← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

الحيل والخداع ثامناً: ومن مكائد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله: الحيل والخداع، فإن الشيطان يتسلل إلى بعض نفوس بني آدم بأشياء من الحيل والمخادعات لله، يزينها لهم على أنها حيل شرعية ولا بأس بها وهي تتضمن إحلال الحرام وإسقاط الفرائض، هؤلاء الناس الذين يستجيبون للشيطان قال الله فيهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] هذه من صفات المنافقين. ومن الأمثلة على ذلك: نكاح التحليل، فإنه إذا طلق امرأته ثلاثاً منفصلة بانت منه، ويريد الرجوع إليها استأجر تيساً مستعاراً بعشرة دراهم أو أكثر ليتزوجها زواجاً صورياً لا يريدها ثم يطلقها ليرجع إليها الزوج الأول، هذا الذي وصفه ﵊ بالتيس المستعار: (لعن الله المحلل والمحلل له) هذه حيلة خبيثة شيطانية. ومن أمثلة ذلك مثلاً: بيع العينة، بأن يبيع الإنسان شخصاً شيئاً، فيشتري من شخص إلى أجل بعشرة آلاف -مثلاً- إلى سنة، يسددها بعد سنة عشرة آلاف ثم يبيعها على نفس الشخص الذي اشتراها منه فوراً نقداً بثمن أقل بتسعة آلاف أو ثمانية آلاف مثلاً، فهذا هو بيع العينة، لكنه في الحقيقة هو ظاهره بيع وشراء إني أنا اشتريت منه بنقد إلى أجل بعشرة آلاف نسيئة إلى أجل عشرة آلاف ثم بعتها عليه نقداً بثمانية آلاف، ظاهرها أنها بيع وشراء ولكنها في الحقيقة حيلة إلى الربا. ولذلك يعمد كثير منهم في خداعهم لله أن يذهب إلى دكان ويأتي بطرف ثالث عنده البضاعة والشخص الذي يريد أن يقرض ويقترض، فيضع يده على كومة الرز إلى آخر الحيلة المعروفة، يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، ولو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون، لأنه عندما يخادع ويرتكب المحرم يكون عليه إثمان، إثم الحرام وإثم المخادعة، لكن لو فعل الحرام دون خداع لكان عليه إثم الحرام فقط، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون. ومن ضمن الحيل كذلك: حيلة اليهود عندما حرم الله عليهم الصيد يوم السبت، فماذا فعلوا؟ نصبوا الشباك يوم الجمعة ورفعوها يوم الأحد وقالوا: لن نصيد يوم السبت، اتخذوا آيات الله هزوا. ومنهم أقوام يشربون النبيذ المحرم، والآن هناك أنواع من الأشربة في السوق مسكرة لو شربت كثيراً لسكرت، وهي كثيرة جداً وتتنوع وهي تسكر، بل قد تكون أشياء جامدة، لكنها تسبب السكر، يسمونها بغير اسمها، وهي مسكرة، وهؤلاء الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) وقد حصل في هذا الزمان عياناً بياناً، مبيناً في الواقع كما نراه ونسمعه مشاهداً، شربوها وسموها بغير اسمها. ومثل ذلك مثلاً: أنهم يستحلون الغناء، وإذا جئت تجادلهم قالوا لك: أليست أصوات الطيور مثل النغمات الموسيقية، فلماذا تبيح أصوات الطيور وتحرم النغمات الموسيقية كلامها سواء، والغناء نص الله على تحريمه في الكتاب والسنة، وأصوات الطيور أمر سكت عنه الشرع فهو مباح، فأين هذا من هذا؟! وهذا القياس الفاسد يستحلون محارم الله بهذه الخدع. مثال آخر: استحلال الربا على أساس أن الربا المحرم هو ما بين الغني والفقير، فإذا استغل الغني الفقير هذا هو الحرام، لكن لو كان بين غني وغني فلا بأس بذلك، يقولون: تاجر يستلف من البنك -مثلاً- مليون ريال، يعمل بها مشروعاً تجارياً، يستلفها بفائدة خمسة عشر في المائة، يسمونها فائدة، ويعمل نسبة الأرباح بعد سنة يربح المشروع عشرة في المائة، يسدد جزءاً من الفوائد، بعد سنتين يربح المشروع أكثر ويسدد بقية فوائد الربا الذي عليه ثم هو يمتلك المشروع، إذاً: الغني استفاد، والبنك استفاد وليس هناك أحد خسران، إذاً هذا ليس ربا، هكذا يقولون تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، وهم يعلمون من الواقع أن البنوك سبب من أكبر أسباب نكبة كثير من التجار والمقاولين في هذا الزمان، الذين لم يستطيعوا تسديد المستحقات للبنوك في الأوقات المحددة بسبب أنهم لم يستطيعوا أخذ حقوقهم من الجهات الأخرى ومن الناس، فما استطاعوا تسديد هذه الفوائد التي يسمونها فصاروا رصيدهم بالناقص وبالسلب ثم أفلسوا وباعوا كل شيء، بل إن هذا الربا يفقر دولاً، وما لعبة صندوق النقد الدولي ببعيدة عن الحذقة من المسلمين الذين يعرفون أن هذه الفوائد المركبة تأخذ أموال ونعم ومقدرات شعوب بأكملها. ولذلك فهؤلاء الذين يطنطنون اليوم في الجرائد والمجلات يقول قائلهم: إنه حلال وأنا أتحمل عنكم مسئولية هذه الفتوى عند الله يوم القيامة، ويبيحها لهم بأنها سندات استثمار وسندات وما شابه ذلك، وأن الذي يسلف يعطي نقوده إلى البنك ويأخذ سندات إنسان محسن إلى جهة أخرى تستفيد من الأموال التي في البنك، ولا بد أن يحسن إليه بأخذ فوائد، وهكذا يزخرفون القول زخرفة مما يوحي إليهم الشيطان الرجيم. ومنهم أناس يظنون أن الربا حرام أكله وشربه، بمعنى: أنه لا يجوز أن تشتري به طعاماً، لكن لو اشتريت به بيتاً فهذا حلال، أو اشتريت به سيارة فهذا جائز، أو دفعت منه ضرائب -الضرائب حرام- ندفع من الربا للضرائب فهذا حلال، يالله! ومعلوم أن الربا لا يجوز الاستفادة منه أبداً، حتى في دفع الظلم عن نفسك. لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح، فاليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أذابوها، قالوا: الأشياء الجامدة هي الحرام لكن لو جعلناها مائعة وأذبناها، فالحرام دون المذاب، فأذابوها فباعوها وأكلوا ثمنها، فاستحقوا لعنة الله ومسخهم قردة وخنازير. وقد ذكر أهل العلم في كتبهم من أنواع الحيل المحرمة أشياء منكرة، ذكر بعضهم: امرأة تريد أن تفارق زوجها فيرفض الطلاق والخلع ويرفض ويرفض، فذهبت إلى بعض هؤلاء المتلاعبين من أصحاب الحيل، فقال لها: لو ارتدت عن الإسلام انفسخ العقد وبانت منه ففعلت، فلما سمع الإمام أحمد هذا القول: (اكفري بالله تصيرين كافرة ثم ينفسخ العقد لأنه لا تحلي له لأنه مسلم وأنت كافرة ثم تسلمين بعد ذلك) فلما سمع الإمام أحمد قال: من أفتى بهذا أو عمل أو رضي به فهو كافر. فانظر إلى أي درجة يستدرج الشيطان هؤلاء الناس بمسألة الحيل، قال ابن المبارك ﵀ تعقيباً: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فتعلم الشيطان منهم. والشريعة تعاقب على الحيل المخالفة لها، فالقاتل إذا قتل يحرم من الميراث في الشريعة، ولو عفا عنه أولياء المقتول وقالوا: لا نريد قصاصاً، لا يرث، والمريض في مرض الموت إذا طلق امرأته ليحرمها من الميراث ترث رغماً عنه، ومن سافر في الصيف إلى البلدان الباردة لا لأجل أنه يريد سفراً فليس عنده تجارة ولا علاج ولا شيء، لكن فقط لكي لا يصوم في الحر في الصيف، قال: أسافر حتى أفطر؛ لأني مسافر فأفطر، ثم أصوم في الشتاء، فهذا آثم بفعله ولا شك. وكذلك فقد ضرب الله أمثلة من الأمور المحرمة، قال الله: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩] فلو أن إنساناً لا يريد زوجته، لكن لا يطلقها لكي تطلب هي الفسخ، فيمسكها ويحبسها ولا يعاشرها معاشرة الأزواج لأنه لا يرغب بها، فيمسكها حتى تطلب الطلاق وتطلب الخلع وتدفع من المهر الذي أعطاها أو كل المهر، فيذهب بما آتاها من قبل، فإذا حبسها لكي تفتدي نفسها وهو لا يريدها فهو ظالم وما أخذ فهو حرام. ولما قصد أصحاب الجنة حصد محاصيلهم بالليل في سورة القلم لحرمان الفقراء عاقبهم الله : قالوا: نصرمها مبكرين أو في الليل حتى لا يكون هناك وجود وحضور للفقراء فلا يأخذون شيئاً، ومثل هذه الحيل المحرمة الشيطانية أن بعض الناس إذا جاء قبل الحول بقليل ملك ماله لزوجته، قال: ملكتك مالي فإذا عدا الحول وانتهى استرد المال منها، قال: ما كان عندي ما ملكته، وبعضهم لكي ينجو من الزكاة كلما قاربت النصاب باع منها وغير أشياء بحيث إنها لا تكتمل نصاباً ويحولها إلى أنواع أخرى من الأموال لينجو من الزكاة، وهذا حرام ولا شك. ومثل إخراج المكوس في قالب إعانة المجاهدين وسد الثغور وعمارة الحصون كما ذكر أهل العلم، وبالخلاصة فإن الذي يريد أن يتحايل على الله فإن الشيطان سوف يفتح له أبواباً واسعة جداً جداً، ولكنه يوم القيامة سيكشف أمره ويهتك ستره على رءوس الخلائق يفضحه الله ، نسأل الله السلامة.

