Полный текст (7 040 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
متابعة الزوجة في أحكام الطهارة والصلاة والمحارم
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ومنها مسئولية تعليمها أحكام الطهارة والصلاة، كم يسر الإنسان -أيها الإخوة- عندما يسمع برجال يأتون إلى أهل العلم، ويقول أحدهم: زوجتي حصل لها في أمر الطهارة نزل عليها دم في الوقت الفلاني تقطع الدم معها في الوقت الفلاني فهو لا يستحي من هذا، أما المرأة تستحي، فهو يأتي ويقول ويسأل: ماذا تفعل هذه المرأة؟ عندها مشكلة في العادة كذا وكذا، ماذا تفعل؟ إذاً الرجل مهتم بأمر الزوجة، فهو يطبق قول الله : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
إذاً هو فعلاً يوقن بالمسئولية وهو يحس بها، ولذلك يسأل عن الأحكام لزوجته، وهو يسأل هل هذا محرم للمرأة أم لا؟ وهو يسأل هل خال الزوج وعمه محرم للزوجة أم لا؟ فهو يسأل ويتأكد من أجل ألا تقع في أمر محرم، ويسأل عن حكم الرضاع بينها وبين رجل آخر، حتى لا تقع في أمر محرم.
فيجب على الرجال أن يهتموا بأمر نسائهم.
تعليمها المحافظة على وقتها، سواءً كانت زوجة أو أم أو أخت أو بنت أو خالة أو عمة، أياً ما كانت، تعليمها المحافظة على وقتها، عدم إضاعة وقتها بالأشياء التافهة، بعض النساء قد تضيع وقتها بالمكالمات الهاتفية الطويلة بدون فائدة تذكر، فإذاً هو يرشدها، ويعلمها، ويراقبها، ويلاحظها، ويقيها النار، ويعلمها أدب الرد على الهاتف، وكيفية محادثة الرجال الأجانب، ما هو الأدب في ذلك؟ وما هي المحاذير؟ وما هي الأشياء التي يجب عليها أن تنتبه إليها؟ وينتبه للمنكرات التي تحدث أثناء تسوقها، وما هو من الممكن أن يحدث لها من الحرام عندما تنزل إلى السوق، وكيف يجنبها هذا الحرام؟ فهو مسئول عن ذلك.
стр. 597
متابعة الزوجة في الخروج إلى الأسواق
﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] مخالطة أهل المنكرات وأماكن المنكر، في الأسواق عند الخياطين وفي أماكن النزهة في الحدائق والخلوات، يجب عليه أن ينتبه لزوجته، وبعض الناس عندهم دياثة عجيبة، وتبلد في الإحساس، فإنه أبداً لا يلتفت إلى زوجته في هذه القضايا، ويدع ابنته تذهب كيفما شاءت، لا رقيب ولا حسيب، تذهب مع من تشاء، وتمضي الوقت مع من تشاء، يذهب بها إلى الحديقة والمنتزه، ويفلت لها الزمام تلعب كما تشاء، وهو مسئول عنها، ومثل الإثم الذي اكتسبته يكن على ظهره؛ لأنه كان باستطاعته أن يمنع ذلك ولم يتحرك.
والرسول ﷺ كان يغضب لله ، وكان يغار أن تنتهك أدنى حرمة من حرمات الله، روى البخاري ﵀ عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل -وفي رواية مسلم: فاشتد ذلك عليه، تقول عائشة: ورأيت الغضب في وجهه، وفي رواية أبي داود: فشق ذلك عليه، وتغير وجهه، وعوداً إلى سياق البخاري - فكأنه تغير وجهه -كأنه كره ذلك- فقال: يا عائشة! من هذا؟ فقالت: إنه أخي -أي: أخوها من الرضاعة- فقال: انظرن من إخوانكن -تحققن وابحثن في الأمر- فإنما الرضاعة من المجاعة) أي: انظري يا عائشة! وابحثي ودققي، هل وقعت الرضاعة في وقت التأثير، أم أنها وقعت خارج ذلك الوقت فلا تؤثر، ولا تنتشر الحرمة بسببها؟ مراقبة المرأة عند خروجها، وكيفية حجابها مسئولية الرجل، هل هو سابغ؟ هل هو ساتر؟ هل هو سميك؟ هل هو خال من الطيب؟ هل هو لا يشابه لباس الرجال ولا لباس الكافرات؟ هل هو فضفاض غير ضيق؟ هذه مسئولية يجب على الرجل أن يراقب زوجته وابنته كيف تخرج.
стр. 598
متابعة الزوجة في الأعراس والأخلاق والصديقات
يا أيها المسلمون: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] والمسألة ليست سهلة، والإفراط فيها في هذا الزمن غريب عجيب كثير حاصل شائع ومتفش.
المكياج والزينة ذهاب المرأة إلى الأعراس والولائم إلى أين تذهب؟ ما هو الوضع هناك يا ترى؟ هل الوضع في ذلك العرس والوليمة مرض لله؟ هل تسمح لها بالخروج أم لا؟ يحب عليك أن تتحقق.
يا جماعة: لماذا نفلت نساءنا؟ لماذا نفلت لهن الزمام يعبثن؟ والمرأة خلقت من ضلع أعوج، هناك من النساء من استقامت على شرع الله، تعرف بنفسها الحرام من الحلال، وتجنب نفسها الحرام ربما أكثر من بعض الرجال، ولكن هناك كثير من النساء في الجانب المقابل، لم يحصل عندهن ذلك النوع من التقوى، فمسئولية الرجل أن يحمي ذمته وألا يخفرها، فيراقب لسان الزوجة أو البنت في الغيبة والنميمة، وفي الغيرة والحسد، وفي الأشياء التي تبدر من المرأة، يهيئ لها الجو لتعاشر الصالحات، ويمنع غير الصالحات من دخول بيته، وبعض الناس يوصلون نساءهم إلى أماكن لا يدرون ما هي، ويرمي زوجته هكذا من السيارة أو يجعلها تذهب مع السائق دون أدنى استفسار إلى أين ستذهب؟ أليس هذا أمراً شنيعاً يودي إلى منكرات ومصائب عظيمة في المجتمع؟ ينبغي أن تراقبها فيمن تكشف عليهم من المحارم والناس، هل هو محرم لها تكشف عليه أم لا؟ من هذا الشخص الذي تصافحه أو يريد أن يصافحها؟ قضية الجليسات قضية مهمة جداً، وكثير من المشاكل التي دخلت في كثير من البيوت بسبب جليسات السوء، هل تتصور أن امرأة تأتي وتطلب من زوجها أن يأتيها من الخلف في المكان المحرم؟ لماذا؟ لأنها سمعت امرأة في مجلس تنصحها بهذا الأمر.
انظروا -أيها الإخوة- من تخالط نساؤكم، من هن الجليسات للنساء؟
стр. 599
متابعة الزوجة في الخروج للعمل
خروج المرأة خارج البيت كثيراً ما يؤدي إلى الفساد، وعمل المرأة من أبواب الشر العظيمة التي لو لم تجعل إلا في نطاق الضروريات، وفي نطاق النساء التقيات لحصل فساد عظيم، وبين يوم وآخر نسمع عن قصص مأساوية في البيوت بسبب خروج المرأة للعمل ونحوه، ذهبت إلى العمل وتوظفت في شركة، ثم تعرفت على رجل عن طريق العمل، سافر الزوج فكانت النتيجة أن تستقبل ذلك الرجل الأجنبي في بيتها أثناء غياب زوجها، من أين بدأت العلاقة؟ من العمل.
خروج المرأة للعمل أمر خطير جداً، ينبغي أن يضبط وأن يراعى، ومكائد تحاك حول الدين وحول المرأة المسلمة من أعداء الله من العلمانيين ونحوهم، الذين يريدون أن يخرجوا المرأة وأن يهدموا آخر معقل من معاقل المجتمع الإسلامي.
стр. 600
تربية الأولاد والاهتمام بهم
ينبغي للأب أن يكون له إشراف على أولاده، فالأولاد داخلون في الأهل دخولاً أولياً، بل إن بعض العلماء يرى أنهم داخلون في النفس، فقالوا: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم:٦] يدخل فيها الأولاد، لأن الولد خرج من صلبك أنت، فيرى بعض العلماء أنهم داخلون في قول الله : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [التحريم:٦].
ينبغي للأب أن يصون ولده عن نار الآخرة كما يصونه عن نار الدنيا، لو قلت للأب: ولدك تضعه في نار الدنيا، يصيح ويقول: لا، كيف هذا؟! هل أنا مجنون؟! لكن قد لا يصونه عن نار الآخرة.
ينبغي تربية الطفل المسلم تربية إسلامية جيدة، فيعلم فروض الأعيان، وبعض فروض الكفاية التي يمكن أن يحتاج إليها، وتنمي المشاعر الإسلامية فيه، وتغرس الأماكن الطيبة: المسجد الخطبة العمرة، القصص الإسلامية، يعلم سير الأنبياء، الصحابة السلف، فيراقبه في صلاته، ويراقب ماذا يقرأ أطفالنا، بماذا يلعب أطفالنا، وماذا يشاهد أطفالنا، تربيتهم على التوحيد وعدم البداية من الشرك وتعليق التمائم في رقاب الأولاد، فينشأ الولد على الشرك منذ نعومة أظفاره.
стр. 601
الأولاد ومنكرات البيوت
أيها الإخوة: إن أولادنا وأطفالنا يُجرم في حقهم في هذا العصر إجرام عظيم، ويشاهد الطفل من المنكرات في البيت ما الله به عليم، وتنغرس في نفسه في كل يوم، ويشرب قلبه كل يوم من حب المنكرات والمعاصي أشياء كثيرة بسبب ما يشاهد في البيت.
أستاذ في مرة من المرات يتكلم مع طالب في أول مرحلة من مراحل الدراسة الابتدائية، فيقول الطالب: أنا أبي يشرب الخمر في البيت، لكن إذا جاءه أصحابه ليشربوا الخمر يخرجنا من الغرفة.
يقول المدرس: لعله عصير أو ماء، فقال الطالب: لا.
أنا أعرفه، إنه خمر.
هذا الولد الصغير عمره ست سنوات يقول هذا، ذلك المجرم يظن أنه لما أخرج الولد من الغرفة أن الولد لا يدري ماذا يحدث، والولد يعلم كل شيء، أليس كذلك؟ هذه الحوادث الواقعية هي التي تنبئنا.
أيها الإخوة: عندما يقول ولد صغير: إن أبي يفعل مع الخادمة مثلما تفعل أمي مع السائق، ماذا نرجو من وراء هذا الغرس الذي يغرس في بيوتنا؟ وأي حياة وشقاء ونكد يتوقع أن يكون عليه أولئك الأطفال، وهم يشاهدون هذه المنكرات في البيوت؟ مع الأسف كثير من الأشياء التي يسمعها أطفالنا تصادم الدين والعقيدة، وتغرس فيهم الكفر والشرك، حتى إنك تجد في بعض أفلام الكرتون تغرس في نفس الطفل حب السحر والسحرة والساحرة، وأنه شخص طيب، ويساعد الطيبين، وهو ضد الأشرار، والسحر كفر كما قال ﷺ .
مرة من المرات كنت أقلب إبرة المذياع، فاستقرت على قصة للأطفال تقولها مذيعة من المذيعات، ماذا يكون في بالكم وماذا يخطر في بالكم أن تكون القصة؟! وهذا شيء سمعته بنفسي: النملة مجتهدة تجمع الطعام وتدخره في جحرها، والصرصور كسلان لا يجمع الطعام ويبعثره ولا يحتاط لأمره، فجاء فصل الشتاء، والنملة في خير، فخرج الصرصور جائعاً، فطرق باب جارته النملة -حتى الآن كلام شبه مقبول- وقال: أقرضيني حبوباً وأردها لك في السنة القادمة، هنا قالت المذيعة: مع الفائدة طبعاً، تقول المذيعة: الصرصور يقترض من النملة ويردها في السنة القادمة مع الفائدة.
ماذا ينغرس في نفس الطفل وهو صغير يسمع هذا البرنامج؟ نحن نفاجئ بانحرافات الأولاد، ثم نقول: عجيب ماذا فعلنا؟! من أين الخطر؟! ومن أين منشأ المشكلة؟ منشأ المشكلة هو ما يسمعه هؤلاء الأطفال وما يشاهدونه، الصرصور يقترض من النملة بالربا -بالفوائد- لأن القصة لا تصلح أن تقال إلا بهذه الطريقة: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
ونحن عندما نقول: استوصوا بأطفالكم خيراً، فإننا لا نعني أن المسألة تكون فقط معلومات تصب على ذهن الطفل ودماغه دون ترو ودون إعطائه الحق في اللعب، أو اللهو المباح البريء، بل من حق الأطفال على الأباء أن يوفروا لهم الألعاب المفيدة، وأنواع اللهو البريء، هل تتصورون أن أباً من الأباء لا يشتري لأطفاله أي نوع من أنواع الحلوى أو البسكويت؟! وهذا لأن الأب لا يحب الحلوى شخصياً، فلذلك هو لا يشتري لأطفاله أي نوع من أنواع الحلوى، ويبخل عليهم بذلك، ويقول: هذه أشياء تافهة غير ضرورية، ولا يحضر لهم ألعاباً عند العيد؛ لأنها ليست مفيدة بزعمه، ويرفض أن يعطي الأم مالاً لتشتري لهم به، فتضطر المسكينة أن تشتري بمالها الخاص، أو أن تقترض من أهلها لتشتري لأولادها ألعاباً، أو تأخذ وتدخر من الضيافة التي تأخذها من الناس أثناء زيارتها لهم، فتدخر حلوى لأولادها لأن الرجل لا يأتي بالحلوى للأولاد: (وإن لأهلك عليك حقاً).
أيها الإخوة: لقد تكلمنا في درس منفصل كامل عن تربية الطفل المسلم، لكن نقول باختصار: إن عدم الاهتمام بالطفل في مقتبل أمره وعمره، يؤدي إلى انحرافه في المستقبل غالباً، فلو ترك الولد دون تدخل سلبي من الأب أو الأم فإنه سينحرف في الغالب، لأن المجتمع فيه قذارات، المدرسة فيها قذارات، الشارع فيه قذارات، الجيران عندهم قذارات، أقران السوء عندهم قذارات، إذا ما انحرف الولد بهذا السبيل سينحرف بالسبيل الآخر.
هذا إذا ترك لوحده هكذا دون أن يعمل الأب والأم له شيئاً، فكيف إذا كان بعض الآباء هو المفسد.
وهذه أشياء واقعية سمعتها بنفسي، رجلٌ يجلب الأفلام الداعرة الخليعة إلى بيته، ويجبر أولاده الصغار أن يقعدوا منذ نعومة أظفارهم ليشاهدوا هذه الأفلام، بنت عمرها سنتين ونصف تفتحت عيناها على هذه الأفلام، وهو يجبرها ويأتي بها ويقعدها أمام الفيديو لتشاهد الأفلام، وتقول: إذا ذهب أبي إلى الخارج، وأخذنا في الصيف أو في العطلة، فإنه يدخل المرقص في بلاد الكفار، ونحن قد كبرنا فيسلمنا إلى الشباب الكفرة الذين يرقصون ليراقصونا، ويفعلون بنا ما يشاءون.
نماذج كثيرة عجيبة غريبة لا تمت إلى دين، ولا إلى خلق، ولا إلى عفة، ولا إلا صيانة، ولا إلى ستر بأي نوع من أنواع العلاقة، موجودة في مجتمعاتنا ليست في مجتمعات الأمريكان والإنجليز والكفرة، موجودون بيننا هنا، هكذا يربون أطفالهم، ثم نقول: لماذا تتفشى الفواحش في المجتمع؟ لماذا المنكرات كثيرة؟ لماذا الزنا كثير؟ لماذا الفاحشة؟
стр. 602
لوط واهتمامه بأهله
لوط ﵇ لما كان في مجتمع قذر رفض أهل ذلك المجتمع الابتعاد عن الفاحشة، فماذا كان لوط ﵇ يقول؟ كان يقول: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:١٦٩] لوط ﵇ يشعر بوطأة الجاهلية وثقلها عليه وعلى أفراد أسرته، هؤلاء الذين يفعلون الفاحشة لا يريدون أن يتوبوا، فيقول لوط ﵇ وقد شعر بذلك الثقل الذي تضغط به تلك الجاهلية الشريرة في عصره على أعصابه وعلى أهل بيته، وهو يجأر إلى الله وينادي ربه ويقول: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:١٦٩].
فقد كان حريصاً على أهل بيته من الفاحشة، والآن ينبغي لكل عاقل مسلم أن يقول: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:١٦٩] لأن الفواحش موجودة في المجتمع مثل قوم لوط أو أكثر: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء:١٧٠] وهذه عاقبة الصدق والإخلاص والتوبة والدعوة إلى الله وتغيير المنكر: ﴿إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء:١٧١] كانت مجرمة تنقل أخبار أضياف لوط إلى قومه لكي يأتوا ويطالبوه بالضيوف ليفعلوا بهم الفاحشة.
