Полный текст (7 040 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
إعطاء الزكاة للأقارب
السؤال
هل يجوز أن أعطي كل زكاة الأموال إلى أختي دائماً؟
الجواب
إذا كانت فقيرة، فلا يجوز أن يحابى الأقرباء بالزكاة، وتجد بعض الناس يحابون أقرباءهم بالزكاة، يعني: يكون وضع القريب هذا وسطاً، وعنده ما يكفيه، وعنده سكن ولبس وأكل، وليس عليه ديون مطالب بها، فيقول: أعطيه زكاتي، لماذا؟ يقول: حالته ميسورة، إذاً: أنت باعترافك تقول: أنها ميسورة، فكيف يستحق الزكاة؟ وإذا قال: حالته ضعيفة، نقول: صف لي حالته الضعيفة هذه؟ عنده سكن؟ نعم، عنده طعام ولباس وحاجته؟ وعنده الأشياء الضرورية في البيت كالمكيف والثلاجة في البلاد الحارة؟ نعم، نعم، نعم، إذاً بأي حق يأخذ؟ فلا يجوز أن يحابى بالزكاة قريب، وتعطى للفقير الحقيقي، وإذا كان القريب فقيراً؛ يكون فيها أجران.
стр. 667
من رأى هلال رمضان وحده
السؤال
من رأى هلال رمضان وحده، هل يجب عليه الصيام؟
الجواب
نعم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
стр. 668
نذر الطاعة
السؤال
نذرت أن أقوم الليل؟
الجواب
هذا من نذر الطاعة، فيجب عليه أن يفي به، فإن عجز عنه قضاه، وإن لم يقض فعليه كفارة يمين.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 669
طالب العلم والمنهج
العلم الشرعي يدل على الله ، ويقود إلى معرفته وخشيته والعلم بشريعته، ولأجل هذا كان الحث على طلب العلم، وفي هذا الدرس بيان للقواعد التي تيسر لطالب العلم الطلب، وتهديه إلى الطريقة الصحيحة والمنهج السوي.
стр. 670
فضل العلم وأهله
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فأحمد الله الذي لا إله إلا هو، أحمد الله الذي برأ الخليقة، وأشهد أهل العلم على خير حقيقة، فقال : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨].
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد سيد الأنبياء والمرسلين القائل: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، هو صاحب السنة الذي قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).
وبعد: أيها الإخوة! فإن أشرف ما صرفت فيه الأوقات طلب العلم، ذلك أن العلم الشرعي يدل على الله ، ويقود إلى معرفته وخشيته، والعلم بشريعته، ولأجل ذلك كان أفضل الناس بعد الأنبياء هم العلماء، وهم ورثة الأنبياء، والعلم مراتب، وطلاب العلم لهم من هذا الشرف نصيب ولا شك، ولأجل هذا فإن الحث على طلب العلم أمر مهم، وهذا العلم بحر غزير، ومن أجل ذلك كان لابد من معرفة القواعد التي تيسر لطالب العلم الطلب، وتهديه إلى الطريقة الصحيحة والمنهج السوي، إذا إن الكثيرين يتحمسون لطلب العلم، ولكنهم قد لا يعرفون المنهج الصحيح في طلبه.
وقد سبق أن تكلمنا في محاضرة بعنوان: (كيف نتحمس لطلب العلم؟) عن مسألة الدوافع والحماس والحوافز، ووعدنا بأن نتكلم في محاضرة أخرى عن المنهجية في طلب العلم، وهاهي ذي هذه المحاضرة بعنوان: (طالب العلم والمنهج) أسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يجعلنا وإياكم على السنة هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
ليس كل مريد للحق يصيبه، فكم من أناس أرادوا الحق فلم يصيبوه، والكلام في مسألة المنهجية لا تصلح لمثلي؛ لأن الذي يريد أن يتكلم في المنهج لابد أن يكون من أهل العلم الراسخين فيه، ولكني استعنت بالله ، ولجأت إلى كتب أهل العلم لأنقل منها كثيراً من القواعد التي تحدد المنهج في الطلب، فرجعت في هذه المحاضرة إلى كلام العلماء المتقدمين، مثل كلام الإمام أحمد ﵀ وابن رجب والذهبي وابن مفلح وابن القيم وابن الجوزي وغيرهم من أصحاب الكتب المصنفة في هذا الموضوع، مثل الخطيب البغدادي ﵀.
ولجأت إلى بعض أهل العلم الموجودين الآن كالشيخ عبد العزيز بن باز وغيره من العلماء وطلاب العلم الكبار؛ لأجل استخراج الضوابط والقواعد في هذا المنهج، فما أصبت فمن الله، وما أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل العروة الوثقى المتمسكين بالسنة والحريصين على طلب العلم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
стр. 671
ضوابط ومعالم في طلب العلم
أما المنهج في طلب العلم فإن له شُعب كثيرة، وقواعد متعددة، فمن هذه الأمور:
стр. 672
معرفة المنهج الذي ينبغي طلبه
أولاً: معرفة ما هو العلم الذي ينبغي طلبه؟ قال ابن رجب ﵀ في تعريف العلم الذي يطلب، في شرح حديث: (إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) قال: فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، ثم يجتهد في فهم ذلك، والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق لذلك؛ إن كان من الأمور العلمية -لأن كثيراً من الأحاديث تضمنت أموراً علمية اعتقادية، وليست أعمال جوارح- وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيع من الأوامر، واجتناب ما يُنهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك.
ثم قال رحمه الله تعالى: أما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ، وما يفسره من السنة الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها، وتفهمها، والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة والزهد والرقائق وغير ذلك.
وهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين، وفي معرفة هذا شُغل شاغل عن التشاغل بما أُحدث من الرأي مما لا ينتفع به:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خُلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذراً من التأويل والتشبيه
واعلموا -رحمكم الله- أن من العلم ما يكون من صلب العلم، ومنه ما يكون من ملح العلم وأطرافه، ومنه ما ليس بعلم أصلاً، فالذي شرحناه قبل قليل هو من كلام ابن رجب ﵀ هو طلب العلم، وأما ملح العلم فسيأتي أشياء منه، ولكن في العموم ليس هو من الأشياء الأساسية، وإنما أطراف وفوائد ونكت، فهذا يكون في الدرجة الثانية، ومنه ما ليس بعلم أصلاً، كالسعي لمعرفة أحكام العبادات التي لم يخبر الشرع عن الحكمة فيها، مثل أن يقول الإنسان: أريد أن أبحث لماذا عدد ركعات صلاة الظهر أربع ركعات؟! وعدد ركعات صلاة المغرب ثلاث ركعات؟! وعدد ركعات صلاة الفجر ركعتين؟! ما هي الحكمة؟! أو لماذا اختص الصيام بالنهار دون الليل؟! لماذا اختص الحج بالرمي والوقوف بـ عرفة ومزدلفة؟! وقد يزعم بعض الناس حكماً لا تكون من مقاصد الشارع أصلاً.
قال الشاطبي ﵀ مضيفاً -أيضاً- في هذا التقسيم في الأشياء التي ليست من العلم، أو أن الإنشغال ببعض الملح يصيرها أشياء غير نافعة، فتفوت على الإنسان خيراً كثيراً، وأشياء من الأساسيات، فمما ضربه رحمه الله تعالى من الأمثلة جمع طرق للحديث التي لا داعي لها.
فحديث متواتر يأتي فيجمع طرقه لأي شيء وقد بين العلماء أنه متواتر وذكروا طرقه، كما قال حمزة الكناني: خرَّجتُ حديثاً واحداً عن النبي ﷺ من نحو مائتي طريق، فداخلني في ذلك الفرح، فنمت فرأيت في النوم يحيى بن معين، فسألته عن هذا؟ ففكر ساعة ثم أجابني، وقال: أظن أنه يدخل تحت قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١].
نحن لا نعتمد على الرؤى في العلم فهي ليست علماً، ولا يجوز الحكم على الأشياء من خلال الرؤى والمنامات، لكن الرؤى إذا وافقت الكتاب والسنة فيستأنس بها، فمن الأشياء التي ليست بعلم أصلاً، ما يراه الإنسان في الرؤى والمنامات، ولذلك الصوفية من ضلالهم أنهم يعتمدون على الرؤى والمنامات في إثبات العلم، يقولون: هذا علم أصيل، رأيت في المنام حدثني قلبي عن ربي، وهكذا.
стр. 673
من التكلف الخوض في مسائل لا ينبني عليها عمل
ومن المنهج في طلب العلم، أن كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه، فالعلم منه ما هو ضروري، ومنه ما هو حاجي، ومنه ما هو تحسيني، ومنه ما ليس بعلم أصلاً كما ذكرنا.
ولذلك لما سألوا: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩] ما هو سؤالهم؟ قالوا: لماذا يكون الهلال في أول الشهر خيطاً رفيعاً، ثم يمتلأ فيصير بدراً في منتصف الشهر، ثم يعود إلى حالته الأولى؟ فصرفهم الله عن هذا الشيء الذي لا ينبني عليه عمل إلى الشيء الذي ينبني عليه عمل، فقال لهم: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فأعرض عما لا يفيد عملاً للمكلف إلى شيء يفيد عملاً، فقال: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩].
ولما سأل أعرابي النبي ﷺ ، فقال: متى الساعة؟ هذا لا يفيد، والله اختص بمعرفته، فبماذا أجاب ﵊؟ (ما أعددت لها؟).
ولما جاء صبيغ بن عسل يشوش ويسأل في مجالس العامة: ما هي المرسلات؟ ما هي السابحات؟ فأمسك به عمر فضربه حتى أدماه، ثم نفاه حتى تاب.
فكل مسألة لا ينبني عليها عمل ولا عقيدة، فتركها واجب: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) مثل الاشتغال بمعرفة الحروف المقطعة، ولذلك قال الشاطبي ﵀: كل علم لا يفيد عملاً -سواء كان عمل قلب أو عمل جوارح- فليس في الشرع ما يدل على استحسانه.
стр. 674
ترك الغرائب والشواذ
ومن القواعد في المنهج أيضاً، ترك الغرائب والشواذ، قال الأكرم: سأل رجل أبا عبد الله -الإمام أحمد - عن حديث؟ فقال أبو عبد الله: الله المستعان! تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم! وقال الحسن بن محمد: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن أحاديث غرائب؟ فقال: شيء غريب! أي شيء يرجى به؟! يطلب الرجل ما يزيد في أمر دينه، وقال: شر الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها ولا يُعتمد عليها.
وقال النخعي: "كانوا يكرهون غريب الحديث".
وقال علي بن الحسين: "العلم ما تواطأت عليه الألسن".
ما اشتهر بين العلماء، هذا هو العلم، أما أن تأتي بالغرائب والشواذ؛ فهذا خطأ في منهج طلب العلم.
ولذلك فإن بعض الشباب إذا أقبلوا على القراءة أحياناً، فقرءوا -مثلاً- في كتاب صحيح الجامع، يجعلون قراءتهم فيه، ويقولون: نطلب العلم، فقد يمر بحديث منسوخ، أو حديث في متنه نظر، أو حديث خالف قواعد وأصول أخرى، فيعتمدونه، ولذلك يحصل عندهم من الأخطاء شيء كثير، ثم يجادلون به أهل العلم، فيضيعون الأوقات من أعمارهم وأعمار غيرهم.
стр. 675
حقيقة طالب العلم
قبل أن نكمل مسألة الضوابط ومعالم المنهج، لابد أن نعرج على مسألة؛ لأن سياق الحديث قد يتغير عند بحث هذه المسألة، وهذه القضية هي: عندما نقول: طالب العلم والمنهج، فمن هو طالب العلم الذي نقصده؟ وهل كل الناس يصلحون أن يكونوا طلبة علم؟ والحال التي نعيش فيها نحن اليوم، وتركيبة المجتمع، وهذه الوظائف الموجودة وغير ذلك، هل هي تمكن الناس فعلاً أن يكونوا طلبة علم؟
стр. 676
هل كل الناس يصلحون لطلب العلم
أيها الإخوة! إن الناظر في الواقع لابد أن يعرف ويخرج بنتيجة واضحة وهي: أن الناس جلهم لا يمكن أن يكونوا طلبة علم.
فهناك اختلافات في السنة والوظيفة والدراسة منهم من يدرس الطب والهندسة، ومنهم من يدرس الشريعة، وحتى في الذكاء والفطنة والرغبة والميول يتفاوتون، وفي التفرغ منهم من يكون عزباً دوامه قصير، أو جدوله قليل، ومنهم من يكون صاحب أسرة وأولاد وعمله طويل، وقد يعمل عملاً إضافياً، وقد يعمل بالليل والنهار، وهذه القيود من التفرغ والتخصص والميول والتفاوت في القدرات العقلية، لابد أن تلجئنا إلى شيء مهم جداً لابد أن نعترف به عند الخوض في هذه القضية، من الناس من هو عامل، ومنهم من هو مهندس، ومنهم من يشتغل بالدعوة إلى الله، ومنهم من هو منشغل بأمر نفسه.
وحتى البلاد تختلف، فمن البلاد من يكون فيها علماء، ومن البلاد ما لا يكون فيها علماء، ومن البلاد من فيها عالم في فن واحد، ومنها ما فيها عالم في عدة فنون، ومن البلاد ما يكون فيها جامعات شرعية إسلامية، ومن البلدان والقرى ما لا يكون فيها جامعات شرعية، ومن البلاد ما يكون فيها دروس في المساجد، ومن البلاد ما ليس فيها دروس في المساجد.
ولذلك لابد أن نقرر -وهذا الكلام مهم جداً- أن هناك فرقاً عظيماً بين المتفرغ لطلب العلم وغير المتفرغ، المتفرغ لطلب العلم الذي دراسته شرعية، وعنده أهلية واستعدادات، وبين الإنسان المنشغل الذي يدرس قضية أخرى، قد يدرس في الهندسة أو الطب، أو يدرس في علوم خارجة عن الشريعة متنوعة، لاشك أن هذا الرجل المنشغل بأشياء أخرى يصعب عليه أن يكون طالب علم.
نحن لا ننفي ولا نقول: لا يمكن للطبيب وللمهندس أن يكون طالب علم! لا، وهذا خطأ، والذين يقولون: أي طبيب أو مهندس يدخل في نقاشات علمية هذا متطفل، هؤلاء أناس مخطئون عندهم غلو في القضية.
