Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.
стр. 4166
ملء الوقت بطاعة الله
ومن الأسباب التي تقوي الإيمان: ملء الوقت بطاعة الله، وهذا أمرٌ عظيمٌ، عندما سأل رسول الله ﷺ أصحابه: (من أصبح منكم اليوم صائماً؟) وأبو بكر يقول: أنا (من عاد منكم اليوم مريضاً؟) وأبو بكر يقول: أنا (من تبع اليوم منكم جنازةً؟) وأبو بكر يقول: أنا.
ماذا تعني لكم هذه القصة؟ تعني: أن أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان وقته مملوءاً بطاعة الله، يعمل في اليوم أعمالاً تأخذ وقتاً كبيراً، ولكنه يسردها سرداً.
وبلغ السلف ﵏ في ازديادهم من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها درجةً عظيمةً حتى قال بعضهم، عن حماد بن سلمة ﵀ وهو من العُبّاد من أهل السنة: لو قيل لـ حماد بن سلمة -تفكروا معي في هذه العبارة-: إنك تموت غداً، ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً.
تخيل لو قيل له: أنت غداً ستموت والواحد لو قيل له: أنت غداً ستموت ماذا يفعل؟ يبادر إلى الأعمال بازدياد، هذا يقول: لو قيل لـ حماد بن سلمة: إنك تموت غداً، ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً، ماذا يعني؟ فإذاً أيها الإخوة: ملء الوقت بطاعة الله، والاستمرار بالأعمال الصالحة، هذه القضية الثانية.
لاحظ معي هذه الألفاظ في هذه الأحاديث: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل) ماذا تعني كلمة لا يزال؟ الاستمرارية: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) الاستمرارية: (تابعوا بين الحج والعمرة) الاستمرارية، وهكذا، فالاستمرار في الأعمال الصالحة يقوي الإيمان جداً، والمداومة عليها، ولهذا يقول الرسول ﷺ : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).
стр. 4167
المسارعة إلى الأعمال الصالحة
وكذلك أيها الإخوة! بالإضافة إلى ما سبق المسارعة إلى الأعمال الصالحة والمسابقة إليها، يقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [الحديد:٢١] ويقول ﵊: (التؤدة في كل شيء خيرٌ إلا في عمل الآخرة) أي: كل شيء التأني فيه طيب، أن تتريث فيه وتدرسه وتفكر قبل عمله ألف مرة، إلا في شيء واحد وهو عمل الآخرة ليس فيه تأنٍ، أي: سارع مباشرةً، وسابق إلى هذا العمل، يقول عليه الصلاة السلام: (ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها) المفروض أن الناس يهربون منها، لكنهم نائمون عن الهروب، والجنة المفروض أنهم يطلبونها، لكنهم نائمون عن الطلب.
فقضية الأعمال الصالحة: استدراك ما فات من الطاعات.
أيها الإخوة! مظاهر ضعف الإيمان: عدم التحسر على فوات مواسم الطاعة، أي: هذا من مظاهر ضعف الإيمان، فعندما تمر الطاعة وموسم الطاعة ينقضي، ولا يشعر بالتأسف، ولا بالتحسر، ولا بالندم، فالشيء المقابل هنا هو استدراك ما فات من الطاعات.
مثال: عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل).
وعن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: [كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع، أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة] حديثان صحيحان.
ولذلك لو فاتت صلاة الوتر أحد الناس، وكان عادة يوتر مثلاً بثلاث ركعات، إذا استيقظ يصلي بعد ارتفاع الشمس، يصليها شفعاً، فيزيد عليها واحدة فتصبح أربعاً، وإذا كان يصلي إحدى عشرة ركعة في الليل عادة، أو كان ينوي أن يصلي في تلك الليلة إحدى عشرة ركعة، ثم نام وما استيقظ إلا الفجر، فإنه يصلي بعد ارتفاع الشمس اثنتي عشرة ركعة.
وبعد كل هذه الطاعات احتقار النفس أمام الواجب في حق الله من هذه الطاعات.
بعد أن تفعل هذا كله تحتقر نفسك، وتحتقر هذه الطاعة، يقول ابن القيم ﵀ ناقداً بعضهم: وكل ما شهدت حقيقة الربويية وحقيقة العبودية وعرفت الله وعرفت النفس، ويتبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق، ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبته، وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله، ويثيبك عليه بكرمه وجوده وتفضله، ولو جئت بعمل الثقلين، ما وفيت نعمة واحدة من نعم الله، فكيف والأعمال قليلة وشحيحة؟!
стр. 4168
النظر في حسن الخاتمة وسؤئها وتذكر الموت
وكذلك أيها الإخوة: من علاجات ضعف الإيمان: التفكر في حسن الخاتمة وسوء الخاتمة، واستعراض القصص التي تعرفها عن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة يجعلك أكثر حماساً في الطاعة، ويجدد الإيمان في القلب، وأحوال الناس التي ذكرت عن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة في كتب الأولين كثيرة، ومنها ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتاب الداء والدواء وفي غيره من الكتب.
يقول ابن الجوزي ﵀ في صيد الخاطر: ولقد سمعت بعض من كنت أظن فيه كثرة الخير وهو يقول في ليالي موته: ربي هو ذا يظلمني،-تعالى الله عن قوله- اتهم الله بالظلم وهو على فراش الموت، فيقول ابن الجوزي ﵀: فلم أزل منزعجاً مهتماً بتحصيل عُدةٍ ألقى بها ذلك اليوم.
فأثرت في نفس ابن الجوزي هذه العبارة التي انطلقت من هذا الرجل الذي كان يظن به خيراً، وإذا هو يتهم الله بالظلم وهو على فراش الموت.
ومن ضمن العلاجات: نتداول قصص حسن الخاتمة وسوء الخاتمة التي نسمعها عن الناس اليوم، فهناك قصص كثيرة، تجلس في مجلس من المجالس، وتقول يا جماعة: من سمع منكم فلان كيف مات؟ فتأتيك القصص الواقعية! الحقيقة أيها الإخوة: أن تداول هذه القصص من الأشياء التي تجدد الإيمان، لأن الشيطان يقول لأعوانه عند الفراق لحظة صعود الروح عند قبض الروح، يقول: عليكم بهذا الميت، فإن فاتكم، لم تقدروا عليه آخر فرصة! ومن الأمور التي تجدد الإيمان في القلب: تذكر الموت، يقول ﷺ : (أكثروا ذكر هادم اللذات) حديث صحيح، أي: الموت، ولذلك أمر ﷺ بزيارة المقابر، فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتُدمع العين وتُذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا) ما هي أهداف زيارة المقابر؟ لماذا أمر ﷺ بزيارة المقابر؟ لأنها ترق القلب.
فإذاً: صلة قضية زيارة المقابر بتجديد الإيمان في القلب صلة وثيقة، فإنها ترق القلب، وتُدمع العين، وتُذكر الآخرة، وقراءة الأحاديث التي فيها وصف سكرات الموت وصعود الروح وعذاب القبر ونعيمه من الأشياء المهمة.
وربطاً بالنقطة الماضية وهي قضية حسن الخاتمة وسوء الخاتمة هذا حادث سيارة حصل قريباً، يقول لي أحد الذين كانوا في السيارة -وقد مات واحد ممن فيها:- كنا في طريق السفر، فاتفقنا على أن نستفيد من الوقت في سفرنا هذا، فكل واحد يأخذ فترة من الزمن خمس وعشر دقائق يحدث الآخرين فيها عن موضوع مفيد، فكان ذلك الشخص الذي توفاه الله في الحادث يتكلم لنا عن عذاب القبر ونعيمه، ثم حصلت الحادثة وتوفي هذا الشخص فيها.
فإذاً: معرفة عذاب القبر ونعيمه من الأمور التي تُساعد في تجديد الإيمان، وقد بلغ الأمر بالرسول ﷺ أن يزور مقابر الكفار للاتعاظ، ويجوز لك يا أخي المسلم أن تزور مقابر الكفار للاتعاظ بغرض الاتعاظ، والدليل على ذلك ما ورد في الصحيح (أنه ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله) كانت نفوس الصحابة حية -هذا الفرق بين مجتمعنا والمجتمع الأول- فالتأثر كبير، لقد بكى وأبكى من حوله عند القبر، فقال: (استأذنت ربي بأن أستغفر لها، فلم يؤذن لي) لأنها ماتت على الكفر، ولا محاباة في أمور العقيدة، نوح نبي وولده كافر في النار، إبراهيم نبي وأبوه كافر في النار، ومحمد ﷺ نبي وأبوه وأمه وعمه وجده ماتوا على الكفر، قال: (واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تُذكر الموت).
ولذلك أيها الإخوة: من تمام استشعار هذه المواقف: أن يحضر الإنسان مثلاً تكفين الميت والصلاة على الجنازة وحمله على الأعناق، والذهاب به إلى المقبرة، ودفنه ومواراة التراب عليه، حتى تكون الصورة حية في الذهن، هذا غير ما تسمع أنت عن فلان ذُهب به وغُسل وكفن، فعندما تشاهد بنفسك يكون الأمر مختلفاً.
فالمعاونة تختلف عن السماع من بعيد، وكان السلف ﵏ يستخدمون التذكير بالموت فعندما يرون رجلاً يرتكب معصية، لكي يجددوا الإيمان الذي نقص في قلبه، فأدى إلى وقوع المعصية.
فهذا أحد السلف ﵀ في مجلسه رجلٌ من الجالسين ذكر رجلاً آخر بغيبة، فقال ﵀ مذكراً ذلك الرجل الذي يغتاب، قال له: اذكر القطن إذ وضعوه على عينيك -هو الآن يرى أمامه الرجل يغتاب، ماذا قال له؟ - اذكر القطن إذ وضعوه على عينيك، هذا التذكير وهذه الهزة كفيلة بأن تردع رجلاً عن ارتكاب المعصية، أو الازدياد والاسترسال فيها.
стр. 4169
تذكر منازل الآخرة
إن تذكر منازل الآخرة من الأمور المعينة على تجديد الإيمان في القلب، يقول ابن القيم ﵀: وإذا صحت الفكرة أوجبت له البصيرة، وهي نور القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السماء، فأحاطت بهم، وقد جاء الله ونصب كرسيه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرض بنوره ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نُصب الميزان وتطايرت الصحف واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العُطاش وقلّ الوارد -قل الوارد على الحوض والناس عطاش؛ لأنه ليس لأي واحد أن يرد الحوض- ونُصب الجسر للعبور -الصراط على جهنم- ولز الناس فيه، وقُسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه بحسب أعمالهم -يأتون الأنوار وهم يسيرون على ظلمة الجسر- فالذين عملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم، فيمرون على الجسر المظلم مروراً عظيماً، بخلاف المنافقين الذين يُسلب منهم النور، فيتعثرون ويسقطون في جهنم.
والنار يحطم بعضها بعضاً تحته -تحت هذا الجسر- والمتساقطون فيها أضعاف الناجين، فينفتح في قلبه -عندما يتأمل الإنسان أحوال الآخرة ومنازلها- تنفتح في قلبه عين يرى بها كل هذه الأمور، ويكون في قلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة، يريه الآخرة ودوامها والدنيا وسرعة انقضائها.
ولذلك تجد القرآن العظيم فيه اهتمام كبيرٌ بذكر منازل الآخرة؛ لكي يُقبل هذا القلب على الله ويخاف ويرجو الله، فيتجدد الإيمان فيه.
ولذلك كان من الأمور المهمة في هذا الجانب قراءة الكتب التي تتكلم عن الدار الآخرة، وعن الحشر، والحساب، والجنة والنار، وظل الرحمن، والشمس عندما تدنو من الخلائق، والصراط، وبعد دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يحدث من ذبح الموت.
والكتب التي تتكلم عن هذه التفاصيل قراءتها مهمة حتى يبقى الإنسان على صلة بهذه الأشياء.
стр. 4170
العبادة
وهناك العبادات، ومن أهم الأشياء لتجديد الإيمان في القلب قضية العبادة، والعبادات والطاعات كثيرة، والأوامر بإتيان الطاعات والحرص عليها كثيرة، ونقتصر الآن على ذكر بعض هذه الأشياء.
هناك بعض العبادات أيها الإخوة! تحدث أثراً في النفس، أي: فيها نوع من التميز، أو تُحس وأنت تقرأ تلك الآية، أو ذلك الحديث أن فيها معنى لطيفاً وجميلاً يطرق قلبك وأنت تقرأ هذه الأشياء.
