Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
فوائد من بر الوالدين
أما عن فوائد بر الأبوين فإنها كثيرة ولا شك:
стр. 5987
من فوائد بر الوالدين: نيل مرضاة الله
على رأسها مرضاة الله ، والدخول من ذلك الباب العظيم من أبواب الجنة وهو باب الوالد، وكذلك كسب بر الأبناء في المستقبل؛ لأن من بر بأبيه وأمه بر به أبناؤه.
стр. 5988
من فوائد بر الوالدين: إجابة الدعاء
ومن أعظم فوائد بر الوالدين: إجابة الدعاء، كما عنون الإمام البخاري في صحيحه: باب: إجابة دعاء من بر والديه، ثم ذكر حديث الثلاثة أصحاب الغار: (قال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران وامرأة، ولي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم حلبت لهما، فبدأت بوالدي فسقيتهما قبل صبيتي، وإنه نأى بي ذات يوم الشجر، فلم آتِ حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحِلال وقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي -يصيحون ويبكون من الجوع- فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة نرى منها السماء، ففرج الله منها فرجة فرأينا منها السماء).
стр. 5989
من فوائد بر الوالدين: كفارة عظيمة للذنوب
كذلك فإن بر الوالدين كفارة عظيمة للذنوب، عن ابن عمر: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا.
قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم.
قال: فبرها) أخرجه الترمذي ورجاله ثقات.
وكذلك جاء عند البخاري في الأدب المفرد وإسناده صحيح على شرط الشيخين: [أن ابن عباس أتاه رجل، فقال: إني خطبت امرأة، فأبت أن تنكحني، وخطبها غيري، فأحبت أن تنكحه، فغرت عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أأمك حية؟ قال: لا.
قال: تب إلى الله ، وتقرب إليه ما استطعت، فذهب الرجل، فسألت ابن عباس: لم سألته عن حياة أمه؟ فقال: إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله من بر الوالدة] هذا قاتل.
وكذلك جاء عن عائشة في قصة المرأة التي عملت السحر في دومة الجندل، وقدمت المدينة تسأل عن توبتها، تقول عائشة: [فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ ] لأنها جاءت على وقت وفاة النبي ﷺ ، فجاءت تستفتي عن الكفارة، تقول عائشة: [لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها -أي: بالجواب- حتى إني لأرحمها تبكي، فروت قصة السحر وهي تقول لـ عائشة: إني لأخاف أن أكون هلكت، سُقِطَ في يدي وندمت، والله يا أم المؤمنين! ما فعلت شيئاً قط ولا أفعله أبداً، فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ وهم يومئذٍ متواترون، فما دروا ماذا يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم، إلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك] وجوّد ابن كثير إسناده عند ابن أبي حاتم.
стр. 5990
صور بر الوالدين وأشكاله
وأما صور البر وأشكاله فإننا معشر المسلمين نبر بآبائنا وأمهاتنا دائماً هكذا يجب علينا، أما الكفرة فإنهم قد اخترعوا عيداً بدعياً محرماً هو عيد الأم، ويقدمون فيه لأمهاتهم علبة من الحلوى أو هدية يوماً في السنة، ثم يهجرونها ويعصونها في سائر الأيام، وليس عندنا ولله الحمد عيداً يسمى عيد الأم، وإنما نحن نبر بالأم طيلة العام وكل أيام السنة ولا نحتاج إلى عيد.
وصور البر وأشكاله كثيرة، فمن ذلك:
стр. 5991
صور بر الوالدين قبل وفاتهما
إحسان القول الذي يدل على الرفق والمحبة، وتجنب غليظ القول، وعدم رفع الصوت فضلاً عن ترك السباب والشتائم، والمناداة بأحب الألفاظ إليهما، ولا يناديهما باسمهما، يقول: يا فلان أو يا فلانة، بل يقول: يا أبي! يا أبت! يا أمي! وكذلك تعليمهما ما يحتاجان من أمور دينهما ودنياهما، وطاعتهما فيما يأمرانه به، فإن كان ما أمراه به واجباً؛ فإنه يزداد وجوباً، وإن كان مستحباً؛ يصير واجباً، وكذلك إن كان مباحاً في الشريعة؛ لا يحصل فيه ضرر واجب؛ فعليه أن يطيعهما، ولا يحاذيهما في المشي بل يتأخر عنهما إلا في حالة الظلام وخشية الأذى، فإنه يمشي أمامهما؛ ليستكشف الطريق، ويستأذن عند الدخول وعند الخروج وعند الجلوس.
وعندما يطعنان في السن ويكبران؛ ينبغي أن يزداد الرفق بهما لحاجتهما إلى المساعدة، وكم من عائلة فيها أب كبير أو أم مشلولة تحتاج إلى تغيير، ويحتاج الأب إلى إزالة نجاسة ونحو ذلك، فعند ذلك لا يثبت على هذه الخدمة إلا من عصم الله قلبه وثبته؛ لأن كثيراً من الناس يأنفون ويتأففون، وهي قد كانت تزيل الأذى والنجاسة عنك وأنت صغير وهي فرحانة، وأنت لو أزلت النجاسة عنها وهي كبيرة فإنك تزيله وأنت قرفان، فشتان شتان بينها وبينك.
وكذلك لا يحد النظر إليهما، ما بر بأبويه من أحد النظر إليهما، وأن يكون عندهما خاشعاً ذليلاً، وكذلك يستأذنهما في السفر، ويقوم لهما لو دخلا عليه، ويقبل اليد والرأس ويدعو لهما حيين وميتين، وكما قال الله ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤]، وكما قال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨].
وينبغي عليه أن يسعى في إرضائهما وأن يتحمل المشاق في ذلك، وأن يجاهد نفسه، فقد روى البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح، عن أبي بردة قال: [سمعت أبي يحدث أن ابن عمر شهد رجلاً يمانياً يطوف بالبيت؛ يحمل أمه وراء ظهره، يقول: إني لها بعيرها المذلل، إن أذعر ركابها لم أذعر، ثم قال لـ ابن عمر: أتراني جزيتها؟ قال: لا.
ولا بزفرة واحدة]، وفي رواية: [شهد ابن عمر رجلاً يمانياً يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره، يقول: إني لها بعيرها المذلل، إن أذعرت ركابها لم أذعر، الله ربي ذو الجلال الأكبر، حملت أكثر مما حملت، فهل ترى أني جازيتها يا بن عمر؟ قال: لا.
ولا بزفرة واحدة]، وفي رواية: [لا.
ولا بطلقة واحدة، ولكن أحسنت، والله يثيبك على القليل كثيراً].
فهذه آلام الطلق التي تعرضت لها الأم من يجازيها عليه.
وكان هناك رجلان من الصالحين في الطواف فإذا أعرابي معه أمه يحملها على ظهره ويرتجز، ويقول:
أنا لا أزال مطيها لا أنفر وما حملتني ووضعتني أكثر
وإذا الركائب ذعرت لا أذعر
لبيك اللهم لبيك فقال أحدهما: نرمي وندخل في الطواف لعل الرحمة تنزل فتعمنا.
وقال أبو بكر ﵀ في زاد المسافر: من أغضب والديه وأبكاهما فيجب عليه أن يرجع فيضحكهما كما أبكاهما، وذلك لحديث عبد الله بن عمرو قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فبايعه، فقال: جئت لأبايعك على الجهاد وتركت أبوي يبكيان، قال: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما).
ولأجل هذا أيضاً في قصة كلاب المشهورة وهو ولد أمية بن أشكر، وهذا رجل أدرك الجاهلية والإسلام، وابنه كلاب من وجهاء وسادات المسلمين، وقد استعمل عمر ﵁ كلاباً على أيلة، وكان قد خرج مع المسلمين في الجيش، وصار أميراً على أيلة لـ عمر، فاشتاق الأب لـ كلاب يوماً من الأيام، فقال:
لمن شيخان قد نشدا كلاباً كتاب الله لو عقل الكتابا
يناديني فيعرض في إباءٍ فلا وأبي كلاب ما أصابا
إذا سجعت حمامة ببطن وادٍ إلى بيضاتها أدعو كلابا
تركت أباك مرعشة يداه وأمك ما تسيغ لها شرابا
فإنك والتماس الأجر بعدي كباغي الماء يلتمس السرابا
ثم سمع عمر بالقصة فاستنشد الشعر منه، فأنشده له، فرق للأب، وأنفذ خلف كلاب أن يقبل، فقدم ووصف بره لأبيه، وأنه كان يحلب له في الإبل، وكان الأب غير موجود، فقال له عمر: احلب لبناً، فحلبه الولد، وحضر أمية وكان لا يرى الولد، فسقاه عمر من الإناء الذي حلبه ولده في غيبته وهو لا يراه، فقال الأب: إني لأشم رائحة يدي كلاب، فبكى عمر، وقال: هذا كلاب، فضمه إليه.
وقال عمر: جاهد في أبويك.
قال ابن عبد البر: هذا الخبر صحيح.
وبر الوالدين مراتب، وقد ضرب بعض العلماء مثلاً، قال: لو أن الولد أحضر في بيته طعاماً مستلذاًَ يشتهيه وأبوه غائب، فأرسل الولد خلف أبيه يدعوه إلى الطعام؛ كان براً شاكراً، ولو أرسل خلفه دابته لكي يأتي الأب عليها، كان في الشكر منه أدخل، ولو ذهب خلفه بنفسه كان في البر أجزل، فإن أمر الغلام بطرح الماء على يديه ليغسل فقد بره وشكره، وإن كان بنفسه طرح الماء على يده ليغسل الأب كان أبر وأشكر وهكذا.
صحيح أن الولد قد لا يأثم بإهمال هذه الأشياء مثلاً، لكن الذي يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب.