نعم.
إن غالب المهندسين والأطباء ليسوا طلبة علم، ولا يصلحون أن يكونوا طلبة علم بوضعهم الحالي، فطلب العلم يحتاج إلى جهد كبير، ووقت عظيم، ولا يمكن لإنسان يداوم من الساعة السابعة صباحاً إلى الرابعة عصراً أن ينجح في طلب العلم، ويكون طالب علم قوي، إلا ندرة من الناس عندهم استعدادات غير طبيعية، وهؤلاء الأشخاص ليسوا موضع البحث الآن.
لكن الذي نريد أن نقوله: إن الذي يظن أن هؤلاء العمال والأطباء والمهندسين يمكن أن يكونوا طلبة علم جيدين إنسان مخطئ، ومتفائل تفاؤلاً خاطئاً، والذي يظن أن الأطباء والمهندسين لا يمكن أن يخرج منهم طلبة علم جيدين، فهو مخطئ أيضاً لأن الناس طاقات.
ثم يجب أن نقرر أن الاتجاه ليكون الإٍنسان عالماً، هذا يكون لندرة من الناس الذين يكونون علماء من الذي تتوفر عنده الهمة والداعي والحافز والحفظ والتقوى والفطنة والذكاء وسعة البال، لكي يحفظ ويُقبل ويُفكر ويستنبط ويرجح، وفي النهاية الذي يستطيع أن يصل إلى هذه المرتبة؟ هم قلة من الناس، لكن هذا لا يمنع من المحاولة لمن وجد في نفسه الأهلية للطلب الجيد.
стр. 677
حاجة المسلمين إلى تخصصات كثيرة
لابد أن نقول: إننا لا نريد من جميع المسلمين أن يكونوا طلبة علم أقوياء أو يكونوا علماء، لأننا نحتاج إلى أطباء ومهندسين وعمال وصناع، ونحتاج إلى خبراء في الجهاد والسلاح، فالمسلمون يحتاجون إلى تخصصات كثيرة، فليس المقصود الآن هو دفع المسلمين كلهم لأن يكونوا طلبة علم أو علماء.
وإنما لابد أن نركز على قضية، وهي: أن فئات المسلمين مهما اختلفت، وأفراد المسلمين مهما اختلفوا، فلابد أن يكون عندهم حد أدنى، ولابد أن يعرفوا أشياء أساسية عن الإسلام، هذا دينهم الذي يدينون الله به، وهذه عباداتهم التي يعبدون الله بها، فلابد أن يكون عندهم علم عن الأساسيات.
وهذا الكلام مهم لبعض الناس الذين يشتتون أنفسهم في التخصصات الشرعية وغير الشرعية، فلا يحسنون في هذا ولا في هذا، لأن التخصص غير الشرعي يحتاج إلى متابعة، وتنمية مهارات، واطلاع، ويحتاج إلى معرفة ما جد فيه من قراءة الدوريات والأبحاث الجديدة، مثل أدوية جديدة، وطرق جديدة في الصناعة، فهل يستطيع أن يجمع بين هذه الأشياء وما استجد فيها، وبين العلوم الشرعية التي هي بحر زخار؟ لاشك أنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا ندرة من الناس، وهذه قضية واقعية، وهذا الواقع يفرض نفسه، ويجب ألا يغيب عن بالنا.
стр. 678
التفريق بين المتخصص وغير المتخصص في طلب العلم
هناك نقطة أخرى ألا وهي: التفريق بين المتخصص وغير المتخصص، هناك أناس اتجهوا للعلم منذ نعومة أظفارهم، ودرسوا في المعاهد العلمية ثم الكليات الشرعية مثلاً، هؤلاء أناس أهليتهم لطلب العلم وتمكنهم أكثر من أناس درسوا في الثانويات العلمية تخصص علمي، ودخلوا جامعة علمية في علمٍ من العلوم الدنيوية، هؤلاء لاشك أنهم سيكونون أقل استطاعة وأقل قدرة على أن يكونوا طلبة علم أقوياء، ليس في ذلك شك ولا جدال وهذه قضية مفروغ منها، لكن لا يمنع ذلك أن يجتهد الجميع في تحصيل ما يمكنهم من العلم.
إنما الفرق الذي سيظهر في الجدول في المنهج الذي سيسلكه المتفرغ وغير المتفرغ، المتخصص في التخصصات الشرعية الحريص، وبين غير المتخصص الذي لا يمكنه، الفرق سيكون في الاتجاه في درجة الطلب والآلات المستخدمة، وهنا سيكون هناك فرق كبير في هذا.
ولذلك نضيف أيضاً فنقول: أن طلب العلم ليس حكراً على أصحاب التخصصات الشرعية، فليس طلب العلم حكراً على أصحاب كليات الشريعة أو أصول الدين ونحو ذلك، وإنما هو مفتوح لكل من كان عنده أهلية طلب العلم بطريقه الصحيح ومنهجه السوي.
ونريد من وراء هذا الكلام أن نصل إلى أن العلم الشرعي ليس فوضى يتطفل عليه من شاء، فيأتي فلكي ويدخل في العلم الشرعي، ويرجح بين أقوال المفسرين، وهذا ما وجدناه عند كثيرٍ ممن اشتغلوا بقضية الإعجاز العلمي اشتغالاً فارغاً منحرفاً، وهم ما عندهم علم بلغة العرب، ولا بأساليب العرب، ولا بقواعد التفسير، ولا بكلام العلماء، ثم يدخلون في الآيات ويقولون: الراجح فيها كذا، هذا كشف العلم عنه الآن، فيا ويلهم! مما يريدون أن يوقعوا فيه الأمة، ويقعوا هم على رءوسهم.
فمجال العلم الشرعي مجال ضخم عميق، هذا دين من عند رب العالمين، لا هو فيزياء ولا كيمياء ولا طب ولا تجارب بشرية، هذا دين، والذي يريد أن يدخل في هذا الدين لابد أن يكون أهلاً للدخول.
ولذلك فإن العلم الشرعي ليس فوضى يدخل فيه كل من هب ودب، ويرجح بين الأقوال كل من هب ودب، ويستنبط من النصوص كل من هب ودب، هذه قضية ينبغي أن يؤكد عليها وأن تعرف، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.
стр. 679
طلب العلم مع العمل في مهنة
وطلب العلم لا يمنع أن يكون الإنسان عنده مهنة، فقد وجدنا من العلماء من كان بزازاً يبيع أقمشة، أو بائع خضار وبقول، أو يصلح الساعات، مادام وجد الاستعداد والأهلية والمنهج الصحيح، لا يمنع أن يكون بائع خضار ويطلب العلم.
والذي لا يستطيع أن يكون طالب علم تجيد طبيعة عمله أو منطقته، أو قدراته وحفظه وفهمه، فهذا الإنسان نقول له: لا يمكن أن تترك الدين وتترك الطلب، لكن طلباً يناسب حالك، فمثلاً: يحضر المحاضرات العامة الإسلامية، والدروس التي تناسب مستواه إن وجدت، يقرأ في كتب الثقافة الإسلامية العامة، ويسأل أهل العلم ويحاول معرفة الدليل لكي يعبد الله على بصيرة، ويقلد العالم إذا كان عامياً، مذهب العالم مذهب مفتيه، ثم إن هذا الشخص لن يشتغل بعلوم الآلة لن يدرس المصطلح، ولا أصول الفقه، ولا اللغة، ولا قواعد التفسير، ولا علم البيان والبديع والبلاغة دراسة قوية، هذا غير المتخصص الذي لا يكون طالب علم على المنهج، هذا الشخص له وضع خاص ينبغي أن يعرف شأنه وحاله.
فهذا -مثلاً- إذا أراد أن يدرس الفقه لا مانع أن يدرس الفقه، ويقرأ في الفقه، لكن كيف يفعل؟ إنه مثلاً يتعلم العبادات؛ لأنه يحتاج إليها، لكنه لا يقرأ في أبواب القضاء والبينات، ومسائل الطلاق الفرعية، والمسائل والقواعد الفقهية، والدعاوى والإقرار والشهادة، هذه أبواب ليست له، هذه الأبواب لطلبة العلم المتخصصين والعلماء.
ولذلك فإن كثيراً من الذين لا يدركون حالهم ويعرفون قدرهم، يريدون ركوب السلم بالمقلوب، أو يريدون تحصيل الأشياء الكبيرة، وليس عندهم قدرة، فيتردون على رءوسهم، هذا الشخص يعرف أشياء عن العبادات من أجل أن يعبد الله، يعرف أشياء عن فقه الصلاة والزكاة والصيام والحج، لا مانع أن يتعلم من النحو شيئاً يقوم به لسانه، يدفع الجهل عن نفسه، يتعلم من دين الله ما يستطيع، لكن هذا الشخص لا يخطط له أن ينقل العلم إلى غيره، بمعنى أن يصبح معلم علم شرعي، يمكن أن ينقل فتوى لآخر، يقول: أنا سألت فلاناً من المشايخ، وقال لي كذا، وأنا أنقل الفتوى إليك.
لكن يتبوأ حلقة علمية يوماً من الأيام في مسجد من المساجد فهذا لا يُتوقع له ذلك، وكما قلنا: هذا لا يشتغل بعلم الآلة بالمصطلح والأصول والنحو ونحو ذلك.
وكما قلنا: نحن لا نطالب الجميع بأن يكونوا طلبة علم حقيقيين؛ لأن الأمة تحتاج إلى طاقات أخرى كثيرة، وطلب العلم الحقيقي لا يحصل إلا للشخص المتفرغ المجد، لا يحصل للذين يعطون للعلم فضول الأوقات، ليس الأطباء والمهندسون والموظفون في مجملهم يمكن أن يسلكوا طريق العلم القوي، ونحن لا نريد أن نخدع هؤلاء، ونقول لهم: بإمكانكم أن تكونوا علماء ابدءوا، لا فهذا من عدم النصيحة.
وإنما نقول له: يا أخي! هذا وضعك وظرفك، وهذه طاقاتك وقدراتك، ينبغي أن تسلك سبيلاً للتعرف فيه على دين الله، وتعرف أكبر ما يمكنك أن تعرفه، تعرف الأشياء التي لابد أن تعرفها من أحكام الصلاة والطهارة والزكاة والصيام والحج إذا أردت أن تحج، والنكاح إذا أردت أن تنكح، والبيع إذا أردت أن تبيع.
والناس في نقص من عهد النبي ﷺ إلى الآن تتناقص البركة في كل شيء، ويتناقص الحفظ، ويتناقص العمق في الفهم، وتتناقص أشياء كثيرة: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) الآن الذين يريدون أن يكونوا علماء أقوياء هم قلة وندرة من البشر.
وهذا العلم يقبض، ولابد أن نسعى في نشره وتحصيله، ونحن نعرف حقيقة أنفسنا وقدراتنا الذاتية، نحن نبين لهذا غير المتفرغ، نقول: أنت على خير إن شاء الله، وتمسك بالدين وربي نفسك عليه وأهلك وأولادك، وادعُ إلى الله على بصيرة، واطلب من العلم ما تستطيع طلبه، واسأل أهل العلم، وقلد العالم واستفته، واسمع الأشرطة، واقرأ بعض الكتب المبسطة، ولا بأس أن تقرأ بعض المتون البسيطة، لكن لا نكلفك بحفظ المتون، اقرأ متوناً بسيطة مع شروحاتها مثلاً، واقرأ بعض كتب التفسير، هذا شيء مطلوب منك، وبعض شروحات العقيدة المبسطة، وبعض كتب الحديث، واطلع على رياض الصالحين مثلاً، واقرأ في كتب الفتاوى للعلماء، وافهم فتاوى العلماء، وخذ رسائل وأبحاث صغيرة في مسائل متفرقة، في صفة الصلاة وكيفية الأضحية، أو بحثاً في صلاة الاستخارة وخذ حاشية لـ كتاب التوحيد مبسطة، مثل حاشية الشيخ ابن القاسم مثلاً، اقرأ في الكتب المبسطة لا مانع، والأشياء التي تشكل عليك اسأل عنها.
والشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀، لما رأى تدني مستوى العلم عند الناس؛ لجأ إلى تبسيط كثير من العلوم، ووضع كتباً جيدة تصلح أن يقرأها العامة.
ونقول لهذا الشخص الطبيب أو المهندس غير المتفرغ لطلب العلم: اقرأ أبحاثاً في العقيدة، مثلاً سلسلة الشيخ عمر الأشقر، بعضها يصلح لأن يقرأ فيها، وخذ أشياء تتعلق بفقه الدعوة، ولابد أن تقرأ في السيرة والأخلاق لكي تتكامل الشخصية، وإذا وجدت دروساً احرص على حضورها، لكن لو كان هناك درس في أصول الفقه لا يصلح أن تحضره، إذا لم يكن عندك استعداد أو أهلية، يحضر درس في التفسير أو في السيرة أو في الفقه يحتاج إليه، نعم.
ونقول له: أنت إذا درست الفقه مثلاً، لا تحتاج أن تواصل بعد العبادات في المعاملات، وتذهب في الجنايات والشهادات، وأحكام العتق والمدبر ونحو ذلك من الأمور، التي لا تحتاج إليها أصلاً.
غير المتفرغ -كما قلنا- لن يتخصص في علوم الآلة في المصطلح والنحو والأصول وقواعد التفسير، لكن يحتاج أن يعرف اصطلاحات العلماء، ما هو الواجب والمكروه والمباح والمستحب والمحرم؟ ولا يشترط له أن يسير في الفقه على ترتيب منهجي يلتزم به بالضرورة، ولكن إذا احتاج أن ينكح سأل وقرأ في أحكام النكاح، وإذا احتاج أن يبيع سأل وقرأ في أحكام البيوع وهكذا، ينتهز الإجازات ويأخذ حضه من العزلة، توفر له الوقت يعكف على سماع أو قراءة؛ لأنه ليس طالب علم متفرغ، لابد أن نقدر المسألة حق قدرها.
موظف عنده ثمان ساعات عمل، وعمله لا علاقة له بالأمور الشرعية، كله لغة إنجليزية، أو أشياء تقنية، وتكنولوجيات، وأدوية، وغالب وجوده يمكن أن يكون مع أناس غير مسلمين، وتخصصه غير شرعي لا يمت للشريعة بصلة، وهو كذلك يقضي أنفس أوقات اليوم من الساعة السابعة صباحاً حتى الرابعة عصراً في هذا العمل في أعمال كهربائية، وأعمال هندسية، وأعمال طبية، وعقله وجسده يستنفذ في هذه الأشياء، والعلم ضخم يحتاج إلى تفرغ يحتاج إلى طاقات رهيبة ولذلك يصعب ولا يمكن.
