Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
وصول أجر كفالة اليتيم
السؤال
هل يصل أجر كفالة اليتيم إلى الميت؟
الجواب
يصل إليه إن شاء الله لأنه من الصدقات.
стр. 5392
موقف المسلم مما يحدث لإخوانه المسلمين في العالم
السؤال
ما الموقف الصحيح للمسلم مما يحدث لإخوانه المسلمين في العالم؟
الجواب
لابد أن يتبصر المسلم لما يحدث لإخوانه المسلمين في العالم فينتبه: أولاً: من تضليلات إعلام الكفرة في شأنهم والأخبار المغلوطة المنقولة عنهم، وكثيرٌ من هؤلاء يقولون في أخبارهم: (ومما يجدر ذكره) ويضع وراءها سماً.
ثانياً: أن يناصرهم، أو يجمع تبرعات لهم، أو يدعو لهم بظهر الغيب، أو يدافع عنهم في المجالس؛ لأن بعض الناس مضللون، فينبغي إذاً أن يسعى في نصرتهم وأن يرد عن أعراضهم، وأن يدعو الله أن يظهرهم على أعدائهم.
اللهم أظهر أولياءك على أعدائك يا رب العالمين.
стр. 5393
حكم الابتسامة لغير المسلمين من الأساتذة
السؤال
هناك أساتذة غير مسلمين ما حكم الابتسامة؟
الجواب
لا بأس، لكن لا يكون فيها تنازل عن شيء من دينك.
стр. 5394
حكم الضحك لأعمال يقوم بها غير المسلمين على سبيل الضحك
السؤال
ما حكم الضحك لأعمال يعملونها على سبيل الإضحاك؟
الجواب
إذا كان فيها كذب أو فيها استخفاف بالموجودين فلا تضحك؛ لأن المسلم لا يزري بنفسه ولا بإخوانه، فلو استهزأ مدرس كافر بأحد الطلاب المسلمين في الفصل قاموا في وجهه، وبعض ضعاف النفوس من الطلبة المسلمين يضحكون على نكتة المدرس الذي استهزأ بأخيهم، المفروض أن يقوموا بوجه المدرس.
стр. 5395
حكم استعمال حبوب منع الحمل
السؤال
استعمال حبوب منع الحمل؟
الجواب
أجاز العلماء ذلك بثلاثة شروط: أولاً: ألا يكون المانع ضاراً.
ثانياً: موافقة الطرفين، عند استعمال حبوب منع الحمل لابد من موافقة الزوج والزوجة، ولا يجوز للزوج أن يجبرها على استعمال المانع وهي لا تريد، ولا يجوز للزوجة أن تستعمل حبوب منع الحمل من حيث لا يعلم زوجها.
ثالثاً: ألا تستخدمه أكثر من سنتين، حتى يرضع الأول ويأخذ حقه.
стр. 5396
سجلت اسمي في أوراق الكفالة ولم أدفع
السؤال
وزعت أوراق عن كفالة يتيم سجلت اسمي وعنواني ولم أدفع، هل علي إثم؟
الجواب
ما عليك إثم، ولكن الأفضل لك أنك تلتزم بما كتبت إن كنت مستطيعاً، وإن وجدت مجالاً أحسن للإنفاق؛ فأنفق في المجال الأحسن والحمد لله، أنت ما دخلت في دائرة إلزام نفسك بهذا، ما نذرته، إنما هو ملء قسائم (أشياء مبدئية).
стр. 5397
العين لا تدمع والبكاء في القلب
السؤال
عيني لا تدمع من خشية الله لكن قلبي يبكي من الداخل؟
الجواب
هذا طيب! إذا كان قلبك يخشع من الداخل، لكن جرت العادة أن يكون لبكاء القلب أثر على العين، فإذا لم تجدها فاتهم نفسك، فربما تظن أن قلبك حيّ وهو ليس كذلك.
стр. 5398
حكم ما أفطرته في رمضان قبل عامين عمداً
السؤال
أفطرت في رمضان قبل عامين عمداً وهي أيام كثيرة ولا أعرف بالتحديد عددها وقد تاب الله علي، فماذا أفعل؟
الجواب
قلت: قد تبت إلى الله، وأسأل الله أن يتوب عليك، فعليك أن تقدر هذه الأيام التي أفطرتها، واقضها قبل مجيء رمضان الآتي، فإن لم تفعل فاقضها وعليك كفارة عن التأخير، وقدرها بما يغلب على ظنك بأنها كذا وليس بأكثر، وأخرج كفارة إطعام مسكين عن كل يوم تقضيه عن التأخير، ولو تكررت رمضانات فكفارة واحدة تكفي.
стр. 5399
نقاش حول حكم فقهي
السؤال
كنت في مجلس دار فيه نقاش حول حكم فقهي، وكان معظم الموجودين يحاولون إقناعي بأن الحكم هو حلال، وكنت أنا ممن يرى أنه حرام وكنت أعرف الدليل فيه، ولكنهم كانوا يقولون: نترك كلام فلان وفلان من العلماء ونأخذ كلامك؟
الجواب
إذا كان فعلاً فلان وفلان من العلماء قالوا به؛ فإنك تراجع نفسك؛ لأنك قد تكون مخطئاً أو متصوراً أن هذا الدليل يدل عليها وهو لا يدل، أو قد لا يكون صحيحاً، أو لا تعلم معنى الدليل، فتراجع نفسك، أما لو كانوا يكذبون يضعون أسماء علماء من عندهم، فابق على ما أنت فيه من الذي تعلمه أنه حق.
стр. 5400
حكم المنكرات الموجودة في عملي
السؤال
في عملي كثير من المنكرات ولا أستطيع تغييرها؟
الجواب
إذا كنت تتأثر بذلك وتضعف، فيجب عليك ترك العمل، وإلا فعليك أن تنكر بيدك إذا استطعت، فإن لم تستطع فبلسانك أو بالقلم أو بالرسالة، فإن لم تستطع فبقلبك وذلك أضعف الإيمان.
стр. 5401
خروج الريح دائماً بعد الوضوء
السؤال
يتكرر معي الريح دائماً وخاصة بعد الوضوء؟
الجواب
إذا كان ذلك يستمر فتوضأ وضوءاً واحداً بعد الأذان، وصل به كل ما شئت من الصلوات وقراءة القرآن إلى الأذان الذي بعده، وبعد الأذان الذي بعده تتوضأ مرة أخرى، وهكذا وضوء واحد للصلاة بعد الأذان ولا تبال بما خرج منك.