стр. 5992
صور بر الوالدين بعد وفاتهما
وأما بعد الوفاة فإن ما يمكن عمله للأب والأم كثير جداً، ومن أهم ذلك: الاستغفار والدعاء، كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، وقال النبي ﷺ : (إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك) رواه أحمد وغيره وهو حديث صحيح.
فتأمل ربما تكون أنت سبباً في رفع درجة أبيك في الجنة.
وكذلك الصدقة، فعن ابن عباس ﵂، أن رجلاً قال للنبي ﷺ : (إن أمي توفيت، أينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: نعم.
قال: فإن لي مخرفاً -فستان- فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها) وعن عائشة ﵂، (أن رجلاً قال: إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ فقال: نعم.
فتصدق عنها) رواهما البخاري، وبوب للأخير باب: ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه، طبعاً هذا بالإضافة إلى إنفاذ الوصية وإحسان التجهيز والكفن والصلاة والدفن والدعاء، والحج عنه إذا لم يحج والعمرة عنه إذا لم يعتمر، وحتى لو حج واعتمر؛ فإنه يشرع له أن يحج عنه ويعتمر، ولا بأس بذلك.
وبالإضافة إلى ذلك يقضي دينه، وهذا من أعظم ما يقدمه الأبناء نحو آبائهم وأمهاتهم، أن يبادروا إلى قضاء ديونهم.
ومن الأمور كذلك: صلة أصدقاء الأبوين، قال النبي ﷺ : (إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد وفاة الأب)، وقال ﵊: (من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده)، فإذا أردت صلة لأبيك المتوفى فصل أقرباءه أو صل أصحابه وأصدقاءه بعد موت الأب، زرهم وتفقدهم ولو بهدية.
وعن أبي بردة قال: (قدمت المدينة، فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لم أتيتك؟ قلت: لا.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من بعده، وإنه كان بين أبي عمر وأبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذلك) حديث صحيح.
وهذا أمر يكاد أن يكون مفقوداً؛ لأن الشباب والأولاد يصلون ويزورون أقرانهم، وينسون أصحاب الأب وأقرباءه، وكذلك صاحبات الأم يمكن أن يتفقدها بهدية، أو إرسال سلام ونحوه.
стр. 5993
إيذاء الوالدين وعقوبة العقوق
أما عقوق الوالدين فهو شنيع شنيع شنيع، وإيذاء الوالدين من أعظم الكبائر، قال النبي ﷺ : (لعن الله من لعن والديه) ولو بطريق غير مباشر؛ كأن يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه، فيكون هو المتسبب في إعادة اللعنة والسب على أبيه وأمه؛ لأنه عندما سب أبوي الآخر أخذت الآخر العزة بالإثم فسب أبويه، فهذا الساب أعاد السب على أبويه بسببه هو.
وبعض الناس لا يكتفي بالعقوق أو معصية الأبوين، وإنما يجاهر بالسوء والفحشاء، فيقنط ويقهر أبويه، ويرفع الصوت ويتأفف، ويقول لأحدهما: أراحنا الله منك، وأخذ بعمرك، وعجل بزوالك يا شيبة النحس! ويا عجوز الويل! وحاله وحال أبيه كما قال الشاعر:
أريد حياته ويريد موتي
وربما يصل العقوق إلى درجة أن يتمنى الوالد أنه لم يلد له هذا الولد، وربما لو كان عقيماً كان أحسن، وقد ينهب بعضهم مال أبيه، وربما طرد أباه من البيت، ويمنع عنه النفقة، وقد يلطمه، وقد يحجر عليه، وقد يقول لأبيه: قد أخذت حقك، واستوفيت أجلك، وسئمتك الحياة، وملَّك الزمان، يا ليتك تموت ولم تحمل.
قال الحسن: انتهت القطيعة إلى أن يجابي الرجل أباه عند السلاطين.
أي: يخاصمه في المحاكم، وخصوصاً إذا كان بغير حق، وهذا العقوق لو صادف دعوة من الأب أو من الأم على الولد فإن دعاء الأب على ولده ودعاء الأم على ولدها مستجاب، ما بينها إلا مسافة تقطع في لمح البصر، تصعد دعوة المظلوم إذا كان أباً أو أماً إلى السماء، فيجيب الله .
ذكر أن شاباً كان مكباً على اللهو واللعب لا ينفك عنه، وكان له والد صاحب دين، كثيراً ما يعظ هذا الابن، ويقول له: يا بني! احذر هفوات الشباب وعثراتهم، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح عليه زاد له في العقوق، وجار على أبيه، ولما كان يوم من الأيام؛ ألح على ابنه في النصح على عادته، فمد الولد يده على أبيه، فحلف الأب بالله مجتهداً ليأتين بيت الله الحرام فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو على ولده، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا عرض البسيطة من قرب ومن بعد
إني أتيتك يا من لا يخيب من يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد
هذا منازل لا يرتد من عقق فخذ بحقي يا رحمان من ولدي
وشل منه بحول منك جانبه يا من تقدس لم يولد ولم يلد
فقيل: إنه ما استتم كلامه حتى يبس شق ولده الأيمن: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الوالد على ولده) (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده) حديثان صحيحان، فيستجاب دعاء الأب والأم على الولد أو للولد، فكن باراً تنل دعوة مستجابة، ولا تكن عاقاً فتنل دعوة عليك مستجابة، والذي يعق والديه لا شك أنه لا يقدر ما حصل منهما تجاهه، وليس عنده عرفان ولا شكر جميل ولا اعتراف بالنعمة، كما قال أحد الآباء معبراً في عتاب ولده:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أحنو علي وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنني لأعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
ليتك فعلت مثل الجار، لو كان يدري الابن أية غصة قد جرعت، هذا لو أن إنساناً فارق أباه وذهب عنه.
بعض الأبناء والأولاد لا يقدرون مشاعر الأبوين إذا سافر الولد، مع أنه يعتري نفوسهما كثير من الأثر النفسي؛ لأن الولد له فنون وأصدقاء وعالم آخر، فهو يذهب ويسافر ولا يفكر في استئذان أبويه:
لو كان يدري الابن أية غصة قد جرعت أبويه بعد فراقه
أم تهم بوجده حيرانة وأب يسح الدمع من آماقه
يتجرعان لبيِّنه غصص الردى ويبوح ما كتماه من أشواقه
ذرفا لأم سل من أحشائها وبكى الشيخ هام في آفاقه
ولبدل الخلق الأبي بعطفه وجزاهما بالعدل من أخلاقه
ونحن الآن مع قرب قيام الساعة زيادة في عقوق الأبناء لآبائهم، فيقدم رجل زوجته على أبيه وأمه، ويبر صديقه ويجفو أباه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولكن اعلموا أن هذه المسألة دين ووفاء، وأن من عق أباه وأمه أرسل الله عليه من أبنائه من يعقه ويعاقبه، كما ذكر أن عاقاً كان يجر أباه برجله إلى الباب، فعاقبه الله بأن كان له ولد يجره برجله إلى الشارع، فيقول الأب: حسبك! ما كنت أجر أبي إلا إلى الباب، فيقول الولد: هذه الزيادة صدقة مني عليك.
وبعضهم يتكبر على أبويه خصوصاً إذا كان صاحب شهادة علمية أو جامعية، والأب فلَّاح أو فقير أو عامي أو أمي ومثل ذلك، ولما جاء رجل من الخارج معه شهادة عليا وجاءه أصحابه يزورونه في البيت في بلده، وكان أبوه مزارعاً فقيراً، وهيئته هيئة فلاح فقير، فلما دخلوا عليه في البيت خجل أن يقول لهم هذا القروي هذا أبي، فقال: هذا خادم عندي.
وهذا إنسان -هذه قصص واقعية- أخذ من أمه عشرين ألفاً لم يرجعها، والثاني أخذ اثنا عشر ألفاً ولم يرجعها، فلما طالبت الأول قال: أنتِ سكنتِ في البيت عندي ثلاث سنوات تأكلين وتشربين، اعتبري العشرين ألفاً هذه إيجار ثلاث سنوات ونفقة الأكل والشرب.
وهذه بنت تطلب منها أمها نقوداً، تقول: لا أعطيك، ولو سألتيني مرة ثانية لا أدخل بيتك.
ولذلك يروى في الأمثال ما يقارب القصص والأخبار أشياء من الأمور المعبرة: هذا رجل متزوج قالت له زوجته: لا بد أن تذهب بأبيك خارج البيت، لا نستطيع أن نتحمل هذا الطاعن في السن هذا أخلاقه لزقة هذا وهذا، لا بد أن تخرجه، فهمّ أن يخرج به إلى كهف ومغارة ويضعه هناك، فأخذ الزوج أباه الطاعن في السن، وفي الطريق قال الأب لابنه: أتطرحني في الكهف وهناك برد، هلَّا أتيت لي بلحاف، وكان لهذا الابن ابن وهو حفيد الجد المأخوذ إلى الغار، فقال الأب لولده الصغير: اذهب وهات لحافاً لجدك، وكان هذا الولد الصغير ذكياً، فذهب وجاء بنصف لحاف، فأعطاه لأبيه، وقال: هذا لجدي الذي طلبت، فقال: هذا نصف لحاف، فأين النصف الآخر؟ قال: خبأته لك يا أبي.
وهؤلاء المتزوجون لا يحترمون أمهاتهم في كثير من الحالات، فتراه يبتعد عن أمه، مع أنه قد لا يكون له حاجة للذهاب، وإذا سألته: إلى أين تذهب؟ قال: مالكِ؟ ماذا تريدين؟ ونهرها، ولا يأتيها ولا يسألها ولا يقول: ماذا في خاطرك؟ وماذا تريدين؟ ولا يبدي استعداده لعمل الأشياء لها.
هؤلاء الذين يخرجون من البيوت ينشغلون بزوجاتهم، ويبتعدون عن آبائهم وأمهاتهم وتحس الأم بفراغ كبير من جهة ولدها، وتحس بأن الزوجة قد أخذت ولدها عليها بالكلية، وهذا يسبب الغيرة بين الأم وزوجة الابن.