وليس من الواقع أن نقول: نريد منك أن تكون طالب علم قوي، لكن الذي يريد أن يعد نفسه من البداية لأن يكون طالب علم في المستقبل، هب أنه تعذر عليك أن تكون طالب علم قوي، لكن تريد ذلك من ولدك، إذاً لابد من قواعد المنهج في طلب العلم أن تحسن البداية، وحسن البداية يقود إلى حسن النهاية.
стр. 680
القواعد المنهجية في طلب العلم
والبداية في منهج طلب العلم، قال الإمام أحمد ﵀: والذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم ما لابد له منه في صلاته وإقامة عينه، وأقل ما يجب على الرجل المسلم من تعلم القرآن فاتحة الكتاب، وحفظ القرآن مستحب، وضبط جميع القرآن واجب على الكفاية؛ لأن الأمة لابد أن يوجد فيها أناس يُعلِّمون الأجيال القرآن قراءة صحيحة.
فإذاً لو كان عندك ولد صغير ترجو أن يكون له شأن في المستقبل، فلابد أن تشرع في تحفيظه القرآن، قال الميموني: سألت أبا عبد الله: أيهما أحب إليك أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟ قال: لا، بالقرآن، قلت: أعلمه كله؟ قال: إلا أن يعسر فتعلمه منه -نعم تعلم القرآن كله لولدك، لكن إذا عسر على الولد علمه منه، ابدأ بالأجزاء الصغيرة واليسيرة- ثم قال لي: إذا قرأ أولاًً تعود القراءة ثم لزمها، واستمرت معه قراءة القرآن فلا تغيب عنه، وطالب العلم أول ما يشتغل لاشك بحفظ كتاب الله، والذي يبدأ غير هذه البداية؛ فإنه منكوس.
أما ما ورد عن ابن المبارك ﵀، أنه قال: إن العلم يقدم على نفل القرآن.
فمقصوده أن العلم الذي يتعين على صاحبه أن يعمله، يقدم على حفظ أجزاء من القرآن، فلو أن واحداً ليس بحافظ للقرآن، لكنه لا يعرف ما هي واجبات الصلاة، ولا أركان الصلاة، وجاءنا قال: أنا حفظت مثلاً جزء عم، هل أشرع في جزء تبارك أو أدرس أحكام الصلاة؟ نقول: ادرس أحكام الصلاة هذا علم يتعين عليك معرفته، يقدم على نفل القرآن، لكن إذا جئت من الأصل ومن الصغر فعليك البدء بحفظ القرآن، وهذا هو فعل العلماء، ما تقرأ في سيرة عالم من المشاهير إلا تجد في ترجمته: قرأ القرآن، وحفظه وهو ابن ثمان سنين أو عشر سنين أو اثنتي عشر سنة، قرأه على فلان، بدأ بما يشبه المدرسة، حلقة شيخ وأول شيء يحفظه القرآن، ويقرئه القرآن قراءة سليمة.
هناك فرق بين القراءة السليمة وبين الحفظ، هو يحفظ لكن مع الحفظ الإنسان لا يستطيع أن يحفظ القرآن كله بسرعة، فهو يحفظ ويقرأ قراءة سليمة، فلابد أن طالب العلم أو الولد في صغره يدرس في القرآن أمرين مهمين جداً: أولاً: يبدأ بحفظ القرآن.
ثانياً: يقرأ القرآن قراءة سليمة، كلمات مضبوطة ضبطاً صحيحاً، لابد من هذين الأمرين: الشروع في حفظ القرآن، وقراءة القرآن كله على شيخ قراءة سليمة.
وأما الذين يكسرون ويخبطون في القرآن، وينطقون بالآيات على غير ما أنزلها الله ، فلاشك أن هؤلاء جهلوا جهلاً عظيماً، ثم يريدون بعد ذلك أن ينتقلوا بعد ذلك إلى التصحيح والتضعيف في الأحاديث هذا هراء.
أما بالنسبة لغير المتفرغ في هذه المسألة، فإن الأمر كما نقلنا عن الإمام أحمد ﵀ عندما سئل هل طلب العلم فريضة؟ قال: نعم، لأمر دينك وما تحتاج إليه من أن ينبغي أن تعلمه، وقال: يجب عليه أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، ولا يفرط في ذلك، وقال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لابد له من طلبه، قلت: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه ونحو ذلك.
وقال في طلب العلم الواجب: ما يقيم به دينه من الصلاة والزكاة وذكر شرائع الإسلام، فقال: ينبغي أن يتعلم ذلك.
стр. 681
تعلم القرآن وحفظه أولاً
قال الإمام أحمد ﵀: والذي يجب على الإنسان من تعليم القرآن والعلم ما لابد له منه في صلاته وإقامة عينه، وأقل ما يجب على الرجل المسلم من تعلم القرآن فاتحة الكتاب، وحفظ القرآن مستحب، وضبط جميع القرآن واجب على الكفاية؛ لأن الأمة لابد أن يوجد فيها أناس يُعلِّمون الأجيال القرآن تعليماً صحيحاً.
إذاً: لو كان عندك ولد صغير ترجو أن يكون له شأن في المستقبل، فلابد أن تشرع في تحفيظه القرآن، قال الميموني: سألت أبا عبد الله: أيهما أحب إليك: أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟ قال: لا، بالقرآن، قلت: أعلمه كله؟ قال: نعم.
إلا أن يعسر فتعلمه منه.
ثم قال لي: إذا قرأ أولاًً تعود القراءة ثم لزمها، واستمرت معه قراءة القرآن فلا تغيب عنه.
وطالب العلم أول ما يشتغل -لاشك- بحفظ كتاب الله، والذي يبدأ غير هذه البداية؛ فإنه منكوس.
أما ما ورد عن ابن المبارك ﵀، أنه قال: إن العلم يقدم على نفل القرآن.
فمقصوده: أن العلم الذي يتعين على صاحبه أن يعمله، يقدم على حفظ أجزاء من القرآن، فلو أن إنساناً غير حافظ للقرآن، لكنه لا يعرف ما هي واجبات الصلاة، ولا أركان الصلاة، وجاءنا قال: أنا حفظت -مثلاً- جزء عم، هل أشرع في جزء تبارك أو أدرس أحكام الصلاة؟ نقول: ادرس أحكام الصلاة هذا علم يتعين عليك معرفته، يقدم على نفل القرآن، لكن إذا جئت من الأصل ومن الصغر فعليك البدء بحفظ القرآن، وهذا هو فعل العلماء، لا تقرأ في سيرة عالم من المشاهير إلا وتجد في ترجمته: قرأ القرآن وحفظه وهو ابن ثمان سنين أو عشر سنين أو اثنتي عشر سنة، قرأه على فلان هناك فرق بين القراءة السليمة وبين الحفظ يحفظ لكنه مع الحفظ لا يستطيع أن يحفظ القرآن كله بسرعة، فهو يحفظ ويقرأ قراءة سليمة، فلابد أن طالب العلم أو الولد في صغره يدرس في القرآن أمرين مهمين جداً: أولاً: يبدأ بحفظ القرآن.
ثانياً: يقرأ القرآن قراءة سليمة، وينطق الكلمات والحروف منطقاً صحيحاً.
وأما الذين يُكسِّرون ويخبطون في القرآن، وينطقون الآيات على غير ما أنزلها الله ، فلاشك أن هؤلاء جهلوا جهلاً عظيماً، ثم يريدون بعد ذلك أن ينتقلوا بعد ذلك إلى التصحيح والتضعيف في الأحاديث، وهذا هراء.
أما بالنسبة لغير المتفرغ في هذه المسألة، فإن الأمر -كما نقلنا- عن الإمام أحمد ﵀ عندما سئل: هل طلب العلم فريضة؟ قال: نعم، لأمر دينك وما تحتاج إليه مما ينبغي أن تعلمه.
وقال: يجب عليه أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه، ولا يفرط في ذلك.
وقال: الفرض الذي يجب عليه في نفسه لابد له من طلبه، قلت: مثل أي شيء؟ قال: الذي لا يسعه جهله، صلاته وصيامه ونحو ذلك.
وقال في طلب العلم الواجب: ما يقيم به دينه من الصلاة والزكاة وذكر شرائع الإسلام، فقال: ينبغي أن يتعلم ذلك.
стр. 682
التزام الآداب في حلقة العلم
أما بالنسبة لطالب العلم، فإن من قواعد المنهج التي يسير عليها طالب العلم ما ذكره الخطيب البغدادي ﵀ في كتاب الفقيه والمتفقه -كتاب عظيم- قال: باب في ترتيب أحوال المبتدئ بالتفقه، وذكر آداباً وأشياء، منها ما قد يكون أدباً لكن يدخل في المنهج، عن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أول العلم: الصمت.
والثاني: حسن السؤال.
والثالث: حسن الاستماع.
والرابع: حسن الحفظ.
والخامس: نشره عند أهله.
وقال الأصمعي: قال الخليل: حين أردت النحو أتيت الحلقة -حلقة العلم- فجلست سنة لا أتكلم، إنما أسمع، فلما كانت السنة الثانية نظرت، فلما كانت السنة الثالثة تدبرت، فلما كانت السنة الرابعة سألت وتكلمت.
هذه المنهجية المفقودة عند كثير من الشباب اليوم.
стр. 683
التدرج في طلب العلم
ثم قال الخطيب ﵀: ويلازم حضور المجلس، واستماع الدرس، وإذا مضى له برهة في الحضور وأنس بما سمع، سأل الفقيه أن يملي عليه من أول الكتاب شيئاً، ويكتبُ ما يملي، ثم يعتزل وينظر فيه -يذهب إلى زاوية المسجد إلى البيت ينظر فيما كتب- فإذا فهمه انصرف وطالعه وكرر مطالعته حتى يعلق يذهبه، فإذا حضر المجلس؛ سأل الفقيه أن يستمع منه -يقول: سمع لي- ويذكر له من حفظه، ثم يسأل الفقيه إملاء ما بعده -يقول: هات شيئاً جديداً أنا أحسنت وأتقنت الأول، هات دفعة جديدة- ويصنع فيه كصنيعه فيما تقدم.
قال: ولا ينبغي أن يستفهم من الفقيه -أي: الشيخ العالم- حكم الفصل الذي يذكره له قبل أن يتم الفقيه ذكره، فربما وقع له النسيان عند انتهاء الكلام، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه:١١٤] انتظر يا محمد! ﷺ ، إذا تكلم جبريل انصت يا محمد! ﷺ حتى ينتهي جبريل مما عنده، فإن انتهى كلام الفقيه، ولم يبن له الحكم، سأله عنه حينئذٍ، (فإنما شفاء العي السؤال) ويستعرض جميعه كلما مضت له مدة -أي: المراجعة- ولا يغفل ذلك، فقد كان بعض العلماء إذا علم إنساناً مسألة من العلم سأله عنها بعد مدة، فإن وجده قد حفظها علم أنه محب للعلم، فأقبل عليه وزاده، وإن لم يره حفظها، وقال المتعلم: كنت قد حفظتها ونسيتها، أو قال: كتبتها فأضعتها إذا كان هذا الذي وجه به أعرض عنه ولم يعلمه قال: أنت لم تضبط الأولى فكيف تضبط الثانية، اذهب واضبط الأولى أولاً.
والسبب في التدرج وأهمية التدرج أن هذا العلم صعب، وهذا الدين متين، كما قال النبي ﷺ : (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق) فلابد في المنهجية في طلب العلم من التدرج، أما أن يهجم الإنسان على العلم هجوماً، يريد أخذه بجميع أطرافه فلا يمكن، وسيسقط ويفشل، والدليل: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق).
ولذلك فإن من القواعد: الأخذ قليلاً قليلاً، وهذه وصية من عالم لمتفقه، قال له: تعلم كل يوم ثلاث مسائل، ولا تزد عليها شيئاً حتى يتفق لك شيء من العلم، فتعلم.
هذا الرجل تعلم على هذه الطريقة ثلاثة مسائل في اليوم، ولزم الحلقة حتى فقه، فكان الناس يشيرون إليه بالأصابع.
وينبغي للمتفقه أن يتثبت في الأخذ ولا يكثر، بل يأخذ قليلاً قليلاً، حسب ما يحتمل حفظه، والناس يختلفون في الحفظ والاستيعاب يأخذ قليلاً قليلاً، فإن الله تعالى قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢].
إذاً لابد من التدرج، والأخذ قليلاً قليلاً.
والذين يتركون التدرج في طلب العلم هناك أسباب من أجلها يتركون التدرج، فمن ذلك: ١ - محبة الاشتهار والأخذ هذا أخذ كثير هذا يجلس في ثلاث حلق، ويدرس عند أربعة مشايخ وهكذا.
٢ - الاشتغال بطلب العلم عند الكبر، مثلاً: رجل يطلب العلم وعمره متقدم، فتقول له: تعال نعلمك بدائيات العلم، ونبدأ معك من البداية بالعلم الشرعي، تراه يأنف ويقول: أنا أجلس مع الصغار والأطفال، تريد أن تعلمني مثلما يتعلم الأطفال! لا.
أعطني من الذي فوق، لماذا تبدأ من الأسفل؟ فهذا يستنكف، فهذا من أسباب ترك التدرج، أنه لا يبدأ بالاهتمام بالعلم الشرعي إلا في سنٍ متأخرة.
٣ - الطوارق المزعجة، والهموم المشغلة، وتقسم الأفكار، فهذا مستعجل يريد أن ينتهي من الكتاب، يقول: خلص هذا الكتاب يا شيخ! نحن الآن لنا سنوات في هذا الكتاب، وأنت لم تنتقل من الأبواب الأولى فهذه آفات الاستعجال تمنع التدرج في طلب العلم.
стр. 684
مراعاة الأولويات في طلب العلم
وكذلك من أسس منهج طلب العلم: مراعاة الأولويات، قال ابن الجوزي ﵀: على طالب العلم أن ينظر فيما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير، وإن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسناً، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل، وأفضل ما تُشوغل به حفظ القرآن، ثم الفقه، وما بعد هذا بمنزلة تابع.
