← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

ثالثاً: ينبغي أن تكون هذه العلاقة علاقة هداية وتعليم إن الداعية الحريص على المدعو يقتدي بحرص رسول الله ﷺ الداعية العظيم الذي يقول الله في شأنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وهذا إبراهيم ﵇ لما جاءته الملائكة يبشرونه بإسحاق وهم في طريقهم إلى قوم لوط لإهلاكهم، ما نسي إبراهيم قوم لوط: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤] يجادل الملائكة في قوم لوط، لو فيهم كذا مسلمين تهلكونهم ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥] صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم تسليماً كثيراً. وهذا الحرص يقتضي أن يحس الداعية أنه ينبغي أن يحاول في هذا الرجل أو هذه المرأة إذا كانت امرأة تدعو امرأة أخرى مثلاً أن تهتدي إلى الحق، وأن تبصر الحق مثلما أبصره هذا الداعية. ثم تكون هذه العلاقة فيها تعليم؛ لأن الحرص معناه أنك ينبغي أن تثقفه وتزوده وتبصره وتقدم له المفهومات الإسلامية والتصورات الدينية التي يحتاجها هذا المدعو، ولذلك فإننا نذكر هؤلاء الناس الذين يشتغلون في الدعوة، ولكن إذا تأملت في علاقتهم بالمدعوين، وجدت علاقة استئناس وقصص وسوالف، ويظنون أنهم يقومون بالدعوة، ولو سألت هذا المدعو: ماذا استفدت من هذا الشخص الذي جلس معك؟ لما استطاع أن يأتي إلا بأمور يسيرة جداً لا تكاد تذكر، ذلك أن هذا الداعية يخدع نفسه، فيظن أنه يدعو، والحقيقة أنه يقيم علاقات اجتماعية فقط، يتداخل مع الناس، لكن في النهاية ماذا استفاد الناس؟ لا شيء. ولأجل ذلك ينبغي أن يعد كل داعية في نفسه قبل أن يذهب إلى المدعو، ماذا يريد أن يقول له؟ ما هو المفهوم الذي سيوضحه؟ وما هو التصور الذي سيقدمه؟ وما هي الأحكام التي سيبينها؟ فإذا رجع من عنده حاسب نفسه، فقال في نفسه: يا ترى ماذا أفدته؟ ماذا قدمت له؟ هل قمت بما كنت أفكر القيام به قبل أن أزوره؟ وهكذا. ثم على الداعية أن يتأمل ماهي هذه التصورات التي من المهم أن ينقلها إلى هذا المدعو، مثلاً: لا بد أن يكلمه عن الإيمان وأركانه، وأن يشرح له شيئاً عن الإسلام وأركانه، ومعنى الشهادتين والتوحيد وأنواعه، والمفهوم الواسع للعبادة واليوم الآخر، وتفصيلات اليوم الآخر والقيامة وما فيها، وتغيير العادات القبيحة والطباع السيئة، واتباع السنة وترك البدع، وترك تقليد الآباء والأجداد على الباطل، يذكره بعظمة الله ومراقبته، يذكره بحاجته إلى الهداية، ثم يبين له مفهوم العمل الصالح، ما هي أركان العمل الصالح، وأهمية التفقه في الدين، ويبين له أشياء عن أعمال القلوب، وصنائع المعروف، وشعب الإيمان، وحب الخير وبغض الشر، والورع وترك الشبهات، ويبين له كيد أعداء الإسلام وسعيهم لهدم هذا الدين، وهذا الضياع والتيه الذي تعيش فيه الأمم اليوم من أصحاب الحضارات الكفرية، وكيف يتخبطون، حتى لا يفتن هذا المدعو بها، ويزول إعجابه بهؤلاء الكفرة أو الفسقة المجرمين المخربين. وهكذا يستمر في التفكير: ماذا يقدم؟ ما هي التصورات اللازمة أن تعطى لهذا المدعو؟

стр. 6092

رابعاً: تكون العلاقة قائمة على تحبيب الخير رابعاً: لا بد أن تكون هذه العلاقة قائمة على تحبيب الخير وتبغيض الشر إلى المدعو، فبعض الناس يتصور أن الدعوة هي عبارة عن إعطاء المدعو كتباً وأشرطة ليستمع إليها ويقرأ في تلك الكتب وهكذا، من غير مقدمات في التشويق والتحبيب لهذا العلم وهذا الخير، دون ترغيب أو ترهيب، ترغيب في العلم والحرص عليه، وترهيب من الجهل وعاقبة صاحبه. وبعض الدعاة أيضاً قد يظن بأن أمر المدعو بالأوامر الرسمية والإلزام يظنه من الدعوة، دون تقديم هذا التحبيب وتقديم هذا التشويق، وهذا الترغيب والترهيب، وهذا ﷺ يعلمنا فيقول: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل) فكان هذا مثلاً، لم؟ لكيفية عرض الأمر ودعوة رجل إلى قيام الليل كيف تكون: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل). فإذاً: لا يصلح هذا الجفاء في العرض، ولا يصلح هذا النمط من الجمود في تقديم الأمور وإلا فمتى يتأثر المدعو إذا كانت الدعوة بهذه الطريقة.

стр. 6093

خامساً: تكون العلاقة قائمة على الإشفاق والرحمة خامساً: ينبغي أن تكون العلاقة بين الداعية والمدعو قائمة على الإشفاق والرحمة، ولا على التكبر والقسوة والاحتقار، فإن بعض الدعاة إذا نظر إلى المدعو وما هو فيه من المعاصي والآثام وما هو واقع فيه من محادة الله ، وكم أطاع الشيطان في أموره، فقد يبدأ في معاملته باحتقار وقسوة؛ لأنه فاسق، منافق، فاجر، لا يستحق ابتسامة، ولا كلمة طيبة، ولا معاملة حسنة واقعه سيئ، لا بد أن أغلظ عليه وهكذا، وينسى أن دعاة الرسول ﷺ ما كانوا هكذا يدعون الناس، هل كان مصعب بن عمير عندما بدأ في دعوة سادات الأوس والخزرج عمل بهذه الطريقة؟ الرسول ﷺ وهو يدعو الكفار كيف كان يدعوهم؟ وهم مشركون نجس: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]. كان يجلس معهم، ويعرض عليهم الأمر، ويقرأ عليهم القرآن، ويقول: يا فلان كم إلهاً تعبد؟ فيقول: ستة في الأرض وواحد في السماء، فيقول: وأيهم الذي تدخره لرغبتك ورهبتك؟ فيقول: الذي في السماء، فعرض الأمر عليه بهدوء وتؤدة، فكان في ذلك استجابة هذا الرجل وإعلانه بالشهادة ونطقه بها ودخوله في دين الإسلام. وأما إذا كان الداعية ينظر بنظرة احتقار واستعلاء إلى هذا المدعو وانعكس هذا على التصرف، فليس إلا البغض والنفور من هذا المدعو، وليتذكر الداعية إذا قام في نفسه شيء من ذلك قول الله : ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] إذا جاء في نفسك كره أو بغض لهذا الشخص، أو احتقار له، إنه إنسان يتعاطى ويشرب ويعمل ويعمل وبدء الأمر يتحول إلى استعلاء وتكبر عليه، وأنك ترى نفسك عالياً وهذا الآخر في أسفل سافلين، وانعكس ذلك إلى معاملة سيئة، فتذكر قول الله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:٩٤] كثيراً من الدعاة ماذا كانوا قبل أن يصبحوا دعاة، وقبل أن يلتزموا بهذا الدين؟ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:٩٤] كانوا عصاة وفجرة، كانوا بعيدين عن شرع الله، حتى مَنَّ الله عليهم فهداهم، فالمنة من الله إذن فلماذا احتقار الناس؟ فتقديم الدعوة بقالب التواضع، وتقديم الأفكار والمفاهيم والتصورات بقالب حسن الخلق هو الذي يؤثر فعلاً. أما أن نقول للناس: أنت يا فاسقاً في سلوكك، ويا مبتدعاً في عملك، ويا كافراً في معتقدك، ونصنف ونسب، ونكيل ألوان وأصناف الألفاظ البذيئة للناس، فإننا لا نساهم بشيء في تقدم مستواهم، ولا في تركهم لشركهم أو بدعتهم أو معصيتهم.

стр. 6094

سادساً: لا بد أن تكون هذه العلاقة قائمة على مراعاة الأولويات رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) أول ما يعرض على الشخص التوحيد. (فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم؛ وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). فإذن الأصول قبل الفروع، المبادئ العامة قبل التفصيلات، وهكذا يكون الأمر، وسيأتي مزيد من ذكر هذه الأشياء حينما نتكلم عن التدرج، لأن الأولويات والتدرج والرفق أشياء متداخلة في عالم الدعوة إلى الله.

стр. 6095

سابعاً: أن تكون العلاقة قائمة على الرفق ولا أحلى من الرفق وسيلة يركبها الداعية للدخول إلى قلب من يدعوه، وقصصه ﵊ مع الناس في الدعوة تنبئك عن أمر عجيب من الرفق.