مثلاً: انظر معي إلى هذا الحديث: يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح -وهذه روايات كلها صحيحة مجتمعة في هذه الرواية الواحدة-: (ما من أحد يتوضأ) تأمل كيف يدفع هذا الإسلام وعظمة هذا الدين المسلم إلى الطاعات، وإلى الصلة بالله بأشياء بسيطة يرتب عليها أجراً عظيماً: (ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين يُقبل بقلبه ووجهه عليهما لا يسهو فيهما) وفي رواية: (لا يُحدث فيهما نفسه) وفي رواية: (يُحسن فيهن الذكر والخشوع إلا وجبت له الجنة).
وفي رواية: (غُفر له ما تقدم من ذنبه) ماذا فعل؟ (ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين) نافلة لله: (يُقبل بقلبه ووجهه عليهما لا يسهو فيهما) (لا يحدث فيهما نفسه) (يحسن فيهن الذكر والخشوع إلا وجبت له الجنة).
انظر الآن هذا العمل كيف يجدد الإيمان وهو عمل بسيط، لكن الحقيقة أن الإتيان به كما جاءت الأوصاف أمر لا يقدر عليه إلا من وفقه الله له، ثم نتأمل هذا الحديث الصحيح الآخر، يقول ﵊: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله -يبغضهم الله-: أما الثلاثة الذين يحبهم الله: الرجل يلقى العدو في فئة فينصب له نحره حتى يُقتل أو يُفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم -يطول السفر- حتى يحبوا أن يمسوا الأرض) -من طول السفر يحبون الآن الراحة- فينزلون، فيتنحى أحدهم، فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم) أي: هؤلاء الناس تعبوا من السفر، فنزلوا منزلاً فناموا، لكن أحدهم ما نام، قام يصلي لله في الليل حتى أوقظهم لرحيلهم، وهذه النماذج عندما يطلع عليها الإنسان، ويفعلها ولو مرة، لا شك أنها تحدث أثراً عظيماً في قلبه.
والاهتمام بالزكوات والصدقات من العبادات، ولها أثر مباشر على القلب: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] تطهر وتزكي قلوبهم.
هناك أشياء بسيطة جداً من المعاملات وهناك قضايا اجتماعية، عندما يتأمل بها الإنسان يُسبح الله تعجباً منها، يقول ﷺ في الحديث في صحيح الجامع، أو في السلسلة الصحيحة لأحد الصحابة: (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك: ارحم اليتيم وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) فالآن تصور أيها الأخ المسلم! أن مسح رأس اليتيم من الأشياء التي تُلين القلب.
الشاهد: أن هناك عبادات، وهناك أشياء جاءت في الشرع تؤثر على القلب مباشرة تأثيراً قوياً يلمحها الإنسان ويتعجب من أثرها، ويتعجب من وصفها الوارد في الكتاب والسنة.
стр. 4171
التفاعل مع الآيات الكونية
كذلك أيها الإخوة: من الأمور التي تجدد الإيمان: التفاعل مع الآيات الكونية كما يتفاعل القلب مع آيات القرآن، فكيف يكون التفاعل مع الآيات الكونية؟ أعطيكم مثالاً: روى البخاري ومسلم وغيرهما: (أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى غيماً، أو ريحاً؛ عُرف ذلك في وجهه) أي: يتفاعل مع الأحداث الكونية، فإذا رأى غيماً أو ريحاً؛ عُرف في وجهه الفزع والخوف، فقالت عائشة: (يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه مطر، وأراك إذا رأيته عرفتُ في وجهك الكراهية).
لماذا الناس يستبشرون، وأنت يا رسول الله! تعرف في وجهك الكراهية إذا رأيت الغيم أو المطر؟! فقال: (يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب) وقد عُذب قومٌ بالريح: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة:٦ - ٧] قال (وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا) قومٌ من الأقوام أرسل الله لهم رسوله، فلما جاءهم العذاب في ظُلة، قالوا: هذا سحاب سيمطر ويمشي، وإذا فيه العذاب الذي نزل على رءوسهم.
إن الرسول ﷺ أيها الإخوة! كان يتفاعل مع الآيات الكونية، ومع الأحداث الكونية، الرسول ﷺ عندما يرى الكسوف، أو الخسوف، ماذا كان يفعل؟ كان يخرج فزعاً إلى الصلاة؛ لأن هذه من آيات الله التي يخوف الله بها عبادة، فتفاعل القلب مع هذه الأشياء والفزع منها يجدد الإيمان في القلب، ويُذكر القلب بعذاب الله، وبطش الله، وعظمة الله ، وقوته وقدرته.
ومرتبط بهذه النقطة أيضاً مسألة أخرى: التأثر عند المرور بمواضع العذاب والخسف وقبور الظالمين، فعن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه لما وصل الحِجر) أي: ديار ثمود التي يذهب لها الناس اليوم للسياحة وبِعثات الآثار لالتقاط الصور وعمل التحقيقات، ويقيمون المخيمات هناك مع الأسف الشديد، ماذا كان رسول ﷺ يفعل؟ اسمع يا أخي! ماذا كان الرسول الله ﷺ يفعل.
(أن رسول الله ﷺ قال لما وصل الحِجر قال: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم) لا تمروا بتلك الديار.
وفي رواية: (لما مرَّ ﷺ بـ الحِجر، قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين) باكين من ماذا؟ من تذكر نقمة الله وعذاب الله الذي حلَّ بهؤلاء الناس، ثم قنَّع رسول الله ﷺ رأسه، وأسرع السير حتى جاوزا الوادي أن يصيبهم ما أصاب الذين ظلموا.
تأمل يا أخي: الآن قسوة قلوب الناس واستخفافهم، يقولون: ذهبنا نرى وأخذنا صوراً بالكاميرا، وما حصل لنا شيء، والله يقول: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] لما أنزل الله الحجارة على قوم لوط، ماذا قال؟ ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] أي: أن يصيبكم ما أصابهم، فقد ينزل بأناس مثل: عذاب أولئك.
والرسول ﷺ أخبر بأنه سيحدث في هذه الأمة خسف وقذفٌ ونسفٌ ومسخٌ، وتأتي ريحٌ حمراء، ويأتي فيها عذاب.
стр. 4172
أثر إخلاص القلوب على الأعمال
ثم ننتقل الآن أيها الإخوة! إلى مفرق آخر في هذا الموضوع وهو: أن تجديد الإيمان وليس فقط بعبادات الجوارح، ليس فقط بأعمال الجوارح، أي: الصلاة والزكاة والحج.
يأتي الإنسان يوم القيامة وقد عمل سيئات كثيرة، فيقال له: هل له من عمل صالح؟ فيقال: بلى عندنا، فيخرج له بطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله، وكانت كفة السيئات قد رجحت رجحاناً عظيماً، وهذا لا يتخيل! فتُوضع السيئات في كفة، والبطاقة التي فيها لا إله إلا الله في كفة، فطاشت ورجحت بهن لا إله إلا الله، فيقول ابن القيم ﵀: وهنا قضية خطيرة وهي مسألة شبهة المرجئة وهي: أن كل من قال: لا إله إلا الله يغفر له كل سيئاته، لا، فهذا رجل له ميزة خاصة.
يقول ابن القيم ﵀: إن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.
نفس العمل، نفس الإمام، نفس الصلاة، نفس الركعات، نفس الأعمال، تجد اثنين في صف واحد في مسجد واحد وجماعة واحدة، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، بأي شيء هذا وأعمال الجوارح واحدة، بأي شيء صار بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض؟ بعمل القلب في حال الصلاة، بالخشوع وبالتفكر في آيات الله والتدبر، واستشعار عظمة من يقف بين يديه.
ولذلك يقول: لقد قام في قلب صاحب البطاقة من معاني الإيمان ما لم يقم بقلب كثيرين ممن قالها بلسانه، ونفس الشيء الزانية التي ملأت خفها من بئر وسقت بخفها كلباً فغفر الله لها، ويقول: ولقد قام في قلبها في لحظة أداء العمل من معاني الإيمان، ومن الشفقة على هذا الكلب المسكين واستشعار الثواب من الله، أشياء كثيرة وصفها ابن القيم ﵀، قال: قام في قلبها من معاني الإيمان ما لم يقم في قلب كثيرين ممن يسقون الحيوانات.
وأعمال القلوب كثيرة على رأسها: الإخلاص وهو أن يكون الاهتمام بتصحيح العمل أشد من الاهتمام بأداء العمل نفسه، فأداء العمل مهم، لكن الأهم منه تصحيح النية عند أداء العمل.
كذلك أيها الإخوة! اليقظة حالةٌ تحدث للقلب عند تأمل عذاب الله، فيستيقظ القلب، ويتحمس لأعمال الآخرة.
فحيا على جنات عدنٍ فإنها منازلك الأولى وفيها المخيمُ
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلمُ
ومن الأمور كذلك المشتركة بين القلب واللسان: ذكر الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] والكلام واسع جداً في هذا، وذكر ابن القيم ﵀ أكثر من مائة فائدة من فوائد الذكر وسردها في عدة مواضع من كتبه منها: كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب، وذكر نقطة لطيفة، يقول -أي: من عظمة الذكر-: أن الناس إذا رأوا رجلاً مصروعاً دخل فيه شيطان وآذاه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] يقول ﵀ في فوائد الذكر: وبالذكر يصرع العبد الشيطان -العكس- كما يصرع الشيطان أهل الغفلة والنسيان.
قال بعض السلف: إذا تمكن الذكر من القلب، فإن دنا منه الشيطان صرعه كما يُصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان، فيجتمع عليه الشياطين -يجتمعون على الشيطان الذي حاول أن يقترب من قلب الإنسان فصرعه- فيقولون: ما لهذا؟ ماذا حصل له؟ فيقال: قد مسه الإنسي.
الآن ترى أكثر الناس الذين يدخل في قلوبهم الشياطين من أهل الغفلة، ما تحصنوا بالأوراد، ولا الأذكار، ولذلك سهل تلبس الشياطين فيهم، وأكثرهم من الفسقة والعصاة.
وحدثنا أهل المعرفة بهذا الشأن، قال: جاءوا بالمصروع وقرءوا عليه، فقال: الجني هذا كان في بانكوك وفضحه؛ لأن كثيراً منهم من أهل الغفلة، -وهذا قصة حقيقية واقعية- فكثيرٌ منهم من أهل الغفلة، ولذلك تتلبسهم الشياطين.
стр. 4173
استشعار لذة الانكسار بين يدي الله
ومن الأمور التي تجدد الإيمان أيها الإخوة! استشعار لذة المناجاة والانكسار بين يدي الله ، فلماذا يقول الرسول ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)؟ لأن حال السجود فيه ذلة ليست في بقية الأحوال، وفيه انكسار وخضوع ليست في بقية الأحوال، ولذلك أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، لما ألصق جبهته بالأرض، وهي أعلى شيء فيه لمن وضعها؟ لله، صار أقرب شيء لله.
يقول ابن القيم ﵀ في كلام جميل عن لسان حال هذا الذليل والمنكسر التائب بين يدي الله: " فلله ما أحلى قول القائل في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضريع، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه ".
فعندما يعبر العبد بهذه الألفاظ وهو يناجي الله وهو منكسر بين يدي الله، فإن الإيمان يتضاعف في قلبه أضعافاً مضاعفة، وكل هذا التجديد يحدث في لحظات.
ويقول ﵀: "قد يكون للعبد حاجة يُباح له سؤاله إياها، فيلح على ربه في طلبها حتى يفتح له من لذيذ مناجاته وسؤاله والذل بين يديه، وتملقه والتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وتفريغ القلب له، وعدم تعلقه في حاجته بغيره ما لم يحصل له بدون إلحاح".
أحياناً يمرض الولد مرضاً خطيراً، فيقوم الأب يناجي الله ويتضرع إليه ويلح في الدعاء، ويحس في لحظة الشدة والضائقة، ولحظات الحرج بأنه قريبٌ من الله جداً، ويشعر بحلاوة في المناجاة، فيفتح الله عليه من ألفاظ الخضوع والانكسار والذلة بين يدي الله أموراً عظيمة.
ولذلك قد يتخيل الشخص أن هذا شر، لكنه في الحقيقة خير: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
فأحياناً تنزل بالإنسان مصيبة وضائقة شديدة جداً، تُقفل من جميع الجوانب، لا يجد من يساعده في الأمر، تُقفل في وجهه الأبواب، فإلى من يلتجئ؟ فيتصحح توكله على الله والإنابة إلى الله، واللجوء إلى الله وسؤال الله، كان سابقاً يسأل المخلوقين، ثم ما وجد من ورائهم رجاء، ولا من سعى منهم له بمساعدة في تلك اللحظات الصعبة، وهذا شيء أحياناً يكرهه الإنسان لكنه في الحقيقة أدى إلى اللجوء والقرب من الله ، فيتجدد الإيمان في النفس.