стр. 6477

الوسواس في النية والطهارة والصلاة وغيرها تاسعاً: ومن كيد الشيطان وتلبيس إبليس: ما بلغ به من الوسواس الذي أوقع فيه كثيراً من الخلق، وكادهم به كيداً عظيماً، فمرض الوسواس من الشيطان ولا شك، الوسواس كادهم به في الطهارة، وفي النية، وفي الصلاة، وحتى في قراءة القرآن، وفي الطلاق وغير ذلك، وألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة محمد ﷺ ، حتى يخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفيه، حتى إن أحد هؤلاء الموسوسين ليرى أنه لو توضأ وضوء رسول الله ﷺ أو اغتسل كاغتساله ﵊ لم يطهر، ولم يرتفع حدث، وكيف يطاوع الموسوس نفسه أن يغتسل هو وامرأته من إناء واحد يغمسان أيديهما فيه، غسل الجنابة ويفرغان عليهما، فالموسوس يشمئز من ذلك كما يشمئز المشرك إذا ذُكِر الله وحده، مع أن من الذي فعل ذلك هو الرسول ﷺ . ويزعم له الشيطان أن هذا من الاحتياط في الدين، ومن باب دع ما يريبك إلى مالا يريبك، وإذا مس الصبي أو ولده الصغير فإنه يجب أن يغسل يديه باستمرار وبعض الموسوسات، وهؤلاء يغسل أحدهم يده غسلاً يشاهده ببصره وربما قاله بلسانه، بعض الموسوسين من عذابهم يغسل يديه ويشك حتى يضطر أن يقول بلسانه: الآن أغسل يدي غسلت يدي، ويسمعه بسمعه وربما سمعه جاره ولا يصدق نفسه. وربما أضر بجسده كالغوص في الماء البارد وكثرة استعماله وإطالة العرك والفرك وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه، وذكر ابن الجوزي ﵀ عن أبي الوفاء بن عقيل: أن رجلاً قال له: أنغمس في الماء مرات كثيرة وأشك هل صح الغسل أم لا، فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال وكيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ) ومن ينغمس في الماء مراراً ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون! وربما شغله الوسواس حتى تفوته الجماعة، وربما فاته وقت الصلاة بالكلية.

стр. 6478

الوسوسة في الصلاة وقد يشغله الشيطان بوسوسته في النية عند الصلاة في المسجد في الصف، حتى تفوت عليه التكبيرة الأولى، وربما فاته ركن أو أكثر، ومنهم من يحلف بالله ألا يعود إلى هذا ويكذب ويعود. وقد كان هناك رجل شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك، فاشتد به التقعر والتنطع إلى أن قال مرة وهو حاضر في الصف، حيث كبر الناس وهو حاضر الآن يجمع النية، ويقول: أصلي أصلي أصلي ويعيدها عدة مرات، صلاة صلاة صلاة الظهر الظهر الظهر، جماعة جماعة جماعة، أداءً -يعني: ما هو قضاء- لا بد هذه العبارة تأتي بالكامل عند هؤلاء المبتدعة الذين يتلفظون بالنية وإذا صار موسوساً بعد فكيف ستكون العبارة، تكون شبراً فتصبح ذراعاً، فقال: أصلي أصلي أصلي، صلاة، صلاة، صلاة، الظهر، قال: أداءً بدأ يقول أداءً قال: فأعجم الذال وضع عليها نقطة قال: أذاءً، ولا بد أن يقول أداءً لله، وكان يصلي بجانبه شخص فما تمالك نفسه فقطع الصلاة فقال: إيذاءً لله ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا وأخرجهم عن اتباع النبي ﷺ فعلى من أراد النجاة من هذه الوسوسة أن يسلك سبيل رسول الله ﷺ ويدع سبيل الشيطان، قال أحد السلف يوماً لابنه: يا بني! اتخذ لي ثوباً ألبسه عند قضاء الحاجة، فإني رأيت الذباب يسقط على الشيء ثم يقع على الثوب، نخصص ثوباً خاصاً بالمرحاض، إذا جاء الذباب على هذا الثوب وكان قد وقع على العذراء نفسخ الثوب بعد المرحاض ونصلي في ثوب نظيف، ما عليه من آثار الذباب، ثم انتبه فقال: ما كان النبي ﷺ وأصحابه، ما كان لهم إلا ثوب واحد يقضون به حاجتهم ويصلون. فتبين أن التفكير في قضية النجاسة التي يأخذها الذباب برجليه عندما يسقط على الثوب، ويضع فاصلة صفر صفر واحد من النجاسة أن هذا لا شك من أنواع الوسوسة الواضحة. قال ابن القيم ﵀: قال شيخنا ابن تيمية: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ ولا أصحابه واحدة منها -عند النية في الصلاة- فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداءً إماماً -أو مأموماً- أربع ركعات مستقبل القبلة ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، ولو مكث أحدهم عمر نوح يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه شيئاً من ذلك لما ظفر به، فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأعوانه، وخنزب هو شيطان الصلاة. وكذلك الوسواس في انتقاض الطهارة، فإن الشيطان يشكك الإنسان خرج منه ريح، خرج، ما خرج، خرج شيء بسيط، خرج لكن فيه ماء، وهكذا قال ﷺ مبيناً العلاج: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أو لا فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) رواه مسلم. والشيطان يتلاعب بالشعيرات في مقعدة ابن آدم ليوهمه أنه خرج منه شيء وليس كذلك، فقد أخبر ﵊ بهذا التلاعب وأن هذا من كيد الشيطان، ومن علاج الوسواس في الطهارة أن ينضح فرجه وسراويله مما يلي الفرج بالماء إذا بال، كما ورد عن النبي ﷺ .

стр. 6479

وسوسة في الطهارة هذا في الوسوسة في الطهارة، أما ما يفعله الشيطان بالموسوسين بعد البول فحدث ولا حرج، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: يفعلون عشرة أشياء: السلت والنتر والنحنحة والمشي والقفز والحبل والتفقد والوجور والحشو والعصابة والدرجة. أما السلت فهو عصر الذكر ليخرج منه البول، يقول لا بد أن نفعل هذا الإجراء حتى نتأكد أنه ليس هناك نجاسة، والنتر وهو نفضه ليخرج ما بداخله بزعمهم بعد الاستنجاء هذا إجراء ثانٍ، والنحنحة: بأن يتنحنح لإخراج الفضلة الباقية بزعمهم، والقفز: أن يرتفع على الأرض ويهبط عليها لكي يفرغ ما كان عالقاً، والحبل يتخذه بعض الموسوسين فيتعلق به حتى يكاد يرتفع ثم يتخرط فيه ويقع على هذا لكي ينزل ما بقي، والتفقد: هو النظر في المخرج هل بقي فيه شيء أم لا، والوجور: هو فتح الثقب وصب الماء فيه، والحشو: إدخال قطن ونحوه، والعصابة: أن يعصب المخرج بخرقة لئلا يخرج منه شيء، والدرجة: أن يصعد في السلم قليلاً ثم ينزل بسرعة، أو يمشي خطوات ثم يعيد الاستنجاء. قال ابن تيمية ﵀: وذلك كله وسواس وبدعة، فتبين بذلك أن ما يقضيه البعض من الأوقات الطويلة جداً داخل المراحيض يضيعون بها تكبيرة الإحرام والصلاة، هو من الأمور المحرمة ومن كيد إبليس وتلبيسه، ويكفي الإنسان بعد انتهائه من قضاء حاجته أن يستنجي ويغسل بالماء ويرش ما أمام المخرج من الثوب بالماء حتى يقطع على الشيطان طريق الوسوسة، وإذا كان صاحب سلس ويعرف نفسه صاحب سلس، إذا انتهى من قضاء الحاجة يغسل ويرش بالماء، وإذا وضع أمام المخرج لئلا تنتشر النجاسة في الثوب كمنديل بشكل عادي يشده عليه بلباسه العادي، ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي ولا يبالي بعد ذلك بما خرج منه لا بعد الاستنجاء ولا أثناء الوضوء، ولا بعده ولا قبل الصلاة ولا أثناء الصلاة وصلاته صحيحة، والحمد لله، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ولا فرض الله على الخلق أن يقضوا ساعات في دورات المياه لكي يتأكدوا أنه ما بقي قطرة، وهذا السلس هو داء منتشر عند كثير من الناس، وهذه عيادات المسالك البولية تشهد بذلك، وإذا لم يكن هناك في الدين مثل هذه الرخصة المباحة الشرعية لهلك الناس: (بعثت بالحنيفية السمحة). وهؤلاء الموسوسون لا يرضون بأمور كثيرة مما كان ﷺ يفعله، فقد كان ﵊ وأصحابه يخوضون في الطين والوحل وماء المطر وهم يأتون إلى المساجد، ويأتون المسجد ولا يغسلون أرجلهم، وهذه فتاوى الصحابة فيمن وطئ العذرة بقدمه إن كانت يابسة فليست بشيء، وإن كانت رطبة غسل ما أصابه، لا انتقض الوضوء ولا شيء من ذلك، بل يغسل ما أصاب جلده من النجاسة فقط، إذا كانت رطبة، وهذا الخف والحذاء يدلك في الأرض ثم يصلى فيه سنة ثابتة كما قال ﷺ (إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ثم لينظر فإن رأى خبثاً فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما) والموسوسون أكثرهم لا يرضون بالصلاة في النعال إذا كان الوضع مناسباً وكان المسجد مفروشاً بالحصى والرمل، ونحو ذلك. وذيل المرأة، قالت امرأة لـ أم سلمة: (إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت: قال رسول الله ﷺ : يطهره ما بعده) هي تسحب على الأرض، لو سحبت على نجاسة يطهره ما بعده، وقد رخص للمرأة أن تطيل حجابها ذراعاً وراءها حتى إذا هبت الريح لا تنكشف عورتها وأكثر من ذلك يعتبر إسبالاً في حق النساء، وكان ﷺ يصلي في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في أعطان الإبل، فأين هذا ممن لا يصلي إلا على سجادة، تفرش فوق البساط أو فوق الحصير، وربما وضع عليها منديلاً ولا يمشي على البساط مكان المصلى إلا نقراً كالعصفور إذا اضطر، ووضع السجادة على السجادة الطاهرة من البدع والوسوسة. وبعض الناس هذه عادتهم إذا دخل مكاناً مع أن البساط نظيف طاهر لا يعلم أن عليه نجاسة لا بد أن ياتي بمفرش الصلاة ليصلي، لماذا؟ وقد قال ﵊: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأي رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) فإذاً وضع السجاجيد على السجاجيد نص أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية أنها من البدع، إذا كانت السجادة نظيفة وطاهرة، فلا يوضع عليها شيء ويصلي. وبعضهم يقول: لا بد أن نضع للإمام سجادة خاصة لماذا؟! إن مثله مثل المسلمين، يصلي على بساط المسجد مثله مثل المسلمين، فلماذا توضع له سجادة منفصلة، وكان ﷺ يصلي وهو يحمل أمامة بيده، فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها، وإذا قال قائل: كيف يصح هذا وفيها نجاسة قد تكون في هذه الحفاظة نجاسة، نقول: قد فعله من هو خير منك محمد ﷺ فإذا رفع وضعها وإذا قام حملها، وكان يصلي في الليل وكان بجانبه عائشة وهي حائض، وربما لامس جسده جسدها. وكان الصحابة يتوضئون من الحياض والأواني المكشوفة، لا يسألون هل أصابتها نجاسة أم لا، [مر عمر يوماً مع صاحب معه تحت ميزاب فسقط عليهما شيء من الميزاب، فقال صاحب عمر: يا صاحب الميزاب! ماؤك طاهر أو نجس، فقال عمر: يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا، ثم مضى]. وكان ﷺ يصغي الإناء للهرة حتى تشرب ويشرب هو منه ﷺ ويتوضأ منه، وقال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، يقول ابن القيم ﵀: والمراضع -المرأة التي ترضع- المراضع لا زلن من عهد رسول الله ﷺ وإلى الآن يصلين في ثيابهن والرضعاء يتقيئون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، ولا تغسل شيئاً من ذلك -هذا على عهد الرسول ﷺ ما يخرج من الطفل طاهر من القيء لصعوبة وتعذر التحرز من قيء الولد على المرضعة وهي ترضعه وتحمله وتضعه باستمرار. ونص الإمام أحمد ﵀ على أن حبل الغسال إذا نشر عليه ثوب نجس ربما جففته الشمس، أي: جففت حبل الغسال، ثم نشر عليه ثوب طاهر رطب، قال: لا بأس به، وكان ﷺ يشرب من موضع فيّ عائشة ويتعرق العرقة فيضع فاه على موضع فيها وهي حائض ويأكل وراءها ﷺ . والوسوسة أشكالها كثيرة جداً مثل الوسوسة في مخارج الحروف والتنطع فيها قال ابن الجوزي: ولقد رأيت من يخرج بصاقه عند إخراج الضاد لقوة تشديده، والوسوسة في الطلاق فإنه يقول: طلقت أو ما طلقت، إذا فكر في الطلاق يوسوس ربما حتى في النهاية تلفظ بالطلاق.