стр. 6096

رفق الرسول ﷺ بالناس قصة الرجل الذي بال في المسجد معروفة لديكم، وقصة الرجل الذي تكلم في الصلاة، وقصة الرجل الذي قال له: لا أحسنت ولا أجملت، والرجل الذي جذبه بحاشية ردائه -أي: البرد -حتى أثر ذلك في صفحة عنقه ﷺ ، ماذا كان موقفه؟ وزيد بن سعنة الذي جاء وقال: إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، أنا أعطيتك وأقرضتك وأنت ما وفيت، وأغلظ عليه، فما زاده ﷺ شدة الجهل عليه إلا حلماً. حتى لقد كان ذلك اليهودي يترقب أن يظهر منه ﵊ هذا الأمر فظهر على حقيقته، ونهى عمر عن التغليظ على هذا الرجل، وأمر بوفاء الدين، وأمر بأن يعطى عشرين زيادة على ما اقترضه منه مقابل الترويع، وهذا الحديث الذي أخرجه أبو الشيخ في أخلاق الرسول ﷺ وغيره، وقد ذكر الحافظ ﵀ في الإصابة أن رجاله ثقات وفي أحدهم اختلاف بين ابن المديني وابن معين وابن أبي حاتم رحمه الله تعالى، ولكن له شاهد آخر. والشاهد من الكلام كله: أنه ﷺ في دعوته للناس كان رفيقاً رحيماً، وقال ﷺ : (إن شر الرعاء الحطمة) أخرجه أحمد ومسلم. والحطمة هو العنيف، والرعاء جمع راعي ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣] الذين يرعون الغنم أو الإبل، (إن شر الرعاء الحطمة) من هو الحطمة الذي هو شر الرعاء؟ قال شراح الحديث: هو العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد والإصدار، إذا أوردها الماء وأصدرها عنه وساقها إلى مكانها أو رعاها، ويلقي بعضها على بعض يعسفها ويشتد عليها ويقسو، هذا شر الرعاء. ضربه الرسول ﷺ مثلاً لوالي السوء، هذا الحديث له قصة: دخل عائض بن عمرو على عبيد الله بن زياد، وكان عبيد الله بن زياد ظالماً شديداً على الناس، وعائض بن عمرو صحابي ﵁ فقال: (يا بني! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم -هذا الوالي ظالم قليل أدب- قال له: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد ﷺ قال: أنت من النخالة، لماذا؟ لأن الصحابي هذا تأخر إسلامه، قال: أنت ما صاحبت أنت من النخالة، سوء أدب مع الصحابي. فقال عائض ﵁: (وهل كان لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم). فالداعية لا يكون حطمة مع المدعوين، لا يعسفهم ولا يشتد عليهم، وإنما يكون رفيقاً بهم.

стр. 6097

ومن أمور الرفق: الرفق في التعرف على المدعو فإن بعض الناس قد يدخلون في مدعو دخلة شديدة غير لائقة، تثير الاستغراب والدهشة، وربما أثارت النفرة من هذا المدعو -في هذا الرجل الذي جاء يتعرف عليه بهذا الأسلوب المستغرب- فينبغي أن يكون الإنسان رفيقاً وحليماً، فإذا لم ينجح في التعرف على المدعو في المرة الأولى، فليرجئ ذلك إلى المرة الثانية والثالثة، حتى يصادف وضعاً مناسباً وهكذا.

стр. 6098

أمور تنافي الرفق من ضمن الأشياء المنافية للرفق أيضاً: أن يكثر ملازمة المدعو جداً بحيث يضيق منه ولا يطيق الجلوس معه، ويريد مفارقته، الآن صار مثل هذه اللاصقة التي لا تنفك وهو يريد الفكة لأنه قد طفح به الكيل من كثرة هذه الملازمة وكتم الأنفاس. وكذلك فإن من الأمور التي تنافي الرفق في علاقة الداعية بالمدعو: الاشتداد في الإنكار عليه والإغلاظ له إذا عمل معصية، بحيث ينفر هذا المدعو منه، وهذه قصة لطيفة تبين ذلك: قال حماد بن سلمة: إن صلة بن أشيم ﵀ مر عليه رجل قد أسبل إزاره، وهذا صلة بن أشيم كان له تلاميذ وأصحاب، فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة، فقال: دعوني أنا أكفيكم، فقال صلة للرجل: يا بن أخي إن لي إليك حاجة، قال: وما حاجتك يا عم؟ انظر الشيخ الكبير يقول للرجل: يا بن أخي لي إليك حاجة، أنا أريد منك حاجة، خدمة، قال: وما حاجتك يا عم؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال: نعم وكرامة. فرفع إزاره، فقال صلة لأصحابه: لو تركتموه أو قرعتموه لقال لا ولا كرامة وشتمكم. فالأسلوب الحسن يأتي بالمردود الحسن، وهذا مثل آخر: خرج محمد بن عبد الله بن عائش ﵀ ليلة من المسجد يريد منزله، وإذا في طريقة غلام من قريش سكران قد قبض على امرأة فجذبها فاستغاثت فاجتمع الناس عليه يضربوه وهو سكران لا يحس، فقال للناس: تنحوا عنه، ثم أخذه فقال: امض معي، فمضى معه حتى صار إلى منزله، فأدخله، فقال لبعض غلمانه: بيته عندك، فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان منه، ما فعل في الشارع أمام الناس ولا تتركه ينصرف حتى تأتيني به، فلما أفاق الرجل من سكره ذكر الغلام له ذلك، فاستحيا استحياءً شديداً وهمَّ بالانصراف فقال الغلام: قد أمر أن أدخلك عليه، فقال له ابن عائش لما دخل عليه: أما استحييت لنفسك، أما استحييت لشرفك، أما استحييت من ولدك، فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكساً رأسه، ثم رفع رأسه وقال: عاهدت الله عهداً يسألني عنه يوم القيامة، أني لا أعود إلى الشراب ولا لشيء مما كنت فيه، وأنا تائب، فقال: أحسنت يا بني، فكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب عنه الحديث. ومن الأمور المنافية للرفق في الدعوة: أن ينسى بعض الدعاة أنه داعية في بعض المواقف، فيخطئ المدعو ويعنفه، فلنفرض مثلاً أنه ذهب معه في نشاط ترويحي، لنفترض أنه مثلاً في لعب كرة، من باب التداخل والتجديد والترويح، فنسي الداعية نفسه أثناء اللعب، وكلما أخطأ هذا المدعو في نقل الكرات نزل عليه بالتعنيف وباللوم الشديد ونسي واجبه الدعوي، وصار همه الآن فقط في الكرات ونقلها والتسديدات والإصابات ونحو ذلك، فهذا من الأخطاء الشائعة. وكذلك ما يحدث من بعض الدعاة من جدل عقيم في أمر دنيوي ينزل إلى مستوى المدعو، وقد يتجادل معه أي السيارتين أحسن، وأي السلعتين أجود، وهذه ليست من الدين في شيء، وينسى أنه داعية، وفي الأمور الدنيوية يتصرف مع المدعو كعامة الناس وربما جهل ونسي، ولا يتذكر أنه داعية إلا إذا طرح موضوعاً شرعياً فيه قال الله وقال رسول الله، فهذا من الانفصام النكد بين الحالتين، ولا يصلح ذلك في تصرف داعية مع مدعو. ومما ينافي الرفق أيضاً: أن يطبق الداعية مع المدعو ما حصل معه هو شخصياً في مبدأ أمره، وقد لا يكون ذلك مناسباً للمدعو أبداً، فلنفرض أن داعية وفق برجل انتشله انتشالاً عميقاً وأحسن إليه إحساناً عظيماً ونفعه نفعاً كبيراً، وسهل له الأمور في طلب العلم والدعوة والتخلص من منكرات كثيرة، ونصحه بنصائح، فالآن هذا الداعية يريد أن هذا المدعو يقفز مثلما قفز هو، وقد لا تلائم الظروف، قد تختلف الشخصيات ويختلف الأشخاص الذين نقلوا، والذين دعوا في الأصل، والفرق بين الداعية الأول والداعية الثاني قد يكون أكبر مما يفعله هذا الداعية الجديد مع المدعو. فلا بد من مراعاة هذه الأمور، وما كان سهلاً بالنسبة لك قد يكون شاقاً بالنسبة له، فلا تحمله ما لا يطيق. ومن الرفق كذلك: تشجيعه في العمل وتكليفه بالأمر اليسير حتى إذا نجح فيه شعر بحماس، وشعر هذا فعلاً بقيمة العمل، وأنه أنتج وأثمر فتشجع على مزيد من السؤال.