وقال عن الأولويات أمام قصر العمر وكثرة العلم: فيبتدأ بالقرآن وحفظه، وينظر في تفسيره نظراً متوسطاً -لاحظ ما يقول: أريد أن أجمع تفسير الآيات من ابن كثير والبغوي والقرطبي وزاد المسير وتفسير المحيط وكتاب الشوكاني فتح القدير وأضواء البيان، لا إنما يبدأ الإنسان عندما يبدأ في التفسير بتفسير مبسط، يأخذ على سبيل المثال تفسير السعدي، وينهي تفسيراً متوسطاً كـ تفسير ابن كثير.
قال: "لا يخفى عليه بذلك منه شيء".
يعرف معاني كلام الله، يأتي على القرآن في تفسيرٍ متوسط لا يجمع الأقوال، فليست الآن قضية جمع أقوال، واشتغال بدقائق الأشياء التي في الآية، خذ لك تفسيراً متوسطاً على قراءة تضبطها، وأشياء من النحو وكتب السنة، ابتداءً بأصول الحديث، من حيث النقل كالصحاح والمسانيد والسنن، ومن حيث علم الحديث بعد ذلك هذا، كمعرفة الضعفاء، والأسماء، فلينظر في أصول ذلك، وقد رتب العلماء من ذلك ما يستغني به الطالب عن التعب، ولينظر في التواريخ ليعرف ما لا يستغني عنه، كنسب الرسول ﷺ وأقاربه وزوجاته وما جرى له، ويأخذ فكرة عن السيرة، ثم يقبل على الفقه، فينظر في المذاهب والخلاف، وليكن اعتماده على مسائل الخلاف، فلينظر في المسألة وما تحتوي عليه، فيطلبه من مضانه، كتفسير آية وحديث ومعنى كلمة، ويتشاغل بأصول الفقه والفرائض، هذا المنهج في الجملة، لكن الأولويات في التفصيل تختلف وقال ﵀: ورأينا في هذا الزمان من اشتغل بالحديث جمعاً وتصحيحاً وغريباً وطرقاً، ولكنه مقصر في حفظ القرآن الكريم، وهذه الآفة انتشرت بين كثير ممن يريدون طلب العلم في هذا الزمان، فتراهم يتجهون على الحديث مباشرة، هات المصطلح تقريب التهذيب رجال الإسناد ابحث في تاريخ الوفيات، من تلاميذه ومن شيوخه؟! إذاً متصل، صحح وضعف وحقق ونشر كتباً، وهذا من أكبر الأخطاء، ولو سألته عن جزء عم، لا يجيده؛ لأن السبب هو إهمال حفظ كتاب الله.
قال أبو زرعة: كتب إلي أبو ثور، فقال: فإن هذا الحديث قد رواه ثمانية وتسعون رجلاً عن النبي ﷺ ، والذي صح منه طرق يسيرة، فالتشاغل بغير ما صح يمنع التشاغل بما هو أهم، ولو اتسع العمر كان استيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية الجودة، لكن العمر قصير.
стр. 685
تلقي العلم عن المشايخ
ومن الأشياء المهمة في المنهج: أن يُتلقى العلم عن شيخ ما أمكن ذلك ولابد؛ لأن هذه هي طريقة سلف الأمة وعلمائها، والشيخ الذي تتلقى عنه العلم لابد أن يكون قد تلقاه عن علماء، لهم سند موصول، ويكون حسن العقيدة، يعمل بما يعلم، ويتأسى بالسنة، هذا من ناحية منهج الشيخ.
وأما الاعتماد على الكتب، والذي يظن أنه سيكون طالب علم نجيب من الكتب، فهو مخطئ، صحيح أنه قد يحصل على علم، لكن لا يكون طالب علم بالمعنى الحقيقي على الكتب، وهذه قضية اضطرارية، ربما وجد في بلد لا يوجد فيها علماء ولا مشايخ، ماذا يفعل؟ هل يقول: مادام لا يوجد علماء لا أطلب علم؟ لا، اقرأ في الكتب الميسرة، أنت في أمريكا اتصل على عالم، قل له: يا شيخ! أنا أعيش في جزيرة كلها كفرة، ماذا أفعل في طلب العلم؟ وماذا تنصحني أن اقرأ؟ يعطيك بعض الكتب اقرأ فيها، يشكل عليك شيء تتصل وتسأل، هذا المتيسر بالنسبة لك، أما من يظن أنه سيكون طالب علم حقيقي بناءً على الكتب، فهذا بالتأكيد مخطئ، وهذا شيء قد بينه أهل العلم، فقال قائلهم:
يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهمٍ لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيَّرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليك حتى تصير أضل من تُومَ الحكيم
والعلماء كانوا يوصون بالأخذ عن أهل السنة، وترك أهل الرفض وأهل الاعتزال، وأهل الكلام والمتفلسفين، أو أخذ العلم عن الصحف، خذ العلم عن عالم تلقاه عن مشايخ ثني الركب تأدب بالأدب، لكن كما قلنا ونعيد: هذا الآن مع فشو الجهل في العالم الإسلامي فضلاً عن غيره، قد لا يتيسر وجود علماء، قد نسافر نعم، لكن كثيراً من الشباب لا يستطيعون السفر بسبب ارتباطهم بدراسة أو بوظيفة، إذاً: يستغل الإجازات قد يأتي العالم إلى المنطقة فيلقي دروساً، قد يكون هناك طالب علم، الأمثل فالأمثل، طويلب علم، أقران تدرس معهم وتقرأ قراءة جماعية، أما أن تعتزل وتغلق على نفسك لوحدك، فهذا يؤدي إلى أخطار في الفهم.
أيها الإخوة! نحن نعيش في حالة فوضى في كل شيء، فمن ضمن التأخر والتقهقر الذي ابتلينا به: التقهقر والتأخر في العلم، منذ زمن كانت البلد مثلاً فيها حلق علم، هذه حلق للمبتدئين، وهذه حلق للمتوسطين، وهذه حلق للمتقدمين، وهذا الشيخ متخصص في المبتدئين يعلمهم الأشياء البدائية، ينتقلون إلى شيخ آخر -مثلاً- إذا صاروا في مرحلة التوسط، ثم إلى شيخ آخر في المرحلة المتقدمة، أو نفس الشيخ والعالم يكون عنده حلقة للمبتدئين، وحلقة للمتوسطين، وحلقة للمتقدمين، كان هناك تكامل في البلد نفسها، الآن على أحسن الأحوال قد يوجد في بعض البلدان أو الأماكن والمدن حلق منتشرة كثيرة، لكن ليس هناك حلق متخصصة تخرج مبتدئين إلى حلقة بعدها للمتوسطين إلى حلقة بعدها للمتقدمين مع الأسف! فلابد أن يسعى إلى إيجاد هذا، وهذا من مسئوليات أهل الاختصاص من القائمين على أمور الدعوة والعلم، والجهات المسئولة عن نشر العلم، لابد أن توجد حلق للمبتدئين، وحلق للمتوسطين، وحلق للمتقدمين.
أما أن الشباب يظهرون هكذا، يأخذون قائمة حلقة المشايخ، أين نذهب اليوم؟ شرح صحيح البخاري، أين نذهب اليوم؟ تفسير.
أين نذهب اليوم؟ نحو فرائض! من أولها هكذا يشتغلون، وهذا يدمر عليهم أشياء كثيرة، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ كان له حلق للمبتدئين والمتقدمين، كان إذا رأى طالباً جاء من حلقة المبتدئين وحضر في موعد حلقة المتقدمين، فأول ما يراه يطرده، لأن وجوده هنا يضره، وذلك: أولاً: أنه لا يستطيع أن يفهم.
ثانياً: قد يتباهى، ويقول: أنا حضرت مع المستوى الممتاز، وهذا يضر إخلاصه وقلبه، فلذلك يجب القضاء على الفوضويات وترتيب الدروس بناءً على المستويات، لابد أن تكون هناك منهجية في الطلب، وإحياء سنة المتقدمين.
стр. 686
تحذيرات منهجية عند الأخذ عن المشايخ
وبالنسبة للأخذ عن المشايخ، هناك أشياء منهجية في الأخذ عن المشايخ والتحذيرات، فمن تلك التحذيرات: أن بعض المبتدئين يريد من الشيخ أن يذكر له كل شيء من زبد وفروع ودقائق المسألة الواحدة، أول ما يقرأ يقول: أعطني كل شيء، جميع أوجه الخلاف، هات لي كل النكت والفوائد التي فيها، فهو يريد أن يكون مبتدئاً ومنتهياً في الوقت نفسه، وهذا مستحيل ومحال، وقد يطلب من الشيخ تدريس كتاب معين ليس في مستواه، يأتي مجموعة إلى الشيخ يقولون: يا شيخ! درسنا كتاباً، إما التدمرية في العقيدة، وهو ما درس الواسطية ولا الحموية، فكيف يدرس التدمرية.
فبعض الناس يريدون أن يُسيروا المشايخ ويفرضوا شيئاً معيناً، ولذلك على الشيخ ألا يرضخ لهم، وأن يمتحنهم ويسألهم ويعرف مستواهم، ثم يقرر عليهم كتاباً مناسباً لهم، ولا يسير على هوى الطلاب، وإذا جاء في الفقه للمبتدئين يدرسهم مذهب واحد مع دليله، يمكن أن يذكر قول آخر إذا كان هناك قولان قويان -مثلاً- لا يستطيع الترجيح بينهما، أما أن يعطي الطلاب على هواهم، يقولون: هات لنا الأقوال، فيعطيهم الأقوال، فهذا ليس بصحيح.
ومن الموضات المنتشرة الآن، وهذا قد يكون مدرك في أماكن غير أماكن في أماكن فيها كليات شرعية، وفي أماكن ليس فيها كليات شرعية، بعض الناس لا يحسوا بها لكنها موجودة، من الموضات الآن البحث عن الغرائب، ويقولون: العالم النحرير هو الذي يأتينا بشيء جديد.
ولذلك بعض الشيوخ أو بعض المدرسين الدكاترة في الكليات الشرعية، يضطرون للبحث عن الغرائب حتى يجاروا هذا التوجه، وهذا خطأ، ويقولون: نحن لا نريد أن نسقط من أعين الطلاب، ولا يتركونا الطلاب، ويقول: أنا أعرف يقيناً أنهم لا يفهمون ما أقول لهم.
وبعض الطلاب يجد غرائب فيذكرها لزملائه، ويذهب يجادل بها الشيوخ، هذا الأشياء الغريبة ديدن عند بعض الناس، لذته وأمنيته أن يعثر على شيء غريب، ثم يأتي ينشره بين أقرانه، يقول: قرأت كذا، وسمعت كذا، أو أنه يجادل به العلماء، ونحن نذكر تحذيره ﵊ الذي حذَّر فيه من الذي يتعلم العلم ليجاري به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، هذا يكبه الله على وجه في النار.
وكذلك من التنبيهات: أن بعضهم قد ينصرف عن الشيخ لبطأه وتركيزه، ويقول: ذهبنا إلى المنطقة الفلانية جلسنا عند الشيخ.
يا أخي! الشيخ بطيء، فتركنا الشيخ، نأخذ أشرطة الشيخ ونسمعها كلها في ليالٍ وننهي المنهج، لابد من ثني الركب عند المشايخ، ولزوم حلق العلماء؛ لأن فيها أدب ومعرفة، وكما قلنا سابقاً: كان هناك آلاف يجلسون عند الإمام أحمد، قليل منهم يتعلمون العلم، والبقية يتعلمون الأدب، الجلسة مع الشيخ وفي حلقة العالم فيها تعليم أدب، ومع الأسف! نحن نعاني من ندرة العلماء، في منطقة ما فيها عالم واحد مع الأسف، ومع ذلك نحن نستعين بالله، والأمثل فالأمثل، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
стр. 687
طالب العلم وتتبع المشاهير من المشايخ فقط
ومن الأخطاء أيضاً في قضية المنهج في الدراسة عن المشايخ: تتبع المشاهير من المشايخ والانصراف إليهم للأخذ عنهم، مع وجود بعض المغمورين الذين قد يكونون أنفع وأسهل وأقرب وأقل زحاماً وأكثر فائدة، ولكن يترك هذا؛ لأنه مغمور مع أنه يفي بالغرض، يعلمك هذا المتن من الفرائض، هذا فلان يكفي له، لا، لابد أن أذهب إلى هذا الشيخ المشهور.
أنت قد تترك المغمور وهو أسهل وأقرب، وقد يكون أكثر فائدة لك لأنه أفرغ، تستطيع أن تأخذ راحتك معه في النقاش، وتذهب إلى حلقة فلان فقط لأجل أن يقال: أنا من تلاميذ فلان، أنا درست على فلان، ولذلك تجد هؤلاء أصحاب الهوى لا يتركون فرصة صغيرة بمناسبة أو بغير مناسبة، بل يقحمون القضية إقحاماً في أي نقاش من النقاشات، يصل إلى فرصة يقول: حدثني شيخي فلان، قال شيخي فلان، درست عند شيخي فلان، مع أن ما فيها مناسبة، ولا فيها ارتباط في النقاش والحديث، لكن يقحمها إقحاماًَ، ليقول: جلست عند فلان، وبعض هؤلاء أصحاب هوى والعياذ بالله، يجلسون عند الشيخ أسبوعاً أو عشرة أيام، ثم يرحلون في الأمصار، ويقول: درست عند الشيخ فلان وفلان وفلان، وهو جلس عند هذا أسبوعاً، وهذا في الصيف جلس عنده عشرة أيام، وهذا أخذ عنه سطرين أو صفحة في كتاب، وقال: شيوخي، إليك مسرد شيوخي مرتبة على الأحرف الهجائية.
стр. 688
منهج دراسة الفنون المختلفة لطالب العلم
وإذا جئنا إلى قضية دراسة الفنون المختلفة لطالب العلم، فقد ذكروا أن المغاربة لهم منهج، فإنهم ينهون العلوم فناً فناً، أول شيء يحفظ القرآن، وإذا انتهى منه حفظ كذا، ثم ينتقل وهكذا، ثم المتون المختلفة، فينهي متن في اللغة، ثم متن في الأصول، ومتن في المصطلح، ومتن في الفرائض، وهذه المتون يعتنون بها ويحفظونها حفظاً شديداً، ومن أشهرهم الشناقطة، وهذه طريقة أهل المغرب، يقولون: نُنهي الفنون فناً فناً، ويقولون: الذي يجمع بين علمين كالتوأم، يريد أن يخرجا معاً ولا يمكن، لابد أن يخرج أحدهما قبل الآخر، وربما لا يزيدون على بيت واحد في اليوم، هذه طريقتهم، ولو زاد ربما ضربه المعلم.