وكذلك الخوف من عقاب الله في الدنيا والآخرة: هناك عقاب لله في الدنيا، وقد يكون العقاب في الدنيا حسياً، وقد يكون معنوياً، قد يكون حسياً كما قال الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام:٤٦] عذاب حسي، وقد يكون العذاب معنوياً: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] صرف الإنسان عن آيات الله عذاب معنوي، وعقوبة معنوية كبيرة جداً أن يُحرم من تدبر آيات الله.
стр. 4174
الولاء والبراء
الولاء والبراء: موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين من أهم الأمور التي تُجدد الإيمان في القلب، لأن القلب إذا تعلق بأعداء الله يضعف جداً، وتذوي معاني العقيدة في القلب، فإذا جردها وتعلق بالله فعادى أعداء الله ووالى وناصر عباد الله المؤمنين، فإن القلب يحيا بالإيمان أيضاً.
стр. 4175
الافتقار إلى الله
الافتقار إلى الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] قال شيخ الإسلام ﵀:
والفقر لي وصف ذاتٍ لازم أبداً كما الغنى أبداً وصفٌ له ذات
فالفقر الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة وفقراً تاماً إلى الله من كل الوجوه.
стр. 4176
الثقة بالله وحسن الظن به
استشعار الثقة بالله وحُسن الظن بالله هذا عمل من أعمال القلوب، أي: أنت يا أخي عندما تتأمل قول الله لأم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص:٧] الآن إذا خافت الأم على ولدها من الأعداء ماذا تفعل؟ تخبؤه أو ترسله إلى أحد البيوت الآمنة، لكن الله يقول: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ [القصص:٧] إذا جاء جنود فرعون يأخذونه ليذبحوه، فماذا؟ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] كيف؟ فالعقول لا تعقل هذا الأمر.
كيف ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧]؟ لكن الله ثبت فؤاد أم موسى، فصارت ثقتها بالله عظيمة، فلما جاء الطلب، ألقته في اليم -في نهر النيل - فسبح به التيار، ثم جرى قضاء الله كما هي حكمته وإرادته حتى أغرق الله فرعون بسبب ذلك الوليد الذي جاء الجند يطلبونه.
وهذه ليست الآن سنة كل واحدة تخاف على ولدها تذهب وترميه في البحر، ثم هو يطلع إلى الشاطئ.
لا، لكن المعنى المقصود بهذه الآية الثقة بالله، فالواحد لا يسيء الظن بالله، ولا يفقد الثقة بالله، لا يقول: ليس هناك أمل، وأنا انتهيت، لا.
وإنما يجعل ثقته بالله متجددة.
стр. 4177
الإحساس بقصر الأمل
قد نعيش غداً، وقد لا نعيش، متى يأتي الموت؟ الله أعلم، وهذا مُهم في تجديد الإيمان، ويقول ابن القيم ﵀: ومن أعظم ما فيها هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٤٥] كل الدنيا هذه كساعة للتعارف.
فإذاً: لا يُطيلُ الإنسان الأمل، يقول: سأعيش وسأعيش مهما عاش! وقال بعض السلف لرجل: صلِّ بنا الظهر، فذاك الرجل قال: إن صليت بكم الظهر لم أصلِّ بكم العصر، فقال له: وكأنك تؤمل أن تعيش إلى صلاة العصر، نعوذ بالله من طول الأمل.
стр. 4178
التفكر في تفاهة الدنيا
وهذه الآن نقاط مقابلة للنقاط التي سبق أن ذكرناها في مظاهر وأسباب ضعف الإيمان: منها التعلق بالدنيا، كيف يرد الإنسان في قلبه على هذا الشيء؟ يتأمل كيف أن الدنيا حقيرة ولا تساوي شيئاً عند الله عندما تسمع معي إلى هذه الأحاديث الصحيحة: (إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلاً، وضرب مطعم ابن آدم مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه، فلينظر إلى ما يصير) حديثٌ حسنٌ.
فالله تعالى جعل ما يخرج من بني آدم مثلاً للدنيا، ومطعم ابن آدم قد ضُرب مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه ثم ينظر إلى ما يصير.
خذ صحناً من اللحم المشوي من ألذ ما يكون، تأمله قبل أن تأكله، كيف شكله؟ جذاب، كيف الرائحة؟ جميلة، فإذا أكلته هُضم وبعد قليل ضاق بك بطنك وذهبت إلى دورة المياه، هذا الصحن اللذيذ كيف يخرج في النهاية؟! انظر الأمثال من الرسول ﷺ وهو وحي يوحى، لا تتوقع أن تجد هذه الأمثلة الدقيقة عند ألسنة الحكماء والشعراء بمثل ما تأتي على لسان الرسول ﷺ : (إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلاً، وضرب مطعم ابن آدم مثلاً للدنيا وإن قزحه وملحه -وإن حسنه وزينه- فانظر إلى ما يصير) انظر فعلاً إلى نهايته فهذه هي الدنيا، من بعيد تراها جميلة، ولكن ما هو آخر الدنيا؟ هناك أشياء تقوم بالقلوب مهمة في تجديد الإيمان مثل: الاستقامة، والتوكل على الله والرضا بالله وبقضائه وشكر الله والصدق مع الله اليقين بالله السكينة محبة الله الطمأنينة البصيرة التوبة الإنابة التذكر الاعتصام بالكتاب والسنة الإشفاق الخشوع الزهد الورع الرجاء المراقبة المحاسبة.
ومن أعظم من تكلم عن هذه الأشياء أيها الإخوة! ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب مدارج السالكين، لو جرد كلامه من دفاعه عن صاحب الكتاب، وبعض الألفاظ التي أتى بها صاحب الكتاب الأصلي، يكون لك معيناً على استحضار نقاط كثيرة يتجدد بها الإيمان.
стр. 4179
المحاسبة للنفس والتواضع لله
المحاسبة مهمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] قال عمر بن الخطاب: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا] لا بد أن يكون للمسلم وقت يصفو فيه ويرجع ويئوب ويحاسب نفسه.
التواضع مهم في تجديد الإيمان، كيف؟ التواضع أيها الإخوة! في المظهر دالٌ على تواضع القلب لله، وكان عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه لا يعرف من بين عبيده.
ولذلك الرسول ﷺ يقول: (البذاذة من الإيمان) ويقول الرسول ﷺ : (من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه) واحد يستطيع أن يلبس من أجمل الثياب، لكن تركها تواضعاً لله وهو يقدر عليه: (دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها) حديث حسن.
стр. 4180
تجنب الأمور التي تهدم القلب
وقد ذكرنا في المرة الماضية أموراً تهدم القلب: كثرة الأكل والشرب والنوم والخلطة، فمن أكل كثيراً، شرب كثيراً، فنام كثيراً، فخسر كثيراً، وفي الحديث المشهور: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرٌ من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) ويحكى في أثر، وللفائدة فإننا لا نعرف صحة الأثر من الإسرائيليات، لكن فيه معنى لطيف: يُحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، فقال له يحيى: هل نلت مني شيئاً قط؟ أي: استطعت أن تحوز على شيء مني؟ قال: لا.
إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه، فنمت عن وردك، فقال يحيى: لله عليَّ ألا أشبع من طعام قط -أي: ما أزال جائعاً للطعام، حتى لا تمتلئ المعدة- فقال إبليس: وأنا لله عليَّ ألا أنصح آدمياً أبداً.
والنوم الكثير أيضاً، ولذلك لا بد من ضبط القضية وعلاج هذه المسألة، فيقول ابن القيم ﵀: نوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره، ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه، ومن المكروه عندهم النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقت غنيمة.
والآن كل الناس تقريباً، أو أكثرهم ينامون بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ومن النوم الذي لا ينفع النوم أول الليل عُقيب غروب الشمس، أي: بين المغرب والعشاء النوم مكروه كما أخبر الرسول ﷺ في الحديث الصحيح.
стр. 4181
تعظيم حرمات الله
ومن الأمور كذلك المجددة للإيمان في القلب: تعظيم حرمات الله، يقول الله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
وعكس هذه المسألة التهاون في حرمات الله، فلا بد من تعظيم حرمات الله، فهي حقوق الله، قد تكون أشخاصاً أو أمكنة أو أزمنة.
ومن تعظيم حرمات الله في الأشخاص حقوق الرسول ﷺ ، والأمكنة مثل: جبل عرفات، والحرم، والأزمنة مثل: شهر رمضان، والثلث الأخير من الليل: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠].
стр. 4182
عدم تحقير الذنوب
يقول ﵊: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، كرجل كان بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل يأتي بالعود، والرجل يأتي بالعود، والرجل يأتي بالعود حتى جمعوا من ذلك سواداً وأججوا ناراً، فأنضجوا ما فيها) حديث حسن، كذلك لو أن أحد الناس استهان بالذنوب، ذنب صغير على ذنب صغير على ذنب صغير.
لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: " كثيرٌ من الناس يتسامحون في أمورٍ يظنونها هينة وهي تقدح في الأصول" يقول: "مثل إطلاق البصر في المحرمات" نظرة بعد نظرة حتى صار القلب فاسداً من كثرة النظر، "وكاستعارة بعض طلاب العلم جزءاً لا يردونه" يستعير كتاباً ولا يرده وهذا كثيرٌ من الناس واقعون فيه، وأين هذا من باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]؟ وإذا وعدت بأن ترجع الكتاب، لماذا لم ترجع الكتاب؟ وقال بعض السلف: " تسامحت بلقمة فتناولتها، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف" أي: من تواضعه يقول: مرة أكلت لقمة وأنا شاك فيها أحلال أم حرام من أربعين سنة، وأنا أشعر أنني إلى خلف من وراء تلك اللقمة.
واجتناب محقرات الذنوب، ومحاولة اجتناب الذنوب كلها.
ولـ ابن تيمية ﵀ استشهاد لطيف، يقول في قول النبي ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة) يقول: إذا كانت الملائكة المخلوقون يمنعها الكلب والصورة عن دخول البيت، فكيف تلج معرفة الله ومحبته وحلاوة ذكره والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها؟
стр. 4183
علاج ضعف الإيمان من منظور الوسط الذي يعيشه الإنسان
نأتي الآن أيها الإخوة! إلى علاج ضعف الإيمان من منظور الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، أو الحركة الإسلامية التي يعيش فيها المسلم.
стр. 4184
لا بد أن تكون الحركة على منهج النبوة
لا بد أن تكون حركة متكاملة تحقق فيها جميع جوانب التربية، فمن الخطأ أن يحصل الاهتمام فقط بالعقيدة مثلاً، أو بالأخلاق فقط، أو بالتخطيط والدعوة إلى الله، أو الاهتمام بالواقع، وجمع المعلومات عنه، أو الفقه وأحكامه، أو الحديث وعلومه، أو بالأشياء القلبية فقط، وإنما يجب أن يُجمع بين جميع تلك الأمور في تربية الفرد، لأن منهاج الرسول ﷺ في التربية كان منهاجاً متكاملاً، ما كان يهتم فقط بأمور الأسماء والصفات، والأشياء المتعلقة بتفاصيل العقيدة، ما كان يهتم فقط بالأخلاق، ما كان يهتم فقط بأعمال القلوب، ما كان يهتم فقط بالعلم الشرعي، بل كان يهتم بجميع الأمور، ويجب أن نهتم بالإيمانيات بصورة خاصة، لأنها تصحح المسار، وتوضح الهدف، وتأمن الإخلاص اللازم للوصول إلى نصر الله ، ويجب الاهتمام بالإيمانيات حتى نقطع الطريق على ضعاف النفوس، وضعاف المعرفة الذين يقولون: لم نجد التربية الإيمانية وتزكية النفوس إلا عند الصوفية.
فتجد بعض الناس يقول: والله ما هناك إلا الصوفية، تريد أن تجدد إيمانك فعليك أن تسلك طريقاً من طرق الصوفية، تراهم أناساً خاشعين يُعلمون ويعلمون.
ولو طبقنا منهج الرسول ﷺ لاستغنينا عن هذه الترهات كلها، لماذا يوجد أوساط تفوق ما عند الصوفية من بعض الأشياء من اشتهارهم بالزهد، أو بالعبادة مع ما فيها طبعاً من الدغل والدخن والغش.