стр. 6480

عشق الصور المحرمة وأخيراً: فإن من مكايد الشيطان ومصايده ما فتن به عشاق الصور، والمقصود بالصور هي أشكال بني آدم، أجسادهم وأشكالهم ومناظرهم، والذين يعشقون الصور -أي: صور البشر وأشكالهم ومناظرهم وأجسادهم- هذا كيد عظيم من كيد إبليس فيه استعباد النفوس لغير الله، وتمليك القلوب لمن يسومها سوء العذاب، العاشق المتيم بمن عشقه، معذب القلب قد سلم قلبه إلى معشوقه يسومه سوء العذاب، ويسعى في رضا المعشوق والمحبوب وإن عارض رضا الله، ويتحرك عند سماع صوت محبوبه ما لا يتحرك عند سماع العلم وشواهد الإيمان ولا عند تلاوة القرآن، حتى إذا ذكر معشوقه اهتز وربا وتحرك باطنه وظاهره شوقاً إليه وطرباً. وهؤلاء يقول الله في شأنهم من ضمن الذين يدخلون في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] أين هؤلاء العشاق الذين عشقوا الصور ومالوا بعواطفهم ميلاً شديداً وانغلقوا على هذه الأشكال وأقاموا هذه العلاقات المحرمة؟ أين هم من قوله ﷺ في دلائل الإيمان: (أن يحب المرء لا يحبه إلا الله)؟ ومن كيد الشيطان وتلبيس الشيطان أنه يوهم هذا المتعلق بصاحبه أنه يحبه لله، وربما قال له: إنك تشاركه في الطاعات، وربما حمله أن يحضر معه بعض مجالس العلم، ويحفظ بعض آيات القرآن أو الأحاديث وهكذا، حتى يلبس عليه أن العلاقة علاقة شرعية، وحفظ قرآن وحضور مجالس علم ودعوة إلى الله مثلاً. وقد ذكر ابن القيم في كتابه العظيم الجواب الكافي، وكتابه العظيم إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان في علاج العشق والتعلق بالمحبوب أموراً عظيمة ينبغي الرجوع إليها، ونذكر بعضاً منها فإن هذا الدرس ليس موضع استقصاء علاج عشق أو علاج المحبة مع الله، وإن كانت هذه المسألة قد تفشت بحيث صار لا بد أن توضح لها العلاجات حتى لا يقع بعض الناس فيها، قال ابن القيم ﵀: ووصل الأمر ببعضهم أن يؤاخي امرأة أجنبية في الله، كان مما ذكره أن وصل الأمر السوء بتلبيس إبليس أن يؤاخي امرأة أجنبية في الله لهذا الغرض، وقد حدث وربما يتصل بها ويقول: أنا أناقش معك مسائل فقهية وأنصحك وتنصحيني وهذا موجود ووصل إلينا وسمعنا أطرافاً منه عن أناس يتصلون بنساء أجنبيات يقولون: هذه محبة في الله وإني أحبك في الله، كيف يقول رجل أجنبي لامرأة أجنبية: إني أحبك في الله؟! أم كيف تقول له هي هذا الكلام؟! هو رجل شاب وهي امرأة شابة، أليس هذا من تلبيس إبليس ومن مداخله؟! قال ابن القيم ﵀: وبعضهم جعل الاتصال بالمردان من عبادة الله، وأنها قربة وطاعة، بل زعموا أيضاً أنها تزكي النفس وتخلصها من الشوائب، وجعل التلذذ بهم عبادة، وقد يقولون: تزوج فلان بفلان يستهزئون بآيات الله ودينه، قال ابن القيم: وقد آل الأمر بكثير من هؤلاء إلى ترجيح وطء الولدان على نكاح النسوان، وقالوا: هو أسلم من الحبل والولادة ومؤنة النكاح والشكوى إلى القاضي وفرض النفقة. سبحان الله العظيم! انظر إلى أي درجة يمكن أن يستجري الشيطان ابن آدم عندما يوهمه فعلاً بهذه القضية، فيوقعه في الفواحش ويظن هذا أنه الآن يتقرب إلى الله، سبحان الله العظيم! لا شك أن من هؤلاء ضلال، إذ كيف تروج هذه البضاعة الشيطانية على هؤلاء، إن في المسألة هوى، وما راجت بضاعة الشيطان إلا وفيها هوى واضح، وماذا تفعل بمن زين له سوء عمله فرآه حسناً، فقد تلاعب الشيطان بأكثر هذا الخلق كتلاعب الصبيان بالكرة، وأخرج الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب من قوالب الخير والبر والأعمال الصالحة.

стр. 6481

كلام ابن القيم في خطر العشق قال ابن القيم في خطر العشق: فإذا شغف الإنسان بمحبة صورة -يعني: إنسان آدمي ذكر أو أنثى- لغير الله، بحيث يرضيه وصوله إليها وظفره بها ويسخطه فواته ذلك، كان فيه من التعبد لها بقدر ذلك -غصباً عنه ورغماً عنه يعبدها من دون الله- ثم قال: والزنا بالفرج وإن كان أعظم من الإلمام بالصغيرة، كالنظرة والقبلة واللمس، لكن إصرار العاشق على محبة الفعل مع معشوقه وتوابعه ولوازمه وتمنيه له ولو لم يفعل، وتمنيه له وحديث نفسه به ألا يتركه واشتغال قلبه بالمعشوق قد يكون أعظم ضرراً من فعل الفاحشة مرة، بشيء كثير فإن الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثم الكبيرة أو يربو عليها. وأيضاً: فإن تعبد القلب للمعشوق شرك، وفعل الفاحشة معصية ومفسدة الشرك أعظم من مفسدة المعصية، وأيضاً: فإنه قد يتخلص من الكبيرة بالتوبة والاستغفار، وأما العشق إذا تمكن من القلب فإنه يعز عليه أن يتخلص منه، بل يصير تعبداً لازماً للقلب لا ينفك عنه، ومعلوم أن هذا أعظم ضرراً وفساداً من فاحشة يرتكبها شخص وهو عالم بتحريمها وقلبه غير معبد لمن فعل بها الفاحشة التي ارتكبها معها. أما هذا العاشق فقلبه معبد ولو لم يفعل فاحشة. وذكر كلاماً مهماً معبراً عن حال العاشق أو هذا المتعلق قلبه بهذه الصورة، قال: فأصحاب العشق الشيطاني لهم من تولي الشيطان والإشراك به بقدر ذلك، لما فيهم من الإشراك بالله، ولما فاتهم من الإخلاص له، ففيهم نصيب من اتخاذ الأنداد، ولهذا ترى كثيراً منهم عبداً لذلك المعشوق، متيماً فيه يصرخ في حضوره ومغيبه أنه عبده، فهو أعظم ذكراً له من ربه، وحبه في قلبه أعظم من حب الله فيه، وكفى به شاهداً على ذلك بنفسه: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] فلو خير بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، وتمنيه بالقرب من معشوقه أعظم من تمنيه للقاء ربه وقربه، وهربه من سخطه عليه أشد من هربه من سخط ربه عليه، يسخط ربه بمرضاة معشوقه، ويقدم مصالح معشوقه وحوائجه على طاعة ربه، فإن فضل من وقته فضلة وكان عنه قليل من الإيمان صرف تلك الفضلة في طاعة ربه، وإن استغرق الزمان حوائج معشوقه ومصالحه صرف زمانه كله فيها وأهمل أمر الله. يجود لمعشوقه بكل نفس ونفيسة، ويجعل لربه من ماله إن جعل له كل رذيلة وخسيس، فلمعشوقه لبه وقلبه وهمه ووقته، وخالص ماله وربه على الفضلة، قد اتخذه وراءه ظهريا، وصار لذكره نسياً، إن قام في خدمته في الصلاة فلسانه يناجيه -يعني: يناجي الله- وقلبه يناجي معشوقه، ووجه بدنه إلى القبلة ووجه قلبه إلى المعشوق، ينفر من خدمة ربه حتى كأنه واقف في الصلاة على الجمر من ثقلها عليه وتكلفه لفعلها، فإذا جاءت خدمة المعشوق أقبل عليها بقلبه وبدنه فرحاً بها ناصحاً له فيها، خفيفة على قلبه لا يستثقلها ولا يستطيلها، ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله. أما سبب هذه المصيبة العظيمة فهو سبب نقص محبة الله؛ لأن القلب لو امتلأ بمحبة الله ما كان له مجال أن يحب أشخاصاً وأشكالاً بهذه الطريقة المحرمة.