стр. 603
حال الأولاد إذا لم يربوا
وعندما يكبر هذا الولد ويترعرع مع تأثيرات المجتمع الفاسدة المنحلة وعدم التربية تخرج منهم أمثال العبارة التي سأقولها لكم في هذه القصة المدهشة، التي تنطوي على هذه العبارة المدهشة، التي تحتاج إلى تفكير طويل حتى تعلم كيف انبعثت! الأب والأم والولد أمام الشاشة، خرجت الممثلة بصورتها الفاتنة الجميلة، وهم ينظرون، والولد يحملق في الشاشة ويبحلق، وعندما ظهرت صورة تلك المرأة في غياب عقله-الآن هو غائب في المنظر- انطلقت منه الكلمات وهو ينظر في وجه المرأة الفاتنة، فيقول: كم تعب ربنا حتى خلقك؟! انظر إلى هذا الحالم والغائص في المسلسل، فهو يفكر الآن في المسلسل وفي المرأة وينظر إليها، وقد يكون نسي أن أباه وأمه بجانبه، سبحان الله! هذه العبارة الواحد يقف أمامها حائراً، الولد في مرحلة المراهقة، ويتساءل: كم تعب الله إلى أن خلق هذه المرأة! وهذه ما قالها شخص شيوعي ملحد، بل قالها واحد من أبناء المسلمين الذين يعيشون هنا.
عقيدة غير موجودة، وأخلاق غير موجودة، عفة لا توجد، احترام الله أمر معدوم، تعالى الله عن هذا الكلام علواً كبيراً، اليهود لعنوا لأنهم قالوا: إن الله خلق العالم في ستة أيام ثم استراح يوم السبت، انظر اليهود يقولون: الله خلق الدنيا كلها السماوات والأرض في سنة أيام ثم استراح يوم السبت، وهذا الآن يقول: كم تعب؟ أليست مقالته أسوأ من مقالة اليهود الذين لعنوا؟! ويواجه بعض الأباء في بيوتهم في هذه المجتمعات تطورات عجيبة من قبل الأبناء طبعاً؛ لأن التربية إذا أهملت من البداية، وخرج الولد وعايش رفقاء السوء في المدرسة كيف تصلحه وقد كبر وتكونت شخصيته؟ فهو يتمرد الآن، ويفوت قطار الإصلاح في كثير من الأحيان.
رجل يشتكي، ويقول للشيخ ابن باز: عندي أولاد لا يصلون أبداً، نصحتهم وكلمتهم ووعظتهم وشتمتهم ولا فائدة، ماذا أفعل؟ كثير الآن من الآباء يقولون ويشتكون مثل هذه الشكوى.
فيقول الشيخ حفظه الله: انصحهم، فإذا بلغوا عشراً يضربهم إلى البلوغ، أما عند البلوغ فلا ينفع الضرب بعده، فالضرب عند البلوغ لا يورث إلا أحقاداً، وربما رد الولد بالصاع صاعين على أبيه، وكم تسمع من أولاد يقول أحدهم -بحنق وغلظة عبارات على أبيه- كنت أريد أن آخذ الكرسي وأضربه، أو آخذ العقال وأضربه، وأعلمه ألا يمد يده عليّ، إذا بلغوا ولم يستقم أمرهم فيبلغ بهم من يقيم عليهم حد الردة -القتل- إذا لم يصلوا، وإن لم يستطع يخرجهم من بيته.
وهذا الكلام يستثنى منه إذا كان إخراجهم من البيت يؤدي إلى مشاكل أكبر، وإلى وقوعهم وأن تسوء أحوالهم أكثر وأكثر، فعند ذلك لا يكون من الحكمة إخراجهم من البيت، لكن إذا كان إخراجهم من البيت سيدفعهم ويضطرهم إلى الرجوع إلى البيت وهم يصلون، لأنهم لا يجدون مأوى ولا مصروف، فيجب على الأب أن يطردهم من البيت، وألا يؤوي في بيته أناساً لا يصلون.
فإذا استنفذ الجهد والطاقة والوسع، ونصح وتكلم وليس هناك فائدة، وكان إخراجهم أقل ضرراً من بقائهم، وكان إخراجهم لا تترتب عليه مفسدة أكبر من بقائهم، فإنه يجب أن يخرجهم من البيت، ولو كانوا أولاده من صلبه.
стр. 604
البقاء مع الأهل وعدم الانقطاع عنهم
البقاء مع الأهل وعدم الانقطاع عنهم: يجب أن يكون الرجل المربي الناصح قريباً من أهل بيته، بعض الناس يسافرون سفريات طويلة جداً، وهذه السفريات الطويلة جداً تؤدي إلى مشاكل كثيرة في البيوت، فتسمع أخباراً عجيبة.
فهذه لما سافر زوجها جاءها فلان وفلان، مشاكل متشعبة وشائكة، ولو كان الضرر أقل من هذا، فإنك تجد أن بعض الناس الذين يسافرون في تجارة أو حتى في طلب علم أو دعوة إلى الله، لو كان سفرهم يؤدي إلى تضييع أهلهم فحرام عليهم أن يسافروا، بعض النساء قد يكون فيها خير، لكن زوجها يهجرها أسبوعاً أو أسبوعين وشهراً أو شهرين وثلاثة وأربعة أشهر وهو مسافر مبتعد عنها، تقول: لا أجد ماء أشربه، فضلاً عن الأغراض الأخرى، كيف تشتري الأغراض؟ مرض الولد الصغير من يذهب به إلى المستشفى؟ تضطر إلى الذهاب به أحياناً بسيارة الأجرة، هل هذا واقع صحيح؟ وهل سفر هذا الرجل يبرر مثل هذه الأشياء؟ أم أنه إنسان ظالم لنفسه وأهله عليه من الله ما يستحق لأجل التضييع والتفريط؟ الرسول ﷺ يوصي ويقول -انظروا أيها الإخوة الشريعة فيها حكم: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجل الرجوع إلى أهله) لأن إطالة الابتعاد عن الأهل مضرة، فعليه أن يعجل بالرجوع إلى أهله، ولا يطيل عليهم الغياب، وأقل ما فيها يصحبهم معه إن كان ولابد، أما أن يهجرهم ويسافر عنهم شهوراً فهذا من الجرائم، وكثير من الساقطات المنحرفات في المجتمع، سبب انحرافها أن زوجها غائب عنها لا يأتيها.
واحدة تقول: إن زوجي لا يأتيني من خمس سنوات، وأخرى تقول: أنا معه الآن منذ أكثر من عشر سنين، لكن لا يعاشرني معاشرة الزوجة، فهو يأتي يدخل البيت ويأكل وينام ويمشي.
فهذا سبب من الأسباب التي يتولد عنها انحراف الزوجة، وقد يبتعد أحياناً عن أهله بسبب زوجة أخرى، وهو شيء طيب وحلال، لكن إذا لم يحسن هذا المتزوج توزيع وقته والعدل كما أمر الله تقع المصائب، بل قد يميل إلى زوجته الثانية فيترك زوجته الأولى بالكلية، ويترك أولادها، لا يأتيهم ولا يسأل عنهم، ولا يزورهم، ولا يعطيهم الحنان ولا العطف، وقد يكون ولا حتى المصروف.
ونسمع قصصاً عجيبة، هذا رجل تزوج بأخرى، فصار يسب بناته من الزوجة الأولى ويشتمهن، ويتهمهن بالفاحشة، ويضرب زوجته الأولى في الشارع أمام الناس، وتضطر الأم المسكينة بالتالي أن تعمل، وأن تصرف على الأولاد في البيت، وربما يكون هؤلاء كلهم من البنات، وحالة الجميع سيئة، والسبب أنه لم يفكر أصلاً في قول الله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
стр. 605
عاقبة إهمال تربية الزوجة والأولاد
عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيعه؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) ففي يوم القيامة تصل قضية المساءلة والحساب أن يسأل عن أهل بيته: أحفظتهم أم ضيعتهم؟ وهذا التضييع الذي تنتج عنه كثير من الفتن، وعلى رأسها الخيانات الزوجية، من ماذا؟ من تضييع الأهل تنتج الخيانات الزوجية المتبادلة من الطرفين.
جار عنده مفتاح بيت جاره، فإذا ذهب الجار إلى العمل فتح الباب ودخل وعاشر زوجة ذلك الرجل، وتختلط الأنساب ولا تدري هذا ولد من.
ويحدث من وراء ذلك من المصائب والنكبات وخراب البيوت أشياء نسمع عنها صباحاً ومساء، ناهيك عن الفواحش التي تحدث في البيوت من الآباء أو الأبناء مع الخادمات مثلاً، ومشاكل البنات والزوجات مع السائقين والخدم، ما هو أثر ذلك في البيت؟ وما هي عقوبة الله المنتظرة لهؤلاء الناس؟ بل إن تضييع الأهل، وعدم التربية والملاحظة، ينتج عنه نكبات أكثر من ذلك، ونسمع كثيراً عن جرائم اعتداء الأولاد الكبار في البيوت على أخواتهم، وتقع المشكلة وبعد ذلك يقولون: البنت لم تعد بكراً.
وهل تعلمون أن من وقع على محرم من محارمه فإنه يقتل حداً في دين الله حتى ولو لم يكن قد تزوج؟! فإن هذه جريمة عظيمة، وقصص تشيب لها الرءوس، وتذوب لها القلوب إن كان في تلك القلوب إيمان وإسلام.
أخ يرش على أخته مادة مخدرة ثم يأتيها.
أب متزوج من أكثر من زوجة، وهناك أخ يأتي أخته من زوجة أبيه، وأخوه الأصغر يأتي ويهدده، ويقول: سلم لي أختك.
وهناك حاجات وأشياء ما كان الواحد يتصور أنه في يوم من الأيام يحدث ذلك، إلا بعد أن تسمعها فتفاجئك الحقائق والحوادث بأشياء، أقسم بالله العظيم إنه يتبين للإنسان حلم الله بأن العقوبة والعذاب لم ينزل منذ زمن بعيد.
وبعض الأحيان يصل بعض الأهل والقرابة إلى درجة من السوء لا يصح اعتبارهم بأي حال من الأحوال من الأهل، بل يجب منابذتهم ومعاداتهم وطردهم والتبرؤ منهم، قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦]، ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم، فأولئك المؤمنون من أهلك، لكن هذا الولد الكافر ليس من أهلك، وليس من الناجين.
هذا موقف التبرؤ قد يضطر لاتخاذه أحياناً بعض الناس، لما تسمع قصة مثلاً، أن الرجل الشائب الضعيف المسكين يقول: بنتي تخرج إلى الشارع وتركب مع أي سيارة وتأتي وتذهب، والبنت الأخرى نفس الشيء، وعندما وعظتهم وكلمتهم وكلمت أمهم في البيت، قالوا جميعاً بلسان واحد: هذه طريقة عيشتنا، إذا لم يعجبك فاخرج من البيت، ماذا يفعل؟ هناك حالات كثيرة في المجتمع من هذه الأنواع من المصائب.
وفي بعض الأحيان يكون من مصلحة هذا الشخص، ومصلحة أولئك المجرمين أن تبلغ بهم الجهات الرسمية، كهيئة الأمر بالمعروف أو مكافحة المخدرات مثلاً، لعلهم أن يفعلوا معهم شيئاً، فالمسألة خرجت عن طور التحكم، وصارت الآن خارج الموضوع، وهناك كثير من الناس الذين فقدوا السيطرة والتحكم على بيوتهم وعلى بناتهم وأولادهم.
стр. 606
فضل الدعاء
وبهذا يتبين لنا -أيها الإخوة- عظمة الدعاء الذي علمنا إياه ﵊، دعاء نردده صباحاً ومساء: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي -انظر العفو والعافية في ديني ودنياي- وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي الحديث) يدعو به ﷺ عليه وسلم صباحاً ومساءً، لعل هذا الدعاء إذا خرج من قلب حي متصل بالله ، أن يُحفظ الأهل والبنات والأولاد بسبب دعاء أبيهم الصالح أو أخيهم الصالح.
حتى في السفر ماذا كان ﷺ يقول؟ (اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل) كأن الواحد يقول: اللهم اخلفني في أهلي بخير، إني استودعتك أهلي فاحفظهم، والله إذا استودع شيئاً حفظه كما قال ﵊: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل).
ولذلك الإسلام ينمي في المسلم الغيرة والدفاع عن أهله وعرضه، ويعتبر الإسلام أن من قتل دون أهله فهو شهيد: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شيهد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) حديث صحيح.
وينبغي كذلك ألا يكون الأهل حائلاً بين الإنسان وبين طاعة الله، وألا يشغلوه عن طاعة ربه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤] ما هي حجة المنافقين لما تخلفوا عن الجهاد؟ ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح:١١] هناك أناس عندهم إفراط، وأناس عندهم تفريط، ويحتاج الأمر في كثير من الأحيان إلى وقفات صارمة، أحياناً الزوجة يكون زوجها لا يصلي، فهي تنصحه وتقيم عليه الحجة وتذكره بالله فلا يصلي.
ماذا تفعل؟ لا يجوز لها أن تبقى معه لحظة واحدة أبداً، لأنه مرتد عن الدين، لا يجوز أن يعاشرها، ولذلك عليها أن تفارقه، فهذا رجل من أهل السوء، من أسوأ من خلق الله، مرتد عن الدين، ويهاجم الدين ويهزأ بالدين لا يصلي ولا يفعل أي فرض من الفرائض، تقول له زوجته: اتق الله، صلِّ، رفض، قالت له: أفارقك ولا أقعد معك لحظة واحدة، فقال لها المجرم: وقعي إقراراً بأنك لا علاقة لك بالأولاد وأنك قد تخليت عنهم، وليس لك شأن بهم، وقعت الورقة وقالت: خذ.
ولما رأى إصرارها ورأى موقفها انقلب وصار يصلي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] وحتى لو لم يكن لديها مكان تخرج إليه، بل لم تستطع أن تخرج إلى مكان آخر، فإن الحكم الشرعي أن تتحجب منه، ولا تمكنه من نفسها أبداًً، وتعيش في نفس البيت مكرهة، لكن هو أجنبي عنها، لا تخالطه ولا تعاشره ولا تمكنه من نفسها، ولو ضربها وأكرهها فإن الإثم عليه هو.
стр. 607
علاج مثل هذه الكوارث ودور الدعاة
وأخيراً أيها الإخوة! ما هو العلاج لهذه الكوارث؟ هناك أملٌ في الله كبير، في الصحوة الإسلامية المباركة التي بدأت تعيشها مجتمعات المسلمين، الأمل في الدين، الأمل في المتدينين، الأمل في المتمسكين بالدين الآن، هم الذين عليهم المعتمد بعد الله في إنقاذ المجتمع من الشرور.
ما هو موقف أولئك المستقيمين على شرع الله؟ كيف ينبغي أن يكون دورهم في علاج ومواجهة مثل هذه المواقف؟ ينبغي أن نتغلغل في أسباب الداء، لماذا لا ينتشر الإصلاح في المجتمع بقوة؟ هناك من أولئك جيل الصحوة أناس عرفوا الله والطريق، وأناس عرفوا الله وأخطئوا الطريق، فتجد من هؤلاء من يحدث عنده تفريط فيتقوقع على نفسه وعلى بعض إخوانه الطيبين، وينزوي عن المجتمع، ويقول: مالي وللناس، مالي وللبيت، مالي ولأهلي، وقد يصيبه الاشمئزاز من بعض ما يفعلونه، فيتركهم ويبتعد عنهم، ويقول: أنا الآن علي بنفسي ولا شغل لي بالآخرين، لو كانوا إخواني أو أخواتي أو أمي وأبي ليس لي علاقة، ويقول: أنا الآن فقط أربي نفسي.
فهذا تفريط وإهمال، لماذا تتخلى عن المسئولية؟ هل أنت تدخل في قول الله : ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] أم لا تدخل؟ إذاً لماذا تتخلى الآن عن المسئولية؟ ولماذا تنطوي وتنعزل وتتقوقع على نفسك؟ وفي الجانب الآخر يوجد نوع من الإفراط في الأمر، وأخذ المسألة بالعنف، بعض الناس يريدون أن يصلحوا البيوت والمنكرات والانحرافات بالعنف والشدة المنافية للحكمة التي أمر الله بها، فتأتي النتائج غالباً عكسية، ويتضاعف الكره للدين وللمتدينين.