ولذلك تجد الخلط عندما يقال: إن المفكر الإسلامي الفلاني أو الداعية الإسلامي الفلاني بلغ أوجاً عظيماً في شخصيته، وساعده على ذلك شفافية إيمانيه؛ لأنه قد ترعرع وتربى في أحضان الطريقة الصوفية الفلانية.
فارتباط قضية تقوية الإيمان وعلاج ضعف الإيمان بقضية الصوفية عند الناس ارتباط خاطئ يجب أن يُعالج بإيجاد الأوساط التي تهتم بالقلوب وتهتم بالأمور الإيمانية، وقد كان الرسول ﷺ من أعظم الناس حرصاً على قضايا الإيمان، ولكنه ما كان من المتصوفة، وحتى من علماء المسلمين الذين أتوا بعده، فهذا ابن الجوزي من أعداء الصوفية ومع ذلك تجده مجيداً في الوعظ جداً، وربما حضر مجلس الوعظ عنده سبعون ألفاً، وتاب على يديه كثيرون.
وقدوتنا ﷺ كان مجتمعه مجتمعاً إيمانياً حقاً وحقيقةً، فكان ﷺ يقوم الليل في ساعات الخوف، ويأخذ بالأسباب، وقد أرسل رجلاً من الصحابة في إحدى الغزوات وكان وقت خوف، فكان يُصلي الليل وينظر إلى الشعب، ليرى من يأتي منه، وهذا الصحابي الذي يحرس المسلمين في إحدى الغزوات يقوم الليل، ويرميه العدو بسهم، ويُكمل صلاته، وبيوت نساء النبي ﷺ كان يسمع لها دويٌ كدوي النحل بالليل من قراءة القرآن: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
فما هي الجوانب التي ينبغي الاهتمام بها حتى تساعد؟
стр. 4185
إيجاد أوساط إيمانية لتربية الناس
أيها الإخوة: لابد أن نتهم بإيجاد الأوساط الإيمانية التي يتربى فيها الناس، ولا بد أن تُطعم هذه الأوساط بتلك النماذج البشرية ذات القلوب الحية، وذات الاستعدادات الإيمانية القوية التي تُؤثر فيمن حولها، وتصلح أن تكون قدوات عظيمة في هذا الجانب، وإنك لو نظرت في حال الأفراد لوجدت أنهم يتأثرون من الأوساط التي يعيشون فيها، فإذا وجدت الفرد متعلقاً بالدنيا، فإن الوسط الذي يعيش فيه غالباً فيه ميل إلى الدنيا، وتجد الفرد ذا الإيمان القوي إذا نظرت في الوسط الذي يعيش فيه، فإنك تجده غالباً وسطاً إيمانياً مشحوناً بتقوى الله وبتلك النماذج التي أوجدت مثل هذا الرجل، وللوصول إلى هذه النتائج لا بد من هذه المقترحات وإلا فإن الكلام فيها طويل: دراسة سيرة رسول الله ﷺ وأصحابه، كيف كان إيمانهم، وكيف كانت عبادتهم، وكيف كان زهدهم وورعهم، وكيف كان حالهم وموقفهم من الدنيا، كيف صبروا على العذاب، وكيف قاتلوا وقُتلوا، فإن تدارس السيرة يرقق القلب، ودراسة قصص المحن التي عاشها السلف من بعدهم مثل: محنة الإمام أحمد، ومثل: محنة الصحابي عبد الله بن الزبير، ومحنة الإمام أحمد بن نصر الخزاعي، وغيرهم من أئمة الدعوة إلى الله.
ودراسة الكتب التي تتكلم عن أعمال القلب مثل: كتب ابن القيم ﵀ عموماً، وبعض رسائل ابن تيمية ﵀ مثل: التحفة العراقية وغيرها من الكتب التي تتكلم عن أعمال القلوب، واللجوء إلى خبراء القلوب من علماء السلف ومن جاء بعدهم لمعرفة أمراض القلوب وعلاجها مثال: كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ودراسة كتب الترغيب والترهيب، وعندما نقول دراسة لا يعني مجرد قراءة، بل دراسة تفكير وتدبر ومناقشة، وطرح الأشياء طرحاً عملياً.
لماذا دراسة كتب الترغيب والترهيب؟ ما علاقتها بتجديد الإيمان في القلب؟ لأن دراسة كتب الترغيب والترهيب تعرف الإنسان بثواب الأعمال الصالحة لتكون دافعةً للعمل، وتعرفه عقاب الأعمال السيئة لتكون دافعةً إلى ترك الأعمال السيئة، ولقد اهتم السلف اهتماماً عظيماً بهذا ومن جاء من العلماء، فهذا المنذري ﵀ يُؤلف مجلدات في الترغيب والترهيب.
والنفس البشرية مفطورة على حب الثواب وخوف العقاب، وأما ما زعمته الصوفية من أنهم يعبدون الله لا خوفاً من ناره، ولا رغبةً في جنته، فإنهم ضالون مخالفون لمنهج سيد البشر ﷺ ، فإنه كان يدعو الله أن يرزقه الجنة، ويدعو الله أن يجنبه النيران، وأما ما زعمه بعض أهل التصوف من قولهم: ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، فإنه مذهبٌ ضالٌ، وبعض هؤلاء الضلال لما مرَّ بقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩] قال: فأين من يريد الله؟ سبحان الله العظيم! الآية تتكلم عن من يريد الحياة الدنيا ومن يريد الآخرة، قالوا: لا هذه، ولا هذه، الدنيا لها أهل والآخرة لها أهل، ونحن أهل الله.
انظر إلى السفاهة، وإلى الانحراف، وإلى تلبيس إبليس، وإن معرفة الثواب يعين على إتيان الطاعات ولا شك، نضرب مثالين فقط: يقول الرسول ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده، غُرست له نخلةٌ في الجنة) حديثٌ صحيح، لما تعلم أنه تغرس نخلة في الجنة لمجرد أن تقول: سبحان الله وبحمده، ألا يدفعك هذا إلى التلفظ بهذا الذكر؟ مثال آخر: عن أم هالة بنت أبي طالب، قالت: مرَّ بي رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني قد كبرت وضعفت، فأمرني بعملٍ أعمله وأنا جالسة -هذا للنساء والرجال كذلك- قال: (سبحي الله مائة تسبيحة فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميده تعدل لك مائة فرس ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبري الله مائة تكبيرة، فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة -التي تُهدى في الحج- وهللي الله مائة تهليلة) قال ابن خلف: أحسبه قال: (تملأ ما بين السماوات والأرض، ولا يُرفع يومئذٍ لأحد عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتيت به) قال الألباني: هذا إسناده حسن، ورجاله ثقات كما في السلسلة الصحيحة.
فإذا معرفة الثواب يحفز النفس، وهي مجبولة على هذا، وكابر أهل الانحراف أم لم يكابروا فإن النفس مجبولة على هذا.
стр. 4186
الموازنة بين الجوانب في التربية
لابد من الاهتمام والتركيز على الموازنة بين الجوانب في تربية النفس، ومراعاة الخطأ الذي يحصل أحياناً والتدقيق فيه من تغليب جانب على جانب، فبعضهم ينشط في الدعوة إلى الله مثلاً، أو ينشط في طلب العلم، لكنه يُهمل في جانب الإيمان، ولا بد من تصحيح المفاهيم والتصورات المتعلقة بموضوع التربية الإيمانية، فمن هذه التصورات الخاطئة: اعتقاد البعض أن التربية الإيمانية هي فقط للناشئة الجُدد السالكين حديثاً في طريق الالتزام، وليست للدعاة إلى الله الذين قطعوا مرحلةً، أو شوطاً، أو مشواراً في طريق الالتزام والاستقامة، وهذا خطأ، فكلنا نحتاج ذلك، ولذلك فإن الرسول ﷺ كان يعبد ربه حتى أتاه الموت، ولم يقل: إن التربية الإيمانية لحديثي العهد الذين دخلوا في الإسلام، أما كبار الصحابة فإنهم مشغولون بالجهاد وبتدبير أحوال المجتمع، والدعوة إلى الله، والتخطيط له.
ومن المفاهيم كذلك: ما يأتي في نفوس البعض من شبهة أن الاهتمام بالقلب يحسنه الصغار، ولكن الاهتمام بالأشياء الأخرى الكبيرة لا بد أن يكون لها الرجال، ولذلك تجد بعضهم يقول: أنا أهتم بالتصورات والعقائد والدعوة، وأهتم بمعرفة الواقع، ومحاربة أهل البدع والرد عليهم، ولا يهتم بقلبه هو، وهذا سببه علة كِبر، أو علة أن النفس تحب أن تتميز، فيقول: دع الصلاة للشيبان في المساجد، دع الذكر لهؤلاء المساكين، وأنا أذهب أعمل بالأشياء العظيمة، وهناك أناس على هذه الشاكلة.
ويجب كذلك أن يكون منهاجناً في طلب العلم مبدوءاً بتعلم الخشية لله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وليس مجرد تعلم التعريفات والمصطلحات واختلافات العلماء، وبغير زكاة فإن العلم يصبح نقمة ووبالاً على صاحبه، وكذلك الاستناد والاستشهاد بالأمور الإيمانية عند دراسة وعرض العقيدة أو تفاصيلها، أو عرض معاني الأسماء والصفات، وليس مجرد الاقتصار على عرض القواعد العلمية في مسألة الأسماء والصفات مثلاً، وإهمال ربط الناس بالمعاني.
وكذلك عرض سائر أمور الدين، وإذا قرأت مثلاً: الجزء الذي كتبه ابن القيم ﵀ في السيرة النبوية، أو مثلاً تأملت ما يكتبه أحياناً في أصول الفقه في كتاب إعلام الموقعين، أو بعض الأحكام المنثورة في كتبه، تجد أنه يربطها ربطاً مباشراً بالله ، وبالخوف منه ، وتجنب الأسلوب المنطقي العقلاني البحت في عرض قضايا الدين على الناس، فهذا خطير جداً، لأنه يربي الناس على الأشياء العقلانية، أو الأشياء المنطقية، ولا يحسون بحرارة الأشياء التي يتعلمونها في قلوبهم، وإنما يكون معرفتهم بها معرفة باردة.
стр. 4187
مخالطة أهل الإيمانيات
وكذلك من الأشياء المهمة في التربية الإيمانية الجماعية: مخالطة من تميز بالإيمانيات، ومخالطة القدوات المتصلة بالله وزيارتهم، ومجالستهم للاستفادة منهم، وكان أحدهم يقول: كنت إذا أحسست قسوةً في قلبي، وانحداراً في إيماني، ذهبت إلى فلان أبيت عنده، لماذا يبيت عنده؟ لأنه سيرى منه كثرة ذكره لله، خشوعه عند قراءة القرآن، تبكيره للصلاة، قيامه لليل، فيتأثر بأحواله، ومخالطة القدوات أمرٌ مهم.
وكان السلف ﵏ يذهب بعضهم ويبيت عند بعض ليرقب بعضهم أحوال بعض في المبيت حتى يتعلم منه في الليل ماذا يفعل، كيف يقوم لله، وهذا الاختلاط بالقدوات مؤثر وموجود منذ القدم.
ومثالٌ على هذا يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: ولقيت جماعةً من العلماء يحفظون ويعرفون، لكنهم كانوا يتسامحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل، أي: يدبر لها وبعد ذلك يأتي يغتاب، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة، ويسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه وإن وقع خطأ، لو سئل فإنه يجيب سريعاً، لماذا؟ يخاف الناس أن يقولوا عنه: إنه جاهل، فيجيب فوراً.
ثم يقول ﵀: "ولقيت عبد الوهاب الأنماطي، فكان على قانون السلف، لم يُسمع في مجلسه غيبة، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق: الجنة والنار، عذاب القبر، الموت؛ بكى واتصل بكاؤه، فكان وأنا صغير السن حينئذٍ يعمل بكاؤه في قلبي، ويبني قواعد الأدب في نفسي" هذه التربية، يبني قواعد الأدب والإيمان في قلبه، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل.
وكذلك الاهتمام بإتاحة الأوقات في المناسبات والأنشطة الإسلامية مثل: رحلات المراكز والمدارس وغيرها، والرحلات العائلية، ورحلات الإجازات الموسمية مثلاً للقيام ببعض العبادات مثل: حِلَق الذكر وقراءة القرآن جماعية، أو فردية مثل: قيام الليل والتسبيح عُقَيب الصلوات، وأن يكون الحث على ذلك لا إلزاماً حتى لا يكون الأثر عكسياً على المأمور، ومن ذلك أيضاً: عدم شغل الوقت المناسب لعبادات معينة مثل: الأذكار التي في أدبار الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، والتبكير للصلاة بأعمال أخرى، أو مواعيد حتى لو كانت من أعمال البر.