стр. 6482

فروق بين المحبة في الله والمحبة مع الله ومحبتنا لإخواننا المسلمين نابعة من محبة الله، لا معارضة لها ولا مزاحمة لها، محبة الإنسان لأخيه في الله ليست مزاحمة لمحبة الله، بل هي نابعة من محبة الله، ولذلك كلما كان الشخص أكثر عبادة كنا أكثر محبة له، وكلما كان أكثر إخلاصاً وعملاً لله زادت محبتنا له، بغض النظر عن شكله ولونه ووسامته ودمامته ونحو ذلك. ولذلك فإنه لا بد للإنسان أن يفرق بين العشق وبين المحبة في الله، فأما المحبة لله فهي محبة خالصة قوية، بغض النظر عن شكله ولونه وعاهته، بل ربما أحب أجذع أفطس أعرج أشل أعمى لأنه قريب من الله، ويكره جميلاً وسيماً فاتناً لأنه عدو لله، أما العشق فإنه انتقاء من الأشكال ما يوافق الهوى. ثانياً: المحبة في الله تقرب إلى الله، أما العشق والمحبة مع الله فإنها تبعد عن الله بل تقطع الطريق على محبة الله، فهي محبة مع الله، ومحبة ما يبغض الله، ومحبة من تقطع محبته عن محبة الله. ثالثاً: الذي يحب في الله ينفتح على إخوانه المسلمين جميعاً، فيقيم العلاقات معهم جميعاً، ولا يستثني أحداً يستطيع أن يستفيد منه دون أحد، بينما هذا العاشق أو المتعلق قلبه بمن معه ينغلق عليه فينفرد له ويكون خالصاً له ولا يرضى أن يقيم علاقات، أو لا يعطي إخوانه الآخرين إلا النزر اليسير. رابعاً: إن هذه المحبة في الله تقود إلى استشعار لعظمة الله، وخشوع لله، أما المحبة مع الله فهي هيام وهموم وآلام عند الفرقة والابتعاد، المحبة في الله إذا خلا الإنسان عن الناس ففكره في طاعة الله، أما المحبة مع الله إذا خلا ففكره في معشوقه ومحبوبه، المحبة في الله تجعل الذي تحبه في الله يعينك على الابتعاد عن المعاصي، أما المحبة مع الله فإن هذا المعشوق والمحبوب يوقع في المعصية وربما في الفواحش. خامساً: المحبة في الله ألفاظ شرعية مجردة عن العلاقات الدنيوية، إني أحبك في الله، أما المحبة مع الله أو العشق فهي ألفاظ غرام وكتابات ورسائل وهواتف وربما كتب له أو ناداه أو ناداها بما لا يصلح إلا بين الرجل وزوجته. وهذا المجال الكلام فيه طويل وكثير وخصوصاً عند استشراء هذا الداء الذي ألم بكثير من بني البشر في هذا الزمان، حتى بين بعض الذين يظهر عليهم سيما الخير والصلاح، ولذلك كان لا بد من وقفة حازمة في قطع دابر هذا الشر بإخلاص العبادة لله والإقبال عليه، والانطراح بين يديه أن يخلص قلبه مما علق به من محبة المحبوبين من البشر أو عشقهم، وكذلك الابتعاد عمن هو سبب للداء، وسبب لهذا العشق، وألا تقع عينه على أثر، ولا يسمع له حس ولا خبر قدر الإمكان، بحيث يتنقى قلبه تدريجياً من هذا الداء العضال. ولعل هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من البيان والإيضاح، ولكن لعل فيما ذكر كفاية لأولي الألباب ومكائد الشيطان كثيرة في الحقيقة، والكلام عنها لا ينتهي، والرجوع فيها إلى أهل العلم الذين يبينون المكائد، ويبينون كيفية الصمود والمواجهة في وجه هذا العدو المبين الذي قال الله في شأنه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ [فاطر:٦] فلا زالت العداوة بيننا وبينه قائمة منذ أن آذى أبانا آدم ﵇ وزوجته حواء. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يخلصنا وإياكم من كيد إبليس، وأن يقينا وساوسه وخطواته، وأن يجعلنا من جند الله وحزبه المفلحين، لا من جند إبليس وحزبه الخاسرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 6483

الباقيات الصالحات بدأ الشيخ حفظه الله درسه بذكر أقوال أهل العلم في معنى (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) وثنى بذكر أجور هؤلاء العاملين للصالحات من كتاب الله ، ثم عدد أعمالاً كثيرة يبقى أجرها لفاعلها في حياته وبعد مماته، وأجاب في نهاية المحاضرة عن مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالصيام وغيره من الأحكام الشرعية.

стр. 6484

أقوال المفسرين في المراد بالباقيات الصالحات الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه أيام عشر ذي الحجة قادمة علينا، وليس هناك من أيام العمل الصالح أحب إلى الله تعالى فيهن من هذه الأيام. وحول العمل الصالح والباقيات الصالحات يدور درسنا هذه الليلة. يقول الله في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦]. ويقول في سورة مريم: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً﴾ [مريم:٧٦] مرداً، أي: عاقبة ومرداً على صاحبها. أما بالنسبة للباقيات الصالحات فهذه طائفة من أقوال المفسرين في تفسير هذه الكلمة: قال ابن الجوزي ﵀: والباقيات الصالحات فيها خمسة أقوال: أحدها: أنها (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). والثاني: أنها (لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله ولا قوة إلا بالله). والثالث: أنها الصلوات الخمس. والرابع: أنها الكلام الطيب. والخامس: جميع الأعمال الحسنة. وقال الشيخ صديق حسن خان ﵀ في تفسيره فتح البيان: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] أي: أعمال الخير التي تبقى لها ثمرتها أبد الأبد وهي ما كان يفعله فقراء المسلمين من الطاعات. وقال في البحر المحيط: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] قال الجمهور: هي الكلمات المأثور فضلها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال ابن عباس وابن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل: [هي الصلوات الخمس] وعن ابن عباس: [كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة] ورجحه الطبري. وعن قتادة: كل ما أريد به وجه الله. وعن الحسن وعطاء: إنها النيات الصالحة، فإن بها تقبل الأعمال وترفع. ومعنى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [مريم:٧٦] أنها دائمة باقية وخيرات الدنيا منقرضة فانية، والدائم الباقي خير من المنقرض المنقضي. وقال القرطبي ﵀ عن ابن عباس: [إنها كل عملٍ صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة]. وقال ابن زيد ورجحه الطبري وهو الصحيح إن شاء الله: بأن كل ما بقي ثوابه جاز أن يقال له هذا، أي: إنه من الباقيات الصالحات. وقال علي ﵁: [حرث الآخرة الباقيات الصالحات] وقد قيل: إن الباقيات الصالحات هي النيات والهمات؛ الهمة الحسنة والنية الحسنة؛ لأنه بها تقبل الأعمال وترفع. قاله الحسن. وقال عبيد بن عمير -وهو قول فيه غرابة- في تفسير ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦]: هن البنات، يدل عليه أوائل هذه الآية، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف:٤٦] أي: البنات الصالحات هن عند الله لآبائهن خيرٌ ثواباً وخيرٌ أملاً في الآخرة لمن أحسن إليهن. ثم استدل القرطبي ﵀ بحديث عائشة في المرأة التي دخلت عليها وهي مسكينة ومعها ابنتان لها، فأعطتها عائشة تمرة كانت عندها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً، ثم أخبرت النبي ﷺ ، فامتدح هذا الفعل وأخبر أن من عال هؤلاء البنات وابتلي بشيء منهن فصبر فإن الجنة ثوابه. وقال الألوسي ﵀ في حديثٍ فيه أن الباقيات الصالحات هن بعض الأذكار، قال: وهن الباقيات -هذه الأذكار- المفيد للحصر بعد التنصيص على ما لا عموم فيه، وأياً ما كان فالباقيات صفة لمقدر كالكلمات أو الأعمال، أي: الأعمال الباقيات الصالحات، أو الكلمات الباقيات الصالحات، فما هي الباقيات الصالحات؟ الباقيات صفة، والموصوف محذوف تقديره: الكلمات أو الأعمال، وكذا تدخل أعمال فقراء المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه دخولاً أولياً، فإن لهم من كل نوع من أنواع الخيرات الحظ الأوفر. أما ابن كثير رحمه الله تعالى فكان من أكثر المفسرين نقلاً للآثار والتفسير في هذه الكلمات في سورة الكهف ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف:٤٦] وبعد أن ساق أقوالاً كثيرةً وآثاراً في هذا، ساق رواية الإمام أحمد ﵀ عن الحارث مولى عثمان ﵁ قال: جلس عثمان وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا بماءٍ في إناءٍ أظنه سيكون مداً -وهو كيل عند أهل الحجاز - فتوضأ ثم قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح، غفر له ما بينها وبين العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات. قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) قال الهيثمي ﵀ في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح، غير الحارث بن عبد الله مولى عثمان وهو ثقة. وختم ابن كثير كلامه في هذه الآية بقوله: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها، واختاره ابن جرير رحمه الله تعالى. وقد ثبت حديثٌ مرفوع عن النبي ﷺ في الباقيات الصالحات، وهو ما رواه النسائي والحاكم عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (خذوا جنتكم من النار) في رواية الحاكم قالوا: (من عدوٍ يا رسول الله؟ قال: بل من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدماتٍ ومعقبات ومجنبات، وهن الباقيات الصالحات) وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير. وقال الشوكاني ﵀ -بعدما نقل آثاراً وأخرجها ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة - قال: كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات. وقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان: وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهي الأعمال التي ترضي الله، سواء قلنا: إنها الصلوات الخمس كما هو مروي عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، أو أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري وأبي الدرداء وأبي هريرة والنعمان بن بشير وعائشة ﵃ ثم قال الشنقيطي: قال مقيده عفا الله عنه -يعني نفسه-: التحقيق أن الباقيات الصالحات لفظ عام يشمل الصلوات الخمس والكلمات الخمس -والكلمات الخمس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا؛ لأنه قال في سورة الكهف: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٨] لكنها تفنى وتبيد: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى. وقال القاسمي ﵀ في تفسيره محاسن التأويل: وقع في كلام السلف تفسير الباقيات الصالحات بالصلوات وأعمال الحج والصدقات والصوم والجهاد والعتق وقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والكلام الطيب وبغيرها: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] أي: والأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خيرٌ عند ربك من المال والبنين في الجزاء والفائدة، وخيرٌ مما يتعلق بهما من الأمل؛ لأن الإنسان في الدنيا عنده آمال، لكن الأمل في هذه الأعمال الصالحة خير من الأمل في الدنيا، فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية أمرها إلى زوال، وما ينال من الباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي لا يزول ولا يحول. وقال العلامة الشيخ/ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسيره تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: وإن الذي يبقى للإنسان وينفعه ا