стр. 6099

ثامناً: لا بد أن تكون العلاقة قائمة على التدرج ولهذا أمور كثيرة: فمنها: ألا يطالب الداعية المدعو فوراً بطلب العلم، وبالمنهجية فيه، أو بحفظ النصوص، وهو إلى الآن (خام) لم يتعود بعد على مثل هذه الأشياء، أو أن يطالبه بالارتقاء إلى مستويات عالية في الأمور الإيمانية، فيطالبه بقيام الليل وبصيام النافلة، وهكذا، والمدعو بعد لم يتعود على القيام بالفرائض، ولم تستقر نفسه وترسخ قدمه في سبيل الإسلام أو فرائض الإسلام الأساسية، فيكون مطالبته بهذه الأمور من النافلة شاقاً عليه منافياً للتدرج، وقد يفعل ذلك فترة ثم يترك الفرض والنفل. ومن الأمور كذلك: عدم تكليف المدعو بأن يشتغل مباشرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو أن يحوله إلى داعية بطريقة قسرية، أو يدفعه دفعاً في قفزة محطمة لمثل هذه الأعمال الكبيرة التي تحتاج إلى تهيئة وتدريب ومراس ومران وهكذا. ورسول الله ﷺ يقول: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تبدل أحكام الإسلام لتريح الذي يستمع إليك من المدعوين، لكن أن تعلم أن هذا الدين متين، فتراعي حسن المدخل على المدعو، وأن تختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثماً. ومن التدرج مع المدعو: مخاطبته على قدر عقله، فإن على الداعية أن يخاطب المدعو من حيث انتهى علم هذا المدعو لا من حيث انتهى علم الداعية، من حيث انتهى فهم المدعو لا من حيث انتهى فهم الداعية. فإن بعض الدعاة قد يتخيل أو يتصور أن المدعو الآن لا بد أن يفهم مثلما يفهم هو، ويستوعب مثلما يستوعب هو، وأنه سريع الاستنباط، وسريع الوصول إلى الأمر وفهم القضية مثله، وليس الناس بمستويات متشابهة أو متقاربة، ولذلك يقول علي ﵁ كما روى عنه البخاري في صحيحه: [حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]. ولذلك من الفوائد التي يرشد إليها كلام علي ﵁ أيضاً من باب التدرج: تأليف قلب المدعو ربما يعرف من الإسلام أولاً، وعدم مخاطبته بغرائب العلم، والأشياء التي لا يطيق فهمه استيعابها، أو لا يطيق عقله فهمها. قال ابن مسعود: [ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم] وقد ضرب سلفنا ﵏ مثلاً عظيماً في هذا. قال الشافعي: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقولنا، ومحمد بن الحسن عالم عظيم من العلماء وفقيه، وعقله جبار، عقله طاقة هائلة، وهو من شيوخ الشافعي. قال الشافعي: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا شيئاً، ولكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه. وهذا التبسيط في الأمور وحسن العرض من الحكمة في الدعوة، وقال النضر بن شميل: سئل الخليل عن مسألة - الخليل معروف من كبار علماء اللغة والقرآن والسنة أيضاً- فأبطأ في الجواب فيها، فقلت ما في هذه المسألة، وما كل هذا النظر، قال الخليل ﵀: فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أريد أن أجيبك جواباً يكون أسرع إلى فهمك، يقول: أنا الآن لا أفكر في الجواب، الجواب انتهى عندي من زمان، لكني أفكر في الطريقة السهلة الميسورة التي إذا عرضتها عليك فهمت الأمر.

стр. 6100

تاسعاً: أن تكون العلاقة قائمة على الحكمة والحكمة والتدرج والرفق كما ذكرت شيء واحد تقريباً، ولكن من الحكمة اجتناب ما يسرع الناس إلى إنكاره، فإن بعض الأشياء والتصورات الكبيرة في العلم إذا عرضتها على الشخص أنكرها وقال: أنت إنسان لا تفهم الواقع، أو لا تفهم شيئاً، وأنت إنسان عندك شطحات، ولا يقبل منك أمراً، ولكن من الحكمة أن ترجئ ذلك حتى يستوي نضجه ويكبر فهمه فتعطيه من هذه المسائل. فتألف قلوب الناس بما يعرفون، وعدم إتيانهم بغرائب العلم من الحكمة، والتبسيط وعدم التعقيد كذلك، وتشجيع المدعو على السؤال من الأمور المهمة حتى يكون ذلك طريقاً إلى فهمه وحرصه على العلم. ومن هذه الحكمة وداخلة في التدرج أيضاً: ما بينته عائشة ﵁ فقالت: [أول ما نزل من القرآن سور المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام]. ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، وهكذا. فلا بد من تغيير النفوس شيئاً فشيئاً وإعدادها لتقبل الأوضاع الجديدة، وفطام الطفل يكون على مراحل، وهكذا يكون وضع هذا المدعو، فلا بد أن تكون الأمور إذن فيها تدرج، ولا بد أن يكون فيها الأولويات التي أشرنا إليها، وأول ما يبدأ مع مدعو عاصٍ وفاسق لا يبدأ معه بالحلال والحرام، وإنما يبدأ معه بعرض حقائق الإيمان، ووجوب طاعة الله؛ الحساب، الجزاء، الجنة، النار، ما أعد الله لأوليائه وما أعد لأعدائه، ماذا أعد للعصاة وماذا أعد للطائعين، وما يعوض الله الذين يتركون شيئاً في الدنيا من أجل الله، وهذه الأحاديث الترغيبية الترقيقية التي فيها إيراد للآيات والأحاديث الصحيحة والكلام الجيد المنتقى من أقوال أهل العلم في المواعظ، هذه أمور يجب أن يبدأ فيها قبل عرض الأحكام وأمر الناس بالحلال والحرام مباشرة.

стр. 6101

الحكمة في مراعاة الأحوال والمواقف نعم. نحن نراعي الأحوال والمواقف، قد يكون الشخص أمامك دقائق فقط، وبعد ذلك سيغادرك ويترك، فعند ذلك تقول: اتق الله ولا تفعل كذا، وتكون عبارة مجملة، فيها تذكير بتقوى الله وتبيين الحكم الشرعي، لأنه لا وقت عندك للتدرج، تراعي الحال، ولكن تبدأ بهذا الأمر: اتق الله ولا تفعل كذا، راقب الله وهذا حرام، تذكر ربك وتذكر الآخرة، ثم تقول: وهذا الذي تفعله يجب أن تنتهي عنه، وهكذا. ومن الحكمة: ما عنون عليه البخاري ﵀ في صحيحه في عنوان يدل على فقه عظيم: جواز النهي عن المستحبات إذا كان ذلك يفضي إلى السآمة والملل. والحديث المأخوذ منه هذا الاستنباط حديث عظيم جداً، حديث تربوي، ينبغي أن يقبل عليه المشتغلون بالتربية فيفهموا هذا، قصة سلمان مع أبي الدرداء. أبو الدرداء كان رجل مقبل على العبادة جداً، حتى إنه ما كان يعطي زوجته حقها، حتى اشتكت، فـ سلمان أراد أن يقوم بدور تربوي مهم مع أبي الدرداء، فزاره فصنع أبو الدرداء له طعاماً فلما قدم له الطعام، قال له سلمان: كل معي، قال: إني صائم، قال: لا أذوق طعامك حتى تأكل، فأكل معه، ثم جاء وقت النوم فذهب سلمان لينام وذهب أبو الدرداء ليقوم الليل، فقال سلمان: تعال فنم، فنام أبو الدرداء، ثم ذهب ليقوم، فقال سلمان: نم، فنام أبو الدرداء، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، ثم علمه: إن لربك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه. فهذه المعايشة التربوية هي التي تؤدي إلى تصحيح الأوضاع، وأما الكلام النظري من بعيد فإنه لا يساهم تلك المساهمة الكبيرة، ولذلك لو رأى الداعية المدعو قد نشط في أعمال نوافل جداً وخشي عليه أن يكون هذا الحماس الآن غير متزن، أو أنه سينقطع به الحبل بعد قليل، فعليه أن يذكره بالاقتصاد في النوافل حتى يتعود عليها، وحتى يشتد عوده، حتى لا تكون هذه طفرة، ثم بعد ذلك يقع وينهار، وليفعل مثلما فعل سلمان مع أبي الدرداء ﵄.

стр. 6102

ومن الحكمة كذلك: الحكمة في التعرف على المدعو وقد ذكر لنا ﵊ أموراً تساعدنا على هذا الأمر، فقال: (ابتسامتك في وجه أخيك صدقة) بالابتسامة رسالة ومظروف يذهب إلى قلب هذا المدعو فيعطي نوعاً من الألفة وتهيئة الجو من هذا التعارف، وكذلك يقول ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم) فإفشاء السلام أيضاً يهيئ الأمور للتعارف، وكذلك الدعوة إلى الوليمة والطعام وصنع المعروف مهيء للتعارف، وهكذا. وأريد أن أذكر لكم قصة طريفة بهذه المناسبة وهي قصة واقعية: أراد شخص أن ينصح شخصاً، فقبل أن ينصحه قال: لا بد أن أتعرف عليه، كيف أدخل عليه هكذا، وأقول لا تفعل وأنت طيب، لا بد أن أتعرف عليه، كيف أتعرف عليه؟ لو قلت له الآن: ما اسمك؟ مستغربة، ماذا أفعل؟ هل أذهب وأدوس على قدمه وأقول آسف ثم أتعرف عليه؟ طريقة سخيفة، هل أقول له: الجو اليوم حار؟ سؤال مكشوف، هل ألبس حذائه مدعياً أني لبسته بالخطأ ثم أعتذر وأقول: ما اسمك وأين تسكن وما؟ فيها حرج شرعي، واحتار هذا الداعية، وفي النهاية قرر أن يسلك سبيل الصراحة فذهب إلى ذلك الرجل وقال له: يا أخ (شوف) أنا أريد أن أنصحك نصيحة وأريد أن أتعرف عليك ولكني فشلت ولم أجد سبيلاً للتعرف عليك، وأنا أريد أن أقول لك شيئاً فهلا عرفتني بنفسك، فكانت هذه الطريقة نافعة وليس على جميع الحالات ولكن الإنسان يقدر الأمور ولا يأتي بالأشياء التي تنافي الحكمة، ثم سارت الأمور سيراً حسناً.