стр. 5402
حضر الطعام وأقيمت الصلاة
السؤال
إذا جاء رمضان وضعت سفرة طويلة وأقيمت الصلاة؟
الجواب
طبعاً حسب الحديث ستأكل، ولذلك ننصح إخواننا أن يضع شيئاً لا يعجله من تمر ولبن، أو شيئاً بسيطاً حتى يستطيع أن يفطر ويدرك الصلاة.
стр. 5403
مصيبة الدين: الضلال بعد الهدى
بدأ الشيخ درسه بقصص أتته على شكل أسئلة فيها برهان كبير على أن السبب الفاعل في الانتكاس هو عدم التخلص من ذكريات الماضي المؤلمة ورواسبه.
ثم تحدث عن طائفة من أسباب الانتكاس التي تكون من ذات الفرد أو من المجتمع والوسط الذي يعيش في داخله، وعرض جملة من المظاهر التي تظهر على المنتكس؛ سواء في بداية الانتكاس أو نهايته، ثم بعد ذلك تحدث عن العلاج، وكيف يمكن للشخص أن يبتعد عن هاوية الانحراف عن صراط الله المستقيم.
وختم موضوعه بكلمات لابن القيم موجهة إلى كل من يريد العودة ولكنه يسوِّف.
стр. 5404
رسائل تثبت أهمية خلع رواسب الجاهلية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فهذا هو الجزء الثاني من الكلام على ظاهرة التراجع عن التمسك بشرع الله والنكوص عن طريق الله وترك الاستقامة التي يكون عليها بعض المسلمين أحياناً ثم يتركونها.
وقد كان الدرس الماضي بعنوان: (لا ترتدوا على أدباركم) وهذا الدرس أو الجزء الثاني من الكلام بعنوان: (مصيبة الدين: الضلال بعد الهدى) لماذا يحدث؟ تكملة الأسباب، وكيف يحدث؟ وما هو العلاج؟ سبق أن تكلمنا أيها الإخوة على بعض الأسباب الذاتية أو الشخصية التي تحمل بعض الناس علىترك لطريق الاستقامة، ومن الأمور التي ذكرناها سابقاً: مسألة أهمية أن يخلع الإنسان على عتبة الإسلام جميع ملابس الجاهلية وهو يدخل طريق الاستقامة، على عتبة هذا الطريق يخلع جميع ملابس الجاهلية وأن يتخلص من كل ما علق به في ذلك المجتمع الآثم الذي كان يعيش فيه، وهاهنا أمثلة واقعية وردت في بعض الأسئلة نؤكد فيها هذا المعنى أو هذه النقطة التي كثيراً ما أودت بتمسك بعض المستقيمين إلى الهاوية، وأسوقها إليكم مختصرة قريباً مما وردت:
стр. 5405
شاب يعود للانتكاسة في الصيف
يقول: أنا شاب قد التزمت مع رفقة صالحة ولله الحمد والمنة، ولكنني ألتزم معهم في فترة الدراسة فقط، وفترة العطلة أذهب من المنطقة التي أنا موجود فيها إلى منطقة أخرى حيث أقع في قراءة القصص الغرامية والكتب الجنسية، وذلك لأنني شابٌ قد حببت لي القراءة فأنا أقرأ جميع ما يقع تحت يدي صالحاً كان أو سيئاً، وعندما أعود إلى أصحابي الصالحين أحس بأنني قد أخطأت وأذنبت ولا بد لي من توبة، ولكنني لا أستشعر الندم في قلبي فماذا أفعل؟ إذاً: هذا شخص الآن هو يستقيم فترة معينة من السنة، ثم في نهاية السنة في العطلة الصيفية يترك الاستقامة ويقبل على أشياء من المنكرات مثل قراءة القصص المحرمة.
стр. 5406
شاب لم يستطع ترك المسلسلات
وشخص آخر يقول: أنا شاب لم أستطع الامتناع عن مشاهدة المسلسلات اليومية مع أني شابٌ مستقيم ولا أزكي نفسي، ولكني لا أجد أن هناك تحريماً لهذه المسلسلات لأنهم لا يمثلون عراةً يعني: السبب الذي من أجله يبيح لنفسه أن يشاهد هذه المسلسلات أن الممثلين في المسلسلات لا يمثلون عراة.
فانظر إلى هذه الشبهة، يعني: كشف المرأة وجهها ورأسها وشعرها وذراعيها ويديها كل هذا ليس بعورة، واختلاط الرجال بالنساء وهذه الأشياء السيئة الموجودة في كثير من المسلسلات ليست حراماً.
стр. 5407
شاب لم يفارق رفقة السوء
ويقول آخر: أنا شاب صالح إن شاء الله تعالى وفي الطريق المستقيم، أذهب مع أصحابي الطيبين إلى الفوائد وغيرها من الأشياء الهادفة، ولكن في حارتنا شبابٌ غير صالحين لهم بعض المعاصي الظاهرة مع أنهم يصلون، أذهب معهم إلى الملعب للكرة وأذهب إلى مجالسهم مجاملة لهم، فانصحوني.
فإذاً: هذا رجل مازال على علاقة بأصحابه الأول ويزاول معهم اللعب ويحضر مجالسهم، والمجالس هذه طبعاً فيها أشياء كثيرة لا ترضي الله، لماذا يحضر المجالس؟ مجاملة لهم.
стр. 5408
شاب اهتم بغيره وأهمل نفسه
ويقول آخر: أنا شاب في الثانية والعشرين من عمري، أدرس في المرحلة الجامعية، أصرف أغلب وقتي في الدعوة إلى الله وأهتم بإخواني وأحاول تقوية إيمانهم وأنسى نفسي، حتى أصبحت ضعيفاً في دراستي وفي إيماني، ماذا أعمل؟ أنا في حيرة من أمري، وأفكر دائماً في ترك زملائي الطيبين وعدم الاهتمام بهم، أرشدوني.
هذه المشكلة طبعاً سببها عدم التوازن، إن لنفسك عليك حقاً ولإخوانك عليك حقاً فهذا الشخص لم يستطع أن يوازن بين حق نفسه وحق إخوانه، فهو يصرف كل وقته إليهم، ولا يجد وقتاً يقرأ القرآن مثلاً لنفسه أو يذكر الله لنفسه أو يعمل الطاعات الفردية لنفسه، أو يذاكر، ولذلك فهو مقصر في الدراسة، فلما وجد نفسه على شفا هلكة ومستواه الدراسي قد تردى وجد بأن الحل أن يترك الناس الطيبين؛ لأنه لا بد أن يعدل من وضعه الدراسي، السبب إذاً عدم الموازنة.