стр. 6485

أجور الذين آمنوا وعملوا الصالحات والملفت للنظر في الذي يقرأ القرآن الكريم أن الله كثيراً ما يذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكراً كثيراً جداً، وكذلك من عمل صالحاً، ورتب للذين آمنوا وعملوا الصالحات والذي عمل صالحاً أجوراً عظيمة ومكافآت جزيلة جداً، فمن ذلك: قوله في القرآن -وينبغي أن تحرك هذه الآيات النفوس وتحدوها إلى هذه الأعمال الصالحات-: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٦٢]. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩]. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف:٨٨]. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٠]. ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ:٣٧] ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] وقال للنسوة: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب:٣١] ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن:٩]. هذه بعض الآيات التي فيها ذكر جزاء العمل الصالح، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فحدث عنهم في أجورهم وثوابهم مما ذكره الله في كتابه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة:٨٢]. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران:٥٧]. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٩]. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩]. ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦]. ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه:٧٥]. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج:٥٠] وفي آية أخرى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨] وفي آية: ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى:٢٢] يدخلهم ربهم برحمته. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٩]. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً﴾ [العنكبوت:٥٨]. ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥] يسمعون الغناء اللذيذ. هذا بعض ما ذكره الله في كتابه في أجر الذين يعملون الصالحات ومن عمل صالحاً، وهذه الأعمال الصالحة هي الباقيات الصالحات التي يبقى أجرها عند الله ذخراً لصاحبها، يحفظ حتى إذا جاء يوم القيامة وجده عنده، فيؤتى كتابه بيمينه، ويدخل الجنة برحمة الله جزاءً لهذه الأعمال الصالحة.

стр. 6486

بعض الأعمال الصالحة وما ورد فيها من ثواب وجزاء أما الأعمال الصالحة فهي كثيرة جداً، والذي يستعرض القرآن وأحاديث النبي ﵊ يجد من الأعمال الصالحة ما لا حصر له أبواب مختلفة، وأعمال متنوعة، وأجور عظيمة لهذه الأعمال الصالحة، وسنذكر -إن شاء الله- في هذا الدرس طائفة من الأعمال الصالحة في أبواب متنوعة من العبادات والمعاملات وغيرها، والأخلاق والآداب، ولكي تهفو النفوس إلى هذه الأعمال وتتحمس وتتوقد الهمم والعزائم لمواقعتها وفعلها. فهذه الأحاديث التي سنذكرها -إن شاء الله- فيها ذكر للجزاء والثواب، والله ذكر الجزاء والثواب لكي يتحمس العباد، وما عيشنا في هذه الدنيا -أيها الإخوة- إذا لم يكن لأجل الأعمال الصالحة؟! وما قيمة أعمالنا وأوقاتنا إذا لم تكن مملوءة بالأعمال الصالحة؟! وبأي شيء ندخل الجنة بعد رحمة الله إلا بسبب أعمالنا الصالحة؟! وما الذي ينجينا من نار جهنم التي حرها شديد وقعرها بعيد إلا الأعمال الصالحة؟! وما الذي يثبت أقدام المؤمنين على الصراط فلا تزل ولا تقع في النار إلا الأعمال الصالحة؟! وهذا العمل هو مقتضى الإيمان، فلا إيمان بغير عمل، والله ذكر لازم الإيمان بعد ذكر الإيمان كثيراً جداً في القرآن؛ فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥] وهذا كثير جداً في القرآن، فلابد من الأعمال الصالحة. وهذه الأحاديث التي سنذكرها من أقواله ﷺ مما ذكر أهل العلم صحته، وهي من الأحاديث الصحيحة التي صححها أهل العلم، وعلى الأقل سيكون فيها دافع وباعث وتحميس لفعل هذه الأعمال والقيام بها.

стр. 6487

الطهارة والوضوء وبعض ما ورد فيهما فمما ذكره النبي ﷺ في الأعمال الصالحة: الطهارة والوضوء قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (وأيما رجل قام وهو يريد الصلاة فأفضى الوضوء إلى أماكنه؛ سلم من كل ذنب وخطيئة هي له، فإن قام إلى الصلاة رفعه الله تعالى بها درجة، وإن رقد رقد سالماً) الوضوء لقيام الليل والوضوء للصلوات. وروى البخاري ﵀ عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال لـ بلالٍ عند الفجر: (يا بلال! حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة -أمام النبي ﵊ فقال بلال ﵁: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهارٍ إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) فهذا أجر الطهور والصلاة. وأما السواك وفي قيام الليل بالذات فيقول النبي ﷺ : (إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليستك -يستعمل السواك ويتسوك- فإن أحدكم إذا قرأ في صلاته وضع ملك فاه على فيه، ولا يخرج من فيه شيءٌ إلا دخل فم الملك) يطوف الملك بالمصلي، فإذا قرأ القرآن وضع الملك فمه على فم المصلي المتسوك المتطهر، فلا تخرج آية من فم المصلي إلا دخلت في فم الملك.

стр. 6488

فضل الأذان وأما الأذان فيقول النبي ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول المقدم، والمؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه من سمعه من رطبٍ ويابس، وله مثل أجر من صلى معه) وقال النبي ﷺ لأحد الصحابة: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌ ولا إنس ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) فمن أذن ولو أذاناً واحداً يحصل له هذا والمؤذن المحتسب لوجه الله لا يحتسب أجراً على الأذان الأمين على الوقت، الذي يوقظهم لصلاتهم الذي يخبرهم بوقت إفطارهم إذا صاموا ووقت إمساكهم، قال النبي ﵊: (من أذن ثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل يوم ستون حسنة، وبإقامته ثلاثون حسنة).

стр. 6489

فضل المشي إلى الصلاة أما المشي إلى الصلاة؛ فيقول النبي ﷺ : (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى -كلما مشى من بعيد استفاد- والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام) وقال ﵊: (إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط عنه سيئة، فليقرب أحدكم أو ليبعد، فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضاً وبقي بعضٌ صلى ما أدرك وأتم ما بقي، فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك). وقال ﵊ مبيناً أجراً عظيماً في حديث صحيح رواه أبو داود: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم -والله واسع الفضل- ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغوٌ بينهما كتابٌ في عليين) كتاب يكتب في عليين. أما الذي يصلي أربعين يوماً في جماعة، ويكون واقفاً في الصف عندما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام، فيقول في شأنه النبي ﷺ في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) فيحافظ على أربعين يوماً في جماعة، أن يكون واقفاً في الصف عندما يكبر الإمام تكبيرة الإحرام. فهنيئاً لمن كان له براءات كثيرة.

