
فالسنة إذاً أن يأتي بأحسن ثيابه لصلاة العيد.
стр. 3693
(الاستيطان) من شروط صلاة العيد
وكذلك فإنه يشترط لصلاة العيد الاستيطان، وأن يكون الذين يقيمونها مستوطنين في مساكن مبنية بما جرت العادة بالبناء به كما في صلاة الجمعة، فلا يقيمها البدو الرحل مثلاً، ولذلك قال العلماء متى يذبح البدوي أضحيته وليس عنده صلاة عيد في البر والصحراء؟ قالوا: ينتظر حتى تنتهي صلاة العيد في أقرب البلدان إليه فيذبح بعد ذلك، ينتظر ويتربص فترة يظن أن صلاة العيد قد انقضت بها في البلد ثم يذبح بعدها، وهو في الصحراء.
стр. 3694
صفة صلاة العيد
وصلاة العيد ركعتان قبل الخطبة لقول ابن عمر ﵁: (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يصلون العيدين قبل الخطبة) متفق عليه، وقد استفاضت السنة بذلك وعليه عامة أهل العلم، قال الترمذي ﵀: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن صلاة العيدين قبل الخطبة، وحكمة تأخير الخطبة عن صلاة العيد وتقدميها على صلاة الجمعة، أن خطبة الجمعة شرط للصلاة، والشرط مقدمٌ على المشروط، بخلاف خطبة العيد فإنها سنة، ولذلك فإنه إذا حضر فيها فإنه ينصت للإمام ولكنه لا يشترط له حضورها بمعنى أنه يأثم لو ترك الخطبة، وهي ركعتان بإجماع المسلمين، وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) وقال عمر: [صلاة الفطر والأضحى ركعتان تمامٌ غير قصرٍ على لسان نبيكم ﷺ وقد خاب من افترى] رواه أحمد وغيره.
ولا يشرع لصلاة العيد أذانٌ ولا إقامة، لما روى مسلم عن جابر ﵁ قال: [صليت مع النبي ﷺ العيد غير مرة ولا مرتين فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذانٍ ولا إقامة] ولذلك أنكر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على بعض الخلفاء أو بعض الملوك لما قدموا الخطبة على الصلاة، قالوا: إن الناس لا يجلسون إلينا فنجعلها قبل الصلاة لإلزام الناس بالاستماع، فكانت بدعة من البدع أنكرها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
وبالنسبة للركعة الأولى فإن الإمام يكبر فيها تكبيرة الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ والقراءة يكبر ست تكبيرات، فتكبيرة الإحرام ركنٌ لا بد منها، لا تنعقد الصلاة بدونها وغيرها من التكبيرات سنة في الركعة الأولى، ثم يستفتح بعدها، لأن الاستفتاح في أول الصلاة، ثم يأتي بالتكبيرات الزوائد الست ثم يتعوذ عقب التكبيرة السادسة، لأن التعوذ للقراءة فيكون عندها ثم يقرأ.
فإذاً يقول: الله أكبر، ثم يذكر دعاء الاستفتاح: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك إلى آخر الأدعية) ينتقي من الأدعية ثم يكبر ست تكبيرات بعد التكبيرة السادسة يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] ويقرأ الفاتحة، ويكبر في الركعة الثانية قبل القراءة خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، لما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كبر في عيدٍ اثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى -يعني مع تكبيرة الإحرام- وخمساً في الآخرة -يعني بدون تكبيرة القيام-) وإسناده حسن، ويرفع يديه مع كل تكبيرة لأن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير.
стр. 3695
حكم التكبيرات وما يقال بينها
نأتي الآن إلى سؤال، هل يقول بين التكبيرات شيئاً أم لا؟
الجواب
ورد عن بعض الصحابة أنهم كانوا يقولون بين التكبيرات أشياء، فعن حماد بن سلمة عن إبراهيم: أن الوليد بن عقبة دخل المسجد وابن مسعود وحذيفة وأبو موسى في المسجد، فقال الوليد وهو أمير البلد: إن العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: [يقول: الله أكبر، ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو الله، ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ] الحديث رواه الطبراني وصححه الألباني في الإرواء.
فإذاً هناك أشياء تقال بين التكبيرات وهي: حمد الله والثناء عليه، والصلاة على النبي ﷺ تقال بين تكبيرات صلاة العيد الستة في الأولى والخمسة في الثانية.
ويرفع يديه مع كل تكبيرة اقتداءً بالسنة، وأشار ابن القيم ﵀ بأنه يسكت سكتة يسيرة بين التكبيرتين لأنه لم يثبت عنده شيء، ولكن هذا الذي ثبت عن ابن مسعود ﵁ ينبغي الأخذ به، وإن شك الإمام في عدد التكبيرات بنى على اليقين وهو الأقل، وإن نسى التكبير الزائد حتى شرع في القراءة -يعني الإمام أخطأ وكبر الإحرام وبدلاً من أن يكبر ست تكبيرات شرع في الفاتحة، ما العمل؟ يسقط التكبير، لأنه سنة وقد شرع في الركن الآن، سقط التكبير لا يعود إليه وهو سنة، لو نسيها فصلاته صحيحة، هذه التكبيرات سنة، وإذا شرع في القراءة تكون هذه السنة قد فات محلها، وكذلك إذا أدرك المأموم الإمام بعدما شرع في القراءة لم يأت بالتكبيرات الزوائد، وعليه أن ينصت للإمام، ولا يأتي بالتكبيرات الزوائد، وكذلك إذا أدركه راكعاً فإنه يكبر تكبيرة الإحرام ثم يركع، ولا يشتغل بقضاء التكبير.