стр. 6103

من الحكمة تقدير رغبة المدعو ومن الحكمة كذلك في علاقة الداعية بالمدعو: أن يقدر الداعية رغبة المدعو في الأشياء التي ينجذب إليها وينفر منها، فإن بعض الدعاة يريدون تحبيب المدعوين إلى أمور من الشريعة عن طريق أشياء من الترفيه. فقد يعمل برنامجاً مثلاً فيه فقرة ترفيهية وفقرة تعليمية شرعية، فبعض المدعوين في البداية يأتي ويحضر الفقرة الترفيهية وإذا انتهت السلام عليكم ويمشي ويترك الفقرة التعليمية، وصاحبنا يقع في حيرة من أمره، ويفكر ويضرب أخماساً في أسداس ماذا يفعل الآن، وفي النهاية قد يبلغ به السيل الربا، ويمسكه ويقول: تلعب وتمشي، لابد أن تلعب وتجلس وتسمع الكلام وإلا لا تأتي أصلاً، فهذه الطريقة التي فيها شدة منافية للحكمة، لا يصلح أن يفعلها هذا الداعية مع المدعو. يؤخذ الناس بالترفق شيئاً فشيئاً، يألف المنظر في البداية، وقد يرى حلقة العلم وينصرف ثم يتأخر قليلاً في ارتداء ملابسه ويسمع كلمة أو كلمتين، ثم قد يحب أن يشارك إذا ارتاح إلى الناس وأحبهم، فيريد أن يسمع كلامهم فيجلس ربع ساعة ويمشي. وبعض الدعاة يستعجلون النتيجة، كيف يجلس عشر دقائق ويمشي لا بد أن يجلس كل الوقت، كيف وهو لا يدرك أو يدرك أو يتغافل وينسى بأن هذا إنسان قد صاغته الجاهلية، وأن المجتمع قد ألقى إلينا من خلال الرحم أو الأرحام بنماذج مشوهة مليئة بالتحريف، مليئة بالمعاصي والشهوات، مليئة بالانحرفات، هذه النماذج التي ألقى بها إلينا رحم المجتمع المنحرف عن منهج الله تحتاج إلى طول عناية ودعوة وترفق حتى تبدأ بالتقبل، هذا شخص له سنين في الانحراف تريد أنت الآن أن تسمعه الكلام كله في جلسة أو في ساعة أو موعظة وتريد أن يطبق فوراً، إذا كانت الجاهلية قد صاغته سنوات يفعل المعاصي ويغرق في الشهوات إلى أذنيه والآن أنت تريده بسرعة أن يفعل كل ما تريد منه، إن ذلك الأمر مناف للطبيعة البشرية ومناف للواقع، وأي شيء ينافي الواقع لن يصمد ولن يستمر وسيكون مشروعاً فاشلاً. وفي الغالب لو أنك نفرته بهذه الطريقة فقد يتركك ويذهب ليلعب مع أناس آخرين من أهل الشر الذين لا يستفيد منهم على الإطلاق، على الأقل إذا قضى معك وقتاً في الترفيه فإنه لا يكون واقعاً في المعاصي، يفعل مباحات ولكن بعيداً عن المعاصي، ولكن إذا ذهب يرفه عن نفسه مع غيرك، فإنه سيقع في منكرات ومعاصي.

стр. 6104

عاشراً: مراعاة الأحوال لا بد أن تكون العلاقة قائمة بين هذا المدعو والداعية على مراعاة الأحوال، والأحوال تختلف اختلافاً كبيراً، فالأمر يختلف إذا كان هذا الداعية طالباً والمدعو طالباً، ويختلف إذا كان الداعية مدرساً والمدعو طالباً أو العكس، ويختلف إذا كان الداعية موظفاً والمدعو مدير والعكس، ويختلف إذا كان الداعية يعمل في الطب والمدعو مريضاً أو العكس، ويختلف إذا كان الداعية طياراً أو مضيف طائرة أو العكس، ويختلف إذا كان الداعية مثلاً نقيباً في السلك العسكري والمدعو رائداً أو العكس، ويختلف إذا كان الداعية نقيب والمدعو عقيداً أو عميداً أو لواءً ونحو ذلك من الرتب، وكلما تباعدت الرتب صعب الأمر من الأسفل إلى الأعلى وسهل من الأعلى إلى الأسفل. فإذا كان نقيباً يدعو رائداً فهو أسهل من نقيب يدعو مقدماً أو يدعو عميداً أو عقيداً، وبالعكس إذا كان عميد يدعو نقيباً فهو أسهل من دعوته لشخص قريب من رتبته، وهكذا، وكذلك يختلف الوضع إذا كان الداعية قريباً للمدعو أو الداعية غريباً عن المدعو. الواحد يمكن أن يدخل مع ناس من أقربائه بشيء من التقدم السريع لأنه لا يحتاج إلى أن يتعرف عليه لأنه يعرفه منذ سنوات وبينهما صلة رحم ووشائج قربى، وعلى العموم فإن الدعوة تكون أسهل إذا كان الداعية في الرتب الدنيوية أعلى من المدعو، وتكون أصعب إذا كان الداعية في الرتب الدنيوية أنزل من المدعو، وهذه المسألة تحتاج إلى مراعاة أحوال، وفيها مراعاة حال كبيرة. وفي بعض المهن أو بعض الوظائف يكون صاحبها أسهل في المهمة الدعوية، فالطبيب مثلاً يسهل عليه أن يدعو جميع طبقات المجتمع، لأنه إنسان يحتاج إليه الكل، وإذا مرضوا ما عاد يميز بين الراتب، فهذا طبيب الناس يستوون عنده في المسألة الآن، ولذلك كان المنصرون يعتمدون على الأطباء في نشر دعوتهم الكفرية الإلحادية أكثر من غيرهم، ولذلك تسمع الآن عن بعض الجمعيات مثلاً: جمعية أطباء بلا حدود، هذه جمعية عالمية مشهورة جداً فرنسية تبشيرية، لها ميزانية ومعتمدات ومخصصات وتبرعات تأتيها من جميع أنحاء العالم، تكون فرقاً وتعبر الحدود، أطباء بلا حدود. وكذلك رجل الأعمال (التاجر) له مكانة مرموقة في المجتمع، تصور لو أن رجلاً مثل هذا هداه الله ، فهذا يؤثر على غيره تأثيراً كبيراً لأن عنده من الموظفين والعمال والمستخدمين تحته ما يستطيع أن يؤثر على طوائف وأمم من الناس. وبعض الناس من أصحاب المراكز إذا هداهم الله وأصبحوا دعاة سمع لهم الناس أكثر، وهكذا. فمراعاة الأحوال إذاً بين الداعية والمدعو في الأمور الدنيوية من الأشياء المهمة. ومن مراعاة الأحوال كذلك: العوامل التي تتحكم في لهجة الخطاب ونوع الكلام، هناك أشياء تتحكم في لهجة الخطاب، وهي أنواع المدعوين، فهناك فرق بينما إذا كنت تخاطب وتدعو ملحداً، وما إذا كنت تدعو رجلاً من أهل الكتاب، وما إذا كنت تدعو رجلاً من ديانات أخرى كـ البوذية مثلاً والهندوسية، وفرق أن تدعو رجلاً مرتداً عن الدين، وفرق أن تدعو رجلاً منافقاً أو علمانياً، أو تدعو رجلاً من عصاة المسلمين أو تدعو رجلاً من عامة المسلمين. فإذن الناس يتفاوتون، وهذا التفاوت ينبغي أن ينعكس على العلاقة بين الداعية والمدعو؛ لأنه لا يمكن أن نخاطب المرتد مثلما نخاطب رجلاً من عامة المسلمين، لا يمكن أن نخاطب منافقاً علمانياً مثلما نخاطب رجلاً من عصاة المسلمين، وهكذا. وهذا الأمر إذن ينعكس على لهجة الخطاب ونوع الكلام. من مراعاة الأحوال: تقدير المستوى العقلي للمدعو، أو الانشغال العائلي، أو العامل النفسي، فقد يكون هذا المدعو رجلاً يحب العزلة أو امرأة تحب العزلة، فيريد الداعية أن يضعه في وسط اجتماعي بالقوة، وأن يجعله منفتحاً، وأن يجعله منسجماً مع الوسط، وأن يجعله، وهذا الإنسان ليس متعوداً على مخالطة هذا العدد الكبير من الناس، وفتحه بالقوة بهذه الطريقة سيسبب مشاكل كثيرة، وبعض الدعاة قد يتعسف في التداخل والدخول مع المدعو لدرجة تشعر المدعو بالنفور، وفي الصباح يلتقي المدعوون في فصولهم الدراسية وفي الفسحة يتجاذبون أطراف الحديث، ويحكي كل منهم معاناته من الداعية الملازم له، فقال أحدهم يوماً: ألا تعلمون ما فعل صاحبي معي في الليلة الماضية، قالوا: ماذا فعل؟ قال: لقد نام عندي، يا للهول! جاء ونام عندي، هذا إنسان غير متعود أن يظهر أمام الناس بثوب النوم أبداً، لابد أن يظهر (بالسكفة) الكاملة، فالآن عندما جاء هذا الرجل وزاره، وقال: الوقت تأخر ما رأيك أنام عندك، وهو إنسان غير متعود أن ينام عند الناس ولا الناس ينامون عنده. وهذا صاحبنا الداعية يريد أن يتداخل بأسرع وقت فيحدث بعد ذلك مثل هذه الأمور المضحكة، ومن مراعاة الحال في علاقة المدعو بالداعية: أن يراعي الداعية حجم العائلة عند المدعو، ونوع العمل ووقت الدوام، فلا يطلب منه ما يشق عليه ولا يطلب من المدعو الموظف مثلاً دواماً قصيراً مثلما يطلب من الموظف دواماً طويلاً، أو مثل الذي يعمل في نوبات ونحو ذلك، ولابد من مراعاة صعوبة الدراسة، فإن الطالب في دراسة معينة في تخصص معين لا يكون عليه من الصعوبة في الدراسة مثلما عند الآخر، وكذلك لا بد من مراعاة المستوى الذهني والفروق العقلية، وظروف الشخص، قد يكون عنده اختبارات في المدرسة، أو أعمال وانتدابات وجهد شاق في عمله، فعدم المراعاة تأتي بالنتائج العكسية. حكي أن مدعواً كان يتعامل مع الداعية من نافذة الحجرة، أو من شرفة المنزل، أو من سماعة جرس الباب، والسبب أن الداعية لم يكن يعلم كيف يتعامل مع هذا الشخص وكيف يراعي ظروفه، فلما أثقل عليه وجد أن الرجل بسببه ستضيع الدراسة والمستقبل، وصار إذا جاءه أحد يصرفه من النافذة أو يكتب له على الباب ممنوع الإزعاج. ومن الأشياء كذلك مراعاة الأحوال: مراعاة الطبائع والعادات، مراعاة العادات القبلية والفروق في المناطق التي يتجمع منها الأشخاص ويأتون. وخذ على سبيل المثال: لو أن رجلاً يريد أن يدعو في أهل البادية، فأهل البادية إن لم تكن فقيهاً في الأعراف وقعت في إشكالات، فمثلاً بعض الناس لو أنك سكبت له باليسار فإنها تعتبر عنده طامة كبرى، أو مثلاً لقيته ظهرك في المجلس، فهذه تعتبر مصيبة عظمى، أو مثلاً لو تخطيته في فنجان فأعطيت من قبله ومن بعده ولم تعطه لعدها من الأشياء القاصمة للظهر. وحتى المرأة مع زوجها إذا أرادت أن تدعو زوجها فلابد أن تراعي الفروق بين أن تكون الداعية هي الزوجة أو الزوج، لأن هذه أيضاً تفرق في مسألة الدعوة، بعض الناس عندهم من العادات أو يعتقدون أن المرأة إذا تخطت فوق الرجل وهو مستلقٍ معنى ذلك انقطع نسله، ولذلك يقوم عليها ويمكن أن يضربها ضرباً مبرحاً، والرسول ﷺ كان يراعي عادات القبائل، وأحياناً تجد في بعض النصوص من كلام القبائل اليمانية، وكلام من قبائل نجد، وكلام من قبائل حبشية فكان الرسول ﵊ يراعي ذلك ويراعي عادات القوم. وطبعاً لا بد للداعية أن يكون على شيء يقبله الناس سواء في هندامه أو نظافته أو طيبه، فلا يكون له رائحة كريهة ولا تقعر في الكلام، ولا هندام سيئ وعدم اهتمام بالنظافة، والرسول ﷺ قد حبب إليه من دنيانا الطيب.

