← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

نصيحة والد زوجتي السؤال والد زوجتي رجل يقارب الستين، وهو لا يصلي كما أنه وضع الدش في منزله، وكنت أقلل من زيارتي لمنزله، وإذا حضر أبتعد عن مناقشته نظراً لكبر سنه بالمقارنة بعمري وألاقي إحراجاً، هل علي إثمٌ في ذلك؟ الجواب طبعاً الواجب عليك النصيحة، لكن إذا نصحت واستغرقت في الجهد وما وجدت فائدة، بل وجدت أذىً لا تطيقه، أو ضياع وقت في النقاشات والأشياء التي تقسي القلب، فعند ذلك تكون قد أقمت الحجة عليه، وأديت ما عليك والحمد لله، لكن الإنسان بين الفينة والفينة والمدة والمدة يتعاهدهم بالنصيحة ويتخولهم بها، وليس في كل زيارة ينكر عليه، يمكن بعد زيارتين أو أكثر يقوم فيها بواجب النصيحة، مرة باللين ومرة بالتخويف ومرة بالترهيب ومرة بالترغيب، ومرة بقصة، ومرة بحدث، ومرة بآية ومرة بحديث، وهكذا من الأشياء التي فيها تنويع في الأسلوب، ثم يدعو له الله أن يهديه.

стр. 5742

شاب ملتزم تزوج من فتاة غير ملتزمة السؤال يقول شاب: تزوجت من فتاة غير ملتزمة، ورضيت بي كزوجٍ لها، فبماذا تنصحني؟ الجواب غريب أنها رضيت بك، المفروض أنك تقول: رضيت بها، لأن الأعلى يرضى بالأدنى، فكونها رضيت بك؛ فليست نعمة تحسد عليها، لكن أنت الآن كيف رضيت بها؟ فناقش نفسك، على أية حال ما دام قد حصل ما حصل، فإن الناس تصرفاتهم تختلف، وردة الفعل تختلف، بعضهم إذا كان رأى أن الفتاة غير ملتزمة أسرع إلى طلاقها، وليس الوقت مناسباً أن يفعل هذا خصوصاً وقد دخل بها، وربما حملت منه، وطلاقها فيه إيذاءٌ لها، وفيه أيضاً تكليفٌ له بمهرٍ جديد مع ما يدفعه من مهرها الذي خسره عليها، وقد يكون هناك مؤخر صداقه يجب دفعه، أي أن هناك اعتبارات تجعل قرار الطلاق ليس قراراً سهلاً، ولذلك ينبغي أن يحاول استصلاحها ما أمكن، ويصبر عليها وعلى أذاها، فربما يجعل الله هدايتها على يده. وكذلك هي لو أنها تزوجت من شابٍ غير ملتزم، وهذا كثير، ثم تقول: عرفت أنه يستعمل مخدرات، يشرب الخمر، يسافر إلى الخارج، يعمل الفاحشة ويأتي معه بصورة، واكتشفت أن له علاقات، وأنه يكلم بناتاً في الهاتف، واكتشفت أنه لا يصلي الفجر، واكتشفت واكتشفت، فنقول: أين السؤال عن الزوج من البداية؟ أين التحري؟ لماذا قصرتم وأهملتم هي وأولياؤها؟ بالذات الولي عليه مسئولية أكبر، فالمرأة ما عندها استطاعة أن تذهب وتسأل وتتحرى مثل الرجل، فقد يجرم الولي في حق وليته جرماً عظيماً بترك التحري والسؤال، فنقول: هذا ما دام قد حصل نقول: هل زوجك مسلم يصلي ليس عنده مكفرات؟ إذا قالت: نعم، قلنا: اصبري عليه عل الله أن يهديه، اصبري على ظلمه، اصبري على سيرته هذه عل الله أن يهديه، ما لم يتعد الأمر إليك، ويسبب ضعفاً في دينك بحيث إنك تقعين في المعاصي، فعند ذلك لا يجوز لك البقاء على هذا الحال، أما إن تحصنتي بالله وكان لديك قدرة على المهاجمة والمقاومة، ولديك قدرة على النصيحة، فعند ذلك من الإحسان إليه وهو زوج أن تستمري في محاولة النصح له، وقد عرفنا شباباً تابوا إلى الله على أيدي زوجاتهم، وهناك أيضاً فتيات تبن إلى الله على أيدي أزواجهن، ويوجد شباب أصروا على الفسق بعد الزواج، وشابات كذلك أصررن على الفسق بعد الزواج، ويوجد شباب انتكسوا بعد الزواج وكانوا من قبل مستقيمين على شرع الله، وطبعاً المسألة يأتي فيها تدرج وتوسع في المباحات، فتجد تغيير الأثاث والاهتمام والمزهريات والنجف والنقوشات وإضاعة الأموال فيها، ثم بعد ذلك يقول: نسافر للسياحة ونذهب إلى تركيا فإن فيها مسلمين، وتتوسع المسألة شيئاً فشيئاً ويبدأ يشاهد المناظر ويقول: أشاهد الأخبار على الشاشة، ثم يشاهد ما قبلها وما بعدها، وبعض البرامج التي فيها أشياء علمية وموسيقية، وبعد ذلك يتوسع في الأشياء شيئاً فشيئاً، وينوع من صداقاته وعلاقاته، حتى يخالط أناساً من غير أهل الدين مخالطة ضارة، ويبدأ عليه الانحراف والتغيب وترك صلاة الفجر وهي أول الصلوات تركاً وبعدها صلاة العصر، وهما البردان اللذان من صلاهما دخل الجنة، وهكذا تقاسي معه المسكينة، وتعتصم أو يقاسي هو معها، فلذلك أيها الإخوة لا بد أن ينشغل الإنسان بتربية نفسه، وإلا فإنه سيضيع، وليس الزواج دائماً يكون خيراً للإنسان إذا لم يتحصن بتقوى الله تعالى. ثم الانزلاق في مجاراة العادات الاجتماعية، أحياناً يكون الشاب في السكن الجامعي مع إخوانه الشباب عنده طريقة معينة لا يخرج عنها، لا يرى محرماً، لا يدخل مع أشخاص في منكرات، ولا يجلس مجالس منكرة، وبعد الزواج تجده لا بد أن يذهب إلى بيت أهلها، وتذهب هي إلى بيت أهله، وتنشأ علاقات، وإذا دخل ضاع نصيبه في بيتٍ غير متدين، يذهب إليهم ولا بد أن يتعرض إلى منكرات، وخالها يعزمه وعمها يعزمه، وعمتها تعزمه، وعمه يعزمها ويعزمهم، وهكذا، فالمسألة تدخل في أشياء، مع أن صلة الرحم واجبة ولا ينبغي قطعهم أبداً، لكن تبدأ تدخل في حياة الشاب أنماط وأشياء اجتماعية فيها منكرات لم تكن معهودة، مما يسبب ضعفاً بدلاً من استمرار المقاومة، وانتقال الدعوة من مجال زملائه الطلاب إلى مجالٍ أرحب أيضاً؛ فبالإضافة إلى الشباب أيضاً يدعو كبار السن والنساء بالطريقة الشرعية طبعاً، كذلك الرجال وأطفال العائلة الأخرى مثل إخوان زوجتك لهم حقٌ عليك أيضاً في التدريس والنصيحة وتحفيظ القرآن، والدلالة على مسجد فيه تحفيظ قرآن أو وسط طيب، أو مكتبة إسلامية تتعهدهم. هناك أناس لما تزوجوا؛ نشروا الدين في البيت الآخر، وهناك أناس تأثروا سلباً من البيت الآخر.