стр. 3696
ما يقرأ في ركعتي صلاة العيد
وصلاة العيد ركعتان يجهر فيهما الإمام بالقراءة لقول ابن عمر: (كان النبي ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين والاستسقاء) كذا رواه الدارقطني رحمه الله تعالى، وقد أجمع العلماء على ذلك ونقله الخلف عن السلف واستمر عليه عمل لمسلمين، فهي وإن صليت بالنهار فإنها صلاة جهرية، ويقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ويقرأ في الركعة الثانية (الغاشية) لقول سمرة ﵁: (كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]) رواه أحمد، أو يقرأ في الركعة الأولى بـ (ق) والثانية (القمر) لما في صحيح مسلم والسنن وغيرها: (أنه ﷺ كان يقرأ بـ (ق) و (اقتربت)) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: مهما قرأ به جاز، كما تجوز القراءة في نحوه من الصلوات، لكن إن قرأ (ق) و (اقتربت) أو نحو ذلك مما جاء في الأثر كان حسناً، وكانت قراءته في المجامع الكبار بالسور المشتملة على التوحيد، والأمر والنهي، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أممهم، وما عامل الله به من كذبهم وكفر بهم، وما حل بهم من الهلاك والشقاء، ومن آمن بهم وصدقهم، وما لهم من النجاة والعافية، فإذا سلم من الصلاة خطب خطبتين يجلس بينهما.
стр. 3697
ما ورد في خطبتي العيدين
وأما مسألة ثبوت الخطبتين مرفوعاً فربما لا يوجد له نص أنها خطبتين، ولكن ورد في النص أن النبي ﷺ قد خطب قائماً، وفي الصحيح: (أنه بدأ بالصلاة ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله وحث على طاعته) الحديث، وفي صحيح مسلم: (ثم ينصرف من الصلاة فيقوم مقابل الناس والناس جلوسٌ على صفوفهم) إذاً يستحب للناس البقاء كما هم على صفوف الصلاة وعدم تغيير المواقع وتغيير القبلة، يستحب للناس البقاء على الصفوف واستقبال القبلة والاستماع للإمام لأجل الحديث والناس جلوس على صفوفهم.
ويحثهم في خطبة عيد الفطر على تقوى الله تعالى ويذكرهم بصدقة الفطر وأحكامها.
ويرغبهم في خطبة عيد الأضحى في ذبح الأضحية ويبين لهم أحكامها، لأن النبي ﷺ ذكر في خطبة الأضحى كثيراً من أحكامها.
وينبغي على الخطباء أن يركزوا في خطبهم على المناسبات وما يحتاج إليه الناس من البيان في كل وقتٍ بحسبه وخصوصاً الوعظ والتذكير، لا سيما في المجامع العظيمة، ويذكر الغافل ويعلم الجاهل، وينصح العاصي، ويُؤتى بما يفيد المستمعين، وليس هناك شيءٌ قبل صلاة الأضحى أبداً ولا الفطر، ليس هناك شيءٌ قبل الصلاة مطلقاً، وذلك لحديث أبي سعيد قال: (كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيءٍ يبدأ به الصلاة) إذاً ليس هناك سنة قبل صلاة العيد، فإذا ذهب إلى المصلى جلس ينتظر، وإذا ذهب إلى المسجد يصلي تحية المسجد فقط، تحية المسجد لأجل المسجد.
стр. 3698
حكم إتيان النساء لصلاة العيد
وكذلك فإنه ينبغي حضور النساء لصلاة العيد، وتوجه إليهن موعظة خاصة ضمن خطبة العيد، لأنه ﵊ لما رأى أنه لم يسمع النساء أتاهن فوعظهن، وحثهن على الصدقة، وهكذا ينبغي أن يكون للنساء نصيبٌ من موضوع خطبة العيد لحاجتهن إلى ذلك، واقتداءً بالنبي ﷺ ، أما حكم إتيان النساء لصلاة العيد فذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب للأمر به الوارد في الحديث، وقال بعضهم: إنه سنة لأن الأمر بخروجهن لشهود دعوة المسلمين ليس بواجب، قال شيخ الإسلام ﵀: لا بأس بحضور النساء غير متطيبات ولا لابساتٍ ثوب زينة أو شهرة لقوله ﷺ : (وليخرجن تفلات) وقال بعض أهل العلم: إن الأمر منسوخ لأجل أنه كان يُحتاج في أول الإسلام لإكثار سواد المسلمين، فيأتي الناس والنساء أيضاً ولما كثر الناس لم تعد هناك حاجة لخروج النساء.