أما المشارقة فإنهم يجمعون بين أكثر من علم في الوقت نفسه، مثلما حدّثوا عن النووي أنه كان يقرأ تسعة علوم في وقت واحد، أو اثنا عشر درساً في اليوم، في التفسير، والمصطلح، والأصول، والحديث، واللغة، والفرائض أنواع مختلفة من العلوم، فيكون الدرس الواحد فيه عدة علوم، هذه الطريقة قد تكون أشمل، لكن الطريقة الأولى أثبت على المدى البعيد.
وعموماً فإن المسألة تختلف باختلاف الهمم والطاقات والمواهب والأحوال والبلدان وطريقة الشيخ، فإن بعض النفوس تمل، لا يمكن أن تقول: اجلس سنتين إلى أن تنهي مثلاً متن في اللغة، أو متن في الأصول، أنا أجلس سنتين في الأصول، دائماً أصول يصاب بالملل، فالطريقة تعتمد على الأحوال، وتختلف باختلاف الأحوال، الناس فيهم الملول وفيهم الصبور، وهذا بالنسبة لقضية تنوع الفنون في الطلب في وقت واحد، ولكن هناك أولويات.
стр. 689
الاعتناء بعلوم الآلة
ومن الأمور المهمة في الأولويات: الاعتناء بعلوم الآلة، وهي العلوم التي يتوصل بها إلى فهم الشريعة، وسائل وأدوات ليست غاية في نفسها، لكنها وسيلة لفهم القرآن والسنة، مثل: اللغة العربية، ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد التفسير، وعلوم البلاغة والمعاني والبيان، هذه علوم الآلة.
وعلوم الآلة لها مختصرات ومتون جمعها العلماء، فمثلاً: لو أخذت في اللغة العربية، ستجد مثلاً ملحة الإعراب، أو الآجرومية هذه من أشهر الأشياء التي يبدأ بها في اللغة.
وإذا جئت إلى الحديث ستجد مثلاً نخبة الفكر أو البيقونية، لو جئت إلى الأصول ستجد مثلاً متن الورقات وهناك بعض الكتب جمعت هذه المتون، وطبع بعضها حديثاً، وقد جمع السيوطي ﵀ متوناً كثيرة في كتاب النُقاية، وشرحه في كتاب الوقاية لقراء النُقاية، لكن هذا مطبوع على هامش كتاب مفتاح العلوم للسكاكي، والعقيدة فيها أيضاً أشياء في البداية.
في بعض البلدان مثل اليمن متونهم في الآلة تختلف عن الجزيرة والمغرب، فإذا أخذت حلقة من حلق العلم الموجودة عند العلماء في هذه الجزيرة مثلاً، لوجدت أنهم يهتمون في البداية بمختصر آداب المشي إلى الصلاة في الفقه، والأربعين النووية في الحديث، والأصول الثلاثة في العقيدة، ثم كتاب التوحيد، وأيضاً في الفقه يبدءون بـ عمدة الفقه لـ ابن قدامة، وفي أحاديث الأحكام يبدءون بـ عمدة الأحكام لـ عبد الغني المقدسي، وفي الفرائض يبدءون بـ الرحبية، وفي اللغة العربية يبدءون بـ الآجرومية وهكذا، فهذا ملخص جدول لحلقة من حلق طلاب العلم المتخصصين في العلم في الجزيرة.
وإذا أتقن طالب العلم في البداية هذه الأشياء الأصول الثلاثة، والأربعين النووية حفظاً وشرحاً، وكتاب التوحيد، وعمدة الأحكام في أحاديث الأحكام، وعمدة الفقه في الفقه، والآجرومية في اللغة، والرحبية، والورقات في أصول الفقه، فهذا قد أسس نفسه واستعد للانطلاقة الكبرى، هذا فعلاً طالب علم في بداية طريقه التي يشقها بثبات، ويسير فيها بقوة.
стр. 690
الأخذ من كل علم بنصيب
ومن الأشياء المهمة أيضاً في المنهج: الأخذ من كل علم بنصيب دون نسيان العلوم الأخرى، كما تقول الحكمة: خذ من كل شيءٍ شيئاً، وخذ كل شيء عن شيء، ومعناها: حاول أن تأخذ معلومات في كل فن من الفنون، ثم الفن الذي تجد فيه رغبة وانشراح صدر، وهواية وقدرة.
خذ من كل شيء شيئاً: أساسيات كل علم وفن، أي: إذا وجدت نفسك فيه متمكناً، أو عندك فيه رغبة، ومن شيء كل شيء ثم تخصص، وهذه من أعظم القواعد في المنهج، تأخذ أساسيات كل فن، ثم الفن الذي تجد نفسك فيه قادراً تبحر فيه.
بعض الناس يتخصصون في فن وينسون كل شيء، مثلاً: الآن بعض الناس يقول لك: والله أنا لا أفهم إلا في هذا الشيء، لا تسألني عن شيء آخر، وهذا موجود، وبعضهم إذا تعلم شيئاً وتخصص في العلوم الدنيوية ينسى الأشياء الأولى، لا يفهم الآن إلا في الشيء الذي تخصص فيه، وهذا خطأ، ولم تكن هذه طريقة علمائنا أنهم يتخصصون في شيء معين، أو ليس عنده فيه أساسيات في غيره، أو أنه يتخصص في شيء وينسى الأساسيات، هذه من القضايا التي طرأت الآن على طريقة التعليم، وهذه طريقة خاطئة موجودة الآن حتى في التخصصات الدنيوية، فلو أن شخصاً متبحراً في جزئية معينة، ولا يفهم أي شيء من الأشياء الأخرى أبداً، يكون أضل من بعيره فيها.
وقال ابن الجوزي معبراً عن حال هؤلاء الأشخاص الذين يتخصصون في فروعٍ معينة، وينسون الأشياء ولا يأخذون بالبدائيات والأساسيات في العلوم الأخرى، قال: ولقد أدركنا في زماننا من قرأ من اللغة أحمالاً -اللغة العربية ما شاء الله- فحضر بعض المتفقهة -حضر عنده طالب علم صغير- فسأله عن الحديث المعروف (لو طعنت في فخذها أجزأك) فقال اللغوي: هذا محمول على المبالغة، فقال له الصبي: أليس هذا في ذكاة غير المقدور عليه؟ ففكر الشيخ ساعة، ثم قال: صدقت.
أي: لو تردت شاة في بئر وما ماتت، وأنت لا تستطيع أن تذبحها فماذا تفعل؟ (لو طعنت في فخذها أجزأك) الآن نحن لا نبحث المسألة الفقهية والحكم والأشياء الراجحة الآن، لكن نتكلم عن القصة: (لو طعنت في فخذها أجزأك) أي: في تذكية الشيء الذي لا يُقدر على تذكيته، ذكاة غير المقدور عليه، لا يمكن أن تمسكه لتذبحه، شرد منك، فأنت تصيبه وترميه، (لو طعنت في فخذها أجزأك).
فعلم الصبي ما لم يعلمه الشيخ، فالشيخ لا يفهم إلا في اللغة.
وأدركنا من قرأ الحديث ستين سنة -تخصص فقط في الحديث- فدخل عليه رجل فسأله عن مسألة في الصلاة؟ فلم يدرِ ما يقول، وأدركنا من برع في علم التفسير، فقال له رجل يوماً: إني أدركت ركعة من صلاة الجمعة فأضفت إليها أخرى فماذا تقول؟ فسبه ولامه على تخلفه ولم يدر ما الجواب.
وأدركنا من برع في علوم القراءات، فكان إذا سئل عن مسألة يقول: عليك بفلان، اسأل الشيخ فلان قالوا: هذه كلها محن قبيحة، فلما رأيت في الصبا -يقول ابن الجوزي - أن كل من برع من أولئك في فن ما استقصاه، وإنما عوقته فضوله -أي: إذا برع رجل في فن، ذهب يأخذ الفضول والأطراف ويترك الأشياء الأخرى، أي: انشغل عن المهم وما بلغ الغاية- رأيت أن آخذ المهم من كل علم هو المهم.
هذه عبارة جامعة.
فإن من أقبح الأشياء أن يطلب المحدث علو الإسناد، وحسن التصانيف، فيقرأ المصنفات الكبار، ويطلب الأسانيد العوالي، ويكتب فيذهب العُمر ويرجع كما كان ليس عنده إلا أجزاء مصححة لا يعلم ما فيها، وقد سهر وتعب.
وإذا سألته عن علمه؟ قال متندراً بحال هؤلاء:
علمي يا خليلي في سفط في كراريس جياد أحكمت
وبخط أي خط أي خط
وإذا سألته عن مشكلٍ حك لحييه جميعاً وامتخط
стр. 691
عدم الجمع بين كتابين في فن واحد في وقت واحد
ومن الإرشادات أيضاً لطالب العلم في قضية الفنون، ألا يجمع بين كتابين في فن واحد في وقت واحد، مثلاً: لو أنك تدرس الفقه لا تدرس منار السبيل وزاد المستقنع في نفس الوقت مثلاً، لأنه يسبب التداخل في المعلومات، وصعوبة الحفظ، وصعوبة العزو في المستقبل.
وقد حدثني بعض طلاب العلم الكبار الذين تناقشت معهم في قضايا هذا البحث، قال: أنا الآن جاء عليّ فترة كنت أحفظ البيقونية ونظم النخبة -نظم نخبة الفكر للصنعاني - والألفية -هذه كلها موضوعة في المصطلح- في وقت واحد، يقول: وأنا الآن إذا جاءتني مسألة في المصطلح، وأريد أن آتي بالشاهد، لا أدري أذهب إلى هذا أو إلى هذا، ثم إني إذا أتيت بشيء قد أحتار في أي مكان هذا؟ أهو في هذه المنظومة، أو في هذه أو في هذه.
فإذاً: ينبغي ألاّ يقرأ أكثر من كتاب في فن واحد وفي وقت واحد.
стр. 692
عدم التحضير من عدة كتب لكتاب واحد يدرسه
وكذلك من الإرشادات على الطالب إذا بدأ يدرس كتاباً ألا يحضر من عدة كتب، المبتدئ إذا أراد أن يدرس كتاباً في فن، لا يحضر من عدة كتب، حتى لا يُضيع نفسه، بل يحفظ المتن، وشرح الشيخ الذي يدرس عليه المتن إن كان الشيخ متقناً، وإذا ما وجدت شيخاً متقناً، تأخذ شرحاً للمختصر تضبط المتن والشرح، وتحصل على خير عظيم، وإذا أشكل عليك إشكال؛ فارجع إلى المطولات لتجد الأشياء المشكلة فقط، ولا يكون ديدناً لك.
وعدم التوسع في البداية يساعد على ضبط المعلومات، وكثيراً من الطلاب إذا جاءوا يحضرون موضوعاً حضره من عدة كتب، فيحدث له تشتت.
والضياع والتشتت في أنواع العلوم مما يحذر منه أيضاً، قال أبو حيان النحوي المشهور: أما صاحب تناتيف، وينظر في علوم كثيرة، فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها، وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للفهوم.
ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علمٍ من العلوم لا يكاد ينسب إلى غيره، فيقال: فلان النحوي، عنده أساسيات في غيره، لكن برع في هذا، فلان المحدث، فلان الفقيه، لو تسأل مثلاً: في أي شيء برع ابن قدامة؟ مثلاً: في الفقه، وغيره برع في الحديث وهكذا.
فبعض الذين يريدون أن يهجموا على الفنون دفعة واحدة وهو لا يتقن أساسيات كل فن، وإنما يهجم عليها دفعة واحدة ويقول: أحضر التفسير من خمسة مراجع، وأحضر الفقه من سبعة مراجع، هذا إنسان مسكين؛ لأن الأمور ستضطرب عنده، وتختلط عليه.
وإرشاد آخر أيضاً: يستحسن أن يكون هناك مرجع معين في الموضوع المعين عندك محتفظ به دائماً تعلق عليه وتزيد عليه، فمثلاً: لو قلت في الفقه: أختار منار السبيل وشرحه على عالم، وإذا ما وجدت مثلاً فهناك أشرطة للعلماء في شرحه، مثل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله له شرح في منار السبيل وخذ مثلاً: زاد المستقنع، مع شرحه الشيخ ابن عثيمين، وغيره له شروحات كثيرة ولكن من باب التمثيل، فتأخذ كتاباً معيناً، وتأخذ عليه شرحاً، وفي المستقبل إذا حصلت إضافات، فإنك تضيفها على نفس الكتاب، تأخذ كتاباً معيناً في اللغة تكون الإضافات على هذه النسخة التي عندك، ولا تبعها بمئات الألوف، فتكون هذه عندك مرجعاً، مثلاً: كل مسألة في البيوع تفتح الكتاب تجد المتن والشرح وشرح الشيخ، وأشياء أنت قيدتها على مر الزمن.
стр. 693
الجمع بين الأشياء الأساسية
قضية أخرى في المنهج: لابد من الجمع بين الأشياء الأساسية، سُئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل حفظ القرآن وهو يكتب الحديث، يختلف إلى مسجد يقرأ ويقرئ، عنده شُغل في حلقة حديث يكتب الحديث، وعنده شُغل آخر في مسجد يقرأ القرآن ويقرئ الطلاب، إذا ذهب إلى المسجد ليقرأ ويقرئ؛ فاته الحديث، فإذا طلب الحديث؛ فاته المسجد والإقراء، فماذا تأمره؟ قال: بذا وبذا، فأعدت عليه السؤال مراراً، كل ذلك يجيبني جواباً واحداً: بذا وبذا، فلابد من الجمع بين الأشياء الأساسية.
стр. 694
إعادة العلم وحفظه
وكذلك من الأمور المهمة: إعادة العلم وحفظه، وهذا على حسب طاقات الأشخاص، ولا ينهمك الإنسان انهماكاً شديداً، لكن لابد أن يعيد ويحفظ، فمن الناس من يحمل رطلاً، ومنهم من يحمل مائة، ومنهم من يحمل عشرين، وكذلك القلوب، منهم من هو مستعد أن يحفظ صفحة بسرعة، ومنهم من يحفظ سطرين، ومنهم من يحفظ سطر، ومنهم من يحتاج إلى ثلاثة أيام ليحفظ سطراً وهكذا.