وإنما يبقى وقت بعد الصلاة للأذكار، ويبقى التبكير للصلاة مطلوباً، وأذكار الصباح والمساء في وقتها لا تُشغل بأي شيء آخر حتى لو كان الأمر بر إلا للضرورة، أو لما ترجحت مصلحته، وإلا يبقى هذا الوقت وقت ذِكر، وكان ابن تيمية ﵀ على كثرة مشاغله وجهاده وتعليمه يحافظ على الجلوس بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ويقول: هذا زادي، بعد ارتفاع الشمس، يصلي ركعتين ويقول: هذا زادي، وأنا بغير زاد كيف أعيش، وبين الإخوة تدارس سير الصالحين والعباد والزهاد من أمة محمد ﷺ حتى يتأثر الإنسان بهم.
وختاماً يا إخواني، فإن الدعاء لله مسك الختام في الأسباب، والحديث الذي بدأنا به نرجع إليه مرة أخرى لنختم به هذه الجلسة: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب) فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجدد الإيمان في قلوبنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 4188
ماذا تسمع ؟
منح الله الإنسان الكثير من النعم، وجعلها متفاوتة في الفائدة، ولكن من أعظم نعم الله على الإنسان نعمة السمع؛ لأن بها يعلم خطاب الشرع له فيعمل به، فالسمع أعم وأشمل من غيره من الحواس؛ لذا عاب الله على الكفار أن سمعوا الله ولم يفهموا ويدركوا مراده.
وقد رتب الله في شرعه الكثير من الأحكام على السمع، وجعل لصاحبه آداباً يسير على نهجها، وأوجب عليه سماع ما يجب ونهاه عن كل ما لا يحبه ولا يرضاه.
стр. 4189
قيمة حاسة السمع بالنسبة لحياة الإنسان
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
عباد الله! إن نعم الله علينا كثيرةٌ متعددةٌ، وإذا تأملنا في أنفسنا؛ وجدنا لله تعالى نعماً عظيمةً: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] ومن هذه النعم: نعمة السمع التي وهبنا الله إياها كقوة ندرك بها الأصوات، وهذه النعمة من أهم حواس الإنسان وأشرفها حتى من البصر؛ لأن بها يدرك المكلف خطاب الشارع -الذي به التكليف- من سائر الجهات، كما يدرك غيره من سائر الجهات وفي كل الأحوال، بخلاف البصر الذي يتوقف الإدراك به على الجهة المقابلة، قال الله تعالى مذكراً إيانا بهذه النعمة، ومذكراً إيانا بالمسئولية عنها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
وهذه النعمة العظيمة لفائدتها أجمع أهل العلم على أن فيها الدية، فإذا أذهب شخصٌ سمع آخر خطأً، فعليه الدين كاملة، وعمداً عليه القصاص.
ولأجل فائدتها وعظمها، اشترط أهل العلم في المناصب العامة كالإمامة والقضاء أن يكون سميعاً، وهي أكبر مدخل إلى القلب، ومن يفقد السمع أسوأ حالاً من الذي يفقد البصر، ولذلك فإن عقله يضعف جداً في الغالب، فلا تكاد تجد أصم إلا وفي عقله شيء بخلاف الأعمى.
وهو طريق من طرق اكتساب العلم، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل من غيرها من الحواس، فللسمع العموم والشمول والإحاطة بالموجود والمعدوم والحاضر والغائب، والحسي والمعنوي، فالسماع أصل العقل وأساس الإيمان".
وقد رحم الله أسماعنا، فهناك أصواتٌ لو سمعناها لصعقنا كما قال النبي ﷺ : (إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة، قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة، قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟! يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق).
وقد أمر الله بالسماع، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ [المائدة:١٠٨] وقال : ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦].
стр. 4190
السماع على ثلاثة أنواع
النوع الأول: سماع الإدراك: كقوله : ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن:١ - ٢].
النوع الثاني: سماع الفهم: وهو الذي نفاه الله عن الأموات كقوله : ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] ونفاه عن أهل الإعراض، فقال: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢].
النوع الثالث: سماع القبول والإجابة: كقوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] وفي حالة الجن المسلمين اتصل سماع الإدراك بسماع الإجابة بعد سماع الفهم، فاجتمعت فآمنوا وأسلموا، ويا حظ من كان سمعه موافقاً لمرضاة الله تعالى، ولذلك قال في الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) يعني: لا يسمع إلا ما يرضي الله .
أيها المسلمون! إن سماع الفهم والإجابة في غاية الأهمية، وهو سماعٌ مفقودٌ عند الكثيرين، فيسمعون بأُذن الرأس، لكن لا يسمعون بأُذن القلب، ولذلك يواجه الدعاة إلى الله تعالى من المشكلات والمصاعب ما الله به عليم؛ نتيجةً لتخلف سماع الفهم وسماع الإجابة عند الناس.
سماع الرأس والإدراك أمرٌ ميسورٌ لأكثر الناس، أما سماع الفهم فيحتاج إلى إمعان وتركيز، وتفرغ وحضور قلب، أما سماع الإجابة فيحتاج إلى إخلاص وتجرد، ولذلك لا يرزقه إلا القليل، فقليل من الناس الذين يسمعون سماع الإجابة سماع التأثر سماع الانقياد، ولذلك ترى هؤلاء الناس كثيراً ما يسمعون الخطب والمواعظ، لكن قل من يستجيب، وقل من يتأثر لتخلف سماع الإجابة، وسماع التأثر والانقياد.
ولذلك كان من علامات أهل الكفر وأعمالهم أنهم لا يريدون سماع الحق، قال الله تعالى عن نبيه الكريم نوح ﵇، الداعية الذي دعا قومه: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧] لكي لا يسمعوا فيتأثروا، وكذلك الكفار: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت:٢٦] حتى لا تتأثروا به، ولذلك جعل الطفيل في أذنيه كرسفاً -أي: قطناً- من الدعاية والإعلام الباطل الذي وجهه كفار قريش لدعوة النبي ﷺ ، ولكن الله أسمعه وهداه، وكذا كل من يريد الله به خيراً.
وقال الله مبيناً أن هناك سماعاً بالرأس، لكنه ليس بسماع القلب: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فأثبت لهم سمع الرأس، ولكن نفى عنهم سمع القلب، لهم آذان ولهم سمع الرأس؛ لكنهم لا يسمعون بها، فالاستجابة معدومة، والانقياد غير حاصل.
هناك سماع للصوت؛ لكن ليس هناك استجابة، ولذلك وصفهم الله بأنهم أضل من الأنعام، فإن الأنعام إذا سمعت صوت الراعي ودعاءه ونداءه استجابت واستأنست وعرفته فتقبل إليه، أما هؤلاء فلا، وهذا السماع هو المقصود من حديث النبي ﷺ : (والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار).
أما سماع الفهم: فهو سماعٌ شريف أثنى رسول الله ﷺ على صاحبه: (نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، ثم بلغها عني، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، فربما يكون الثاني فقيهاً له سمع الفهم، فيفقه ويبلغ وينذر.
عباد الله! إن فهم هذه الأشياء تبين لنا لماذا لا يفهم كثيرٌ من الناس، ثم لماذا لا يستجيبون، ولماذا لا يتأثرون، ولماذا لا ينقادون؟
стр. 4191
الأحكام المرتبطة بالسمع في الشريعة
عباد الله! إن هذا السمع مسئولية، وقد رتب الشارع أحكاماً عليه، وجعل فيه واجبات ومحرمات، وجعل فيه تبعات ومسئوليات، ولذلك قال ربنا: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] أي: في الكفر ومعاندة الشريعة.
إذا سمعت -يا أيها المسلم- آيات الله يستهزؤ بها في المجالس، وإذا سمعت بشرع الله يستهزؤ به في مجالس الناس ومنتدياتهم، وإذا سمعتهم يخوضون في الكتاب والسنة بالباطل، وإذا سمعتهم ينتقصون من الدين، ويعيبون الشريعة والأحكام، فعندك خياران لا ثالث لهما: إما أن تنكر فتسكتهم، أو تقوم وتغادر المجلس، ولا بد من ذلك، أما إذا سكت وجلست، فأنت شيطان أخرس: (الساكت عن الحق شيطان أخرس) وما أكثر المجالس التي تلمز فيها الشريعة اليوم، وتعاب فيها الأحكام، ويسخر فيها من الدين والمتدينين، وفي المقابل ما أقل المنكرين الذين يقومون بالواجب الشرعي تجاه هؤلاء العابثين، وكذلك ذكر الله من صفات المؤمنين أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، ولم يتأثروا به، ولم ينصتوا إليه، ولم يستمعوا، وإنما أعرضوا.
وتأمل بعض ما في الشريعة من الأحكام المرتبطة بالسمع كقوله ﷺ : (الجمعة على من سمع النداء) فإذا كان قريباً يسمع النداء وجب عليه الحضور، بخلاف ما إذا كان بعيداً.
وكذلك حضور صلاة الجماعة في المسجد، فإن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يأته؛ فلا صلاة له إلا من عذر) فإذا سمع النداء ولم يأت المسجد فهو آثم، وما أكثر الآثمين في هذا الباب الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة، فإذا فرض أن هناك مؤذناً صيِّتاً يؤذن على سطح المسجد، والسامع حسن السمع، وليس بينهما جدران ولا عوائق، والريح ساكنة، فإذا كان يسمع؛ فلا بد من الإجابة، هذا الضابط الذي تجب به على المكلف الجماعة وحضورها: (إذا سمعت النداء؛ فأجب داعي الله: حي على الصلاة) حديث صحيح.
وكذلك (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) كما جاء عن النبي ﷺ (وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه) فسمع الله لمن حمده بمعنى: أجابه وأثابه، فإذا سمعتها وسائر أذكار الصلاة وتكبيرات الإمام، فأنت تجيب، وأنت تتابع.
وكذلك جعل الشارع من المسموعات ما يتفاعل به قلب الإنسان المؤمن، كما قال النبي ﷺ : (إذا سمعتم صوت الديكة، فسلوا الله من فضله) لأنها رأت ملكاً، وهي ترى ما لا نراه، وقال في الحديث أيضاً: (إذا سمعتم نباح الكلاب، ونهيق الحمير بالليل، فتعوذوا بالله من الشيطان) لماذا؟ لأنها رأت شيطاناً.
وكذلك فإن من سمع بفتنة، فلا بد أن ينأى عنها، وأن يبتعد، فإذا سمعت بمكان فيه فتنة، فلا يجوز لك أن تسافر إليه، ولا أن تذهب إليه، والدليل أن النبي ﷺ قال في حديث الدجال: (من سمع بالدجال، فلينأ عنه) أي: ليبتعد، وما أكثر الدجاجلة الصغار قبل الدجال الأكبر الذين يذهب إليهم الناس للاستماع! وما أكثر أماكن الفتنة التي يسافرون إليها!
стр. 4192
آداب السمع في الإسلام
وقد جاء الشارع أيضاً بآداب لما نسمع، وإرشادات لما نتكلم به، فقال النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما يسمع) وما أكثر النقلة الذين ينقلون ولا يتثبتون، ويحدثون بكل ما يسمعون! فلا يحذفون، ولا يكتمون، ولا يحفظون، ويحتفظون بالكذب والباطل والمشكوك فيه والإشاعات الكاذبة.
وكذلك فإن السمع مدار تحديد الوسوسة في الصلاة كما قال النبي ﷺ : (إذا كان أحدكم في الصلاة، فوجد حركةً في دبره أحدث أم لم يحدث، فأشكل عليه، فلا ينصرف) لا يقطع الصلاة، لا يجوز له ذلك (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) علاجٌ بالغٌ للوسوسة، ولمن يسمع أصواتاً في بطنه ورزَّاء، فإنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، والشريعة تريد البينة، وتربي المسلم على الدليل، وليس على اتباع الشكوك والأوهام الظنون.