ولذلك أيها الإخوة: يجب أن يكون دور أولئك المستقيمين على شرع الله، الملتزمين بدين الله في بيوتهم دوراً إيجابياً، ويجب على أولئك الناس الذين هم أفراد من جيل الصحوة أن يستشعروا المسئولية التي أناطها الله بهم، والتي شرفهم الله بالقيام بها، ينبغي على كل واحد من هؤلاء أن يبني شخصية قوية داخل بيته، قوية للإسلام واعية، تقوم بواجب الدعوة إلى الله والتوجيه، وتواجه الانحرافات بالحكمة، وبإقامة البرهان والدليل، وباللجوء إلى القوة في الوقت المناسب، وفي الإنكار بدرجات الإنكار حسب المصلحة الشرعية.
على أولئك أن يبدءوا بنشر الوعي الإسلامي في البيت بنشر الكتاب الإسلامي، ونشر الشريط الإسلامي، وفتح القنوات أمام أهل البيت حتى يذهبوا إلى المحاضرات والدروس، وأن يأتوا لهم بالمجلات الطيبة، والكتب الإسلامية الطيبة، يجب على كل واحد من أولئك الشباب وغيرهم من الكبار ممن هداهم الله أن يكون لهم دور إيجابي في بيوتهم، يؤثرون على آبائهم وأمهاتهم، وإخوانهم وأخواتهم، وأن يربطوا إخوانهم -مثلاً- بأصدقاء طيبين، وأن يبعثوهم إلى الأماكن الطيبة، لتبدأ تلك البذور في التفتح، وتختفي الانحرافات التي وجدت في بيئات الشر والفساد.
ويجب على الشاب ألا يحتقر نفسه، وكثيرٌ منهم ولله الحمد بدأ لهم ثقل واضح في المجتمع، وبدأ لهم وزن في الأوساط الاجتماعية، فكثير من أولئك المستقيمين قد تزوج وأنجب، أو هو يعمل في وظيفة محترمة، وربما صار ينفق جزئياً أو كلياً على أسرته، وتغيرت النظرة إلى كثيرين من أولئك، ولم يعودوا ينتقدون ويعاب عليهم مثلما كانت النظرة الأولى.
فعلى أولئك أن يقدروا أن وزنهم في المجتمع قد تغير، وأن نظرة المجتمع إليهم قد تغيرت، وأن الكثيرين من الغرقى بدءوا يمدون أيديهم طلباً ليد العون، ويطلبون منهم المساعدة، وقد لا يطلبونها منهم تصريحاً، ولكن يتمنون في قرارات أنفسهم أن يأتي من أولئك المتدينين المستقيمين من ينتشلهم من تلك الأوحال، ويعلمهم ويوجههم ويرشدهم.
على أولئك من أفراد جيل الصحوة الإسلامية المباركة -إن صحت هذه التسمية- أو قل المستقيمين الذين هداهم الله، أن يبعدوا أهلهم عن مصادر الشر من الأسواق ونحوها، والأجهزة المفسدة المرئية أو المسموعة أو المقروءة، وعن جيران السوء وأقرباء السوء وأصدقاء السوء، وأن يحبوا الخير لأهليهم ولإخوانهم، وألا يقول واحد منهم: الحمد لله أنا على خير، وليذهب أخي في ستين جهنم، انظر ماذا قال العبد الصالح موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢].
إنه يحب الخير لأخيه، ويطلب إشراكه معه، فما كان أنانياً، وما قال: أنا أتفرد بالأمر، وإنما قال: يا رب! فدعا الله أن أشركه في أمري، كي يصبح معيناً لي على طاعة الله.
أنت إذا دعوت إخوانك وأخواتك في البيت، والتزم منهم بدين الله أفراد، فإنك تكون منهم جبهة داخلية في البيت، ويصبح الرأي العام أو أغلبه معك، وتستطيع من خلاله تكوين الرأي العام في البيت، فتغير المنكرات ولو بالقوة المستندة إلى الحكمة أحياناً.
وهناك كثير من البيوت لما التزم فيها الأولاد، وأخرجوا أجهزة الفساد، لم يجرؤ الأب والأم على إعادتها مرة أخرى، ورضخوا وتحسنت أحوالهم، وكم من أب اهتدى على يد ولده، وكم من أم التزمت على يد ابنتها.
ويجب أن يكون لك -أيها الأخ المسلم- موقف من الخلافات العائلية، وهذا جزء من مسئوليتك، فإنه في كثير من الأحيان قد تؤدي الخلافات إلى طلاق مثلاً، أو إلى انفصال، أو إلى هجر الزوجة لزوجها أو العكس، فعليك أن تقوم بدور في تقريب وجهات النظر، وإزالة الشقاق والخلاف، وأن يحل بمجهودك -بعد فضل الله- وئام وحب بين الأطراف المتنازعة، كثير من أولئك يقفون مواقف سلبية وهم يشاهدون الخلافات العائلية الموجودة، لا يحاولون أن يحركوا ساكناً، ولا أن يتوسطوا لإنهاء الخلافات، على أولئك الإخوة أن ينتبهوا لدورهم، وأن يقوموا بالإصلاح: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨] ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] نتيجة ماذا؟ السعي في الإصلاح.
وأختم هذا الدرس بكلمات لصاحب الظلال يرحمه الله: إن الإسلام دين أسرة، ومن ثم يقرر تبعة المؤمن في أسرته، وواجبه في بيته، والبيت المسلم هو نواة الجماعة المسلمة، وهو الخلية التي يتألف منها، ومن الخلايا الأخرى ذلك الجسم الحي: المجتمع الإسلامي.
إن البيت الواحد قلعة من قلاع هذه العقيدة، ولا بد أن تكون القلعة متماسكة من داخلها، حصينة في ذاتها، كل فرد فيها يقف على ثغرة لا ينفذ إليها، وإلا تكن كذلك سهل اقتحام المعسكر من داخل قلاعه، فلا يصعب على طارق ولا يستعصي على مهاجم، وواجب المؤمن أن يتجه بالدعوة أول ما يتجه إلى بيته وأهله.
واجبه أن يؤمن هذه القلعة من داخلها، واجبه أن يسد الثغرات فيها قبل أن يذهب عنها بدعوته بعيداً، ولابد من الأم المسلمة، فالأب المسلم وحده لا يكفي لتأمين القلعة، لابد من أب وأم ليقوما كذلك على الأبناء والبنات، فعبث أن يحاول الرجل أن ينشئ المجتمع الإسلامي بمجموعة من الرجال، لابد من النساء في هذا المجتمع، فهن الحارسات على النشء، وهو بذور المستقبل وثماره، ومن ثم كان القرآن يتنزل للرجال والنساء، وكان ينظم البيوت ويقيمها على المنهج الإسلامي، وكان يحمل المؤمنين تبعة أهليهم، كما يحملهم تبعة أنفسهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦].
هذا أمر ينبغي أن يدركه الدعاة إلى الإسلام، وأن يدركوه جيداً.
إن أول الجهد ينبغي أن يوجه إلى البيت إلى الزوجة إلى الأم، ثم إلى الأولاد وإلى الأهل عامة، ويجب الاهتمام البالغ بتكوين المسلمة لتنشئ البيت المسلم، وينبغي لمن يريد بناء بيت مسلم أن يبحث له أولاً عن الزوجة المسلمة، وإلا فسيتأخر طويلاً بناء الجماعة الإسلامية، وسيظل البنيان متخاذلاً كثير الثغرات، وفي الجماعات المسلمة الأولى كان الأمر أيسر مما هو عليه في أيامنا هذه، كان قد أنشئ مجتمع مسلم في المدينة يهيمن عليه الإسلام، يهيمن عليه بتصوره النظيف للحياة البشرية، وكان المرجع فيه من النساء والرجال جميعاً إلى الله ورسوله، وإلى حكم الله ورسوله.
ولكن نحن الآن في موقف متغير، نحن نعيش في جاهلية، جاهلية مجتمع، جاهلية تشريع، وجاهلية أخلاق، وجاهلية تقاليد، وجاهلية نظم وجاهلية آداب، وجاهلية ثقافة كذلك، والمرأة تتعامل مع هذا المجتمع الجاهلي، وتشعر بثقل وطأته الساحقة حين تهم أن تلبي دعوة الإسلام، سواءً اهتدت إليه بنفسها، أو هداها إليه رجلها زوجها أو أخوها أو أبوها، ولذلك فإنها ستجد كثيراً ممن يعاديها.
فلابد من إنشاء البيت المسلم، وإنشاء القلعة المسلمة، ويتعين على الآباء المؤمنين الذين يريدون البعث الإسلامي أن يعلموا أن الخلايا الحية لهذا البعث وديعة في أيديهم، وأن عليهم أن يتوجهوا إليهن وإليهم بالدعوة والتربية والإعداد قبل أي أحد آخر، وأن يستجيبوا لله وهو يدعوهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 608
الأسير الذي أسلم
قصة إسلام ثمامة بن أثال تبدو للقارئ لأول وهلة قصة عادية، إلا أنها تحمل في ثناياها ما لم يكن يتصوره المرء، ولا يدركه إلا من أطال التأمل فيها وقرأ ما بين السطور: لماذا ربط في المسجد؟ ما ظنه برسول الله؟ لم منَّ عليه رسول الله؟ أحداث ومواقف تستحق التأمل والتمحيص.
كل ذلك يدركه من رزقه الله نوراً يكشف به عن مشخصات الأمور وأحداث الوقائع.
стр. 609
أحداث القصة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، على آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فالقصة التي سنتحدث عنها في هذه الليلة -إن شاء الله- من قصص أصحاب النبي ﷺ في عهده ﵊، وهي قصة رجل من زعماء المشركين هداه الله تعالى في مسجد النبي ﵊، روى قصته الإمام البخاري ومسلم وأحمد في مسنده.
يقول أبو هريرة ﵁: بعث رسول الله ﷺ خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت.
فتركه رسول الله ﷺ حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك؛ إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتى كان من الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك؛ إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله حتى كان من الغد فأعاد السؤال وأعاد الجواب، فقال رسول الله ﷺ : أطلقوا ثمامة.
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وَجهِك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، والله ما كان من بلدٍ أبغض إليَّ من بلدك، فقد أصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة؛ فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ -في رواية البخاري ومسلم - فقال: لا، ولكن أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ .
هذه هي قصة ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة رضي الله تعالى عنه.
стр. 610
هدي النبي ﷺ في قتال الكفار
لقد بعث النبي ﵊ -كعادة المسلمين دائماً في جهاد واستعداد- معارك أو سرايا أو جولات استطلاعية تقوم بها خيل المسلمين حول المدينة، لإرهاب أعداء الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] وكذلك تغير على المشركين، وتحبط كل محاولة لغزو المدينة، وكان للنبي ﷺ ضربات وقائية، وكان هناك مفاجأة للعدو ومباغتة.
فجهاد النبي ﵊ إذا استطلعناه في عدد من الفنون والمجالات العسكرية، فأما أن تكون حرب مواجهة مع الكفار، مثل: معركة بدر، ومعركة أحد، ومعركة حنين ونحو ذلك، وإما أن تكون غارات مفاجئة على مواقع العدو الذين يستعدون لغزو المدينة فتحبط محاولاتهم واستعدادهم في مهدها، كما حصل في غزوة بني المصطلق، فقد أغار عليهم وأخذهم على حين غرة، وكان قد وصلت إليه أخبار بأنهم يستعدون لقتاله.
أو تكون سرايا استطلاعية، كما أرسل النبي ﷺ عدداً من السرايا لاستطلاع الأخبار، ليأتونه بالأخبار، كما بعث عشرة من رجاله عيناً في معركة ماء الرجيع.
وإما أن يكون خروجهم لتنفيذ مهمة معينة كاغتيال كافر، كما حصل في اغتيال سلام بن أبي الحقيق اليهودي، ومقتل كعب بن الأشرف.
وقد تكون المهمات الحربية لتحطيم بعض أوثان الجاهلية، كما أرسل خالد بن الوليد وغيره من الصحابة لتحطيم وتحريق أوثان كان أهل الجاهلية يعبدونها.
стр. 611
كيفية التعامل مع المشركين
وقد تكون الغارات التي يرسلها ﷺ للاستيلاء على قوافل المشركين في حرب اقتصادية، ونهب أموال الكفار التي أباحها الله؛ لأنهم من المحاربين وأموال المحاربين حلال، فإن الكفار عند المسلمين على ثلاثة أنواع: كافر مسالم، وكافر محارب، وكافر ذمي يعيش في بلاد المسلمين تحت حماية المسلمين ويدفع الجزية، والمعاهد مثله، فبينه وبين المسلمين عهد، أو دخل رجل كسفير للكفار يبلغ رسالة، فهذا يعطى أماناً حتى يبلغ الرسالة ويخرج، فمواقف المسلمين من الكفار بحسب أحوال الكفار أنفسهم.
فهؤلاء الكفار المحاربون أموالهم حلال للمسلمين، فلو نهب المسلمون في فلسطين -مثلاً- أموالاً لليهود فهي حلال لهم؛ لأن هؤلاء اليهود محاربون، وكذلك لو نهب المسلمون في كشمير -مثلاً- أموال الهندوس الذين يحاربونهم، وقطعوا القوافل، ونهبوا البضائع، أو نهبوا أموال الجيش الذي يقاتلهم فهي حلال للمسلمين، لكن نهب أموال الكافر المسالم الذي لا يحارب المسلمين، أو الكافر المعاهد لا يجوز، والمعاهد هو الذي أعطاه المسلمون -وليس الكفار ولا المجرمون ولا المنافقون ولا الطواغيت- بل الذي أعطاه المسلمون العهد والأمان فماله محترم، أي له حرمته، ولا يجوز أن ينهب.
وهناك بعض المسلمين الذي يعيشون في بلاد الكفار أو في بلاد الغرب يسرقون أموالاً من شركات اتصالات، وشركات نقل عام بحجة أنهم كفار، وهذا جهل؛ لأن المسلم الذي دخل بلادهم بعهد فلا يجوز له أن ينهب الأموال العامة عندهم، ولا يستطيع أن يثبت أن أصحاب شركة الهاتف هذه، أو أصحاب شركة النقل هذه يحاربون الإسلام، فإن المحارب للإسلام هو الذي رفع السلاح على المسلمين وأعان على حربهم، فقد يتساهل بعض المسلمين بالأخذ من أموال الكفار بحجة أنهم حربيون مع أن المسألة ليست كذلك.
فينبغي أن يُنّزل كل شيء في موضعه، وألاَّ ندخل في ظلم، فهناك أناس حربيون لا شك فيهم كاليهود في فلسطين فهم حربيون (١٠٠%) ومحتلون، وغاصبون، وقاهرون، وباغون، ومحاربون، ومقاتلون، وكل ما يمكن أن يقال عن الكافر المحارب فهو فيهم، فهؤلاء كل أموالهم حلال للمسلمين.
وقد يكون بعض الكفار أموالهم حلال، لكن جنس الطائفة أو الديانة التي هو منها أموالهم محترمة، فليس كل نصراني محارب ولا كل يهودي محارب، وكلٌّ بحسب حاله، وفقه هذه المسألة مما يعين في قضية الموقف من أموالهم؛ لأن بعض المسلمين عن جهل وعن هوى يسلبون أموال الكفار بدون حجة شرعية، وهذا حرام لا يجوز.
стр. 612
أسر ثمامة والحكمة من ربطه في المسجد
أغارت خيل النبي ﵊ قِبل نجد، وكانت ديار كفر لم يستول عليها المسلمون بعد، ولم تطبق فيها الشريعة، أغاروا عليها وأسروا رجلاً مهماً وهو ثمامة سيد أهل اليمامة، واليمامة: منطقة معروفة في نجد.
فأتي به إلى النبي ﵊ لقد كان المسلمون يُرهبون الكفار، وكان الكفار في قلق وانزعاج دائم، لأن المسلمين في غارات وحراسات مستمرة، لا يشعر الكفار بالأمان، وهذا من دوافع دخول كثير منهم في الدين؛ حتى يأمنوا على أنفسهم، فقد قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم).
لقد أسرت خيل المسلمين ذلك الرجل المهم عند الكفار، وهو سيدهم، فكانت تلك ضربة معنوية قاصمة لأولئك الكفرة لأن سيدهم قد أخذ، وكان النبي ﷺ قد ملئ حكمة وبعد نظر؛ ولذلك أمر بأن يربط ثمامة لكن ليس في خيمة، ولا في بيت مغلق، أو في سجن، وإنما وضع في المسجد، وربط إلى سارية من سواري المسجد.
إن ربط ثمامة إلى سارية من سواري المسجد معناه أنه يرى يومياً ما هي حياة المسلمين في المسجد، كيف يأتون إلى الصلاة مبكرين، وكيف يصلون ويدعون، ويذكرون الله، يُرفع الأذان فيطرق مسامع ثمامة خمس مرات في اليوم، ويسمع قراءة النبي ﵊، وسماع قراءة النبي ﵊ وحدها غاية في التأثير، فهذا جبير بن مطعم يقول عندما سمع قراءة النبي ﵊: ما سمعت قط صوتاً أحسن منه، عندما سمع قراءته بالتين والزيتون، وكذلك سمع رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] الآيات قال: فكاد قلبي أن يطير.