стр. 3699
كراهة التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها
ومن أحكام صلاة العيد: أنه يكره التنفل قبلها وبعدها في موضعها حتى يفارق المصلى، لقول ابن عباس ﵁: (خرج النبي ﷺ يوم عيدٍ فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) متفقٌ عليه، ولئلا يُتوهم أن لها راتبة قبلها أو بعدها، صلاة العيد ليس لها سنة قبلية ولا بعدية، قال الإمام أحمد ﵀: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها، وقال الزهري ﵀: لم أسمع أحداً من علمائنا يذكر أن أحداً من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، وكان ابن مسعود وحذيفة ينهيان الناس عن الصلاة قبلها، فإذا رجع إلى منزله فلا بأس أن يصلي فيه لما روى أحمد وغيره: (أن النبي ﷺ كان إذا رجع إلى منزله صلى ركعتين).
стр. 3700
قضاء صلاة العيد
ويسن لمن فاتته صلاة العيد أو فاته بعضها، قضاؤها على صفتها، بأن يصليها ركعتين بتكبيراتها الزوائد لأن القضاء يحكي الأداء، يعني: إذا فاتته صلاها ركعتين بتكبيراتها كما يصليها الإمام، ولعموم قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فإذا فاتته ركعة مع الإمام أضاف إليها أخرى، فما العمل إذا جاء والإمام يخطب؟
الجواب
إذا جاء والإمام يخطب جلس لاستماع الخطبة، فإذا انتهت صلاها قضاءً بعد ذلك، ولا بأس بقضائها منفرداً أو في جماعة.
فبعض الناس من جهلهم يصلون جماعة والإمام يخطب، الإمام يخطب وهم يكبرون، هذا من جهلهم، ينبغي عليهم إذا جاءوا وقد بدأ الإمام بالخطبة أن يجلسوا لاستماع الخطبة، فإذا انتهى الإمام قاموا فصلوا جماعة أو فرادى.
стр. 3701
سنة التكبير المطلق في العيدين
ويسن في العيدين التكبير المطلق، وهو الذي لا يتقيد بوقت، يرفع به صوته، إلا الأنثى فإنها لا تجهر به، فيكبر في ليلتي العيد وفي كل عشر ذي الحجة لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] فالفقهاء يقولون: التكبير للعيد يبدأ من بعد المغرب ليلة العيد، لأنه قال في الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] فمتى تكتمل عدة رمضان؟ بغروب شمس آخر يوم.
اليوم لما غربت الشمس اكتملت العدة، أليس كذلك؟ إذاً نكبر بعدها لأنه قال في الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] ويجهر به في الأسواق والمساجد والبيوت وفي كل موضعٍ يجوز فيه ذكر الله تعالى، ويجهر به بالذات في الخروج إلى المصلى، لما أخرجه الدارقطني وغيره عن ابن عمر أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام، فإذاً ينبغي الحرص على التكبير.
وكان النبي ﷺ يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى، وكان ﷺ يخرج في العيدين رافعاً صوته بالتهليل والتكبير وهذا من الأحاديث الصحيحة، وقد جمع الفريابي ﵀ كتاباً في أحكام العيدين ذكر فيه كثيراً من الأحاديث المتعلقة بالعيدين ومنها التكبير، وعن وليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس عن إظهار التكبير في العيدين قالا: نعم كان عبد الله بن عمر يظهره في يوم الفطر حتى يخرج الإمام، وصح عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: كانوا في الفطر أشد -يعني التكبير في الفطر أشد من التكبير في الأضحى، يعني في القوة والملازمة والحرص عليه- كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى، يعني التكبير، هذا صحيحٌ إلى أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى، وذكرنا كذلك رواية الدارقطني عن ابن عمر أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى، ثم يكبر حتى يأتي الإمام، وصححه الألباني في إرواء الغليل.
وروى ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح عن الزهري قال: كان الناس يكبرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى وحتى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام سكتوا فإذا كبر كبروا، أي: فإذا كبر وبدأ بالصلاة كبروا معه وصلوا، فإذاً متى ينتهي التكبير؟ عند خروج الإمام لصلاة العيد، إذا خرج الإمام انقطع التكبير، بالنسبة لعيد الفطر ينقطع التكبير بخروج الإمام.
стр. 3702
صيغة التكبير
وأما صيغة التكبير، فإنه قد روى المحاملي بسندٍ صحيح عن ابن مسعود ﵁ صفته، وهي: الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد، وفي مصنف ابن أبي شيبة ثبت تشفيع التكبير عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وهي أشهر صيغ التكبير، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ورواه ابن أبي شيبة مرة أخرى بنفس السند بتثليث التكبير أي: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، إلى آخره، فجاء في رواية بتكبيرتين بتشفيعه ومرة بتثليثه، وإن فعل هذا وهذا فهو حسن.
