Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
العادة الشهرية لا تمنع عقد النكاح
وهنا يأتي سؤال يتردد عند الكثيرات هل دم الحيض أو العادة الشهرية تمنع عقد النكاح أم لا؟ هل يجوز أن يعقد على الفتاة وهي حائض؟
الجواب
نعم.
فإن الحيض لا يمنع العقد، وإنما يحرم على الرجل أن يأتي زوجته في وقت الحيض، فالجماع هو المحرم، أما عقد النكاح فليس في ذلك بأس أبداً خلافاً لما تعتقده بعض النساء، فيجوز أن يعقد عليها العقد الشرعي وهي حائض، كما أنه يجوز للحائض أن تعقد الإحرام وهي حائض، فإذا مررت بالميقات من الطائرة أو غيرها فيجب عليك أن تحرمي إذا كنت ناوية الحج والعمرة، ولا يجوز لك أن تجاوزي الميقات بغير إحرام خلافاً لما تفعله كثير من الزائرات فإنها تقول: مررت بالميقات لكني كنت حائضاً فلم أحرم، نقول: هذا من الجهل، فإن الذي يحرم على الحائض هو الطواف بالبيت، ودخول الحرم، أما الإحرام، والسعي، والرمي، وعرفة، ومزدلفة وغير ذلك من المشاعر فإنه لا علاقة له، ولا تتوقف صحته على الحيض، فلو كانت حائضاً فإنه يجوز سعيها، ورميها، وقص شعرها، وغير ذلك من أعمال الحج أو العمرة، والذي يحرم عليها فقط هو الطواف بالبيت ودخول الحرم.
وهذا هو الجواب على سؤال يرد عند بعض النساء: هل يجوز للمرأة أن تدخل المسجد وتسمع المحاضرة ونحو ذلك؟ فنقول: قد اختلف أهل العلم في هذا، والأحوط ألا تدخل المسجد وهي حائض، ويمكنها أن تسمع المحاضرة من الشريط ونحو ذلك، والحيض تترتب عليه أحكام كثيرة كعدة المرأة، وفي ذلك ينبغي ضبطه ومعرفته.
стр. 6197
حكم العادة إذا طالت عن وقتها المعلوم
سؤال هنا يقول: العادة عندي سبعة أيام، فصارت في أحد الشهور عشرة فهل هذه الزيادة حيض أم لا؟
الجواب
كل بلل يأتيك في وقت العادة فهو حيض، وكل كدرة أو صفرة في وقت العادة فهي حيض، فإذا كانت الكدرة أو الصفرة بعد الطهر فليست بشيء، الكدرة والصفرة إذا اتصلت بالحيض من أوله أو بآخره فإنها حيض، أو جاءت في وقت العادة بدلاً من الدم، رأيت صفرة أو كدرة تعتبريه حيضاً، أما إذا طالت العادة عن وقتها فإنها عادة ما لم تصل إلى خمسة عشر يوماً، لأن أكثر مدة للحيض خمسة عشر يوماً، فإذا طالت عن ذلك فإنها استحاضة، فهناك قاعدة مهمة ينبغي أن تحفظيها لأنها تنقذك من كثير من الإشكالات، "العادة معرضة للزيادة والنقصان، والاتصال والانقطاع، والتقديم والتأخير" فقد تتأخر عادة المرأة وقد تتقدم، وقد تطول وقد تقصر، وقد تكون متقطعة وقد تكون متصلة، بعض النساء قد تكون عدتها سبعة أيام متواصلة، وفي إحدى المرات يأتيها ثلاثة أيام دم ثم ينزل عليها الطهر، وبعد فترة يأتيها دم الحيض مرة أخرى، فماذا نقول؟ نقول: كل دم في وقت الحيض فهو حيض، أما إذا جاء بعد الحيض نظرنا فيه، فإن كان يشبه دم الحيض في صفاته من ناحية اللون والرائحة والأوجاع المصاحبة ونحو ذلك عرفنا أنه دم حيض، وأما إذا كان دماً مشرقاً أحمر في غير وقت الحيض فهو استحاضة، أو إذا زاد عن خمسة عشر يوماً فهو استحاضة، فهذه بعض الأسئلة المتعلقة بالطهارة بالنسبة للمرأة المسلمة.
стр. 6198
الحجاب ليس عقبة
والآن إلى مقالة بعنوان: "الحجاب ليس عقبة" هي فتاة أميركية يميزها الحجاب الشرعي الذي ترتديه، وكذلك حرصها على حضور الحلقات التي تعقد في مسجد المدينة الأمريكية التي تقطنها باستمرار، تستعير كتباً دينية من مكتبة المسجد، فهي حريصة على العلم، وكم تتمنى أن تدرس في كلية الشريعة، كيف أسلمت؟ وما حالها قبل الإسلام وبعده؟ نقرأ سوياً ما تقوله أختنا المسلمة ليزبت التي أسلمت بعد ذلك.
تقول: نشأت في بيئة نصرانية، ولكن هذه البيئة لم يكن فيها حرص على ممارسة الطقوس الدينية؛ نتيجة التفلت والضياع الذي نعيشه في أوروبا وأمريكا عموماً، ومنذ وعيت على الحياة لم أكن أرتاح إلى هذا الدين الذي أدين به وأفكر دائماً بموضوع صلب المسيح، وكذا التثليث -وهنا آخذكِ في منعطفٍ لتستمعي إلى هذه الطرفة- جاء أحد المبشرين إلى قرية إسلامية، فألقى عليهم محاضرات التبشير والنصرانية والمسيح، ويصلي للمسيح، وقدرة المسيح ونحو ذلك وفقرات من الإنجيل المحرف، وأخبرهم أن المسيح صلب وقتل، وأنه بقي معلقاً على الصليب المصلوب عليه فترة ثلاثة أيام، ثم قام ودخل في السماء، ونحو ذلك من الخرافات والهراء الذي يقولونه، والله قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧].
ألقي الشبه على أحد الخونة فظنوه عيسى فأخذوه وصلبوه وقتلوه، أما عيسى الحقيقي فإن الله قد رفعه إلى السماء وأنقذه من بين أيديهم، هذه عقيدتنا في عيسى، وأنه عبد كريم نبي من أولي العزم من الرسل، وإنه لم يمت وإنما سينزل في آخر الزمان، وقد آن الأوان وقرب الوقت -والله المستعان- لفساد الزمان، فينزل عيسى، ويحكم بشريعة محمد ﷺ ، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل من الكفرة إلا الإسلام أو القتل.
وبعد نهاية المحاضرة قال له أحد الفلاحين البسطاء من المسلمين: يا أيها القسيس! أنت تقول: إن المسيح كان يتنقل من الناصرة إلى القدس وغيرها على الحمار ثم أخذوه وصلبوه على الصليب، هل كان عيسى على الصليب مرتاحاً لما كان مربوطاً عليه على تلك الخشبة القاسية ثلاثة أيام، قبل القتل صلبوه على هذه الخشبة التي على شكل الصليب كان مرتاحاً عليها أو لا؟ فقال القسيس: لا.
ما كان مرتاحاً عليها؛ لأنها خشبة صلبة، وهو مربوط عليها هذه الفترة.
فقال الفلاح المسلم: الحمار الذي كان يتنقل عليه المسيح كان يرتاح عليه أو ما كان يرتاح عليه؟ فقال: كان مريحاً.
فقال الفلاح المسلم: فلماذا لا نعبد الحمار بدلاً من أن نعبد الصليب وقد كان الصليب يؤلم عيسى والحمار يريح عيسى، فبهت الذي كفر وأسقط في يده.
فعلاً إنهم يقدسون الصليب، ويجعلونه معهم، ويقولون: نصاب بالبركة، ويصلون به، ويعلقونه في رقابهم وو إلى آخره، مع أنه كان مؤلماً لعيسى كما يقولون، وكان مربوطاً عليه، فينبغي كرهه ونبذه، وليس أن يأخذوه ويجعلوه سبب البركة، فما أقبح تلك العقول! وأقبح تلك الأفكار! على أية حالة تقول هذه المرأة التي كان اسمها ليزبت سابقاً: كنت دائماً أفكر في صلب المسيح، وكذلك التثليث في أن هذا الكلام لا يعقل، وكيف أن الإنسان يعمل الجرائم المختلفة، ولمجرد الإيمان بالمسيح يدخل الجنة، أليس هناك فروض وواجبات يتحتم على النصارى اتباعها؟ هذه الأسئلة جعلتني أشعر بالضياع، فجعلت أبحث عن دين آخر أجد فيه الراحة، أخذت أسأل كل شخص عن دينه لأعرف مبادئه وتعاليمه، وكلما رأيت إنساناً سألته عن دينه، فرأيت عدة من المسلمين سألتهم عن الإسلام، ثم إن بعض المسلمين دلوني على القرآن الكريم المترجم، فقرأت ثلثه؛ فوجدت فيه الراحة التامة، وأصبحت أحرص على تأدية الصلاة، وأذهب يوم الجمعة إلى مسجد المركز الإسلامي الموجود في منطقتنا، وامتنعت عن أكل لحم الخنزير وأنا لم أسلم بعد، ولكن أجرب الشعائر هذه في هذا الدين، وفي يوم من الأيام ذهبت لوليمة كان فيها بعض المسلمين في مكان، وزوجاتهم أيضاً في مكان، فسئلت: هل أنت مسلمة؟ قلت: لا.
فسئلت لماذا لم أسلم بعد؟ فقلت: إنني خائفة من الحجاب، فقيل لي: تخيلي لو أنك خرجت وصار لك حادث، هل تحبين أن تكون نهايتك طيبة فتموتين وأنت مسلمة وتدخلين الجنة أم يذهب بك إلى مكان آخر؟ فأثرت فيَّ تلك الكلمة، وأسلمت بالفعل، وعندما نطقت بالشهادة وبعد عدة أيام، أقامت لي إحدى المسلمات حفلة بسيطة وقدمت لي هدية، حينما فتحتها كانت حجاباً، كنت خائفة جداً من الحجاب، شأني شأن الكثيرات من الأمريكيات وذلك أنه في نظري يسلبنا الحرية، وبعد أن اعتدنا على ارتداء ما نريد من الملابس يكون من الصعب ارتداء الحجاب، المهم ارتديت الحجاب في اليوم الثاني وذهبت به إلى الجامعة، ولم أجد أي صعوبة تذكر، فبدأت أعتاد على الأمر ووجدت فيه الراحة التي أنشدها، والآن أحاول أن أسهل أمر الحجاب على صديقة اقتنعت بالإسلام لكنها خائفة من الحجاب.
أما عن ردة فعل أبوي فإن أبي لم يبال؛ لأنه شعر بأن الأمر ليس بيده، أما أمي فهي إنسانة اعتادت على احترام آراء الآخرين وتقبلها، ولذلك فهي لم تعر إسلامي شيئاً، لكنها كانت خائفة عليَّ من الحجاب، وعندما رأت إصراري راعت شعوري، بل إنها أصبحت تشتري لي الحجاب وتهديني إياه.
ومن الطرف التي واجهتني أن ابن خالي جاء لزيارتنا ذات يوم، فأمرته والدتي أن ينتظر في حين أن تعطيني خبر قدومه حتى أضع الحجاب، وذات مرة زارنا عمي، فأسرعت لتناولني الحجاب حتى أضعه قبل أن يدخل، فضحكت وشرحت لها الأمر، وأن عمي من المحارم الذين لا يجب علي الحجاب أمامه.
وأنقلك الآن من هذه القصة المؤثرة عن حجاب المرأة الأمريكية المسلمة هذه إلى هذا المشهد، تقول إحدى النساء: ذهبت إلى بعض المستشفيات لعمل فحوصات، فلما دخلت العيادة رأيت منظراً يندى له الجبين، ويتقطع له القلب حسرة، رأيت منظر الطبيبة بنت البلد وهي تلبس البنطال والقميص، وقد أظهرت زينتها الكاملة، واستبدلت غطاء رأسها بقبعة بلاستيكية صغيرة، ولبست من الحلي ما يزينها، ولم تأبه بالرجال سواء الأطباء أو العاملين، فهل هذا منظر يرضي الله ؟ ألا يصلح أن تلبس الطبيبة النقاب والخمار بدلاً من هذا اللباس المخزي، سبحان الله! النصرانية تسلم وتتحجب وتتعود على الحجاب، والمسلمة تفسق وتعصي، وتتحلل من الحجاب، فسبحان من هدى وأضل!! امرأة أمريكية أخرى أسلمت، وسمت نفسها (فاطمة) أسلمت بسبب الحجاب، كانت تعمل على جهاز المحاسبة في إحدى المحلات، فاستوقفتها مشاهد من بعض النساء من زوجات الطلاب الذين يدرسون في الخارج، بعض النساء المحجبات، فكانت تسألهن على الجهاز عن هذا الحجاب، ولماذا هذا الحجاب؟ وما هذا الدين الذي يلزمكم به؟ وما هي تفاصيله تقول: اشتد شوقي للحجاب على الرغم من صعوبته، وحينما عدت للبيت أخذت قطعة قماش ووضعتها على رأسي، ولبست ملابس ذات أكمام طويلة فأعجبني شكلها، وخرجت بها في اليوم التالي إلى مركز إسلامي قريب؛ بحثاً عن مراجع عن الإسلام؛ فأخذتها وتفرغت لقراءتها، فتأثرت، ثم ذهبت إلى المركز مرة أخرى وأعلنت إسلامي هناك.