فسماع قراءة النبي ﵊ وحدها مؤثرة.
ثم إن المسجد مكان للصلح، كما في قصة كعب بن مالك وابن أبي حدرد لما توسط النبي ﷺ بينهما، فوضع صاحب الحق شيئاً من حقه، وأمر الآخر أن يبادر بالسداد، ومكان للتزويج وعقد النكاح، والتوفيق بين المسلمين، ومكان استضافة الغرباء، وإكرام من لا بيت له كأهل الصفة، ومكان لجمع التبرعات والصدقات، وذلك عندما جاء قوم مجتابي النمار إلى المسجد، فأمر النبي ﵊ المسلمين بالصدقة، وكان مكاناً لإرسال الجيوش والبعوث، ومكاناً تجلب إليه الغنائم وتقسم على حسب شرع الله، ومكاناً تجمع فيه زكاة الفطر وتقسم على الفقراء، ويؤتى فيه بخراج البحرين ويوضع في المسجد، ومكاناً للفتاوى والأسئلة والإجابات، وحلق الذكر ودروس العلم، والخطب النبوية المؤثرة، وهو المكان الذي يجتمع فيه المسلمون في المدينة إلى النبي ﵊ ليوقروه، ويعظِّموه، ويطيعوه ﷺ ، وهو المكان الذي يأتي الناس ليصلوا فيه النوافل والتراويح جماعة أحياناً.
وهذه المشاهد الموجودة في المسجد كفيلة بالتأثير في النفوس، ولذلك أمر النبي ﵊ من حكمته بربط ثمامة في المسجد، وليس في أي مكان آخر، وحول موضوع دخول الكافر إلى المسجد سنتحدث في آخر الدرس إن شاء الله.
стр. 613
ظن ثمامة برسول الله ﷺ
جاء النبي ﵊ إلى ثمامة وقال: ماذا عندك؟ أي: ما الذي استقر في ظنك أن أفعله بك؟ ما تظن يا ثمامة أنني فاعل بك؟ فأجاب بأنه يظن بالنبي ﵊ ظن خير، وأنه ليس ممن يظلم، وأن ظنه به أن يعفو ويحسن إليه، وأنه إن قتله فإنما يقتل ذا دم، أي: صاحب دم، لدمه موقع يشتفي قاتله بقتله، كأنه يقول: إذا قتلتني تقتل شيئاً كبيراً يحق لك انتقاماً، وتقتل رئيساً وعظيماً من العظماء.
وفي رواية: ذا ذم.
ومعناها: ذا ذمة، لكن لم يكن لهذا الرجل ذمة، ولذلك استبعدها بعض العلماء، وقد حاول النووي أن يوجه هذه الرواية ليكون معنى ذا ذمة: ذا حرمة في قومه، وليس أن ثمامة صاحب عقد ذمة، أو أن المسلمين قد أعطوه عهداً.
قال: وإن تنعم تنعم على شاكر، أي: يشكر لك منتك وفضلك عليه، وفي اليوم الثاني والثالث عرض عليه ما عرض عليه من قبل، وسئل عما سئل عنه من قبل، والنبي ﷺ لما رأى موقف ثمامة كما هو أمر بإطلاقه، قال بعض العلماء: إن ثمامة قد وافق في هذه المخاطبة قول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨].
стр. 614
إطلاقه ﵁ وإسلامه
قال: أطلقوا ثمامة، قال: قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك.
وهذا في رواية ابن إسحاق، وجاء فيها: أن المسلمين قد جمعوا له من طعام ولبن، فقدموه إليه فلم يصب من ذلك إلا قليلاً.
ولما أُطلق الرجل لم يرجع إلى قومه؛ لأن ما شاهده من المشاهد كفيل بأن يجعل الهداية تدخل إلى قلبه، فذهب واغتسل وأسلم ونطق بالشهادتين، ثم بشره النبي ﷺ بالجنة ومحو ذنوبه وتبعاته السابقة، وأخبر النبي ﷺ عما أحس به من محبة النبي ﷺ ، ومحبة دينه، ومحبة بلده، فانقلب البغض إلى حب وانقلبت الكراهية إلى محبة، واتضح من خلال التأثير كيف تنقلب مشاعر المدعو عكس ما كانت عليه.
لو وُجد المدعو في بيئة سليمة، وتعرض لمؤثرات صحيحة، ووُجد في جو طيب فإنه يتأثر، وهكذا حصل لـ ثمامة، حينما ربط في هذا المكان فتأثر وانقلبت مشاعره، فإنه كان يكره النبي ﵊، ويكره دينه، ويكره بلده، فصار أحب الوجوه إليه وجهه ﵊، وأحب البلاد بلده، وأحب الدين إليه دينه، زد على ذلك أن المنَّة التي مَنَّ بها ﵊ على هذا الرجل قد أثَّرت فيه، منَّةٌ شكرها هذا الرجل، وكان شكره الإسلام، فقد أسلم وتابع النبي ﵊.
لقد كان مفهوم المسلمين في السابق للإسلام أمراً عجيباً، حتى مع أنهم حديثو عهد به، فإن هذا الرجل كان سيد قومه، وهو مشرك كافر، أخذ ووضع في المسجد، وفي هذه الأيام الثلاثة رأى المجتمع الإسلامي من الداخل، وقد كان هناك إشاعات كثيرة عن النبي ﵊ وعن المسلمين، يطلقها اليهود والمنافقون ومشركو قريش وغيرهم، ولكن الآن رأى ثمامة بأم عينيه المجتمع الإسلامي من الداخل، ورأى النبي ﵊ بنفسه وشخصه، لقد زالت كل الهالات الإعلامية السيئة التي نسجها الكفار حول المسلمين، وحول الدعوة، وحول النبي ﵊، لقد رأى ثمامة الصورة الحقيقية من الداخل.
ثم صادف ذلك الإنعام من النبي ﵊ بأن مَنَّ عليه وأطلقه دون قيد ولا شرط، ولا فدية ولا مقابل، إنه كرم نبوي، حيث قال: أطلقوا ثمامة، فهذه الأشياء مجتمعة أثرت في الرجل؛ فقلبت مشاعره، والذي نريد أن نقوله: إن الدخول في الدين ليس فقط كلمة تنطق، بل هو تغيير جذري في المشاعر، لا يؤمن حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا يؤمن حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، ولا يؤمن حتى يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.
إذاً عملية الدخول في الإسلام والهداية تُحدِث تحولات في المشاعر، فليست القضية قضية نطق بالكلام أو عبارات، وليست شعائر تؤدى بالجسد، وإنما تغيير داخلي -أيها الإخوة- في القلب، وفي الأحاسيس، وفي المشاعر؛ فينقلب الكره حباً، والبغضاء وداً، وهكذا حصل لـ ثمامة ﵁.
هل انتهت القضية على هذا؟ هل هذا هو الذي ولدّه الإيمان فقط؟ لا.
فالرجل عندما أسلم كان يريد أن يؤدي عمرة، وما حكم العمرة التي كان يريد أن يؤديها؟ عليه أن يستمر في عمل الخير، فإن العمرة عمل خير، والمشركون كانوا يعتمرون ويحجون لكن على مذهبهم الباطل وعلى عقيدتهم الباطلة، فيطوفون حول أصنام الكعبة، وقريش كانت تذهب إلى مزدلفة ولا تتجاوزها؛ لأنهم يقولون: نحن من الحمس، أي: أهل الحرم فلا نتعدى الحرم مثل بقية الناس إلى عرفات، وكان بعضهم يطوف بالبيت عرياناً، فالحج والعمرة كان على مذهبهم الفاسد.
فهذا الرجل أسلم وكان يريد أن يؤدي عمرة، فقال: يا رسول الله! إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ تصور أن زعيماً من زعماء الكفار يسلم ثم يأتي مباشرة ليستفتي! وليس من السهل على زعيم قبيلة أو عشيرة، أو سيد مطاع في قومه أن يأتي ليسأل ويستفتي، لكن كان دخول الصحابة في الدين انقلاباً شاملاً في النفس، يقلب كيان الرجل، فلما سأل النبي ﷺ أمره أن يعتمر.
إذاً إذا كان الكافر يريد أن يعمل عمل خير قبل الإسلام وأسلم؛ فإنه يستمر في عمل الخير الذي كان يريد أن يعمله.
стр. 615
الإسلام يغير ثمامة تغييراً كاملاً
لم تنته المسألة عند هذا، ونحن نريد أن نفحص عن عملية التغيير التي حدثت لهذا الرجل؛ لأن هذه عملية فيها عبرة؛ بها نكتشف الفرق بين إسلام العامة وكيف كان يسلم الصحابة، كان الواحد منهم إذا أسلم على عهد النبي عليه الصلاة كان إسلامه يعني أشياءً كثيرة يعني انقلاباً كاملاً وتحولاً جذرياً.
الرجل ذهب إلى مكة لأداء العمرة، حتى إذا كان ببطن مكة لبى، فقيل: إنه أول من دخل مكة بالتلبية، وقيل: إن قريشاً قالوا: أجترأت علينا؟ وأخذوه يريدون قتله، فقال قائل منهم: دعوه فإنكم تحتاجون إلى الطعام من اليمامة، واليمامة منطقة كانت تمون مكة بالقمح (الحنطة) فتركوه.
كما كانوا يريدون قتل أبي ذر الغفاري ﵁ فقام العباس يدافع عنه ويقول: إن معبر قوافلكم على طريق قوم الرجل، وإن قتلتموه سيمنعون قوافلكم وينهبونها، فتحت ضغط العامل الاقتصادي يتراجع القوم عما كانوا يريدون، وإلى الآن والعامل الاقتصادي عامل له ضغط وتأثير.
لكنهم ما تركوه من جهة الاستهزاء، بل قالوا له: أصبوت؟ والصابئ هو الذي غير دينه، فأي شخص يغير دينه عن دين قومه تسميه العرب: الصابئ.
ولا حظوا كيف ينشئ الإسلام عزة في نفس المسلم إذا كان إسلامه صحيحاً! فلم يسكت لهم على هذه الكلمة وهم جماعة وهو واحد، بل قال: لا.
ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ .
ولم يكتفِ بالرد عليهم فقط، بل دفعته العزة إلى أن يهدد بالتهديد التالي؛ يقول: ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ .
واليمامة منطقة زراعية كانت تصدر الحنطة إلى مكة، والآن فهم ثمامة بإسلامه أن الدين يتطلب منه أن يتخذ مواقف من الكفرة، مواقف فيها مفاصلة، وفيها إرغام لأعداء الله، ومقاطعة اقتصادية.
إنها كلمة خطيرة! ولكنه قالها، فلم يكن إسلامه إسلاماً بارداً، ولا إسلاماً من يحبون الأعداء، ويتآلفون مع الأعداء، ويتأقلمون معهم، ويعيشون معهم في سلام وأمان لا.
بل كانت مواقف مواجهة؛ لأن طبيعة الدين طبيعة تغييرية، والإسلام يريد أن ينقض الكفر والجاهلية، ولا يمكن أن يتعايش مع الكفر، والذي يريد أن يحدث تعايشاً بين الإسلام والكفر مجنون، لأن طبيعة الدين تقتضي نسف الجاهلية، وتحطيم الأوثان، وإزالة المعبودات من دون الله، ونشر الإسلام: ﴿حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] هذه هي طبيعة الدين، والآن يراد أن يكون الدين رقيقاً، دين سلام وعاطفة، ومحبة للجميع، ودائماً يقولون: الإسلام دين مسالم كيف هذا؟ هل هناك جهاد في الدين أم أنكم قد ألغيتم الجهاد؟ ويقولون: الإسلام ليس فيه إرهاب كيف ذلك؟ وفيه إرهاب لأعداء الله، والله يقول: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] فإذا كنا لا نريد إرهاب أعداء الله، فمعناها أن الدين رخو، وناقص، وقد عطلنا هذه الشعيرة.
إذاً فالذي يقول: هذا دين سلمي، ولا يوجد فيه قتال ولا اعتداء على أحد فمعنى ذلك إلغاء الجهاد، وهذا ما يقصدونه إذا فسروا الجهاد على أنه اعتداء، فنعم فيه اعتداء، لكنه اعتداء بالحق، وهناك اعتداء بالباطل، كأن تذهب إلى كافر مسالم أو لا يحارب الدين، ولا يقف في طريق نشر الدين وتقتله وتستولي على ماله؛ فهذا خطأ، أما إذا وقفوا في طريق الدين ونشره فيقاتلون.
ماذا فعل الصحابة في الفتوحات؟ لقد عرضوا الإسلام على رستم، وعرضوا الإسلام على رسل قيصر وعلى قادة الفرس والروم، أي إذا دخلتم في الإسلام انتهت العداوة والبغضاء بيننا، على أن تخلّوا بيننا وبين شعوبكم ندعوهم إلى الإسلام ولا نقاتلكم، أما إذا منعتمونا فسنقاتلكم ونرهبكم ونعتدي عليكم.
стр. 616
الرجوع إلى الدين قبل المواجهة ودعوى التقريب بين الأديان
إن الدين يتعرض في هذا الزمان للتشويه، وإلى حذف أشياء من الدين، وهم يريدون إلغاء أي شيء يتعلق بقضية إرهاب الكفار وجهاد أعداء الله ونحو ذلك، فالذي يقول: إن الإسلام ليس فيه أي مواجهات، ولا اعتداء، ولا قتال، ولا استيلاء على أموال الآخرين مخطئ في قوله، وكيف ليس فيه استيلاء؟ وهذه الغنائم أليست استيلاء على أموال الكفرة المحاربين؟ إذاً الإسلام فيه استيلاء على أموال الآخرين لكن بالحق، والله يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال:٦٩] ولذلك قال العلماء: أحل الحلال أموال المحاربين وهي الغنائم، لكن لا يمكن أن تكون الأمة في وضع صعب وهزيمة، والمرتدون فيها كثرة مسيطرون، والمنافقون فيها كذلك، ثم تحارب وتغنم! الأمة لا تستطيع أن تحارب وتجاهد وتغنم إلا إذا قامت على قدميها، وإذا صار الدين فيها محكماً، ورجع الناس فيها إلى الله، وصارت الجبهة الداخلية فيها متماسكة، وتمسَّك المسلمون بالدين، فعند ذلك يمكن الجهاد والغنائم، أما في هذا الوضع، فإن الأمة تحتاج إلى دعوة وإصلاح قبل أن تجاهد، فلا يمكن أن تجاهد وهي بعيدة عن الدين، فإن أكثر المسلمين شاردون عن الدين، ومنغمسون في المعاصي، وفي الفجور، وفي الفسق هذا لا يصلي، وهذا يستهزئ بالإسلام، وهذا لا يعرف السنة، وهذا يعترف ببعض السنة، وهذا أهل بيته في غاية التبرج والفسق والفجور، وهذا بيته مليء بالمنكرات كيف ستجاهد الأمة وهذا وضعها وحالها؟! إذاً فالأمة تحتاج إلى إصلاح وإلى دعوة قبل أن تقوم للجهاد في سبيل الله، وقبل أن تفكر في الغنائم فكِّرْ في الدعوة أولاً، وفي إصلاح المسلمين، حتى يكونوا متهيئين بعد ذلك للجهاد والغنيمة، ومع أننا غير قادرين على القيام بهذا الأمر فإننا لا ننكره، بل إن الجهاد موجود في الدين، لكن نحن غير قادرين عليه.
لقد أحل الله غنائم الكفار، لكن نحن غير قادرين عليها، لأن وضعنا لا يسمح بالجهاد وأخذ أموال الكفار، ولكن لا ننفيه ونقول: ليس في الإسلام جهاد ولا غنائم، ولا أخذ أسرى الكفار؛ قتلاً أو مناً أو مبادلةً أو فداءً لا، هذا موجود في الإسلام، وبعض المنهزمين منا يقولون: الإسلام دين السلام، أما الجهاد فكان في الماضي وقد انتهى، أما الآن فلابد من التعايش السلمي، والتقريب بين المسلمين وبين اليهود والنصارى، وعقد لقاءات لهذا الأمر كيف التقريب؟ هذا نصراني يقول: الله ثالث ثلاثة، وأنا مسلم أقول: الله واحد لا شريك له كيف يحدث التقريب؟! ومن سيقترب من الآخر؟ ثم السؤال الآخر: كيف سيكون التقريب؟ معني ذلك أنك تسحب الطرفين إلى الوسط، أليس هذا هو التقريب؟ يهودي مسلم، أو نصراني مسلم! كيف يمكن أن يحدث؟ معنى ذلك أننا نتنازل وهم يتنازلون، وهم على كل حال كفار تنازلوا أم لم يتنازلوا فهم لا يختلفون، وسينتقلون من كفر إلى كفر أدنى منه قليلاً أو مثله، ونحن سوف نقترب إليهم، ومعنى ذلك أننا سنداهن في دين الله، والله يقول: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] قالوا: يا محمد نعبد إلهك سنة، وتعبد إلهنا سنة ففكرة التقريب قديمة، فنزل قوله تعالى نسفاً لفكرة التقريب: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦] لا يوجد تقريب، هما دينان مستقلان منفصلان لا يمكن التقارب بينهما، إذا كان يريد أن يقترب مني فأهلاً وسهلاً، لكن أن أقترب منه فهذا كفر لا أرضى به.