стр. 5409
شاب وشابة وقعا في المحادثات الهاتفية
وهذا آخر يقول: أنا شاب في الثانية والعشرين من عمري، وحدث أني تعرفت على فتاةٍ بواسطة الهاتف، وقد قويت علاقتي بها وأنا معها منذ سنتين وليس بيننا شيءٌ إلا الذي يكون بين الأصدقاء عادة من حديث، كما أنني أقوم على تلبية حاجاتها ومساعدتها في الدراسة وغيرها -يشرح الكلمات الصعبة ويحل لها المسائل- وأنا لا أدري ما حكم عملي هذا؟ وإني أرغب وهي أن ننهي هذه العلاقة لأننا نحس في صدورنا أنها غير صحيحة، مع العلم أن علاقتنا سامية للغاية.
المفروض بما أن هذا الإحساس من زمان يحدث أنه لا بد أن تنهى هذه العلاقة، يعني: سبحان الله العظيم! رجل أجنبي يتكلم مع امرأة أجنبية في الهاتف ماذا نتوقع وماذا ننتظر ولمدة سنتين، يعني: كأنه يكلم أخته وهي تكلم أخاها، هذه الأشياء العجيبة التي تقع اليوم في واقع بعض الناس تنبئ عن سطحية في فهم معنى الاستقامة، وأنه لا بأس من إقامة العلاقات مع النساء الأجنبيات في الهاتف، والشيطان يضحك ويلبس ويقول له: العلاقة السامية وأنت تساعد، وهذه أخوة في الله.
سبحان الله العظيم! انظر إلى الشيطان كيف يستغل المداخل وكيف يلعب بعقول الكثيرين حتى يوقعهم، ولا نستغرب إذا حدث وكان في بعض الأشياء أن تنتهي المسألة بالعلاقة أو بالملاقاة وما يحدث بعدها من سبل الشيطان، نسأل الله السلامة.
стр. 5410
شاب يخشى الوقوع على محارمه
وهذا آخر يقول: إنه يحب إحدى محارمه حتى يخاف أنه يقع فيها بالزنا فما هي النصيحة؟ طبعاً هذا أيضاً من ضعف الإيمان، ولذلك كثيراً ما نقول: إنك حتى لو كانت هذه البنت أو هذه المرأة إحدى محارمك وإنك تحس بالفتنة من جلوسك معها فلا تجلس معها، ولا يجوز لك أن تخلو بها؛ لأن بعض الناس قد يحدث معهم مثل هذا الانتكاس الفطري لأن فطرة الواحد مستحيل أن تجعله يميل إلى أخته أو بنت أخيه مثلاً لأنهم من أبٍ واحد أو من أم واحدة أو أشقاء، لكن عندما يصل الانتكاس الفطري إلى هذه الدرجة فيجب عليه أن يعاملها كأنها شبه امرأة أجنبية عنه، لئلا يقع في ورطة.
стр. 5411
شباب ما زالت عندهم رواسب من الماضي
وهذا يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أنا شاب بدأت طريق الالتزام بقوة والحمد لله، ولكن لا زالت عندي بقايا من الماضي وهي خصلة الكذب رغم معرفتي الكبيرة بأحاديث هذا الموضوع، فما هو الحل؟ إذاً: مازالت المشكلة بقاء آثار من الماضي.
وهذا آخر يقول: باسم الله والصلاة والسلام على محمد رسول الله وبعد: فإني شاب تبت إلى الله، ولكن أصبحت أمامي مشكلة وهي فتنة النظر، أرجو أن تعلمني الدواء الشافي لهذا المرض؟
стр. 5412
خطورة عدم اجتثاث رواسب الجاهلية
هذه طائفة من الأمثلة أيها الإخوة ذكرنا في المرة الماضية أن هذه الرواسب التي تبقى في نفس هذا الشخص المستقيم الذي فتح عينيه على النور وسلك الطريق، وأصبح له زملاء طيبون، هذه الرواسب هي التي تثور في المستقبل، تبقى مثل:
أرى خلل الرماد وميض جمر وأخشى أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب مبدؤها كلام
الواحد أحياناً يرى الظاهر طيباً؛ لكن تحت الظاهر هناك أشياء تتفشى وأشياء تنتشر، وأشياء تقوى لأنها لم تجتث من الأصل، هذه مشكلة الكثيرين، وهي مشكلة خطيرة فعلاً أن الداء لم يجتث من الأصل، لم تعالج المشاكل كلها، لم يتخلص الشخص من آثار الماضي، فهو الآن يبدأ الحياة الجديدة ولا زالت معه الآثار السلبية السابقة؛ فلا تلبث بعد فترة من الزمن مع نوعٍ من الفتور والانشغالات الدنيوية والبرود الإيماني ونقص الإيمان أن تظهر هذه الأشياء ظهوراً قوياً مثل البركان، فيتفجر ويكون بداية السقوط وينتهي الشخص.
فإذاً: التفتيش عن هذه الأمور من سلبيات الماضي، واجتثاث المنكرات الماضية من جذورها، وألا يبقى في حياتك الجديدة أي أثر من الماضي وأي داء من الماضي هذه المسألة مهمة جداً، ينبغي أن تقف على العتبة وتتخلص وتطرح جميع الأشياء الماضية.
стр. 5413
من أسباب النكوص الذاتية
стр. 5414
خوض غمار المعركة بدون عدة
ومن أسباب النكوص أو من أسباب التردي: الوقوف في مواقف صعبة لا يستطيع الإنسان أن يتحملها، وأعني بهذا حديث رسول الله ﷺ الصحيح الذي يقول فيه: (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق) فأحياناً الواحد يتخذ شكلاً من أشكال التصادم أو المواجهة أو المجابهة أو الدخول في معمعةٍ لم يعمل لها حساباً ولم يستعد لها ولم يتهيأ بحماسٍ أجوف مجرد عن الإيمان القوي؛ فلا يلبث ألا يتحمل جو الفتنة التي دخل فيها ثم بعد ذلك ينهار لأنه لم يستطع المقاومة.