إذاً: الحجاب سبب لهداية بعض الكافرات، الحجاب هو دعوة عملية، فما أكثر أجر التي تتحجب فتكون قدوة لغيرها، عندما تلبس الجوارب التي تستر القدمين، والقفازات التي تستر الكفين، والغطاء السميك الذي يستر الوجه، إنها فعلاً دعوة صامتة للغيرة، وكم من الأجر يكون لهذه المرأة.
стр. 6199
نماذج ومعانٍ
والآن إلى فقرة بعنوان: "نماذج ومعاني" المشهد الأول: بعدما انتهت من التنظيف رمى ابنها ابن العام الواحد قطعاً من البسكويت على الأرض؛ فلما رأتها ارتفع صوتها: الله يلع يا ولد.
المشهد الثاني: كانت مشغولة بإعداد طعام الوليمة فاحترق جزء منه، فتمتمت الله يلع كيف حصل هذا؟! المشهد الثالث: وقفت الخادمة ولم تتحرك، فتذمرت سيدتها؛ لأنها أعادت على مسمعها الكلام مراراً وتكراراً ولكنها لم تفهم، فقالت: أنت لا تفهمين يا مل قال رسول الله ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) وقال ﵊: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) ولما سئل النبي ﵊ لماذا النساء أكثر أهل النار؟ ماذا أجاب ﵊ قال: (لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) الزوجة تجحد حق الزوج ولا تقوم به، والشاهد (تكثرن اللعن) على ألسنة النساء، والرجال أيضاً في هذا الزمان.
فينبغي عليك أيتها المرأة المسلمة أن تهذبي لسانك من اللعن، ما أكثر اللعن بين الطالبات! ما أكثر لعن الطالبة للمدرسة! ما أكثر اللعن الذي تقوله الأم لولدها! وما أكثر هذه اللعنات التي تنطلق من ألسنة بعض العاصيات لله في هذه المسألة! ثم إنه لا يحق لأحد أن يدعو على أحد بإخراجه من رحمة الله وهو لا يستحق ذلك، فقد أخبر النبي ﷺ أنه في هذه الحالة ترجع اللعنة على اللاعن فتصيبه لعنته، فيكون كأنه دعا على نفسه.
стр. 6200
وجلست في البيت
والآن إلى فقرة أخرى في الصفحة التالية وهي: (اسأل مجرب) بعنوان: "وجلست في البيت" مر عام ونصف على زواجي وما زلت متمسكة بهذه العادة السيئة، زوجي يعمل في المطار، وهذا يتحتم أن يغير دوامه كل شهرين فتارة الصباح، وأخرى في العصر، وأخرى في الليل، وقد اعتدت أن أخرج معه كلما خرج للدوام أذهب إلى بيت أهلي لأنني أخاف إن جلست في البيت لوحدي، وهذه العادة جعلتني أعيش في معمعة شديدة، فأحياناً أضع طعام الغداء وعندما يخرج زوجي للدوام أخرج معه وأترك المطبخ غير مرتب، وأعود لأجد البيت منقلباً رأساً على عقب، وأستحي أن أنظر لوجه زوجي لشعوري الكامن بالتقصير التام، الغسيل، الكي، التنظيف، الطهي، كله ليس على الأمر المطلوب، وهذا أمر طبيعي فأنا أخرج معه وأعود معه، إذاً متى أعمل؟ حينما يكون موجوداً أتمكن من إنجاز العمل الضروري، والآن أصبح لدي طفل وازدادت المسئوليات، وازدادت معها المعمعة، وأحياناً آخذ الغسيل معي لبيت أهلي، وأحياناً أخرج وأنسى بعضه، حدثت صديقة لي، فضحكت مني وقالت: أتخافين من "الغول" أن يأتي ليأكلك، اجلسي في بيتك ولن يأتيك إلا الخير، اقرأي بعض السور القرآنية، وحافظي على الأذكار، واستعيني بالله وجربي، والأصلح للمرأة أن تجلس في بيتها.
أخذت بنصيحتها -وسط اضطراب شديد من زوجي- وجلست، ثم فتحت شريط قرآن، وشمرت عن ساعدي، وبدأت بالتنظيف تنظيفاً دقيقاً وكاملاً، وأديت أعمالي، وأعددت طعام العشاء، وجاء زوجي ووجهه فرح مستبشر للمرة الأولى، وقال بالحرف الواحد لما رأى منظر البيت من الداخل والطعام جاهز: الآن أصبح لي بيت أتشوق للعودة إليه.
وهكذا أصبحت ربة بيت وأماً وزوجة ناضجة، ولهذا تمكنت من الاستفادة، ففي وقت الفراغ أجلس لأقرأ، أو استمع شريطاً، كما أن أهلي أصبحوا يشتاقون إلي أكثر من ذي قبل، فأنا لم أعد كل ساعة عندهم، وإنما أذهب لزيارتهم من وقت لآخر، أو عندما يكون دوام زوجي ليلاً أحياناً.
стр. 6201
مشهد وتعليق
والآن إلى "مشهد وتعليق".
الزمان: الساعة الثانية عشرة ليلاً، المكان: صالة الطعام بإحدى قاعات الفنادق للأفراح، المشهد: تدخل جموع كثيرة من النساء ويتجهن صوب مكان الصحون، فتأخذ كل واحدة صحناً وتبدأ تلف على طاولة الطعام فتأتي البوفية لتأخذ ما تريد، هذه تضع كمية من الرز واللحم، وقطعتين سنبوسة، وحبتين من كل نوع من أنواع الفطائر، لحم، وجبن، وسبانخ، وتضع ثلاثة أسياخ من اللحم المشوي، وقطعتين من الدجاج، وقطعتين من الكباب، ومن الكبة، وجزء من التنبولة والفتوش إلى آخره.
تجلس كل امرأة على كرسيها تتناول الطعام، وكل واحدة تأكل قليلاً من الرز، وحبة سنبوسة، وفطيرة ونحو ذلك ثم تشعر بالشبع، مع أنها لم تتناول سوى شيء بسيط من الصحن، ثم تقوم هي والتي معها تاركة صحنها آخذة صحناً آخر أصغر قليلاً إلى قسم الحلويات، فتعبئ كل واحدة صحناً كبيراً مملوءً بشتى الأصناف، وتجلس لتتناوله ويتكرر المشهد السابق.
التعليق: لا أظن أن هناك امرأة حضرت أي حفل عرس ولم تشهد مثل هذا المشهد، وقد أصبح مألوفاً في حفلات الأعراس، والغريب حقاً أن الناس حينما وضعوا نظام البوفية لتناول الطعام، أرادوا منه الاقتصاد وعدم التبذير والإسراف، ولكن ما وقع كان العكس لسوء الفهم والتصرف، فأنتِ فعلاً تشعرين بالضيق حينما تدخلين قاعة الطعام بعد انصراف النساء، لتجدي الصحون مليئة بالمأكولات، مرمية على الطاولة، وقد تركها أصحابها في حين قد يوجد بعض الأشخاص لا يجدون ما يتناولونه؛ مما يشعر أهل الحفل بالحرج، مع أنهم قد قاموا بما عليهم من توزيع الطعام الكافي، ولكن سوء تصرف كثير من النساء وضعهم بهذا الموقف المحرج، لماذا لا تأخذ كل امرأة قدر ما تريد أكله؟ وإذا أرادت المزيد فبالإمكان أخذ ما تريد، وهكذا تنظم العملية، والمسألة كلها تعود إلى مخالفة قول الله تعالى وإلى مخالفة ما أبغضه الله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١].
стр. 6202
أية جرأة هذه ؟!
وهذه الفقرة القصيرة بعنوان: "أية جرأة هذه؟! ".
فعلاً أمرهن عجيب، وحقاً شأنهن غريب، أتجرؤ إحداهن على أن تكتب قصيدة غزل تمتلئ بألفاظ الحب والغرام، ومن ثم تنشرها على الملأ في إحدى الصحف موقعة باسمها الكامل؟! أتجرؤ إحداهن أن تكتب رسالة للاعب أو فنان أو لفوز المنتخب فيها كثير من عبارات المديح والثناء، ومن ثم تعمد إلى نشرها بإحدى الصحف وقد زينتها باسمها الحقيقي أين دينها؟ أين حياؤها؟ أليس لديها أهل؟ أين هم؟!
стр. 6203
امرأة نصرانية أبكاها القرآن
وآخر قصة في هذا العدد عن امرأة نصرانية أبكاها القرآن، وهذه قصة مؤثرة حكاها أحد الدعاة إلى الله تعالى وقال: كنا ستة نفر من المنتسبين إلى الإسلام على ظهر سفينة مصرية تمخر بنا عباب المحيط الأطلسي إلى نيويورك من بين عشرين ومائة راكب وراكبة أجانب، ليس فيها مسلم، وخطر لنا أن نقيم صلاة الجماعة في محيط على ظهر السفينة، وقد وافق قائد السفينة أن نقيم صلاتنا وكان كافراً، وسمح للبحارة والطهاة والخدم وكلهم من المسلمين، وكانوا من الليبيين المسلمين أن يصلوا معنا، وقد فرحوا بهذا فرحاً شديدا؛ ً إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجمعة على ظهر السفينة.
وقمت بخطبة الجمعة، وإقامة الصلاة، والركاب الأجانب معظمهم متحلقون يرقبون صلاتنا، وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح القداس، ظنوه القداس وأن المسألة مثل مسائل النصارى، وهذا ما فهموا عن صلاتنا، ولكن هناك امرأة من الحشد تعرفنا فيما بعد أنها أوربية، كانت شديدة التأثر والانفعال، تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها، جاءت لتهنئنا بحرارة وهي لا تملك نفساً من التأثر العميق، وليس هذا موضع الشاهد من القصة، ولكن ذلك كان في قولها، أية لغة هذه التي يتحدث بها قسيسكم؟ وهذا تصورها، وقد صححنا لها الفهم بأنه ليس هناك قسس في الإسلام، وأجبناها على سؤالها على اللغة التي كان يتحدث بها الخطيب، فقالت: إن هذه اللغة التي تحدث بها لها إيقاع عجيب، وشعور في النفس غريب، وإن كنت لم أفهم منها حرفاً واحداً، ثم كانت المفاجئة الحقيقية لنا وهي تقول: لكن ليس هذا هو الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه، إن الموضوع الذي لفت حسي هو أن الإمام كانت ترد في أثناء كلامه فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه، نوع أكثر تأثيراً، وأعمق إيقاعاً، هذه الفقرات الخاصة كانت تعمل في نفسي رعشة وقشعريرة، إنها شيء آخر يختلف عن كلام الخطيب، وتفكرنا قليلاً ثم أدركنا أنها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة، وكانت مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة من امرأة لا تفهم شيئاً مما نقول، فسبحان الذي أنزل الكتاب وجعل له هذا السلطان والتأثير.
стр. 6204
هي القاتلة
فقرة بعنوان: "هي القاتلة" عندما يعلو كلامها مع البائع في محل هي القاتلة، عندما تكشف وجهها للأجانب هي القاتلة، عندما تعلو كلماتها المبتذلة في سماعة الهاتف هي القاتلة، وعندما تتهجم على المتدينات إذا قدمن لها نصيحة هي القاتلة، نعم إنها قاتلة الحياء، وإن الله سينفذ فيها حكمه إذا لم تتب إلى الله.
стр. 6205
فطنة قاض
والفقرة قبل الفقرتين الأخيرتين بعنوان: "فطنة قاضٍ" اشتكى أحد القرويين إلى القاضي أن أحد الناس يسرق منه الدجاج والأوز، وأنه لم يهتد إليه، فحضرت الصلاة بعد ذلك فقام القاضي وخطب بهم وقال في خطبته: وإن أحدكم ليسرق أوز جاره، ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح رجل من الحضور رأسه، فقال القاضي: خذوه فهو صاحبكم.