إن فكرة الحوار بين الأديان، وفكرة التعايش بين الأديان، وزمالة الأديان، وأن نجتمع في شيء اسمه: الملة الإبراهيمية، هذا من مخترعات اليهود، قالوا: هذه الملل السماوية تلتقي في إبراهيم، فإن اليهود والنصارى والمسلمين كلهم يرجعون إلى إبراهيم، فقالوا: ننشئ شيئاً اسمه: الملة الإبراهيمية، فنحن أصلنا يرجع إلى إبراهيم، ولا أحد يخطئ أحداً، ولا أحد يعتدي على أحد، ولا أحد يكفر أحداً، ولا أحد يضلل أحداً، ولا أحد يقول إن الطائفة هذه في النار ولا شيء، ونعيش في سلام وسبات ونبات، ونخلف بنين وبنات إن هذا يعني الرضا بالكفر، وإقراره، والتعايش والتأقلم معه، ولذلك فهم يسعون بكل طريق إلى هذه الدعوة، وهم يعرفون أنهم إذا تنازلوا عن شيء من الدين فلا يهمهم ذلك، فالنصراني لو قال: أنا لا أقول إن الله هو المسيح، أنا أقول فقط: إن المسيح هو ابن الله، ونقول: إن المسيح ثالث ثلاثة، وأنتم -أيها المسلمون- أيضاً تنازلوا قليلاً، فلا تكفرونا، نحن فقط نطلب منكم ألا تكفرونا، لا تقولوا: إن اليهود والنصارى كفار فنحن إذا قبلنا بهذا كفرنا؛ لأن الله قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وأنت إذا قلت: نحن لا نكفر النصارى، فمعناه أننا خالفنا القرآن صراحة وكذبناه، نقول: إن الله كفرهم لكن نحن لا نريد أن نكفرهم! ولذلك كان من نواقض الإسلام: من لم يكفر الكفار، أو صحح مذهبهم، أو رضي بهم، أو قال: إنهم يدخلون الجنة وليسوا في النار، فقد كفر.
فلو جاء مسلم وقال: إن النصارى الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ليسوا بكفار، وليسوا من أهل النار فإنه كافر، مكذب مناقض لما أنزله الله، ومصادم لما حكم به الله، ولم يرض يرضى بما حكم به الله.
فاليهود والنصارى يريدون منا في هذه الأيام تنازلاً مهماً جداً، وهو: ألا نكفرهم فقط، نقول: كلنا مؤمنون، وكلنا أهل ديانات سماوية، وكلنا أحباب، ودربنا واحد، لكن أنت تعبد الله بالطريقة الإسلامية، وذاك يعبد الله بالطريقة النصرانية، وكلها طرق ورسائل وأديان سماوية فالذي يقول هذا كافر، وهو تمييع للدين وتمييع للتوحيد.
أمر آخر: إننا إن لم نكفرهم فقد رضينا بقولهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، وأن الله لما خلق الخلق تعب فاستراح يوم السبت، كما يقول اليهود في سبهم لربهم .
فإذاً لا يمكن التقريب بين المسلمين وغير المسلمين، وهذه فكرة يهودية، وهذا مذهب خبيث باطل، وزمالة الأديان -أيضاً- فكرة كفرية لا يجوز إقرارها أبداً، وإذا كان المقصود بالحوار هو التقارب فهي مصيبة، وأما إذا كان الحوار لإقناعهم بالحق ودعوتهم إلى الله فنعم ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] فنعرف من خلال قصة ثمامة ﵁ أن الإسلام ينشئ في نفس المسلم تلقائياً مناقضة الشرك ومحاربته، وتحدي المشركين، وهذا ثمامة لم يرضَ عندما قالوا له: أصبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ .
ثم تحداهم بالخطر الاقتصادي، ولا تأتيهم حبة حنطة بدون موافقة النبي ﵊، فهكذا كان المسلم يُسلِم ويفهم كل هذه الأشياء، واليوم بعض المسلمين يعيشون في الإسلام سنوات طويلة ولا يفهم عشر ما فهمه ثمامة، فإنه أسلم واتخذ كل هذه المواقف مباشرة، فهم ما يقتضيه الدين، فهم معنى لا إله إلا الله وما تقتضيه هذه الشهادة، واليوم كثير من المسلمين لا يفهمون في سنوات طويلة بعض ما فهمه ثمامة، ويرفضون أن يتخذوا مواقف شبيهة بما اتخذه ثمامة ﵁.
стр. 617
من فوائد الحديث
والحديث فيه من الفوائد: المنُّ على الأسير الكافر، وأثر المنّة على الكفار في تحبيب الدين إليهم، وكذلك الاغتسال عند الإسلام، وجمهور العلماء على أن الاغتسال مستحب وليس بواجب، لكن الكافر إذا أراد أن يسلم وقال لك: كيف أسلم؟ تقول: انطق الشهادتين واغتسل؛ لأنه إذا كان بالغاً لا يخلو أن يكون على جنابة، ومادام أنه قد دخل في الإسلام أي أنه سيصلي، وعليه جنابات من قبل، فعليه أن يزيلها بالاغتسال، فإذا كان لأجل الدخول في الدين فالغسل مستحب وإذا كان من أجل الطهارة ورفع الجنابة فلابد أن يغتسل وأن يصلي.
كذلك في هذا الحديث: أن الكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم؛ فإنه يشرع له أن يستمر في عمل الخير هذا، فلنفترض أن كافراً أراد أن يُنشئ ملجأ للأيتام، وضع الأساسات واشترى الأرض ثم أسلم وقال: ماذا أعمل في المشروع؟ نقول: أكمل، أسلمت على ما أسلفت من خير.
وفي الحديث: ملاطفة الذي يرجى إسلامه من الأسرى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، فالنبي ﷺ كان يمر عليه كل يوم ويسأله عن ظنه، ويهتم به، ولا سيما الرجل الذي إذا أسلم تبعه قوم، فإن المعظمين عند الناس إذا أسلموا يكون لإسلامهم أثر على بقية الذين يتبعونهم.
وفي الحديث: بعث السرايا إلى بلاد الكفار، وأسر من وجد من الكفار خصوصاً الناس المؤثرين.
وفي الحديث: أن لإمام المسلمين الخيار في قتل الأسير، أو المن عليه، أو المبادلة به، أو أخذ الفدية، وقد حدث في بعض المعارك السابقة بين المسلمين والنصارى، فاتفق المسلمون مع النصارى على مبادلة الأسرى، ونصب جسر على النهر، وكانت الطريقة أن ينطلق الأسير الكافر من أول الجسر والأسير المسلم من الطرف الآخر، ويمشي كل واحد إلى معسكر فريقه، ثم ينطلق الأسير الثاني مع الأسير الثاني، وهكذا تتم المبادلة بهذه الطريقة، وفي آخر المبادلة انتهى أسرى المسلمين، وبقي أسرى كفار عند المسلمين، فأطلقهم الخليفة منّةً وإظهاراً لعفو المسلمين وسمو المسلمين وعلوهم، فإن المنة متى تكون مؤثرة إذا كانت من طرف قوي، أما إذا كانت مِنَّة من طرف ضعيف هزيل فلا تعتبر منّة، وإنما تعتبر إلجاء، وتفسر على أنها هزيمة وإرغام، أي: أنهم أطلقوهم مرغمين وخائفين إذا لم يطلقوهم من الانتقام، أما إذا صارت المنّة من طرف قوي ومن موقع قوة، فهذه يكون لها أثر، ولذلك إطلاق ثمامة كان مؤثراً، ليس لأن المسلمين يخافون من قومه، فهم قد وصلوا إلى قومه وأسروا رئيسهم، فهم قادرون على أن يدخلوا ديارهم ويقتحموها ويصلوا إليهم، لكن هنا تم العفو من موقع القوة، ولذلك أثر.
كذلك في هذا الحديث: جواز ربط الكافر في المسجد، وهذه هي مسألة: ما حكم دخول الكافر إلى المسجد؟ والذي يتبين لنا من خلال الأدلة الشرعية التي وردت في الموضوع أن دخول الكافر إلى المسجد إذا كان فيه مصلحة فلا بأس به، كما حدث في قصة ثمامة، أو من بلغ بعض الرسائل من بعض المشركين إلى النبي ﷺ ودخل وسلمها إياه.
وبناءً عليه لو قيل: هل يجوز أن يبني المسجد كفرة؟ نقول: الأولى أن يبنيه المسلمون لأن الكفار غير مؤتمنين، لكن لو كانوا مؤتمنين فبنوه جاز بناؤهم إذا لم نجد من المسلمين من يبينه.
ولو قال قائل: عندنا شخص كافر في الشركة، يحب أن يرى المسلمين في المسجد، ويحب أن يرى الصلاة، فهل يجوز أن نأتي به إلى المسجد ونجعله في الخلف ينظر إلى صلاتنا، ويتأمل أحوالنا في المسجد؟ نقول: نعم.
إذا كان لا ينجس المسجد، ولا يرفع الصوت ولا يحدث، ولا يأتي بالكاميرات ليصور، ولم يأتِ بالشورت، كما يقع في بعض الأماكن، فإذا جاء بدون محاذير شرعية وجلس في الخلف، ونظر إلى صلاة المسلمين فلا حرج في ذلك، لعل الله أن يهديه ولعله أن يتأثر.
وتجد بعض المستعجلين من المصلين ربما يدخل ويراه فيشتمه ويطرده إلى الخارج ويقول: ومن الذي أدخلك؟ وأنت نجس والمسجد لا يدخله نجس؟ ويطرده من المسجد، فينبغي للمسلم أن يكون حكيماً، ونجاسة الكفار نجاسة معنوية، وليس معنى ذلك أنك إذا لمست الكافر صارت يدك نجسة، ويجب عليك أن تغسلها، وإنما المشركون نجس نجاسة الشرك، ونجاسة الكفر، ونجاسة المعتقدات التي يدينون بها، أما جسده وعرقه وجلده فهو طاهر وليس بنجس، إلا إذا دهن نفسه بالنجاسة ولوث نفسه بالنجاسة من بول وغائط فهذه مسألة أخرى.
إذاً: يجوز أن ندخل كافراً إلى المسجد إذا كان لا يؤذي فيه، لكي يرى صلاتنا، ويرى ديننا، ويسمع كلامنا، فإن النبي ﵊ ربط ثمامة في المسجد.
أما أن يدخل للتصوير، ولفحص النقوشات، والفن الإسلامي، والكلام الفارغ الذي نهى عنه النبي ﵊، فقد نهى عن تزويق المساجد وتزيينها؛ فهذه مسألة أخرى تختلف عما نحن بصدده.
أما بالنسبة لآداب المسجد فهي كثيرة، منها: تقديم الرجل اليمنى عند الدخول، كما جاء معلقاً في البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ويقول: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وكذلك إذا خرج يقول عند خروجه: اللهم إني أسألك من فضلك.
وكذلك لا يقذر أحد المسجد بنعليه خصوصاً إذا كان فيه سجاد، فلذلك يجعلهما في مكان لا يؤذي بهما أحداً، أما إذا كان المسجد -مثلاً- مفروشاً بالرمل أو بالحصى -كما كان ذلك في عهده ﷺ فإنه إذا دخل بنعليه يجعلهما بين رجليه، لا يجعلهما على يمينه حتى لا يؤذي من عن يمينه، ولا يجعلهما عن يساره حتى لا يؤذي من عن يساره، ولا يجعلهما خلفه حتى لا يؤذي من وراءه، إنما يجعلهما بين قدميه، وإذا كانت المساجد مفروشة كما هو الآن فتجعل النعال خارج المسجد.
كذلك فإن المسجد ينبغي أن يصان عن كل وسخ، وقذر، وقذاة، ومخاط، وبصاق، وتقليم أظفار، ونتف شعر أو إزالته، وقد كانت أرض المسجد حصباء في عهد النبي ﷺ ، فكان البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، وقد غضب النبي ﵊ وتغيظ لما رأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها بالزعفران ﷺ .
وينبغي صيانة المساجد عن الصغار الذي لا يميزون، وليس في وجودهم مصلحة ولا فائدة، وكذلك المجانين كما نص على ذلك العلماء قالوا: ويسن أن تصان المساجد عن صغير ومجنون، والمقصود بالصغير: المؤذي أو الذي يصيح ويزعق، والذي ليس في دخوله فائدة، وأما الصبي المميز فإنه يدخل المسجد ولا بأس بذلك.
كذلك لو كان طفلاً صغيراً بيد أمه لكنه لا ينجس المسجد، يقول أحد الأئمة: الصبيان في رمضان اتخذوا مساجدنا مراحيض، تأتي به أمه من غير لباس، ومن غير حفاظات، فيبول على فرش المسجد، وكل يوم نبحث عن أماكن البول ونغسلها، ثم إن السجاد ملتصق بالأرض، ولو كان حصى أو تراباً لصببنا عليه الماء وذهبت النجاسة في باطن الأرض، فبعض النساء والرجال يأتون بالصبيان إلى المسجد، فيأكلون ويشربون على سجاده، ومعلوم أن إتلاف السجاد حرام، فإنها من وقف المسجد، ومن ممتلكات المسجد، فيأكلون عليه ويصبون عليه الأشربة والأطعمة، ويبولون عليه، وهذا منكر واضح.
كذلك فإن المساجد لم تبن للدنيا، فيمنع فيها البيع والشراء، ومن فعل فيقال له: لا أربح الله تجارتك، وكذلك يمنع فيها التكسب بالصنعة كالخياطة وغيرها، ولا يجوز أن يقعد فيها الصنّاع، مثلاً: الذي يصلح الأحذية وكذلك الذي يرقع الثياب أو يخيطها.
كذلك فإن المساجد لا تتخذ مكاناً للإعلان عن المفقودات، وإذا قال أحد فيها: من وجد لي كذا وكذا، فيقال له: لا ردها الله عليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 618
مسابقة في آية المحرمات
المحرمات من النساء على قسمين: القسم الأول: محرمات بالنسب، وهن سبع: الأمهات، الأخوات، البنات، الخالات، العمات، بنات الأخ، بنات الأخت.
والقسم الثاني: محرمات بالسبب وهن على قسمين: القسم الأول بالرضاع، وهن: الأمهات بسبب الرضاعة، الأخوات من الرضاعة.
القسم الثاني بالمصاهرة: وتشمل: أم الزوجة، وبنت الزوجة إذا دخل بأمها، وزوجة الابن وزوجة الأب، ويحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
هذا ما تحدث عنه الشيخ تفصيلاً، ثم جرت مناقشة بين الشيخ وطلابه حول الموضوع.
стр. 619
المحرمات من النساء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين، الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب، وأرسل إلينا الرسول محمداً ﷺ ، فعلَّمنا وأحسن تعليمنا، وفقَّهنا في أمور ديننا، وهو القائل ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
إن الفقه في الدين -أيها الإخوة- من الأمور العظمية، ومعرفة الأحكام الشرعية من الواجبات الكبيرة، والناس يحتاجون إلى معرفة الأحكام في كثير من الأمور، وخصوصاً الأمور المتكررة، التي تكون الحاجة إليها قائمة باستمرار.
وحديثنا في هذه الليلة ودرسنا عن موضوع علمي فقهي شرعي، وهو موضوع له لذة، وفيه إعمال للعقل والفكر، موضوع نحتاج إليه جميعاً؛ لأننا نعايشه، ونتعرض لكثير من المواقف التي توجب علينا معرفة الأحكام المتعلقة بهذا الموضوع، لو سأل سائل فقال: هل يجوز لي أن أدخل على زوجة عمي أو زوجة خالي؟ أو: هل يجوز لي أن أرى خالة زوجتي أو عمة زوجتي؟ وتسأل امرأة فتقول: هل يجوز لي أن أرى عم زوجي، أو خال زوجي -مثلاً- وأكشف عليه؟ فإن كثيراً من الناس يتحيرون ويضطربون، ولا يدرون ما هي الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الموضوع، ألا وهو موضوع المحرمات أيها الإخوة، ونحن بصدد معرفة معنى آية عظيمة من كتاب الله .