стр. 5743

ظاهرة لبس العباءة على الكتف السؤال الظاهرة الشائعة بين النساء لبس العباءة على الكتف؟ الجواب أيتها الأخت المسلمة! الله يقول: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] وإدناء الجلباب كما ذكر العلماء أنه يكون من الأعلى إلى الأسفل، أي من الرأس يكون إدناء الجلباب، فإذاً لبس الكاب هذا، وجعل الخمار المشدود عليه الذي يجسم حجم الرأس وحجم الكتفين لا يجوز، وهذا الكاب أنا أعتبره من المصائب التي ابتلينا بها؛ لأنه بتفصيله المنتشر -قد يكون له تفصيلات أخرى شرعية- فيه إخلال بالحجاب الذي أمر الله به، فلو كانت مثلاً تلبس شيئاً واسعاً ليس له أكمام ضيقة ولا هو ضيق في وسطه، وتلبس عليه خماراً مثلما تلبس بعض المسلمات في بعض البلدان، طويل إلى منتصف الظهر، وخمار فضفاض ليس مشدوداً على الرأس شداً، لقلنا: ما يهمنا شكل الزي المهم أن تتوفر فيه شروط الحجاب وهي: أن يكون فضفاضاً غير ضيق. أن يكون سميكاً غير شفاف. أن يكون طويلاً غير قصير. ألا يكون مطيباً ولا مبخراً، ولا يكون زينة في نفسه، ولا يشبه لباس الرجال، ولا يشبه لباس الكافرات، وهذه الصفات التي يستجمعها حجاب المرأة، وما يهمنا بعد ذلك ما اسم الحجاب الذي ترتديه، المهم أن تنطبق عليه الشروط، ثم بعض الرجال مع الأسف ليس عندهم غيرة ولا عندهم العفة المطلوبة، ولذلك تلبس زوجته ما شاءت، وتجده والله أحياناً بلحيته يمشي معها في السوق، حجابها سيئ وهو ماشٍ بجانبها، يعني: هذا الدين الذي ظهرت عليك آثاره ما تعدى نصف متر إلى التي تمشي بجانبك، لماذا؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] أختك أمك خالتك ابنتك أين المسئولية أمام الله ؟ وختاماً: أيها الإخوة نسأل الله أن يثيبنا جميعاً وأن يرحمنا جميعاً في هذا المجلس، وألا يفرق جمعنا إلا بذنبٍ مغفورٍ وعمل مبرور، ونسأله أن يجمعنا وإياكم في جنات النعيم، وأن يجعلنا إخواناً على سررٍ متقابلين، وألا يجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا وأن يجعل صدورنا سليمة لإخواننا ومشايخنا وعلمائنا، وزملائنا من المسلمين من أهل السنة أجمعين. وأشكركم على حضوركم وإنصاتكم، وأعتذر عن الإطالة عليكم، وأسأل الله أن يجمعنا في المستقبل على خيرٍ وطاعةٍ وعافية، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 5744

تصفية النفوس من الأحقاد تحدث الشيخ حفظه الله عن عظم خطر الحقد سواء على المجتمعات أو الأفراد فيما بينهم، واستعرض في ثنايا الدرس أمثلة للصحابة وغيرهم تتخذ قدوة لكل من أراد أن يرى كيف كان هؤلاء يصفحون عن غرمائهم، ثم ذكر العلاج الذي به يقضى على هذه الظاهرة التي وصفها الرسول ﷺ بالحالقة؛ لعظم ما تقوم به من فت في جسم الأمة.

стр. 5745

خطر آفة الحقد على المجتمعات اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد حتى ترضى؛ سبحانك لا إله إلا أنت، اللهم طهر قلوبنا من النفاق والغل والحقد والحسد يا رب العالمين، واجعلنا ممن يأتيك يوم القيامة بقلب سليم. إخواني! إن هناك كثيراً من الآداب المفقودة بين المسلمين، وهذه الآداب المفقودة تسبب أنواعاً من الوقوع في الإثم والعدوان، وكثيراً من الناس يستهينون بباب الأخلاق والآداب؛ مع أن باب الأخلاق والآداب من الأمور العظيمة التي هي من مزايا هذه الشريعة ومن محاسنها، وبعض الناس يهتمون بأمور المعتقد والفقه والعلم، وينسون أن هذا الدين لا بد أن يكون المسلم فيه متخلقاً بأخلاق الإسلام متأدباً بآداب الشريعة. ومن مآسينا في هذا الزمان، وفي ظل دائرة الابتعاد عن الإسلام يوجد هناك كثير من النقص والعيب، ومن ضمنه هذه الأمور المفقودة في باب الأخلاق والآداب، وهذا باب واسع جداً، وسنتكلم إن شاء الله في هذه الليلة عن واحد من هذه الأشياء التي هي مفقودة عند الكثيرين، أو موجود ضدها عند الكثيرين، ونبين إن شاء الله موقف الإسلام من هذه القضية، وكيف ينبغي على المسلم أن يفعل تجاه هذا المرض، وعنوان درسنا لهذه الليلة: تصفية النفوس من الأحقاد. الحقد مرض خطير ومتفش في هذا الزمان، وكثير من الناس يحقدون على بعضهم البعض، والحقد بين المسلمين كما ذكرنا من مآسينا في هذا العصر.

стр. 5746

معنى الحقد وما ينبني عليه الحقد من معانيه الضِّغْنُ والانطواء على البغضاء، وإمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها، أو سوء الظن في القلب على الخلائق؛ لأجل العداوة أو طلب الانتقام، والغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي فوراً رجع إلى الباطل، واحتقن في النفس فصار حقداً. والحقد من مرادفاته: الضغينة، والغل، والشحناء، والبغضاء وغيرها. وموضوع الحقد موضوع خطير جداً؛ لأنه يودي إلى مهالك، الحقد قد يتداخل مع الحسد والغضب، ولكن هناك اختلاف، فالحقد رذيلة بين رذيلتين؛ لأنه ثمرة الغضب، أي: يتولد من الغضب، وهو يثمر الحسد ويؤدي إليه، فاجتمع في الحقد أطراف الشر. والحقد حين تحليله أيها الإخوة يتبين من عناصره ما يلي: أولاً: الكراهية الشديدة والبغض العنيف. وثانياً: الرغبة في الانتقام وإنزال السوء بمن يكرهه الحاقد. وثالثاً: تخزين العنصرين السابقين في قرارة النفس، وتغذيتهما بالأوهام والتصورات والاسترجاعات المختلفة للمشاهد، مع مثيرات جديدة للكراهية والرغبة في الانتقام. تتفاعل هذه كلها تفاعلاً يأكل نفس الحاقد من الداخل، وتتغلغل هذه الدوافع في النفس تغلغلاً يسبب التآكل الداخلي والانهيار في النهاية في نفس الحاقد. ولكي نبين كيف يتولد الحقد من الغضب، نقول: إنك قد تغضب على إنسان، أو إن الشخص قد يغضب على أخيه، أو على إنسان فيريد الانتقام منه، فإذا لم يستطع أن ينتقم منه ليشفي غيظ قلبه ويثأر لنفسه، ولم يستطع أيضاً أن يصفح عنه ويسامحه؛ لأنه لا يقدر على ذلك ماذا يحدث؟

стр. 5747

آثار الحقد على الحاقد والمحقود عليه تتخزن هذه الطاقة الكريهة في النفس، ويحتقن هذا الحقد في النفس، ويظل دفيناً يتحرك ويشتعل داخلياً كلما رأيت الإنسان الذي تحقد عليه، وكلما ذكر اسمه على مسمعك، أو تذكرت شيئاً من أفعاله وأقواله، أو مشهداً من المشاهد التي حصلت فيها لهذا الشخص مواقف معك، فيتفاعل عندك هذا الخلق (الحقد). والمسألة باختصار: اختزان وإمساك العداوة والبغض في القلب واستمرار تفاعلها. وهذا المرض له آثار مدمرة على نفس الحاقد؛ لأنه يشغل القلب ويتعب الأعصاب، ويقلق البال، ويقض المضجع، وقد تظلم الدنيا في وجه الحاقد وتضيق به على سعتها، وتتغير معاملته حتى لأهله وأولاده؛ لأن الحقد يضغط عليه من كل جانب، وقد تتسع دائرة الحقد لتشمل الأبرياء كما لو كرهت امرأة زوجها لإهانته وشتمه لها وتعذيبها فقد تكره جميع الرجال، أو يظلم والد ولده ويذيقه ألوان العذاب ويقسو عليه ويحرمه ألوان العطف والحنان، فيكره الولد كل الآباء وهكذا. والحقد في الغالب يكون بين الأقران، ولذلك فالضرة تحقد على ضرتها، والفقير يحقد على الغني، وكل من سلب نعمة يحقد على من أنعم الله عليه بها وهكذا، وكل صاحب رئاسة يحقد على من ينازعه الرئاسة، وكل إنسان يحقد على من يتفوق عليه بشيء. وإذا كان للحاقد سلطة أو قوة فإنه يسعى للانتقام من كل من يظن أنه عدو له، والحاقد فيه شبه من الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١١٩] تأمل هذه الصورة الكريهة الشنيعة التي ذكرت في القرآن: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩] أي: أن هذا الحاقد المغتاظ يعض أنامله على من يحقد عليه. الحقد داء دفين ليس يحمله إلا جهول مليء النفس بالعلل مالي وللحقد يشقيني وأحمله إني إذاً لغبي فاقد الحيل سلامة الصدر أهنا لي وأرحب لي ومركب المجد أحلى لي من الزلل إن نمت نمت قرير العين ناعمها وإن صحوت فوجه السعد يبسم لي وأمتطي لمراقي الجد مركبتي لا حقد يوهن من سعيي ومن عملي فهذا التبرؤ أو هذا الشفاء من الحقد نعمة من الله ، وليس أهنأ للمرء في الحقيقة ولا أطرد لهمومه ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب بريئاً من وساوس الضغينة وثوران الأحقاد، ومستريحاً من نزعات الحقد الأعمى، فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش كما يتسرب الماء من الإناء المثلوم.