هذا نصف الموضوع، ولا نستطيع الزيادة لأن الوقت قد ضاق، ولابد لنا من درس آخر لإكمال هذا، فلعله يكون هناك درس آخر إن شاء الله بعنوان: (المنهجية في طلب العلم) نكمل فيها الكلام عن قضية المنهج في طلب العلم.
ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص والاستقامة والسداد في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 695
أثر الأخلاق في نجاح الداعية
جاءت هذه المادة موضحة لجملة من الأخلاق التي يجب أن يكون الداعية على علم وإحاطة بها: الصبر الصدق الرحمة والشفقة التواضع الحلم اللين والرفق الكرم التعفف والزهد العفو عند المقدرة تقدير الآخرين واحترامهم الستر العطف.
وقبل هذا بيِّن الشيخ ارتباط الدعوة بالأخلاق سواء كانت الدعوة خيرة أو شريرة، ثم أتبعها بذكر ثلاثة أخلاق مهمة يحتاج إليها الداعية: العلم قبل الدعوة، والرفق معها، والصبر بعدها.
стр. 696
ارتباط الدعوة بالأخلاق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، هو الذي دعا إلى الله على هدىً وصراط مستقيم، وهو الذي قال الله له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] وهو الذي أمره ربه فقال له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وهو الذي بلغ رسالة ربه بأمانة وإخلاص، ولم يخش إلا الله .
أيها الإخوة: إن وظيفة الدعوة إلى الله من أشرف الوظائف وأعلاها، وقد تكلمنا سابقاً في عِظَمِ هذه المسئولية، وأننا سنسأل عنها يوم القيامة، سنسأل عن تبليغ هذا الدين، إذا كان الإسلام شرفاً للمسلم فإن هذا الشرف سيسأل عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
ونشهد اليوم من بعض مظاهر الفتور شيئاً من التكاسل في الدعوة إلى الله تعالى، هذا لا يصح أن يكون بحال، فكيف يقعد المسلم الذي يعلم أنه على الحق، وأنه يدين بدين الحق عن الدعوة إلى الله ؟! وكيف يترك أقرباءه وجيرانه وأصدقاءه وأهل حيه، بل وأهل بلده دون دعوة؟ بل كيف يترك الكفار الذين يستطيع الوصول إليهم، وهم منتشرون بين المسلمين بغير دعوة إلى الله ؟ حقاً إن بعض الأشياء التي تؤجج في النفس الدعوة إلى الله قد خبا نورها في نفوس الكثيرين، ولذلك نرى اليوم في ضمن ما نرى من علامات عدم الجدية في أخذ هذا الدين، والبرود الذي اعترى كثيراً من الدعاة إلى الله : التكاسل عن الدعوة.
وكذلك في بعض أوساط طلبة العلم الذين لا يبلغون ما تعلموا، مع أن الله قد أخذ العهد على التبيين: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] كيف يتكاسل المسلم عن تبليغ الدعوة والنبي ﵊ قال آمراً: (بلغوا عني ولو آية)؟ ولعل هذا الفتور الذي نعيشه له أسبابٌ، منها: الانشغال بالحياة الدنيا وزينتها، وهو الذي ألهى كثيراً من الشباب الذين عملوا في الوظائف والتجارة وغيرها عن الدعوة إلى الله وقد كان بعضهم يوماً من الدهر شعلة نشاط يتحرك بحرقة من أجل تبليغ هذا الدين، لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال إلا بالاتصال بالناس ودعوتهم إلى الله ، فينبغي أن تتحرر نفوسنا من الكسل، وأن نخرج من هذه القوقعة التي حشرنا أنفسنا فيها، وأن نقوم بالدعوة إلى الله وتبليغ هذا الدين، فهذا واجب، ونأثم لو تخلفنا عن القيام به.
وهذه الدعوة وظيفة الأنبياء، وهي شرفٌ ولا شك، وينبغي إعداد العدة لها، والعمل من أجل إنجاحها.
والدعوة لها أساليب ووسائل ومنهج، فهي مهمة كبيرة، ونحن -أيها الإخوة! - في عصر الإقناع وتسويق الفكرة، وتسويق الفكرة أعظم من تسويق السلعة حتى عند أعداء الله، الذين يبذلون كل ما يستطيعون من أجل تسويق الأفكار، وأنت ترى جهودهم في نشر الدين النصراني أو الأفكار المنحرفة، سواء ما تقوم به الكنيسة بجميع فروعها، أو الأحزاب الضالة التي تقوم بالتخطيط والعمل الدءوب من أجل نشر تلك الأفكار والعقائد المنحرفة.
وهم أسخياء كرماء، يبذلون ويضحون، ويسافرون عن أوطانهم ويتغربون من أجل نشر عقيدتهم الضالة، ويزخرفون القول، ويعلِّبون الأفكار بهذه الإطارات وهذه الزخارف التي تنطلي على كثيرٍ من ضعفاء العقيدة والعلم، ولذلك تنتشر أفكارهم بين الناس، ولا شك أن المسلم الذي رزقه الله فهماً في دينه، وحباً لعقيدته، سيسارع بلا شك إلى نشر هذا الدين بالدعوة إلى الله .
ولا شك -أيها الإخوة! - أن من أهم عوامل نجاح الدعية إلى الله سبحانه: الخلق الحسن، والله سبحانه قد خص آياتٍ في كتابه بحمل أخلاق عظيمة، ذكرها سبحانه في محكم تنزيله لتدل على عظمة الخُلُق.
نحن نتكلم الآن في هذه الليلة عن الدعوة وعن الأخلاق، الارتباط بين الدعوة والأخلاق، كيف تنجح الدعوة بالأخلاق، ونحن نعرف أن بعض المنحرفين نشروا انحرافاتهم -كما قلنا- بحسن الخلق، لأن حسن الخلق شيءٌ يمكن أن يكون عليه حتى الكافر، ولا يمكن أن ينفك الدين عن الخلق، بل إن الخلق من صميم الدين، والله قال في محكم تنزيله في بعض الآيات: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩] وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٩] وقال: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧] وقال الله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] وقال : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] وقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِم﴾ [النساء:١٤٨] وأمر بقوله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] إلى غير ذلك من الآيات التي ذكر فيها الخلق الحسن، بل ذكرت مفردات هذا الخلق في عدد من آيات الكتاب العزيز.
стр. 697
أخلاق مهمة يحتاج إليها الداعية
ولا شك أن الداعية إلى الله يحتاج إلى كم من الأخلاق في سبيل إنجاح مهمته، فإنه يحتاج إلى الحلم والرفق، واللين والصبر، والرحمة والعفو، والتواضع والإيثار، والشجاعة والأمانة، والحياء والتفاؤل، والكرم والزهد، والقصد والاعتدال وغير ذلك، ولن نستطيع أن نلم بهذه الأشياء وبأكثر منها في هذا المقام، فنأخذ بعض الأخلاق التي تعين الداعية على النجاح في دعوته.
ولنعلم بادئ ذي بدء -أيها الأخوة! - أن من أهم الأشياء في الدعوة أمورٌ ثلاثة: العلم قبلها.
والرفق معها.
والصبر بعدها.
(العلم والرفق والصبر) هذه من أهم المهمات في عالم الدعوة إلى الله، صاحب الأخلاق الحسنة قدوة بذاته، أخلاقه تدعو الناس إلى الانجذاب نحوه، إن سَمته ليجذب من حوله فيأتون إليه، وهناك تكون الفرصة للتأثير أكثر مما لو ذهب إليهم، مع أنه ينبغي أن يأتيهم، فهذا الخلق هو الذي يجذب الناس كما تجذب الأزهار النحلة، وإذا أتي الداعية فإن المهمة تسهل عليه، تأمل في قصة يوسف ﵇: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] فإذاً اُشتهر وعُلم عندهما أن يوسف ﵇ من المحسنين، فكيف حصل هذا التصور والانطباع عندهما بأن يوسف من المحسنين؟ يوسف ﵇ دخل السجن متهماً بجناية شنيعة، ومن شأن البريء الذي سُجن متهماً بجناية شنيعة أن يتحطم نفسياً، لكن هذا النبي الكريم لا يمكن أن يحدث له ذلك، فإنه عبد الله تعالى في السجن وظهرت عليه سيما الصالحين، وذلك نتيجة عبادته ولا شك.
دخل وعليه سيما الصالحين، وهو يعبد ربه في السجن، ولذلك قالا له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] أي: إن حالتك التي رأيناها تدل على أنك من أهل الإحسان، هذا ظنهما به.
ويدل على ذلك أيضاً: أن أحد الرجلين الذي خرج من السجن ورجع بعد ذلك يستفتي يوسف، قال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ [يوسف:٤٦] فإنه وصف يوسف بالصدِّيق، فلما انجذب المدعو إلى الداعية من غير أن يقول له الداعية تعال، ولكن انجذب إليه نتيجة حسن الخلق، ونتيجة التعامل الحسن، نتيجة سيما الصلاح، ونتيجة العبادة، انتهز الفرصة ليذكرهما بالتوحيد أولاً، وأن الحكم لله، وأن الشرك حرام، قبل أن يجيب مطلبهما، ويبين في كلامه أن الظلم الحادث مرده إلى الشرك بالله، لا يصلح للداعية أن يتكلم عن جزئية والأصل منخرمٌ مهدوم، لكنه مع ذلك طمأنهما بأن العلاج موجود عنده: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف:٣٧] إنه إشاعة الثقة في نفس المدعو.
ثم انتقل انتقالاً لطيفاً، الله أعطاه على ما قال بعض أهل التفسير العلم بما سيأكلان: ﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ [يوسف:٣٧] هذه معجزة أعطاها الله ليوسف: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف:٣٧] انتقل انتقالاً لطيفاً ليعلمهم التوحيد: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف:٣٧] إلى آخر الآيات.
стр. 698
من أخلاق الداعية
ولنعرج الآن على ذكر بعض الأخلاق التي يحتاج إليها الداعية إلى الله ، فمن الأخلاق العظيمة التي يحتاج إليها الداعية:
стр. 699
الصبر
(الصبر): هو الخلق الذي يحتاجه الداعية حتى تنفتح له مغاليق القلوب؛ الصبر على التبليغ، والصبر على الجدال الذي سيواجهه، والرفض والعناد، الصبر على الأذى الذي قد يلحق به.
النبي ﷺ صبر على الخنق، خنقوه بثوب، وصبر على إلقاء سلى الجزور فوق ظهره وهو ساجدٌ عند الكعبة، وعلى وضع الشوك في طريقه، وضرب قدميه بالحجر، وعلى الاتهامات الباطلة التي اتهموه بها، وقالوا عنه: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون، وبه جِنَّة -مسه الجن- قال عبد الله بن مسعود ﵁: (كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
قال بعض الشراح: إنه يعني نفسه ﷺ ، هو الذي ضربه قومه فأدموه.
فإذاً الداعية لا ينجح إلا بالصبر، إنه سيواجه جحوداً وإعراضاً؛ هذا لا يفتح له الباب، وهذا لا يجيب بالهاتف، وهذا يغير الموضوع إذا أراد أن يعظه، وهذا يتهرب، والمدعو شخصٌ غير ملتزمٍ بالدين في الغالب، فلذلك هو يكذب ويخلف المواعيد، والداعية ينتظر حتى يضجر ولم يأت صاحبه بعد، ويعاود المجيء بدون فائدة، وقد يجد ألفاظاً غير مقبولة.
الداعية سيواجه من المدعو بطئاً في الاستجابة، وجدلاً عظيماً، والله يقول: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل:١٠].
ولا شك أن التحلي بالصبر في هذه المواقف من أعظم الأشياء التي تسبب النجاح للداعية، أما الذي يجرب الدعوة فيكلم شخصاً فمن أول ما يجابهه بكلمة أذى يترك، هذا لا يكون له النجاح، النجاح لا يكون إلا بعد المواظبة، والمصابرة على هذه النفوس الملتوية.
стр. 700
الصدق
ومن الأخلاق العظيمة التي تكون سبباً مباشراً في نجاح الداعية إلى الله : (الصدق).
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [الإسراء:٨٠].
فالداعية الصادق مع الله، الصادق مع الناس، الذي عهد عنه صدق الحديث، يرى أثر صدقه في وجهه، والنبي ﷺ لما كان بعض الناس يسمع كلامه وهو يدعوهم وهم لم يروه قبل ذلك، وإنما أتوا مكة فرأوه لأول مرة، كانوا يشهدون أن وجهه ليس بوجه كذاب، ذلك لظهور أثر الصدق على وجهه ﷺ وفي كلامه، فكلام الإنسان الصادق يؤثر أثراً بالغاً، ولذلك فلا بد من الحذر الشديد من الوقوع في الكذب، فإن الكذب من الأشياء التي تفقد المدعو الثقة في الداعية.
وكذلك: الحذر من استخدام التورية، فإن الداعية قد يفهم التورية، أما المدعو فلا يفهمها إلا على أنها كذب، ولو أن الداعية كذب مرة واحدة فقط مع أحد المدعوين فسيكون ذلك سبباً كافياً في انفضاض هذا المدعو عنه، أذكر قصة عبَّر فيها أحد هؤلاء المدعوين عن ألمه مما حصل من شخصٍ تأثر به والتزم بسببه، فصار يتصل به من وقتٍ لآخر، فاتصل به ذات يوم بالهاتف، فكانت زوجته التي ردت، فقال: فلانٌ موجود؟ فقالت: من يريده؟ قال: قولي له فلان، فقالت: لحظة، ونسيت أن تضغط على الزر الذي يغلق الصوت، ونادت زوجها تقول: فلان يريدك، فقال لها: قولي له: نائم، فارتجت الدنيا في وجه هذا الشخص.
عندما يضع الإنسان ثقته في داعية ثم يفاجأ بتصرف من مثل هذه التصرفات فلا شك من اهتزاز كل القيم التي تلقاها منه، ليس فقط موضوع الصدق، بل كل المفهومات والتصورات التي أخذها عنه سوف تهتز في نظره، وإذا لم يكن لهذا المدعو عصمة ورحمة من الله فقد ينتكس.