وبعض الشباب والمستقيمين عندهم هذه النفسية؛ نفسية الدخول في أجواء الفتنة، هو يريد أن يلقى العدو، ويقول الرسول ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، ولكن إذا لقيتموهم فاثبتوا) بعض الناس يتعمد أن يلاقي العدو فيعرض نفسه لأجواء من البلاء لا يطيقها، ثم بعد ذلك ينهار، وهذه تجارب كثيرة حدثت في تاريخ الدعوات تبين هذا الأمر الذي كشفه الرسول ﷺ .
стр. 5415
اتهام النفس بالنفاق
ومن الأسباب الذاتية الداخلية للانهيار والانتكاس والانحراف ما يعبر عنه هذا السائل فيقول: هناك معصية أنا واقع فيها شغلت قلبي وتفكيري حتى شعرت بأني منافق، وهممت بترك الصالحين بسببها، ألا وهي تأخير صلاة الفجر إلى طلوع الشمس -أعاذكم الله- وقد حاولت أن أجاهد نفسي إلا أن النوم أثقل، والنفس أضعف، بماذا تنصحني؟! ويقول آخر: أحمد الله الذي هداني للصراط المستقيم، ولكن يحدث أن تحصل مني بعض المعاصي وأتضايق من نفسي وأتهم نفسي بأني منافق وإلا لما عملت هذه المعاصي، وبعد حينٍ أرجع إلى الله سبحانه وأستغفره ولكن يحصل ذلك مني من فترة إلى أخرى، ماذا أفعل؟! يقول الآخر: إنني شاب هداني الله بعد ما كنت ضالاً وبدأت أعمل الصالحات، ولكني أحيانا أفعل بعض المعاصي والتي تكون في غيابٍ عن أعين الناس، وحينما أذهب إلى الصلاة وأكون في الصف الأول أو أعمل عملاً صالحاً أمام الناس تحدثني نفسي بأني منافق! يقول الآخر: أنا شاب مسلم دخلت مع زملاء مستقيمين قبل ثلاث سنوات ولكن حدثت لي بعض المشكلات جعلتني أنسى الله وأفعل المعاصي بدون إحساس -على حد تعبيره- وأفكر أن أترك الشباب الطيبين لأن حياتي أصبحت حياة لا يعيش فيها شابٌ مسلم، دلني على طريق النجاة؟! فماذا نلاحظ من مجموع هذه الأسئلة أيها الإخوة؟ الذي نلاحظه قضية اتهام النفس بالنفاق، واتهام النفس بالنفاق أحياناً يكون لها أسباب حقيقية وأحياناً يكون لها أسباب وهمية، فمثلاً: أحياناً يقبل الشخص على الله.
ويسلك طريق الاستقامة يصاحب الناس الطيبين، وبعد فترة يحصل عنده ضعف إيماني فيقع في معصية من المعاصي، أو يتكرر منه وقوع هذه المعصية وهو لا يزال مع إخوانه الطيبين لا يزال يطلب العلم الشرعي لا يزال يمارس الدعوة إلى الله لا يزال يمارس الواجبات الشرعية، ولكن هذا الوقوع في المعاصي جعله يعيش في جو من التناقض، كيف يكون مع هؤلاء طيباً فإذا خلا بنفسه أصبح إنساناً يقع في المعاصي، كيف يمارس هنا الدعوة إلى الله ويطلب العلم ثم في بيته يقع منه شيء من المنكرات.
فإذاً يقول لنفسه: أنا عندي ازدواج في الإيمان بين الطاعة والمعصية، إذاً أنا منافق أظهر شيئاً وأبطن شيئاً آخر، إذاً أنا لا أستحق أن أكون في هذا الوسط الطيب، إذاً أنا لا بد أن أظهر على حقيقتي، هذه الوساوس من الشيطان هكذا يفعل، لا بد أن أظهر على حقيقتي، لا بد أن أكشف أمري للناس، إن هؤلاء الأطهار لا يصلح أن يكون بينهم واحدٌ ملوث من أمثالي، لا بد أن أفارقهم، إنني سبب نكبة وسبب فشل بينهم، إنني عنصر لا بد أن أبتر وهكذا؛ فتكون النهاية ترك الحياة الطيبة والاستقامة.
هو يظن أنه يقصد خيراً وأنه يريد أن يظهر على حقيقته وأنه لا ينافق، لكن النهاية ما هي؟ من الذي كسب؟ الذي كسب هو الشيطان؛ لأن الأمور قد تردت، أنت صحيح أنك تعمل المعاصي وأنت ما زلت في الجو الطيب، لكن هذا الجو الطيب يا أخي يساعدك على البقاء إلى مستوى معين وعدم التردي، إذا كان الجو الطيب لا يحملك على ترك المعاصي فهو يحملك على البقاء في مستوى معين من الطاعات، إذاً هذا الجو الطيب له فائدة، ومن الخسارة الكبرى أن تترك هذا الجو الطيب، ولا تترك الشيطان يلعب بك، ويوسوس لك حتى تترك طريق الاستقامة.
ومشكلة اتهام النفس بالنفاق مشكلة كبيرة، مع العلم بأن هؤلاء الناس الذين يفكرون لا يفرق بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي؛ هناك أشياء من النفاق العملي كبعض المعاصي: إذا وعد أخلف إذا اؤتمن خان إذا حدث كذب إذا عاهد غدر إذا خاصم فجر، لكن هذا النفاق العملي لا يعني أنك منافق مثل عبد الله بن أبي ومثل غيره من المنافقين، وأنك يجب أن تتميز عن الصف المسلم، لا.
الفرق كبير، فإذاً لا بد من أن يعالج الشخص نفسه من هذه الوساوس.
стр. 5416
من أسباب النكوص الخارجية
الآن ننتقل إلى طائفة من الأسباب الخارجية عن هذا الشخص الذي يسلك طريق الاستقامة، وهي طائفة من الأسباب الخارجية التي تكون سبباً للنكوص والارتداد على الأعقاب، وعندما نسرد هذه الأسباب ينبغي أن تضعوا نصب أعينكم أننا عندما نعرض هذه الأسباب فإننا لا نقدمها كعذر لهذا الشخص المنتكس أو الناكص على عقبيه أو المتردي أو المتراجع، أو التارك للصراط المستقيم، لكن نحن الآن نبين الأسباب سواء كان محقاً أو غير محق، طبعاً هو ليس محقاً؛ لأنه ليس هناك شيء يحمل الإنسان على ترك الاستقامة مهما كان الأمر، كل هذه أسباب من الشيطان ليوقع الذين آمنوا في حباله، فيتركوا طريق الله .