стр. 5748

حكم الحقد في الشريعة أما حكم الحقد في الشريعة فإليكموه من هذه النصوص الشرعية: قال البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد: باب الشحناء، والشحناء: هي العداوة إذا امتلأت منها النفس والبغض والحقد، قال رسول الله ﷺ : (لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا) وهذا الحديث مشهور موجود في الصحيحين وغيرهما، والشاهد منه قوله ﷺ : (لا تباغضوا) وهذا النهي للتحريم، لا يجوز لك وحرام عليك أن تبغض أخاك المسلم. قال ابن رجب ﵀ في شرح هذه اللفظة: (لا تباغضوا) نهى المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابون بينهم ولا يتباغضون. وقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم). وقد حرم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا﴾ [آل عمران:١٠٣] ولهذا المعنى حرم المشي بالنميمة، أي: لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء، وكذلك رخصت الشريعة في الكذب في الإصلاح بين الناس، لدفع الحقد والبغضاء وإزالتها من القلوب. قال ابن رجب: ورخص في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغب الله في الإصلاح بينهم كما قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] ما أعظم الأجر الإصلاح بين الناس، اكذب لكي تزيل الضغينة والبغضاء من القلوب، قل: لم يقل فيك كذا، أنا كنت حاضراً وما ذكر هذه الكلمة، اكذب فإن الكذب هنا حلال. كل ذلك من أجل أن تلتئم قلوب المؤمنين، وأن تتصافى النفوس، وأن يكون المجتمع متآخياً مترابطاً على هدي هذه الشريعة.

стр. 5749

عناية الإسلام بإزالة الضغائن من القلوب والإسلام يتعاهد النفوس ليغسلها من أدران الحقد يومياً وأسبوعياً وفي كل عام، أما بالنسبة ليومياً فهناك حديث نذكره هنا مع اختلاف العلماء في صحته لنستشهد به في هذا الباب، وهذا الباب على أية حال ليس من أبواب الاعتقاد ولا الحلال والحرام، قال النبي ﵊: (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رءوسهم شبراً: رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان) متقاطعان متدابران متهاجران متفارقان متكارهان، رواه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال العلامة الألباني: فيه عبيدة، قال ابن حبان في الثقات: يعتبر حديثه إذا بين السماع وهو لم يبين السماع، فهذه العلة التي ذكرها، والشاهد من الحديث: قوله: (أخوان متصارمان) لا ترفع صلاتهم فوق رءوسهم شبراً. أما بالنسبة لأسبوعياً: قال ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁: (تعرض أعمال العباد في كل جمعة مرتين، يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبداً بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا) والآن تصور معي، في كل أسبوع تعرض الأعمال على الله، يغفر الله للمؤمنين إلا من بينه وبين أخيه شحناء فلا مغفرة، لهما، للشحناء. وفي رواية أيضاً لـ مسلم: (تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين والخميس، فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أَنِظروا هذين حتى يصطلحا) فكم يفوته من الأجر العظيم كل أسبوع مرتين! يومان في الأسبوع الإثنين والخميس، يقال: (أنظروا هذين حتى يصطلحا) لا مغفرة لهذين حتى يصطلحا، حتى يفيئا. إذاً: لا يجوز لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. وبالنسبة للشيء السنوي لموضوع الأحقاد، لاحظ معي الحديث: (إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله إلى خلقه فيغفر للمؤمنين ويملي للكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه) ويدع أهل الحقد بحقدهم لا مغفرة لهم حتى يدعوا الحقد، وحتى يخرجوا البغضاء من قلوبهم، حتى يتصافوا ويكونوا إخواناً كما أمر الله، وفي رواية: (فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) المشرك ليس له مغفرة، والمشاحن ليس له مغفرة، تباً لهم على ما حرموا من هذا الخير العظيم وهذه المغفرة العظيمة بسبب الحقد والشحناء. هذا في الأسبوع يومان وكل سنة، فقضية الأحقاد موقوف أصحابها عند رب العالمين، لا مغفرة لهم، فالمسألة جادة أيها الإخوة.

стр. 5750

أثر تفشي الحقد على المجتمع قال النبي ﷺ مبيناً خطورة الحقد أيضاً: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين) لأن الصيام والصلاة والصدقة عبادات عظيمة، وإصلاح ذات البين نفعه متعد منتشر، وقال: (فإن فساد ذات البين) وتفسد ذات البين بالحقد والبغضاء والشحناء، قال: (إياكم وسوء ذات البين فإنه الحالقة) وفي الرواية الأولى: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة) ما هي الحالقة؟ التي تحلق الإيمان كما تحلق الموسى شعر الرأس. وقال أبو الدرداء: [ألا أحدثكم بما هو خير لكم من الصدقة والصيام؟ صلاح ذات البين، ألا وإن البغض هي الحالقة]. الحالقة: هي الماحية للثواب، ولذلك ورد في الرواية الأخرى: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، هي الحالقة؛ حالقة الدين لا حالقة الشعر) على علة في إسناده، فحالقة الدين تحلق الدين كما تحلق الموسى الشعر، وسميت داء لأنها داء القلب، والحقد يؤدي إلى ثمانية أشياء: ١ - تمني زوال النعمة على من تحقد عليه. ٢ - الشماتة به إذا أصابه البلاء. ٣ - مهاجرته ومصارمته وإن طلبك. ٤ - الإعراض عنه استصغاراً له. ٥ - التكلم بالكذب والغيبة وإفشاء السر وهتك الستر في حقه. ٦ - محاكاته استهزاءً به وسخرية منه. ٧ - إيذاؤه وإيلامه بما يؤذي ويؤلم بدنه من ضرب وغيره. ٨ - التمنع عن حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة، هذا كله من شؤم الحقد وما يؤدي إليه الحقد. كما جاء في دعاء مأثور: [اللهم إني أعوذ بك من خليل ماكر عيناه ترياني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها] أما مرفوعاً فلا يصح، ولكن المعنى في هذا [الخليل الماكر عيناه ترياني وقلبه يرعاني إن رأى حسنة دفنها وإن رأى سيئة أذاعها] هذه صفات الحاقد، إذا رأى حسنة كتمها وإذا رأى سيئة نشرها. وصدور المؤمنين يا أيها المؤمنون لا محل لحقد فيها، لأن الأصل في صدورهم أنها سليمة مملوءة بالمحبة وإرادة الخير للآخرين، فلا مجال للغل فيها، وإن مرت الكراهية والبغضاء الموجودة بسبب فإنها تمر مرور عابر السبيل، لا يجد مكاناً يستقر، وهكذا العوارض الغريبة تنطرد من الوسط الذي لا يتقبلها.

стр. 5751

نقاء قلوب الرعيل الأول تأمل كيف أثنى الله على المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان قال الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] هذا الفيء لمن؟ للفقراء المهاجرين الذين أصابهم ما أصابهم في سبيل الله وصبروا أولئك هم الصادقون ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:٩] ما هي الدار؟ المدينة، من الذي تبوأها قبل المهاجرين؟ الأنصار ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩] لا يجد الأنصار في صدورهم حقداً ولا حسداً على المهاجرين من الفضل الذي أوتيه المهاجرون، فإن المهاجرين أفضل، لكن الأنصار ما حسدوهم على هذه الأفضلية: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] والذين جاءوا من بعدهم وساروا على هديهم، الذين جاءوا من بعدهم هم التابعون بإحسان: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] وهنا يأتي الشاهد الآن: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] هذا من دعاء التابعين بإحسان، نسأل الله أن يجعلنا منهم (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] لا تجعل في قلوبنا بغضاء ولا حقداً ولا حسداً ولا غلاً للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].