стр. 6206
لغز العدد
وإلى الفقرة قبل الأخيرة وهي: لغز العدد، وهي بيتان من الشعر ذكرهما أحد الشعراء يصف فيهما شيئاً، والمطلوب منك أن تتعرفي على هذا الشيء، يقول هذا الشاعر:
ما اسم لشيء حسن شكله تلقاه عند الناس موزونا
تراه معدوداً فإن زدته واواً ونوناً صار موزونا
فما هو؟
الجواب
إنه الموز.
стр. 6207
طرفة عن أحد النحويين
والآن إلى آخر فقرة ونهاية المطاف في هذه المجلة مجلة الفتاة المسلمة، وهي طرفة عن أحد النحويين، وكان مشهوراً بالألفاظ الصعبة، كان يستخدم في كلامه الألفاظ الصعبة وكان يتقعر فيها كثيراً، دخل أبو علقمة النحوي على الطبيب، فقال له: أمتع الله بك -الآن النحوي يشكو حاله من المرض الذي أصابه- قال: أمتع الله بك! إنني أكلت من لحوم هذه الجوازم -أي: فرخ الحمام قبل أن ينبت ريشه- فطفئت طفأة فأصابني وجع ما بين الوابلة إلى دأنة العنق، فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الخلب والشراتيت، فهل عندك دواء؟ فقال الطبيب: نعم.
خذ خربقاً وشلفقاً وشذرقاً فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك، فقال الطبيب: أفهمتك كما أفهمتني.
وأخيراً: أيتها الفتاة المسلمة! أيتها المرأة المسلمة! نسأل الله أن نكون قد انتفعنا بما سمعنا، وأن يجعل ما سمعنا حجة لنا لا حجة علينا، وأوصيك في نهاية المطاف بتقوى الله في السر والعلن، وأسأله أن يجعل لك الطريق نوراً، ويأخذ بيدك فيه ويسلك بك الصراط المستقيم، وأن ينجينا جميعاً من نيران جهنم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكن، وإلى لقاء آخر والسلام عليكن ورحمة الله وبركاته.
стр. 6208
مقومات النصيحة الناجحة [١]
للنصيحة في الإسلام شأن عظيم، فالدين النصيحة كما ثبت عن الرسول ﷺ ، لكن واقع النصيحة بين المسلمين ليس له ذلك الأثر المطلوب شرعاً؛ بسبب الأخطاء الواقعة من الناصح والمنصوح، وعدم وجود القدوة في أفعال الناصح قبل أقواله.
стр. 6209
الدين النصيحة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
إخواني في الله: قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح كلمتين موجزتين، تعبران عن ركن عظيم من أركان الدين، وأركان الأخوة الإسلامية، وهذا الحديث الصحيح هو قوله ﷺ بأبلغ عبارة وأوجز لفظ: (الدين النصيحة) يعرف الدين بأنه هو النصيحة كما قال ﵊ في الحديث الصحيح الآخر: (الحج عرفة) فجعل ﵊ النصيحة هي الدين كما جعل عرفة هي الحج، ليس لأن الدين كله هو النصيحة، ولا أن الحج كله هو عرفة، ولكن لما كانت عرفة أعظم ركن من أركان الحج وهي الموقف الأكبر؛ كان ذلك دلالة على أهميتها وعظمها، كذلك يومئ ﵊ لأمته بأن النصيحة هي من أعظم الأشياء في الدين.
стр. 6210
عاقبة ترك النصيحة
أيها الإخوة: لما وقع الإهمال بين المسلمين في النصيحة؛ رأيت الانحرافات الكثيرة في العقائد والسلوكيات؛ نظراً لأن هذه المسألة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن النصيحة أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن النصيحة تدخل حتى في الأشياء الدنيوية، وقد جعل رسول الله ﷺ النصيحة من أركان بيعته لبعض الناس، فقد أخبر الصحابي في الحديث الصحيح: (أنه بايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة -وعلى أشياء- فذكر منها: والنصح لكل مسلم) فكان رسول الله ﷺ يشترط في البيعة النصح لكل مسلم.
أيها الإخوة: إن النصيحة معلم بارز من معالم المجتمع الإسلامي ومن أساسيات الأخوة، ولما غابت النصيحة؛ فقدنا أشياء كثيرة، لما تواكل كل إنسان على غيره في إسداء النصيحة؛ عم الفساد وطمت الشرور، لما أهملنا النصيحة وتقاعسنا عن أدائها ودخل الشيطان على كل إنسان فقال له: عليك نفسك لا توجه نصائح للناس؛ حصلت هذه المفاسد التي ترونها اليوم والانحرافات العامة في حياة المسلمين التي أدت إلى غياب وضوح صورة الإسلام الصحيحة في أذهان كثير من المسلمين اليوم.
أيها الإخوة: النصيحة جعلها ﵊ ركناً من أركان الأخوة، فقال في حق المسلم على المسلم: (وإذا استنصحك؛ فانصحه) قال العلماء ومنهم ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: إن هذا الأمر للوجوب، فتجب النصيحة لعموم الأدلة الأخرى الدالة على أهميتها والتشديد في أمرها.
стр. 6211
نظرة الناس إلى النصيحة
أيها الإخوة: صار الواحد منا اليوم إذا رأى أخاه على منكر، أو رآه واقعاً في خطأ ما؛ يستحي أو بعبارة أدق يخجل أن يوجه إليه النصيحة، وصارت النصيحة عند بعض الناس اليوم عيباً لا ينبغي ذكره ولا إسداؤه أو التوجه به.
سيقول السفهاء من الناس: إن النصيحة تعتبر تعدياً على الحرية الشخصية للإنسان، وهذه فكرة قائمة في أذهان الكثير، فإنك ترى أحدهم اليوم إذا جئت توجه إليه نصيحة في أمر من الأمور؛ قال لك: وما دخلك أنت، وما حشرك في الموضوع، أنا حر فيما أفعل، هذه هي الحرية الشخصية، الحرية المزعومة التي ادعاها هؤلاء تقليداً للكفرة من الغربيين والشرقيين؛ الذين جعلوها صنماً يعبد من دون الله، فأدت إلى ما أدت إليه من الشرور والمفاسد.
أيها الإخوة: الحرية مكفولة للمسلمين -والحمد لله- في هذا الدين، ولا يحتاج المسلم لضمان حريته إلى أكثر من التقيد بشرائع الإسلام.
إن الإسلام يضمن لكل مسلم حريته بالأشياء التي جاء بها في إقرار حقوق المسلم وتحريم التعدي عليه، والذي يزعم أن الحرية مطلقة؛ فإن كلامه يؤدي إلى نسف عبودية الإنسان لله بالكلية؛ لأنك إذا عممت هذا المفهوم كما يراه بعض الناس اليوم؛ فإنك ستقول: أنا حر أن أؤدي الصلاة أو لا أؤديها، وأنا حر أن ألتزم بالزكاة أو لا ألتزم بها، أو أنا حر أن أصوم أو أحج إلى غير ذلك، فتصير الحرية بهذا المفهوم وبالاً شديداً ومطعناً عظيماً في دين الإسلام، فإن الإنسان عبد لله شاء أم أبى، فيجب أن يقدم حقوق هذه العبودية، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الإنسان لا يمكن أن يعيش من غير عبودية مطلقاً، لا بد أن يعبد شيئاً ما، فإما أن يكون عبداً لله تعالى، أو عبداً لأهوائه أو شهواته، أو غيرها من طواغيت الإنس، أو الأصنام وما شابهها.
لذلك -أيها الإخوة- لابد أن يستقر في عقول هؤلاء الناس أن النصيحة ليست تعدياً على الحرية الشخصية مطلقاً، وهذه القصة أو الحوار الذي سمعته يوماً ما من أحد الإخوان -والعهدة على الراوي- تبين حال الناس في قضية النصيحة: فإن إنساناً أتى لرجل من المسلمين فقال له: يا أبا فلان! إن ثوبك طويل يسحب، هلا رفعته وقصرته كما أمر رسول الله ﷺ ، لقد رأى مسلماً واقعاً في منكر؛ فأسدى إليه نصيحة، فقال له الشخص المخاطب بلهجته: يا فلان! هذا ثوبي وإلا ثوبك؟ قال: لا.
ثوبك، قال: فما دام أنه ثوبي؛ فأنا حر أفعل به كما أشاء، فانطلت هذه الكلمة على ذلك الرجل الناصح المسكين فقال: إي والله صدقت.
أيها الإخوة: هذا مثل بسيط من الأمثلة التي تعبر فعلاً على أن الناس اليوم يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإسداء النصيحة لهم هو تدخل في حرياتهم ومظاهرهم الشخصية، لذلك لا يرون التقيد أو قبول النصيحة أصلاً، وقد أتى الخلل من كون بعض المسلمين يرون بأنه لا علاقة للإسلام وأحكام الإسلام في مظاهرهم الشخصية، فلذلك هو حر في مظهره الشخصي، وهذه نقطة خطيرة؛ لأن المظهر -أيها الإخوة- من شعارات الإسلام، وقد اهتم الإسلام بالباطن كما اهتم بالظاهر؛ ولأن اللباس والهيئة والمظهر من شعارات المسلمين الدالة على تميزهم عن غيرهم من الأمم الكافرة، ولذلك أمر الإسلام بمخالفة أعداء الدين وأصحاب الملل الأخرى من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، فأمر بإرخاء اللحى، وقص الشوارب، وتقصير الثياب، وغير ذلك من الأشياء تظهر المسلم متميزاً متفرداً في مظهره وهيئته.
стр. 6212
شروط النصيحة
النصيحة لها شروط في الناصح والمنصوح والنصيحة في ذاتها، ولا يسعنا الوقت للكلام عن هذه الأشياء جميعها.
ولكن لا بد للناصح أن يكون -يا إخواني- رفيقاً بمن ينصح، وألا يكون متعالياً عليه بنصيحته، أو ينصب نفسه أستاذاً له في إلقاء النصيحة؛ لأن هذا الأمر يسبب نفور الشخص المقابل؛ لأنه يشعر بأنك تتعالى عليه وتتكبر عليه أثناء نصحه، وقد جبلت النفوس على رفض مثل هذه الطرق التي تؤدي إلى إهانتها في الظاهر، لذلك كان لا بد من الرفق بالناس، وعدم التكبر أو التعالي عليهم أثناء إسداء النصح لهم، وتجنب الألفاظ الجارحة التي تؤدي إلى صدود كثير من المسلمين عن تقبل النصيحة.
بعض الناس عندما يرى شخصاً لا يطبق شيئاً من شرائع الدين في مظهره أو أعماله، فقد يقول له: أنت فاسق، أنت فاجر، أنت كذا، أنت كافر، أنت لا تفعل كذا، أنت عاصٍ، أنت مرتد، أنت خارج عن الدين، أنت كذا وأنت كذا، من هذه الألفاظ التي تنفر الناس بظاهرها، وقد يكون الحق مع هذا الرجل الناصح أن هذا الأمر الذي ينصح به هو حقيقة إذا لم يطبقه الشخص المقابل فإنه قد يكون فاسقاً؛ لأن الفسق معناه: الخروج عن طاعة الله ، ومعصية الله، فلذلك سميت الثمرة إذا انشقت عن قشرتها أنها فسقت كما تقول العرب، فإذاً الخروج عن طاعة الله ومعصيته فسق، هذا لاشك فيه مطلقاً، ولكن يا أخي عندما تقول للشخص الآخر مباشرة قبل أن تقيم عليه الحجة، تقول: أنت فاسق، أنت كذا، أنت مرتد، أو أنت كافر، أو أنت عاصٍ، مثلاً، هل حلت المشكلة؟
الجواب
كلا، لم تحل المشكلة مطلقاً، لذلك كان لا بد من الترفق في النصيحة.
لقد حدثت في عهده ﷺ من الأحداث التي هيأها الله حتى نرى بها الطريقة الصحيحة في إسداء النصيحة، حدثت أشياء عظيمة كان موقفه ﵇ منها مدعاةً ومثاراً للتعجب والاندهاش من حلم ذلك الرجل العظيم ﷺ .
هل هناك ذنب أقبح من أن يبول إنسان في المسجد أمام الناس؟! كلا، وربما لا يكون هناك في ذلك الموضع ما هو أقبح من ذلك، أفترى رسول الله ﷺ كيف عالج الأمر؟ لما همَّ الصحابة بذلك الرجل الأعرابي الجاهل الذي أتى ليبول، قال: (لا تزرموه، تقطعوا عليه بوله) وبعدما انتهى الرجل؛ ناداه ﵊ وعلمه حق المساجد وواجب المسلم نحو المسجد، وأن هذا الأمر لا يجوز وذلك بكل رفق وتؤده.