ومجتمعنا فيه آفات وشرور كثيرة، وبعد الناس عن الدين سبب مآسٍ، تقول إحدى الأمهات: إني أصيح عند ربي، وربما يصل الحال بي من عقوق ولدي أن أدعو على نفسي وعلى بطني الذي حمله وعلى الثدي الذي أرضعه، قالوا لي: اشتكي عند الجهات الرسمية يسحبون جوازه، وأنا لا أريد لولدي الفضيحة، لكن لا يسأل عني وراتبه كبير، وبالشحاذة أخرج منه بمائة ومائتين، وإذا كلمته عن السفر إلى الخارج للعلاج، قال: أنت رجعية.
تقول: جلست في المستشفى ثمانية أيام لم يسأل عني إلا مرة، ويكذب علي، تقول: أنا يمكن أقف أمام الله وأصيح وأطلب ربي وأدعو عليه دعوة لا يردها الله، لكن لا أريد الضرر لولدي ولا الأذية، وعنده زملاء في العمل عندهم عوائل يسافرون إلى الخارج، أمه تقول: انظر إلى أقربائك المستقيمين يقول: لا تقولي: انظر إلى فلان وفلان، كل واحد له طبيعته، تقول: تعبت عليه وربيته وهو الآن يغلق الباب ويمشي إذا ما أعجبه الكلام.
وهذه تقول: ولدها لا يصلي ويسكر، ويرفع يده على أمه وهي ربته وتعبت عليه، وهو يتيم وأنفقت عليه ولا يعطيها قرش واحد، ويصرف راتبه على أصحاب السوء وفي المخدرات.
وبعضهم لا يكون عنده لطافة ولا حسن أدب حتى في الاتصال بأهله، فيجعل زوجته تذهب إلى بيت أبيه وتزورهم بالنيابة عنه، وتتصل عليهم بالهاتف، وتقول: خذ كلم أباك.
لا نريد -يا أيها الإخوة- أن نكون مثل الكفار الذين اشتدت عندهم المآسي من هذا النوع، وتقرأ: هذه قتلت أباها، وهذه طعنت أمها عدة طعنات، حتى ظنت أنها ماتت وأخذت النقود وهربت مع عشيقها، أولئك الكفرة وضعوا آباءهم وأمهاتهم في مصحات ودور الرعاية، حتى صار الحال أن يفتخر الأب أمام الآباء الآخرين في دار الرعاية أن ابنه يزوره مرة في الشهر، وأنه إذا ما استطاع أن يزوره مرة في الشهر يتصل به هاتفياً.
وذلك الذي رضي بعد التوسل أن يبقي أمه عنده شريطة أن تعمل في كنس البيت والزبالة وجلب الأغراض للمنزل، ويعطيها أجرة مقابل خدمة السكن.
وأنتم تسمعون عن الجرائم الكثيرة التي تحصل، ومنها: من قتل أمه واستعمل سكيناً، أو استعمل قالباً من الأسمنت، وتعاون على قتلها هو وزوجته، وغير ذلك من القصص في الواقع؛ لأننا نحن نقلد الكفرة ونسير وراءهم حذو القذة بالقذة، وينبغي أن ينتبه حتى الشباب المتدين إلى برهم بآبائهم وأمهاتهم، فبعضهم يستخدم الشدة في الكلام، وصفق الأبواب، ورفض الخدمة وجلب الأغراض، فضلاً عن أولاد السوء الذين يعملون أكثر من هذا بكثير كما ذكرنا.
وبعض الأولاد يقاطعون آباءهم لأمورٍ دنيوية، فإذا رفض الأب أن يشتري له سيارة فإنه يقاطعه ولا يكلمه.
стр. 5994
الموقف من الأب المشرك والأم الكافرة
أما بالنسبة للموقف من الأب المشرك، فإن الآيات والنصوص قد جاءت في تبيان هذا، وعلى رأس الأمثلة فصة إبراهيم ﵇ مع أبيه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤١ - ٤٥] بالرغم من صلافة الأب وشدته، قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦] بالرغم من هذا كان موقف الابن إبراهيم ﵇ في غاية اللطافة ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧] وهذا إبراهيم اهتم بأبيه وتلطف معه في الخطاب وهو كافر، وهو يقول: يا أبت! في غاية التأدب، ولم يقل له: أنا أعلم منك، وأنت جاهل وأنا عالم، وإنما قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] وهو النبوة.
وكذلك بيَّن له بالحجة والدليل، ولم يقل: افعل ولا تسأل: لماذا؟ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ [مريم:٤٢] وهو يبدي شفقته على أبيه في أثناء الخطاب والدعوة، ويقول: ((يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ)) [مريم:٤٥] فتأمل في هذا الخطاب ما أحسنه! وما ألطفه! مع كون الأب كافر من أعداء إبراهيم.
وهذه قاعدة المعاملة قد جاءت بها النصوص الشرعية عندما قال الله : ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:١٥] أي: ليس فقط إذا كان كافراً أو مشركاً، وإنما حتى لو أمرك بالشرك ماذا تفعل؟ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] لأن طاعة الله مقدمة ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] مع أنهما يأمران بالشرك ويأمران بالكفر.
وفي صحيح مسلم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: (حلفت أم سعد ألا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله أوصاك -انظر إلى الحرب النفسية من الأم المشركة لولدها المسلم- بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: فمكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية) وكانت تريد أن يعير بها، فيقال: يا قاتل أمه! بقيت لا تأكل ولا تشرب، لكنه بيّن ثباته على العقيدة، وأنه لن يتزحزح عن دينه.
وكذلك من الأصول الشرعية في معاملة الوالدين إذا كانا على الكفر قول الله : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨].
ولذلك جاء في صحيح البخاري، عن أسماء قالت: (قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم، إذ عاهد النبي ﷺ مع أبيها، فاستفتيت النبي ﷺ ، فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة في صلتي -راغبة في زيارتي أن أكرمها- وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: نعم.
صِلي أمك) لا يمنع ذلك، فالوالدان لهما أحكام واستثناءات خاصة.
وقال ابن جرير ﵀: بر المؤمنين للكافرين للقرابة لا يحرم؛ إذا لم يكن فيه التقوية على الحرب بكراع أو سلاح، أو دلالة على عورة أهل الإسلام لحديث أسماء، فهذا هو الموقف من الأب والأم الكافرين والمشركين.
стр. 5995
الموقف من الوالد الفاجر والوالدة العاصية
إذا كان الأبوان فاجرين أو فاسقين -قد يوجد للإنسان أب فاسق أو أم فاجرة ونحو ذلك- فعليه أن يدعوهما إلى الله ويأمرهما بالمعروف وينهاهما عن المنكر.
قال الإمام أحمد: يأمر أبويه بالمعروف وينهاهما عن المنكر، إذا رأى على أبيه أمراً يكرهه يعلمه بغير عنف ولا إساءة، ولا يغلظ له بكلام وإلا تركه، وليس الأب كالأجنبي، وقال: إذا كان أبواه يبيعان الخمر؛ لم يأكل من طعامهم ويخرج عنهم.
وسأل رجل أبا عبد الله: إن أباه له كروم -بساتين عنب- يريد أن يعاونه على بيعها؟ قال: إن علمت أنه يبيعها ممن يعصرها خمراً فلا تعاونه.
إذاً: الأب والأم إذا كانا فاجرين فاسقين عاصيين، لا يعينهما الولد في المعصية، وأحياناً يصل الأمر ببعض الحالات أن يكون الأمر في غاية الوقاحة، وهذه قصة واقعية: بنت اكتشفت أن أمها -والعياذ بالله- تفعل الفاحشة، فنبهتها ووعظتها، والأم تقول: لا تغضبيني، وتؤلف من عندها كلاماً تقول: الأم إذا كانت زانية، تغسلها بنتها من جنابة الزنا -أي: إنه يجب عليكِ أن تبري- فعليها أن تعظها وتذكرها بالله وتبين لها بالأدلة.
والآن الفساد في المجتمع له حالات كثيرة، فتجد فسق الأبوين مع صلاح الأولاد، فتداخلت الأمور والأشياء، واختلف الأمر عما كان في الزمان الأول، والهداية إذا شملت كثيراً من الشباب والحمد لله فإنه قد ينتج أنه يكون هناك مفارقات في البيت، فينبغي أن يكون الموقف حكيماً والتبيان حاصل، ولو استدعى الأمر واستعان بأقرباء أو التنبيه؛ لأنه قد يكون واجباً تبليغ زوج هذه المرأة بحالها حتى يقوم عليها، فعند ذلك يبلغ ولا يعتبر من العقوق.
стр. 5996
بعض المسائل الفقهية المتعلقة ببر الوالدين
أما بالنسبة لبعض المسائل الفقهية المتعلقة بالبر فهي كالتالي:
стр. 5997
حكم المال إذا أخذه الأب
أولاً: يجوز للأبوين أن يأخذا من مال ولدهما ما شاءا، بشرط ألا يضرا بالولد وألا يعطيا المال لولد آخر، كأن يأخذا بيته الذي هو سكنه، ويأخذا ثوبه الذي هو ملبسه، ويأخذا مركبه الذي يركبه ويبقى بدون شيء، لا مال ولا بيت ولا سكن ولا دابة، فهذا لا يمكن، لكن ما زاد عن حاجة الولد ومصاريف عائلته وأولاده ونفقته، فيجوز للأبوين أن يأخذا منه ما شاءا.
بل إن الشريعة قد جعلت (أنت ومالك لأبيك) هو السبب في وجودك، فصار مالك ملكاً له: (أنت ومالك لأبيك) وقد بيَّن النبي ﷺ أن من أطيب ما أكل الوالد من كسب ولده؛ لأن ولده من كسبه.
فإذاً: يشترط ألا يضراه وألَّا يأخذا من ولد فيعطيا ولداً آخر.