عباد الله! إن حكم السماع يختلف بحسب المسموع، فقد يكون واجباً، أو مستحباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في عبوديات الجوارح: "فعلى السمع -يعني: من العبادة- وجوب الإنصات والاستماع لما أوجبه الله ورسوله عليه من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الجهر إذا جهر الإمام، واستماع خطبة الجمعة في أصح قولي العلماء واجب، ويحرم عليه استماع الكفر والبدع -كالموالد التي ضجوا بها والاحتفالات والاحتفاءات البدعية التي ملأت الدنيا من أرباب الصوفية ومشركي هذا الزمان، وأصحاب البدع- ويحرم عليه استماع الكفر والبدع إلا حيث يكون في استماعه مصلحةٌ راجحةٌ من رده -الرد عليه- أو الشهادة على قائله بالكفر والبدع عند القاضي ليقام الحد، ويؤخذ بما هو لازم لمكافحة هذا الأمر، أو زيادة قوة الإيمان والسنة، فإن الإنسان المسلم الصادق إذا سمع ببعض ديانات الهندوس والبوذيين مثلاً، حمد الله على النعمة".
"وكذلك يحرم استماع أسرار من يهرب عنك بسره، ولا يحب أن يطلعك عليه ما لم يكن متضمناً لحقٍ يجب القيام به، أو لأذى مسلم يتعين نصحه وتحذيره منه، وكذلك يحرم استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن إذا لم تدع حاجة من شهادة عند القاضي، أو معاملة، أو استفتاء، أو محاكمة، أو مداواة عند طبيبٍ ثقةٍ ونحو ذلك".
فيتبين لك أيها المسلم أن كثيراً من الذين يستخدمون سماعات الهاتف في سماعٍ إنما يستخدمونها في حرام، ويأثمون بالسماع، ويجلس يسمع الساعات، ويتكلم حراماً في حرام، وإثماً في إثم، ومعصية بعد معصية، والملك يكتب، وسخط الله نازل، والوعيد شديد، والآخرة متحققة، والجزاء واقع، وجنة أو نار.
وكذلك يحرم استماع آلات المعازف والطرب والعود والطنبور واليراع كما ذكر ذلك ابن القيم في عصره، وفي عصرنا الكمنجة والقانون والأرج وغيرها من أنواع المعازف.
وكذلك قال ﵀: "ولا يجب عليه سد أُذنه إذا سمع الصوت وهو لا يريد استماعه" إذا كان يمشي في الشارع، فسمع صوت غناء، أو سمع صوت موسيقى وهو لا يريد استماعها، لا يجب عليه سد أذنيه، إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات، فإنه حينئذٍ يجب عليه سد أُذنيه لتجنب سماعه من باب سد الذرائع، ونظير هذا المُحْرِم لا يجوز له تعمد شم الطيب، ولكن إذا حملت الريح رائحته، وألقتها في مشامه، لم يجب عليه سد أنفه.
وأما السمع المستحب: فكاستماع المستحب من العلم وقراءة القرآن وذكر الله، واستماع كل ما يحبه الله مما ليس بفرض، والمكروه عكسه وهو استماع كل ما يكره ولا يعاقب عليه.
نسأل الله أن يحفظ علينا أسماعنا، وأن يحفظ علينا أبصارنا، اللهم متعنا بأسماعنا، ومتعنا بأبصارنا، اللهم متعنا بسائر قواتنا، واجعلها الوارث منا، اللهم احفظ أسماعنا من الحرام، وأبصارنا من الحرام، وحواسنا من الحرام، واجعل ما نسمعه في مرضاتك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 4193
سماع القرآن لا يجتمع وسماع الشيطان
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، هو السميع العليم هو السميع البصير سبحان الذي وسع سمعه الأصوات! أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا يشغله سمعٌ عن سمع، ولا يشغله صوتٌ من أصوات عباده عن صوت آخر، ولا يشغله دعاء واحد عن آخر، فهو يسمع الجميع ، يسمع أصواتهم على اختلاف لغاتهم، وتنوع حاجاتهم، فيجيب هذا، ويمنع هذا، ويؤخر هذا، ويثيب هذا ، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، سمع كلام الله فأسمعنا وبلغنا وأدى إلينا، صلى الله عليه وعلى أصحابه وآله وذريته الطيبين الطاهرين.
عباد الله! إن مما يجب أن يشغل أسماعنا: سماع العلم سماع الآيات سماع أخبار المسلمين سماع فتاوى أهل العلم سماع الدين سماع كل ما يحيي القلوب، ومما يجب صرفه: سماع الغناء والحرام.
نريد سماع الآيات لا سماع الأبيات، وسماع القرآن لا سماع مزامير الشيطان، وسماع كلام الأنبياء والمرسلين لا كلام المغنين والمطربين، فهذا السماع سماعٌ يحدو القلوب إلى جوار علام الغيوب، وسائقٌ يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، ومحركٌ يثير ساكن العزمات إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات (إني أحب أن أسمعه من غيري).
وطريقة الصحابة في التلاوة أن يقرأ أحدهم والباقون يستمعون، ولا شك أن القلب يا عباد الله! يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة، فإذا امتلأ من محبة الله، يرغب في سماع كلام المحبوب، والإنصات إليه، والتفاعل معه، وأما إذا كان مملوءاً بالعشق والفسق، فإنه يريد سماع الأغاني والطرب، وحرامٌ على قلب تربى على سماع الشيطان أن يجد شيئاً من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة، فهو من قبل الصوت المشترك، هذا لحن قارئٍ جميلٍ، وهذا لحن أغنيةٍ جميلةٍ، فهو من قبل الصوت المشترك، ولذلك تراهم يطربون عند سماع القارئ ويقولون: الله الله ونحو ذلك من الأفعال المبتدعة لإعجابهم بصوته ونغمته وسحبته، لا لمعنى ما يقول ويقرأ، مثل طرب بعض الناس لما يسمعون أصوات بعض المقرئين الذين تفننوا بتنزيل صوتهم في القرآن على ألحان الأغاني، والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وما اعتاده أحدٌ إلا نافق قلبه وهو لا يشعر، فما اجتمع في قلب عبدٍ محبة الغناء ومحبة القرآن إلا طردت إحداهما الأخرى ولو بعد حين.
قال ابن القيم ﵀: "وقد شاهدنا نحن وغيرنا ثقل القرآن على أهل الغناء، وسماعه وتطربهم به، وصياحهم بالقارئ إذا طول عليهم، وعدم انتفاع قلوبهم بما يقرأ، فلا تتحرك، ولا تخشع، فإذا جاء قرآن الشيطان، فلا إله إلا الله كيف تخشع الأصوات، وتهدأ الحركات، وتسكن القلوب وتطمئن، ويقع طيب السهر، وتمني طول الليل".
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفةً لكنه إطراقُ ساهٍ لاهِ
وأتى الغناء فكالذباب تراقصوا والله ما رقصوا لأجل اللهِ
دفٌ ومزمارٌ ونغمةُ شادن فمتى شهدت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهمُ لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي
فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النسوان عند ملاهي
واحكم فأي الخمرتين أحق بالـ تحريم والتأثيم عند اللهِ
اسمع كلام الله، اسمع عذر إخوانك، اسمع شكوى المراجع أيها الموظف، السماع إذاً كثيرٌ طيبٌ، لكن من الذي يفعله؟! أما سماع المعصية، سماع البدعة كسماع الصوفية وترانيمهم، وسماع أغانيهم في الموالد، فلا.
وسماع الاحتفالات في الموالد، فلا.
قال القشيري: سمعت أبا عبد الله السلمي يقول: دخلت على أبي عثمان المغرمي ورجلٌ يستقي الماء من البئر على بكرة، فقال: يا أبا عبد الرحمن! أتدري ماذا تقول هذه البكرة؟ فقلت: لا.
قال: تقول الله الله.
هذا هو شُغل الصوفية البكرة تقول الله الله، صوت الماء يسحب على البكرة يعني: الله الله وهكذا.
أيها المسلمون! نسأل الله أن يدخلنا الجنة، فإننا إذا دخلنا الجنة فلن نجد أحلى ولا أعظم نعمة من رؤية الرب وسماع كلامه، ولذلك ليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله وسماع كلامه، وكذلك سماع غناء الحور العين الذي يكون ثواباً لمن امتنع عن سماع الغناء في الدنيا، قال الله في وصف أهل الجنة ونعيمهم: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥] يحبرون: يسمعون غناء الحور العين.
стр. 4194
علاقة السماع بموضوع البوسنة
أما علاقة موضوع السماع بـ البوسنة، فإنه قول الشاعر:
ربَّ وامعتصماه انطلقت ملئ أفواه الصبايا اليتمِ
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
وهؤلاء اليوم يخططون، وتبرز الخطط بين الصرب والكروات وكما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] وسيظهر ذلك عاجلاً أو آجلاً.
سلموا لهم المنطقة مقابل خروجهم بعَددهم وعُددهم إلى أراضي المسلمين، إنهم يريدون ملء جيبا وسربنتسا وغيرها من البلدان التي احتلوها والمدن الإسلامية بالصرب الجدد، إنهم قد استولوا على (٧٠%) من أراضي البوسنة، لكن ليس عندهم شعب كاف ليملئوا تلك الأراضي، فهم يخرجونهم الآن من مكان إلى مكان، والبلد هذا يذهب إلى كفار، وتملأ البلدان الأخرى من الكفار الآخرين، والمسألة كفر في كفر، ومؤامرة في مؤامرة، ويدلك على ذلك أقوال بعض قادة الصرب: إننا لم نفاجأ، ولم تبد علينا الدهشة، أي لأنه أمرٌ قد قضي بليل.
عباد الله! بعضهم يعد، وبعضهم يخطط، وبعضهم ينفذ، ويعضهم يغطي على بعض، أولئك أئمة الكفر، والله يقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢] لا عهد لهم ولا ذمة، كيف نثق بهم؟ كيف نركن إليهم أياً ما كانوا؟ سواء كانوا أرثوذكس، أو بروتستانت، أو كاثوليك، الكفر ملة واحدة، ولذلك ظن بعض السذج أن هؤلاء أرادوا الدفاع عن المسلمين، وأخذتهم الحمية فنصروا المسلمين، والله ما أرادوا ذلك، إنما أرادوا مصلحتهم، وقد يتعللون في الظاهر بشيء لمصلحة المسلمين، ولكن أياديهم ملوثة بدماء المسلمين مما قريب، فكيف يثق العصفور بمن افترس أخاه.
يا عباد الله! ربما تأتي أخبارٌ وأيامٌ قادمةٍ بمحن مزلزلة شديدة تحمل أنباء اتفاق الكفرة على المسلمين من الجانبين، ونحن نسأل الله أن يحفظ إخواننا، وأن يرزق إخواننا الفهم والوعي، وأن يردهم إلى دينهم، وأن ينقيهم من الشوائب، ونسأله أن يعجل بفرجهم ويأتي بنصرهم، وأن يوقظ في قلوب المسلمين الحمية، ويرزقهم القيام بواجب إخوانهم.
اللهم إنا نسألك أن تنصر المجاهدين في سبيلك، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يريدون إعلاء كلمتك، اللهم من أراد دينك بسوءٍ، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً عليه.
اللهم آمنا في دورنا وبلداننا، اللهم اجعل بلاد المسلمين آمنةً مطمئنةً بتحكيم شريعتك يا رب العالمين! آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم أيقظ في قلوب المسلمين الحمية للجهاد في سبيلك، اللهم اكتب للمسلمين النصر على الأعداء يا رب العالمين! اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، واقض ديوننا، واستر عيوبنا يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 4195
ماذا فعلوا بعباءة المرأة ؟
هذه المادة عبارة عن خطبة عيد الأضحى المبارك، وقد تكلم الشيخ في بدايتها عن أعياد المسلمين والفرق بينها وبين أعياد غيرهم.
ثم استفاض في ذكر توجيهات في شأن الحياة الدنيا والسلامة منها، والمواقف في الفتن في جملة من أحاديث النبي ﷺ ، ثم ختمها بخطبة النبي ﷺ ، وماذا حصل للحجاب في هذا العصر، وماذا فعل به.
стр. 4196
الفرق بين أعياد المسلمين وأعياد غيرهم
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالحمد لله الذي أتم النعمة بإكمال العدة: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] فالله أكبر الله أكبر! لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، اللهم لك الحمد بما علمتنا وهديتنا، وأرسلت إلينا رسولنا، وأنزلت علينا كتابنا، وشرعت لنا ديننا، وميزتنا بأعيادنا عن أعياد غيرنا، لكل قوم عيد وهذا عيدنا أهل الإسلام، جعل الله لنا عيد الفطر وعيد الأضحى، ونسخ كل أعياد الجاهلية، هذه أعيادنا لا نشارك غيرنا أعيادهم، ولا نهنئهم بها، ولا نظهر بها فرحة، وإنما نكبر الله في أعيادنا، فهي أعياد توحيد، وأعياد غيرنا أعياد شرك وبدعة.