كذلك الصحابي ﵁ الذي تكلم في الصلاة جاهلاً بحكم الكلام في الصلاة، ماذا قال بعدما نصحه ﵊؟ قال: (فبأبي هو وأمي! ما رأيت معلماً قط قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، والله ما كهرني ولا نهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن).
فإذاً أيها الإخوة، هذا الأسلوب الجذاب في النصيحة هو الذي يحمل الناس على قبول النصيحة، وهذه المسألة فيها خطورة كبيرة؛ لأن كثيراً من الناصحين يقولون كلاماً حقاً، فالحق معهم في كل كلمة يقولونها، فالحكم الذي أمروا به صحيح والدليل صحيح، والمنكر الذي نهوا عنه فعلاً منكر، وقامت الأدلة من الكتاب والسنة على أنه منكر، وتوجيههم للناس أن هذا طريق الحق صحيح، والمعالم التي في هذا الطريق صحيحة، لكن المشكلة أن أسلوبهم يعمي على الناس قبول هذا الحق.
أيها الإخوة: هذه مسألة خطيرة؛ أن نعرض على الناس حقاً، ولكن لا يقبلونه بسبب أسلوبنا نحن، هذا يؤدي إلى نكوص الناس عن شرع الله وارتدادهم عن دين الله واتباع الباطل، إذا كان معك الحق يا أخي كما أنه حسن في ذاته؛ فكن أنت حسناً في تأديته إلى الناس، ولذلك نجح كثير من أهل الباطل في إيصال باطلهم للمسلمين مع أنه باطل بسبب حسن الأداء، فأنت ترى كثيراً من المبشرين النصارى قد نجحوا في إدخال كثير من المسلمين في دين النصرانية أو إبعادهم عن دين الإسلام، هل كان ذلك بسبب أن الأشياء التي عرضوها على المسلمين صحيحة أو حق أو حسنة أو طيبة؟ كلا، إنها شرك أو كفر أو ردة عن دين الله أو فسق أو معصية، ولكن نجحوا في ذلك بسبب الأسلوب الحسن الذي استطاعوا به أن ينفذوا إلى قلوب الناس، فمن أشد الأمور ألماً أن ترى أهل الباطل يصلون إلى قلوب الناس بحسن تخطيطهم، وجودة أسلوبهم، ورقة ألفاظهم، وجمال حديثهم وكلامهم، وما هم عليه باطل، وترى أصحاب الحق الصحيح أصحاب الحنيفية السمحة لا يستطيعون أن يوصلوا ما لديهم إلى قلوب الناس.
هذه أيها الإخوة من أشد ما في واقع المسلمين ألماً، هذه واحدة، ومع ذكرنا لهذا الجانب فإننا لابد أن نعرج على أولئك المنصوحين الذين توجه إليهم النصيحة، فأقول لكل واحد أسديت إليهم نصيحة صحيحة تيقن أنها حق: يا أخي! لا يحملنك شيء من فضاضة أخيك المسلم أو تعديه عليك بجزء من اللفظ أو خشونة في الأسلوب -لو حدث هذا- لا يحملنك هذا على رفض ما لديه من الحق؛ لأن هذه من أعظم المنكرات أن ترفض الدليل وترفض نص الكتاب والسنة، وترفض الحق؛ لأن فلاناً قد قسا عليك شيئاً ما في الأسلوب، لأن هذا استبدل الحسنة بالسيئة، ألأنه قسا عليك قليلاً في الأسلوب ترفضه؛ وترفض ما لديه من الحق العظيم الذي أتى من عند الله؟! ترفض أحكام الدين وترفض أحكام المنكر الذي أنت مقيم عليه؛ بسبب خطأ في الأسلوب، هذه رعونة وطيش وحمق، لا ينبغي مطلقاً أن يحصل، نرفض الحق لمجرد أنه أسيء إلى شخصياتنا في طريقة عرضه، كلا يا إخواني، لنكن أصحاب حق ومبدأ وإن واجهنا شيئاً من الخشونة أو القسوة، فالحق عندنا أعلى وأعظم وأغلى من الأسلوب، وإن كان الأسلوب مهماً ولكن الحق أهم، وإذا استطعنا فهم هذين الجانبين زال الإشكال واقترب الناس من الدين وسمع كل منصوح لناصحه.
ومن الأمور التي ينبغي عقلها وفهمها وفقهها للناصح: أن يعرف الفرق بين النصيحة والتعيير، أن يعرف الفرق بين النصيحة والتشهير، لأن الناس لهم كرامة، والناس لهم مشاعر وأحاسيس، ولذلك لا بد من احترام أحاسيسهم ومشاعرهم.
أيها الإخوة: النصيحة تسدى بقالب حسن سراً بين الناصح والمنصوح؛ لأن الناس لا يريدون بطبيعتهم أن تقرأ على الآخرين أخطاءهم وعيوبهم، ففي المجالس تقول: يا فلان! لماذا فعلت أمس كذا؟ ولماذا قلت كذا؟ أنت مخطئ وأنت كذا وكذا، هذا تشهير لا يصح أبداً، لا بد أن نحفظ حقوق الناس وكرامتهم، لا بد أن نصون مشاعرهم وأحاسيسهم.
لكن يحصل أحياناً أن الشيء الذي تنصح به لو أخرته يفوت وقته، فلا بد أن تنصح به الآن قبل أن يفوت وقته، كما لو أنني قلت لهذا الأخ: قم واركع ركعتين، فإن هذا لا يعتبر تجريحاً ولا تشهيراً؛ لأنه لو ما قام الآن وصلى فإن وقتها يفوت، ولأن طاعة الرسول ﷺ الذي أمر المسلم إذا دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين، تحتم عليه أن ينفذ الأمر الآن، فإذا تركته ونصحته بعد الصلاة مثلاً؛ فإن هذا الأمر يفوت عليه، ولذلك فإن سليكاً الغطفاني لما دخل المسجد والرسول ﷺ يخطب كما ورد في صحيح مسلم جلس سليك مباشرةً، فقال له ﵊: (أركعت ركعتين؟ قال: لا.
قال: قم فاركع ركعتين) هذا أمام الناس لا يسمى تشهيراً ولا تعييراً، لأن هذا وقته وإذا ترك؛ يفوت الوقت، ولكن لا يمكنك أن تؤجل النصيحة إلى ما بعد انفضاض المجلس وانتهاء هذه الجلسة التي يجلسها الناس، ومع ذلك تنصح الرجل أمام الآخرين، هذا غير صحيح.
стр. 6213
بعض الأسباب الحاملة على سوء النصيحة
ومن الأسباب الحاملة على سوء النصيحة أمام الناس عاملٌ مهمٌ جداً وهو: أن يكون بيد الناصح سلطةٌ أو معه مسئوليةٌ على المنصوح قوية كمسئولية أو سلطة الوالد على ولده، أو المدرس على الطالب، أو الزوج على الزوجة، هذه السلطة أو المسئولية تحمل هؤلاء الناس إلا من رحم الله منهم على سلوك سبلٍ سيئة في النصيحة، يقول: عندي مسئولي أستطيع أن أقهره وأجبره، لذلك لا يفكر مطلقاً في تزيين النصيحة ولا في أسلوبٍ حسن، لأنه أب يقهر الولد، لأنه مدرس يقهر الطالب؛ لأنه زوج يقهر زوجته، فلذلك لا يفكر في تحسين النصيحة مطلقاً؛ لأن عنده من السلطة والمسئولية ما يخوله للفرض أو القهر والجبر، ولذلك نشأت اليوم أجيال من المسلمين ضعيفة في شخصياتها محطمةٌ في معنوياتها، لا تكاد تجد عندها معلماً واحداً من معالم العزة أو القوة أو الجرأة، لأن تربيتها كانت من هذا النوع.
أيها الإخوان: يدخل الواحد أحياناً بيتاً من البيوت، ويجلس في مجلس من المجالس، فيرى الأب يهين الابن أمام الضيوف الجالسين، يهينه وينتقده ويذله ويسبه ويقول: هذه طريقة في الضيافة! هذه طريقة في حمل القهوة! هذه كذا! استحي على وجهك، وينتقده حتى في طريقة وضعه للطعام، مع أنه كان من الممكن أن يخرج إلى خارج المجلس وينادي الولد، ويسر إليه سراً بهذه النصيحة وهذا التعليل، وأحياناً تكون الأشياء غير ذات أهمية، ولكن حب التسلط يحمل الأب أو المدرس أو الزوج على أن ينال من ابنه أو من تلميذه أو من زوجته في كرامته ومشاعره وأحاسيسه في أشياء تافهة بدافع حب السيطرة وإبراز الشخصية، وهذه -أيها الإخوة- من مداخل الشيطان.
لا تحملنك يا صاحب المسئولية مسئوليتك ولا سلطتك على أن تخون آداب النصيحة، وتسيء إلى إخوانك المسلمين في طريقة النصح، ولذلك تجد الأولاد الآن كثيراً منهم لا شخصية لهم ولا جرأة عندهم ولا عزة ولا كرامة، في غاية الذل والإهانة لا يجرءون على مواجهة الناس خارج سور البيت؛ لأن طريقة إسداء النصح له في المجالس في غاية السوء؛ لأن طريقة تربية الآباء أو تربية المدرسين أو معاملة الزوج مع زوجته في غاية السوء، فترى تلك المسكينة قابعة في بيتها جريحة مهيضة الجناح؛ لأن زوجها ذلك الجبار المتغطرس لا يعرف أن ينصحها مطلقاً، فتراه يهين زوجته أمام أمه أو أخته أو أحد محارمه، وإذا اجتمعوا في البيت يسيء إليها؛ ويغلظ عليها في طريقة نصحها، ويلومها على طريقة الطبخ أو على أي شيء في الأكل ويجرح شعورها وكبرياءها، وترى ذلك الطالب المسكين يقف في الفصل محرجاً وجهه قد اسود أمام زملائه؛ بسبب الطريقة السيئة التي نصحه بها المدرس.
نقول هذا أيها الإخوة تسليطاً للضوء على هذه المشكلة التربوية المتعلقة بالنصيحة والتي تتداخل يومياً في تصرفاتنا الحياتية.
الإسلام أيها الإخوة أخلاق وسلوك وآداب، كما أنه عقائد وسنن وأوامر وتشريعات وأحكام ومناسك، فينبغي الأخذ به كله، ينبغي أن نأخذ بالإسلام جميعه، خذوا الإسلام جملةً ولا تدعوا منه شيئاً على قدر الطاقة والسعة.
فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم للطريقة الصحيحة في إسداء النصيحة لإخواننا المسلمين، وأن ينعم علينا وعليكم بإصابة الحق وحسن الألفاظ وجودة التعبير في نصح إخواننا المسلمين.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمدٍ، والحمد لله أولاً وآخراً.
стр. 6214
النصيحة بالقدوة
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، أحمده ، وأثني عليه الثناء الحسن لما هو أهله، المستحق لكل مدح وكل حمد، وأصلي وأسلم على رسول الله ﷺ معلم الناس الخير.
أيها الإخوة من أعظم طرق النصيحة وأجلها على الإطلاق: النصيحة بالقدوة من غير كلام، أن ينصح الإنسان من غير كلام، تقول لي: كيف هذا؟ أقول لك: إن المسلم مطالب بأن يكون قدوة أمام المسلمين، ولذلك كان من دعاء عباد الله الصالحين الذين أثنى الله عليهم في آخر سورة الفرقان أنهم قالوا: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] اجعلنا أئمة يقتدي بنا المتقون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] فانظر إلى شرف المنزلة وعلو الدرجة التي يطلبونها من الله ، أن يكون الإنسان إماماً للمتقين قضية خطيرة وعظيمة لا يصل إليها إلا من وفقه الله تعالى فبذل الأسباب وأخلص لله .