وتجب النفقة للأبوين المحتاجين شرعاً، والأم إذا كانت متزوجة من رجل آخر فإن زوجها ينفق عليها، لكن لو احتاجت فيجب على الولد أن ينفق على أمه إذا لم تجد طريقاً.
ولا يحق للولد أن يمنع أمه من الزواج ما دامت ترغب في ذلك وهو متيسر، ويبلغ العقوق ببعضهم أن يعير أمه بالنكاح إذا تزوجت، أو البنت تقول: تزوجت على أبي وأنت فيك كذا وكذا، هذا حرام عليها ولا يجوز.
стр. 5998
استئذان الوالدين في الهجرة والجهاد
ومن الأحكام أنه يجب استئذانهما في الهجرة، جاء رجل إلى الرسول ﷺ ، فقال: (جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبواي يبكيان، فقال: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما).
ويجب استئذانهما في الجهاد كما ثبت عند أبي داود: (أن رجلاً هاجر إلى رسول الله ﷺ من اليمن، فقال: هل لك أحد في اليمن؟ قال: أبواي، قال: هل أذنا لك؟ قال: لا.
قال: فارجع فاستئذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما) وهذا إذا لم يكن الجهاد فرض عين، وكان النفير عاماً، فإن كان النفير عاماً؛ فإنهما لا يطاعان في الجلوس.
وينبغي أن يعلم أن الجهاد قد يكون فرض عين، وطاعة الوالدين فرض عين كذلك، فلا يجب نسيان فروض الأعيان الأخرى والاحتجاج بأن هناك فرض عين، علماً أنه في كثير من الحالات يكون المستند الشرعي في إيجاب الجهاد على شخص بعينه غير وارد بأمور تتعلق بحال المسلمين، فإنه لا يجوز للمسلمين إعلان الجهاد إذا لم يكونوا على استعداد، وليست المسألة إلقاء المسلمين كالشياة لتذبح، وإنما إذا صارت المسألة مسألة دفاع عن النفس فإن المسلم يدافع عن نفسه، فالمسلم إذا دوهم في بيته أو عرضه وماله؛ يباح له أن يقاتل ويرفع السلاح ويدافع عن نفسه، ويجب على المسلمين دعمه وتقديم كل أشكال المساعدة الحربية والمالية والاقتصادية والمعنوية والدعوة والتعليم ونحو ذلك.
وقال الإمام أحمد في الرجل يغزو وله والدة، قال: إذا أذنت له وكان له من يقوم بأمرها يجوز له أن يجاهد.
وقال في رواية أبي داود: يظهر سرورها.
قال: هي تأذن لي.
قال أحمد: إن أذنت لك من غير أن يكون في قلبها، وإلا فلا تذهب.
قال الإمام أحمد: ينبغي أن تكون راضية قلبياً مطمئنة ومقتنعة، وجاء كلام المفسرين في أصحاب الأعراف أن منهم أناساً غزوا بغير إذن والديهم ولا رضا الوالدين فقتلوا، فمنعهم القتل في سبيل الله من دخول النار، ومنعهم عصيانهم لآبائهم دخولهم الجنة، فهم على جبل بين الجنة والنار.
стр. 5999
استئذان الوالدين عند السفر
السفر لطلب الرزق والمعيشة وسؤال يرد من الكثيرين، يقول: إنني وجدت عقد عمل في بلد آخر، وأريد أن أسافر لكسب الرزق، فماذا أفعل وأبواي في البلد عندي؟ نقول أولاً: إذا كان عندك مجال لطلب الرزق في بلدك بما يكفيك، فبقاؤك عندهما واجب البر بهما، وإذا كان لا مجال عندك والحالة ضيقة وأنت محتاج ولا بد أن تذهب إلى بلد آخر؛ فإنك تترفق وتستأذن بالكلام الطيب، حتى تستغني فترجع إليهما.
وكذلك السفر لطلب العلم، فإنه يستأذن والديه، فقد روي أن الفقيه نصر بن أبي حافظ المقدسي لما رحل من بيت المقدس لطلب العلم إلى الفقيه الكازروني من أرض العراق، قال له الكازروني لما قدم عليه: ألك والدة؟ قال: نعم.
قال: فهل استأذنتها؟ قال: لا.
قال: فوالله لا أقرأتك كلمة حتى ترجع إليها، فتخرج من سخطها، قال: فرجعت إليها، فأقمت معها إلى أن ماتت، ثم رحلت في طلب العلم.
وأما إن كان لتحصيل علم يحتاج إليه، فإنه لا بأس له بالسفر، مثل: أن ينوي طلب العلم، ولا يجد مجالاً إلا في الدراسة في كلية شرعية في خارج البلد ولا مجال لطلب العلم في بلده، والعلم الذي يريد طلبه يحتاجه أو يحتاجه البلد، فإنه يخرج ولو بغير إذنهما، مع غاية التلطف وتكرار المزاورة والإقامة عندهما ما أمكن ذلك.
стр. 6000
حكم قطع صلاة النافلة للوالدين
ومن المسائل الفقهية التي تكلم عنها العلماء في بر الوالدين، قطع صلاة النافلة من أجلهما عند النداء إذا خشي الغضب، واستدلوا بحديث جريج: (كان رجل في بني إسرائيل تاجراً، وكان ينقص مرة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعته وترهب فيها، وكان جريج يصلي، فجاءته أمه فدعته -وفي رواية- كان جريج يتعبد في صومعته، فأتته أمه ذات يوم، فنادته: أي جريج! أشرف عليَّ أكلمك أنا أمك، وكان يصلي، فقال: أجيبها أو أصلي؟ -وفي رواية- فصادفته يصلي، فوضعت يدها على حاجبها - جريج في الصومعة- فقالت: يا جريج! فقال: يا رب! أمي أو صلاتي، فاختار صلاته ثلاث مرات، ترجع فتأتيه، فغضبت، ومن شدة الغضب قالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات -وفي رواية- فغضبت فقالت: أبيت أن نطلع إلى وجهك، لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة).
فحصلت بعد ذلك القصة المعروفة من هذه المرأة التي زنت بالراعي واتهمت جريجاً، وجاء بنو إسرائيل فكسروا صومعته وضربوه، ثم توضأ وصلى ركعتين ثم دعا الله وجاء للغلام، فقال: من أبوك؟ قال: الراعي، فبعد ذلك عرفوا شأنه، وسبح الناس وعجبوا، وأرادوا أن يعيدوا بناء الصومعة من الذهب، فقال: أعيدوها طيناً كما كانت.
فالمهم أنه إذا ناداك أحد الأبوين وأنت تصلي صلاة النافلة، فإن كنت تعلم أنك لو ما أجبت الآن يغضبان عليك فعليك أن تقطع صلاة النافلة وتجيب، وإن كانت فريضة تخفف الصلاة.
стр. 6001
تعارض بر الأب مع بر الأم
إذا تعارض بر الأب مع بر الأم، فنحن نعلم أن طاعة الزوج مقدمة على طاعة الأبوين بالنسبة للمرأة إذا تزوجت، لكن بالنسبة للأحوال الأخرى إذا تعارضت طاعة الأب مع طاعة الأم، نظرنا: إن كان أحدهما يأمر بطاعة والآخر يأمر بمعصية؛ قدمنا صاحب الطاعة، وإن تعارض أمرهما وكلاهما يأمران بمعصية؛ عصيناهما كليهما، مثل أن يقول الأب: لا تكلم أمك، وتقول الأم: لا تكلم أباك، كل منهما يأمر بمعصية، وكل منهما يأمر بأمرٍ فيه خلاف لأمر الآخر، فما هو الحل؟ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وكذلك لو قال لك أبوك مثلاً: لا تكلم خالك أو عمك، أو قالت لك أمك: لا تكلم خالتك، ماذا تفعل؟ تكلم خالتك سراً وتكلم عمك سراً، فتصل الرحم ولا تعصيها في ظاهر الأمر، أي: يسهل عليك ألا تغضبها.
وإذا تعارضا تعارضاً ليس فيه معصية، لكن لم تستطع أن تصلهما جميعاً مثل الإنفاق، ما عندك إلا مال قليل لا يكفي إلا لواحد منهما، فالأم مقدمة على الأب في البر؛ لأن النبي ﷺ أوصى بها ثلاثاً ويحاول التوفيق ما أمكنه.
كذلك إذا كان كل واحد منهما أمراه بأمرٍ في نفس الوقت، فإنه يحاول التوفيق ما أمكنه ذلك بكل طريقة يفرغ وسعه وجهده لهذا الأمر، كما قال رجل لـ مالك: والدي في السودان كتب لي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من الذهاب، تقول: ابق عندي، فقال الإمام مالك: أطع أباك ولا تعص أمك، معناه: أن يجتهد في إقناع أحد الطرفين أو ماذا يفعل؟ يأخذ أمه ويذهب إلى أبيه، ومعنى كلام مالك ﵀: المبالغة في إرضاء الطرفين، والأم لها ثلثي البر.
وكذلك من المسائل التي تكلم فيها العلماء: لو أن الأم أرادت الولد شاهداً، أو يترافع عنها في المحكمة ضد الأب؛ لأن الأب يقصر مثلاً في النفقة ونحو ذلك، فقال بعض العلماء: لا يترافع الابن وإنما يبقى خارج النوبة، وبعضهم قال: إذا كانت مظلومة يترافع لها ضد أبيه مع الإحسان للأب، وإنما المعاملة من باب أنها تمشي الأوراق.
стр. 6002
حكم طاعة الوالدين في ترك الواجبات وفعل المحرمات وفي المشتبهات
стр. 6003
حكم طاعة الوالدين في ترك الواجبات
بالنسبة لطاعة الوالدين في ترك الواجبات فإن العلماء قالوا: إنه لا يُطاع الوالدان في ترك الواجبات مطلقاً، مثلاً: لو أمراه بترك فريضة، أو قالا له: أخر الحج؛ فأنت صغير الآن، عمرك خمس عشرة سنة أو سبع عشرة سنة، فلا يطيعهما، أو إذا ملك الزاد والراحلة والقدرة فلا يطيع؛ لأن الحج واجب على الفور، فإذا استطاع الحج لا يطيعهما مع لينه لهما.