стр. 5752

علو أخلاق الأنبياء ولقد ضرب يوسف ﵇ مثلاً عالياً جداً في رفض الحقد من نفسه، تصور وتأمل فيما فعل مما فيه دلالة على عظم خلقه ومنزلته نبوته، لقد ظلمه إخوانه ظلماً بيناً عظيماً، حقدوا عليه فماذا فعلوا به؟ حسدوه على عظم المنزلة من أبيه، ظلموه ظلماً عظيماً، أخذوه من بين أبيه وأمه، وأغلظوا له واجتمعوا حوله في العراء لم يردعهم صغر سنه، ولا الغربة والوحشة التي سيكون فيها، ولا توصية أبيهم لهم، حرموه من أبيه وأمه وأخيه الأصغر وألقوه في غيابة الجب في ظلامته ووحدته ووحشته بلا أنيس، على شفا هلكة، يصرخ ولا يجاب، ما في قلوبهم رحمة في تلك اللحظات، وكانوا سبباً في بيعه واستعباده، صار عبداً ذليلاً وقد كان حراً عند أبيه: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند وليس من اليسير على النفس أن تنتقل من حال الحرية إلى حال الذل والعبودية، ولكن ألقوه في غيابة الجب، وصاروا سبباً في بيعه في سوق مصر -سوق النخاسة- واشتري عبداً ذليلاً، ثم كانت هذه الغربة سبباً في ابتلائه ووقوعه في السجن؛ لأنه لما وقع في قوم لا يعرفون قدره كادوا له وسجنوه، والمسألة كلها متسلسلة؛ هذه الأذية من الأذية الأولى وهي إلقاء إخوته له في الجب، لما حسدوه حقدوا عليه وفعلوا ما فعلوا، هذه الأفعال في الشخص العادي ماذا تورث؟ المتوقع أن تورث الحقد الأسود الدفين عليهم، لكن نفس النبي تأبى هذا، والقلب الصافي لا يمكن أن يحقد، ولذلك لما قدر عليهم سامحهم، والمتوقع الآن إنزال أقصى درجات العقوبة بهؤلاء، ولكنه لما قدر عليهم قال لهم: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] هذه أخلاق الأنبياء. فإذاً: عندما تتوالى دواعي الحقد في نفس الإنسان ويظلم من أقرب الناس إليه، ثم لا يحقد، معناها أنه صاحب دين وإيمان. وسلامة الصدر يا عباد الله! مسألة عظيمة فضلها كبير، وإليكم بعض ما ورد من الأحاديث في مسألة سلامة الصدر: روى ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله ﷺ : (أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب) مخموم القلب: يقال: خممت الشيء إذا كنسته، وخممت البيت إذا كنسته، مخموم القلب أي أنه يزيل ما علق بقلبه أول بأول، مثلما تكنس البيت وتزيل ما به من النجاسات والقاذورات. (كل مخموم القلب، صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد) حديث صحيح. وفي رواية: (خير الناس ذو القلب المخموم الذي يَود ويُود، واللسان الصدوق، قيل وما هو؟ قال: التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد، قيل: فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قيل: فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن) أعلى الدرجات القلب المخموم الذي لا غل فيه ولا حسد.

стр. 5753

عظم أجر العبد النقي القلب وقد بلغ رجل من الصحابة أن يكون مبشراً بالجنة وهو في الدنيا بسبب هذه الخصلة وهي سلامة الصدر، في هذه القصة العظيمة التي رواها الإمام أحمد وغيره ﵀ وهو حديث صحيح، عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي ﷺ مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له: إني لاحيت أبي -أي: خاصمت أبي- فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس راوي الحديث: وكان عبد الله -أي ابن عمرو - يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه إذا تعارَّ -استيقظ أثناء الليل- وتقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً فلما مضت الثلاث ليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله! إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر) أي: أني لم أخاصم أبي، ولا لاحيت أبي، وهنا إما أن يكون عبد الله بن عمرو استخدم التورية، أو أنه كذب لتعلم مصلحة شيء، والكذبة ليس فيها ضرر على أحد، المهم لها تخريج. قال: (يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فكنت أنت في المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك لكي أنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل). أي: أنا بصراحة ما رأيت منك زيادة، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ﷺ . فقال الرجل: قيل إنه سعد بن مالك الأنصاري في رواية في سندها ضعف، فقال الرجل: (ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق). هذه الخصلة التي جعلتك مبشراً بالجنة وأنت في الدنيا ونحن ما نطيق مثل هذا، إذاً رجل لا يبيت إلا وصدره سليم للمسلمين، ما عنده غش ولا حقد على أحد، ولا حسد لأحد من المسلمين.

стр. 5754

سلامة صدور الصحابة رغم نزاعاتهم الدنيوية وبقية صحابة النبي ﵊ مهما حصل بينهم من خلاف كانوا إلى المصافاة مسارعين، وإلى الأخوة وعودتها إليهم كانوا مبتغين، قال علي ﵁: [إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]]. وفي رواية: دخل عمران بن طلحة بن عبيد الله على علي، معلوم أن طلحة خرج في الجمل ضد علي، الصحابة اجتهدوا في فتنة نمسك ألسنتنا عنها، بعدما فرغ من أصحاب الجمل دخل ابن طلحة على علي، فرحب به، يقول علي لـ عمران بن طلحة: [إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]]. وجاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁ فحجبه طويلاً، فكان ابن جرموز يحتج: أما أهل البلاء فتجفوهم، فقال علي: بفيك التراب، لأن النبي ﵊ قال: (بشر قاتل ابن صفية بالنار) فـ ابن جرموز قتل الزبير، مع أن الزبير اعتزل وخرج ما رضي أن يشترك في المعركة، لكن هذا عمد إليه فقتله، فـ الزبير بن العوام حواري النبي ﷺ قال علي لـ ابن جرموز: [بفيك التراب، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله: ((وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ))]. هذه بعض الروايات التي ساقها ابن جرير بأسانيده ﵀ وفي بعضها انقطاع، والشاهد العام منها يشهد بعضهم لبعض أن علياً ﵁ كان يقول: [إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾] مهما حصل بينهم من خلاف فكانوا يفيئون ويرجعون. وهذا مثل آخر ساقه الذهبي في سير أعلام النبلاء قال زيد بن أسلم: [دخل على أبي دجانة وهو مريض وكان وجهه يتهلل، فقيل له: مال وجهك يتهلل؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من اثنتين كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني -والأخرى- وكان قلبي للمسلمين سليماً]. ودرج على هذا الأئمة الأعلام والعلماء العاملون، والصلحاء والأخيار من هذه الأمة، يطهرون قلوبهم من كل حقد وحسد، ولا يجعلون له موضعاً في نفوسهم، مهما حصل فكانوا يسامحون ويغفرون، وهذا مثل من المتأخرين:

стр. 5755

الشيرازي وإحسان ظنه بالمسلمين قال الذهبي ﵀ في ترجمة الإمام القدوة المجتهد أبي إسحاق الشيرازي قال: وقيل: إن أبا إسحاق نزع عمامته وكانت بعشرين ديناراً -عمامة نفيسة- وتوضأ في دجلة فجاء لص فأخذها وترك عمامة رديئة بدلاً منها فطلع الشيخ فلبسها وما شعر، حتى سألوه وهو يدرس -أي أنهم أشعروه- فقال بكل بساطة: لعل الذي أخذها محتاج. ولأن الجنة لا يصلح أن يدخلها إلا من كان قلبه سليماً نظيفاً تماماً، فإن الله لا يدخل أهل الجنة الجنة إلا بعد أن ينقوا ويهذبوا وتكون صدورهم سليمة، كما قال الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف:٤٣] وفي آية أخرى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] وذكرنا الآية التي فيها دعاء المؤمنين: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]. يقول ﵊ مبيناً صفة أهل الجنة: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين على إثرهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد) أهل الجنة إذاً أيها الإخوة لا اختلاف بينهم ولا تباغض ولا تحاسد، هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما. لو واحد قال: هل يمكن ألا يقع بين إنسان مسلم وأخيه أي نوع من أنواع الخصام؟ هذا يؤذيك بكلمة، وهذا يجرحك بتصرف، والإنسان نفسه حساسة تتأثر، نحن بشر نقول: نعم، هذا لا يمكن في الواقع، نعم نحن مطالبون ألا نغضب وأن نكظم الغيظ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] لكن لا يستطيع الإنسان في الحقيقة ألا يحزن ولا يغضب من أي تصرف مهما حصل من أي واحد، لا يمكن، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم كان بعضهم يجد على أخيه في نفسه، وإليك هذا المثل من صحيح البخاري ﵀:

стр. 5756

عمر يعرض حفصة للزواج لما تأيمت حفصة من زوجها بـ المدينة، قال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، طبعاً هذا من عادة المجتمع الأول في بساطته ونظافته وسعيهم للعفاف، أن كان الرجل يعرض بنته على من يراه مناسباً، ليس عيباً أبداً وليس فيها شيء مطلقاً، بخلاف حساسية الناس اليوم، يقولون: عيب أن تعرض أختك أو ابنتك على واحد صالح، ويقولون: هل هذه البنت يعني قطعة قماش أو سيارة تعرضها أو سلعة، والحقيقة أنهم لا يفهمون ولا يعقلون. قال: فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، يفكر، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال عثمان: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، وعمر لا يقول تعال أريد واحد غير متزوج، لا، هو يعرض ابنته على رجل دين فقط، عثمان متزوج قبلها، قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إلي شيئاً، قال عمر -وهذا هو الشاهد- وكنت أوجد عليه مني على عثمان، لأنه لا اعتذر ولا وافق هذه القصة لها تتمة مهمة، سوف نذكرها بعد قليل إن شاء الله. لكن الشاهد: أن الصحابة كان يحصل بينهم مواقف، يجد الإنسان فيها على أخيه، لكن ما ينام إلا ونفسه طيبة، لا يدوم غضب الإنسان على أخيه، سرعان ما يفيئون ويتغافرون. فإذاًَ أيها الإخوة، يصعب أن نقول: لا يمكن لإنسان أن يغضب من تصرف أخيه أبداً، هذا شيء غير واقعي، ومهما حاولت فلا بد أن تفاجئ يوماً من الأيام بتصرف يغضبك، أو كلمة تجرحك.

стр. 5757

الفرق بين الموجدة والحقد لكن ما هو الفرق بين الموجدة وبين الحقد؟ ذكر ابن القيم ﵀ في آخر كتاب الروح في مباحث الفروق، الفرق بين الموجدة والحقد، فقال من الفروق: الأول: الموجدة: الإحساس بمؤلم والعلم به وتحرك النفس في رفعه، فإذا لم تتألم لتصرف يغضبك فليس عندك إحساس، وطبيعي أن تتألم. أما الحقد فهو إضمار الشر وتوقعه في كل وقت، فلا يزايل القلب أثره. الثاني: الموجدة سريعة الزوال والحقد بطيء الزوال لا يكاد يزول. الثالث: والحقد لما يناله منك، أما الموجدة لما ينالك أنت منه. الرابع: والحقد يجيء مع ضيق القلب، واستيلاء ظلمة النفس ودخانها على القلب، وأما الموجدة تجد الإنسان يجرح ويتألم مع قوة قلبه وصلابته ونوره وإحساسه. الخامس: أكثر الفروق وضوحاً: أن الموجدة تأتي في النفس بأثر ثم يزول بسرعة، الحقد أثره يتفاعل ويزيد ويستقر في القلب، هذا الحقد. هنا قد يطرح سؤال، وهو: هل يوجد حقد شرعي؟ الجواب إن تغير نفس المسلم واحتداده عند رؤية منكر أمر مطلوب، وهناك حقد شرعي أيضاً مطلوب من المسلم، أما بالنسبة لتغير النفس والاحتداد عند رؤية المنكر فله شواهد كثيرة، ومن ذلك: ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر ﵁: (أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد) النخامة والنخاعة إحداهما تنزل من الرأس والثانية تخرج من الصدر، هذا الفرق بين النخامة والنخاعة، ومنه البلغم (رأى نخامة النبي ﵊ في قبلة المسجد، فتغيظ ﵊ وقال: إن الله قِبل أحدكم) يعني في الصلاة، الله ينصب وجهه إلى وجه عبده، (فإذا كان في صلاته فلا يبزقن، أو قال فلا يتنخمن، ثم نزل فحتها بيديه) أزالها ﵊ بيده الشريفة، هذا تواضع منه ﷺ في إزالة الأوساخ من المسجد، وهذا فيه دليل على إزالة الأوساخ من المسجد، فحتها بيديه. وقال ابن عمر ﵁: [إذا بزق أحدكم فليبزق عن يساره] إذاً لو إنسان احتاج البصاق في الصلاة يبصق عن يساره لا عن يمينه لأن عن يمينه ملكاً، ولا يبصق أمامه لأن الله ينصب وجهه لوجه عبده في الصلاة، (من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه) كما ورد في الحديث الصحيح.

стр. 5758

كيفية توجيه طاقة الحقد ما هو الحقد الذي يجب علينا أن نحقده ما هو مجاله؟ الحقد أيها الإخوة طاقة في النفس البشرية ينبغي أن توجه، مثل الكره والبغض، والحقد طاقة ينبغي أن توجه إلى وجهتها الصحيحة. فنحن يجب علينا أن نحقد على الكفرة، والذي ما عنده حقد على الكفرة المجرمين الذين يسومون المسلمين سوء العذاب ما عنده إيمان، إي نعم، يجب أن نحقد على الكفرة الذين يحاربوننا في الدين، الله ذكر من فوائد الجهاد: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥] ما ذمهم على أن عندهم غيظاً وحقداً في صدورهم على الكفرة، كفرة قاتلونا وقتلوا منا وارتكبوا الفظائع ثم لا نحقد عليهم، ليس فينا دين إن لم نحقد، عليهم إذاً ليس فينا دين، لا يمكن أن ننسى الحقد على اليهود الذين فعلوا فينا الأفاعيل، وسلبوا مسجدنا، وقتلوا رجالنا، وانتهكوا أعراض نسائنا، وذبحوا أطفالنا، وارتكبوا كل الجرائم، حتى إدخال الفيروسات ونقل الأمراض المعدية السارية وضعت في خزانات المياه التي يشرب منها المسلمون إلى آخره. لا يمكن أن ننسى حقدنا عليهم مطلقاً، لا يمكن أن ننسى الحقد على النصارى الذين يسومون إخواننا ألوان العذاب الآن في بلاد البوسنة وغيرها عندما تسمع أن الصرب قتلوا شوهوا قطعوا الأعضاء واغتصبوا النساء، امرأة تتعرض لثلاثة وثلاثين اغتصاباً في يوم واحد، ويقطعون قطعة من جلد المسلم ويجبرونه على أكلها وهو لا يزال على قيد الحياة، والكروات النصارى الخونة يجبرون العجائز من المسلمين أن يرمين بأنفسهن من الطوابق العليا في المباني ثم يتدربون على إطلاق الرصاص عليهن في الهواء، فإذا وصلت المرأة إلى الأرض جثة هامدة أرغموا طفلها أن يصعد على بطنها ويقفز لتخرج الأمعاء من البطن، وبعد ذلك لا نحقد عليهم، ليس فينا خير ولا دين. وإذا لم نحقد على الهندوس الذين يحرقون إخواننا وهم أحياء، وعلى الشيوعيين في طاجكستان الذين يقطعون آذان المسلمين، هناك مسلمون الآن يمشون بدون آذان، وعشرات آلاف وميت الجثث في النهر حتى صار النهر لونه أحمر، وهلك أعداد من المسلمين في الصقيع، إذا كنا لا نحقد على أمثال هؤلاء فلا خير فينا. فالحقد في نفوسنا على الكفار باق موجود: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥] نحن ننتظر يوماً نشفي فيه صدور إخواننا أصحاب هذه المصائب، ونحن إخوانهم في الدين نشاطرهم المصيبة، ونشاركهم الشعور بالمأساة، وإلا فلا دين فينا ولا خير، والذين يدعون اليوم للسلام العالمي ويقولون: نتطلع إلى عالم لا يوجد فيه أحقاد، هؤلاء مجرمون كفرة؛ لأنهم يريدون بذلك إلغاء الجهاد والقضاء عليه، ويريدون منا أن نتسامح مع الكفرة الذين نكلوا بنا وبإخواننا، أسروا من أسروا، وقطعوا عيش من قطعوا، ورملوا نساءنا، ويتموا أطفالنا، وألقوا بالمسلمين في السجون، ثم يقولون: نتطلع إلى عالم لا أحقاد فيه، وينادون بمبدأ الأخوة الإنسانية البشرية، الكفرة المجرمون يريدون هدم الدين والشريعة، متى يحل السلام العالمي؟! متى يحل السلام في العالم؟! متى؟!