وسنناقش وإياكم معنى هذه الآية، وما اشتملت عليه من الأحكام، ثم يكون هناك أسئلة موجَّهة إليكم، متعلقة بما ذكرناه من الأحكام، وبعض هذه الأسئلة تحتاج إلى تفكير؛ إذ أنها ليست أسئلةً مباشِرة، ولكن سيتبين من خلال النقاش كثيرٌ من الأحكام التي ربما كان بعض الإخوة عنها في بُعد، وعدم اطلاع وتبصر.
وسيكون في نهاية الحديث عن هذه الآية والأسئلة إجابات عن أسئلتكم التي طرحت في المحاضرة السابقة؛ إذ إنني أحتفظ بجميع الأسئلة الواردة إليَّ في جميع المحاضرات التي سبق أن حصلت، وأستفيد من هذه الأسئلة، وبعض هذه الأسئلة ربما يكون داخلاً في بعض المحاضرات، بل ربما يكون هو عنواناً لبعض المحاضرات، وإذا كان هناك وقت لنجيب على أسئلة أخرى ترد في هذه المحاضرة، فسنفعل ذلك إن شاء الله.
قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ النساء:٢٣].
стр. 620
أنواع المحرمات من النساء
هذه الآية فيها إشارة إلى نوعين من المحرمات: - محرمات إلى الأبد.
- ومحرمات إلى أمد.
تحريم مؤبد، وتحريم مؤقت.
وهذه الآية فيها إشارة إلى: - محرمات بالنسب.
- ومحرمات بالسبب.
المحرمات بالنسب: مثل الأمهات، والأخوات.
والمحرمات بسبب: - إما أن يكون السبب رضاعاً.
- أو مصاهرة.
فالرضاع مثل: الأخت من الرضاع، والمصاهرة مثل: أم الزوجة مثلاً.
وفي هذه الآية -أيضاً- بيان ما هو تحريم عين: كالأم، والأخت، وتحريم جمع: كالجمع بين الأختين.
ولذلك هذه الآية تضمنت فقهاً عظيماً، وربما يقرؤها الواحد منا في ختمه للقرآن، ولا يُلِمُّ بِمَعانيها، ونحن نتعرض يومياً إلى مواقف من الأقارب، ولا يعلم كثير من الناس ما هو الموقف حيال هؤلاء الناس الذين بينك وبينهم صِلات نسبية أو سببية.
فلعلك -أيها الأخ المسلم- ستستفيد فائدة كبيرة -إن شاء الله- من وراء معرفة هذا الموضوع.
قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] وهذه الآية تتضمن سبعة أنواع من المحارم بالنسب، وسبعة بالسبب، سواءً أكان السبب رضاعاً أو مصاهرةً.
стр. 621
المحرمات بالنسب
فأما المحرمات السبع بالنسب -والنسب: هو الرحم- فهن سبعٌ محرمات إلى الأبد، لا يجوز لك أن تتزوج بهن في يوم من الأيام.
وأُولَى هؤلاء هُنَّ: الأمهات: قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
والأمُّ: هي كل أنثى لها عليك ولادة، من جهة الأمِّ أو من جهة الأبِ، كل من انتَسَبْتَ إليها بولادة فهي أمٌّ.
- فأمُّك التي ولدتك هي أمٌّ -ولا شك- وإن عَلَت.
- فأمُّ أمِّك داخلة في التحريم، وهي الجدة.
- وأمُّ أبيك داخلة -أيضاً- في التحريم.
- وأمُّ أمِّ الأمِّ، أمُّ الجدة، داخلة في التحريم أمُّ أمِّك، وأمُّ أمِّ أمِّك.
- وأمُّ أمِّ أبيك.
- وجدتا أبيك، أمُّ أمِّه، وأمُّ أبيه.
- وجدات جداتك.
- وجدات أجدادك وإن علون وارثات أو غير وارثات، كلهن أمهات محرمات؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فأبهموا ما أبهم القرآن، فلم يحدد القرآن أي طبقة من الأمهات، وإنما قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
فإذاً: أمُّك محرمة عليك، وأمُّ أمِّك محرمة، وأمُّ أبيك محرمة، وأمُّ أمِّ أمِّك محرمة، وأمُّ أمِّ أبيك محرمة، وهكذا يتفرعن علواً، كلهن أمهات محرمات.
ثانياً: البنات: والبنت: اسم لكل أنثى، لك عليها ولادة، أي: انتَسَبَتْ إليك بولادة، سواءً أكانت بنتك المباشرة من صلبك، أو من جهة ابنك، أو من جهة بنتك.
فعلى ذلك: - بنت الابن محرمة - وبنت البنت -الحفيدة- محرمة.
- وبنت بنت ابنك محرمة.
- وبنت بنت بنتك محرمة.
وإن نزلن، كلهن بنات محرمات.
فحفيدتك، وحفيدة حفيدتك، وحفيدة حفيدة حفيدتك -لو أدركتها- فهي محرمة عليك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
ثالثاً: الأخوات:- والأخت: هي كل أنثى جاورتك أو شاركتك في أصلَيك، وما هما أصلاك؟ الأب والأم، أو في أحدهما.
فتشمل: - أختك الشقيقة؛ والأخت الشقيقة جاورتك في الأصلَين؛ لأنها أختك من أبيك وأمك.
- وأختك من أبيك محرمة.
- وأختك من أمك محرمة كذلك.
ولا تفريع هنا.
فإذاً: الأخت الشقيقة، وأختك من الأم، وأختك من الأب هؤلاء كلهن أخوات محرمات.
رابعاً: العمات:- والعمة: أخت أبيك من الجهات الثلاث، سواءً أكانت: - أخت أبيك الشقيقة.
- أو أخت أبيك من أبيه.
- أو أخت أبيك من أمه.
هؤلاء كلهن عمات محرمات.
- وكذلك أخت الجد مُحَرمة؛ لأنها عمة، ولكنها عمة كبيرة، فعمة جدك مثل عمتك، وعمة أبيك مثل عمتك، كلهن مُحَرمات وسواء كان الجد قريباً أو بعيداً؛ فلا يفرق في الحكم أبداً.
- وكذلك عمة الأم محرمة عليك.
وهي أخت جدك لأمك، أي: أخت أبي أمك، فأخت أبي أمك هي عمتك لأمك، فهي داخلة في العمات الْمُحَرمات؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
خامساً: الخالات:- والخالات: هن أخوات أمك من الجهات الثلاث، سواءً أكانت: - أختها الشقيقة، فهي خالة.
- وأختها لأبيها خالة.
- وأختها لأمها خالة.
- وكذلك أخت جدتك تعتبر خالة تكشف عليها، وإن علت الجدات، فكل أخت لجدتك -لجدتك من جهة أمك- فهي خالة محرمة، فكما أن كل جدة أم محرمة، فكذلك كل أخت لجدة هي خالة محرمة.
- وكذلك خالة الأب محرمة، ومَن هي خالة أبيك؟ هي أخت أم أبيك، أي: أخت جدتك لأبيك، هذه خالة محرمة.
سادساً: بنات الأخ:- وبنت الأخ: هي اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة مباشرة، أو من جهة أمها، أو من جهة أبيها، فمثلاً: - بنت أخيك الشقيق محرمة.
- وبنت أخيك من الأب محرمة.
- وبنت أخيك من الأم محرمة.
وإن نزلن، فمثلاً: - بنت ابن أخيك أخوك عنده ولد، والولد هذا عنده بنت فهي محرمة عليك.
- وبنت بنت أخيك محرمة عليك كذلك.
وإن نزلن؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ [النساء:٢٣].
سابعاً وأخيراً من أنواع المحرمات بالنسب تحريماً مؤبداً: بنات الأخت:- وبنت الأخت: هي كل امرأة انتَسَبَت إلى أختك بولادة، فكل امرأة انتسب إلى أختك بولادة فهي بنت أخت محرمة.
- فبنت أختك الشقيقة محرمة.
- وبنت أختك من أبيك محرمة.
- وبنت أختك من أمك محرمة.
- وبنت بنتِ أختك محرمة.
- وبنت ابنِ أختك محرمة.
وإن نزلن كلهن محرمات؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣].
стр. 622
المحرمات بسبب الرضاع
ثم قال الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
انتقل الآن من التحريم بالنسب إلى التحريم بالسبب، والسبب هو الرضاع ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
فالمرأة التي أرضعتك هي أم لك، مثل أمك من جهة النسب، فالتي أرضعتك تكشف عليها مثل أمك.
وهل لها حكم بر الأم؟ الأم من الرضاع هل تُبَرُّ في الأحكام مثل الأم من النسب؟
الجواب
لا، ليست مثلها في البر، فالأم التي أرضعت ليست مثل الأم التي حملت وولدت ورعت، فلا شك أن هذه الأم التي ولدت منزلتها أعلى بكثير من الأم التي أرضعت فقط.
- وكذلك أم أمِّك التي أرضعتك أرضعتك امرأة ولها أم، فأمها هذه محرمة عليك، وإن علون.
القسم الذي يليه المذكور في الآية: الأخوات من الرضاعة: وأختك من الرضاعة هي التي أرضَعَتْها أمُّك.
وكذلك: التي رَضَعْتَ أنت من أمها.
إذاً: الأخت من الرضاعة تشمل: - المرأة التي أرضَعَتْها أمُّك.
- والمرأة التي أرضَعَتْك أمُّها.
- وكذلك بنات زوج المرضعة.
فلو أنك رضَعْتَ من امرأة، والمرأة هذه دَرَّ لبنُها بسبب الزوج، وهذا علاقتك به أنه يعتبر أبوك من الرضاعة، لأنه صاحب اللبن، الذي در اللبن بسببه، وهذا الرجل الذي هو أبوك من الرضاعة متزوج من زوجة أخرى غير التي أرضعتك، وعنده منها بنت، فهذه البنت أختك من الرضاعة.
- وكذلك لو اشتركت أنت وأنثى بالرضاع من امرأة خارجية؛ فلا شك أنها تكون أختاً لك من الرضاع، فلو أرضعتك امرأة، وأرضعت أنثى أخرى من العمارة التي تسكنون فيها، فإن هذه البنت التي رضعت أنت وإياها من هذه الجارة أختك من الرضاع، وهذه المرأة التي أرضَعَتْ لا هي أمك ولا هي أمها، لكن ما دام أنك اشتركتَ أنتَ وهذه الفتاة بالرضاع من امرأة أيَّاً كانت، أمها أو أمك، أو جارة من الجيران، فإنك تكون بذلك أخاً لها من الرضاع.
- وهنا مسألة: متى يكون الشخص له أب من الرضاعة، وليس له أم من الرضاعة؟! إذا كان رجل له زوجتان، رضعتَ من إحداهما رضعتَين -مثلاً- ومن الأخرى ثلاث رضعات، فصار المجموع خمس رضعات من لبن رجل واحد، من لبنٍ دَرَّ بسبب رجل واحد، فماذا يكون لك هذا الرجل؟ أبوك من الرضاع، وإحدى زوجتيه ماذا تكون لك؟ لا شيء، والزوجة الأخرى لا شيء، فهل تكشف على زوجتيه؟ لا؛ لأنها ليست أماً بالرضاع، لأن الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات فأكثر في خلال السنتين الأوْلَيَين؛ فإذا كان الرضاع خمس رضعات فأكثر في خلال السنتين الأوْلَيَين؛ صار رضاعاً له أحكامه.
إذاً: في هذه الحالة يكون لك أب من الرضاع، ولا يكون لك أم من الرضاع.
نأتي إلى تكملة لموضوع الرضاع لم ينص عليها في الآية؛ لكن نُصَّ عليها في الحديث، وهي قوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
فإذا أرضعتك امرأة فإنها تصبح أمك من الرضاع.
- وأمها جدتك بالرضاع.
- وأختها خالتك بالرضاع.
- وبناتها أخواتك بالرضاع.
- وبنات ابنها بنات أخيك من الرضاع.
- وبنات بنتها بنات أختك من الرضاع.
كلهن محرمات عليك، (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
ولذلك المرضعة تُنَزَّل منزلة الأم، وكل امرأة حَرُمت من النسب حَرُم مثلها من الرضاع؛ كالعمة، والخالة، والبنت، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وهكذا، (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
وزوج المرضعة صاحب اللبن، يكون أبوك من الرضاع.
- وأخوه عمك من الرضاع.
- وأخته عمتك من الرضاع.
- وأبوه جدك من الرضاع.
- وأبو الأب أبو جدك من الرضاع، وهكذا وإن علوا.
- وأمُّ صاحب اللبن جدتك بالرضاع.
- وأمُّ أمِّه كذلك وإن علون.
- وأولاد صاحب اللبن، ولو من امرأة أخرى غير التي أرضعتك إخوانك من الرضاع.
- وبنات صاحب اللبن ولو من امرأة أخرى غير التي أرضعك، أخواتك بالرضاع.
- وإذا كان لصاحب اللبن ابن، وهذا الابن له بنت، فإنها تكون بنت أخيك من الرضاع.
- فإذاً: أولاد صاحب اللبن ولو من امرأة أخرى: إخوة وأخوات من الرضاعة، وأولادهم -أبناء وبنات- يكونون لك أبناء وبنات أخ وأخت من الرضاع.
стр. 623
المحرمات بسبب المصاهرة
ثم ننتقل إلى صنف آخر مذكور في الآية، وهو سبب آخر غير الرضاع يسبب التحريم، ألا وهو: المصاهرة:- والمصاهرة: أن تتزوج امرأة من عائلة -مثلاً- فتنشأ علاقة المصاهرة، فتكون أم الزوجة محرمة عليك، بأي شيء؟ بالمصاهرة، قال الله : ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
- فمن تزوج امرأة حَرُم عليه كل أمٍّ لها، من النسب أو من الرضاعة، قريبة أو بعيدة، بمجرد العقد على الراجح، فلو أنك عقَدْت على امرأة، فإن أمها محرمة عليك ولو لم تدخل عليها، بمجرد أن عقدت على امرأة حَرُمَت عليك أمُّها.
- ولو طلقت هذه الزوجة، فإن أمها تبقى محرمة عليك.
- وإذا كانت زوجتك لها أم أرضعتها، فإنها تحرم عليك ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
- وجدة زوجتك تحرم عليك، ولك أن تكشف عليها.
ثم قال الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
إذا تزوجتَ امرأة ودخلت بها، وعندها بنات من رجل سابق، فإنهن يحرمن عليك، وهؤلاء البنات يسمَّين بالربائب؛ فالربيبة هذه تحرم عليك إذا دخلتَ بأمها.
فكل بنت لزوجتك من نسب أو رضاع، قريبة أو بعيدة، وارثة أو غير وارثة، إذا دخلتَ بأمها حَرُمت عليك، سواءً كانت في حجرك أو لم تكن في حجرك.
- وهنا
السؤال
تزوجتَ امرأة وعندها بنت أرضَعَتْها، فهل تحرم عليك؟ نعم، تحرم عليك.
- سؤال آخر: تزوجتَ امرأة وعندها بنت؛ لكن ليست مقيمة عندك في حجرك تربيها، ما زالت موجودة في بيت آخر، فهل تَحْرم عليك إذا دخلت بأمها؟ نعم.
وماذا تقولون في قول الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] ما هو مفهوم هذه الآية؟ مفهوم الآية: أنها إذا لم تكن في حجرك فلا تحرم عليك، لكن هل هذا المفهوم يُعْمَل به؟ لا يعمل به؛ لأن هذا القيد ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] خرج مخرج الغالب، ولم يخرج مخرج الشرط، فإن الغالب إذا تزوجت امرأة وعندها بنات، أنك ستضم بناتها معك، فيَكُنَّ في حجرك، فإذًا: هذا خرج مخرج الغالب، وليس شرطاً، ولذلك لا يعمل بمفهومها؛ ولأن ما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه كما يقول الأصوليون، هذه قاعدة أصولية: ما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه، وهذه الآية قد خرجت مخرج الغالب: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
فالخلاصة: سواء أكانت بنت زوجتك في حجرك، أو لم تكن في حجرك؛ فهي محرمة عليك إذا دخلت بأمها.
ثم قال الله : ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣].
والحليلة هي الزوجة.
- فزوجات الأبناء محرمات على الأب، زوجة ابنك محرمة عليك.
- وكذلك زوجة حفيدك محرمة، وإن نزلنَ.
وقوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] أخرج الولد المُتَبَنَّى على عادة الجاهلية، وقيده بالولد بالصلب.
إلى الآن ذكرنا ثلاثة أنواع من بالمصاهرة في الآية: - أم الزوجة.
- وبنت الزوجة إذا دخلت بالزوجة.
- وزوجة الابن.
بقيت واحدة من المحرمات بالصهر لم تذكر في الآية وهي: زوجة الأب وقد ذكرت في الآية التي قبلها.