стр. 3703
الفرق بين الأضحى والفطر في التكبير
وكذلك فإن التكبير في عيد الفطر آكد لأجل الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا جاء في سياق صيام رمضان، ولتكملوا العدة: عدة رمضان، ولتكبروا الله على ما هداكم، لكن هناك فرق في التكبير بين عيد الأضحى وعيد الفطر: أن عيد الأضحى فيه مشروعية التكبير المقيد وهو التكبير الذي شرع في عقب كل صلاة فريضة في جماعة فيلتفت الإمام إلى المأمومين ثم يكبر ويكبرون، ويبتدئ التكبير المقيد بأدبار الصلوات في حق غير المحرم من صلاة الفجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وأما المحرم فيبتدئ التكبير المقيد في حقه من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق؛ لأنه قبل ذلك مشغولٌ بالتلبية، هذا تفصيل الفقهاء في التكبير المطلق والمقيد بالنسبة لعيد الأضحى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] وهي أيام التشريق، وقال الإمام النووي ﵀: هو الراجح وعليه العمل في الأمصار، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أصح الأقوال في التكبير الذي عليه الجمهور من السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة، لما في السنن: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله) وكون المحرم يبتدئ التكبير المقيد من صلاة الظهر يوم النحر وليس من فجر يوم عرفة كما يفعل المقيم، ذلك لأن التلبية لا تقطع إلا برمي جمرة العقبة، ووقت رمي جمرة العقبة المسنون ضحى يوم النحر، فكان المحرم فيه كالمحل، فلو رمى جمرة العقبة قبل الفجر فلا يبتدئ التكبير إلا بعد صلاة الظهر أيضاً عملاًَ بالغالب.
انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
стр. 3704
سنة المشي إلى المصلى ومخالفة الطريق
ومن السنة: أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشياً، ويرجع ماشياً، وفي حديث آخر: (كان يخرج إلى العيدين ماشياً ويصلي بغير أذانٍ ولا إقامة، ثم يرجع ماشياً من طريقٍ آخر) وفي رواية: (كان إذا خرج يوم العيد في طريق، رجع في غيره) وفي رواية: (كان إذا كان يوم عيدٍ خالف الطريق).
إذاً السنة أن يخرج ماشياً لا يركب، يأتي المصلى ماشياً وهو الأكثر أجراً وهو الأفضل ولا شك، لكن إن شق عليه المشي لبعد المصلى فإنه يمكن أن يوقف سيارته مثلاً في أقرب مكان يمكن أن يمشي منه إلى المصلى ويمشي، ليحافظ على سنة المشي، وإن قال إنسان ما فائدة مخالفة الطريق؟ ف
الجواب
إن مخالفة الطريق في العيد لها عدة فوائد، وقد ذكر العلماء عدة حكم في مسألة مخالفة الطريق منها: ليسلم على أهل الطريقين، ومنها لينال بركة المشي فيهما يشهدان له عند الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] فالأرض تحدث بما عُمل عليها من خير أو شر، ومنها ليظهر شعائر الإسلام في كل الفجاج والطرق في هذا وفي هذا، فيكون البلد من جميع طرقه فيه ذكر، ومنها للتفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة والرضى، يعني من الغضب والسخط إلى المغفرة والرضى، وقيل من الحكم في ذلك: إغاظة المنافقين واليهود وليرهبهم بكثرة من معه، وقيل: ليقضي حوائج الناس من الاستفتاء والتعليم والاقتداء أو الصدقة على المحاويج، ومنها: أن يزور أقرباءه وأصحابه، لأنه قد يوجد بعضهم في هذا الطريق وبعضهم في الطريق الآخر، فهذا بالنسبة للسبب، ولا مانع من أن يكون السبب كل هذه الأشياء مجتمعة لمن يستطيعها.
وكذلك فإنه لا بأس بتهنئة الناس بعضهم بعضاً بأن يقول لغيره: تقبل الله منا ومنك، وقد أخبر ابن حجر ﵀ أن ذلك قد جاء بإسنادٍ حسن عن جبير بن نفيل قال: [كان أصحاب النبي ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك] وقال شيخ الإسلام ﵀: وقد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كـ أحمد وغيره، والمقصود من التهنئة: التودد وإظهار السرور، ولا بأس بالمصافحة في التهنئة.
وإذا قال أي عبارات أخرى طيبة مثلاً: كل عامٍ وأنتم بخير، جعلكم الله من الفائزين ونحو ذلك، أو أعاده الله علينا وعليكم بالخير والمسرات ونحو ذلك فلا بأس، أي عبارة طيبة يقولها لا بأس بذلك.
стр. 3705
حكم العيد إذا وافق جمعة
ما العمل إذا وافق العيد جمعة؟
الجواب
الإمام يصلي الصلاتين يصلي العيد والجمعة، لأجل أن يخطب بالناس، أما الناس فيرخص لهم إذا حضروا العيد ألا يأتوا إلى الجمعة، وذلك لأن النبي ﷺ قال: (قد اجتمع في يومكم عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمعون إن شاء الله تعالى) فلا بد أن تقام صلاة العيد وتقام صلاة الجمعة، ولكن من حضر صلاة العيد فإنه يعفى عنه حضور صلاة الجمعة إذا لم يحضر، ولكن لا بد له أن يصلي الظهر لأنها فرض الوقت ولا يجوز تركها.
стр. 3706
المحافظة على السنة في العيد
كذلك فإنه لا بد من المحافظة على السنة، العيد فرصة للمحافظة على السنة، التمسك بالسنة وكسب الأجر من وراء ذلك، وقد جاء في صحيح مسلم: (كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيءٍ يبدأ به الصلاة ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس والناس جلوسٌ على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإذا كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه- يرسل سرية في الجهاد مثلاً- أو يأمر بشيءٍ أمر به، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبرٌ بناه كثير بن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع- يعني عصى الصحابي بالقوة فخطب قبل الصلاة- فقلت له: غيرتم والله، وأنكر عليه علناً أمام كل الناس، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خيرٌ مما لا أعلم فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجلعتها قبل الصلاة) فتأمل إذاً! درس عظيم من هذا الصحابي في المحافظة على السنة وعدم الرضى بمخالفة السنة وكيف أنكر ذلك.