стр. 5759

متى يحل السلام ويزول الحقد والله العظيم لن يحل السلام في العالم إلا عندما ينزل المسيح ابن مريم، وقبل ذلك كله جهاد، ليس هناك شيء اسمه ترك الحقد على الكفار، ما تزول الأحقاد نهائياً من الأرض إلا اسمع معي: (والله لينزلن ابن مريم فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد) وفي رواية أخرى صحيحة أيضاً: (فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، يدك الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية) لماذا يضع الجزية؟ لأنه ما بقي في الأرض كافر، ما يقبل من اليهود والنصارى وغيرهم إلا الإسلام أو القتل، فلما لا يبقى هناك غير الإسلام وكل الأرض مسلمة، فلا جزية. (ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة -حتى العقرب ما تلسع، وليس لها سم- حتى يدخل الوليد يده في فيّ الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسدة فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم -هذا السلام العالمي متى سيحدث؟ بالنص- وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة -لا إله إلا الله- وتضع الحرب أوزارها). هذا السلام العالمي وانتهاء القتال من الأرض وانتهاء الجهاد، بهذه القضية، بعد الدجال ويأجوج ومأجوج وقتال واليهود، بعد انتهاء كل الملاحم وقتال الروم وتصفية كل الكفار من الأرض عند ذلك تضع الحرب أوزارها، أما قبل ذلك فإن الجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة، ومبدأ اسمه مبدأ السلام العالمي لا يمكن أن يحصل، والله -غير حانث- لا يمكن أن يحصل، لأن المسلمين قلوبهم على الكفرة مملوءة، والظلم وعلى المسلمين حاصل، والثأر من الكفرة واجب، لا بد أن يحصل، والجهاد ماض إلى قيام الساعة.

стр. 5760

علاج الحقد أما بالنسبة لنقلة أخرى في الموضوع: إلى معالجة البغض والحقد والشحناء. فإن علاج هذا الداء لا بد أن تكون بقلب المؤمن المستنير بنور ربه على هدي من الكتاب والسنة، مع الأسف عندما ندير رءوسنا ونقلب أبصارنا في بعض مجتمعات المسلمين، حتى المجتمعات التي فيها أشياء من الخير فإن هذه الأوساط لا تخلو من الحقد، ونسمع دائماً وباستمرار عن بعض الذين يدعون الدعوة إلى الله ويدعون العلم وهم يثيرون الفتن والأحقاد في المسلمين على المسلمين، وتسمع الطعن والازدراء والانتقاص والاحتقار من المسلم لأخيه المسلم. وهذا دافعه أمران: التعصب والحسد، واتباع الهوى الرائد والقائد لهذا، نفوس مريضة تثير الأحقاد على المسلمين -مع الأسف- بأسماء المسلمين، يتسترون بلباس الدعوة والعلم وهم ينفثون كيدهم وسمومهم في نفوس أهل المجالس لكي يحملوا النفوس ويشحنوها بالحقد على العلماء وعلى الدعاة إلى الله وطلبة العلم.

стр. 5761

حقيقة البغض في الله من أسباب البغضاء في هذه الأوساط، قال ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم: ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين -هذا نقل مهم- وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله. ويطيش وينزل على المسلمين ويفت بلسانه في أعراضهم، ويأكل من لحوم المسلمين، ويقول القضية بغض في الله. يقول ابن رجب: ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذوراً وقد لا يكون معذوراً، بل يكون متبعاً لهواه مقصراً في البحث عما يبغض عليه. أي: لابد أن في تفكر سبب البغض، أنت الآن تبغض فما هو سبب البغض؟ قل لي: إذا كان مجرم فما هو الدليل على إجرامه؟ إذا كنت ترميه بالبدعة ما هو الدليل الشرعي على بدعيته؟ إذا كنت تقول إنه صاحب فواحش وجرائم فأورد جرائمه وفواحشه. قال ابن رجب: فإن كثيراً من البغض إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعاً، وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرد الهوى والألفة والعادة. خالفت شيخي أنا أبغضك، لماذا يميل إلى شيخه؟ مجرد الهوى أو الألفة والعادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه، وأن يتحرز من هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه. لاحظ معي واحد مثلاً اضطربت به الأمور قال: ما أدرى هذا فلان أبغضه أو لا؟ هذا الأمر يبغض عليه أو لا يبغض عليه؟ قال ابن رجب: فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم. هذا كلامه النفيس ساقه في شرح الحديث الخامس والثلاثين في كتاب جامع العلوم والحكم. إذاً: اسأل نفسك إذا أنت شعرت ببغض لواحد من المسلمين: ما هو سبب بغضي لفلان؟ وما هي شرعية هذا الإحساس؟ وما هي الأسباب؟ ونحن ينبغي أن ننصح أنفسنا أيها الإخوة وخصوصاً الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، قد يظهر منه نوع من التدين لكن عنده بغض أو حقد موجود ومتأصل في نفسه، يمكن أن يمنع نفسه من الزنا ومن الفواحش ولا يمكن أن يمنع نفسه من الحقد والبغض، ونحن نعلم أنه لن ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله بقلب سليم؛ سليم من الشرك والشبهات والشكوك والحقد والغل والحسد والبغضاء.

стр. 5762

تجنب المجالس التي يدار فيها الحقد ومن الوسائل المعينة على عدم الوقوع في الحقد والحيلولة دون دخوله إلى النفس: تجنب مجالس العناصر الحاقدة التي تثير الحقد على الإسلام وأهله. الذين لا همَّ لهم إلا فري اللسان في أعراض العباد، استهوتهم الشياطين فتركوا اليهود والنصارى وكفرة الديلم والفرس والمرتدين، وأصحاب التغريب والمبتدعة والزنادقة ليقعوا في أعراض المسلمين، فويل لهم مما تلوك ألسنتهم وويل لهم مما يكسبون. ومن العلاجات المهمة والأمور التي ينبغي الحرص عليها: ألا تسمح لمن يتكلم في إخوانك. سد فاه واطرده من المجلس، أو قم عنه، لا تسمح لمن يتكلم في العلماء الثقات، ولحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الانتقام من منتقصيهم معلومة، ولا تسمح لمن يتكلم في الدعاة إلى الله على المنهج الصحيح، وطلبة العلم الذين يطلبون علم الكتاب والسنة، ولو أخطأ أحد أهل العلم فقل: يغفر الله له، حذيفة لما قتلوا أباه قال: يغفر الله لهم. وكذلك من العلاجات المهمة: ألا تنقل كلاماً على إخوانك في الله. لا تنقل كلاماً من شخص إلى شخص آخر، فهذه نميمة، وقد يكون مخطأ؛ لكن اترك النقل فإنه يضر، وهناك حديث في مسند أحمد وأبي داود والترمذي والبغوي والبيهقي وغيرهم قال ﵊: (لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) قال أحمد شاكر في تحقيق المسند: إسناده حسن على الأقل على بحثهم فيه. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع.

стр. 5763

الزيارات الإيمانية ومن العلاجات التي تساعد على إزالة الأحقاد: إذا حصل بينك وبين أخيك شحناء أو بغضاء أو عداوة؛ أولاً: قم بزيارته. (وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ) زره في الله، الزيارة تقرب، ولو ما أزالت الشحناء كلها تزيل بعضها. ثانياً: المصارحة: والمصارحة تحدث بالزيارة واللقاء، إذاً أنت إذا سعيت إلى اللقاء به وزيارته فذلك من علاجات قضية الموجدة التي يجدها أحدنا في نفسه على أخيه. ولنعد إلى قصة أبي بكر وعمر لنرى قضية المصارحة، وكنا قد تركناكم عند قول عمر: (وكنت أوجد عليه مني على عثمان، قال عمر: فلبثت ليالي -بعد كلامه مع أبي بكر الصديق - ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر -لاحظ الكلام الآن مذهل- فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك، وجدت في نفسي عليك، قال أبو بكر ﵁: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها -أي: وصلني خبر خاص أن النبي ﷺ ذكر حفصة، أي: أنه يريد أن يتقدم لـ حفصة - فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها لقبلتها) هل بقي في نفس عمر شيء، فالمصارحة مهمة. وكذلك من علاجات إزالة الأحقاد: الاعتذار والمعاتبة وهما علاجان مهمان. المعاتبة ممن أخطأ عليه، يعاتب أخاه، يقول له: يا أخي! أخطأت عليَّ وقد وجدت في نفسي عليك لما فعلت كذا وكذا، وأنا من باب المصارحة والمفاتحة، ولا أريد أن يبقى في نفسي شيء أطلب منك أن تبرر لفعلك، لا تكتم؛ لأن الكتمان باب الحقد، أول ما تكتم هذا في نفسك يزيد مع الزمن ويزيد، وكل تصرف زيادة نقطة في الإناء حتى يطفح قلبك بالحقد على أخيك، لا تكتم المسألة حتى تنفجر، صارح أولاً بأول، وعاتب يا أخي، فالمعاتبة مهمة. وهناك فرق بين العتاب والتوبيخ، لا توبخ وتعنف ولكن عاتب، العتاب: كلام لطيف بأسلوب مؤدب، مفاتحة تبين لأخيك ما وقع منه تجاهك مما لا يرضيه، ومما أغضبك وآلمك. وأما التوبيخ: فهو سب وتعنيف وتشهير وتقذيع في الألفاظ فلا يزيد الأمر إلا تعقيداً، ولا يزيد صدر أخيك عليك إلا إيغاراً، ولا يحل المشكلة.