وكذلك سئل الأوزاعي: عن رجل تمنعه أمه عن الخروج إلى الجماعة والجمعة؟ فقال: ليطع ربه وليعص أمه في ذلك.
وروى البخاري عن الحسن قال: من منعته أمه عن العِشاء في الجماعة شفقة عليه فلا يطعها.
لو قالت: يا ولدي! برد، والمسجد بعيد، فصلاة الجماعة واجبة، والولد بقدرته أن يذهب وليس هناك خوف عليه لا من اختطاف ولا من قتل ولا من حرب ولا من سباع، فإنه يذهب إلى الجماعة.
стр. 6004
حكم طاعة الوالدين في فعل المحرمات
أما بالنسبة إذا أمراه في فعل المحرمات فإنه لا يطيعهما في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
سمعت هارون بن عبد الله يقول: جاءني فتى، فقال: إن أبي حلف عليَّ بالطلاق أن أشرب دواءً مع مسكر، قال: فذهبت به إلى أبي عبد الله -الإمام أحمد - فأخبرته أن هذا الأب يأمر ولده بأن يشرب الدواء مع مسكر، فقال الإمام أحمد: قال النبي ﷺ : (كل مسكر حرام) ولم يرخص له.
وقال الإمام أحمد في رواية الحارث: في رجل تسأله أمه أن يشتري لها ملحفة للخروج؟ قال: إن كان خروجها في بابٍ من أبواب البر كعيادة مريض أو جارة أو قرابة لأمر واجب لا بأس، وإن كان غير ذلك فلا يعينها على الخروج.
فلو قالت: خذني على حفلة لفتاة وأنت تعلم أن فيها منكرات؛ فإنه لا يجوز لك أن تذهب بها مع التلطف، ولو دعت عليك.
وفي رواية عن الإمام أحمد: أنه سئل عن رجل يكون له والد يكون جالساً في بيت مفروش بالديباج -يعني: الحرير والحرير حرام- الأب يقول للولد: ادخل عليَّ، والأب جالس على الأريكة وأمامه بساط من الحرير؟ قال الإمام أحمد: لا يدخل عليه، قلت: يا أبا عبد الله! والده، قال: إلا إذا دخل يلف البساط من تحت رجليه ويدخل، المهم ألا يطأ الحرير.
ومن الدقائق التي ذكرها أهل العلم كذلك ما ذكره الملا علي قاري في شرح الفقه الأكبر قال: لو كان لمسلم أم أو أب ذمي، فليس له أن يقودهما إلى البيعة، لأن ذهابهما إلى البيعة معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
لكن لو قالا له: إذا كانت لا تريد أن تأخذنا، فنحن نذهب في سيارة أجرة، لكن ارجع لنا عند موعد الخروج من الكنيسة، هل يذهب ويأتي بهما أم لا؟
الجواب
أما إيابهما منها إلى منزلهما فأمر مباح، فيجوز له أن يساعدهما، ولعل آخر رجوعهما عن البيعة إلى المنزل يوفق الله للتوبة وحسن الخاتمة.
стр. 6005
حكم طاعة الوالدين في المشتبهات
أما بالنسبة للمشتبهات فكان كلام أكثر العلماء: أن طاعة الوالدين واجبة في الشبهات إن لم تجد فيه حراماً محضاً.
لكن لو أنهما أمراك أن تأكل معهما، وإذا ما أكلت معهما يغضبان عليك، والطعام الذي يأكلانه فيه شبهة، ماذا تفعل؟ بناءً على قول الأكثرين: فإنك تأكل معهما فإن ترك الشبهة مستحب، وطاعة الوالدين واجبة، فيقدم الواجب على المستحب، فإن كان الأب مكسبه من حرام أو الأم مكسبها من حرام أيضاً، فإذا علمت أن هذا حرام معين؛ لا تأخذه ولا تأكل منه، وإذا اختلط الحرام بالحلال، وليس فيه تمييز؛ فإنك تأكل إذا أمراك بذلك، فإن كان حراماً خالصاً؛ فإنه لا يأكل، وإن كان مختلطاً فإنه يأكل.
وسئل الإمام أحمد ﵀: عن رجل مات أبوه وعليه دين وله مال فيه شبهة، فهل يجوز لي أن آخذ مال الأب وأستوفيه لأقضي به الدين؟ قال: تدع ذمة أبيك مرتهنة أي: اقض الدين لأن قضاء دين أبيك واجب، وتحصيل الأموال التي فيها شبهة ليس بحرام، فتسدد دين أبيك.
стр. 6006
حكم طاعة الوالدين في ترك النوافل
أما بالنسبة لترك النوافل مثل نافلة الحج والعمرة، فقد قال ابن قدامة ﵀: للوالد في حج التطوع منع الولد من الخروج إليه؛ لأن له منعه من الغزو وهو من فرض الكفايات والتطوع أولى.
وقال في مسألة: لا يجاهد من أبواه إلا بإذنهما.
أي: جهاد التطوع، ويروى ذلك عن عمر وعثمان وهو قول مالك والشافعي وسائر أهل العلم، واحتجوا بالأحاديث؛ ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم، فإن تعين عليه الجهاد سقط إذنهما، وكذلك ما وجب كالحج وصلاة الجماعة والجمعة والسفر للعلم الواجب لأنه فرض عين، هذا عرفناه سابقاً أنهما لا يطاعان في تركه.
لكن بالنسبة للنوافل فإذا أمراه بترك النافلة مطلقاً لا يطاعان، لو قالا له: لا تصل صلوات نافلة أبداً، لا نسمح لك أ، تصلي إلا الفريضة، فماذا يفعل؟ لا يجيب.
إن قالا له: لا تصوم صيام تطوع نهائياً وليس عليه ضرر في الصيام، فإنه لا يجب عليه الامتثال، فليس لهما منعه من الأشياء النافلة مطلقاً، والسنن الراتبة إذا دعياه لحاجتهما المرة بعد المرة فليطعهما، أي لو قالا: لا تصل السنة، تعال نريدك في مشوار، يذهب معه هذه المرة، صلاة الليل تعال أريدك في قضية، ليس فيها شيء، لكن دائماً يقول له: لا تصل ولا نافلة ولا سنة راتبة ولا قيام ليل، فلا يطاعان في هذا، لأن هذا ليس من حقهما.
هذه قاعدة: إذا كان النهي عن النوافل على سبيل الدوام واللزوم فلا طاعة لهما؛ لأن فيه إماتة لشعائر الإسلام.
وذكر بعض أهل العلم: أن الوالد لا يجوز له منع ولده من السنن الراتبة، وكذلك الزوج لا يمنع زوجته من السنن الراتبة، والسيد لا يمنع عبده من السنن الراتبة، وصاحب الشركة لا يجوز له منع الموظفين من السنن الراتبة بالكلية، فكل ما تأكد شرعاً لا يجوز منع الولد منه، وكذلك النفل المؤكد كطلب العلم إذا كان لا يضرهما، قال بعض العلماء: إنه لا يطاع في مثل ذلك.
وكذلك تطليق الزوجة برأي مجرد: طلق زوجتك لماذا؟ لا يوجد سبب، طلق، هذا لا يطاعان فيه حيث لا ضرر ولا ضرار، فإذا أمراه بطاعة الزوجة لمجرد هوى وهذا يحصل عليه ضرر فلا يلزمه الطاعة.
وسئل الإمام أحمد ﵀: عن رجل يصوم التطوع، فسألاه أبواه أو أحدهما أن يفطر؟ قال: يروى عن الحسن أنه يفطر وله أجر البر وأجر الصوم، وقال: إذا أمراه أبواه ألا يصلي إلا المكتوبة يداريهما ويصلي.
قال الشيخ تقي الدين ﵀: ففي الصوم كره الابتداء فيه إذا نهاه، واستحب الخروج منه، وأما الصلاة فقال: يداريهما ويصلي.
وقد نص أحمد على خروجه من صلاة النفل إذا سأله أحد والديه.
إذاً: إذا كان النهي عن النافلة مطلقاً لا يطاعان، أما إذا كان مرة بعد مرة سألاه أشياء كثيرة؛ فيطيعهما.
إن نهياه عن طاعةٍ لهوى وتحكم ليس فيه أي مصلحة لهما، مثل لو قالا له: لا تحلق رأسك في الحج والعمرة، لماذا؟ قالا: لأنك سوف تصير أصلع وشكلك قبيح، لا نسمح لك أن تحلق رأسك في الحج والعمرة، فهذا تحكم ولا طاعة لهما في هذا مع التلطف والمداراة.
стр. 6007
حكم طاعة الوالدين في الزواج والطلاق
وأما بالنسبة للزواج قال الإمام أحمد ﵀: إن كان له أبوان يأمرانه أن يتزوج، أو كان شاباً يخشى على نفسه العنت وأمراه ألا يتزوج، قال: الزواج أوجب له من طاعة الوالدين.
وسئل أحمد في رجل لا يخشى على نفسه العنت؟ فقال له: لا تتزوج، قال أحمد في رواية المروذي: إن كان رجلاً يخاف على نفسه ووالداه يمنعانه من التزوج فليس لهما ذلك، ولا يطيعهما.