стр. 6105

حادي عشر: من علاقة الداعية بالمدعو أن يصبر عليه يصبر عليه في أشياء كثيرة، يصبر على هذه النفسية المعقدة، ويصبر على هذه الشخصية التي امتلأت شهوات وتمردت على شرع الله، وطال عليها الأمد وقسى القلب والداعية يريد التغيير، وهو لا يتعامل مع أحجار صلدة ولا ملائكة بررة، فينبغي أن يراعي ذلك، فيصبر على تعليم المدعو ويصبر على أذاه وعلى انحرافاته والتوائه، قال الله لرسوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]. فالداعية قد يواجه من المدعو شروداً، وقد يواجه منه كلاماً مؤذياً وتصرفات سخيفة، فيجب أن يصبر عليه أو أن يحفظ ما يستطيع حفظه من ماء الوجه واحترام شخصيته، ولا يعني الصبر الرضا بالذل والمهانة أبداً، ولكن شيء من سعة الصدر وشيء من التقبل، والرسول ﷺ كان يتقبل الأذى وصدره رحب لهذا الأذى. فالمدعو قد يكون عنده أخلاق سيئة، قد يكون متعجرفاً متكبراً مغروراً، عنده عجب، فعلى الداعية أن يصبر عليه، وأن يعالج الأخلاق السيئة بالأساليب الحكيمة فيداري هذا الشخص ويكرمه، والرسول ﷺ قال: (ائذنوا له بئس أخو العشيرة) ويوجه التوجيه المتواري بغير الأمر. كيف تدعو متكبر شخصاً؟ لا يصلح أن توجه له الأمر قال له: من أنت حتى تأمرني أصلاً، لكن لو قلت له: إنك فعلت كذا وأليس من الأحسن أنك تفعل كذا، والنصيحة له سراً حتى لا يشعر أنك فضحته في الملأ، ويستعلي عليك، وأن تظهر له أنه ليس المقصود بذاته في النصح، وأن النصح عام له ولغيره، والرسول ﷺ كان يجاهر فيقول: ما بال أقوام، ويعطي له فرصة اكتشاف الخطأ بنفسه، لأنك لو أوقفته على خطئه لازداد عتواً وتمرداً وغروراً، بينما لو تركت له الفرصة يتكشف خطأه بنفسه لربما تخطيت له عقبات من الكبر والغرور. والمناقشة مع غيره أمامه في موضوع يهمه دون الإشارة إليه وهو يسمع، وتعليمه التواضع، والقدوة، وداعية آخر غيرك يواجهه بدائه لو استدعى الأمر المصارحة ولو كرهه، فتنجو أنت فلا يكره الأول، وأعداء الإسلام إذا كانوا يعتمدون التوجيه غير المباشر فدعاة الإسلام أولى به وأحرى، وتذكر هذه الجملة: التوجيه غير المباشر. ومن الصبر: الصبر على صدود هذا المدعو، قد تأتي وتمر لإنسان وتقول له: نصلي، يقول لك: إن شاء الله، نمشي سوياً، قال: اسبقني إلى المسجد، انتهت الصلاة ورجعت ووجدته مكانه، صليت معنا، قال: لا صليت في مسجد يصلي بسرعة، الحل: اصبر على ما يقولون، والمدعو قد يظن أن للداعية مطامع دنيوية، فينبغي للداعية أن يبين له ويقول: ما سألتكم عليه من أجر، والصبر أيضاً على تغيير واقعه السيئ، وتحمل ما يصدر منه من التصرفات.

стр. 6106

ثاني عشر: أن تكون العلاقة قائمة على مراعاة المصالح والمفاسد فلو كان الداعي إذا أمره بأمر تأكد نفوره، أو إذا ألزمه بأمر فوق طاقته لو داوم عليه لانقطع، فيكون لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، فإنه يراعي المفاسد التي قد تنشأ عن هذه الأمور، وهذه المسألة قد تدخل في بعض الأشياء التي سبق أن ذكرناها، وكذلك من مراعاة المفاسد ما سبق أن ذكرناه في موضوع التدرج من تحديثه بشيء لا يفهمه أو لا يعقله. ومن مراعاة المفاسد أيضا ًأن بعض الدعاة قد يرى أنه لا فائدة من هذا المدعو، وقضاء الوقت معه مضيعة للوقت، فلا بد أن أتركه، فهنا لا بد أن يكون تركه له بحكمة، حتى لا ينقطع عنه بالكلية، فيصبح عدواً له، أو يشوه صورته، ويتكلم عليه في المجالس، فالترك بالتدريج وبحكمة، ولا يتركه فجأة فيكرمه ثم لا يجد هذا منه كرماً أبداً، ويكون يزوره فلا يجد منه زيارة أبداً، ويهتم به ثم لا يجد اهتماماً أبداً، وهكذا يحصل ما يحصل من الانعكاسات والسلبيات والمفاسد، ثم ليس من المصلحة قطع الخير عن هذا الشخص أبداً ولو أن الإنسان وجدت أن قضاءك للوقت معه مضيعة للوقت، فلا بد من الكلمة والكلمتين والزيارة والزيارتين، والإيقاظ للصلاة، على الأقل على أشياء لا تأخذ منك وقتاً ولا تستهلك منك جهداً. ومن مراعاة المصالح في الدعوة: أن الداعية ينبغي أن يتفطن لتمييز الناس وانتقاء من يصلح لخدمة هذا الدين أكثر من غيره، فإن بعضهم يخطئ فينتقي الأسهل ولا يفكر بالأجود، وقد يكون الشخص الأحسن نفعاً للإسلام أصعب وقد يكون أشق، ولكنه إذا اهتدى يكون فيه نفع عظيم للإسلام والمسلمين، فعلى الداعية أن يتذكر. عمر بن الخطاب ﵁ كم كان فيه من العتو ومن التمرد، كان شخصية صعبة جداً، لكن عندما هداه الله، انتفع به الإسلام أيما انتفاع، ولذلك فالتفكير في المصالح في هذه القضية، وتحمل المدعو جيد المزايا حسن الشخصية وقاد الذهن، ولو كان صعب المراس أو صاحب معاصي ما لم تغلب مفسدة يكون أيضاً من مراعاة المصالح. واعلموا أيها الإخوة أننا عندما نشتغل في الدعوة إلى الله لا نهمل الناس بأن نقول: هذا غارق في المعاصي لا نقترب منه، فإن الذين يستمعون (الدسكو) أو يستخدمون استشوار من الذكور في تصفيف شعورهم، لا ينبغي إلغائهم من قائمة الدعوة بالكلية فيمكن أن يكونوا من نجباء الدعوة في المستقبل.