ولذلك نحن عندما نتكلم الآن عن بعض الأخطاء من قبل بعض الدعاة فإننا نقول للمدعوين أيضاً: إن أخطاء الدعاة إلى الله معكم ليست عذراً لكم مطلقاً في ترك اتباع الحق، إذا أخطأ داعية عليك، أو جهل أو أساء خلقه معك، فإنك لست معذوراً أبداً في تركك للحق واتباعك للطريق السوي، ولذلك فإن بعض الحوادث التي تحصل عن ترك بعض الأشخاص للالتزام بالدين نتيجة تصرف خاطئ من داعية، تنبئ أول ما تنبئ عن انحراف في عقلية المدعو؛ لأنه يربط الدين بالشخص، فإذا استقام له الشخص استقام هو على الدين، وإذا رأى شيئاً من التغير أو سوءاً في المعاملة؛ ترك الالتزام بالدين، هذه قلة عقل!! هذا إنسان ضعيف الشخصية، ضحل التفكير، لا يفرق بين الأشخاص وبين المنهج، لو كان إنساناً عاقلاً لقال: لي صوابه وأترك خطأه، آخذ مما قاله لي بشكل صحيح وأترك ما أخطأ فيه، لكن كثيراً من الناس لا يعملون بذلك، فيقول بعضهم: أنا ما علي من عقيدة فلان، وصلاة فلان هذه له، أنا علي من تعامله (الدين المعاملة).
ولذلك من اضطراب الموازين عندهم: أنهم يعطون الأولوية ليس لعقيدة الشخص ولا لدينه، وإنما يعطون الأولوية لأخلاقه وتعامله، فإذا صارت أخلاق فلان من الناس عندهم عالية، وتعامله رفيعاً أحبوه، وأقبلوا عليه، ولو كان فاجراً فاسقاً كافراً مشركاً، لأن التعامل عندهم هو أهم شيء، يقولون: ما لنا ولصلاته! ما لنا ولدينه! ما لنا ولعبادته! ما لنا ولعلمه! هذه له، نحن لنا تعامله وأخلاقه، هذه التي نحن نستفيد منها.
فالناس مع الأسف -أيها الإخوة! - وهذه نقطة في غاية الأهمية- الناس لا يهتمون بأخذ العلم والدين والأحكام الشرعية، مثلما يهتمون بقضية التعامل والأخلاق، ولذلك يحبون بعض الكفار أكثر من بعض المسلمين، يقولون: هذا الكافر رأينا منه صدق الوعد والحديث، والكرم، لا يؤذينا، ولا يأكل حقنا، ويعطينا الراتب كاملاً، والمستحقات المالية، فهذا أحب إلينا من المسلم الذي يغلظ علينا بالقول، وربما ظلمنا، ويخلف المواعيد معنا.
لو كانت المقارنة فقط في الأخلاق، فقالوا: خلق هذا أحسن من خلق هذا لكان فيه شيء من الصواب، لكنهم يقولون: فلان أحسن من فلان، مع أن هذا مشرك وهذا مسلم، هذا كافر وهذا موحد، لكن عندهم أن التعامل هو الأساس وهو كل شيء.
فلا بد من تصحيح هذا المفهوم الخطير والخاطئ والآثم، الموجود في النفوس، ولا يحملنك -يا أخي! - غلظة داعية، أو شدته في القول، أو سوء أسلوبه أن ترفض الحق الذي يقدمه لك؛ لأننا نهتم بالمضمون أكثر من الأسلوب، هذا ما ينبغي أن نكون عليه نحن، أن نهتم بالمضمون أكثر من الأسلوب، وإلا فلنتبع دين النصارى لأن بعض المبشرين كرماء، يعطون الدواء مجاناً، ورعاية الحامل مجاناً، والتطبيب مجاناً، والغذاء المتكامل مجاناً، والإسعافات الأولية مجاناً، ويبنون لنا مساكن مجاناً في بعض البلدان، إذا كانت المسألة مسألة تعامل فلنتبع إذاً الضال والمشرك والمنحرف لأن تعامله راقٍ، وأخلاقه حسنة، وهذا الكلام قلَّ من يفهمه في هذا الزمان بسبب أن الناس يهتمون بالشكليات أكثر من المضمون.
ونحن لا نسقط الشكليات من الاعتبار، ولا نقول إن التعامل والأخلاق ليست مهمة، بل إن كل الموضوع الذي نطرحه في هذه الليلة هو تأكيد على قضية الأخلاق وأهميتها في نجاح الداعية، لكن الكلام الآن موجه إلى المدعو، فنقول له: لو أن فلاناً أخطأ معك في الأسلوب أو التعامل فلا يدفعك ذلك إلى كرهه وبغضه، وإلقاء كل ما يقول لك من العلم خلف ظهرك لأنه أساء إليك بكلمة، أو أخلف معك موعداً، أو ظلمك في حقٍ لم يعطه لك، بل لا بد أن نتحمل الأذية في سبيل أن نأخذ العلم والدين.
وقلَّ من نجد من الناس الكمَّل، فالكمَّل قليلون جداً، لا بد لكل شخص أن تجد عليه مآخذ، فإذا كنا سنترك ما عند فلان من الخير، وما عند فلان من العلم، وما عند فلان من النصيحة من أجل شيءٍ من الغلظة، أو شيءٍ من الجفاء، أو شيءٍ من الشدة في الأسلوب، فإننا في هذه الحالة سنخسر كثيراً جداً.
ونقول أيها الإخوة: إن صدق الداعية مع الله قبل أن يكون مع المدعو من أهم عوامل النجاح، لا يكفي أن تكون صادقاً في حديثك معه، وأن تكون منضبطاً في المواعيد، وإذا وعدته بشيء لم تخلف وعدك، وأديت ما وعدته به إليه، نقول: إن هذا ليس بكافٍ، فإن الصدق مع الله هو الأساس؛ لأن بعض التصنعات لا تنطلي على بعض الناس، فيرضون الشخص وإن كان في الظاهر ذا تعاملٍ مستقيم، بسبب أن النفس لا ترتاح وتثق بمن علاقته بالله مهزوزة.
стр. 701
الرحمة والشفقة
وننتقل إلى الخلق الثالث من الأخلاق المهمة جداً في الدعوة إلى الله : وهو خلق (الرحمة والشفقة) قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فانظروا رحمكم الله إلى هذا الخلق، خلق الرحمة في نبينا محمدٍ ﷺ ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة:١٢٨] كم مرة صعد إلى ربه؟ ينزل ويصعد إلى الله، من أجل أن يطلب التخفيف عن الأمة في عدد الصلوات، حتى صارت خمساً بدلاً من خمسين.
أقرأه جبريل القرآن بحرف، فاستزاده ﵊ إلى أن صارت سبعة أحرف، من أجل ألا تشق القراءة على الأمة.
وكم مرة يدعو الله لأمته، وقد اختبأ دعوة لأجل أمته إلى يوم القيامة، عندما يكون الناس بأشد الحاجة، حاجتهم ماسة، يتمنون أن ينفكوا من أرض المحشر، يتمنون أن ينفكوا من هذا الموقف العصيب ولو إلى النار، فتدركهم شفاعة النبي ﷺ التي يأذن له بها ربه فيبدأ الحساب.
هذا النبي الكريم، كل شيءٍ يشق علينا فهو شاقٌ عليه، ولذلك جاءت شريعته بالرحمة والتخفيف في عدد من الأشياء؛ التيمم، الذي لم يكن معروفاً في الأمم السابقة، وهو موجودٌ في شرعنا؛ أدركتنا رحمة الله في تقسيم الغنائم فصارت حلالاً لنا: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ [الأنفال:٦٩] وكانت محرمة على من قبلنا، تنزل نار من السماء لتأكلها؛ والمسح على الخفين؛ أي مكان أدركتك الصلاة فيه فصل: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وهذا من خصائص هذه الأمة إلى آخر الرخص التي جاءت في هذه الشريعة.
الرحمة من أخلاق الداعية المهمة، كانت مع كل نبي؛ لأن كل نبي كان داعية في قومه، كان الأنبياء يقول الواحد منهم لقومه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف:٢١] يخاف عليهم العذاب العظيم، وخوفه عليهم نتيجة رحمته بهم، نتيجة الرحمة الموجودة في نفس النبي، والشفقة الموجودة في نفس الرسول، هي التي تجعله يخشى على قومه عذاب يومٍ عظيم فينطلق في دعوته، ولو ضربوه ولو أدموه لكنه مستمرٌ في الدعوة، إنها الرحمة التي كانت في قلب النبي ﷺ وهو يدعو قومه إلى الله لما طردوه، آذوه فلم يستفق إلا وهو في قرن الثعالب: (انطلقت مهموماً على وجهي) النبي ﵊ ما كان يدري أين يتوجه، انطلق مهموماً على وجهه من شدة ما لقي من الأذى، لم يستفق ويرجع إلى نفسه، ولم يعرف أين هو إلا وقد صار في قرن الثعالب، وهو موضع بعيد، وأرسل الله إليه ملك الجبال يأتمر بأمره ﷺ ماذا يريد، لو أراد أن يطبق على أهل مكة الجبلين لأطبقهما وارتاح النبي ﵊ من هذه العصبة الكافرة الفاجرة المعاندة التي تعذبه وتسومه وأصحابه أشد العذاب، لكن هل كان النبي ﵊ يريد أن يرتاح فقط؟ لا.
كان يريد الخير لهؤلاء المشركين والرحمة: (إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله) كان يمكن أن يكتفي بمن معه من هؤلاء القلة المؤمنة الذين استجابوا ويأمر ملك الجبال بإطباق الجبلين على أهل مكة، لكن رحمته بقومه أبت ذلك، وشفقته عليهم رفضت هذا العرض الذي عرضه عليه ملك الجبال، إن الرحمة في قلب الداعية تدفعه للحرص على المدعو ألا يبقى ضالاً، أو يموت على الفجور أو المعصية، أو يترك على بدعة، أو يهلك على الكفر: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٤ - ٤٥] شفقة من الداعية إبراهيم على أبيه المدعو.
الداعية يحب للآخرين ما يحب لنفسه، فهو إذا كان على هدى، وإذا كان على عبادة فهو يريد من المجتمع ومن الناس الآخرين أن يكونوا على هذه العبادة، بل وعلى أحسن منها، فالرحمة تهون على الداعي ما يصيبه من أذى الناس.
أيضاً: فإنه إذا أصيب بالأذى ربما يترك الدعوة، لكن هو الراحم بالعباد وبالخلق الذين يدعوهم إلى الله، يتحمل أذاهم ولسان حاله يقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وكذلك الرحمة في قلب الداعية تمنعه من احتقار العصاة، فيبادلونه الاحتقار، أو يرفضون كلامه، فهو يكلمهم بلسان الرحيم بهم المشفق عليهم، وهذا من أسباب الاستجابة.
стр. 702
التواضع
وكذلك فإن من الأخلاق العظيمة التي يحتاج إليها الداعية: (التواضع) فهو من أسباب النجاح في الدعوة، التواضع لله أولاً قبل أن يكون للخلق، التواضع لله والذل له ، إنه معنىً رفيع من معاني العبودية، والنبي ﷺ إمام المتواضعين، حج على رحل رثٍ وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، وكان يقول في حجته: (اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة) وكان أصحابه لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته لذلك، وقال ﷺ : (لو أهدي إلي كراعٌ لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت) هذا العظم الذي ليس عليه إلا قليلٌ من اللحم يجيب الدعوة إليه، وكان ﵊ يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، وكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، ويأكل بأصابعه: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد).
وكان يبدأ بالسلام، ويعود المريض، وكانت الأمة تأخذ به ﷺ فتنطلق به حيثما شاءت، وهكذا كان أصحابه الدعاة إلى الله ، قال عروة: [رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء]، وولي أبو هريرة إمارة فكان يحمل حزمة من الحطب على ظهره ويقول [طرقوا للأمير] ومر الحسن على صبيانٍ معهم كسر خبزٍ فاستضافوه فنزل فأكل معهم، ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال: " اليد لهم " يعني: هم أصحاب الفضل، هم بدءوا، إنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه، وقال رجاء بن حيوة: قيمة ثياب ابن عبد العزيز ﵁ وهو يخطب على المنبر باثني عشر درهماً، فالتواضع الذي يلمسه المدعو من الداعية يُكسبه حباً له، وقبولاً لكلامه.
وهذا التواضع ضروري لأن من طبيعة الناس أنهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم، ويحتقرهم، ويستصغرهم، ويتكبر عليهم، ولو كان ما يقوله حقاً وصدقاً، فهم يغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وإرشاده.
ومن طبائع الناس أنهم لا يحبون من يكثر الحديث عن نفسه، والثناء عليها، ويكثر من قولة (أنا)، فعلى الداعية أن يحذر من هذا أشد الحذر.
وكذلك فإن من طبع الناس النفور من كل من يتقعر في كلامه، ويتفاصح، ويتكلف، ويتنطع، والنبي ﵊ قال: (هلك المتنطعون) وقال: (إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة) كيف أن البقرة تخرج لسانها، وتلويه وتخفيه، وتظهره وتعيده وتبديه، هكذا يفعل بعض الناس.
مما يكون عيباً كبيراً أن يوجد هذا عند داعية، ويكون سداً منيعاً يحول دون تأثر المدعوين به: (إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون) الفكرة سهلة العرض مقبولة في عقول المدعوين، وكثيرٌ من الناس يكون عندهم بلاغة وأسلوب، لكن لا يتأثر بهم القوم، وبعض الناس ضعفاء ويتكلمون باللهجة العامية مع الأشخاص، يستجيب لهم الناس بسرعة، هذا يتكلف وهذا لا يتكلف، وليست المسألة دعوة للعامية وإلى ترك الفصحى، لا.
القضية: ترك التكلف والاصطناع، وأن يكون الداعية متواضعاً حتى في أسلوبه الذي يدعو به.
لماذا يكون بعض الدعاة من حملة الشهادات العليا خطباء مفوهون ولكن الناس من حولهم منفضون، وآخرون ليس عندهم شهادات، ولا عندهم تلك الفصاحة التي عند أولئك، وهم مع ذلك مقبولون محبوبون بين الناس، المسألة مسألة تواضع.