النصيحة بالقدوة -أيها الإخوة- يراك الناس تتصرف التصرف الصحيح في موقف من المواقف، فينتصحون بفعلك وعملك، فيقلدونك ويتابعونك، وهذه القصة المشهورة وإن كان المحدث الشيخ/ أبو عبد الرحمن ناصر الدين قد أخبر مشافهةً بأنه ليس لها سند يعرف للحكم عليها، ولكن فيها مغزى وفيها عبرة عظيمة وفيها تعليم جميل، وهذا الحدث ليس بمستبعد أبداً على أناس وردوا حوض التربية النبوية، فتضلعوا منه وشربوا منه شربةً عظيمة، إنهما الحسن والحسين ﵄، ذكر في مرة من المرات بأنهما دخلا مكاناً للوضوء، فوجدا رجلاً من المسلمين يسيء الوضوء، أي: لا يتوضأ وضوءاً طيباً، فيهمل الوضوء كما يفعل كثير من المسلمين اليوم، تجد أحدهم يغسل يده، فلا يصل إلى المرفق مطلقاً، ويغسل قدمه، فلا يصل إلى العقب مطلقاً، والرسول ﷺ يقول: (ويلٌ للأعقاب من النار).
دخل الحسن والحسين على هذا الرجل وهو يتوضأ، فرأيا سوء وضوئه، وهما يعلمان بأن الله لا يقبل صلاة بغير وضوء صحيح.
ما هي الطريقة الآن لنصح الرجل؟ ما هي أمثل طريقة لتعليم الرجل من غير جرح لكبريائه وهو شيخ يفوقهما سناً، والكبير عادةً لا يتقبل من الصغير.
فنظر الحسن والحسين إلى بعضهما نظرةً ذات مغزى، ثم اقتربا من الرجل، فقالا له: يا أبانا أو يا شيخ! إني أنا وأخي قد اختصمنا أينا أحسن وضوءاً، أنا أقول أنا أحسن وضوءاً من أخي، وأخي يقول: هو أحسن وضوءاً مني، فأردنا أن نحتكم إليك لتحكم بيننا أينا أحسن وضوءاً من الآخر، فتقدم الحسن فتوضأ وضوءاً نبوياً كاملاً، وأسبغ الوضوء، ما ترك شيئاً من سننه، ثم تقدم الحسين لما فرغ الحسن، فتوضأ وضوءاً نبوياً كاملاً، وأسبغ الوضوء، ما ترك شيئاً من سننه، ثم التفتا إلى الرجل ينتظران منه الحكم، فوقع هذا العمل في قلب الرجل أشد موقع، وقال لهما بلسان معترف مستجيب: بل أنا والله الذي لا يحسن الوضوء، وأنتما علمتماني كيف أحسن الوضوء.
أيها الإخوة: هذه العناصر ما نشأت من فراغ، هناك قصص صحيحة ثابتة كثيرة تبين كيف كان صحابة رسول الله ﷺ أئمة يقتدي به عامة الناس، هذه الشخصيات ما نشأت من فراغ، وإنما نشأت من تربية صحيحة قائمة على قواعد الإسلام وأصوله، محكمة من جميع أطرافها، أنتجت هذه النماذج التي صارت قدوة يقتدي بها الغادي والرائح والمتقدم والمتأخر من أبناء المسلمين، لذلك كان لا بد أن يجعل كل إنسانٍ منا من نفسه قدوةً ينصح الآخرين بأفعاله قبل أن ينصحهم بأقواله.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لأن نتقي الله حق التقوى، وأن نتمسك بالعروة الوثقى، وأن يجعلنا على الملة الحنيفية واتباع سنة نبينا محمد ﷺ .
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، أن تحيينا على ملة الإسلام، وتميتنا على ملة الإسلام، وأن تجعل خروجنا من الدنيا على شهادة التوحيد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك، اللهم اجعلنا من الدعاة العاملين المجاهدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الدين أجمعين في برك وبحرك وجوك، اللهم لا تجعل لهم قائمةً، اللهم إن اليهود قد حرمونا من شد الرحال وأجر الصلاة في المسجد الأقصى، اللهم فأحنهم الغداة، واجعل بأسهم بينهم يا رب العالمين، اللهم شردهم وفرق جمعهم، واجعل دائرة السوء عليهم، اللهم إنهم قتلوا أبناءنا ويتموا أطفالنا ورملوا نساءنا، اللهم لا تبق منهم على الأرض ديارا، اللهم إنك أنت المنتقم الجبار، اللهم اجعل بأسهم بينهم، وسلط عليهم بأسك وجنداً من عندك، فلا تقم لهم قائمة أمام المسلمين.
اللهم وألف بين قلوب المسلمين، واجمعهم على كلمة الحق المبين، واجعلهم صفاً واحداً بالعقيدة متمسكين ولسنة نبيك متبعين، وحرباً على أعدائك، وسلماً لأوليائك يا أرحم الراحمين.
стр. 6215
من جهود السلف في الدعوة
إن الدعوة إلى الله من أجَلِّ الوظائف والأعمال وأرفعها، فأجرها عظيم ودرجتها رفيعة، فهي وظيفة الرسل.
ولقد ذكر الشيخ في هذه المادة فضل الدعوة وأهميتها وصوراً من حياة الأنبياء ومواقف السلف في الدعوة إلى الله.
стр. 6216
أهمية الدعوة إلى الله تعالى وفضلها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: أيها المسلمون: إن الدعوة إلى الله أجرها عظيم وهي وظيفة الرسل، يقول النبي ﷺ لـ علي يوم خيبر: (أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) خير لك من هذه الإبل العظيمة عند العرب.
ويكفي الداعية إلى الله تعالى أن له مثل أجور من اتبعه كما قال النبي ﷺ : (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم.
وروى أيضاً عن النبي ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) وهذا ترغيب وحث ودفع للدعوة إلى الله.
وكذلك فإن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير، فماذا نريد من الأجر أكثر من هذا يا عباد الله؟! ونحن قد أصبنا فيما أصبنا بالتقصير في الدعوة إلى الله، وعدم الحرص على هداية الناس، مع عظم هذه العبادة.
لما تركت الدعوة تفشت المنكرات والمحرمات، وصار كثير من الناس في عمى وضلال، لقد كان أنبياء الله في غاية الحرص على هداية الناس إلى السبيل القويم.
стр. 6217
صور من دعوة الأنبياء إلى الله
إن الدعوة إلى الله دليل على إخلاص الإنسان لمبادئه، فإذا كنت تحب دينك فعلاً فستكون حريصاً على الدعوة إليه، إذا كنت معتنقاً لمبادئ الإسلام حقاً فستكون حريصاً أشد الحرص على منادات غيرك إليه.
стр. 6218
دعوة نوح ﵇ لقومه
ولذلك كان نوح ﵇ في غاية الحرص على دعوة قومه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت:١٤] يدعوهم إلى الله من غير فتور ولا توانٍ مستخدماً بجميع الأساليب الممكنة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٥ - ٧] هل صده ذلك عن الدعوة؟ هل منعه إعراض المعرضين عن الاستمرار في العمل؟ كلا والله قال الله: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً﴾ [نوح:٨ - ٩] فنوع أساليب الدعوة، ودعاهم بالليل والنهار، ودعاهم جهرة ثم أسر لهم سراً، وجمع لهم بين الأسلوبين في غاية الجد والنصح وتبليغ الرسالة.
стр. 6219
يوسف ﵇ في الدعوة إلى الله
وهذا يوسف ﵇ لما أدخل السجن لم ينس في كربة السجن وغربته وظيفته ومهمته، بل شرع يمارس ذلك بسرعة وفي أقرب فرصة، قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] على محياه سيما الصلاح، إنا نراك من المحسنين، كان داعية بعمله وبسمته: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف:٣٧] ثم ذكر مباشرة الدعوة إلى التوحيد: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٧ - ٣٩].
شرع في الدعوة إلى الله في ذلك المكان، في ضيقه وكربته، ووحشته وظلمته، قائماً بأمر الله، داعياً إلى الله ، حريصاً على هداية هذين الرجلين الكافرين.
стр. 6220
قصة الرجل الساعي من أقصى المدينة
ألم يأتكم نبأ الرجل المسلم الذي قال الله في شأنه: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ [يس:٢٠ - ٢١] وسارع يدعوهم إلى التوحيد: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ [يس:٢٣] أي: هذه الأوثان المعبودة، والأصنام المقصودة: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٣ - ٢٥].
إن كل كلمة في هذه الآية لها معناها ومدلولها، وجاء رجل، أي: تحققت فيه صفات الرجولة بأجمعها: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ليس من مكان قريب، لم يحضر عندهم وإنما جاءهم من أقصى المدينة، وكيف جاءهم؟ هل جاءهم ببطء؟! جاءهم يسعى سعياً حثيثاً.
فلأي شيء جاء من أقصى المدنية وأتعب نفسه؟ جاء ليبلغ قومه دين الله ، يقول: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ كان حريصاً على هداية قومه، ولما مات تتابع حرصه عليهم بعد موته، سبحان الله! ولذلك قال لما قتلوه بعدما لقي الله: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] لا زال حريصاً عليهم، بعد موته وبعد انقطاعه عن الدنيا لا زال يتمنى أن قومه يعلمون ما لقيه من الله، وما غفر الله له، والإكرام الذي وجده عند ربه، إنه الحرص في قلب هذا الرجل على هداية قومه.
стр. 6221
النبي ﷺ في دعوته لقريش والعالم أجمع
عباد الله: لقد ضرب النبي ﷺ المثل في حرصه على هداية قريش والعرب؛ بل والناس أجمعين، وكان يدعو فوق الجبل، وفي المسجد والطريق وأسواق العرب، ومنازل الناس، وفي مواسم الحج، يقوم بالدعوة إلى الله في الحضر والسفر، وفي الأمن والقتال، والصحة والمرض، وعندما يزور أو يزار، وكان يوجه دعوته إلى من أحبوه وإلى من أبغضوه، ولذلك كان يذهب إلى منازل الناس للدعوة في منى، إذا نزلت القبائل فيها في موسم الحج، ولذلك يقول ربيعة بن عباد الدؤلي: (رأيت النبي ﷺ في منى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: يا أيها الناس! إن الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ووراءه رجل وضيء أحول يقول: يا أيها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم).
النبي ﵊ يدعو إلى الله ووراءه رجل من الكفار يثبطه ويثبط الناس عن قبوله، النبي ﵊ يكلمهم وهذا الرجل يصدهم، فسألت عن هذا الرجل؟ فقيل لي: أبو لهب، عمه، يمشي وراءه يثبط الناس عن الدعوة، والنبي ﵊ لا يفتر عنها، ويقول للناس في أسواق الموسم، في مجنة وعكاظ، من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي؟ حتى أكرمه الله بذلكم النفر الكرام من الأنصار الذي بايعوه في العقبة وكان ذلك فتحاً وانطلاقةً عظيمة في الدعوة إلى الله .
كان النبي ﷺ يذهب ليدعو حتى عبد الله بن أبي المنافق الكافر الذي صد عن الدين، ويركب حماراً وينطلق المسلمون يمشون معه في أرض سبخة مالحة، لا تنبت الأرض من ملحها، فلما أتاه النبي ﷺ قال المنافق: إليك عني! والله لقد آذني نتن حمارك، ومع ذلك يقوم النبي ﷺ بالدعوة، ولما سمع أن رجلاً من اليهود -شاباً- مرض، حرص على زيارته والاهتمام بدعوته، وكان قد دعاه إلى الإسلام فعاده، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: (كان غلاماً يهودياً فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ فأنقذه الله به من النار).
وحضر أبا طالب حين نزل به الموت يدعوه إلى الله يقول: (يا عمِ! قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) ولكن غلبت على أبي طالب الشقوة وأطاع أصحاب السوء ورفقاء السوء الذين قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالوا به حتى مات على الشرك، والنبي ﷺ يقول له إلى آخر لحظة: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، كان حريصاً على أن تختتم حياة أبي طالب بالتوحيد، الحرص هو الذي جعله يذهب هذا المذهب ويجهد هذا الجهد رضي الله تعالى عن أصحابه الذي حملوا لواء الدعوة من بعده.
النبي ﷺ دعا، ولقي الأذى.
النبي ﷺ يذهب إلى الطائف للدعوة، يذهب إلى جبالها وأهلها يدعوهم إلى الله، يرجع وقد أصابه من الغم ما أصابه؛ لأنهم صدوه ورفضوه، حتى بلغ به الهم أنه يمشي لا يدري أين مقصده، ولم يستفق ﷺ إلا وهو بـ قرن الثعالب؛ وهو موضع قريب من مكة، وهو قرن المنازل ميقات أهل نجد، وقف عنده ﷺ ، وكان في غاية الغم، لا يدري إلى أين يمشي، فلماذا كان مغموماً؟ لأنهم صدوه ولم يقبلوا دعوته، ولذلك فإن من صدق الداعية أن يحزن إذا رفض الناس دعوته، لكنه لا يهلك نفسه عليهم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] أي: لعلك مهلك نفسك من أجل أنهم لم يؤمنوا، ما دام أن الله كتب عليهم الشقوة فإنك لا تهدي من أضل الله، لكن بذل الأسباب والقيام بالأمر وإبلاغ الدين والذهاب إلى الناس في أماكنهم وبلدانهم يدعوهم إلى الله.