стр. 6107

ثالث عشر: أن تكون العلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والمحافظة على المشاعر فاحترام وجهة نظره ورأيه بل والأخذ به إذا لم يكن هناك حرج، كاختيار المطعم، أو أدوات اللعب، أو مكان الدراسة ونحو ذلك، وبعض الدعاة يخطئون ويعاملون المدعو كأنه طفل فلا يقيمون لرأيه وزناً، وينصب نفسه ولياً لأمره ويريد منه ألا يقطع أمراً دونه، أو يشعر المدعو بأنه مراقب ومتتبع، وأن تصرفاته محسوسة وأنفاسه معدودة، وأنني أعرف ماذا تفعل، هذا يضايق كثيراً من الناس المدعوين، أو أن يزوره زيارة مفاجئة لم يكن مستعداً لها، أو أن يعمل له في عرض الكلام نغزات وقفشات ربما تسبب له نفوراً كبيراً، بينما يظن الداعي أن هذا من الحكمة، وأن هذه دقات مناسبة، فيتباهى، أو أنه يتخذها له تخصصاً في الكلام مع المدعو فيفسد إفساداً كثيراً. ومن الأمور المضايقة: المحاسبة غير الشرعية، مثل أن يقول له: تعال، ماذا صليت اليوم من السنن؟ وكم سبحت؟ وهل تركت وهل فعلت؟ لست رقيباً على الناس بهذا، فالله رقيبهم وحسيبهم، ولكن أنت تدعوهم إلى الإسلام وإلى الإيمان وإلى شعائر الخير، والله يحصي أعمالهم ولست أنت الذي تحصي أنفاسهم. والإنسان بطبعة مفطور على النفور من الإكراه والإلزام، وكل أحد يحب أن يفكر بحرية، ويختار بحرية، ويعمل بحرية، وحين يشعر أن الأفكار أو الأعمال تملى عليه إملاءً قسرياً دون أن يكون هناك اختيار؛ تصد نفسه ويحجم عن قبول الفكرة أو الاستجابة لأمر الداعية أو نهيه، قبل أن يفكر حتى في سلامة الفكرة أو صحتها ونفعها. ولكن عندما تتسلل إليه الفكرة تسللاً يتوهم المدعو منه أنه هو صاحب الفكرة، تكون دوافعه ذاتية وتطيب نفسه بالتطبيق وتسمح بالاستجابة، فالإقناع والترغيب والترهيب وإيضاح الاختيار، حتى الله يقول في القرآن: ﴿مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٥٧]، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨]. فتقول له: أنا لا أكرهك، أنا لا أجبرك، أنا لا أقسرك، يقول الله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] وهذا نوح يقول لقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود:٢٨].

стр. 6108

رابع عشر: أن تكون العلاقة محتفظة بدرجة من الجدية والوقار فبعض الدعاة قد يستخدم مزحاً مشيناً كثيراً، أو مفرطاً، أو ثقيلاً، أو يأتي بحركات قد تغضب المدعو، أو تسقط الهيبة فيما بينه وبينه، ويفترض بعض الدعاة أحياناً أن هذه دماثة خلق، وأن المزح طيب لتأليف القلوب، أو أن العلاقة قوية تسمح بمثل هذه التجاوزات مع أن الأمر ليس كذلك عند المدعو، فهو يعتبره كلاماً ثقيلاً سمجاً وتصرفاً سخيفاً، فإذاً ينبغي على الداعية أن يحاسب نفسه على مثل هذه التصرفات. وتميز شخصية الداعية وعدم تميعها مع المدعوين هذا أمر واجب، فلا يجوز أن يشاركه في أمر محرم، مثل: رجل أخذ له شيشة يقول: داعية، قال: الشباب يشيشوا وأنا أشيش ونطلع، أو ألعب معهم ورق مثلاً، أو نشاهد معهم مباريات بحجة التداخل، وما شابه ذلك من وساوس الشيطان.

стр. 6109

خامس عشر: أن تكون العلاقة ذات نفع متعد لأقرباء المدعو وأصدقائه فبعض الدعاة إذا أراد أن يدعو شخصاً في أسرة أو بيت مثلاً لا يسأل إلا عنه، ويطرق الباب بدون سلام أو كلام، فلان موجود، فقد يخرج أبوه أو أخوه أو زميله، فيتضايق من هذا الأسلوب، وأنك أنت فقط لا تريد إلا فلان، وماذا تريد منه؟ وماذا تقصد؟ وماذا تريد أن تفعل به؟ وهكذا. فيكون الداعية قد اكتسب بذلك استنكاراً وإقامة حواجز بينه وبين أقرباء المدعو أو أصدقائه، وكذلك يتصرف بعض الدعاة مع بعض المدعوين بشيء يشعر المدعو أن هذا الداعية يريد خطفه من بين أقرانه أو زملائه القدامى، أو يذم أصحابه وزملائه ذماً شديداً فينفر هذا المدعو، لأنه يقول: لا يستاهلون هذا الذنب، لماذا يحمل عليهم هذا الداعية هذه الحملة الشعواء؟ فيصور لهم كأنهم من أصحاب المخدرات واللواط وهكذا، مع أن معاصيهم قد تكون أقل من ذلك مثل استماع الأغاني ولعب الورق والمسلسلات مثلاً، فينبغي أن يبين ويوازن الكلام ويكون لكل واحد نصيبه. وكذلك يضع المدعو في موقف محرج فيقول له: إما أصدقاؤك أو أنا، فيضعه في زاوية ضيقة، وقد يكون هذا المدعو عاطفياً متشبثاً بأصحابه القدامى لا يريد تركهم. ومن الأدلة على أن الصحابة ﵃ كانوا يوسعون العلاقة وما كان الرجل للرجل والشخص لزميله فقط أو قرينه، هذا أبو هريرة ﵁ كم اهتدى على يديه من الناس لكن يقول في الحديث: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي، فإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال ﷺ : اللهم اهد أم أبي هريرة) وهذا الداعية لا يجب أن يغفل عن الدعاء في الدعوة ولا يظن أن المسألة كلها أسباب فقط، وإنما يلجأ إلى الله قال: (فلما جئت قصدت إلى الباب فإذا هو مجاف مغلق، فسمعت أمي حس قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت حصحصة صوت الماء، ولبست درعها وأعجلت خمارها، وفتحت الباب وقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فحمد الله وقال خيراً). إذن: إذا كنت تهتم بشخص اهتم بأقربائه وأصدقائه وزملائه على الأقل ولو جزئياً.

стр. 6110

سادس عشر: أن تكون العلاقة قائمة على نفع المدعو وخدمته وليس انتظار النفع منه والنفع قد يكون نفعاً دينياً للمدعو أو دنيوياً له كسد جوعة، أو قضاء دين، أو حل مشكلة، أو شرح درس، وانتبه أن لا تشرح إلا وأنت تفهم ما تشرح، وأبوه قد يكون مغرق في الديون، وهذا الرجل مهموم يفكر في ترك الدراسة من أجل مساعدة أبيه المديون، فإعطاؤه الرأي السديد والإشارة عليه يفرج الكثير من همومه. وقد يفترض بعض الدعاة في مرحلة من المراحل أن المدعو الآن يجب عليه أن يقدم ولا بد أن تستخدم سيارته لمنفعة الدعاة وإمكانياته، مع أن المدعو الآن في مرحلة لا تمكنه من هذا، بل إنه يخدم ويعطى ولا يطلب منه شيئاً، وعند ذلك تحصل مشكلة.

стр. 6111

سابع عشر: أن تكون العلاقة بعيدة عن العواطف الهوجاء فالعلاقة بين الداعية والمدعو لا بد أن يكون فيها نوع من العاطفة والجمود من الخلل، لكن ما يحدث في بعض الأحيان من انقلاب العلاقة عن حد الاعتدال والوقار لتنقلب إلى سعار لا يهدأ من العواطف الجياشة المتلفة لنفسية الطرفين، فهذه ألفاظ تهدر بغير حساب، وهذه أحاسيس تنقل ومشاعر تسطر وأبيات من الشعر وإعجابات مكتوبة، وأحلام يعقبها حسرة وآلام، حتى إنه ربما يفكر إذا تركه المدعو أن يذهب وراءه إلى آخر الأرض. فهذا الداعية تذهب نفسه حسرات وتتقطع، وعند ذلك نقول: صحح نفسك يا أخي، لا تقصر نفسك على شخص معين، أو تقيم هذه العلاقة الهوجاء غير الشرعية التي ربما تؤدي إلى أمور غير محمودة العواقب من الأمور المحرمة. وإن الدعوة إلى الله أيها الإخوة شيء ممتع ولذيذ جداً، وهو من أشوق ما يمارس الإنسان في حياته، وهذا لعله من الأشياء التي جعلها الله للقائمين بهذه الوظيفة العظيمة. وإن نسيت لا أنسى تلك الأيام المحبوبة إلى النفس التي لا يعرف قدرها إلا من فقدها، ولا أكتمكم أن الإنسان عندما يكون طالباً تكون الدعوة متيسرة أكثر في مجتمع الطلاب لسهولته وانفتاحه، ولا تفقد متعته إلا إذا فارقته، وستذكر غداً عندما تصبح بين طلبات الزوجة وصياح الأطفال وهموم الوظيفة كيف كنت في نعمة عظيمة لم ترعها، يا من تعيش وسط الطلاب أو العزاب، فإن بعض العمال مثلاً يعيش مع بعض العمال الآخرين تكون أيام جميلة وفي تآلف، فيندم إذا تركها بغير أن يطبع بصماته الدعوية على تلكم الأقران. فلتعلم إذا كنت متفرغاً قدر هذه النعمة ولا تضيع الفرصة، وصحيح أنك ستجد مجالات كثيرة للدعوة في المستقبل بين الأقارب والجيران، وستصبح بزوجتك وأولادك أكثر قدرة على التداخلات الاجتماعية ولكن متعة الدعوة في الوسط المدرسي أو الجامعي لا تكاد تنسى. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا دعاة إلى سبيله، أن يجعلنا عاملين بالعلم، وأن يجعلنا مستبصرين بالسنة مستمسكين بها، وأن يجزل لنا الأجر العظيم.