ولذلك ما بعد هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٤] أي: كل امرأة محصنة عفيفة، لا يجوز لك أن تكشف عليها، إلا إذا تزوجتها بعقد صحيح.
فزوجة الأب من المحرمات.
- وزوجة الجد إذا كان عند جدك زوجتان، واحدة منهن جدتك، والثانية زوجة أخرى، فهل هي محرمة عليك؟ نعم، فزوجة جدك محرمة عليك أيضاً.
والدليل على تحريم زوجة الأب قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢] فزوجات الآباء محرمات على الأبناء؛ تكرمة للآباء، وإعظاماً للآباء، واحتراماً للآباء، أن يطأها ابنه من بعده، ولذلك الرسول ﵊ لما وصله خبر أن رجلاً قد نكح امرأة أبيه، أرسل رجلاً من صحابته ليقيم عليه الحد، وهو القتل، فمن تزوج بزوجة أبيه وهو عالم، فإنه يُقْتَل.
ولا بأس أن نعيد الأربعة الأصناف المحرمة بالمصاهرة: - أم الزوجة.
- وبنت الزوجة من غيرك إذا دخلت بالزوجة.
- وزوجة الابن.
- وزوجة الأب.
هؤلاء كلهن محرمات بالمصاهرة.
стр. 624
تحريم الجمع
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣]: فنكون هنا قد دخلنا في القسم الثاني من أقسام التحريم؛ وهو تحريم الجمع فإن هناك تحريم عين: أخت، أو أم بعينها، وهناك تحريم جمع، فهي ليست محرمة بعينها، لكن لما جُمِعَت صارت محرمة.
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣].
- فتحرم عليك إلى أمد مؤقت أخت زوجتك.
- وهل تحرم عليك أخت زوجتك من الرضاع، أم يجوز أن تجمع بين زوجتك وأختها من الرضاع؟ تحرم ولا يجوز أن تجمع بين زوجتك وأختها، لا من الرضاع ولا من النسب.
- وقد أضيف إلى هذا الحكم في الآية حكم ورد في الحديث الصحيح، وهو تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.
فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها.
- كذلك الجمع بين المرأة وعمة أبيها حرام، وإن علون - وكذلك الجمع بين المرأة وخالة أمها حرام، وإن علون، وهكذا فإذا طلق المرأة وانتهت العدة، أو ماتت الزوجة مثلاً، فهل يجوز له أن يتزوج بأختها من الرضاع؟ أو من النسب؟ أو بخالتها؟ أو بعمتها؟ نعم يجوز له ذلك.
- وهل يجوز لرجل طلق امرأته، فلما طلقها ودخلت في العدة، أراد أن يعقد على أختها، فهل يجوز ذلك أم لا يجوز؟ لا يجوز ذلك؛ لأنه قد يراجعها، فكيف يراجعها في العدة ويعقد على أختها؟ فلا يجوز أن يعقد على أختها إلا بعد انتهاء العدة؛ كما أنه لا يجوز للرجل أن يعقد على خامسة وقد طلق الرابعة، والرابعة لا تزال في العدة.
وقد اختلف بعض أهل العلم في مسألة الطلاق إذا كان بائناً: هل يجوز أن يتزوج أم لا بد أن تنتهي عدة الطلاق البائن؟ والأحوط أن ينتظر حتى تنتهي عدة الطلاق البائن.
فلذلك لا يجوز أن يتزوج أخت زوجته المعتدة من الطلاق، فإذا كانت الزوجة تعتد من طلاق؛ فلا يعقد على أختها، ولا على عمتها، ولا خالتها.
لو قال شخص: هل هناك قاعدة تبين لنا من هن النساء اللاتي يحرم عليك أن تجمع بينهن؟ عرفنا أنه لا يجوز أن تجمع بين المرأة وأختها، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها؛ فهل يجوز -مثلاً- أن تجمع بين بنتَي عمّ؟ نعم.
يجوز أن تجمع بين بنتَي عمّ إذا لم تكونا أختين.
فلو كان عندك عمَّان، كل واحد له بنت، فإنه يجوز لك أن تتزوج الاثنتين، وتجمع بينهما، وهناك قاعدة لطيفة ذكرها بعض أهل العلم، وهي: يجوز الجمع بين امرأتين، لو كانت إحداهما ذكراً لجاز له أن يتزوج بالأخرى يجوز الجمع بين أي امرأتين لو تصورنا إحداهما ذكراً لجاز له أن يتزوج بالأخرى.
فبنتا العم لو كانت إحداهما ذكراً، لجاز له أن يتزوج بالأخرى، وكذلك بنتا الخال.
- وما حكم الجمع يبن المرأة وبنت أخيها؟ لا يجوز؛ لأنه لو كانت واحدة منهما رجلاً لما جاز له أن يتزوج ببنت أخته، أو ببنت أخيه، ولذلك فإنه لا يجوز الجمع يبن المرأة وابنة أخيها، أو ابنة أختها.
المرأة زوجتك ستصير عمتها، لكن هي ليست عمة زوجتك، زوجتك ستصبح عمتها، أو تصبح خالتها.
ولعلنا قد انتهينا من بيان المذكورات في هذه الآية، وهي قول الله في محكم تنزيله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:٢٣].
وبذلك تبين لكم -أيها الإخوة- مَن هُم المحارم.
стр. 625
أسئلة ومناقشات حول الموضوع
سنعرف الآن مدى الاستيعاب الذي حصل من خلال هذا الدرس.
стр. 626
الرضاعة وما يتعلق بها
السؤال
أمك أرضعت امرأة فهل تحرم عليك أمها؟ ولماذا؟
الجواب
لا تحرم.
لماذا؟ لأنك لم ترضع من أمها هي، وما العلاقة بينك وبين أم هذه البنت؟ لا شيء، أنت لك علاقة بالبنت التي رضعت من أمك، وهي أختك من الرضاعة، لكن أمها ليس لك بها علاقة، فأم أختك بالرضاع ليست محرمة عليك.
السؤال الثاني: أرضَعَتْ أمُّك ذكراً، فهل تَحرُم عليك أمه أم لا؟ الجواب: لا تحرم لماذا؟ لأنه ليس لك علاقة بأمه، هو أخوك من الرضاع؛ لأنه رضع من أمك، لكن أمه ما لك علاقة بها.
السؤال الثالث: أرضَعَتْ زوجتُك ولداً، فهل تحرم عليك أخته الشقيقة أم لا؟ الجواب: لا تحرم، لماذا؟ لأنه ليس لك بها علاقة.
السؤال الرابع: أرضعَتْك امرأةٌ فهل تحرم على أبيك؟ الجواب: لا تحرم لماذا؟ لأنه ليس لها علاقة بأبيك، لها علاقة بك أنت، هي أمك من الرضاعة، لكن ليس لها علاقة بأبيك، وهل يكشف أبوك على أمك من الرضاع؟ لا يجوز له ذلك.
السؤال الخامس: أرضعتك امرأة فهل تحرم بنتُها على أبيك؟ الجواب: لا تحرم لماذا؟ لأنه إذا كانت المرضعة لا تحرم على أبيك، فمن باب أولى بنت المرضعة لا تحرم على أبيك.
السؤال السادس: أرضعتك امرأة فهل تحرم على أخيك؟ الجواب: لا تحرم لماذا؟ لأنها أرضعتك أنت، ولم ترضع أخاك، ولذلك فليس لها علاقة بأخيك، فأخوك لا يكشف عليها، أما أنت فتكشف عليها، لأنها أمك من الرضاع.
السؤال السابع: أم زوجتك بالرضاع، هل تحرم عليك؟ الجواب: نعم، تحرم عليك.
стр. 627
الربيبة وغيرها من المحارم
السؤال الذي يليه: هل يجوز لك الزواج بابنة زوجة ابنك من غيره؟ ولدك تزوج بامرأة وعندها بنت من غيره، فهي ربيبة ولدك، فهل يجوز أن تتزوج ربيبة ولدك أم لا؟
الجواب
نعم، يجوز ذلك، لأنها ليس لها علاقة بك، وهل يجوز لولدك أن يتزوجها؟ لا؛ لأنها ربيبته.
نعيد المسألة: ربيبة الولد حرام عليه، لكنها ليست حراماً على أبيه.
ولذلك سنجعل هذا السؤال منفصلاً، حتى يتبين أكثر: هل يجوز لك الزواج من ربيبة أبيك؟ أبوك تزوج امرأة، وعندها بنت من غيره، فهل يجوز لك أن تتزوج من ربيبة أبيك أم لا؟ الجواب: يجوز لماذا؟ لأنها ليس لها علاقة بك، لكنها حرام على أبيك؛ لأنها ربيبتة، وليست حراماً عليك أنت.
السؤال الذي يليه: هل يجوز لك أن تتزوج من أم زوجة أبيك؟ أبوك تزوج زوجة، والزوجة هذه لها أم، فهل يجوز لك أن تتزوج بأم زوجة أبيك؟ ولنحلل المسألة: أم زوجة أبيك حرام على أبيك، فهل هي حرام عليك أم لا؟ لا يجوز لك أن تتزوج بأم زوجة أبيك لماذا؟ لأنها تحرم عليك كما تحرم على أبيك هذه قاعدة لم يذكرها أهل العلم في كتبهم! الجواب: نعم، يجوز ذلك؛ لأنها حرام على أبيك، وليست حراماً عليك لكن من الذي يفعل ذلك؟ من الذي سيتزوج بأم زوجة أبيه؟ أقول: لو أن أباك تزوج واحدة عمرها -مثلاً- ثلاثون سنة، وأمها عمرها خمسون سنة، فهل ستتزوج بأم زوجة أبيك؟ من ناحية الجواز يجوز؛ لكن من ناحية أنه يحصل أو لا، هذا راجع إليك.
السؤال الذي يليه: هل يجوز لك التزوج من أم زوجة ابنك؟ ابنك متزوج وعنده حماة، فهل يجوز لك أن تتزوج من حماة ولدك؟ الجواب: نعم.
يجوز لك أن تتزوج من أم زوجة ابنك.
هذه معقولة، ومن ناحية الواقع ممكنة.
وهنا سيأتي السؤال الذي يوضح ما سبق: لو تزوج رجل امرأة، فهل يجوز أن يتزوج ابنه بنتها؛ فيكون الأب أخذ الأم، والابن أخذ البنت؟ الجواب: نعم يجوز ذلك لماذا؟ لأنها ربيبة أبيه، ولذلك لا تحرم عليه، فسواء الابن تزوج امرأة وأبوه تزوج بنتها، أو الأب تزوجها وابنه تزوج بنتها، كل ذلك جائز.
السؤال الذي يليه: زوجة ولدك بالرضاع، هل تحرم عليك أم لا؟ عندك ولد رضع من لبنك، وليس ولدك من صلبك، لكنه رضع من لبن أنت السبب فيه، وهذا الولد تزوج ثم مات أو طلق، أو تزوجها ثم أرادت أن تكشف عليك، فهل تسمح لها أن تدخل عليك أم لا تسمح لها أن تدخل عليك؟ الجواب: يجوز أن تكشف عليك؛ لأنها محرمة عليك و (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣].
سؤال آخر: رجل متزوج اثنتين، إحداهما أرضعتك، والأخرى مات عنها مات وترك اثنتين، واحدة أرضعتك والثانية لم ترضعك، فهل يجوز لك أن تتزوج بالتي لم ترضعك أم لا؟ أي: هل يجوز لك أن تتزوج بزوجة أبيك من الرضاعة؟ الجواب: لا يجوز أن تتزوج زوجة أبيك من الرضاعة.
لأنها حرام عليك؛ فيجوز أن تكشف عليها؛ لأن زوجة أبيك من الرضاعة مثل زوجة أبيك من النسب.
السؤال الذي يليه: عمة الزوجة مَحْرَمٌ لك أم لا؟ وهل تكشف عليها؟ الجواب: لا يجوز ذلك، وكذلك خالة زوجتك لا يجوز أن تكشف عليها، وزوجتك لا يجوز أن تكشف على خالك، ولا يجوز أن تكشف على عمك.
وهذا من المصائب التي وقعت في هذا الزمان؛ أن الزوج صار يترك زوجته تكشف على عمه، وعلى خاله، مع أنه ليس بينها وبينه علاقة نسب ولا سبب من رضاع أو مصاهرة ولا شيء، فهو أجنبي عنها، لو مات الزوج يجوز لعمه أن يتزوج الزوجة، ومع الأسف صار الرجل يكشف على عمة زوجته وخالة زوجته، ويقول: هذه مثل عمتي! ليست مثل عمتك، ويقول: خالة زوجتي مثل خالتي! هذا غلط، ليست مثل خالتك، وكذلك زوجتك لا تكشف على عمك ولا على خالك، ولا يقوم مقام خالها، ولا مقام عمها، وإن دجل الدجالون، وكذب الكاذبون والمفترون فإنها محرمة.
سؤال آخر: عقدتَ على امرأة ولم تدخل بها، وهذه المرأة لها بنت، ورغبت في البنت، فطلَّقتَ الأم من أجل أن تتزوج البنت، فهل يجوز لك ذلك أو لا يجوز؟ تزوجت امرأة، ولها بنت من رجل آخر، فلما علمت بالبنت ودينها وجمالها وصغر سنها بالنسبة لأمها، قلتَ: ليس لي حاجة بأمها، أريد البنت، وأنا الآن ما دخلت بالأم، فأطلق الأم هذه، وأتزوج بنتها فهل يجوز ذلك أم لا يجوز؟ الجواب: لو أنه عقد على امرأة لها بنت، ثم قيل له: يا فلان، ماذا تريد بهذه؟ عندها بنت دَيِّنَة وجميلة، وأصغر من أمها بطبيعة الحال، فطلِّق هذه الأم وتزوج البنت، فيجوز له ذك، لكن إذا رضيت أمها! هنا سؤال ستكون جائزته كتاباً بعنوان العقيدة في الله لـ عمر الأشقر.
و
السؤال
متى يقول الشخص: أختي من النسب تزوجت أخي من النسب؟ وليس من الرضاع.
أو متى يقول الشخص: أخي تزوج أختي؟ الجواب: إذا كان عندك أخت من أم وأخ من أب، فهذا يأخذ هذه الجواب صحيحٌ ولذلك يأخذ الكتاب جائزة.
فإذا كان عندك أخ من أب وأخت من أم، الأخ من الأب أخوك من النسب، والأخت التي من الأم أخت من النسب أيضاً؛ لكن هل بينهما علاقة؟ أخوك من أبيك هل له علاقة بأختك من أمك، نسب أو رضاع أو مصاهرة؟ لا يوجد في الأحوال العادية، بدون أن نفترض دخول أي شيء آخر من رضاع أو مصاهرة، أو غير ذلك، ففي هذه الحالة تقول: أخي -أي: من أبي- تزوج أختي -أي: من أمي- ويجوز ذلك.
سؤال آخر: ما هي الحالة التي يكون فيها الشخص خالاً وعماً في نفس الوقت؟ الجواب: نفس الحالة السابقة التي قبل قليل، إذا حصلت هذه الحالة، فعند ذلك يكون الشخص خالاً وعماً في نفس الوقت، إذا تزوج أخوه من أبيه أخته من أمه، فأنجبا ولداً، ولنفترض أن رجلاً اسمه: محمد، وله أخ من أمه اسمه: عبد الله، وله أخت من أبيه اسمها: فاطمة، فتزوج عبد الله فاطمة، فأنجبا ولداً، ولنقل اسمه: سعيد؛ فإن محمداً سيكون خالاً وعماً لسعيد في نفس الوقت.
لماذا يكون خالاً؟ لأنه أخو أمه.
ولماذا يكون عماً؟ لأنه أخو أبيه.
فيكون خالاً وعماً في نفس الوقت.
أظن أننا بهذا نكون قد أتينا على مُعظم الأحكام المتعلقة بالمحارم، ونرجو أن تكون الفائدة قد حصلت في هذا الدرس من هذا الموضوع والحمد لله رب العالمين.
стр. 628
الأسئلة
стр. 629
المربي لابد أن يكون عفيفاً
السؤال
هل من الضروري أن يكون المربي متزوجاً؟
الجواب
لا يُشترط ذلك، ولكن لا شك أن الزواج من أسباب العفة، فإذا كان الرجل لا يَشعر بالعفة إلا بالزواج، فلا بد أن يتزوج، إذ كيف يشتغل بالتربية وهو واقع في المعاصي، ولا نقول: إنه لا يمكن، بل يمكن أن يشتغل بالتربية وعنده معاصٍ، لكن حتى يكون كاملاً في تربيته، ينبغي أن يكون عفيفاً.