стр. 6490

فضل إطالة الصلاة والأذكار بعدها أما إطالة الصلاة وأجر ركوعها وسجودها فيقول النبي ﷺ : (إن العبد إذا قام يصلي أُتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت ذنوبه) فإذا كان الركوع طويلاً والسجود طويلاً كان تساقط الذنوب أكثراً. وأذكار الصلاة منها ثلاث وثلاثون سبحان الله، ومثلها الحمد لله، ومثلها الله أكبر، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. ومن أذكار الصلوات التي بعد الصلاة: سبحان الله خمساً وعشرين، والحمد لله خمساً وعشرين، ولا إله إلا الله خمساً وعشرين، والله أكبر خمساً وعشرين. ومن أنواع الأذكار التي بعد الصلاة: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات، فلو كان هناك شخص مستعجل يقول هذه، وهذه أقصر صيغة، ومع هذا انظر إلى الأجر الوارد فيها:- روى الإمام أحمد والأربعة والبخاري في الأدب المفرد: عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: (خصلتان لا يحافظ عليهما عبدٌ مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل) كثير من الناس بعد الصلاة يقومون ويمشون مسرعين بدون تسبيح وتحميد وتكبير من غير حاجة، والنبي ﵊ قد قام مسرعاً بعض المرات ولكن لحاجة، وكثير من الناس اليوم يقومون بعد الصلاة دون هذه التسبيحات، يقول: (ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً، ويحمده عشراً، ويكبر عشراً فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان) هذا بالنسبة لبعد الصلاة، خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.

стр. 6491

الذكر عند النوم الذكر عند النوم: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين، قال في فضلها عند النوم: (إذا أخذ مضجعه يكبر أربعاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويسبحه ثلاثاً وثلاثين فتلك مائة باللسان وألف في الميزان) يكرر سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، صاروا ستة وستين، والله أكبر أربعاً وثلاثين صاروا مائة باللسان، لكن في الميزان ألف، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفان وخمسمائة سيئة؟ يعني: عندك الآن ألف وخمسمائة ترتبت بعد الصلوات وألف قبل النوم هذه ألفان وخمسمائة حسنة، فهذه كافية لأن تكفر ألفان وخمسمائة سيئة، فمن الذي يعمل في اليوم ألفان وخمسمائة سيئة، وهذه في الحساب.

стр. 6492

صلاة الضحى وما تجلبه من أجر قال النبي ﷺ في شأن صلاة الضحى وهي من الصلوات النافلة: (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة) والسلامى هو عظم المفاصل، فكم في الإنسان من مفصل؟ فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً في الإنسان، كل مفصل من هذه المفاصل له حق ينبغي عليك أداؤه، يجب أن تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: تأتي في اليوم بثلاثمائة وستين صدقة: (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة) فمن أين نأتي بهذه الصدقات؟ قال: (فله بكل صلاة صدقة، وصيام صدقة، وحج صدقة، وتسبيح صدقة، وتكبير صدقة وتحميد صدقة) فلو قال شخص: أنا ما أظمن أن آتي بثلاثمائة وستين صدقة عن المفاصل، قال: (ويجزئ عن أحدكم من ذلك ركعتا الضحى). ووقت صلاة الضحى من بعد ارتفاع الشمس إلى قبيل صلاة الظهر، وأفضل وقتٍ لها حين ترمض الفصال ويشتد الحر، ويرفع البعير رجليه عن الأرض لاشتداد الحر، فتجده يرفع ويضع، فهذه صلاة الأوابين. وصلاة الضحى تصلى ركعتان اثنتان أو أربعاً وثمان، فصلها على أي عدد وردت فيه السنة، فهو يجزئ عن ثلاثمائة وستين صدقة في اليوم. وأما في شأن الصلاة عموماً قال النبي ﵊: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله له بها حسنة، وحط عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود) فهذا فضل السجود في أي صلاة.

стр. 6493

ما ورد في الصيام من أجر أما الصيام الذي له باب مخصوص وهو باب الريان، فمنه ما هو فرض معروف أجره، وهو صيام رمضان، ومنه ما هو نفل ورد ذكر أجره في الأحاديث الصحيحة، وصيام النفل مراتب: فهناك صيام عرفة، وصيام عاشوراء، والأيام البيض، والإثنين والخميس، والأيام الأخرى التي لم ينه عنها إذا صامها يكون له أجرٌ عظيم. قال النبي ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً) وفي رواية: (باعد الله وجهه من جهنم سبعين عاما) وفي رواية: (باعد الله عنه جهنم مسيرة مائة عام) وكلها أحاديث صحيحة. أما يوم عرفة -ونحن مقبلون عليه- وصيامه لغير الحاج؛ لأن الحاج له شيء آخر، فأجر الحاج في عرفة شيء آخر، ويكفي أن الله يباهي بهم الملائكة، فلا يستحب له الصوم؛ لأنه يستعين بقوته في الحج وأعمال الحج وأعمال عرفة، أما المقيم فإنه يصوم، قال ﵊: (صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة) وقال ﷺ : (صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) فصيام عرفة أعظم من صيام عاشوراء، وفي كل أجر. وبعض الناس لا يكتفي بأن يصوم، بل يريد أجراً إضافياً، وبعض الناس لا يستطيع أن يصوم لمرضٍ مثلاً ويريد أجر صائم فلم تحرمه الشريعة، ولم يحرمه الله الرحيم الرءوف من الأجر، فقال ﵊: (من فطر صائماً فله مثل أجره) من فطره فأشبعه فله مثل أجره، فلو دعا عدداً من الصائمين، ففطرهم فله مثل أجورهم، مع أنه هو واحد لكن حصل أجوراً عن صائمين، لا ينقص من أجر الصائم شيء ولا من أجر المفطر شيء فله مثل أجره.

стр. 6494

ما ورد في فضل الحج والعمرة أما الحج والعمرة فإنهما من سبيل الله، الحاج والمعتمر وفد الله دعاهم إلى البيت العتيق فأجابوه، وإذا سألوه أعطاهم، والحج والعمرة فيها عدد من الأعمال: إحرام وسفر وتلبية وطواف وسعي وحلق الشعر، وفي الحج أيضاً وقوف بـ عرفة ورمي وذبح، وكلها فيها أجر. وانظر إلى التلبية مثلاً: قال النبي ﷺ : (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجرٍ أو شجر أو مدر -الطين اليابس- حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا) عن اليمين وعن الشمال. أما الطواف فقد قال النبي ﷺ : (من طاف بهذا البيت أسبوعاً -يعني: سبعة أشواط- فأحصاه كان كعتق رقبة لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حط الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة). يقول بعض الناس: نحن نذهب في رمضان إلى العمرة ونأتي بالعمرة فهل نأتي بعمرة أخرى؟ نقول: لا، المشروع لك أن تأتي بعمرة في السفرة الواحدة، يقول: فماذا نفعل إذا بقينا في مكة؟ افعل أشياء كثيرة من الطاعات والحسنات؛ لأن مكة المكان فاضل يضاعف لك فيه الأجر، ثم إنك تطوف في البيت سبعة وتصلي ركعتين في كل طوافٍ، وسبعة أشواط ليست عمرة، بل هو طواف نفل، فكل طواف سبعة ثم سبعة ثم سبعة، كل طواف له ركعتان، يكتب لك بها هذا الأجر (من طاف بهذا البيت أسبوعاً فأحصاه كان كعتق رقبة) كل طواف نفل مثل عتق رقبة. وأما استلام الحجر الأسود في الطواف وما أدراك ما استلامه! يقول النبي ﵊: (والله ليبعثنه الله يوم القيامة -يعني: الحجر الأسود- له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق) رواه الترمذي وهو حديث صحيح. وقال النبي ﷺ : (ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما -والله على كل شيء قدير- ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق) (وفي مسحه هو والركن اليماني ياقوتتان من يواقيت الجنة -كما في الحديث الصحيح- طمس الله نورهما، ولو أن نورهم لم يطمس لأخذ الأبصار) وقال ﷺ فيما رواه الإمام أحمد: (إن مسح الحجر الأسود والركن اليماني يحطان الخطايا حطاً). أما أجر أعمال الحج وثواب الحج، فقد جاء عند الطبراني بسندٍ حسنٍ عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال لأحد الصحابة: (أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة). وأما وقوفك بعرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: (هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً غبراً من كل فجٍ عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عال -صحراء رملها كثير- أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك) وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، فلم يذكر أجره. وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.

стр. 6495

قراءة القرآن وما فيها من أجر وأما كتاب الله فإن تلاوته من أعظم أبواب الخير ومن أجلِّ الأعمال الصالحة، فإنه كلامه سبحانه، والله قد امتدح الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة، والذين يذكرون الله وأعظم الذكر قراءة القرآن، الذي يُكتب له بكل حرف عشر حسنات، والحسنة بعشر أمثالها (لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) ومع كثرة التلاوة تكثر الحسنات، فيقول النبي ﵊ في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي وغيره: (يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حله -لصاحب القرآن- فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب! ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارق ويزاد بكل آية حسنة) كل الآيات التي قرأها في الدنيا يرقى بها مراتب ويزاد حسنات في الآخرة. وسجود التلاوة ترغيم للشيطان، قال النبي ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار) رواه مسلم.

стр. 6496

ذكر الله وما لفاعله من عطايا جزيلة وبعد قراءة القرآن يكون ذكر الله تعالى من الدعاء والاستغفار والتحميد والتهليل والتكبير والتسبيح والاسترجاع، يقول النبي ﷺ في فضل التسبيح: (أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟! يسبح الله مائة تسبيحة فيكتب الله له بها ألف حسنة، ويحط عنه بها ألف خطيئة) رواه مسلم. وقال النبي ﷺ في فضل الأربعة: (إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فمن قال: سبحان الله كتبت له عشرون حسنة، وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين من قبل نفسه خالصاً لله كتبت له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون خطيئة). وأما التهليل: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، من قالها في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر -كأنما أعتق عشراً- رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل عملاً أكثر من ذلك). وأما إذا قال في الصبح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كان له عتق رقبة من ولد إسماعيل، وكتبت له بها عشر حسنات، وحط بها عنه عشر سيئات ورفع له بها عشر درجات، وكان في حرزٍ من الشيطان حتى يمسي وإذا قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح). وأما الصلاة على النبي ﷺ فهي من أجل الأذكار وأعظم ما يشتغل به، حتى إن الله يكفي العبد إذا جعل دعاءه صلاة على النبي ﵊ من الهم والغم، ويبلغ الله هذه الصلاة لنبيه بملكٍ مخصوص، قال النبي ﵊ في الحديث الحسن: (إن الله تعالى وكل ملكاً أعطاه سمع العباد، فليس من أحدٍ يصلي علي إلا أبلغنيها، وإني سألت ربي ألا يصلي علي عبدٌ صلاة إلا صلى عليه عشر أمثالها) ﷺ .