стр. 6112

١٠٠ فائدة في الصوم اختص الله الصيام لنفسه، وهو يجزي به، فجعل للصائمين باباً يدخلون منه إلى الجنة، وجعل دعوة الصائم مستجابة. وهنا أحكام كثيرة متعلقة بالصيام، تزيد عن المائة، سماها الشيخ فوائد، تتضمن تعريف الصيام وأركانه، ومفسداته وآدابه، وما يجب منه وما يستحب وما يحرم، وغير ذلك من المسائل الموشاة بالأدلة والنقاش، وعموماً فهذه المادة من الأهمية بمكان؛ لأنها جامعة لأحكام الصيام، نافعة للأنام.

стр. 6113

الاستعداد لرمضان بمعرفة أحكام الصيام هذا الصيام تطهير وتكفير ورفعة، وهو من مصلحة العباد في دنياهم وآخرتهم، فلله الحمد على هذه النعمة، وله المنة والفضل بما شرع لنا من الأمور التي تطهر نفوسنا وتزكيها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، الذي عبد الله فأحسن عبادته، وصام لربه كما أمره وعلمنا أحكام الصيام، وشرح لنا في سنته ما أنزل علينا في كتابه، وهذا الدرس عن أحكام الصيام لأن من جملة الاستعدادات المهمة بل هو أهم ما يستعد به لرمضان معرفة أحكامه، فإن الناس أيها الإخوة يستعدون لرمضان بأنواع مختلفة من الاستعدادات، فمنهم من يكدس الأطعمة والأشربة، سواء التجار أو الذين يشترونها فيجعلونها في بيوتهم وغير ذلك من أنواع الاستعدادات الدنيوية، والمسلم يقدم الاستعداد الديني على الاستعداد الدنيوي، فمن ضمن الاستعداد الديني لرمضان معرفة أحكام الصيام، وهذا الدرس بعنوان: مائة فائدة من أحكام الصيام، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يتعلمون العلم النافع ويطبقون ذلك وممن رزقهم الله الفقه في كتابه وسنة نبيه ﷺ فإن من يرد الله به خير يفقهه في الدين.

стр. 6114

تعريف الصيام وحكمه الفائدة الأولى في تعريف الصيام: الصيام لغة: الإمساك. وشرعاً: الإمساك عن المفطرات من الفجر إلى مغرب الشمس بالنية. فائدة في حكم الصيام، أجمعت الأمة على أن صوم شهر رمضان فرض والدليل على فرضيته من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ومن السنة حديث ابن عمر ﵄ قال، قال ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) رواه البخاري. فائدة في حكم جاحد الصيام: لا يجحد الصيام إلا كافر، ومن أصر على الإفطار في نهار رمضان يدعي إلى الصيام، فإن أصر على ذلك جاحداً لوجوبه فإنه كافر بالله العظيم.

стр. 6115

فضل الصيام والحكمة منه فائدة في فضل الصيام: وردت في فضل الصيام آيات وأحاديث، فمن ذلك أنه شرع للتقوى ومن الأحاديث: (أن من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) (وإن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) (وأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) وأن الصوم هو الذي اختصه الله لنفسه وأنه هو الذي يجازي به، وأن الصوم جنة ووقاية من النار، (للصائم فرحتان، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) (وأن الصيام يشفع للعبد يوم القيامة) (وأن من صام يوماً ابتغاء وجه الله وختم له به دخل الجنة) (وأن الصوم لا عجل له، وأن من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا) وفي رواية: (مسيرة مائة عام) (وأنه تصفد فيه الشياطين وهم مردة الجن) وأن هناك ثلاث دعوات مستجابات: (دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر) فهنيئاً للصائمين. فائدة في الحكمة من الصوم: في الصوم حكم كثيرة يعلمها الله ومنها: أنه وسيلة إلى التقوى؛ فإن النفس إذا امتنعت عن الحلال طمعاً في مرضاة الله تعالى وخوفاً من عقابه فأولى أن تنقاد إلى الامتناع عن الحرام. ومنها: أن الصوم موجب للرحمة والعطف على الفقراء والمساكين، فإن الإنسان إذا جاع بطنه علم حال الفقراء في جوعهم فيرحمهم ويعطيهم ما يسد به جوعهم، إذ ليس الخبر كالمعاينة ولا يعلم الراكب مشقة الراجل إلا إذا ترجل. وأن الصوم فيه قهر الطبع وكسر الشهوة، فهو يربي الإرادة عن اجتناب الهوى وترك المعاصي، وكذلك فإن النفس تتهيأ للعبادة إذا صار القلب فارغاً من الطعام الذي يجلب الخمول والنوم. وفيه فوائد اجتماعية عديدة. ومن الفوائد الدينية: أن الناس يشعرون بأنهم أمة واحدة يأكلون في وقت واحد ويصومون في وقت واحد ويشعر الغني بنعمة الله عليه.

стр. 6116

آداب الصيام ومستحباته فائدة في عدم نسيان آداب الصيام عند الكلام عن أحكامه: ينسى كثير من الناس إذا أراد البحث في موضوع الصيام آداب الصيام وينشغل بمعرفة الحلال من الحرام وأحكام الصيام، فينسى أن له آداباً وأن له مستحبات منها ما يتعلق بحفظ اللسان وترك السب والشتم، والكذب والغيبة والنميمة، والغش وآلات اللهو والمعازف ولعب الورق، فلا شك أن هذه المحرمات وإن لم تكن مفسدة للصيام ومفطرة للصائم وموجبة للقضاء إلا أنها تكسب الإنسان إثماً، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش. كما أن له مستحبات مثل: الإكثار من قراءة القرآن وذكر الله، والدعاء والصلاة والصدقة، والجود بالمال، والجود بالعلم والجود بالنفس أعلى الجود، ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم إني صائم، تذكر به نفسك وتذكر به الآخرين.

стр. 6117

تقسيمات الصيام فائدة في أنواع الصيام: ينقسم إلى صوم عين وصوم دين كما ينقسم إلى متتابع وغير متتابع.

стр. 6118

صيام العين وصيام الدين فصوم العين ما له وقت معين إما بتعيين الله كصوم رمضان، أو بتعيين العبد، كمن نذر صوماً في وقت معين فإنه يتعين صيامه في ذلك الوقت، وأما صوم الدين فليس له وقت معين كصوم قضاء رمضان فإنه يصومه كما شاء، قبل رمضان الجديد، وصوم كفارة القتل والظهار واليمين، وصوم متعة الحج إذا لم يجد ثمن الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع متى أراد، وجزاء الصيد، والنذر المطلق عن الوقت كمن نذر أن يصوم شهراً أو أسبوعاً ولم يعين أي شهر أو أي أسبوع فإنه يلزمه الصيام في أي وقت كما نذر.

стр. 6119

الصيام المتتابع والصيام غير المتتابع فائدة هل يجب التتابع في الصيام؟ الجواب منه ما يجب التتابع فيه كصوم رمضان لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] والشهر متتابع لتتابع أيامه، فلما قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: المعين والشهر أيام متتابعة فيلزمنا التتابع وكذلك صوم كفارة القتل الخطأ وصوم كفارة الظهار، وصوم كفارة الجماع في نهار رمضان فهذه صيام شهرين متتابعين في كلٍ منها وكذلك إذا نذر صوماً متتابعاً لزمه. فائدة فيما لا يلزم فيه التتابع كقضاء رمضان على الراجح وهو قول جمهور العلماء لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ولم يشترط الله التتابع، وكذلك الصوم في كفارة اليمين على الراجح إذا لم يجد عتق رقبه ولا إطعام عشرة مساكين ولا كسوتهم فإنه ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام فهي لا يشترط فيها التتابع، وكذلك كفارة الحلق لو حلق رأسه محتاجاً ففدية من صيام أو صدقة أو نسك إما أن يذبح شاة أو يطعم ستة مساكين أو يصوم ثلاثة أيام لا يشترط فيها التتابع، وكذلك صوم النذر المطلق إذا لم يشترط التتابع كمن نذر أن يصوم ثلاثة أيام وليس في نيته أنها متتابعة فيجوز أن يصومها غير متتابعة.

стр. 6120

أنواع الصيام من حيث السنية والكراهة والحرمة فائدة: هل يجوز قضاء ما أفطره من صيام التطوع؟ الراجح عدم وجوب إتمام نافلة الصوم، وعدم وجوب قضائها وهذا هو قول كثير من أهل العلم ومن الأدلة على ذلك قوله ﷺ : (الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر) لكن كره العلماء قطع صيام النافلة لغير عذر، ومن العذر أن يعز على ضيفه امتناعه عن الأكل وإن أفطر بدون عذر فلا يثاب على ما مضى من صيامه وإن أفطر لعذر في صيام النافلة أثيب على ما مضى من صيامه. فائدة في أمثلة صيام التطوع: هي كثيرة قد ندب إليها الشرع كعاشوراء، وعرفة، والإثنين والخميس، وأيام البيض، وست من شوال، والإكثار من صيام شعبان، والمحرم، وغير ذلك.

стр. 6121

الصيام المكروه فائدة في الصيام المكروه: إفراد الجمعة بالصوم لحديث: (لا تصوموا يوم الجمعة إلا وقبله يوم أو بعده يوم) رواه البخاري. صوم السبت وحده لحديث: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) الترمذي وحسنه وغيره. صيام يوم الأحد: وهو عيد النصارى. الوصال في الصوم وهو ألا يفطر بعد الغروب حتى يتصل صوم الغد بصوم الأمس. وكذلك صيام الدهر وغيرها.

стр. 6122

الصيام المحرم فائدة: الصيام المحرم: صوم عيد الفطر وعيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة بعده لأن النبي ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر، وحديث: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ويستثنى صيام أيام التشريق على من كان عليه دم التمتع أو القران ولم يجد هديا.