ولأجل ذلك لا بد من المحافظة على السنة في هذا العيد، ولذلك من السنة أن يلبس الجديد أو الجميل، ويأمر بناته ونساءه أن يخرجن بالتستر الكامل والحشمة الشرعية، والتكبير من خروجه من بيته حتى يأتي المصلى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير، وأكل تمراتٍ وتراً قبل أن يخرج، وشدة التكبير في الفطر، وإذا خرج الإمام سكتوا، والقراءة بـ (سبح) و (الغاشية) أو (ق) و (القمر) والخروج ماشياً، والصلاة بغير أذانٍ ولا إقامة، والرجوع ماشياً من طريقٍ آخر، وغير ذلك من السنن التي تقدم ذكرها ينبغي المحافظة عليها.
стр. 3707
ضوابط اللهو والفرح في الأعياد
واعلموا رحمكم الله تعالى أن إظهار الفرحة بالعيد سنة، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولذلك صارت هناك كثيرٌ من المخالفات الشرعية، ولا بد أن نشير إشارة إلى هذا الموضوع وهو مسألة اللهو وما يجوز منه وما يباح في العيد، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان -زاد مسلم بدف- فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ -يستنكر- فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: (دعهما) وهذا يدل على جواز ضرب النساء بالدف في العيد، وعلى جواز الغناء بالمباحات من الكلام والشعر في العيد، لكنه لا يدل أبداً على استخدام الموسيقى والمعازف في العيد، فإن المرخص به هو الدف وأبو بكر قال: مزمارة الشيطان! استنكر حتى الدف، حتى أمره النبي ﷺ بالكف عن الإنكار، ولا حجة في الحديث أبداً لسماع غناء النساء، فإن عائشة قالت: وعندي جاريتان، يعني: بنتان صغيرتان، فأين غناء الجاريتين الصغيرتين بشعرٍ، فيه ذكر الحرب أو الكلمات المباحة بدفٍ، أين هذا من غناء النساء الكبيرات بالمعازف والعود والطبل والكمنجة وغير ذلك من الآلات الوترية والكهربائية وغيرها من أنواع المعازف، وسماع الرجال لهذا؟! ومع الأسف إن الذين يجيزون الغناء الموسيقي، وغناء النساء الكبيرات، وسماع الأغاني يستدلون بهذا الحديث فتباً لهم على استدلالهم! وتعساً لهم على طريقتهم المنحرفة! فإنهما جاريتان صغيرتان تضربان بالدف بكلامٍ مباح، أين هذا من غناء النساء الكبيرات بالأصوات الفاتنة، بالكلام الماجن، وذكر الحب والغرام، ووصف النساء والتشبيب بهن، وذكر الحب والعشق، ونحو ذلك من الألفاظ السيئة عند الرجال؟! أين هذا من هذا؟! فإذاً اللهو المباح لا بأس به، والنساء يضربن بالدف في الأعراس لا بأس به، وفي الأعياد لا بأس به، وفي توابع الأعراس لا بأس به، وفي توابع الأعياد لا بأس به، وأما أن يكون هذا لنساء كبيرات بمحضر من الرجال فهو حرام ولو بالدف، بل ولو بدون دف، لأن أصوات النساء الكبيرات فتنة للرجال، يحرك الشهوة ويبعث على الفتنة، يحرك كل كامن، ولذلك فإن تهييج الكامن وتحريك الساكن بالغناء المحرم لا شك أنه مما يسخط الله تعالى، فلا حجة في هذا الحديث أبداً لسماع الرجال لغناء النساء الكبيرات والبالغات بالأصوات الفاتنة، بهذه الكلمات الماجنة بالأدوات الموسيقية المختلفة.
أما اللهو المباح، جوار صغيرات (بنات صغيرات) يغنين بأهازيج وأناشيد مباحة فلا بأس به.