стр. 5417
من الأسباب: سوء التربية
ما هو المقصود بقولنا: يكون السبب أحياناً سوء التربية؟ قد يطالب الجديد في عالم الاستقامة بتكاليف عالية ونوافذ شاقة منذ البداية، يعني: مثلاً يطالب بقيام الليل، بصيام النوافل، بقراءة كتب ضخمة ليتناقش مع غيره فيها، فلما يطالب بهذه المستويات العالية من الأداء أو من العبادات لا تستطيع نفسه أن تقوم بها؛ لأنه الآن دخل في طريق الاستقامة فهو لا يزال غضاً طرياً، لا يزال عوده لم يشتد بعد، فإذاً من الخطأ أن يطالب هذا الشخص من البداية بتكاليف عالية، لأنه إذا رأى هذا الأمر من البداية فإنه سيكون سبباً للرجوع وسبباً لترك الطريق المستقيم، وسيقول في نفسه: هذه من البداية هكذا، أنا لا أستطيع أن أستمر بهذا المستوى فيترك.
وقد يأخذه الحماس في البداية فيقبل على هذه الطاعات والعبادات والتكليفات، ويركب هذه الموجة العالية، ولكن في منتصف الطريق تخف حماسته ويبرد إيمانه فيرى نفسه لا يستطيع المواصلة فيسقط، يرى أنه لا يستطيع أن يتحمل الأعباء فيقول تبعاً لذلك: ما دام أنني لا أستطيع أن أتحمل هذه التكليفات إذاً أنا لا أستطيع الاستقامة، لأنه عرف الاستقامة وفتح نفسه عليها أنها بهذا المستوى، إذاً مادام أنه لا يستطيع أن يصوم دائماً الإثنين والخميس، ولا يستطيع أن يقوم كل ليلة، ولا يستطيع مثلاً أن يتصدق بجزءٍ من ماله، ولا يستطيع أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام مرة، ولا يستطيع ولا يستطيع فيترك الاستقامة، لأن تعريف الاستقامة عنده هي هذه الأشياء العالية.
فإذاً ينبغي مراعاة هؤلاء الجدد في عالم الاستقامة وألا يطالبوا مطلقاً بمثل هذه الأشياء العالية، وأن يترفق معهم ويرفق بهم، ولو أنهم تحمسوا لأدائها من أنفسهم فلا بد أن ينصحوا ويقال له: يا أخي تمهل، لا تقسو على نفسك، لا تكلف نفسك فجأة بكل هذه الأشياء فقد لا تتحمل.
ويدخل في ذلك أيضاً المطالبة بمستوياتٍ عالية من الزهد، يعني: مثلاً شخص يعيش في بيئة منعمة، أهله أهل غنى، أو فتاة تعيش في بيئة مرفهة، وعندهم خيرٌ كثير، فهو متعود وهي متعودة على مستويات عالية من الترف والبذخ والإنفاق على النفس، فعندما يأتي هذا الشخص أقول له من البداية: يا أخي لا بد أن تتخلى عن جميع الزينة وعن جميع هذه الملابس، ولا بد أن تلبس لباساً عادياً جداً، ولا بد أن تكون الملابس فيها تواضع، ورثاثة في الهيئة، والبذاذة من الإيمان وو إلخ، وهو الآن قريب الدخول في طريق الاستقامة، فعندما أطالبه بهذا النوع أو هذا المستوى العالي من الزهد، فإنه لن يتحمل وبالتالي سينفض يديه ويترك طريق الاستقامة.
إنسان كان في فواحش ومنكرات؛ من غير المناسب أن أطالبه بهذا المستوى من الزهد، لأعلمه أولاً أن الزهد هو ترك الحرام، انتبهوا معي أيها الإخوة، أعلمه في البداية أن الزهد الآن المطلوب منك هو ترك الحرام، فإذا ترك الحرام واستقام على الطريق فبعد ذلك يطالب بمستويات أعلى من الطاعات.
стр. 5418
عدم ملء وقت الفراغ بالطاعات
وأحياناً يكون سبب النكوص والتراجع: عدم ملء وقت المستقيم بالطاعات والأعمال الشرعية والمهمات المناسبة له؛ فيشعر أنه إنسان عنده فراغ كثير، وأنه غير منتج في المجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه، فينسحب منه ويذهب إلى مقبرة الوحدة حيث تكون نهايته هناك وتنتهشه كلاب الشهوات من كل جانب، ما هو الخطأ الذي حصل؟ أن هذا الرجل أو هذه المرأة لم تُشغل في الطاعات، لم تملأ وقتها بأشياء نافعة؛ حلق ذكر، جلسات طلب علم، الذهاب في طاعة الله، الدعوة إلى الله، من بر الأرحام، الصدقات، الذهاب إلى المقابر، صلاة الجماعة في المسجد، أشياء كثيرة جداً، نشاطات إسلامية نافعة تفيد المجتمع، فإذاً عدم ملء واستغلال وقت الفراغ يوجد عن الشخص أوقاتاً كثيرة، لا يجد ما يشغله فيها فيشغلها في معصية الله ثم يسقط.
стр. 5419
عدم تفقد الأخوة لأخيهم المستقيم حديثاً
ومن الأسباب الخارجية: عدم تفقد الإخوة في الله لأخيهم المستقيم، وعدم سؤالهم عن حاله وعدم معرفتهم بواقعه، فقد تصيبه مصائب ويقع في مشكلات نفسية أو عائلية أو عاطفية أو مالية، فعندما يرى أنه لا أحد يسأل عنه ولا أحد يهتم به وبأموره يأتيه الشيطان فيقول له: إنه لن ينفعك إلا نفسك ومجهودك الذاتي، ولن ينفعك الآخرون بشيء، هؤلاء الذين تسميهم إخوة في الله لن ينفعوك بشيء، إنهم لا يسألون عنك ولا عن أحوالك، لو أنهم كانوا حريصين عليك لتفقدوك، لم يزرك أحد عندما مرضت في المرة الفلانية والمرة الفلانية، وعندما وقعت في مأزق لم يهب أحد لنجدتك ولم يمد أحدٌ يد العون لك، إنهم يستخفون بك ولا يكترثون، دعك منهم ومن طريقهم، فيترك الاستقامة.