لكن إن قالا له: تزوج لكن نريدك أن تتزوج فلانة، ولا نرضى لك غيرها، قال الشيخ تقي الدين ﵀: ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وأنه إذا امتنع لا يكون عاقاً، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه فإن النكاح أولى، فإن أكل المكروه مرارة ساعة وعشرة المكروه من الزوجين على طول تؤذي صاحبه ولا يمكنه فراقه، وبناءً على ذلك لو قالا له: لا تتزوج إلا فلانة وهو لا يريدها؛ فإنه لا يجب عليه الطاعة في هذه؛ لأن هذه عشرة عمر، والضرر فيها واضح جداً.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن رجل متزوج وله أولاد، ووالدته تكره الزوجة وتشير عليه بطلاقها، فهل يجوز له طلاقها؟ فأجاب: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه، بل عليه أن يبر أمه، وليس تطليق امرأته من برها، والله أعلم.
وسئل ﵀: عن امرأة هي وزوجها متفقان، وأمها تريد الفرقة، فلم تطاوعها البنت، فهل عليها إثم في دعاء أمها عليها؟ فأجاب: الحمد لله، إذا تزوجت لم يجب عليها أن تطيع أباها ولا أمها في فراق زوجها ولا في زيارتها، ولا يجوز في نحو ذلك، بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها، وأيما امرأة ماتت وزوجها عليها راضٍ دخلت الجنة، وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها فهي من جنس هاروت وماروت لا طاعة لها في ذلك ولو دعت عليها، اللهم إلا أن يكونا مجتمعين على معصية، أو يكون أمره للبنت بمعصية الله، والأم تأمرها بطاعة الله ورسوله الواجبة على كل مسلم، فإذا كانت الزوجة تعيش بطاعة الله؛ فلا يحق لأحد أن يتدخل.
ووردت هناك أحاديث في طلاق الزوجة إذا أمرها الأب، ففي الحديث الصحيح عند ابن حبان: (أن رجلاً أتى أبا الدرداء، فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوجني، وإنه الآن يأمرني بطلاقها، قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك، ولا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك، غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة، فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو دع) فكيف يطبق هذا، وعمر قد أمر ولده بطلاق المرأة، فطلقها.
الجواب
إذا كان تطليقه للمرأة فيه مصلحة للولد بسبب عصيان الزوجة وأنها فاجرة ومقصرة وفيها سوء في الدين والخلق، فيجب على الولد أن يطيع أباه وأمه في تطليق الزوجة إذا ما انصلحت، بل يجب عليه.
وسأل رجل الإمام أحمد، فقال: إن أبي يأمرني بطلاق امرأتي.
قال: لا تطلقها.
قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته؟ قال: حتى يكون أبوك مثل عمر عنده حكمة عمر ونظر عمر.
ونص أحمد أيضاً أنه لا يطلق لأمر أمه، فإن أمره الأب بالطلاق ينظر إذا كانت الزوجة مقصرة عاصية طلق، وإذا كانت الزوجة مطيعة؛ لا يجب عليه الطلاق ويهدم بيته.
قال شيخ الإسلام ﵀: يبر في جميع المباحات، فلو أمراه بأمر مباح يجب عليه طاعتهما فيما أمراه ونهياه، وهذا ما إذا كان فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه.
إذاً: إذا كان عليه ضرر وليس فيه مصلحة لهما فلا تجب عليه الطاعة.
والذي ينتفعان به ولا يتضرر هو به؛ هذا يجب عليه أن يطيعهما فيه، فإذا كان ينتفعان به ولا يضره؛ فإنه لا يشترط في وجوب طاعتهما فيه فإن كان يضره طاعتهما فيه؛ لم تجب طاعتهما فيه، لكن إن شق عليه ولم يضره -أي: يمكن أن يتحمل مع شيء من المشقة- وجب عليه الطاعة لعظم حق الوالدين.
стр. 6008
الشباب والدعوة وبر الوالدين
نأتي في نهاية المطاف إلى موضوع علاقة الشباب بآبائهم وأمهاتهم في مجال الدعوة إلى الله .
نقول أيها الإخوة: لا شك أن الدعوة إلى الله فيها متطلبات، وتحتاج إلى تضحيات وتقديم أوقات وأموال، وكذلك الأبوان يحتاجان إلى بر، ويجب ألا يفصل الشاب بين بر الوالدين والدعوة إلى الله، ويقول: أنا نذرت نفسي للدعوة وطلب العلم، يعني أن الوالدين ليس لهما حق في هذا، هذا خطأ، ويجب أن يكون بر الوالدين داخل في ضمن الدين والعبادة، بل هو كذلك ومنه فلماذا يفصل؟ وبعضهم يقدم طاعة إخوانه والشباب من أصحابه على طاعة والديه في جميع الأحوال وهذا خطأ، ولذلك فإن طاعة الوالدين مقدمة ولا شك.
ونأتي هنا إلى مسألة: إذا قال الأب لولده: لا تطلب العلم، ولا تحضر ولا حلقة؟ فهل يطاع لا شك أن هذا لا يطاع؛ لأن هذا تحكم بلا دليل، وفيه ضرر على الولد بحيث يمنعه من حضور حلق العلم بالكلية، لكن لو قال: اليوم لا تحضر، تعال أريدك؛ يذهب مع أبيه، أما أن يمنعه من طلب العلم بالكلية؛ فهذا لا يطاع.
كذلك لو قال: لا أريدك أن تدعو إلى الله أبداً؛ فأيضاً لا يطاع فيه.
لكن لو كان له مشوار مع شخص من المدعوين، وحضرت حاجة للأب فيقدم الأب فإن له الحق الشرعي.
كذلك إذا قال له: لا تصحب إخوانك في الله، ولا بد عليك أن تعتزلهم، فهذا الأمر الكلي بالاعتزال لا يطاع فيه؛ لأن فيه ضرر على الولد وفقد الرفقة الصالحة، وربما حصل للولد فيه انتكاسة، ولذلك لا يطاع في هذا.
لكن لو قال: أنت إلى أين ذاهب؟ قال: أذهب مع إخواني في الله.
قال: أحتاجك في الذهاب معي إلى السوق؛ يقدم الأب ويذهب معه إلى السوق، لكن أن يقول: لا تذهب معهم مطلقاً فلا يطاع في هذا.
وينبغي على الشباب والدعاة إلى الله أن يرفقوا بآبائهم وأمهاتهم، وألا يضغطوا عليهم الضغط الذي يسبب لهم كسر الخاطر، ويسبب لهم الضيق، ولا يفرض عليهم الأمر فرضاً، يقول: ارض بالواقع وإلا أعصيك، إما أن تعطيني الموافقة وإلا أعصيك، فهذا لا يصح أن يفعل مع الأب أو الأم.
ويجب أن نفرق بين رفض الأب والأم شيئاً ضرورياً للابن شرعاً، كطلب العلم والزواج، وبين أن يرفض له أموراً يمكن للابن أن يستغني عنها دون ضرر عليه في الدين، أي: هناك فرق بين أن يرفض للابن أو يأمر الابن بشيء فيه ضرر على نفسه ودينه، وبين أن ينهاه عن شيء فيه مشقة عليه، لكن يمكن أن يتحمل ولا يتأثر منه، فيطاعان فيه.
وعند النظر في أمور الدعوة والتربية؛ فإنك تنظر هل هذا الأمر ضروري بالنسبة لك، وهل إذا لم تفعله تأثم مثلاً أو تتضرر في دينك أو يحصل لك انتكاسة؟ فإذا كان يحصل وليس للأب منفعة أو الأم بأمرهما؛ إذاً لا يطاعان، وتعمل هذه العبادة، وإذا كان لا يحصل عليه ضرر في دينه، ولا يأمرانك أمراً نهائياً كلياً عاماً، وإنما المرة بعد المرة قد تفوت عليك مناسبة حلقة، درس، مرة فهنا تلزم الطاعة.
ويجب أن نفرق كذلك بين أسباب مواقف الآباء إذا منعوا أولادهم من مرافقة أهل الخير، إذا منعه عداءً للدين وأهله قال: أنا لا أحب المتدينين أبداً، لا تمشِ معهم.
هذا ليس له طاعة، قد يخاف على ولده من أمور متوهمة، فهنا الابن يراعي المقصد الحسن للأب؛ لأنه يخاف عليه، يراعي ذلك ما استطاع، وأحياناً يفعل ذلك الأب والأم تحكماً، يقول: لا تفعل كذا لا تذهب مع فلان لا تذهب مع هؤلاء لا تحضر درساً في كذا افعل نفذ، فهذا ذكرنا فيه أن هذا المنع بالكلية لا وجه له شرعاً.
وأحياناً يظن الأب أن المصلحة الدراسية للولد أن يدرس طيلة الوقت وألا يخرج مع إخوانه في الله وألا يحضر مجلس علم ونحو ذلك، قصد الأب ألا يضيع الولد الدراسة، فعلى الولد أن يثبت للأب أنه ليس بمضيع للدراسة، وأنه يقوم بها حتى يتشجع الأب على السماح لولده.
وختاماً: فإنا نسأل الله أن يرزقنا وإياكم البر بآبائنا وأمهاتنا، وأن يجعلنا من القائمين بحقوقهما والعاملين على إرضائهما في طاعته سبحانه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 6009
قصة طالوت وجالوت
لقد قصَّ الله علينا في كتابه الكريم قصصاً كثيرة لأجل العبرة والعظة، ولحكم منها: تثبيت فؤاد النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين على الحق، وحثهم على الصبر على دين الله ، وقد ذكر الشيخ من ضمن هذه القصص قصة طالوت وجالوت، ثم استطرد في ذكر الفوائد المستفادة من هذه القصة العظيمة.
стр. 6010
بنو إسرائيل مع نبيهم وملكهم طالوت
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٤٦ - ٢٥٢].
стр. 6011
بنو إسرائيل في حالة الاستضعاف
تشير هذه الآيات الكريمة إلى قصة وقعت لبني إسرائيل في فترة من فترات حياتهم في الأرض المقدسة، كانوا مضطهدين مهزومين أمام أعدائهم، وقد سلب أعداؤهم منهم التابوت الذي فيه سكينة من الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وقد شعر القوم بالذل ومرارة الهزيمة والهوان، وكان هذا الشعور عند العامة والملأ، فأرادوا أن يغيروا واقعهم الذليل وأن يبدلوا ذلهم عزة، وهزيمتهم نصراً، وعلموا أن السبيل الوحيد لذلك هو الجهاد في سبيل الله.