فالله أكبر الله أكبر والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الذي أنزل علينا الدين، وشرع لنا هذا الإسلام وهذه الشريعة العظيمة.
стр. 4197
شهر رمضان يطوى بما فيه
عباد الله: دينكم لا يشبهه دين، وشريعتكم ليس كمثلها شريعة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] عيدنا هذا يذكرنا بتوحيد الله، وشكر نعمة الله تعالى.
لقد مر رمضان -أيها المسلمون! - فهل رأيتم شهراً أسرع مروراً من هذا الشهر؟ كلا والله.
لقد انقضى ما بين طرفة عين وانتباهتها، كأنه حلم مر، ذهب الشهر بما استودع من الأعمال، فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، لمن عبد الله فيه وصلى وقام، والحمد لله على كل حال، ونسأل الله السلامة والعافية والمغفرة من تقصيرنا، وعجزنا وضعفنا، وإسرافنا في أمرنا.
стр. 4198
توجيهات في شأن الحياة الدنيا والسلامة منها، والمواقف في الفتن
أيها المسلمون! يا عباد الله: إن هذه الدنيا زائلة وذاهبة، إن النبي ﷺ أعطانا توجيهات كثيرة في شأن هذه الحياة الدنيا، تعالوا نستعرض بعضاً منها، كلها من أقواله ﷺ : (احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة) (ابشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم).
إن مطعم ابن آدم قد ضرب مثلاً للدنيا، وإن قَزَّحَهُ ومَلَّحَهُ، فانظر إلى ما يصير عند خروجه من البدن، حلوة الدنيا ومرة الآخرة، ومرة الدنيا وحلوة الآخرة: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر) (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثلما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع) (آكل كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده! لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً كاساً).
(أتاني جبريل، فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس، ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) (إنما يكفيك من جمع المال خادم ومركب في سبيل الله) (خير الرزق الكفاف لا لك ولا عليك) (طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به) (كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قانعاً تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، وأقل الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب) (ما قل وكفى، خيرٌ مما كثر وألهى) (مالي وللدنيا!! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها) (من أصبح آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
(يقول ابن آدم: مالي! وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) (الشيخ يضعف جسمه وقلبه شابٌّ على حب اثنتين: طول الحياة، وحب المال) (صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل) (لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) (إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم).
(أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أوقد حوسبتم؟ قالوا: بأي شيء نحاسب؟ وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك، فيفتح لهم، فيقيلون فيها أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس) (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) (إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً) (ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غداً؟ على كل هين لين قريب سهل) (ألا أنبئك بأهل الجنة؟ الضعفاء المغلوبون) (رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
(قمت عل باب الجنة، فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد -أي: المال والغنى- محبوسون، إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار، فإذا عامة من يدخلها النساء) (من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة، فأنزلها بالله، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل).
(يا معشر الفقراء! ألا أبشركم؟! إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم -خمسمائة عام-: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]) (إن الله تعالى إذا أنزل سطوته على أهل نقمته، فوافت آجال قوم صالحين، فأهلكوا بهلاكهم، ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم).
(إنما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه) (يحشر الناس على نياتهم) (أتدرون ما المفلس؟ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
(إذا ذكرتم بالله فانتهوا).
(إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج) (استحيوا من الله حق الحياء) (من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء).
(اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) (إن الله تعالى لا يظلم المؤمن حسنة، يعطى عليها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا -تقولون: لماذا عند الكفار أمطار ونباتات؟ لماذا عندهم تقدم وحضارات؟ ونعيم وأموال؟ - وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً).
(إن الله تعالى يقول: يا بن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك) (إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونروك من الماء البارد؟) حتى الماء البارد سنسأل عنه يا عباد الله! (إني أرى ما لا ترون، وأسمع مالا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله تعالى ساجداً، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) > (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه).
(حرم على عينين أن تنالهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس الإسلام وأهله من أهل الكفر) (صاحبُ الصور واضع الصور على فيه منذ خلق، ينظر متى يؤمر أن ينفخ فيه فينفخ) (عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
حديث قدسي: (قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي).
(كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل) (ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها) (من استطاع منكم أن يكون له خبءٌ من عمل صالح فليفعل) (من جعل الهموم هم المعاد؛ كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا؛ لم يبال الله في أي أوديتها هلك) > (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم) (لا يدخل الجنة أحدٌ إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراً، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده في الجنة لو أحسن ليزداد عليه حسرة).
(يا أيها الناس! اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه) (يتبع الميت ثلاثة: أهله وعمله، وماله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) (اثنتان تدخلان الجنة: من حفظ ما بين لحييه -اللسان- ورجليه -أي: الفرج- دخل الجنة) (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) (تكفير كل لحاء ركعتان) كل خصومة ومشاجرة كفارتها صلاة ركعتين.
(رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت عن سوء فسلم) (زنا اللسان الكلام) (طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته) (ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو ذَربَ اللسان).
(إن من ورائكم زماناً، صبر المتمسك فيه أجر خمسين شهيداً منكم).
(لم يكن نبي قط قبلي إلا حقاً عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيراً لهم، وينذرهم ما يعلمه شراً لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء شديد، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن فيرقق بعضها بعضاً -كل واحدة أعظم من التي قبلها، فتنسي اللاحقة السابقة- وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه!! فمن أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إ
стр. 4199
بيان النبي ﷺ لبعض أخطاء النساء في خطبة العيد
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، أشهد أنه محمد رسول الله حقاً حقاً، والداعي إلى سبيل الله صدقاً صدقاً.
عباد الله: إن الشريعة قد جاءت بأسباب السعادة في الحياة، ومن ذلك أنها أوجبت على الزوج الإنفاق على زوجته مأكلاً وملبساً ومسكناً، وأمر النبي ﷺ الأزواج أن يحسنوا معاملة النساء، وأوصاهم بهن خيراً، وقال الله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ووصفهن النبي ﷺ بأنهن عوان عند الأزواج، أي: أسيرات، ومن طبع الكريم أن يحسن معاشرة الأسير، أطعِمْهَا إذا طَعِمْتَ، واكسها إذا اكتسيتَ، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تظلم.
وأنت أيتها المرأة: حق الزوج عليك عظيم، قد ذكر النبي ﷺ في خطبة العيد أمراً عظيماً، فروى جابر وابن عباس وأبو سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فأمر بعنزة فركزت له عند دار كثير بن الصلت، فقام فبدأ بالصلاة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام فتوكأ على بلال، والناس جلوس على صفوفهم، فقام مقابل الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ الناس وذكرهم - هذا في خطبة العيد- فأمرهم بتقوى الله، وحث على طاعته، وكان يقول: تصدقوا تصدقوا تصدقوا، فظن أنه لم يسمع النساء، فنزل يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال، فقام يتوكأ على بلال، وألوى يده بالسلام -سلم على النساء وأشار بيده- وحمد الله وأثنى عليه، فقرأ قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٢] حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ منها: أنتن على ذلك؟ -يعاهد النساء ويخاطبهن: تعاهدن بعدم الشرك، وعدم السرقة، وعدم الزنا، وعدم قتل الأولاد، وعدم المعصية في المعروف- فقالت امرأة واحدة لم يجب غيرها منهن: نعم يا نبي الله! فأمرهن بتقوى الله.
ونحن نقول من موقفنا هذا: اتقين الله.
ثم حثهن على طاعته، ووعظهن وذكرهن، وقال: تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم، وإني أريتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة منهن من سطة النساء -هي من أفاضل النساء هي أسماء بنت يزيد بن السكن ﵂ قالت: فناديت رسول الله ﷺ ، وكنت جريئة على كلامه، فقلت: يا رسول الله! لم نحن أكثر أهل النار؟ -لم معشر النساء أكثر حطب جهنم؟ - فقال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكثرن الشكاة -أي: كثيرات التشكي- وتكفرن العشير -العشير: هو الزوج، أي: تجحدن نعمته- وفي رواية: لأنكن إذا أعطيتن لم تشكرن، وإذا ابتليتن لم تصبرن، وإذا أمسك عنكن شكوتن -وهذه أسباب دخول النار بالنسبة للنساء- فقالت امرأة: أعوذ بالله يا رسول الله! من كفران نعم الله، فقال النبي ﷺ : إن إحداكن تطول أيمتها من أبويها -تعنس عند أبويها- ثم يرزقها الله زوجاً، ويرزقها منه مالاً وولداً، ثم تغضب الغضبة -تحصل مشكلة بينهما- فتقسم بالله: ما رأيت منك خيراً قط!! فذلك من كفران نعم الله، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان عقلنا وديننا؟ قال: أليس شهادة المرأة منكن مثل نصف شهادة الرجل، فقلن: بلى، فذاك نقصان عقلها، قال: أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم، قلن: بلى.
قال: وذلك من نقصان دينها، فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلم لكن فداء أبي وأمي، فجعل النساء يلقين الفتخ وينزعن قلائدهن وأقراطهن وخواتمهن، يلقين في ثوب بلال يتصدقن به، وبلال يأخذ في طرف ثوبه ويحصله في كسائه، فكان أكثر من يتصدق النساء، فانطلق هو ﷺ وبلال إلى بيته، ورجع إلى أهله، فقسمه على فقراء المسلمين).
هذا ما كان منه ﷺ في خطبة عيد الفطر، وما حصل من وعظ النساء.
ونحن نقول: يا معشر النساء! اتقين الله تعالى، واحفظن حقوق الأزواج: (اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبد آبق من مواليه حتى يرجع، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع) (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح) (إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على تنور) (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ) (انظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك) (خير النساء التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره) (لو تعلم المرأة حق الزوج لم تقعد ما حضر غداؤه وعشاؤه حتى يفرغ منه) (لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه) (ألا أخبركم بنسائكم من أهل الجنة؟ الودود الولود العئود -التي تعود إلى زوجها إذا غضب- التي إذا ظلمت قالت: هذه يدي في يدك لا أذوق غمضاً حتى ترضى).
يا معشر النساء: ليس في نقصان العقل والدين بالنسبة إليكن ذنبٌ ارتكبته واحدة منكن، فإنما هو أمر الله تعالى في الحيض والنفاس، وجعل الله شهادة امرأتين بشهادة رجل، ولكن أين المشكلة؟ في التمرد على الشريعة، ومعصية الرب جل وعلا، إذا كان الزوج قائماً بالحقوق الشرعية، ثم تظلمه المرأة، ثم، وثم، وثم قضية الحجاب.
стр. 4200
ماذا فعلوا بعباءة المرأة ؟
عباد الله: إن المسألة قد وصلت الآن إلى حدٍّ لا يمكن السكوت عنه بأي حال من الأحوال!! إن مناظر النساء اللاتي يغشين الأسواق بهذه الأكسية، وهذا التبرج، وهذه الأطياب، والشباب حولهن يسيرون وراءهن، وهن متباهيات بتجميع هؤلاء الفسقة وراءهن هو أمر مخجل يندى له الجبين!! إن دخول النسوة إلى بعض المطاعم اليوم، ثم إزالة الحجاب، والجلوس هكذا على مرأى أمام الرجال الذين يدخلون إلى بعض المطاعم، وبعضها التي تسمى مطاعم عائلية، والله إنه أمرٌ يغضب الرب.
إن مسألة مخالفة أوامر الله في الحجاب عند النساء قد وصلت إلى حد مزرٍ -أيها المسلمون! - ضيع الولي الأمانة، وضيعت المرأة الشريعة في أمر الحجاب فصارت قضية مأساوية، وسأضرب لكم الآن أمثلة واقعية لتعلموا معنى ما أقول: عباد الله: هل رأيتم هذا الشيء الذي بيدي الآن؟ هذا النقاب التي تلبسه بعض نسائكم، انظروا إلى فتحته ما أوسعها، انظروا إليه؛ إنه يشد على الرأس من الخلف هكذا، وتخرج عينها المكحلتين وهي في غاية التبرج لتفتن الشباب، وهؤلاء لا يغضون أبصارهم، ثم انظروا معي الآن إلى بعض العباءات الموجودة، وهذه مسألة أبرئ منها نفسي أمام الله ثم أمامكم، انظروا الآن إلى هذا القيطان وهذه الزخرفة الموجودة في العباءة في الوسط وفي الأكمام، ثم انظروا معي أيضاً إلى هذه الأشياء اللامعة الموجودة على عباءات بعض نسائكم يا معشر الرجال! معشر الرجال أخاطب ومن وراء الجدران النساء! تلبس هذا نساؤكم، أرأيتم هذه الأشياء اللامعة والمطرزة في العباءة؟ تخرج نساؤكم بهذا إلى الشوارع وأخواتكم وبناتكم.