وهذه النفسية تكون موجودة عند الكثيرين، وقد تكون موجودة عند النساء لأن المرأة حساسة بشكل أكبر من الرجل، وعاطفية بشكل أكبر، فإذا لم تجد أحداً من أخواتها في الله تسأل عنها وتتحسس واقعها فإنها لا تلبث أن تترك ذلك المجتمع الطيب وتقول: إنهن لا خير فيهن لم يسألن عني، وهذا ليس عذراً، نفترض أن هذا الشيء حصل وهذا الشيء خطأ، لا بد أن يسأل المسلمون عن إخوانهم المسلمين، وأن يتفقد المسلمون أحوال إخوانهم المسلمين، لكن لو حصل لك يا أخي هذا الموقف، لو أن إخوانك من حولك تشاغلوا عنك أو غفلوا عنك وعن مشكلاتك، وغالباً أن بعض الناس لا يصرحون بمشكلاتهم ولا يقول: ساعدوني، وينتظر من الآخرين أن يكتشفوا ذلك بأنفسهم، عند ذلك يقول: إذاً لماذا أبقى مع هؤلاء الناس، كونهم لم يسألوا عنك لا يبرر لك عند الله ترك طريق الاستقامة، يعني: عندما يسألك الله يوم القيامة لماذا تركت الاستقامة وتركت التمسك بالدين فلن يكون جواباً: إن باقي إخواني لم يسألوا عني، هذا ليس بجواب وليس بعذرٍ مقبول.
стр. 5420
أخذ الاستقامة جملة واحدة
وأحياناً يكون من الأسباب: إرادة بعض الدعاة ممن بدأ الاستقامة أن يلتزم دفعة واحدة، يشترط عليه: أنه من الآن بين يومٍ وليلة لا بد أنه يتغير ويصبح شخصاً مستقيماً، وقد يحصل هذا فعلاً ويستقيم ذلك الشخص من أول يوم أو من أول أسبوع، ولكنه لا يلبث أن ينتكس مرة واحدة كما بدأ مرة واحدة، لماذا؟ لأن نفوس الناس ليست مهيأة إلى الانتقال بسرعة، بل إن مجتمعات المسلمين اليوم تكثر فيها المعاصي، ومن الصعب على الشخص أنه يترك فجأة وينتقل مباشرة بين يومٍ وليلة، فعندما يطالب بترك المنكرات فجأة والاستقامة فجأة، فإنه قد يسقط فجأة كما بدأ فجأة.
وقد يستدل البعض على عدم خطأ هذا الأمر؛ لأن هناك أناساً قد استقاموا فجأة وأكملوا الاستقامة، فنقول: إن هذا الاستدلال غير صحيح، والناس مراتب وطاقات وهمم، صحيح أن فلان فجأة استقام وأكمل إلى آخر عمره، لكن لا يعني أن هذا العمل الذي فعله يستطيع الآخرون كلهم أن يفعلوه.
стр. 5421
الاعتقاد أن أهم ما في الاستقامة هو الظاهر
ومن الأخطاء التي تحصل وتسبب الانهيار أو التراجع: أن يظن بعض الدعاة إلى الله أن المهم هو إيصال الشخص رجلاً كان أو امرأة إلى مرحلة الاستقامة الظاهرة، أن يستقيم بشكله، مثلاً المهم أن هذا الرجل يعفي لحيته ويقصر ثوبه، أو أن هذه المرأة تلتزم بالحجاب الكامل، هذا هو المهم، فإذا وصل هذا الرجل أو هذه المرأة إلى هذه المرحلة انتهى المقصود وحصل المأمول وتحقق الهدف، هذا خطأ، وكون هذا الشخص أو هذه المرأة تترك الالتزام بعد أن وصلت أو وصل إلى هذا الالتزام الظاهري غير صحيح؛ لأن هناك أموراً تربوية كثيرة لا بد من تحصيلها ولا بد من تحقيقها وتوفيرها حتى يستقيم الشخص فعلاً، وإلا فإن الأشياء الظاهرة ليست هي كل شيء، كما أنه من غير الأشياء الظاهرة فإن هذا لا يعتبر كمالاً مطلقاً، فإذاً الترك الذي يحصل لمن استقام ظاهرياً؛ لأنه انتهى المقصود من الأمر ومن الدعوة إلى الله خطأ كبير:
فالفرد إن يترك يضع في عصرنا ترك الشباب أساس كل الداء
إخوانكم لا شيء أغلى منهم لا شيء يعدلهم من الأشياء
لا تتركوهم للضياع فريسة ترك الشباب أساس كل الداء
стр. 5422
الهجران غير الصحيح
ومن الأسباب: الهجر في غير موضعه: أحياناً يحدث هجر لإنسان من الناس له علة معينة في نفسيته قد يكون له فيها يد، وقد يكون لا يد له في إصلاحها، فيترك هذا الشخص ويهجر لهذه العلة أو السلبية التي في نفسه أو يخاف ويخشى على الآخرين منه فيترك ويهجر فتسوء أحواله أكثر وينتقل من الإيمان إلى المعصية، وينقلب حرباً على الدعوة إلى الله ناقماً في نفسه على هؤلاء الذين هجروه وتركوه، وقد يدفعه الشيطان إلى سلوك سبيل الانتقام.
стр. 5423
الانتكاس إذا رأى خطأ ممن اتخذه قدوة له
ومن الأسباب التي تنبني على أخطاء أساسية في التصورات والتي تسبب الانهيار والانتكاس والتراجع: أن يرى هذا الشخص واقعاً خاطئاً لمن اتخذه قدوة له، إنسان التزم بشرع الله، واستقام على طريق الله، ورأى من جعله قدوة، قال: هذا هو أحسن واحد وهذا الذي أقتدي به، وأتعلم منه وأتشبه به، هذا القدوة في يومٍ من الأيام فعل خطأً أو وقع في منكر أو معصية من المعاصي، أو أخطأ في التعامل معه مثلاً فماذا يحدث؟ يتزلزل كيان ذلك المسكين، لأنه لا يفرق بين الإسلام وبين تصرفات المسلمين، فيقول: هذه هي الاستقامة التي أريد أن أصل إليها، هذه النهاية لا بد من رفض ذلك كله جملة وتفصيلاً، من أين أُتي هذا الرجل؟ أُتي من سوء تصرفه، يتصور أن هذا القدوة أو هذا الشخص أو هذا الشيخ أو هذا المطوع أو هذا الإمام أنه هو الإسلام، فإذا رأى عليه ثغرة أو رأى عليه سلبية من السلبيات أو أنه وقع في منكر فمعنى ذلك أن هذا هو الإسلام، الإسلام في نظره هو ذلك الشخص، فإذا انهار هذا الشخص انهار الإسلام، الاستقامة في نظره يمثلها هذا الرجل، فإذا انهار ذلك الرجل انهارت الاستقامة، فلا بد أصلاً أن يتربى الناس على التفريق بين الإسلام وبين تصرفات المسلمين، لا بد أن يربى الناس على التفريق بين طريق الاستقامة وبين المستقيمين، هؤلاء -رجالاً أو نساء- قد يقعون في أخطاء إذاً هم بالنسبة لي آخذ منهم الحق فقط، وإذا وقعوا في أخطاء أنا ما عليَّ منهم، أنا ما زلت ممسكاً بالطريق أسير عليه.