стр. 6497

حِلق الذكر والفضل الوارد لمرتاديها ومن أعظم العبادات وأبواب الطاعات الباقيات الصالحات: حلق الذكر. نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، وأن يجعلنا من المكتوبين فيمن يذكرهم ، قال النبي ﵊: (لأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قومٍ يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة) رواه أبو داود. وإذا كان مجلس علم وذكر ما قام أهله إلا وقد قالت لهم الملائكة: (قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات). وإذا كان مجلس العلم في مسجد النبي ﵊ فأنعم به من أجر، قال ﵊: (من جاء مسجدي هذا) الناس إذا راحوا المدينة يقولون: ماذا نفعل في المدينة، لنذهب إلى الحرم؟ يقول النبي ﵊: (من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك -ينظر إلى المنقوشات والزخارف- فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره) فالنية هي التي ترفع صاحبها. أما مسجد قباء فيقول النبي ﵊: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان له كأجر عمرة). وتعليم العلم ممن يعلمه قربة عظيمة وفضل كبير، قال ﷺ : (من علم علماً فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل) والدلالة على الخير أياً كان هذا الخير من الباقيات الصالحات، قال ﷺ : (من دل على خيرٍ فله مثل أجر فاعله) والذي يدل الناس على حلق العلم ويدل الناس على العلماء، أو أعطيته رقم هاتف عالم يتصل به، والذي يدل الناس على سبيلٍ وطريقة ييسر لهم بها أمر الحج فله أجر.

стр. 6498

الجهاد وفضل المجاهدين في سبيل الله ولا شك أن من أعظم القرب الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد فيه إراقة دماء وذهاب أموال وتيتم أطفال وترمل النسوة، فقد جاء فيه من الأجر العظيم ما تواردت به الآيات والأحاديث، وهي الصفقة التي عقدها الله مع المجاهدين في أعظم كتابٍ وفي أعظم كتب: التوراة والإنجيل والقرآن: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] وجعل الثمن الجنة، وجعل ما يقدم لنيل الجنة الأنفس والأموال، وقال النبي ﷺ في أجر المجاهد: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة) (ومن سأل الله القتل في سبيل الله من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نكب نكبةً فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراجاً في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء) رواه أحمد والثلاثة وابن حبان والحديث صحيح. وقال النبي ﷺ مبيناً أجر الوقوف في ساحة المعركة: (موقف ساعة في سبيل الله خيرٌ من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) وقال ﵊: (مُقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل من عبادة ستين سنة) رواه الطبراني وهو حديث صحيح. وأما الرباط والسهر لحراسة المسلمين في الثغور التي هي متاخمة لبلاد العدو الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر ويريدون الإيقاع بهم والإغارة عليهم، فقد قال النبي ﵊: (من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان له كأجر صيام شهرٍ وقيامه، ومن مات مرابطاً جرى له مثل ذلك من الأجر في قبره -لا ينقطع العمل بل يجري عليه- وأجري عليه الرزق وأمن الفتان) الذي يكون في القبر. أما الرمي في سبيل الله فقد قال ﷺ : (أيما مسلم رمى بسهمٍ في سبيل الله فبلغ مخطئاً أو مصيباً فله من الأجر كرقبة أعتقها من ولد إسماعيل) هذه الرمية الواحدة؛ سهم رصاصة قذيفة صاروخ.

стр. 6499

فضل تجهيز المجاهدين والاستعداد للغزو والإعداد للجهاد واحتباس الفرس استعداداً للمعركة إذا قامت، قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والبخاري: (من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، كان شبعه وريه وروثه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة). وقد يتعذر على بعض الناس الجهاد أو لا يجدون سبيلاً للجهاد وهم يتوقون للجهاد وللاستشهاد، فلهذه النفوس المتحرقة للجهاد والاستشهاد الطامعة في بلوغ منازل الشهداء لا يحرمهم الله من الأجر إذا كانوا صادقين، قال النبي ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدقه بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ولذلك من المستحبات في الدعاء أن نسأل الله القتل في سبيل الله، اللهم اجعل قتلتنا في سبيلك يا رب العالمين، اللهم اجعلنا شهداء في سبيلك يا أرحم الراحمين. وأما الذين يجهزون الغزاة وينفقون على جيوش المسلمين ويتصدقون لدعم المجاهدين فقد قال النبي ﷺ عن أجرهم: (من جهز غازياً في سبيل الله كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الغازي شيئاً) يحتاج إلى تذكرة سفر وإلى ملابس وإلى عتاد وسلاح، فهو يزوده بما يحتاج فيكون له مثل أجره. وعندما يخرج الغازي من بلده ويترك زوجة وأولاداً، ماذا له؟ لما شجع الإسلام على الجهاد جعل في إخلاف الغازي في أهله أجراً، فالذي يرعى له أهله وأولاده في غيبته قال النبي ﷺ عنه: (أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير) يعني: حتى لو نمى له ماله، مجاهد عنده مال فهو ينميه له والمجاهد غائب، وخلفه في أهله، أي: يتفقد أحوالهم وينفق عليهم ويقضي حوائجهم: (كان له مثل نصف أجر الخارج) فما بالك لو خلف اثنين أو ثلاثة؟! رواه الإمام مسلم.

стр. 6500

كفالة الأيتام والسعي على الأرامل ومن أنواع الجهاد: كفالة الأيتام والسعي على الأرامل، فهذا المجتمع يموت فيه الرجال ويخلفون أيتاماً وأرامل، وهذه الشريعة تكفل وتحمس الناس على رعاية الضياع؛ والضياع هم الأيتام، قال النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم كهاتين) (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) يكفل اليتيم ويسعى على الأرملة (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين) من قربه من النبي ﵊.

стр. 6501

فضل رعاية البنات ومن الباقيات الصالحات وأبواب الخير رعاية البنات، والله : ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] يعني: يعطيه إناثاًَ وذكوراً، هذا القسم الثالث: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٥٠] لا إناث ولا ذكور وهو القسم الرابع، والنفوس قد تتسخط البنات، لما في البنت من النفقة عليها وهي لا تساعد؛ لأنها ضعيفة تحتاج إلى رعاية وقد يلحق به عارٌ بسببها، فقد تأنف النفوس البنات وتكره البنات، لكن لا يجوز في الشريعة تسخط البنات، فهذا عطاء الله. ورعاية البنات فيه أجر عظيم، قال النبي ﷺ : (من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته) يعني: من ماله، فكساهن مما عنده ومما أعطاه الله (كن له حجاباً من النار يوم القيامة) فهو يصبر عليهن، يعني: يربيهن على الشريعة، ويتعاهدهن في الصلوات والصيام والزكاة، ويتعاهدهن في أمور العبادات والطاعات والتخلق بالأخلاق الحسنة ويتعاهدهن بالحجاب والعفة.

стр. 6502

الأخوة الإيمانية وفضل المحافظة عليها أما الأخوة وهي العبادة العظيمة والوشيجة بين المؤمنين فينبغي أن نكون كما في الحديث: (كونوا عباد الله إخوانا) والأخوة لها حقوق وواجبات ومستحبات وآداب. فمما تتضمنه الأخوة الزيارة في الله، يقول النبي ﵊ في فضل الزيارة في الله: (زار رجلٌ أخاً له في قرية فأرصد الله له ملكاً على مدرجته -في طريقه- فقال: أين تريد؟ قال: أخاً لي في هذه القرية، فقال: هل له عليك من نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحبه في الله، قال: فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته) رواه أحمد ومسلم. فبمجرد الالتقاء بالإخوان والمصافحة؛ ووضع سطح اليد في سطح اليد لله، يأخذ بيده لا يأخذها إلا لله، فيه أجر عظيم، فانتبه يا من تفرط في المصافحة أو لا تصافح، بعضهم يسلم عليك برءوس أصابعه، يقول النبي ﵊: (ما من مسلمين يلتقيان فيسلم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذ بيده إلا لله فلا يفترقان حتى يغفر لهما) وقال ﷺ : (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتحركا). وقد يمرض الأخ المسلم فزيارته فيها أجر مضاعف أكثر من أجر زيارة الأخ العادي غير المريض، قال النبي ﷺ : (من زار أخاه المسلم) تعرفه أو لا تعرفه، مادام مسلماً فهو أخوك (عائداً مشى في خرافة الجنة حتى يجلس) أي: ثمر الجنة وجني الجنة (فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة) أي: زاره في الصباح (صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) وقال ﵊: (ما من مسلمٍ يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) ثمر في الجنة. وقد يموت فيكون في غسله أجر، وتكفينه أجر، والصلاة عليه أجر، واتباع جنازته أجر؛ أما غسله فيقول الرسول ﵊: (من غسَّل ميتاً فستره ستره الله من الذنوب، ومن كفنه كساه الله من السندس) وهو حرير الجنة، رواه الطبراني وهو حديث حسن. واتباع جنازته يقول ﷺ فيه: (من تبع جنازةً حتى يصلى عليها ويفرغ منها فله قيراطان، ومن تبعها حتى يصلى عليها) فقط دون اتباعها إلى المقبرة (فله قيراط، والذي نفس محمدٍ بيده لهو أثقل في ميزانه من أحد) وهذا القيراط من قيراطي الذي يتبعها حتى تدفن ويفرغ منها ويهال عليها التراب أثقل في ميزانه من جبل أحد، فكم وزن الجبل؟!! وقد يُغتاب أخوك المسلم في مجلس ويوقع فيه، فما هي مسئوليتك؟ يقول النبي ﵊: (من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) وقال: (من رد عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار) فإذا وقعوا فيه لا تسكت، يجب أن تتكلم، فيرد الله عنك النار بدفاعك عن أخيك المسلم، وذبك عن عرضه، وإسكاتك للذي يغتاب. وإلقاء السلام على المسلمين فيه أجر، قال ﷺ : (السلام اسم من أسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مر بقومٍ فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجةٍ بتذكيره إياهم السلام) إذا مر بقومٍ فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام. والآن نحن نعلم أن الذي يقول: وعليكم السلام له عشرة، ورحمة الله له عشرون، وبركاته له ثلاثون، فما للمُسَلِّم الذي سلّم؟ بعض الناس يعرف أجر رد السلام لكن لا يعرف أجر المسلِّم، في هذا الحديث: (إذا مر بقومٍ فسلم عليهم فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة -زيادة- بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه -فبعض الناس تسلم عليه فلا يرد عليك، فتحزن، لكن إذا علمت الأجر الذي لك لا تحزن- رد عليه من هم خيرٌ منهم وأطيب من خلق الله من الملائكة) فلا تحزن إذا لم يردوا عليك، فقد رد عليك من هو خيرٌ منهم وأطيب. والناس في المجتمع يحتاج بعضهم إلى بعض، وقد تنزل فاقة بأحدهم ويحتاج أن يستلف، وقد يقولون: الآن لا أحد يسلفنا، فهذه بنوك الربا ليس إلا هي، فنقول: الشريعة جعلت بدل الربا حسناتٍ كثيرة لمن يسلف أخاه المسلم أو يدينه، ويقرضه، بل لمن ينظره إذا حل الأجل ولم يستطع الوفاء، قال ﵊: (من أنظر معسراً فله بكل يومٍ مثله صدقة، قبل أن يحل الدين) يعني: سلفه المال إلى آخر السنة ففي كل يوم صدقة (فإذا حل الدين فأنظره) يعني: جاء آخر السنة فلم يوفه، فأمهله أيضاً (فله بكل يومٍ مثلاه صدقة).