ولما كانت هناك بلاد بعيدة يشق عليه ﷺ أن يذهب إليها، ولا يمكنه ترك الناس لأجل ذلك أرسل الرسائل، لم يقل: بلاد بعيدة لا أستطيع الذهاب والسفر إليها وإنما أرسل الرسائل، لكسرى وقيصر، يرسل إلى النجاشي، يرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية، يرسل إليهم يدعوهم إلى الله: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام -أي: بدعوة الإسلام- أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) إثم العمال والزراع والناس في بلدك؛ لأنك قد صددتهم: (وختم له بالآية: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]).
أرسل ﵊ الرسائل مع أصحابه، عبد الله بن حذافة ينطلق إلى كسرى، وسليط بن عمرو ينطلق إلى هوذ بن علي في اليمامة، والعلاء بن الحضرمي ينطلق إلى المنذر بن ساوى بـ هجر، وعمرو بن العاص إلى جيح، وأبو عباد بن الجلندي بـ عمان، ودحية إلى قيصر، وشجاع بن وهب إلى شمر الغساني، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، وهكذا يرسل ﷺ الرسائل من أجل الدعوة إلى الله، والحرص على هداية الناس، والسعي في غرض الإسلام؛ علّ الله تعالى أن يخرج أولئك الناس من الظلمات إلى النور.
стр. 6222
هدي السلف في الدعوة إلى الله
أيها المسلمون: لقد كان أصحابه ﷺ من بعده وفي حياته قائمين بأمر الدعوة إلى الله، حريصين على هداية الناس كل الحرص، ولذلك كانوا قبل القتال -حتى في المعارك- وهم يهاجمون فارس والروم وفي حروب المرتدين يعرضون عليهم الإسلام أولاً قبل القتال، لأنهم أصحاب رسالة رحمة، يريدون قبل أن تراق دماء القوم ويقتلوا ويرسلوا إلى جهنم وبئس المصير، يريدون المحاولة الأخيرة علَّ الله أن يهديهم، ولذلك كتب أبو بكر إلى جميع المرتدين، يأمرهم بالرجوع إلى الإسلام، يقول لهم: [إني بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكفّ وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك] الدعوة قبل القتال، ولذلك كتب إلى سعد بن أبي وقاص الخليفة الثاني من بعده، الفاروق ﵁ يقول: [وقد كنت أمرتك أن تدعو من لقيت إلى الإسلام قبل القتال، فمن أجاب إلى ذلك قبل القتال فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وله سهم في الإسلام].
وكذلك فإن هذه الدعوة قد آتت بعض ثمارها، فقد عاد مع عدي بن حاتم الطائي الذي دعا قومه قبل القتال، رجع معه خمسمائة مقاتل إلى الإسلام، وكان خالد يهم بقتالهم ولكن وجه إليهم عدياً يدعوهم أولاً.
وفي جبهة فارس دعا خالد بن الوليد ﵁ أشراف الحيرة قبل القتال؛ فأسلم بعضهم.
وكتب خالد إلى ملوك فارس يقول: [بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، أما بعد: فالحمد لله الذي حل نظامكم إلى أن قال: فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك نأخذها وأنتم كارهون على غلب، وبالإكراه والقوة على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة] ودعا سعد بن أبي وقاص ﵁ أهل القصر الأبيض إلى الإسلام بواسطة سلمان الفارسي الذي يعرف لغة القوم ﵁، يدعوهم إلى الإسلام والتوحيد.
وكذلك قام المسلمون في الجبهات الأخرى، فهذا عمرو بن العاص في الجبهة المصرية، لما تصافّ المسلمون وأهل مصر للقتال قال عمرو بن العاص ﵁: [لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إليّ أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص: أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا.
إن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، وأمره به وأمرنا به محمد ﷺ ، وأدى إلينا كل الذي أمر به ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة] أي: الحماية في مقابل دفع الجزية.
وكان الرجل عندما يسلم يفرح به المسلمون فرحاً شديداً، ولذلك دعا أبو عبيدة ﵁ رسول الروم، السفراء كانوا يدخلون في نطاق الدعوة، فلما أسلم فرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ودعو له بخير، وقالوا له: [ما أعزك علينا وأرغبنا فيك، وأكرمك علينا، وما أنت عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأمه وأبيه] احتفاء بالمسلم الجديد، حتى قال الرومي: فإنكم نِعْمَ ما رأيت.
هذا هو الانطباع الذي يكون عند المسلمين بفرحهم بدخول شخص جديد في الإسلام.
وعندما دعا خالد ﵁ بعض الكفرة إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فاختاروا أداء الجزية لم يفرح خالد ﵁ بذلك، رغم أن مبلغ الجزية كان كبيراً باعتبار أن عددهم كان مائة وتسعين ألفاً، بل ضاق صدره وتأسف على إعراضهم عن الإسلام وقال: [تباً لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكه] لم يفرح بالعوائد المالية؛ لأنه كان يريد فرحة أكبر بإسلام أولئك القوم، كان الحرص من الداخل على الهداية لدرجة أن الرجل الكافر إذا أسلم تحصل فرحة عظيمة، وإذا رفض الإسلام يحصل اهتمام واغتمام، ولذلك روى زياد بن جزء الزبيدي الذي كان في جند عمرو بن العاص لما ألقوا القبض على أسرى الروم، يقول: جعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام والنصرانية، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية، ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعاً شديداً، حتى كأنه رجل خرج منا إليهم، مع أنه كافر أصلي، لكنه الحرص على الدعوة والفرح للإسلام، والحزن على إصراره على الكفر ولو كان يدفع الجزية؛ لأن الله بعثهم دعاة ولم يبعثهم جباة.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقوم بأمره، اللهم اجعلنا ممن يقومون بالحق وبه يعدلون، يا رب العالمين.
اللهم ارزقنا السداد في القول والعمل، واهد قلوبنا، وطهر أنفسنا، وحصن فروجنا إنك سميع الدعاء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 6223
طرق انتشار الإسلام في المناطق النائية
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب والحكمة وأرسل إلينا رسولاً منا، الحمد لله الذي شرع الشرائع، الحمد لله على كل حال، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله، إمام الدعاة إلى الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، صلى الله وسلم عليه بما علمنا وهدانا، وصلى الله على أصحابه الغر الميامين الذين قاموا بأمر الدعوة إلى الله وكانوا حريصين على هداية الخلق أجمعين.
أيها المسلمون: قولوا لنا كيف انتشر الإسلام في تلك الجزر النائية؟ في الصين وأندونيسيا؟ كيف انتشر الإسلام في عدد من أقطار الأرض؟ إنما انتشر بالدعوة إلى الله تعالى، وكانت المدن الهندية الواقعة على ساحل بحر العرب مما استهدفه التجار المسلمون بالدعوة إلى الله، ولذلك لا زالت آثارهم موجودة في بونبي وغيرها من هذه البلدان الساحلية التي قصدها المسلمون بالتجارة، وشهد بجهدهم في الدعوة أعداء الله، فهذا آرلند يقول في كتابه: ولكن الكثير من أعمال الدعوة في الأسواق إنما يقوم بها أشخاص يشتغلون في مهنة أو عمل في أثناء ساعات النهار، ويخصصون أوقات فراغهم في المساء لهذا العمل الديني، فكان الواحد منهم إذا انتهى من عمله لا يذهب إلى الفرجة والفسحة، لا يذهب إلى مجالس ضياع الأوقات والألعاب وإنما كان يذهب بعد انتهاء العمل والدوام، يطوف للدعوة إلى الله .
وقال في موضع آخر: وأغلب الظن أن الإسلام قد عبر من مليبار إلى جزر لكديك وملديك في خليج البنغال، التي كافة أهلها مسلمون، ويدين سكان هذه الجزر بدخولهم في الإسلام إلى تجار العرب الذين استوطنوا هذه البلاد، وتصاهروا إلى الأهالي ومهدوا ذلك بذلك السبيل؛ لنشر تعاليم الدعوة في نشاط وقوة، وقالوا أيضاً: إن أولئك الدعاة إلى الله دخلوا فاتحين أجزاء الصين وأفريقيا الوسطى وروسيا، وتم اعتناق هذه الملايين للإسلام طوعاً لا كرهاً، ولم يسمع أن الضرورة قضت بإرسال جيوش مع هؤلاء المبشرين لمساعدتهم.
وهكذا قام المسلمون بالدعوة إلى الله، إلا رجلاً ممن سرق حُراً فبيع عبداً في بلد من بلاد المسلمين واسمه دارثي يقول: لما سئل وقد سرق في طفولته فبيع رقيقاً قيل له: ألا تزال تضمر السخط نحو هؤلاء الذين سرقوك وأسلموا حياتك للعبودية في أقاصي الأرض؟ فأجاب: إن شيئاً واحداً قد عوضني وهو أني لم أعد غارقاً في الجهل بين عباد الأوثان.
إذاً الذي عوضه عما حصل له من الجريمة في حقه من هؤلاء المعتدين الذين اعتدوا عليه أنه صار موحداً ولو كان عبدا، ً يختار ذلك على أن يكون حراً في بلاد عبدة الأوثان.
وكان المسلمون إذا جاءوا بلاداً بنوا المساجد فيها، وكانت صروح العبادة دعوة إلى الله بحد ذاتها، حتى قال بعض الكفرة: ما دخلت مسجداً قط دون أن تهزني عاطفة حادة، ودون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلماً، وهذا مما يراه ويشاهده في مكان العبادة هذه.
وقال بعض الكفار: كلما جاء ستة أو نحو ذلك من الرجال المسلمين إلى بلد سارعوا إلى بناء مسجد، لأجل أن يكون منارة للدعوة إلى الله ، كانت الحماسة والإخلاص في الدماء تسري، حتى إن رجلاً من الذين كانوا يشتغلون في دعوة النصارى إلى الإسلام، لما حضرته الوفاة في آخر لحظة من حياته وهو يحتضر سمعه بعض الناس يقول وهو على فراش الموت: اترك دينك وصر مسلماً، اترك دينك وصر مسلماً، فلما سئل من حوله عن ذلك قالوا: إنه يتحدث إلى النصراني، هذا الذي كان يشغل قلبه في حياته برز على لسانه حين وفاته.
الدعوة إلى الله، الهم الذي في قلبه الدعوة إلى الله، الحرص على هداية الناس.
أيها المسلمون كم قصرنا؟ كم يوجد عندنا من العمالة الأجنبية من الكفار؟ كم عدد الموظفين والسائقين والخدم وأصحاب المهن والحرف والفنيين وغيرهم وماذا فعلنا لهم؟
стр. 6224
الحث على الدعوة إلى الله
نحن نصادفهم ونواجههم ونحتك بهم يومياً فماذا قلنا لهم؟ وهل تظنون أن الله سيتركنا يوم القيامة، أو أنه سيغفلنا ، أو أنه لن يسائلنا عما قدمنا وفعلنا؟ وقد حلوا بينكم فماذا أنتم فاعلون؟ وماذا ستجيبون الله تعالى يوم الدين؟ العتب العتب على من كان عنده كافر لماذا جلبه؟ ثم العتب العتب العتب لما صار معه فلم يكلمه عن الإسلام ولا مرة، وما هي الجهود التي بذلناها؟! أين الحرص على هداية الخلق؟ أين السعي إلى الدعوة إلى الله؟ إذا كنا مسلمين حقاً أفلا ينبغي أن تتحرق نفوسنا لنشر هذا الدين وتقديمه للناس؟! وهؤلاء الذين يذهبون ليصطافوا في بلدان متفرقة ماذا فعلوا للدعوة إلى الله؟ العتب العتب على السياحة في أرض الكفار، والعتب العتب أنهم لا يكلفون أنفسهم بدعوة، بكلمة، بعبارة يحاولون بها إدخال الناس في دين الله.
стр. 6225
نشاط الكفار في العمل لدينهم
إن الكفار يعملون الأعمال المختلفة، ويجمعون الأموال الطائلة، ويجهزون البرامج المتنوعة لأجل التنصير في ديار المسلمين، فماذا فعلنا نحن لإنقاذ إخواننا أيضاً؟! ماذا فعلنا من أجل المحافظة على رأس المال؟! وماذا فعلنا من أجل جلب الأرباح لا لجيوبنا ولكن للإسلام؟! بوضعه في خزائن تفتح يوم الدين، فيجازى من أخلص لله وقام بالواجب في ذلك اليوم.