стр. 5424
المعاملة السيئة ممن حوله
ومن الأسباب الخارجية: المعاملة السيئة التي يلقاها ضعيف الإيمان ممن حوله من الوسط الذي يعيش فيه، فيقول: هذه معاملة هذه أخلاق هذا أسلوب أنا أخاطب به؛ فإذاً ليس هذا هو الطريق الصحيح، إذاً هذا هو طريق الاستقامة الذي ألاقي فيه هذه المعاملة، إذاً لا بد أن أتركه لأني لم أرتح فيه.
هؤلاء الأشخاص الذين لقيت منهم سوء المعاملة ليسوا هم الصراط المستقيم، وليسوا هم سبيل المؤمنين، هؤلاء ناس يسلكون سبيل المؤمنين، لكن ليس هم الطريق نفسه، فتركك للجميع خطأ ظاهر، وسوء في التصور.
ليت هؤلاء الذين تركوا الاستقامة لهذا السبب ولهذا المنطلق يفهمون أن الإسلام لا يتحمل أخطاء المسلمين وليس مسئولاً عنها، وليتهم يعرفون أن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، إذاً نعود فنكرر فنقول: إن التربية لا بد أن تكون من البداية على اتباع الحق وليس على اتباع الرجال، اتباع الطريق المستقيم وليس تقليد الآخرين إذا أخطأوا قال: هذا هو الإسلام، وهذا هو الدين، وهذه الاستقامة، ليس فيهم خير.
стр. 5425
كثرة رؤيته للمنتكسين
ومن الأسباب: كثرة رؤية هذا الضعيف للناكصين وانسحابهم من طريق الاستقامة الواحد تلو الآخر، فيشجعه ذلك على أن ينسحب هو أيضاً إن كان في نفسه قابلية لذلك، والطيور على أشكالها تقع، وقد يريد هو أن يتخلص ويترك هذا الطريق، لكن لا يريد أن يتركه لوحده، هو ينتظر من يشجعه فإذا بدأ هذا قد يتفلت واحد آخر وثالث ويحصل هناك تشجع نفسي على الانسحاب، فيقلد الآخرين، وهو أيضاً ينسحب من طريق الاستقامة.
стр. 5426
مظاهر من نكص عن طريق الاستقامة
هذا الرجل الذي وقع في هذه المشكلة وهو يريد أن يترك طريق الاستقامة وأن يعود إلى الضلال بعد الهدى الذي كان عليه، دعونا الآن نأخذ جولة في أعماق هذا الشخص المتزلزل ما هو وضعه؟ ما هي حالته؟ ما هي أحاسيسه؟ بماذا يفكر الآن وبماذا يشعر؟
стр. 5427
إظهار عدم الارتياح من الصالحين
إنه الآن يفكر في التبريرات والأعذار التي يقدمها لترك طريق الاستقامة، ماذا يقول لإخوانه من حوله؟ فبعض هؤلاء يبدأ بافتعال المشاكل وإثارة أجواء من عدم الارتياح مع الآخرين في النقاش وفي غيره، يظهر على سلوكه وعلى نقاشه أنه غير مرتاح، وأنه يتأفف وأنه يتضجر وأنه لا يعجبه شيء، وأن أسلوبهم غريب، وتتعالى أصواتهم ويكون دائماً هو الطرف المشاغب، وهو الذي يثير المشاكل في الأصل؛ لأنه يريد أن يتوصل من خلال إثارة المشاكل وافتعال هذه الأشياء إلى إيجاد المخرج الذي يخرج منه، وقد يصل به الأمر إلى الكذب والادعاء واتهام الأبرياء ليجد لنفسه المخرج المزعوم.
والبداية في العادة لمثل هؤلاء الاعتذار عن المشاركة في أعمال الخير، فيتخلف عن حلق الذكر وعن الاجتماعات الطيبة والمناسبات الإسلامية مبرراً ذلك بأشياء، يقول: أنا مشغول مع أهلي، إن والدي يحتاج إلي، أنا عندي مسئوليات أسرية، أنا عندي أعمال تجارية، وأنا عندي انشغالات، تبريرات لترك الأشياء الطيبة، وإذا كان الشاب يظهر تركه للتمسك بالدين أحياناً بأن يقصقص لحيته أو يحلقها مثلاً، أو يسبل ثوبه، فإن الفتاة تظهر ذلك عادة بالتخفف من حجابها أو إظهار زينتها أو شيءٍ من عورتها التي أمرها الله بسترها، هذه البداية.
طبعاً البداية أصلاً في القلب حاصلة؛ لأن القرار قد اتخذ بأن يتراجع الشخص عن هذه الأحكام الشرعية وعن هذا الطريق المستقيم، لكن متى يظهر وكيف يظهر؟ يظهر غالباً على الشكل الخارجي، فيبدأ كما ذكرت لكم بأن يخفف من مظهره الإسلامي فيطول ثوبه تدريجياً، وتقصر لحيته تدريجياً، والمرأة تبدأ تخفف من حجابها، يكون مثلاً كذا طاقة فوق بعض، فالآن هو يخف ويصبح شفافاً حتى يزول، كان المكياج من أول لا يظهر، الآن بدأ يظهر، الكعب العالي جداً يلبس، أشياء من الزينة ظاهرة.
стр. 5428
الاعتذار عن أفعاله باختلاف العلماء
ومن مظاهر بداية التفلت كذلك: كثرة الانقطاع عن صلاة الفجر وعدم الحرص على أداء الجماعة في المسجد، وهؤلاء الأشخاص في العادة يحاولون أن يبرروا أفعالهم عن علمٍ أو عن جهلٍ، تبدأ التبريرات والأعذار تنطلق من هذه النفس الأمارة بالسوء فمثلاً يقول: إن العلماء قد اختلفوا في هذا، وهناك آراء أخرى، وهناك من يجيز هذا الأمر، وهذا قال بعض العلماء إنه مكروه، وهذا ليس محرم قطعياً، تبدأ الأعذار الآن تظهر لك.