стр. 3708
حديث عائشة في لعب الأحباش وفائدة التوسعة على الأهل
كذلك فإن إعطاء الفرصة للأهل للمتعة المباحة لا بأس به، عن عائشة كما عند البخاري: (كان يوم عيدٍ يلعب فيه السودان بالدرق والحراب، الحبشة كانوا في المسجد يتمرنون على أدوات الحرب التروس والحراب، ولهم فيها فعلٌ معين، لعبٌ فيه تدريب، كتقابل المتقاتلين بوسيلة معينة ليس فيها إيذاء ولا شهر السلاح في وجه الواحد الآخر ونحو ذلك، وإنما هو طريقة للعب بهذه الحراب فكان منظراً مسلياً- فإما سألت النبي ﷺ وإما قال لي، أي: من نفسه: أتشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده -يعني يسترها من الناس، حتى لا يراها الأجانب- وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي) وفي رواية: (حتى أكون أنا التي أسأم) ولـ مسلم: (ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف) وفي رواية النسائي: (أما شبعت؟ فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده) -تتبين منزلتها عن بقية نسائه ﵂ وفي رواية قلت: (يا رسول الله! لا تعجل، فقام لي ثم قال: حسبك قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه) وتقول عائشة: [فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو] إذاً اللهو واللعب للبنات الصغيرات في العيد جيد وسنة ومشروع، وينبغي أن يمكن منه هؤلاء، لكن بعض الناس اليوم يلبسون بناتهم الملابس القصيرة، وربما يكون عمر البنت ست وسبع وثمان وتسع وعشر سنوات وقرب البلوغ، ويتساهلون في خروجهن إلى الشوارع، وضرب أبواب الناس لأخذ العيديات، ولا شك أن هذا باب فتنة، ولا شك أن فيه شراً وفساداً، ولذلك هو حرامٌ ولا يجوز أبداً، لكن أن يدعى البنات إلى بيتٍ من بيوت صديقاتهن المأمونة الموثوق بأهلها فيلعبن مع بعضهن البعض هذا طيب، أو يشاهدن شيئاً مباحاً هذا طيب، التوسعة على الأولاد بالألعاب المباحة في الأعياد، والملابس الجميلة الجديدة أيضاً هذا من الطاعات، لأن فيه إدخال السرور على الأهل، والعيد مناسبة فرح، فينبغي إذاً أن يكون فيه من مظاهر الفرح ما فيه إظهار لهذه الشريعة العظيمة.
стр. 3709
اجتناب الألعاب الخطيرة والمحرمة
وكذلك فإنه لا بد من اجتناب الألعاب الخطيرة، فإن هذه المفرقعات النارية التي ابتلينا بها في هذا الزمان تضيع فيها الأموال، وتؤذى بها الأبدان، ويشوش بها على الناس في البيوت، وربما تصاب بعض النساء بالرعب، أو فيها إقلاقٌ وإزعاجٌ لراحة المسلمين، فلا شك أن هذا حرامٌ لا يجوز، وبيع هذه الأشياء التي فيها خطورة حرامٌ لا يجوز أيضاً، ولا يمكن الأولاد من شراء الأشياء المؤذية المحرمة، إذا كانت مؤذية تسبب حرائق أو تؤذي الأبدان فإنه لا يجوز أن يلعب بها، وربما نسمع عن ولدٍ فقد بصره، أو مكان احترق بسبب ذلك، فإن الأطفال يأخذون الكبريت وأعواد الكبريت لإشعال هذه الفتائل فربما أدى إلى نشوب حرائق، ولذلك نقرأ في الأخبار المكتوبة عن ازدياد نسبة الحرائق في بلاد الكفار أيام عيد الميلاد، لأنهم يستخدمون هذه الألعاب النارية وبتفنن وتنوع وكثرة، مما يؤدي إلى اشتعال الحرائق، فعلى أية حال لا بد من الانتباه في قضية الألعاب إلى عدم الإتيان بالألعاب المحرمة، سواءً ما كان فيه موسيقى أو ما كان فيه صلبان، أو ما كان مؤذياً للبدن، أو ما كان فيه مقامرة أو شكلٌ من أشكال الميسر، أو ما كان فيه إلهاءٌ عن ذكر الله وعن الصلاة، أو ما كان فيه صورٌ من ذوات الأرواح، فإذاً المنكرات الموجودة في الألعاب كثيرة، أو ما كان فيه نرد فإن النبي ﷺ أخبر أن من لعب بالنردشير أو بالنرد فقد عصى الله ورسوله، أو كأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه، كما جاء في الحديث الصحيح.
إذاً ينبغي اجتناب الألعاب المحرمة والمؤذية، والحرص على الألعاب المباحة المفيدة، التي فيها تسلية وفيها إدخال للسرور على الأولاد وتمتيع الأولاد ما أمكن بالفرجة المباحة والفسحة المباحة، والاجتماع بين الأولاد وإظهار الزينة المباحة ونحو ذلك هذا مشروع ينبغي عدم خلطه بالممنوع.
هذا ما تيسر ذكره في أحكام صلاة العيد وبعض الآداب المتعلقة بالعيدين، ونسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجزينا بذلك الجزاء الأوفى، وأن يجعلنا في ختام هذا الشهر من عتقائه من النار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3710
الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود [١،٢]
إن الله إذا رأى من عباده من يظلم ويطغى، ويستعبد الناس، ويترك عبادة رب العالمين- يسر له من يقيم عليه الحجج والبراهين في الدنيا، حتى إذا أعذر إليه الله أخذه أخذ عزيز مقتدر.
وقد ضرب الله للمؤمن أمثلة في كتابه وفي وسنة رسوله ﷺ ، فهذه قصة الغلام المؤمن والراهب وأصحاب الأخدود، خير مثال يبين كيفية شق الداعية طريقه في الدعوة إلى الله مع تحمل الصعاب والابتلاءات من أجل الدين.
стр. 3711
نص حديث الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قصة من أجمل القصص ليس التي يقرؤها المسلم فقط، بل يمكن أن تكون من أجمل القصص التي يمكن أن يطلع عليها أي واحد من البشر، وهذه القصة -أيها الإخوة- هي قصة: الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود، وسوف نسرد القصة إن شاء الله، ثم نتدارسها معكم مقطعاً مقطعاً.
روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر- أي: الساحر- قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب- كان في طريق الغلام إذا سلك إلى الساحر راهب- فقعد إليه وسمع كلامه، فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه- لأنه يتأخر عن موعد الدرس، درس السحر- فشكا ذلك إلى الراهب- شكا الغلام إلى الراهب- فقال- أي: الراهب-: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها، فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة- جاء إلى الغلام بهدايا كثيرة- فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله ، فإن آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك، فآمن به- الأعمى آمن بالله- فشفاه الله فأتى الملك- الأعمى جليس الملك، جاء إلى الملك- فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك ربٌ غيري -هؤلاء الناس كفرة مجتمع كافر كانوا يعبدون ملكهم- قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه -من حاشيته وجنده- فقال: اذهبوا به إلى جبل كذ وكذا -سمى لهم جبلاً- فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه- من فوق الجبل- فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال- أي: الغلام-: اللهم اكفنيهم بما شئت، اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا إلا هو، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه آخرين، قال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور- والقرقور هو: السفينة- وتوسطوا به البحر- في منتصف البحر- فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة -انقلبت- فغرقوا كلهم، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك- هذا الغلام-: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيدٍ واحد وتصلبني على جذعٍ، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحد وصلبه على جذعٍ، وأخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه- الصدغ من العين إلى شحمة الأذن- فوضع يده على صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت- حفرت في الطرق- وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌ لها، فتقاعست أن تقع فيها رحمة بالولد، فقال لها الغلام: يا أمه! اصبري فإنك على الحق) رواه مسلم.
стр. 3712
روايات قصة الغلام المؤمن
هذا الحديث -أيها الإخوة- من أجمل القصص التي يمكن أن يسمع بها إنسان، الذي رواها لنا رسول الله ﷺ الوحي المصدق عن ربه ، هذه القصة رواها بالإضافة للإمام مسلم الإمام أحمد والنسائي، وكذلك رواها الترمذي، ولكن رواية الترمذي فيها اختلاف عن هذا السياق الذي سقناه، قال ابن كثير ﵀ عن سياق الترمذي: وهذا السياق ليس فيه صراحة أن هذه القصة من كلام النبي ﷺ ، سياق الترمذي ليس سياق مسلم الذي ذكرناه، قال شيخنا أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علمٌ من أخبار النصارى انتهى.
قال الحافظ في الفتح: صرح برفع القصة بطولها حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ومن طريقه أخرجها مسلم والنسائي وأحمد، إلى النبي ﷺ ، ووقفها معمر عن ثابت، على صهيب، ومن طريقه أخرجها الترمذي، فهذا السياق -سياق الإمام مسلم - الذي ذكرناه سنعتمد عليه في شرح القصة، وسنأخذ من سياق الترمذي ما يكون فيه زيادة تفاصيل بحيث لا تكون تتعارض مع نفس القصة، لأن القصة التي نشرحها الآن رواية مسلم هي المرفوعة عن الرسول ﷺ وهي المعتمدة.
أيها الإخوة! لو أنا أوكلنا كتابة مثل هذه القصة إلى أعظم روائي في العالم فهل يا ترى سيكتب لنا قصة مثل هذه في جمالها ودقتها، وعظم الفوائد المحتوية عليها، ومدى تأثيرها في النفس؟ لا يستطيع أحد مطلقاً، لا يمكن أن يأتي بشر بأجمل مما رواه لنا رسول الله ﷺ ، هذه القصص -أيها الإخوة- ليست قصص حكايات، ليست روايات تسلية، هذه قصة مجتمع بأسره، مجتمع حي كان في فترة من الزمان موجوداً على ظهر الأرض.
يا إخواني! ابتلينا في هذه الأيام بروايات سخيفة وقصص ماجنة، يُقبل عليها الكبار والصغار، يقرءون قصصاً، وفيها فسادٌ عظيم، وفي بعضها خرافات وشعوذات تفسد واقعية الأطفال، لذلك كان مما يُنصح به لكل أب لديه طفل، لكل أخ أو أخت لديه أخ أصغر منه أن يقرأ عليه هذه القصة حتى قبل أن ينام، حتى لو قبل النوم يقرؤها عليه، أو أن يجزئها له.
стр. 3713
فوائد قصة الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود
أيها الإخوة: هذه الأحداث عظيمة جداً، مثل هذه القصة فيها فوائد مباشرة وفوائد غير مباشرة، قد لا يحس بها القارئ أنه يستفيد، ولكن هو يستفيد، فمن ذلك مثلاً من القضايا الخفية: أننا نتعلم درساً عظيماً في التواضع، كيف نتعلم درساً عظيماً في التواضع؟ لأننا نحن الآن الكبار نتعلم هذه الفوائد العظيمة من غلام، والغلام كما قال ابن علان في دليل الفالحين في شرح الحديث: والغلام في لغة العرب من كان بعد سن الفطام وقبل البلوغ، الذي يكون بعد الفطام وقبل البلوغ يطلق عليه غلام في لغة العرب، نحن الآن الكبار والشيوخ نتعلم من غلام، من هذا الغلام المؤمن، هذا فيه فائدة عظيمة في التواضع.