стр. 630
الفرق بين القدوة والرياء
السؤال
كيف نفرق بين القدوة والرياء؟ بمعنى: إنسان قام يعمل عملاً من الأعمال الصالحة ليُقتدَى به، فكيف نفرق بينه وبين أن يكون الشخص مرائياً؟
الجواب
يكون ذلك بالنية، فإذا نوى الشخص بعمله أن يهتدي الآخرون ويقلدونه فيه، فإنه يكون قدوة، وأما إذا قام رياءً، ليس من أجل أن ينشط الآخرون ويعملوا بعمله، فإنه يكون مرائياً، ولذلك النية هي التي تفصل بينهما.
стр. 631
نصيحة لأصحاب القنوات الفضائية
السؤال
هناك مخططات لإفساد وسلب الهوية الإسلامية من نفوس الشباب، خصوصاً في هذه المنطقة عن طريق القنوات الخليعة التي بدأت تصل تباعاً، فما هي النصيحة في هذا؟
الجواب
أقول: أيها الإخوة: هناك حملات صليبية جديدة؛ ولكنها من نوع مختلف عن الحملات الصليبية القديمة، وهذه الحملات الصليبية -الأمريكية والإنجليزية والفرنسية- في طريقها في الوصول في أول السنة القادمة، في مطلع يناير القادم، لتبث إلينا السموم بأنواعها، سواءً أكان ذلك هدماً في العقيدة، أو دعوة إلى التبشير، أو إدخال التشويش على عقيدة المسلمين، أو تخريب الأخلاق بالمناظر الخليعة، أو الدعوة إلى الأشياء الهدامة.
لقد حدثني أحد الإخوة قائلاً: في أحد البرامج في قناة الـ ( CNN)، مقابلات -وبعض الذين يقابلون يهود مشهورون- يقول: وكانت المقابلة مع رجل وزوجته، والرجل هذا لا يُشبع زوجته جنسياً، فيقول: ما هو الحل الذي أنت تعمله الآن؟ قال: أنا آتي برجل آخر لزوجتي، وأتركه معها في الفراش لكي يقوم بإشباعها، قال: وأنت؟ قال: أنا أصورهم بالفيديو وأنبسط! وكأنه هو الذي يعمل! وهذا البرنامج يُعرض على الهواء مباشرة، ثم تأتي المكالمات من أنحاء العالم ليقول فلان: أنا أؤيد، ويقول فلان: وأنا أيضاً أريد واحداً لزوجتي، وذاك يقول: وأنا مستعد أن أقوم بدور كذا وكذا.
فانظروا -أيها الإخوة- إلى أي درجة وصلت حياة هؤلاء البهائم، ثم هذا يكون على مرأى ومسمعٍ مِن أبناء وبنات المسلمين، هذه دعوة واضحة وصريحة للانحلال، هذا مثال واحد مما وصل إلى علمنا، والله أعلم بالأمثلة الكثيرة الموجودة في مثل هذه الأشياء، ناهيك عما في دعاياتهم من الإباحية، وعما يعملونه من الترويج لأماكن الفسق والدعارة الموجودة في العالم، ولو جلست تتذكَّر وتذكِّر ما هي المحرمات والمنكرات الموجودة في هذا البث المباشر، لطال بك الكلام.
ولذلك فإنني أهيب بكل عاقل ألَّا يترك هذا الجهاز في بيته أبداً، وألَّا يفتحه لأقربائه؛ لأنك يا أخي مسئول عنهم أمام الله ، وإذا كنا من زمان كان الواحد يقول: ممكن أن نراقب، ونعمل عليه مراقبة، إذا كان فيه فقرات جيدة، وإذا كان كذا لكن الآن لا يمكن ولا تستطيع أن تعمل هذه المراقبة، وأنت تضحك على نفسك فعلاً، وما سيأتي فهو أعظم، وهذا الخطر قد نُبِّه عليه، ونَبَّه عليه أهل العلم والفضل، ولكن أين الاستجابة؟ سواءً من جهة إزالة هذه الأشياء من البيوت، أو من جهة تحذير الناس عنها، وهذا أمر خطير جداً، وهذه مسئولية في رقابنا جمعياً، كل واحد في رقبته مسئولية التبليغ، هذا غزو من نوع جديد، غزو من نوع لا يمكن التحكم فيه، وكيف يتحكم فيه؟! وكثير من المخلصين يقولون: لا حول ولا وقوة إلا بالله! وفقط، وبعض الناس قد يزين لهم الشيطان ويقول: تَفَرَّج عليها من باب نصح الناس، تَفَرَّج على البرامج حتى تنصح الناس، وهذا الشاب قد يكون ملتزماً بالإسلام، وقد يكون داعية، وإذا به يتأثر بهذه البرامج، وهذه المناظر، فلا حول ولا وقوة إلا بالله! هذه مسألة -أيها الإخوة- علاجها التوعية، ومع الأسف الأمة الإسلامية الآن ما عندها قناة تبث منها، ما هناك قناة إسلامية في العالم تبث برامج تلفزيونية كاملة على مدار الساعة -مثلاً- وتغطي أهل الكرة الأرضية ببرامج إسلامية، حتى الآن ما وجد، وأهل الكفر ملة ملة، ودولة دولة ينشرون باطلهم وإلحادهم، والمسلمون يغطون في نوم عميق، ما فكروا حتى في إيجاد قناة تبث هذه التعاليم الإسلامية إلى أهل الأرض، ما وُجد -للأسف- حتى الآن، هذه الكثرة الكاثرة من أبناء الأمة الإسلامية لم يستطيعوا إلى الآن ولو إقامة قناة واحدة تبث إلى العالم شرح الإسلام، وأحكام الإسلام، ومحاسن دين الإسلام، والدعوة إلى الإسلام أبداً، وإنما يعمله أعداء الإسلام في المقابلات، وأنواع البرامج حرام.
وليت المسلمين يقومون بشيء من الجهد الواجب عليهم في نشر الدعوة إلى الله ، في طريق خالٍ من المنكرات والشبهات.
стр. 632
الميزان في الزواج هو الالتزام بالإسلام
السؤال
يوجد عندنا بعض الإخوان الملتزمون في منهج الزواج، وإذا أراد الشخص أن يتزوج يسألونه عن منهجه: هل هو طالب علم، هل هو من أهل الخروج، هل من أهل الجهاد، هل هو من كذا، فما تعليقكم؟
الجواب
يقول ﵊: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).
فمسألة الاستفسار هي من أجل معرفة دين الرجل وخلقه، وهذا هو الذي يجب أن يؤكَّد عليه، أما تفريق الناس شيعاً وأحزاباً، فليس من ملة الإسلام، وكون الرجل مجتهداً باجتهاد معين أمر صحيحٌ وسائغٌ.
مثلاً: واحد يركز على التربية، وواحد يركز على الجهاد، وواحد يركز على الدعوة في أقطار الأرض بشكل صحيح موافق للسنة، مع الأخذ -بعين الاعتبار- بالأشياء الأخرى؛ لأنه كيف يكون داعية وهو جاهل؟! كيف يكون مجاهداً وهو جاهل؟! فإذا كان آخذاً بالأشياء الأخرى؛ فإنه في هذه الحالة على خير وعلى صواب.
قد يكون رجلاً مهتماً بمسائل تتعلق باقتصاد المسلمين، يقدم فيها دراسات وأبحاثاً، ويكوِّن هو ومن معه بعض المنشآت أو الشركات البعيدة عن الحرام، لكي يستثمر الناس فيها أموالهم، فهو على خير وعلى دين.
فإذاً: هذا الرجل إذا كان ذا خلق واستقامة، يُزَوَّج مهما كان نشاطه، فإذا كان النشاط مشروعاً، ويركز عليه؛ لأن له إبداعاً فيه، وعنده استقامة في دينه، وليس عنده بدع، ولا منكرات، ولا صاحب أهواء، وخلقه سوي، فإنه يزوَّج.
стр. 633
قتال اليهود بقيادة عيسى أو المهدي
السؤال
هل نحن المسلمين سوف نقاتل اليهود بقيادة عيسى ابن مريم أو المهدي، أو أنه سيكون هناك قائد مسلم؟
الجواب
ليس هناك في الأحاديث -بحسب ما أعلم- ما يشترط أن يكون كل قتال لليهود بقيادة المهدي أو عيسى، بل ربما يكون هناك قتال لليهود بغير قيادة المهدي أو عيسى، ونسأل الله أن يجعل ذلك قريباً.
стр. 634
غربة الإسلام
السؤال
أنا سأضرب لك مثلاً بما يحصل الآن في هذه الأيام: مجموعة من الناس أرادوا أن يبيعوا بيتاً، وهذا البيت وقف، وهؤلاء الناس يساومون على هذا البيت، ولا يوجد في هذا البلد من يحكمهم من المسلمين صار هذا الآن مثل اللغز، يقول: مجموعة من الناس أرادوا أن يبيعوا بيتاً، وهذا البيت وقف لله تعالى، ليس لأحد حق التصرف فيه، وهؤلاء يساومون عليه أعداء الله، ولا يوجد في هذا البيت من يحكمهم بشريعة الله.
الجواب
هذا -أيها الإخوة- أوان غربة الإسلام، ولكن الله رحيم بعباده، ولا يمكن أن يتركنا هملاً، ولا أن يتركنا بغير نصر، ونحن نتخذ أسباب النصر، الله يقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
والله يقول: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥].
فلا يجوز لمسلم أن يجزم بأن الله لن ينصر المسلمين، مهما عملوا، ويقول هذا النصر في الآخرة فقط، وإنما كتب على المسلمين الذل والخزي في الدنيا والابتلاءات الدائمة، لا لقد حكمنا معظم أقطار المعمورة المشهورة قرابة ألف سنة، والآن عندما تغلب إخوان القردة والخنازير من اليهود والنصارى وغيرهم على الأرض في هذا الزمان، نسينا الحقبة الماضية! كم حكم المسلمون الأقطار المشهورة في الأرض؟! كم حكم المسلمون العالم المعمور الحي الحيوي؟! الأجزاء الحيوية من العالم التي حكمها المسلمون كانت هي مقر الحضارات، والنبوغ العلمي، والتقدم، والسعادة التي حصلت بتطبيق الشريعة كم حكم المسلمون العالم سابقاً؟! كثيراً جداً، مئات السنوات متى سقطت الخلافة؟ سقطت قريباً ولم تسقط منذ زمن بعيد، الخلافة العثمانية التي كان جيوشها على أبواب فينيا، وقريباً من روما وغيرها، ما سقطت منذ فترة بعيدة جداً، وإنما سقطت منذ فترة قريبة.
فإذاً: لقد كان أجدادنا يحكمون العالم، فمن أجل مائة أو مائتين سنة من الوقت يُسْقَط في أيدينا! وننسى تاريخنا! وننسى أننا كنا أمة تهيمن على سائر الأمم وتُخشى ويُحسب لها حسابُها! فكر في تاريخ الدول المعاصرة من الدول الكافرة التي قامت كيف قامت؟! ومتى قامت؟! وكم حكمت؟! قام البرتغاليون في البرتغال، وحكموا استعمروا، أين هم الآن؟! دولة شبه متخلفة في أشياء كثيرة، أسبانيا كانت تحكم كثيراً، والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] هذا قدر الله، يرفع ناساً ويخفض ناساً ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩].
فإذاً: لا يمكن أن تستمر الهيمنة لأمة معينة ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] هذه سنة الله في خلقه، وسنة الله في عباده.
ولا شك أنه سيكون هناك ظهور للإسلام، كما بشرت بذلك النصوص، ونسأل الله أن يجعل فرج المسلمين قريباً.
стр. 635
تربية الآخرين وإهمال النفس
السؤال
إنني أحس بنفسي أنها كالشمعة تحرق نفسها، وتنير لغيرها، فأقوم بالدعوة إلى الله؛ ولكن أهمل تربية نفسي، فماذا أفعل؟
الجواب
لقد أخبر ﷺ عن رجل هذا حاله، فقال الناس: مثل الذي يعلم الناس وينسى نفسه، كالشمعة، تحرق نفسها وتضيء للآخرين.
فإذاً: ينبغي على الداعية إلى الله أن يهتم بنفسه، ولا يجعل كل الوقت للآخرين، (إن لنفسك عليك حقاً) فمن أين تدعو؟! تدعو لأي شيء وأنت لا تتعلم المنهج؟! وتربي الناس على أي شيء وأنت ليس عندك علم؟! وكيف تكون مؤثراً وقلبك خاوٍِ من أنواع الإيمانيات الناتجة عن العبادات؛ لأنه ليس عندك وقت تعبد الله فيه؟! كيف؟! (إن لنفسك عليك حقاً) في تربيتها، ودعوة نفسك إلى الالتزام بالأحكام الشرعية، والقيام بالعبادات، والتعلم، حتى تستطيع أن تمارس الأدوار الأخرى.
فلا بد أن يكون هناك توزان؛ لأن بعض الناس يقول: أنا أعتزل الناس عشرين سنة أقرأ وأقرأ وأعبد الله حتى أتقوى ثم أخرج إلى الناس، نقول: ما عندك وقت، ربما تموت قبل هذا.
فلا بد أن يكون عندك نصيب دائم من طلب العلم، ومن الدعوة إلى الله، ومن القيام بالعبادات، ومن تربية الآخرين، عمليات مزدوجة، وعمليات آنيَّة مع بعض، تقوم في وقت واحد، فيمكن أن الإنسان قد يهتم ببعض الجوانب أحياناً في وقت معين، مثلاً يذهب إلى مكة في العشر الأواخر، يقوم بالعمرة ويعتكف، فهو الآن بعيد عن الناس من أجل الاعتكاف، هذا أمر طَيِّبٌ! ليس فيه إشكال، ما اعتكف الدهر، ولا اعتكف سنين وترك الأمة، وترك المجتمع في المستنقع، وإنما هو يعطي نفسه ويكوِّن لها محطات يتزود بها من الوقود الإيماني والعلمي، ويمكن أن يتفرغ -أحياناً- لطلب العلم، مثلاً في إجازة من الإجازات، يأخذ له أسبوعاً -مثلاً- يرحل إلى أحد العلماء، ويجلس عنده، ولكنه لم ينسَ المجتمع، ولم ينسَ أهله ولا أقرباءه ولا جيرانه ولا جماعة مسجده، وأهل حيه، ولا طلابه، ولا قرناءه وزملاءه في الوظيفة والدراسة، بل إنه على اتصال، وإذا انقطع أياماً من أجل اعتكاف أو رحلة لعالِم، فهو لا زال يزاول عمله بعدها مباشرة، وهو في يومه يعبد الله، ويقرأ، ويدعو، ويربي، ورسول الله ﷺ قدوتنا؛ فقد كان قائداً للدولة، وزوجاً، وكان أباً حنوناً، تذرف عينه من الدمع على ولده إبراهيم لما مات، وكان معلماً، يشاهد رجلاً يقول في الصلاة: ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ ما لكم تنظرون إلي؟ فيعلمه، فيكون أحسن معلم، لم يُرَ مثل تعليمه قط، وقائداً عسكرياً يخوض غمار الحروب، ورجلاً محنكاً سياسياً في صلح الحديبية وفي غيرها، وفي كتابته للأقوام الأخرى ولكسرى ولهرقل، يكتب إليهم الرسائل يدعوهم إلى الله، ويخطِّط للدعوة، ويرسل ناساً إلى الحبشة، ويرسل ناساًَ من الذين أسلموا في مكة إلى قبائلهم، يعيدهم إلى قبائلهم ﷺ ، ومع ذلك يلاطف الصغير، ويقول: (يا أبا عمير! ما فعل النُّغَيْر) ويرحم الكبير، ولما جاء أبو قحافة وقد علاه الشيب، أراد ﵊ أن يوقره، وأمرهم بتغيير شيبه، حتى يكون على وضع أحسن وأمثل، وكان قدوة ﵊، وكان إماماً في المسجد، ويخطب الجمعة بالناس.
إذاً: المسلم يقتفي أثر نبيه محمد ﷺ ، وأغلب الانحرافات عند الشباب تنشأ من نزعات مثل هذا، يقول: أنا أريد أطلب العلم، وما لي علاقة بالناس، أو أنا داعية، نذرت نفسي للدعوة، ما عندي وقت أعبد الله، ولا نوافل، أنا أقوم بأشياء، ومن هنا تنشأ الانحرافات من هذه النزاعات.
يقول: لا شك أن الدعاة والعلماء هم قادة هذه الأمة، وعليهم مسئولية عظيمة، ولا شك أن ما أصاب هذه الأمة حالياً بسبب بعدها عن الله ، وانعدام التربية بين أفرادها، وفي هذه الأيام تحدُث أمورٌ عظيمة، تُذْهِب عِزَّ هذه الأمة، فلا بد من تبيين هذا للناس واستغلال الفرص، ولا شك في ذلك، وكل واحد منا عليه واجب في هذا الأمر.
следующие страницы →