стр. 6012
مطالبة بني إسرائيل نبيهم بالجهاد واختباره لهم
هذه إذاً قصة بداية الصحوة في هذه الفترة، استيقظت العقيدة في نفوس وجهائهم، وكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، ولا شك أن شدة الذل والاستضعاف يولد في النهاية التحدي، وإرادة التغلب والإنقاذ من هذه الورطة التي يعيش فيها المستضعفون، وهذا النبي الذي لا نعلم اسمه كان معهم في فترة الاستضعاف، وليس من المهم معرفة اسمه ولذلك أبهم في الكتاب العزيز فقال الله: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ [البقرة:٢٤٦] ليس المهم ما هو اسم النبي، المهم أنهم قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، أرادوا أن يقاتلوا مع ملك ولم يريدوا أن يقاتلوا مع النبي.
ولما كان النبي فيهم -هذا- يعلم طبيعتهم المائعة، وهمتهم الرخوة، وأنهم لو أمروا بالقتال فسوف يرتدون عنه، وينكصون ويقعدون، قال لهم يريد التأكد منهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦]؟ يريد التأكد من هذه الهمة وهذه الروح الجهادية التي استيقظت الآن؛ لأنهم قالوا: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] يعني: القوم يريدون الجهاد، وهذا النبي الكريم يريد أن يتأكد من حالهم، فقال: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦]؟ فأظهروا الإيمان، وحب الجهاد، وإرادة الخلاص من الذل والصغار، ولكنهم في أول اختبار ظهرت طبائع نفوسهم التي امتلأت بحب الدنيا والظهور فيها، وعدم التسليم لأمر الله تعالى.
هم طمأنوا نبيهم أنهم سوف يقاتلون ولا يتخلفون، وإنما فقط الذي يمنعهم من عدم الجهاد هو عدم وجود ملك، فلو وجد ملك سيسارعون للقتال، وبينوا له الباعث القوي للقتال وقالوا: إنه الذل الذي يعيشونه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦].
فلما سمع نبيهم بذلك، ولاحظ حماستهم، واندفاعهم، جاء الوحي من الله تعالى بأن الملك الذي عينه الله لقيادتهم في الجهاد هو طالوت، وأنه هو الذي سيقودهم إلى النصر والعزة وتحرير أرضهم من المغتصبين، لكن هؤلاء القوم لم يتخلصوا من حب الدنيا أبداً، ولذلك في أول اختبار بمجرد أن أعلمهم باسم الملك الذي سيقودهم قالوا: أنى يكون له الملك علينا؟ اعتراض أولي وفوري، اعتراض على اسم القائد، لماذا فلان؟ بدلاً من أن يسلموا لأمر الله جاءت الطبيعة اليهودية -كما مر معنا في قصة البقرة- لتعترض: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٧].
بعد أن استعدوا قبل قليل للقتال إذا بهم يعترضون على القائد الذي عين من عند الله تعالى لأنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ [البقرة:٢٤٧] فلم يكن منتخباً منهم أو معيناً من نبيهم فقط وإنما كان من الله، وهذا الاعتراض ولا شك كان دليلاً واضحاً على تلكؤ القوم في تنفيذ الأوامر.
وتمضي القصة لتبين بأنهم فوجئوا إذ كانوا يتوقعونه ملكاً قادماً من بيت الملك، وأن طالوت ليس من بيت الملك، ثم إنه فقير، وبين القوم تعلقهم بالدنيا بقولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فعجب النبي لموقف القوم الذين كانوا يريدون ملكاً يقاتلون وراءه، فبين لهم نبيهم المواصفات التي تؤهله للملك، وأنه أنسب الناس حسب الميزان الرباني: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ)) تمكناً منه ((وَالْجِسْمِ)) يعني: قدرة على القيادة وتحمل أعباء القتال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧] وأراد نبيهم أن يبين لهم بالتأكيد آية وعلامة على صحة تولي هذا الملك عليهم فقال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨] يأتيهم التابوت بدون قتال ولا حرب، ستحمله الملائكة وتأتي به إليهم، وهذا دليل على أن طالوت هو الملك من عند الله، والسكينة: هي الراحة والرضا واليقين، وفي هذا التابوت أشياء مادية ورثوها عن آل موسى وآل هارون.
стр. 6013
خروج طالوت بقومه للقتال واختباره لهم
ولما جاءت الآية سلم القوم مكرهين ووافقوا على تملك طالوت، وتسلم الملك والسلطان، وعبأ قومه للقتال وجهزهم لمحاربة الأعداء، ولما خرج بهم للمعركة الفاصلة أراد أن يختبر حماستهم وطاعتهم، وأن يبلو هذا الفورة التي حصلت في البداية؛ لأنه لا بد قبل المعركة من اختبارات للتأكد من حماسة الجند واستعداداتهم للمواجهة، لا بد من اختبارات صغيرة قبل الاختبار الكبير، فلما فصل بهم وغادر البنيان والعمران قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة:٢٤٩] فعندما تمرون عليه لا تشربوا منه، فمن خالف أمري فليذهب عني وليس من جيشي ولا يتبعني؛ لأنه ليس جندياً يستحق أن يكون في هذا الجيش، لكن الذي لم يشرب والتزم الأمر وأطاع فإنه يبقى معي ويقاتل.
ثم إنه أراد أن يجعل فرجة وفسحة في الأمر لأن في القوم عطشى قال: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] يبل بها فمه ويطفئ عطشه، ولما وصلوا النهر عصوا طالوت وشربوا منه إلا قليلاً منهم التزموا الأمر وأطاعوه.
стр. 6014
الاختبار الثاني لأصحاب طالوت
ترك طالوت جموع العصاة المخالفين وسار بالقلة الباقية المطيعة حتى وصل بهم إلى أرض المعركة، فلما نظر جنوده إلى جنود الأعداء خافوا قتالهم، وجبنوا عن مواجهتم، وكان أعداؤهم الكفار بقيادة جالوت الكافر، وكانوا أكثر عدداً منهم، فهنا حصل امتحان آخر قبل أن تنشب المعركة وهي أن بعضهم قالوا: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] وهم الأكثرية، ولا قدرة لنا على حربهم، وبعضهم -هؤلاء الخائفون- جبنوا عن المعركة، وبقي مع طالوت من القليل الأول قلة وهم الذين يظنون أنهم ملاقو الله، وهؤلاء القلة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩] دخلوا المعركة مؤمنين بالله، صابرين على بلواه، وبدأت المعركة، فطلبوا النصر من الله واستغاثوا به وتضرعوا إليه وقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠] وحقق الله وعده، وأنزل نصره، فهزموهم بإذن الله، وبرز في المعركة داود ﵇ ولم يكن نبياً ولا ملكاً وقت ذاك، برز بقوته وشجاعته وقتل جالوت وآل إليه الأمر بعد طالوت، ومن الله على داود بالملك والحكمة، وعلمه مما يشاء.
стр. 6015
فوائد قصة طالوت مع قومه في قتال جالوت
стр. 6016
مرحلة الاستضعاف تولد التحدي وقوة الإيمان
وبعد هذا الملخص للقصة نأتي إلى ذكر بعض الفوائد والدروس المأخوذة منها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] كما قلنا في البداية: إن مرحلة الاستضعاف تولد التحدي، وإن شدة الطغيان من الأعداء لا بد أن يوقظ أشياء في بعض النفوس، وتنتفض العقيدة في القلوب، ويستيقظ الإيمان، وهذا ما هو موجود الآن في المسلمين، فإن المسلمين اليوم يعيشون -ولا شك- مرحلة استضعاف كبرى، فقد تسلط عليهم الأعداء من كل جانب، ولا شك أننا في هذه المرحلة ينبغي أن نستلهم بعض ما في هذه القصة من الفوائد التي تعين على مواجهة الاستضعاف الذي نعيشه في هذه المرحلة.
لا شك أن التحدي يجب أن يكون موجوداً في نفوسنا، وينبغي علينا ونحن نعيش في هذا الذل الذي فرضه علينا أعداؤنا أن نسعى للخلاص منه، لا يصح أن نستسلم للواقع بأي حال، ولذلك قالوا: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] فإذا وضحت النية، ووضح الطريق من أن الجهاد في سبيل الله هو سبيل الخلاص من الذل، عند ذلك ينقطع نصف الطريق إلى النصر، فإن الهدف لابد أن يكون واضحاً فلا يغشاه الغبش الذي لا يدري معه الشخص أين يسير.
стр. 6017
الاعتداد في الملك والقيادة بالعلم والقدرة
ولما أنهكت الحروب وقهرت الأعداء أولئك القوم، سألوا نبيهم رجلاً يقاتلون وراءه، وعندما قال لهم نبيهم: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] ما الذي يمنعنا من القتال ونحن نعيش في غاية الذل، وما فائدة العيش؟ فنلاحظ هنا -أيها الإخوة- أنهم أول ما تولوا عندما أنكروا إمرة طالوت، كانوا يتوقعون شخصاً، وإذا بشخص آخر يخرج، وأظهروا التولي عن طاعته من البداية ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٤٧] ولذلك لا بد أن يتأسس في النفوس الميزان العقدي الإيماني الرباني للاصطفاء، ولا يجوز أبداً أن ننظر إلى قضية المال على أنه ميزان أو على أنه ميزة: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] إذاً هو فقير، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٤٧] طعنوا في طالوت لأمرين: الأمر الأول: أنه ليس من بيت ملك.
والثاني: لأنه فقير.
والله تعالى رد هذه الشبهة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٧] وقوله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] بينت الآية أن للقائد صفتين مهمتين: الأولى: العلم.