стр. 6503

إماطة الأذى عن الطريق وإماطة الأذى عن الطريق وهي مسألة قد يستحقرها كثير من الناس ويأنف منها أو يتركها، قال ﵊ في أجر ذلك: (مر رجل على غصن شجرة في الطريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأُدخل الجنة) رواه مسلم، وقال ﷺ فيما رواه مسلم أيضاً: (لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس). وحتى قتل الوزغ -هذا الحيوان الكريه- الذي كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇، وهو يخرج في أيام الحر قتله صدقة، قال ﵊: (من قتل وزغة في أول ضربة كتب له مائة حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة) رواه مسلم ﵀. والذين لهم بساتين أو حدائق أو مزارع أو يزرعون في بيوتهم إذا قصدوا وجه الله بزراعتهم وما قصدوا إضاعة المال ولا قصدوا المباهاة والمفاخرة وإنما زرعوا لله، يقول ﵊: (ما من مسلم يغرس غرساً) وهذا الحديث يشجع على غرس الأشجار، ويشجع على البذر والرعاية للزرع: (ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أُكل منه له صدقة، وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطيور فهو له صدقة، ولا يرزأه أحد -يعني: ينقص منه- كان له صدقة) رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه.

стр. 6504

مجموعة من الأجور الدائمة بعد الموت وقد جاء في الشريعة أبواب كثيرة للخير، فمنها: الأشياء التي تنفع الإنسان بعد موته، والصدقات الجارية، ومن ذلك ما ذكره النبي ﷺ بقوله: (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه) أقرأ واحداً وعلمه القرآن (أو مسجداً بناه) ولو كان صغيراً (أو بيتاً لابن السبيل بناه) يعني: على قارعة طريق السفر ينزل فيه المسافرون مجاناً (أو نهراً أجراه) يشرب منه المسلمون (أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته) وهذه أنواع الصدقات الجارية التي يجري ثوابها لابن آدم في قبره. وهذه طائفة من الأعمال الصالحة وغيرها كثير مما ذكر أجره في النصوص ومما لم يذكر أجره وحثت عليه الشريعة، لقد صنف العلماء في هذا مصنفات، فمن ذلك: كتب الترغيب والترهيب ككتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀، ومما صنف في هذا الحافظ المقدسي في كتاب فضائل الأعمال، ومما صنف في ذلك أيضاً الدمياطي ﵀ في المتجر الرابح أو في ثواب العمل الصالح، ولا تكاد تجد مصنفاً من مصنفات العلماء المحدثين إلا وتجد أبواباً في أعمال الخير وثوابه، وكل هذا مما تحث به الشريعة على فعل الخيرات، وعمل الصالحات وهن الباقيات للإنسان بعد رحيله من هذه الدنيا. فنسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأن يضاعف لنا الأجور، وأن يعلي لنا الدرجات، ونسأله أن يجعل في حياتنا عوناً لنا على طاعته، وأن يجعل أعمارنا مملوءة بذكره وشكره وحسن عبادته، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6505

الأسئلة

стр. 6506

حكم السحب على الجائزة الموجودة في بعض البقالات السؤال يوجد في بعض البقالات سحب على المشتروات وأرقام توزع لمن اشترى بمبلغ معين أو لمن اشترى أي سلعة، فما حكم ذلك؟ الجواب كما ذكرنا سابقاً أن هذا نوع من أنواع الميسر، فهو حرام، أي لا يجوز، أي محل يقول لك: اشتر مني وأعطيك رقماً سواء سلعة أو بمبلغ معين أعطيك رقماً ثم يجرى عليه السحب ويعطى جوائز فهو ميسر، فلا يجوز، وفيه أضرار كثيرة: من ذلك إغراء الناس بشراء أشياء لا يحتاجون إليها، وهذا الذي يدفع مبلغاً ثم قد يأخذ وقد لا يأخذ وقد يكسب وقد لا يكسب وقد يربح وقد لا يربح، فهذه مقامرة محرمة لا تجوز. أما إذا جعل لكل شخص يشتري هذه السلعة يعطى الهدية الفلانية المعينة فهذا جائز، وليس فيه مقامرة وإنما هو هدية معينة معروفة لمن يشتري السلعة الفلانية.

стр. 6507

صفة قيام الليل السؤال ما هي صفة قيام الليل؟ الجواب قيام الليل له صفات كثيرة من أفضلها مثنى مثنى ويوتر بواحدة، ويكون عددها إحدى عشرة ركعة، فهذه أفضل كيفية لصلاة الليل، وسواء سردها أو أنه قام ثم نام ثم قام وأكمل، فهو أيضاً طيب.

стр. 6508

كيفية قضاء الصوم لمن لا يعلم عدد الأيام التي أفطرها السؤال أفطرت في بعض أيام رمضان منذ عدة سنوات ولا أدري كم عدد الأيام؟ الجواب اعمل بما يغلب على ظنك، فتقدرها تقديراً واقضها وأطعم مسكيناً عن كل يوم، ويدخل التأخير إذا كان مضى عليها أكثر من سنة.

стр. 6509

صفة المسكين السؤال ما صفة المسكين؟ الجواب الفقير الذي لا يجد أي شيء، والمسكين الذي يجد بعض الشيء: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] لكن لا يكفيهم دخلهم وما يأتيهم من السفينة لذا سماهم الله مساكين، فقد يكون لا يعمل وما عنده مصدر أبداً، وقد يكون عنده مصدر لكن لا يكفي، فإذا كان لا يكفي فهو مسكين، أما من ليس عنده مصدر أصلاً فهو فقير.

стр. 6510

ما يفعله من يضحي عن آخر السؤال شخص يريد أن يضحي عن ميت بموجب وصية هل يمسك عن الشعر والأظفار؟ الجواب لا؛ لأنه مجرد منفذ في المال عن الميت، وهو منفذ وصية ليس المال منه ولا الأضحية أضحيته، فهو لا يمسك، فهو مجرد وكيل أو منفذ، أما إذا تبرع من ماله عن ميت فيلزمه أن يمسك، أو ضحى هو فيلزمه أن يمسك عن الشعر والأظفار.

стр. 6511

ما تفعله من تريد أن تضحي السؤال هل المرأة التي تريد أن تضحي تتزين وتتجمل لزوجها وتتعطر؟ الجواب نعم؛ لأنها ممنوعة عن الشعر والأظفار والبشرة فقط، لكن أخذ الجلد، أو القشور والبقية فلا بأس.

стр. 6512

حكم الجماع لمن أراد أن يضحي السؤال ما حكم الجماع لمن أراد أن يضحي؟ الجواب لا بأس من ذلك، وليس بممنوع.

стр. 6513

حكم تساقط الشعر غير المتعمد لمن أراد أن يضحي السؤال امرأة تريد أن تضحي ولكنها حائض وطهرت أثناء العشر وهي تعلم أنها إذا اغتسلت سيتساقط بعض الشعر؟ الجواب لا حرج عليها؛ لأنها ليست بمتعمدة وقاصدة لتساقط الشعر وإنما لابد من الغسل لأجل الصلاة، ولذلك لا حرج عليها.

стр. 6514

استعمال الصابون المعطر لمن يريد الأضحية السؤال ما حكم استعمال الصابون المعطر والشامبو لمن أراد أن يضحي؟ الجواب لا بأس به.

стр. 6515

حكم زيارة المرأة لقبر النبي ﷺ السؤال ورد في الحديث النهي عن زيارة القبور للنساء، فما حكم زيارتها لقبر النبي ﷺ ؟ الجواب قال أهل العلم: إذا كانت في المسجد النبوي فمرت بالقبر سلمت وإلا لا تتقصد القبر، فإذا كان طريقها من هناك تسلم وتمشي.
следующие страницы →