ونبدأ معكم باستعراض هذه القصة جزءاً جزءاً مقطعاً مقطعاً كلمةًَ كلمة.
стр. 3714
هذه القصة تمثل دور دعوة كاملة
هذه القصة من أهميتها: أنها تمثل دعوة كاملة من بدايتها إلى نهايتها، ابتداءً من مرحلة الاستضعاف، لما كان الحق لا يعرفه إلا شخص واحد فقط، وحتى نهاية القصة وهي مرحلة إيمان الناس كلهم، الذين آمنوا في آخر القصة، مروراً بالمرحلة السرية التي طلب فيها الراهب من الغلام أن يكتم خبره، ومروراً بالمرحلة العلنية وهي أن يصدع الغلام بالحق على الناس كافة.
كذلك فيها تنوع الأساليب من الفردية إلى الجماعية، وغير ذلك، فيحتاج أصحاب الدعوات لدراسة هذه القصص جيداً، هذه القصص التي تمثل واقعاً متكاملاً، هذه التجارب، فالدين الإسلامي من عظمته أنه لا يبدأ بك أيها المسلم من الصفر، يقول لك: ابدأ، لا، بل يعطيك خلاصات تجارب الأمم السابقة، يقول لك: هذه التجارب استفيد منها، عندنا أرصدة في الإسلام من ضمن الأرصدة رصيد التجربة، تجارب الأمم السابقة مجموعة في القرآن والسنة.
نبدأ من البداية عن صهيب ﵁، من هو صهيب أيها الإخوة؟ صهيب الرومي، نلاحظ في بعض الأحاديث عن بعض الصحابة أنهم يتخصصون في رواية أنواع معينة من الأحاديث، هذا التخصص نابع من الواقع الذي عاشوه، فلو عرفنا واقع صهيب الرومي، كيف كان واقعه؟ صهيب الرومي كان مسلماً مضطهداً في قريش، يعذب ويُطارد ويُشرد ويُستولى على ماله، وقصة هجرته إلى المدينة معروفة، فإذا عرفنا واقع صهيب لا نستغرب لماذا بالذات صهيب الرومي الذي روى هذا الحديث الذي فيه ابتلاء وفتن ومحن، هذه العلاقة بين الراوي والمروي، بين الصحابي والحديث الذي رواه هذا الصحابي، وإذاً علمنا أيضاً أن خباب بن الأرت ﵁ روى جزءاً في هذا الحديث في صحيح البخاري لما قال: (جئنا إلى الرسول ﷺ وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟) -فـ خباب كان يعذب، وكان من تعذيبه أن سيدته الكافرة كانت تطرحه على أسياخ الحديد المحماة بالنار، فلا يطفئ النار في أسياخ الحديد إلا شحم ظهر خباب الذي كان يسيل عليه، لما جاء إلى الرسول ﷺ يطلب منه- (ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ قال ﷺ : كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ويوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق حتى يقع نصفين لا يرده ذلك عن دينه) فروى خباب ﵁ مقطعاً من هذا الحديث.
أن رسول الله ﷺ قال: (كان ملكٌ فيمن كان قبلكم) هذه القصة هل ذكر رسول الله ﷺ التاريخ الذي حدثت فيه القصة بالضبط؟ في اليوم الفلاني، في الشهر الفلاني، في السنة الفلانية؟ هل ذكر فيها المكان في البلد الفلانية؟ لا، نلاحظ هنا أن القصة تجردت عن أي تفاصيل إضافية تشتت ذهن القارئ أو السامع، واقتصرت على أهم التفاصيل المتعلقة بالموضوع، حتى لا يتشتت ذهن القارئ، لا توجد تفاصيل، مجردة عن الزمان والمكان، الزمان الوحيد الموجود (قبلكم)، قبل الصحابة، والراجح من كلمة (راهب) أنها وقعت بعد عهد عيسى لما تفرق الناس، وحصل الضلال في شريعة عيسى، وبقي رهبان قلة على دين عيسى على دين التوحيد، وقبل بعثة النبي ﷺ .
стр. 3715
أهذه القصة تجربة حية مرتبطة بكل زمان ومكان إلى قيام الساعة
ثانياً: من فوائد تجريد القصة من التفاصيل الإضافية: أن هذه القصة تصبح تجربة حية غير مرتبطة بزمان أومكان، تجربة حية كأنها قائمة اليوم، يعيشها كل المسلمين، كأنها قائمة يستفيد المسلمون منها إلى قيام الساعة، لو صار فيها زمان أو مكان معين، كان الناس قالوا: نعم.
هذه خاصة بذلك الزمان، مثل بعض الناس عندما نقول لهم الآن: يا جماعة! هذه سنة الرسول ﷺ ، يقول لك: نعم.
هذا كان على عهد الرسول ﷺ .
يا جماعة! هكذا كان واقع الصحابة ما كان هناك من المنكرات كذا وكذا، يقول: نعم.
ذاك كان واقع الصحابة، يحتجون بالزمان، ذاك الزمان مختلف نحن الآن تطورنا وتغيرنا.
следующие страницы →