إن مذابح المسلمين التي تحصل الآن ينبغي أن تكون دافعاً لنا في الدعوة إلى الله، إن الدماء التي تقطر ينبغي أن يعتصر منها قلب المسلم أسى على ما يحصل.
ليست البوسنة إلا مذبحة مما أعدت وسيأتي بعده في ذبحنا ما لا يعد
وسيأتي الدور على المتقاعسين، ولا زال أولئك يفعلون في المسلمين الجرائم، يتركون القافلة تمضي في الطريق ثم يفتحون النار على الأطفال والنساء والعجائز الحفاة العراة فيتساقطون في الصراخ والنحيب، ثم يتوجهون لإكمال القتل والجرم في النصف الآخر، ويخرج الصرب من أماكن السجن التي سجنوا فيها المسلمين وهذا يحمل رأس امرأة، وهذا يحمل أعضاءً وهذا يحمل أشلاء مقطعة من أجساد المسلمين، ونحن لا زلنا في أكل وشرب ولهو ولعب وسياحة وإضاعة أوقات، وصفق في الأسواق في الحرام وفي غيرها وكأن القضية لا تعنينا، كيف يكون للمسلم شهوة إلى هذه الأشياء وإخوانه يفعل بهم ما يفعل؟!! ثم لا هو يقوم بدعوة، ولا بتعلم دين، ولا حتى يحرك شفتيه بدعوة إلى الله لإنقاذ أولئك المساكين، أين الصدق في الانتماء للدين؟ أين الصدق في الانتساب إلى الإسلام؟ نسأل الله أن يغفر لنا ما فرطنا وأن يتجاوز عنا إسرافنا في أمرنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا يا غفور رحيم، وكفر عنا سيئاتنا يا أكرم الأكرمين.
اللهم إن نسألك الغوث العاجل لإخواننا المستضعفين، اللهم أغثهم يا أرحم الراحمين، عجل فرجهم وأنزل نصرك عليهم، وأغثهم ببركات من عندك، اللهم اشف جرحاهم، اللهم ارحم موتاهم، وأطعم جائعهم، واكس عاريهم، واحمل حافيهم، آمنهم في أوطانهم وفي دورهم، وادفع عنهم كيد عدوهم.
اللهم شتت شمل الصرب واليهود وسائر النصارى ومن مالأ على ذبح المسلمين يا رب العالمين.
اللهم اجعل بأسهم بينهم واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم.
اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، اللهم دمرهم تدميراً، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأنزل عليهم عذاباً من فوقهم، أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم العظيم في هذه الساعة المباركة أن تعجل بنصر إخواننا وأن تعجل بتدمير أعدائهم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، اللهم اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين.
اللهم اجعلنا سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، اللهم أصلحنا وأصلح أهلينا وذرياتنا، وأصلح بيوتنا ومجتمعاتنا ومجتمعات المسلمين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 6226
نيران الدنيا [الزنا]
إن الله حرَّم المحرمات وجعلها على مراتب، فجعل منها الصغائر والكبائر الموبقات، وهذه المادة بصدد الحديث عن إحدى هذه الموبقات ألا وهي فاحشة الزنا الذي ذمها الله في جميع الأديان والشرائع، وسد جميع الأبواب الموصلة إليها ورتب على ارتكابها العقوبات العديدة في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة.
стр. 6227
الزنا إحدى الموبقات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
الحمد لله الذي أحل لنا النكاح وحرم علينا السفاح، الحمد لله الذي أباح لنا كل ما يصلح حالنا وحرم علينا كل ما يشيننا ويفسد حالنا.
أيها الناس: إن الله حرم المحرمات التي فيها ضرر على العباد سواء كان الضرر في أديانهم أو في أبدانهم أو في نفوسهم أو في أحوالهم عامة، وجعل الله الحرام مراتب، فجعل منه الكبائر التي لا بد لها من التوبة فلا تكفرها الأعمال الصالحة بخلاف الصغائر، فتحتاج هذه الكبائر إلى توبة مخصوصة، وجعل من الكبائر موبقات، فالكبائر كثيرة منها: ما توعد الله عليه بلعنة أو غضب، أو نار أو طرد وإبعاد عنه سبحانه وعن رحمته أو عدم تكليم صاحبه، ومن هذه الكبائر الموبقات التي توبق صاحبها في النار وتهلكه فيها؛ نظراً لكثرة شرها واتساعه، وعموم ضررها وشموله، ومن هذه الموبقات: الزنا الذي حرمه الله ومقته وأبغضه، وأمرنا بالابتعاد عنه وعن أسبابه، وقال الله : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] وهو قبيح عقلاً وشرعا.
стр. 6228
ذم الزنا في شريعتنا وشرائع من قبلنا
قال عثمان ﵁: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنا وهو محصن فرجم، أو رجل قتل نفساً بغير نفس، أو رجل ارتد بعد إسلامه) قال عثمان: [فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا قتلت نفساً مسلمة، ولا ارتددت منذ أسلمت] قال ذلك لما حاصره الفجرة الذين أراقوا دمه على المصحف.
أيها المسلمون: نفس عثمان وفطرته السليمة تأبى الزنا حتى لما كان في الجاهلية، لما بايع النبي ﷺ النساء في بيعة النساء المعروفة التي أمره الله بها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [الممتحنة:١٢] قال: ولا يزنين، ثم قال: ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيدهن وأرجلهن، وفيه معنى الزنا أيضاً، فوضعت هند بنت عتبة يدها على رأسها، وجاء في رواية أن امرأة قالت: [أوتزني الحرة؟!] مستغربةً لهذا، فالفطرة السليمة تأباه، والنفوس الأبية ترفضه؛ لما انطوى عليه من الشناعة والقبح ومعاني الرذيلة التي اجتمعت فيه، وهو حرام في الأديان والشرائع من قبلنا، هو حرام عند بني إسرائيل، هو حرام في التوراة والإنجيل، وقد جاء في صحيح الإمام مسلم ﵀ عن البراء بن عازب ﵁ قال: (مر على النبي ﷺ بيهودي محمماً مجلوداً -يعني: مسود الوجه مجلوداً- فدعاهم النبي ﷺ ، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم -كذبة- فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى -ولم يقل أنشدك بالله الذي أنزل القرآن- أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا.
ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد نسود وجه الزاني ونجلده فقط، فقال رسول الله ﷺ -لما قال اليهودي جعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، حرفوا دين الله-: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم) فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ الآية﴾ [المائدة:٤١] وفيها قول الله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:٤١].
стр. 6229
الزنا في الإسلام
وفي شريعتنا ذمه الله أشد الذم، وقال الله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] فجعله بعد الشرك والقتل، فليس بعد الكفر أعظم من قتل بغير حق ثم الزنا، وقال الإمام أحمد ﵀: ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنا، بل قدمه في آية على القتل، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٢ - ٣٣] وذلك لأن الزنا يؤدي إلى القتل، ويتبع الزنا في الغالب الرغبة من التخلص من آثاره بقتل الجنين وإزهاق روح ولد الزنا في بطن الزانية أو بعد ولادته، أو إهماله ووضعه في المرحاض أو رميه في الزبالة، وقال النبي ﷺ مبيناً خطره: (تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي منادٍ: هل من داع فيستجاب له، هل من سائل فيعطى، هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له، إلا زانية تسعى بفرجها أو عشَّارا) امرأة جعلت فرجها مصدراً للكسب، زانية تسعى بفرجها، أو عشَّاراً يأخذ الضرائب ظلماً، وقال النبي ﷺ مبيناً صورةً كريهةً من صور الزاني: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر) فقير مع ذلك متكبر، والأشيمط الزاني الذي لم يردعه الشيب في شعره، لم يرتدع وقد اشتعل بالشيب رأسه أن يتعدى حدود الله، وأن يظلم نفسه وأن يقع في الفاحشة، مع أن الدواعي لديه أضعف من الشاب وكلهم ملعون، ولكن من كان هذا حاله فكيف يرجى له الخير ولم يفكر في اقتراب أجله ودنو موته، ولم يكن عنده رغبة في التوبة وقد وصل إلى ما وصل إليه في هذه المرحلة من العمر، وقد أعذر الله إلى امرئ بلغ الستين، ولما بلغ نبي الله أربعين: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف:١٥] قال العلماء: تجديد التوبة بعد الأربعين، وعند الستين يتفرغ للعبادة، وهذا أشيمط زانٍ.
وقال النبي ﵊: (إذا زنا العبد خرج منه الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه) فهو ليس بمؤمن حين زنا، لا يخرج من الدين بالكلية ولا يكفر، فلا يزال إيمانه متعلق به، لكن يكون كالظلة على رأسه، وقال النبي ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره) وهذا الزاني الذي يطأ المتزوجة وفيها جنين غيره وربما تكون حاملاً من زوجها فلا يتورع أن يضع ماءه في هذا الرحم المحرم والفرج المحرم، فتختلط الأنساب وتتداخل المياه والعياذ بالله.
стр. 6230
عقوبات الزنا
стр. 6231
عقوبات جماعية
أما عقوبة الزنا فهي جماعية وليست فردية فقط، قال النبي ﵊: (إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله) استحقوا العذاب فليرقبوه، فليرقبوا إتيانه فهو قريب منهم إلا أن يحجب عنهم برحمةٍ من الله، وقيام المصلحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وقال النبي ﵊: (خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر) وبلدان العالم الإسلامي اليوم من أفقر البلدان؛ نظراً لأنها لا تحكم شرع الله ، ولذلك نشأ فيهم الفقر، والفقر متوقع ازدياده فيهم: (ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت) حديث حسن.
سبحان الله! ما أصدق هذا الوحي! انظروا في الواقع، واعلموا أن من أعظم أسباب الموت هذه الأمراض الناشئة من الزنا ومن الفاحشة، وقال النبي ﵊: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن -ما هي؟ - لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) حديث صحيح.
فانظر الآن في الواقع، وقل بلسان الحال: صدق الله ورسوله، وبقلبك صدق ما أخبر الله ونبيه عنه في هذا الوحي وأنت ترى أخبار هذه الأوبئة والأمراض في نشرات الأخبار لعظمها وخطرها، ويقولون: دخلت فيروسات الإيدز في الطور الثالث ونحن لم نكتشف بعد علاجاً للطور الأول، والمرض يزداد تعقيداً ويكتشفون أن بعض الأدوية التي كانت تعطى لمرضى لا تنفع، وهكذا عقاب الله لهذه البشرية الضالة التي تاهت عن أمر الله ورسوله.
стр. 6232
عقوبات فردية
وقد عاقب الله على الزنا الزاني والزانية بأشنع العقوبات، فجعل المحصن منهما عقوبته أشنع قتلة، رجماً بالحجارة حتى يموت، حتى يجد الألم في جميع الجسد الذي تلذذ بالحرام، يجعل أمام الناس يرجمونه بالحجارة حتى يموت، قال ﵊: (وللعاهر الحجر) وإذا كانا غير محصنين زجرهما بإيذاء البدن بأعلى أنواع الجلد، مائة جلدة ردعاً عن المعاودة إلى الاستمتاع المحرم: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] لا تقل ضحية للمجتمع، ولا تقل مسكين غلبته نفسه وشهوته: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور:٢] وأضاف إلى ذلك عقوبة التشهير فقال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] فلا يجوز جلدهما سرا، وأضاف إلى ذلك عقوبة التغريب فأمر بتغريب الزاني سنة، نفيه إلى مكان نظيف آخر يذوق ألم الغربة عن بلده ولعله يبدأ حياة جديدة.
وكذلك حرمت الشريعة مناكحة الزناة والزواني، فقال الله: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] فلا تجوز مناكحة الزانية من قبل عفيف فهذا حرام، ولا يجوز للعفيفة أن تنكح زانياً فهو حرام، ومن فعل ذلك فإن كان يعلم بطلان العقد فهو زانٍ، وإن قال: لست مقتنعاً بحكم الله فهو مشرك، والغالب أن الزاني لا ينكح إلا زانية مثله، والزانية لا ينكحها إلا زانٍ مثلها، وهذا التحريم نوعٌ من عزل الزناة والزواني عن المجتمع، ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
ورد الله شهادة الزاني والزانية، فقال النبي ﷺ : (لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خائنة، ولا زانٍ ولا زانية، ولا ذي غمرٍ على أخيه في الإسلام) يعني: حقد على أخيه، لأنه إذا شهد عليه جار عليه، كان تهمة، فرد شهادة الزاني والزانية.