ثم انظروا معي أيضاً إلى هذه الزخارف الموجودة في العباءات، هل هذا يرضي الله؟ انظروا بالله معي إلى قصر أكمام هذه العباءة، أرأيتم كم طول الكم؟ أرأيتم ماذا يخرج منه؟ ثم انظر معي إلى هذا وهو مخرَّق، ذو ثقوب موجودة، يكشف عما تحته من الجلد والثياب، الخروق موجودة على هيئة زينة في الأكمام ترونها وترون من خلالها، هذه أشياء منها ما هو شفاف ومنها ما هو مثقوب تلبسه نساؤكم، ثم انظروا إلى ما هو موجود في العباءة من الزينة والألوان، نساؤكم تذهب إلى الأسواق وتشتري من هذه الأشكال، أهذا شيء يرضي الله؟!! أهذا من الدين؟!! هل هذا هو الحجاب الذي أمر الله به؟ هكذا تلبس بعض النساء، ويخرجن أمام الناس.
وعندما تقول الشريعة: إن حجاب المرأة يكون سابغاً على كل الجسم، وتقول الشريعة: إن حجاب المرأة ساتر لجميع الجسد، وتقول الشريعة: وحجاب المرأة لا يكون مزيناً ولا مطرزاً ولا مزخرفاً، هذه العباءات التي تلبسها بعض النساء!!! أهذا يرضي الله؟! أقسم بالله العظيم أن ما تفعله بعض النساء اليوم بأنفسهن، والأولياء الذين يذهبون ويشترون أمثال هذه العباءات -انظروا أيها الإخوة! - والكشاكش والضانتيلات وشفاف، عرض أزياء تحولت العباءة إلى فستان، ثم يلبس على طريقة الثوب، ويلبس الخمار على طريقة الغترة، إنهم يوم القيامة موقوفون بين يدي الله .
يا عباد الله: أين الغيرة؟! يا عباد الله: أين تقوى الله؟! يا أيها النساء: كيف يحل لكن أن تذهبن إلى محلات العباءات لشراء مثل هذه الأشياء؟ ثم إن المصيبة تعظم إنك لو نزلت الآن لتبحث عن عباءة شرعية لا تكاد تجد، وربما تضطر إلى تفصيلها تفصيلاً؛ لأن الطلب على هذه الأنواع الفاضحة.
ثم سمعتم بعباءة كريستيان ديور وعباءة إيب سان لوران، ما معنى ذلك؟ معنى القضية أننا مستهدفون من النصارى والكفرة، حتى في أعز ما نملكه؛ في حجاب نسائنا! والله إنه أمرٌ يندى له الجبين!! وأقسم بالله العظيم أن الرب ساخط على هذا، ونحن المسئولون؛ أنا وأنت وهو وهي التي تلبس أيضاً مشتركة، وإذا كان على الإنسان الإثم في الشراء وعلى البائع في البيع، الذي كسبه من هذا حرام، فإن الإثم عليها أضعاف مضاعفة، وهي تلبسه تتمشى به بين الرجال في الأسواق، والسائق صار امرأة لا اعتبار له، الخلوة معه حتى في صلاة التراويح.
لم يكن ما أريتكم عرض أزياء ولا دعاية، لكنه كان شيئاً استعير على عجل، ولو أننا نقبنا لوجدنا ما هو أفضع وأفضع، فأين تحمل الأمانة والمسئولية؟! اللهم ألهمنا رشدنا، وردنا إلى دينك يا رب العالمين، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم انشر رحمتك علينا وعافنا واعف عنا، وردنا إلى الحق يا رب العالمين، طهر بيوتنا من المنكرات، ارزق نساءنا العفاف والحجاب، وارزق شبابنا الهدى والصواب، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا في هذا المجمع، لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، وتجارة رابحة لا تبور.
стр. 4201
نقطة الانطلاق في طريق الاستقامة
الهداية نقطة الانطلاق في طريق الاستقامة، ولها أسباب كثيرة أوردها الشيخ في درسه مع ذكر بعض ما حصل في عهد السلف من مواقف أثرت في أصحابها وغيّرت من أحوالهم، إضافة إلى قصص وحوادث واقعية كانت سبباً في هداية أصحابها.
стр. 4202
الهداية نعمة من الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
إخواني في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛؛ وبعد: فإنها لفرصةٌ طيبةٌ أُعرب لكم فيها عن سروري واغتباطي بلقياكم، وأسأل الله أن يحفظنا جميعاً وهذا البلد الأمين من شر كل ذي شر إنه هو أرحم الراحمين، وأسأله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا شقياً ولا محروماً.
أيها الإخوة: إن الهداية نعمةٌ من الله لا يملك أحدٌ أن يعطيها إلا الله ، وهي أثمن نعمة يمكن أن يحصل عليها العبد في دنياه، وإذا اهتدى العبد سار في طريق الاستقامة، فالهداية هي نقطة الانطلاق في طريق الاستقامة، فإن العبد إذا صار مهتدياً، عمل الخيرات، واشتغل بالطاعات، وابتعد عن المحرمات، فيصبح سالكاً لطريق الاستقامة.
إن الهداية هي نقطة الانطلاق، هي أمرٌ له ما بعده، وينبني عليه كثيرٌ من الأمور، وهذا هو عنوان المحاضرة "نقطة الانطلاق في طريق الاستقامة" ونقطة الانطلاق مهمة جداً؛ لأنها تغير مسار الشخص.
وعندما نستحضر في أذهاننا صوراً من بعض الصحابة الذين دخلوا في الدين وأسلموا، كان إسلامهم وهو نقطة الانطلاق بالنسبة لهم نقطة انطلاقٍ عظيمةٍ؛ لأن الشخص يتغير كيانه واتجاهه، فإذا فكرنا -مثلاً- في حال بعض الصحابة الذين أسلموا بـ مكة، ورجعوا بعد إسلامهم هداةً إلى قومهم، يهدون هداية الدلالة والإرشاد لعل الله أن يزرق أولئك الأقوام والقبائل هداية التوفيق والإلهام، فيكونون سبباً لإدخال الناس في دين الله، فيؤجرون الأجر العظيم.
يسلم، ويهديه الله، فينطلق للعلم بالإسلام، ينطلق للتفقه في الدين، بل إنه ينطلق للجهاد في سبيل الله، وينطلق لمفاصلة الكفار وإعلان البراءة منهم.
وما حدث لـ ثمامة بن أثال ﵁ لما أسلم بعد الثلاثة الأيام التي كان مقيداً فيها في المسجد، يرى صلاة النبي ﷺ بالمسلمين، ويسمع قراءته ﷺ للقرآن بذلك الصوت الخاشع، وينظر إلى التعامل الذي يتعامل به المسلمون مع نبيهم ﷺ ، إنه يرى يومياً حياةً عمليةً منبثقةً عن دين الله.
لما أسلم ثمامة انطلق ليفاصل الكفرة، استأذن في عمرة، وذهب إلى كفار قريش ليعلن مقاطعةً اقتصاديةً لهم: ما يأتيكم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
стр. 4203
فوائد طلب الهداية
وهذه المحاضرة -أيها الإخوة- هي إكمالٌ لمحاضرة سابقة بعنوان "بين الهداية والانتكاس" أذكر في مطلع هذه المحاضرة ببعض النقاط: الهداية التي هي نقطة الانطلاق -كما قلنا- من الله ، ولذلك نحن ندعو ربنا يومياً عدة مرات، ونحن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] نطلب الهداية من الله، فإذا قال إنسانٌ: أنا مستقيم على الدين، فلماذا أطلب الهداية؟ نقول: إن طلب الهداية من قبل المهتدي فيها فوائد، فمن ذلك: تثبيته على الهداية؛ لأن الإنسان قد يهتدي، ثم ينتكس، فيسأل الله أن يثبته على الهداية.
وكذلك أن يستزيد من الهداية، فإن الهداية مراتب، الهداية مثل الإيمان والعلم، فإذا اهتدى العبد، وصار في مرتبة من مراتب الهداية، يسأل ربه المزيد من هذه الهداية، والجنة درجات فمن صار في الإيمان والعلم والتقى في المراتب العليا، صار في الجنة من أهل المراتب العليا.
قالت عائشة ﵂ إنها فقدت النبي ﷺ مرةً من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: (رب آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) فهذه التقوى والتزكية هي الهداية من الله ، لا أملكها أنا ولا أنت: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] من الذي يهدي إلى الحق؟ ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس:٣٥] ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥] الهداية منة من الله ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧].
إذا اغتر الداعية يوماً من الأيام بنفسه، فليتذكر قول الله : ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤] منَّ عليكم بالهداية، فلا تحتقروا الناس، لا تستصغروا الناس، ولكن تذكر إذا رأيت عاصياً أنك كنت يوماً من الأيام مثله وربما أشد، إن هذه النظرة تسبب الرحمة والشفقة بالمدعو وهو أمرٌ مطلوبٌ لنجاح الدعوة.
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداءً لك ما اقتفينا وثبت الأقدام إن لاقينا
رواه البخاري.
هذه كلمات عامر بن الأكوع ﵁ ورحمه التي أسمعها لبعض المسلمين في طريق السفر، إن الأنصار لما عاتبهم النبي ﷺ على ما وجدوا في أنفسهم تجاهه ﵊، لما أعطى قريشاً والمؤلفة قلوبهم ما أعطاهم، قال لهم: (يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي؟) فإذاً هدى الله أولئك الصحابة بالنبي ﷺ ، فكان النبي ﵊ سبباً عظيماً، والهداية من الله، وأعظم منة على النبي ﷺ ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] بل إن أهل الجنة عندما يدخلون الجنة، يقولون؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣].
стр. 4204
من طرق الهداية وأسبابها
والهداية ليس لها طرقٌ محددةٌ تأتي من خلالها، بل ربما تأتي بطريقة غير متوقعة، بعض الناس ذهبوا إلى بلاد الكفر ليزدادوا ضلالة، فإذا بهم يرجعون هداةً مهتدين، الهداية شيءٌ من الله، لو اجتمع أهل الدنيا على أن يهدوا شخصاً، ما هدوه، وقد يكون بين الكفار فيهتدي، فالذي هداه هو الله .
نعم إن للهداية أسباباً، فالعلم الشرعي سبب للهداية الدعاء سبب للهداية المجاهدة سبب للهداية ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] والالتقاء بالناس الطيبين الخيرين هو سببٌ للهداية، وهذه الهداية قد تقع بسبب شخص يجعل الله الهداية عن طريقه، وقد تكون من الله مباشرةً دون أن يكون هناك سبب من شخص موجود، والهداية قد تأتي للشخص تدريجياً يتغير حاله شيئاً بعد شيء حتى يصل إلى الاستقامة، وقد تحصل له فجأة، فيتغير في ثوانٍ، يقذف الله في قلبه نوراً، فيتغير من تلك اللحظة، وينقلب حاله، أو يرجع في الحقيقة للاستواء بعد أن كان منقلباً منكوساً.
من الأمثلة على دخول الهداية تدريجياً ما حصل لـ جبير بن مطعم، وكان من جملة أسارى بدر، قال: [سمعت رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ * ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧] قال: كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي] أول ما سكن وثبت ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] من العدم: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] لأنفسهم، أم هم الذين خلقوا السماوات والأرض، فهو يناقشهم مناقشة قوية، قال ابن كثير ﵀: فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة -يعني: هذا سبب، هذا شيء من الأشياء، عامل من العوامل- ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك.
قد تكون الموعظة، أو الخطبة، أو الشريط، أو الكتاب الذي يقرؤه، ونحو ذلك هذا عامل من العوامل، لكن ليس تأثيره قوياً للدرجة الكافية التي تغير الشخص، لكن تجتمع النقاط، فيمتلئ الكأس، كلمة مع خطبة، مع موعظة، مع شريط، يستمع إليه، مع شيء يقرؤه، مع حادثٍ يحصل، مع رؤيا، ونحو ذلك يتغير حال الشخص مع جيرة طيبة، مع تعهد وتفقد من قبل الدعاة إلى الله.
стр. 4205
مواقف من السلف أثرت في أصحابها
وحصل في عهد السلف ﵏ حوادث كانت فيها معالم دعوية للدعاة إلى الله في كيفية التسلل إلى النفوس والتأثير في القلوب.
следующие страницы →