стр. 5764

الاعتذار لمن أخطأ وكذلك من العلاجات: الاعتذار لمن أخطأ. لو أن رجلاً عاتبك وأنت عرفت أنك مخطأ ماذا تفعل؟ اعتذر يا أخي، وقل: سامحني، لعلي أغضبتك فسامحني، لم أكن أقصد إغضابك، إنما هي زلة لسان، والله ليس من قلبي أني فعلت كذا، أو لم أقصد هذا الظن الذي أنت ظننته، لم أقصد بتصرفي هذا كذا، وإذا أنت أخطأت اعتذر وبين موقفك، فالاعتذار مهم. ويوجد فن مهم يذكره العلماء وهو من أبواب الأخلاق والآداب: باب: العفو والاعتذار، وهذا الباب مهم جداً أن يطرح لعلاج الأشياء التي تكون بين الإخوة، لعلنا إن شاء الله نأتي عليه، هذا العفو والاعتذار في محاضرة قادمة، لأن المحاضرة القادمة لعلها تكون عن العفو والاعتذار بين الإخوة، لأن هذا الموضوع حساس ويزيل كثيراً من الإشكالات. ونقول كذلك من العلاجات: قدم هدية وفي الحديث: (تهادوا تحابوا) والمحبة تزيل الحقد وتزيل العداوة والبغضاء. وأخيراً: الدعاء. قال النبي ﷺ في دعائه: (ربي تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي) السخيمة: هي الحقد في النفس، فمن دعائه ﷺ : (واسلل سخيمة قلبي) ونسأل الله أن يسلّ سخائم قلوبنا، وأن يجعلنا سلماً لأوليائه حرباً على أعدائه، وأن يجعل صدورنا وقلوبنا سليمة للمسلمين، لا غش ولا بغي فيها ولا حقد ولا حسد. اللهم اجعلنا من عبادك الأتقياء الأنقياء الأخفياء، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 5765

الأسئلة

стр. 5766

العفو خير من الاقتصاص يوم القيامة السؤال شخص أخطأ عليَّ وأريد الاقتصاص منه يوم القيامة؟ الجواب إذا كنت لن تحمل في نفسك عليه، نعم. لكن لاحظ يا أخي أنك لو عفوت لكان أجرك أعظم: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] بعض الناس يقول: لن أسامحه لآخذ من حسناته، هناك أمر أهم وأعظم وأحسن، إذا عفوت عنه فأجر العفو أكثر من الحسنات التي ستأخذها منه، اعف عنه والله سيعطيك على عفوك من الحسنات أكثر من التي سوف تأخذها يوم القيامة.

стр. 5767

الفرق بين حب الرئاسة وطلبها السؤال هل معنى الكلام الذي ذكرته في المحاضرة الماضية أن الشاب الملتزم أو المرأة، أو الشخص المسلم إذا حانت له فرصة رئاسة أو وظيفة فيها رئاسة يستطيع فيها أن يصلح الأوضاع، ويغير المنكرات، ويمنع عدواً للإسلام وأهله من الوصول إلى هذا المركز، هل معنى المحاضرة السابقة أن يترك المنصب من أجل خطورة حب الرئاسة وخطورة الرئاسة؟ الجواب الحقيقة أني قد أجبت على هذا الإشكال أو هذا السؤال في المحاضرة الماضية عندما قلت: إذا كان يخشى أن يدخل في المنصب عدو من أعداء الله يضر المسلمين يجب عليك أن تتقدم أنت إلى المنصب وتقطع عليه الطريق، وقلت أيضاً: إن الذي يستطيع أن ينفع المسلمين بمنصب يصل إليه فيدرأ عنهم شراً ويجلب لهم خيراً، وهو أحسن من يوجد، وممن يمكن أن يصل إلى هذا المنصب، فعليه أن يدخل فيه، وتكلمنا عن قضية يوسف ﵇ ووضحنا أيها الإخوة، فأرجو أن لا يكون هناك لبس في هذه المسألة أبداً، أنا لا أزهد الإخوان الذين يستطيعون أن يصلوا إلى مناصب ويعملوا فيها الخير، ويدرءوا عنها الشر، ويقطعوا بها الطريق على أعداء الله، لا أزهدهم فيها أبداً، بل أقول: هو من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإلا أثمنا كلنا، كل من يستطيع أن يفعل شيئاً ولا يفعله فهو آثم. فإذاً التزهيد في الرئاسة التي تجلب الضرر، والتي يكون فيها ظلم لإخوانك، والتي يكون فيها غمط لأصحاب الحقوق، والتي يكون من هو أفضل منك وتنافسه عليها، اسمع مني هذا الكلام: حب الرئاسة المذموم من أحواله أن يكون هناك من هو أفضل منك وأحسن وأنفع وأعلم وأتقى، فتنافسه عليها، بل يجب أن تقدمه هو، ولا يأخذنك حب الرئاسة فيحملك على منافسته والسعي لأخذ الوظيفة منه أو المنصب أو الدرجة، لو وصل إليها لنفع الإسلام أكثر منك، عنده قدرات وتقوى وعلم أكثر، هذا الذي يقدم، أما لو تنازعت الأمور فصرنا بين تقي ضعيف وفاجر قوي فننظر إذا كانت مصلحة المسلمين في تقديم من فيه فسق لنفسه، وهو قوي ينفع الإسلام، والتقي ضعيف لا ينفع الإسلام، مثل أمير الجهاد. كما تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، إذا كنا مخيرين بين اثنين واحد قوي يكون من أسباب النصر ولكن فيه فسق، والثاني تقي لكنه ضعيف لا يحصل الانتصار به وليس من أسباب النصر، في هذه الحالة مصلحة المسلمين في تقديم الأقوى مع فسقه؛ فإن فسقه على نفسه من أجل مصلحة المسلمين العامة، ولذلك يقول عمر ﵁: [اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة] يأتي واحد قوي يملأ المكان وثقة عاجز دائماً، الذي يملأ المكان فيه فجور، وهذا الذي عنده تقوى ضعيف، فهنا المسألة مسألة موازنات يصل إليها أولو الألباب.