стр. 703
الحلم
ومن الأخلاق المهمة أيضاً التي يحتاج إليها الداعية: (الحلم): قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] هذه طريقة علمنا الله إياها للتخلص من العداوات، أي واحد بينك وبينه عداوة وجفاء، افعل معه ما قال الله تزل منك العداوة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] أي: قابل إساءته بالإحسان، إذا ترك السلام فسلِّم عليه، ضيَّق عليك في المجلس وسِّع له إذا جاء، منعك حقك أعطه حقه، أغلظ لك في الكلام ألن له الكلام، سبَّك أثن عليه.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] ادفع السيئة بالحسنة، فإذا فعلت ذلك صار هذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم أي: أخلص الناس لك، وأقرب الناس إليك، يحبك أكثر من الآخرين.
وليٌ حميم: يناصرك ويعضدك، ويقوم معك في الشدائد، ولي: صار ولياً لك، حميم: قرابة شديدة بينك وبينه.
وقد كان النبي ﷺ يأسر بحلمه القلوب، ويرغم أنوف أناسٍ تعمدوا الإغلاظ له حتى يصيروا طوع أمره ينزلون عند دعوته، وقد حفلت السيرة النبوية بأمثلة كثيرة، فمن ذلك ما جاء عن أنس بن مالك ﵁، قال: (كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه بردٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة حتى نظرت صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك -لا يوجد: يا رسول الله! أو يا نبي الله! هكذا يا محمد! فقط- فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك ثم أمر له بعطاء) أعطاه الضحك وأعطاه المال، وأظهر له رضاه عنه بضحكه، وأنه ما أخذ في نفسه ولا وجد في نفسه عليه، حتى العبوس مع أنه أقل ما يفعله بعضنا في هذه الحالة، بل إنه على العكس من ذلك ابتسم له، بل ضحك في وجهه، ثم أمر له بعطاء ﷺ .
وكذلك جاءه زيد بن سعنة -وكان يهودياً- جاء إليه ﷺ يطلبه ديناً له عليه فأخذ بمجامع قميصه، يهودي جاء إلى مجلس النبي ﵊ فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول ونظر إلى النبي ﷺ بوجه غليظ، وقال: يا محمد! ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب! قومٌ مطلٌ وشدد له في القول، فنظر إليه عمر بن الخطاب ﵁ وعيناه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، عمر يرى هذا المنظر، قال: يا عدو الله! أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم، ثم قال: (أنا وهو يا عمر! كنا أحوج إلى غير هذا منك: أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر! فاقضه حقه وزده عشرين صاعاً من تمرٍ) فكان هذا الموقف سبباً في إسلام هذا الرجل.
ساق ابن حجر ﵀ القصة في الإصابة وقال عن الإسناد: رجال موثقون، والوليد قد صرح بالتحديث، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
النبي ﷺ كان من علاماته أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، والداعية معرض للأذى من المدعو لا شك في ذلك، فإذا كان حليماً فبادل المدعو بغلظته حلماً عليه، كان ذلك سبباً في أسر قلب المدعو ودخول الدعوة، وإيتاء الدعوة ثمارها مع هذا الرجل.
خرج زين العابدين بن علي بن الحسين ﵃ إلى المسجد، فسبه رجلٌ في الطريق، فقصده غلمان زين العابدين ليضربوه ويؤدبوه فنهاهم، وقال لهم: كفوا أيديكم عنه، ثم التفت إلى ذلك الرجل، وقال: يا هذا! أنا أكثر مما تقول، وما لا تعرفه عني أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره -يعني ذكر معايبي- ذكرته لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع زين العابدين قميصه له، وأمر له بألف درهم، فانصرف الرجل وهو يقول: أشهد أن هذا ولد رسول الله ﷺ .
стр. 704
اللين والرفق
ومما يتبع هذا الخلق خلقٌ آخر وهو: (اللين والرفق): قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فاللين في التعليم مُجْدٍ جداً، وفي الإنكار مفيدٌ للغاية، ويؤتي ثماره وأُكله، وهكذا فعل النبي ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد، فإنه كان معه في غاية اللين والرفق، وهكذا فعل مع الصحابي الآخر الذي تكلم في الصلاة وشمَّت العاطس.
فاللين والرفق من خلقه ﵊، وهو من الأخلاق العالية التي تُنجح الداعية في مسعاه، وهذا مثال في الدعوة: مر رجلٌ على صلة بن أشيم وقد أسبل إزاره، فَهَمَّ أصحاب صلة أن يأخذوه بشدة، فقال: دعوني أنا أكفيكم، فقال صلة بن أشيم للرجل: يا بن أخي! إن لي إليك حاجة! قال: وما حاجتك يا عمي؟ قال: أحب أن ترفع من إزارك، فقال: نعم وكرامة، فرفع إزاره، فقال صلة لأصحابه: لو قرعتموه لقال: لا ولا كرامة ولشتمكم.
فالنفوس مجبولة على محبة من يرفق بها ويحسن إليها.
ومن العلماء المعاصرين الذين اشتهروا باللين والرفق وحسن الخلق علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله تعالى وجعل الجنة مأواه ومثواه، ونفعنا بعلومه، هذا الرجل كان من خلقه شيء عجيب، يعرفه من عاصره وعايشه، وكان من رفقه أنه يتحاشى وضع العاصي في الموقف المحرج.
كان له شخص بينه وبينه معرفة، وهذا الإنسان كان مدخناً، لكنه لا يدخن بحضرة الشيخ، بل إنه يتحاشى جداً أن يطلع الشيخ منه على مثل هذا الأمر، وكان هناك طريقٌ ضيق -سكة ضيقة- دخل الشيخ مرة فيها يمر عابراً، وهذا الآخر قد أتى من الناحية الأخرى، وكلٌ منهما لا يدري أن الآخر قد سلك في هذه السكة الضيقة التي لا مجال فيها للف ولا الدوران، وكان هذا الرجل يدخن والدخان في يده، ويقترب كل واحدٍ منهما من الآخر حتى ما صار بينهما إلا متر، ففوجئ الرجل بالشيخ، وفوجئ الشيخ بالرجل والدخان في فيه، يقول: إنني ألقيت السلام وأغلقت فمي والدخان يخرج من أنفي، وأنا في غاية الدهشة والاضطراب من الشيخ، فماذا فعل؟ يقول: ما نظر إلي أبداً، رد السلام ومشى ولا كأنه يعرفني، وبعد ذلك تكلم الشيخ في مناسبة أخرى.
الداعية لا يترك المنكر لكن إذا استطاع أن يوصل النصيحة إلى المدعو بدون إحراجه فهذا أمرٌ مطلوب، واشتكي إلى الشيخ عن رجلٍ يتعدى على النساء في الليل ويقول بعض الألفاظ المشينة، وهو لا يظهر في الصلاة إلا قليلاً، فلقيه الشيخ مرة في الطريق، فقال له الشيخ: العزومة إما عندي أو عندك، إما آتيك أو تأتيني، فقال الآخر: عندي، فقال الشيخ: نحتكم أو يكون بيننا الحكم أن الأقرب بيته هو الذي تكون فيه الدعوة، فحسبوها فوجدوا بيت الشيخ أقرب، فجاءه فأكرمه الشيخ في منزله وألان له الكلام، وأحسن ضيافته، ثم قال له: أنت يا فلان! من عائلة كبيرة ومحترمة ومعروفة، ولكن شاعت عنك إشاعات، وأرجو أنها ليست بصحيحة، وصار من أمرك أنك لو لم تفعل خطأ وحصل شيء في البلد، قالوا: فلان هو الذي فعله، ولو أنك ما فعلته اتهمك الناس على سمعتك، فقام الرجل واعتذر، وقال: ما تركت المسجد بعدها، وتركت الخروج بالليل.
وصار يتحاشا ويستحي ويحذر أن يبلغ الشيخ عنه أي خبرٍ سيء.
ونصح مرة تاركاً لصلاة الفجر في الجماعة على انفراد فما تركها بعد ذلك، وكان من حسن خلقه، ومن حسن تعليمه، أنه سمع مرة صاحب حمار يجر عربة، رجل عنده عربه يجرها حمار، فوقف الحمار في الطريق واستعصى على صاحبه، والحمار حمار، ورفض أن يواصل الطريق، وصاحبه يضربه وينهره بدون فائدة، ثم صرخ الرجل، قال: ألا يوجد واحد من أولاد الحرام يمشي لي هذا الحمار، وكان الشيخ ماراً فسمعه يقول هذه الكلمة (ألا يوجد واحد من أولاد الحرام يمشي لي هذا الحمار) فقال الشيخ: بل في من أولاد الحلال من يمشيه إن شاء الله، ثم قبض الشيخ بيده على ركبة الحمار وجذبه إلى الأمام فمشى الحمار، فاندهش الرجل، وقال: سبحان الله يا شيخ! حتى الحمير يستجيبون لك.
وبعض هؤلاء المشايخ -الحقيقة- والقضاة الذين مروا في هذه الجزيرة لم يكتب تاريخهم، وليس لهم مصنفات ولا أشرطة ولا محاضرات، وكانوا على خلقٍ عظيمٍ وعلمٍ وافر، لكن ما سارت بأخبارهم الركبان، إنما الذي يجلس مع بعض كبار السن، وبعض تلاميذ العلماء يسمع عجباً من أخبار ينقل مثلها في الكتب عن أخلاق السلف.
على أية حال: فإن الرفق بالناس وحسن الخلق دائماً يكون من مفاتيح القلوب المستغلقة، يقول الأستاذ سيد ﵀: عندما نلمس الجانب الطيب لنفوس الناس نجد أن هناك خيراً كثيراً قد لا تراه العيون أول وهلة -يتكلم عن بعض من خبره في الدعوة- شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، شيءٌ من الود الحقيقي لهم، شيءٌ من العناية باهتماماتهم وهمومهم ثم ينكشف لك النبع الخيِّر في نفوسهم، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، متى أعطيتهم إياه في صدقٍ وصفاء وإخلاصٍ، هذه الثمرة الحلوة إنما تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة من مودته، بالعطف الحقيقي على آلامهم وعلى أخطائهم وحماقتهم، وشيءٌ من سعة الصدر في أول الأمر كفيلٌ بتحقيق ذلك أكثر مما يتوقع الكثيرون.
وصحيح أن اللين والرفق مهم؛ لكن هذا لا يعني أنك تتنازل عن أشياء من الدين، وتسكت إذا انتهكت حرمات الله، ولا تنبس ببنت شفةٍ إذا استهزئ بشيء من دين الله، كلا.
وبعض الناس يحتجون باللين على طول الخط بقصة موسى مع فرعون، وهم يأخذون جزءاً من القصة ويتركون أشياء، أليس في قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] دليل على اللين والرفق في الدعوة؟ بلى فيها.
لكن هل كان موسى على طول الخط ليناً ورفيقاً مع فرعون؟ لا.
كان معه ليناً في البداية؛ لأنه يُبدأ في اللين لا بالعنف، لماذا العنف ويمكن البداية باللين؟ فإذاً اللين والرفق في البداية، إذا حصل أن الشخص تمادى وصار يقع في دين الله، ويستهزئ بشرع الله، وينتهك حرمات الله، فهل يبقى الإنسان رفيقاً وليناً على طول الخط؟ لا.
ولذلك يؤخذ الموقف الآخر من الآيات الأخرى، قال الله : ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦٠ - ٦١] فالشدة في الموعظة مهمة أيضاً، ليست قضية الرفق واللين فقط، لما قال فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:١٠١]، قال موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢].
وصحيح أن اللين والرفق هو الذي يُبدأ به، وهو الغالب، وإذا ما اضطررنا لغيره لا نستخدم إلا هو، لكن في بعض الحالات لا بد من الشدة فيها على من يستحق الشدة، النبي ﵊ قال لقريش في بعض المواقف: (جئتكم بالذبح)، ولما قال فرعون لموسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩] قال موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] قبل أن يهديني الله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء:٢١ - ٢٢] أهذه نعمة تمن بها علي؟ أطعمت واحداً من بني إسرائيل فقط وجعلته عندك وآويته، ثم ذبحت رجال قومه، وسبيت نساء قومه، أهذه نعمة؟ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء:٢٢] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٦ - ٢٧] على أية حال: فإن اللين والرفق مهم يبدأ به ولا يعدل عنه إلا للحاجة.
стр. 705
الكرم
ومن الأخلاق التي تكون سبباً في نجاح الداعية إلى الله ، ومن عوامل نجاحه: (الكرم) أن تعطي، أن تهب، أن تهدي، تغدق على المدعو، تضيفه، تكرمه، تعينه، تبذل له، فإن الكرم من مفاتيح القلوب المستغلقة.
جاء في صحيح مسلم عن أنس: (أنه ﷺ جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) وروى مسلم ﵀ في صحيحه: (أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح ثم خرج ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بـ حنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسولُ الله ﷺ يومئذٍ صفوان بن أمية وحده مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة -ثلاثمائة- قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي) كان يعطي مائة من الإبل، وكم تساوي مائة من الإبل؟! وكان يقول ﵊: (يا سعد! إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار) يعطيهم ليتألف قلوبهم حتى لا يدخلوا النار، يعطيهم ويستنقذهم بكرمه ﷺ ، ويترك أصحابه فقراء محتاجين من أجل هؤلاء الناس ألا يكبهم الله في النار: (إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطيه، ولكن أعطي أقواماً أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير).
والهدية أخبر النبي ﵊ أنها من أسباب المحبة، فما أحسن أن يفتتح الداعية علاقته بمدعوٍ بهديةٍ يتألف بها قلبه، ويتحبب بها إليه.
إذا أردت قضاء الحاج من أحدٍ قدم لنجواك ما أحببت من سبب
إن الهدايا لها حظٌ إذا وردت أحظى من الإذن عن الوالد الحدب
ولكن ليس معنى هذا أن يسرف الداعية، فبعض الدعاة يقول: نريد أن نكرم مدعواً، فيسرف في الطعام، وربما رُمي الطعام، أو هؤلاء الذين يأخذون بعض المدعوين إلى مطاعم الخمس نجوم، وأماكن اختلاط، هذا ليس كرماً، بل هذه معصية.
فنقول: لا يمكن أن تأخذه إلى أماكن فسق وتقول: أنا أكرمه، الإكرام حسب الشريعة، الإكرام بموافقة الشرع، لو تغدق عليه المئات والألوف تكون محسناً، ولكن أن تجلبه إلى مكان المعصية، أو أنك تسرف، فإن الله لا يرضى ذلك ولا يحب المسرفين.
следующие страницы →