والثانية: القدرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فأول صفة من صفات القائد: العلم، والصفة الثانية: القدرة، ولا يستحق أن يكون قائداً ملكاً عليهم إلا إذا جمع بين العلم والقدرة.
هذا العلم والقدرة أهم من الجاه والمال، لكنهم اعترضوا وقالوا: هذا ليس بذي جاه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٧] والاعتراض الثاني: أنه فقير: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فرد الله عليهم بصفتين أهم من الصفتين اللتين اشترطوهما هم وفكروا فيهما فقال لهم: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فلماذا كان العلم والقدرة أهم من الشرف والمال، وأهم من النسب والمال، وأهم من الجاه والمال؟ لأسباب: أولاً: أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية، فهما: كمال حقيقي أن يوجد في الشخص علم وقدرة بخلاف الجاه والمال.
وثانياً: أن العلم والقدرة من الصفات الذاتية للشخص، بخلاف الجاه والمال الذي هو أمر منفصل عن الإنسان، فإن الإنسان قد يكون بغير جاه ولا مال ثم يكتسب جاهاً ومالاً، يكتسبه من شيء خارجي، لكن العلم والقدرة صفات ذاتية في الشخص لا تنفك عنه.
ولذلك من الأسباب أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان، لكن المال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان.
وكذلك فإن العالم بأمر الحروب القوي الشديد على المحاربة، يحصل الانتفاع به في حفظ البلد ودفع شر الأعداء أكثر من الانتفاع بصاحب النسب والغني إذا لم يكن عنده علم ولا قدرة على دفع الأعداء.
стр. 6018
الله خالق أعمال العباد
وقوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] يدل على خلق الله لأعمال العباد وأنها من عنده، الله خلق فيه العلم، وخلق فيه البسطة في الجسم، قال بعضهم: إن المراد بالبسطة في الجسم طول القامة، وأنه سمي طالوت لأنه كان طويلاً وأن (طالوت) مبالغة من الطول، ولكن هذا ليس صحيحاً فإن طالوت اسم أعجمي وليس مشتقاً من الطول، ولذلك فإن القول الراجح في البسطة التي آتاها الله طالوت أنها القوة والشدة، فالمراد بها القوة ليس الطول ولا الجمال وإنما القوة.
ولا شك أن العلم والقوة أجل صفات القائد، والله يؤتي ملكه من يشاء ولا يعترض عليه أحد: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٤٧] وتأمل كيف ختمت الآية بصفتين من صفات الله مناسبة لما في الآية فقوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ)) [البقرة:٢٤٧] هذا مقابل لقولهم: إنه فقير ولم يؤت سعة من المال فقال: الله واسع الفضل، أنتم طعنتم فيه لكونه فقيراً والله واسع الفضل والرحمة، والله يعلم أن القيادة لا تتأتى بالمال، والله قادر أن يفتح عليه من أبواب الخير والسعة ما يريد، والله عليم فعلم هذا الشخص، وعليم في من يصلح للقيادة، وعليم باصطفائه واختياره .
стр. 6019
أخذهم الجلال والهيبة والوقار من التابوت
وفي قوله: ((وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)) يعني: علامة ملكه: ((أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ)) وهو صندوق التوراة: ((فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)) الجلال والوقار والهيبة: ((وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ)) لا يهمنا ما هي هذه البقية، هل هي عصا موسى؟ هل هي بقية الألواح التي تكسرت؟ ما هي هذه البقية؟ الله أعلم: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨] في هذه الخارقة التي هي علامة ملكه.
стр. 6020
النصر يكون ببذل الأسباب الشرعية
وكذلك فإن في قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٩] قد ورد في الحديث عدد هؤلاء، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى عن البراء، وروى ابن جرير أيضاً عنه قال: (كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا معه يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن) فإذاً كم عدد الذين جاوزوا مع طالوت النهر؟ ثلاثمائة وبضعة عشر شخصاً مثل عدد المسلمين في بدر.
ولما غلبت الفئة القليلة في بدر الفئة الكثيرة وهم المشركون كان هذا مثالاً آخر مضافاً إلى الأمثلة التي سبقت مثل قصة طالوت على القاعدة العظيمة التي ذكرها الله بقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] وانكسر العدد الكبير أمام العدد اليسير، وفي هذا دليل على أن الإيمان في المعركة هو المرجح، وقال أبو الدرداء ﵁: [إنما تقاتلون بأعمالكم] وقال النبي ﷺ : (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) فإذا كانت الأعمال فاسدة، والضعفاء مهملون، والصبر قليل، والتوكل ضعيف، والتقوى زائلة فلا سبيل إلى النصر البتة فإن الله ذكر أسباب النصر فقال: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] فهذه أسباب النصر وشروطه لما كانت معدومة، وضعيفة وضئيلة لذلك لم يأت النصر، وانحسر سلطان المسلمين.
قال القرطبي ﵀ في وقته -وكان وقت قوة للنصارى، في أواخر العهد الأندلسي- قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا، بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد، ولكثرة الطغيان، وقلة الرشاد، حتى استولى العدو شرقاً وغرباً، براً وبحراً، وعمت الفتن، وعظمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم.
стр. 6021
العبرة ليست بكثرة العدد
وفي قوله تعالى: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] أراد أن يقوي قلوب هؤلاء الذين قالوا هذه الكلمة بقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] فالعبرة ليست بكثرة العدد ولكن بالتأييد الإلهي، ولذلك إذا جاءت الهزيمة فلا ينفع كثرة العدد، وإذا جاء النصر فلا يمنعه قلة العدد.
стр. 6022
قيمة اللجوء إلى الله ودعائه
وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ [البقرة:٢٥٠] فائدة بلاغية بليغة وهي: أنهم طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر أي: يغمرهم به من فوقهم؛ فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن يثبت أقدامهم من الأسفل، أفرغ علينا صبراً من فوقنا، يعني: أنزله علينا كثيراً عامراً كما يفرغ الإنسان الإناء كله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة:٢٥٠] فسألوا الله تثبيت الظاهر والباطن، فإذاً إذا جاء الصبر من فوق، وثبات الأقدام من الأسفل جاء النصر.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٥٠] المبارزة: أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه في وقت القتال، نلاحظ هنا دور العلماء والأقوياء إيمانياً لما قالوا: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩] ونلاحظ تضرعهم إلى الله بإفراغ الصبر، وإنزال النصر، كما قال الله في آية أخرى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧] وكان النبي ﷺ يلجأ إلى ربه في هذه المواطن الشديدة، ويجأر إليه، ويلح عليه إلحاحاً شديداً، ولذلك كان يقول في معركة بدر: (اللهم بك أصول) كان يستنجز نصر الله وموعوده ويقول إذا لاقى العدو: (اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأجعلك في نحورهم) وكان يقول: (اللهم بك أصول وبك أجول).
فالإفراغ: هو الصبر وإخلاء الإناء مما فيه: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ [البقرة:٢٥٠] المبالغة في طلب الصبر من وجهين: الأول: أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٢٥٠] يعني: صبه علينا صباً بحيث لا يخرج بل يبقى مستقراً في أنفسنا.
والثاني: إفراغ الإناء هو إخلاؤه، معنى ذلك: صب كل ما فيه، ولذلك سألوا صبراً كثيراً وداخلاً ولذلك قالوا: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ [البقرة:٢٥٠] وهذا أبلغ من قولهم: صبرنا فالإفراغ إذاً طلب الكثرة من الصبر، وأن يكون فيه -داخله- ممتلئاً بحيث إنه لا يخرج منه.
стр. 6023
الصبر واتخاذ الأسباب المادية عند لقاء العدو
وكذلك فإنه يتبين أن من الأمور المطلوبة عند المحاربة: أولاً: أن يكون الإنسان صبوراً.
كذلك أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات ما يعينه على المواجهة.
ثالثاً: أن تزداد قوته على قوة عدوه؛ فيحصل عند ذلك الانتصار، فأما الأولى فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ [البقرة:٢٥٠] والثانية: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [البقرة:٢٥٠] والثالثة: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠] فإذا تحقق الصبر وثبات الأقدام والغلبة -الزيادة- على العدو -الزيادة العامة- يحصل الانتصار.
стр. 6024
فضل داود ﵇
وقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ [البقرة:٢٥١] يعني: هزم هؤلاء الأقلون أولئك الكثيرين: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥١] يعني: ليس بقوتهم ولا بعددهم، وإنما بإذن الله فهو الذي شجع القليلين وخذل الكثيرين: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ﴾ [البقرة:٢٥١] وهو واحد وفرد من جنود طالوت: ﴿جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١] وهو عظيم الكفار ومقدمهم وقائدهم: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:٢٥١] وقلنا المُلك: صار مَلك بني إسرائيل، والحكمة: هي النبوة، وعلمه مما يشاء: صناعة الدروع من الحديد ونحو ذلك.
ولا شك أن في ذلك دليلاً على شجاعة داود ﵇، وأنه قتل جالوت قتلاً أذل به جيشه وكسره وهزمه، فإنه إذا قتل ملك الجيش وقائدهم فإن ذلك أدعى لفرارهم وانحسار أمرهم، وهذه غنائم كثيرة ساقها الله تعالى بعد أن قتل جالوت ورزقها المسلمين.
стр. 6025
في هذه الآيات تسلية للنبي ﷺ
وفي قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٢] تلك: إشارة إلى ما سبق ذكره في الآيات من إماتة الألوف منهم ثم إحياؤهم، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام جالوت وقتل داود له، وتملك داود، هذه آيات الله، أخبار غيب أخبرنا بها الله : ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٢٥٢] ليس بالباطل: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢].
هذه الآيات تنزل على النبي ﷺ ، وفيها تسلية له، ومواجهة لأعدائه من الكفار والمنافقين، فكأنه يقول له: هذه آياتنا وهكذا نصرنا أولياءنا فاصبر يا محمد ﷺ وإنك لمن المرسلين المنصورين بإذننا.
следующие страницы →