أين كان هذا الكلام من أول، الآن بدأت الأعذار تظهر، وبدأ التأليف على العلماء وأن بعضهم يقول، وأنه قرأ في كذا، واحد ينام عن الصلاة يقول: يا أخي في حديث من نام عن صلاةٍ أو نسيها فوقتها إذا ذكرها، فأنا لا بأس أن أنام عن الصلوات، كيف أنت تجبرني على هذا، انظر كيف يستخدمون الأحاديث على حسب الهوى، وعلى حسب ما تطلبه النفس الأمارة بالسوء.
стр. 5429
التهرب من لقاء الصالحين
ومن الناس من يجيد التخطيط لترك الوسط الطيب الذي يعيش فيه، ويتسلسل في الانحراف تدريجياً، ويظهر هذا بأن يتحاشى رؤية إخوانه الطيبين المستقيمين، ويتهرب منهم بشتى الوسائل، فهو يتجنب أن يرد على الهاتف إذا شعر بأن الذي يتصل به أحد إخوانه الطيبين، أو يغلقه ولا يرد ولا ينبس ببنت شفة إذا عرف من المتكلم، وإذا طرق طارقٌ بابه يقول لأهله: قولوا له غير موجود، أو هو نائم، أو مشغول، هذا التهرب في كثيرٍ من الأحيان يكون عن تحرج، يعني: كيف يقابل إخوانه السابقين بهذه النفسية المتغيرة، وبهذا الوضع المتغير، وبهذا الظاهر المختلف عن ظاهر الاستقامة، وهذا التحرج هو الذي يدفعه في الغالب إلى التحاشي وعدم مقابلة إخوانه المسلمين.
هذا الوضع في الحقيقة مع سوئه إلا أنه أهون من غيره، فبعض الناس يتحاشون أن يرى أي أثرٍ يربطه بواقعه السابق عن عداوة وبغض وكراهية لأصحابه وإخوانه السابقين لشخصياتهم ولما يحملونه من دينٍ وخلقٍ ومبادئ ومثل إسلامية، ولو أنه رضي أن يجلس مع أحد أصحابه الطيبين القدامى فإنه يتحاشى أن يفتح معهم أو يتحدث معهم في أي موضوعٍ يتعلق بمناقشة حالته السيئة وبتردي وضعه ويقطع الطريق على من يريد ذلك، إما بإنهاء المحادثة، أو تغيير الموضوع، أو الانصراف، هذه أشياء قد تقع الآن عملياً.
وبالإضافة إلى الانقطاع عن لُقيا إخوانه الطيبين والانقطاع عن الالتزام في شخصه ومظهره، فإنه يبدأ كذلك في ترك أمورٍ أخرى من الدين، فقد يبيع كتب العلم التي كان يمتلكها.
سبحان الله العظيم! الواحد لا بد أن يخشى على نفسه؛ لأن هذه أشياء قد تقع ويرى بعينه هذا الواقع، يكون عند الشخص كتب قد اشتراها واقتناها ليتفقه في الدين ويتعلم، فيقول مثلاً: ضعها في المسجد ودع المسلمين يستفيدون منها، وهو الذي كان جديراً وحرياً به أن يقرأ فيها ويستفيد منها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٦] هؤلاء الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
стр. 5430
تيئيس الصالحين من عودته للاستقامة
هذا كله وصف لنفسية هذا الشخص وحالته، وكيف الآن يتردى من مستوى إلى آخر، قد يكون من تصرفاته العجيبة أن ييئس أصحابه الطيبين من عودته إلى طريق الاستقامة، كأن يدخن أمامهم عمداً، أو يتصل بواحدٍ منهم فيقول: حاول أن تنسى رقم هاتف منزلي، وقد تتطور الأمور أكثر، فيجد رفقة سيئة، يلتحق بمعسكر أهل الكفر والفسوق والعصيان، بالإضافة إلى أنهم يسعون أصلاً لضمه إليهم عداء لله ولرسوله ولدينه ولعباده الصالحين، وقديماً أيها الإخوة لما قاطع الرسول ﷺ والصحابة كعب بن مالك لأنه تخلف عن الجهاد واثنين من الصحابة، فلما عزل ذلك الشخص عن المجتمع المسلم ما الذي حصل؟ سبحان الله! إنك لتعجب وأنت تقرأ رواية كعب بن مالك كيف وصل الخبر إلى ملك الأنباط فأرسل رسولاً إلى المدينة يقول لـ كعب: إنا سمعنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك بأرض هوان، فالحق بنا نواسك.
تستغرب عندما تعلم أنهم قوطعوا خمسين يوماً، قبل فترة جاءت الرسالة من ملك الأنباط إلى كعب بن مالك يقول: سمعنا أنه تغير وضعك وأن أصحابك قد جفوك، تعال عندنا ونحن سنكرمك، فانظر إلى مدى حرص أهل الجاهلية على التقاط هؤلاء الناس، وعلى استغلال وتحين الفرص، وكانت الرسالة تأخذ وقتاً للوصول، ولكن انظر إلى الاستغلال الذي يتم عن طريق أهل النفاق، يوصل الخبر بسرعة وتأتي الرسالة بسرعة.
يقول كعب بن مالك: وإذا بسائل من الأنباط يسأل يقول: أين كعب بن مالك، فدلوني عليه، فلما قرأ الرسالة طبعاً الشخص الذي تربى على الأصول الإسلامية الصحيحة يرفض هذه المهاترات ويرفض هذه المساومات الخسيسة، ولذلك قال كعب ﵁: وهذا أيضاً من البلاء، فرميتها في التنور فسجرتها، قوله: هذا أيضاً من البلاء، أي: من الامتحان الذي يمتحنني الله به، الشيطان يريد أن يرجعني إلى أهل الكفر، أخذ الرسالة وألقاها في الفرن فاحترقت.
وبعض هؤلاء المتساقطين يسقط بهدوءٍ دون أن يثير وراءه غباراً فيتوارى وينزوي في عالم النسيان وينتهي أمره، أما بعضهم فإذا أعمى الله قلبه فإنه يسقط وقد أصبح حرباً على الإسلام وأهله، وعلى دين الله، غاية همه الآن أن ينتقم وأن يفرق صف المسلمين، وأن يشكك كل من يريد الاستقامة، ويأخذ على نفسه العهد بهذا، إن من أعمى العمى الضلال بعد الهدى!
следующие страницы →