стр. 6233
العقوبة في الآخرة
وأما في الآخرة وبعد الموت، فقد ورد في صحيح الإمام البخاري ﵀ عن سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي: انطلق، فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على بناء التنور -الفرن العظيم- أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نارٌ فيه رجال ونساء عراة، فإذا أوقدت ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا -إذا أتاهم اللهب من أسفل ضوضوا وصاحوا وارتفعوا؛ رفعتهم ألسنة اللهب- فإذا خمدت رجعوا فيها) وهكذا في ارتفاع وانخفاض بألسنة اللهب، والذي يظهر من هذا الحديث أنه في البرزخ كما يتضح من سياقه لكن إذا قامت القيامة ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار في آخر يوم القيامة وختامه، فبعد ذلك لا تتصور ولا تستطيع أن تتخيل عقوبة الزناة والزواني، التنور في البرزخ وبعد ذلك يكون العذاب أشد والعقاب أكثر ألماً، ولا تسل عن عذابهم، وشراب أهل النار عصارة فروج الزناة والزواني.
أيها المسلمون: إن الله عاقب هذه البشرية في هذا القرن وفي هذا الزمان على مرأى ومسمع منا ونحن نقرأ أخبار هؤلاء السفلة -ومجتمعات المسلمين تمشي على آثارهم وتقفوا نهجهم في الانحطاط والسفالة- وهم يخرجون الإحصائيات، يموت في فرنسا أكثر من ثلاثين ألف نسمة بالأمراض الجنسية، وفي أمريكا أكثر من ستمائة وخمسين مستشفى خاص لعلاج الأمراض الجنسية، وفي السويد ولد زنا من كل أربعة مواليد، هذه إحصائية عام ١٩٧٧م والآن نحن بعدها بهذه السنوات الطويلة ستة عشر عاماً كيف حالهم؟ والإحصائيات عندهم موجودة، وبالرغم من تحسن الخدمات الطبية واكتشاف العقاقير والأدوية الأمراض آخذة في الانتشار والازدياد والتعقد إنها عقوبة الله، وقد وجد بين المسلمين كثير من آثار هذه الجريمة.
ليعلم الزاني خطر الجريمة وهو يساهم بنشر الأمراض، وبعضها تنتشر إلى الأبرياء، وفي تقارير بعض الأطباء: ليس هناك شك في إمكانية وجود مرض الزهري في ثلاثة أجيال متعاقبة لعائلة واحدة، هذه اللعنة تسري في الأجيال، وكيف لا يأثم وهو ينقله إلى بريء أو بريئة؟ ومشكلة أولاد الحرام وما يظهر من الانحراف؛ لأنهم ينشئون في الغالب دون رعاية، اختلاط الأنساب، إدخال الوبال والعار على العوائل والأسر المحترمة، قتل الأجنة، ومن أكثر الأدوية تصنيعاً في العالم أدوية منع الحمل، ومن أكثر العمليات إجراء في العالم الإجهاض وإسقاط الأجنة، وهذه أحوال دور الرعاية شاهدة على آثار جرائم الزناة والزواني في المجتمع.
اللهم سلم سلم، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلنا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واحفظنا من كل شر ومكروه، وباعد بيننا وبين الحرام، اللهم طهر قلوبنا وحصن فروجنا وسدد ألسنتنا يا رب العالمين.
стр. 6234
تحريم الوسائل المفضية إلى الزنا
أيها المؤمنون: إن الشريعة لما حرمت الزنا حرمت الوسائل المفضية إليه وسدت الذرائع المؤدية إلى طريقه، ولما قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ما قال: ولا تقعوا في الزنا، أو قال لا تزنوا، وإنما قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] أيضاً نهى عنه وعن قربه، فالقبلة للأجنبية والغمزة والنظرة حرام، النهي عن قربان الزنا وعن قرب الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله، وإن هذه الشريعة جعلت من الأسباب ما يكفل الحياة النظيفة لمتبعيها، لقد شجعت على الزواج وأمرت به وأخبرت بأنه من سنن المرسلين، وأمرت بالتبكير إليه وأعانت على من سعى فيه، وأجازت دفع الزكاة لمن خشي على نفسه العنت وأراد أن يتزوج، وحرمت على الولي أن يتكسب من مال المهر؛ لأنه حق للمرأة الزوجة، وحاربت الشريعة الإسراف في الولائم والمغالاة في المهور، واشترطت الولي سداً لذريعة الزنا ولولا ذلك لقالت أي امرأة لرجل هات اثنين من أصحابك وقل تزوجتك وأقول قبلت، وأمر بإعلان النكاح كي يكون فرقاً بينه وبين السفاح، ولا تكره الفتاة على من لا تريده، لأنها قد تقع في الفاحشة بعد ذلك في جو رجلٍ لا ترضى به، ودعت الشريعة إلى رؤية المخطوبة كي لا يتورط أي من الطرفين في رجل لا يريده، وحرمت نكاح المتعة لأنه مما يشبه الزنا، وحرمت نكاح التحليل كذلك، ومنعت الزواج من الزانية والزاني، ومنعت الزوج من الغياب عن زوجته فترة طويلة لأنه من طرق الزنا، وحدد العلماء فترة للمفقود إذا لم يظهر بعدها اعتدت المرأة أربعة أشهر وعشرا حكم المعتدة من الوفاة، ثم ولي المفقود يطلق وتذهب فتتزوج، وحددت مرات الطلاق بثلاث فلا يستطيع الزوج أن يطلق ويبقيها عنده ويطلق ويبقيها فربما أيضاً وقعت في الفاحشة، فإذا حصل عدم التوافق تفرقا ويغني الله كلاً من سعته، ونهت الشريعة عن التحدث بما يقع بين الرجل وأهله، ونهت عن وصف المرأة المرأة لزوجها فلا يبقى في ذهنه صورة لامرأة تهفو نفسه إليها، فربما يكون من وسائل الوقوع في الفاحشة، وأباحت تعدد الزوجات كذلك، وحرمت الخمر لأنها من مفاتيح الزنا، وحرمت الغناء والمعازف لأن الغناء والمعازف بريد الزنا، ودقق لكلمات الأغاني تجد الدعوة إلى الفاحشة إما علانية أو من وراء ستار خفي، ودعت إلى الصوم إذا لم يجد، وشددت في عقوبة القذف حماية للأعراض وحتى لا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأعلنت عقوبة السفاح، وأمرت المرأة بالقرار في البيت، وأمرت بالاستئذان عند الدخول، وحرمت الخلوة بالأجنبية، وحرمت سفر المرأة بغير محرم، وحرمت على المرأة إبداء الزينة للأجانب والتعطر عندهم، وحرمت كذلك عليها الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وأمرت بغض البصر وعدم جواز لمس المرأة الأجنبية، كل هذه الاحتياطات والإجراءات والتشريعات حماية للأعراض، لأن حماية العرض من مقاصد الشريعة، ومع ذلك هذه المجتمعات المنحرفة اليوم -ومجتمعات المسلمين أعني بالذات- تسير بخلاف ما أمرت به الشريعة، النهج الموجود خلاف ما أمرت به الشريعة، حياة الناس بخلاف ما أمرت به الشريعة، فنحن على العكس كثيرٌ من الناس يغلقون منافذ الخير ويفتحون منافذ الشر، وكل ما أمرت به الشريعة مما سبق يخالفونه، فيؤخرون الزواج ويغالون في المهور ويتهمون الإسلام بالرجعية في تعدد الزوجات، وتخرج نساؤنا إلى الأسواق متعطرات متبرجات، ويخلو السائق بالمرأة، وتسافر المرأة بغير محرم، ويحدث ما يحدث من جميع المنكرات.
أغلقنا أبواب الخير المؤدية للطهر والعفاف وفتحنا أبواب الشر، فهذه أفلام ومسلسلات وبث مباشر تحوي الحب والغرام والعشق الموقع في الزنا، وهذه المكالمات الهاتفية كثيراً ما تنتهي بالزنا، وتعطي مفتاح بيتها لهذا الشاب ويأتي بالليل هذا الفاجر إلى بيت أهلها ربما ويحدث، وأخبار المجتمع كثيرة، ومجاورة الفسقة ويزني الجار بحليلة جاره، والنبي ﵊ يصف هذه الخيانة بقوله: (لأن يزني الرجل بعشر نسوة خير له من أن يزني بامرأة جاره) فبعد الشرك بالله وقتل ولدك مخافة أن يطعم معك من الكبائر أن تزاني حليلة جارك، ويذهب هذا الرجل في نوبة ليلية في العسكرية أو في غيرها من الشركات ليخونه ذلك الآثم الفاجر مع هذه المرأة التي لم تتربّ على الإسلام ولم تعرف رائحة الطهر والعفاف فتقع المصائب، وعصابات الدعارة والفساد في بعض البلاد بطاقة البغاء رسمية، والقانون يقول: إذا زنيا برضاهما فلا شيء، وفي الأماكن الأخرى شقق الدعارة منتشرة وهؤلاء المطلقات والعوانس والتي هجرها زوجها وبعض الفجرة يفضل الزنا بالمتزوجات؛ لأنه لا يكتشف أمره وأبعد عن المشاكل، والفساد في مدارس البنات والذهاب إلى الأسواق والمستشفيات ثم تركب مع من واعدته والسفر إلى الخارج، ووضع العراقيل في طريق الزواج الشرعي، ثم تأخير الزواج بغير عذر للقادر عليه، وبعد ذلك من حصنه الله كثيرٌ منهم يقع في الفاحشة مع ذلك، قال أحد الفرنسيين وهو بول فيورو: إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح عندهم استخدام البغايا أيضاً وذلك أنهم يضلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أو أحراراً طلقاء في أودية الفجور، ثم يجيء عليهم حين من دهر يملون تلك الحياة الشريرة المقلقة فيتزوجون بامرأة بعينها حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته واللذات المحرمة خارج البيت، دقق الآن واسمع من أخبار المجتمع ما تسمع لترى أننا على الطريق سائرون ولنهجهم مقتفون ولا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله السلامة.
يا أيها الناس: هذه شريعتكم فما بال العدول عنها؟! أيها المسلمون: يوجد عافية في المجتمع والحمد لله، يوجد أطهار وشرفاء، يوجد أناس عندهم عفة، لكن السكوت عن الجريمة جريمة، والامتناع عن إنكار المنكر جريمة أيضاً، وماذا ننتظر والحرائق بين بيوتنا؟ ماذا ننتظر؟ كيف نتقاعس عن الدعوة إلى الله؟ وكيف نتقاعس عن إنكار المنكر؟ كيف نتقاعس عن نشر الفضيلة؟ كيف نتقاعس عن التوفيق بين النساء والرجال في الزواج والدلالة على الخير وتقليل المهور وتيسير الأمور؟ يا عباد الله! إنها مسئولية والله سائلنا عما حل بالمجتمع، فليقم الأطهار منا بالواجب، وليرجع أولئك الذين يقعون في الفجور عن فجورهم قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
وسيقف الزاني والزانية أمام الله بفجوره ونجاساته وأرجاسه وأنجاسه، فيحاسبهم الله على ما عملوا، ثم يكون القصاص العاجل عند رب العالمين، ويكون في البرزخ أفران من النار وفي جهنم نيران جنهم: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] وهؤلاء يصطرخون فيها: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] لكن قال الله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه﴾ [الأنعام:٢٨] فلا يخرجهم العليم الخبير من النار؛ لأنه لو أخرجهم لعادوا، وقال مصداقاً لهذا في كتابه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه﴾ [الأنعام:٢٨] فليرجع إلى الله من وقع في الفاحشة، وليتذكر من وقع ذنبه فيتوب قبل أن يأتي الموت، فالموت قريب والأجل عاجل والله يمهل ولا يهمل، وسيرى عقوبة فعله ربما في أهله وبناته، فليتق الله قبل الفضيحة في هذه الدار ويوم يقوم الأشهاد.
اللهم إنا نسألك أن تغنينا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك.
стр. 6235
وكونوا مع الصادقين
إن منزلة الصدق في الدين عظيمة، فهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين، وهذه رسالة يتحدث فيها الشيخ عن هذا الخلق العظيم، فذكر تعريفه ومراتبه ومواقف السلف معه، ثم بين مجالاته وأماراته ودواعيه.
ثم انتقل الشيخ إلى الحديث عن ضد هذا الخلق وهو الكذب، وبين أضراره وأخطاره وعواقبه ودواعيه وبعض مسائله.
следующие страницы →