стр. 5768

حكم راتب إمام المسجد السؤال أنا مرشح لإمامة مسجد، وأنا سوف أستلم على الإمامة راتباً؟ الجواب الإمامة أيضاً يدخل فيها حب الرئاسة، فتجد بعض الناس وأحياناً مع الأسف بعض الدعاة إلى الله يتنافسون على الإمامة، مع أن الشريعة وضعت ضوابط يقول: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) كيف نتنافس عليها نحن؟ الأعلم والأحفظ هو الذي يتقدم، الذي يعرف كيف يصلي، يعرف أركان الصلاة وواجباتها وشروطها وماذا يفعل، وسجود السهو وغير ذلك، والفتح من المأموم على الإمام، كيف يفعل إذا فتحوا عليه، وهل يلزمه الاستجابة أو المضي؟ هذا إذا كان حافظاً لكتاب الله، الأحفظ والأعلم بأحكام الصلاة الأفقه في الدين، هذان الشخصان عليهما مدار الإمامة. فيأتي واحد أقل حفظاً يتقدم، أو واحد أفل فقهاً يتقدم فهذا حرام، وهذا تنافس مذموم على الإمامة، كيف يتنافسون على الإمامة ويوجد أحفظ منهم وأفقه على خلاف بين العلماء في تقديم الأفقه وتقديم الأحفظ، كيف يتنافسون؟ حرام عليهم، ثم تكون أمام الناس، ماذا يقول الناس عن هؤلاء الدعاة الذين يتنافسون على الإمامة؟ ويتقدم واحد أمام الآخر، وتكون هذه مسألة فيها شحناء وبغضاء، نعوذ بالله من الخذلان. أما بالنسبة لأخذ الراتب لا يجوز أخذ راتب على الإمامة، لكن يعطى مكافأة لتفرغه، الراتب حرام؛ لأن الإمامة من المناصب الدينية التي لا يجوز أخذ المرتب عليها، مثل المفتي، هل يجوز للمفتي أن يأخذ أجراً؟ يقول: يا أيها الناس الفتوى بريال، وإذا كان في مسألة عويصة عشرة ريال، وإذا كانت تريد جلسة طويلة مائة ريال، ويعطيك تسعيرة، لا يجوز أخذ الأجرة على الفتوى كما نص على ذلك علماء الأصول. لكن إذا كان تفرغ شيخ للفتوى فيعطى مقابل التفرغ، ليتمكن من التفرغ للفتوى، فالمال ما أعطي أجراً له على عمله، المال أعطي له لكي يتفرغ للأمر، وهكذا القاضي والمؤذن.

стр. 5769

أقل مدة الاعتكاف السؤال هل يجب على المصلي إذا دخل المسجد أن ينوي نية الاعتكاف؟ الجواب لا يجب، بل إن العلماء قد اختلفوا في أقل مدة للاعتكاف، فقال بعضهم ليلة، وقال بعضهم يوم وليلة، ومن أمثل الأقوال التي لها أدلة أحاديث صحيحة، وأما أقل من ليلة لا دليل عليه، ولذلك قد لا يشرع للإنسان أن يعتكف لدخول صلاة واحدة، ولكن إذا نوى أن يدخل المسجد ينتظر الصلاة بعد الصلاة فهو في صلاة.

стр. 5770

من أفطر ولم يقض تفريطاً السؤال امرأة أفطرت قبل سنة شهر رمضان كاملاً وجاءها رمضان هذه السنة ولم تقض بعد؟ الجواب إذا كانت لم تقض رمضان الماضي حتى دخل رمضان الجديد وهي مفرطة فعليها كفارة مع القضاء.

стр. 5771

عظم أجر بر الوالدين السؤال أنا امرأة في الثلاثينات، ومنذ حوالي تسع سنين حصلت بيني وبين والدي خصومات عديدة، ولكن أغلبها خصومات على أمور مالية، وحيث إن أبي اجتمعت فيه صفتان: البخل والحقد، فقد حقد عليها بدرجة لا توصف حتى إنه لا يطيق أن يراني ويكلمني، ويتمنى من كل قلبه أن أعذب في النار، وأمي مطلقة حاولت جاهدة في كل مناسبة أن أرضيه دون جدوى. فما العمل؟ الجواب لو كان مشركاً وكافراً فإنه يجب بره، كما قال الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فأمر بالمصاحبة بالمعروف رغم الشرك، فأقول: تحملي يا أيتها المرأة ما أصابك من ظلم أبيك واحستبي الأجر عند الله، وحق الأب عظيم، ومهما عمل الإنسان فإنه لن يوفي ما أنفقه عليه أبوه، الأب أنفق عليك كم سنة؟ احسب هذه النفقة.

стр. 5772

صوم المريض السؤال امرأة مصابة بمرض في الكلى والتهاب وعند الصيام تتعب كثيراً؟ الجواب إذا كان يشق عليها الصيام فيجوز لها الإفطار وعدم الصيام وتنتظر حتى يشفيها الله .

стр. 5773

حكم الوفاء بالنذر للمعسر السؤال نذرت إذا نجحت أن أذبح ذبيحة وحصل ذلك، ولكن لم أتمكن من أن أفي بنذري لضيق حالتي المادية؟ الجواب تنتظر حتى يغنيها الله من فضله وتفي بنذرها.

стр. 5774

معنى: السخيمة السؤال دعاء: (واسلل سخيمة قلوبنا) ما معنى ذلك؟ الجواب السخيمة: هي الحقد الذي يكون في النفس.

стр. 5775

معنى الهجر الشرعي والدنيوي السؤال هجرت خالي قرابة سنة؛ لأنه حاول الاعتداء على خادمه؟ الجواب إذا كان الهجر له سبب شرعي فلا بأس به، فلو كان هجره يشعره بخطئه ويرده إلى الصواب فينبغي عليك أن تهجره، أما إذا كان هجر الإنسان لا يزيده إلا بعداً عن الدين، فلا يجوز لك أن تهجره، على قاعدة الهجر الذي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

стр. 5776

نبذ الاختلاف حول المسائل الدعوية السؤال لي بعض الإخوان الصالحين أحسبهم كذلك ولا أزكيهم على الله، تركوني لأني أخالفهم في بعض الأمور الدعوية، وأحياناً أجد في قلبي شيئاً، فما هو الطريق للتخلص من ذلك؟ الجواب يا أخي قضايا الدعوة وأساليب الدعوة اجتهادات، ينبغي ألا يعنف أحدنا الآخر عليها ولا يفارق أحدنا الآخر، وسائل الدعوة الشرعية قضية اجتهادية لا نوالي ونعادي عليها ونتبرأ فيها، العلماء الثقات نجد بعضهم أفتى بجواز مسائل وبعضهم أفتى بمنعها وبعضهم توقف فيها، لا نجعلها مثاراً للتهاجر والتباغض، حرام علينا أن نفعل ذلك، لكن لو أجمع العلماء على أنها بدعة، كل الذي سألناهم قالوا: حرام، لا يجوز لنا أن نفعل ذلك لساغ الهجر، أما الأولويات فقد نختلف في الأولويات، قد ترى أنت الأولوية هذه وأنا أرى الأولوية شيئاً آخر، فلا يجوز أن يحمل أحدنا في نفسه على الآخر من هذا الاختلاف. وأنا أنصح ولو كانوا هم تركوك أن تزورهم، نتزاور حتى ولو اختلفنا في وسيلة من وسائل الدعوة أو كيفية الدعوة، التزاور بين المسلمين حق شرعي، سواء اختلفت وجهات النظر أو اتفقت فإن الزيارة حق شرعي.

стр. 5777

حكم قطيعة الرحم السؤال لي أقارب كنا نصلهم وهم يصلوننا وهم أبناء عم، والآن لا نصلهم وليس في قلوبنا عليهم غل؟ الجواب ولو لم يوجد غل لكن يوجد قطيعة رحم، لا بد من الوصل، الوصل واجب ولو بالهاتف، وزيارة إذا أمكن.

стр. 5778

وجوب مفارقة رفقاء السوء السؤال هل يجوز مفارقة الصديق إذا كان عاصياً ويمشي مع رفقاء السوء؟ الجواب بل يجب، إذا لم تمكن دعوته فيجب مفارقته؛ لأنك تتأثر به وبعد ذلك تصبح مثله.

стр. 5779

علاج الصديق الحاسد السؤال معي في الفصل الدراسي زميل لي ومشكلتي أنه يحقد علي ويحسدني ويفتن بيني وبين الآخرين، وحاولت أكثر من مرة أن أصالحه فيصالح لكنه سرعان ما يعود؟ الجواب الله يعينك ما دمت على هذه الحال، أنت تصالح وهو يرجع، أنت مأجور وهو مأزور، والله معك، واستمر على هذا العمل.

стр. 5780

مجاهدة النفس على إزالة الحقد السؤال أنا إنسان غضبي سريع وأصفح بسرعة، وأحمل حقداً على أناس من سنوات طويلة، كلما حاولت أن أتناسى لا أستطيع وأقول: اللهم اغفر لي ولإخوتي ولكن الحقد مازال، وفي بعض الأحيان إذا جلست بمفردي أتحسر وأبكي على هذه العادة المشينة؟ الجواب أولاً: كيف تصفح بسرعة وأنت تحمل حقد على أناس من سنوات طويلة. والله ما دمت تتندم فهذا خير وهذه بداية خير، لكن لا بد من عمل مع هذا الندم، فإذاً لا بد أن تصلهم وأن تزيل ما في نفسك عليهم، هذه عملية مجاهدة لا بد منها.
следующие страницы →