стр. 6123

ما يشترط في الصيام فائدة في ثبوت دخول شهر رمضان: يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين: أولاً: إكمال شعبان ثلاثين يوما. ثانياً: رؤية هلال رمضان.

стр. 6124

شروط وجوب الصوم فائدة في شروط وجوب الصوم: الإسلام والعقل؛ فلا يجب الصوم على مجنون، والبلوغ، فلا يجب على الصغير، والعلم بالوجوب، فإن الجاهل لا يجب عليه ما جهل. فائدة: متى يؤمر الصبي بالصيام: يؤمر الصبي بالصيام لسبع كالصلاة إذا أطاق الصيام، ويضرب على تركه لعشر كالصلاة ولأن الصوم أشق اعتبرت فيه الطاقة لأنه قد يطيق الصلاة ولا يطيق الصوم.

стр. 6125

شروط وجوب الأداء فائدة في شروط وجوب الأداء في الصيام، الأداء وليس القضاء: أولاً: الصحة والسلامة من المرض لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. وثانياً: الإقامة وعدم السفر للآية السابقة فيسقط وجوب أداء الصيام عن المريض والمسافر يسقط عنهما وجوب الصوم وعليهما القضاء. ثالثاً: خلو المرأة من الحيض والنفاس لحديث عائشة لما سألتها المرأة، قالت: [كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة].

стр. 6126

بيان اشتراط النية في الصيام فائدة في حكم النية في صيام الفرض: تشترط النية في صيام الفرض لقوله ﷺ : (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) ويصح أن تكون في أي جزء من الليل ولو قبل الفجر بلحظة، وقد قال النبي ﷺ : (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) فيجب أن تكون نيةً مجزوماً بها هذا قول جمهور العلماء وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنه لو قال في نفسه إن كان غداً رمضان فأنا صائم أنه يصح، ولكن جمهور العلماء على خلاف هذا لأن هذه نية غير مجزوم بها ويشترط الجزم بالنية. فائدة في النية للصيام الواجب غير رمضان: تشترط النية في كل صيام الواجب كالقضاء والكفارة. فائدة في نية صيام النفل: يجوز صوم النفل عند جمهور العلماء بنية قبل الزوال لحديث عائشة ﵂: (دخل عليه النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء، فقلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم) رواه مسلم. أما النفل المعين كعاشوراء وعرفة فاشترط بعض أهل العلم النية من الليل. فائدة في كيفية النية: النية: عزم القلب على فعل الشيء وهي مرتبطة بالعلم، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن كل من علم أن غداً رمضان وأراد صيامه فهذه نية وهذا فعل عامة المسلمين؛ كل من علم أن غداً رمضان وأراد صومه فهذه نية. فائدة في حكم التلفظ في النية: النية محلها القلب والتلفظ بها بدعة؛ فلا يجوز لإنسان أن يتلفظ بنية الصيام وإنما يعزم في قلبه على الصيام غداً إذا علمه من رمضان، والنية تتبع العلم فمتى علم وأراد الصيام فإنها نية صحيحة. فائدة فيمن نوى الإفطار في أثناء النهار لكنه لم يفطر: اختلف أهل العلم في ذلك والراجح أنه لا يفطر وإن قضى فهو أحوط، قال الحنفية والشافعية: إنه لا يفطر كمن نوى التكلم في صلاته ولم يتكلم، وقال المالكية والحنابلة: يفطر لأنه قطع نية الصوم بنية الإفطار، فلو أنه نوى الإفطار في النهار ولكنه لم يفطر فالراجح والله أعلم عدم وجوب القضاء وإنه قضاه فهو أحوط. فائدة في صوم المغمى عليه: المغمى عليه إذا طرأ عليه الإغماء من قبل الفجر إلى المغرب فالجمهور على عدم صحة صومه من قبل الفجر إلى المغرب وإذا أفاق في أي جزء من النهار صح صومه سواء كان في أوله أو في آخره، إذا أفاق في أي جزء من النهار صح صومه سواءً كان في أول النهار أفاق أم في آخره. الفائدة الخامسة والعشرين: لو ارتد بعد نية الصوم فإنه تبطل نيته بلا خلاف، وكثير من الناس مع الأسف أيها الإخوة يسبون الله أو دينه أو كتابه إذا انفعلوا وحصل بينهم خصومة أو مشاجرة ونحو ذلك، وبعضهم يفعل ذلك إثباتاً لرجولته، ولا شك أن سب الله أو رسوله أو دينه كفر، وأن من فعله فهو مرتد خارج عن ملة الإسلام، ومن فعل ذلك في أثناء النهار وجب عليه التوبة والإمساك بقية اليوم والقضاء والرجوع إلى الإسلام مرة أخرى بالدخول فيه وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

стр. 6127

سنن الصوم فائدة في سنن الصوم: له سنن كثيرة منها: السحور لحديث (تسحروا فإن في السحور بركة) رواه البخاري. وكذلك تأخيره وتعجيل الفطر لحديث: (لا يزال الناس في خير ما عجلوا الفطر). وكذلك الاستحباب أن يكون الإفطار على رطبات، ما لم تكن فعلى تمرات كما جاء في حديث أنس: (أن الرسول ﷺ كان يفطر قبل أن يصلي على رطبات فإن لم تكن رطبات فتميرات فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من الماء) رواه الترمذي وقال حديث حسن. فائدة في الدعاء عند الإفطار: لم يثبت الحديث الذي ورد عند الإفطار وإنما ثبت حديث عن النبي ﷺ رواه ابن عمر أنه كان ﷺ إذا أفطر، قال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إنشاء الله تعالى) رواه أبو داود وحسنه الدارقطني رحمهما الله تعالى.

стр. 6128

مفسدات الصيام فائدة في مفسدات الصوم: يفسد الصوم بشكل عام كلما انتفى شرط من شروطه أو اختل أحد أركانه: كالردة، وظهور الحيض والنفاس، وكل ما ينافيه من أكل أو شرب ونحوهما، ودخول شيء من خارج البدن إلى جوف الصائم.

стр. 6129

دخول المفطر إلى الجوف فائدة في متى يفطر إذا دخل إلى جوفه شيء: اشترط بعض العلماء أن يكون الداخل من الجوف من المنافذ الواسعة كما هو عند المالكية، وقال الشافعية المنافذ المفتوحة أي: المخالق الطبيعية الأصلية في الجسم والتي تعتبر موصلة للمادة من الخارج إلى الداخل كالفم والأنف والأذن، فأما إذا كان من غير هذه المنافذ فإنه لا يفطر كمن اغتسل بماء فوجد برده في باطنه، ومن طلى بطنه بدهن فوصل إلى جوفه بالتشرب فإنه كذلك لا يفطر، واكتفى بعض أهل العلم بتحقق وصوله إلى الحلق والجوف واعتبروا أن الدماغ من الجوف فإن كان الداخل إلى الجوف مما يمكن الاحتراز منه كدخول المطر والثلج فإنه إذا لم يدفعه وابتلعه تعمداً؛ أفطر فإن لم يمكن الاحتراز منه كالذباب الذي يطير إلى الحلق وغبار الطريق لم يفطر إجماعاً، وقال النووي ﵀: جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم بوصول الواصل إليه. فائدة في مسألة المغذي وغير المغذي: لا يشترط جمهور أهل العلم أن يكون الداخل إلى الجوف مغذياً فيفسد الصوم بالدخول إلى الجوف مما يغذي أولا يغذي كما لو ابتلع حصاة أو أكل تراباً ونحوه، فإنه إذا فعل ذلك متعمداً فإنه يفطر ولو كان غير مغذٍ. فائدة: في كون الصائم قاصداً ذاكراً لصومه عندما يتعاطى شيئاً من المفطرات، أما لو كان ناسياً أنه صائم فلا يفسد صومه عند جمهور أهل العلم لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) رواه البخاري. فائدة: أن الصائم المختار هو الذي يفطر عند تناوله شيء من المفطرات، فأما المكره فإنه لا يفطر فمن أُوجِر الماء يعني: صُبَّ في حلقه رغماً عنه أو صَبَّ الدواء في حلقه مكرهاً لم يفطر عند جمهور أهل العلم من الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية؛ لأنه لم يفعل ولم يقصد ولو أكره على الإفطار فأكل أو شرب استدل أهل العلم على عدم إفطاره بأن الله وضع عن الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فإذا أكره على الإفطار فإن صومه صحيح كمن أفطر ناسياً أو أكل ناسياً ونحو ذلك.

стр. 6130

إفساد الصوم بالإنزال فائدة في إفساد الصوم بالإنزال: إذا تعمد الإنزال بلا جماع كالاستمناء بالكف أو باللمس والتقبيل ونحوها، فإنه يوجب القضاء عليه دون الكفارة عند جمهور الفقهاء مع التوبة إلى الله ، ويمسك بقية اليوم مع التوبة ويقضي بدلاً منه. فائدة في الإنزال بالتفكير: عند بعض أهل العلم إذا أمنى بالنظر فإنه يفسد الصوم لأنه أنزل بفعل يتلذذ به ويمكن التحرز منه فهو كالإنزال باللمس، هذا بالنظر وأما الفائدة المتعلقة بالإنزال بالفكر فإن الإنزال به لا يفسد الصوم عند بعض أهل العلم لحديث أبي هريرة ﵁: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وقالوا النظر واللمس وغيرها يمكن دفعه ويمكن اجتنابه أما الفكر فإنه قد لا يستطيع؛ لكن عليه أن يجاهد نفسه وأن يطرد الأفكار الرديئة من ذهنه وأن يراعي حق الصيام.
следующие страницы →