← Акыда

Акыда · id 7707

اعتقاد أهل السنة

ابن جبرين

Полный текст (366 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أهل الحديث وسبب تسميتهم بذلك قوله: [مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة] ، وخصهم لأنهم القدوة، فمن يريد أن يقتدي بهم ويسير على نهجهم فليسلك هذا الطريق وليتمسك بهذا المذهب، ولأنهم أقرب إلى الصواب والنجاة والفلاح، ومعلوم أن أهل الحديث هم الذين تمسكوا به؛ لأن الأصل أنهم رووا الأحاديث ودونوها واشتغلوا بها وفتشوا في صحيحها وضعيفها، ونقبوا فيما يصلح أن يقبل وما لا يصلح أن يقبل، فصار ديدنهم وشغلهم الشاغل هو الاشتغال بالحديث. وما المراد بالحديث؟ لا شك أنه حديث النبي ﷺ الذي يتناقلونه. وكان الصحابة ﵃ في أول أمرهم يقبلون الحديث ممن رواه وممن نقله، ولكن بعدما دخل في الإسلام من ليس بمسلم إسلاماً صحيحاً وأخذ يختلق أحاديث وأقوالاً وينسبها إلى النبي ﷺ ، فعند ذلك اهتم المسلمون بهذه الأحاديث، فألزموا كل من روى حديثاً أن يذكر من حدثه به. قال مسلم في مقدمة صحيحه: كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما ركب الناس الصعب والذلول قالوا: سموا لنا رجالكم. أي: حتى نعلم من يقبل ومن لا يقبل. فصاروا لا يأخذون الحديث ولا يتقبلونه إلا إذا عرفوا سنده، فصاروا يروونها بالأسانيد، فعند ذلك بحثوا في رجالها الذين نقلوها وترجموهم، وذكروا ما يقال فيهم، ومن هو أهل أن يكون محدثاً حافظاً، ومن ليس كذلك، فاشتغلوا بهذا، مثل الإمام البخاري، فقد كان شغله بالحديث طوال حياته ومثل الإمام أحمد ويحيى بن معين وهو رفيق للإمام أحمد وله تاريخ وتراجم مطبوعة، وعلي بن المديني وله كتب مطبوعة، والإمام مسلم، وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم، وكذلك مَنْ قبلهم اشتغلوا بالأحاديث وبنقلها وبتتبعها، ورد ما ليس بثابت منها وما ليس بصحيح، وتثبيت الثابت الصحيح، وقبول رواية هذا وقبول رواية هذا، فصار شغلهم الشاغل دائماً في الأحاديث، فإذا جلسوا في مجلس إنسان فليس لهم إلا أن يقولوا: ماذا تحفظ -يا فلان- من الأحاديث؟ ما عندك من الأحاديث؟ هذا الحديث رواه فلان عن فلان، فماذا تعرفون عن الراوي الفلاني؟ وماذا تعرفون عن شيخه وشيخ شيخه؟ وهكذا يكون دائماً شغلهم في التنقيب عن الأحاديث، فلذلك سموا أهل الحديث وكفى بهذا الاسم شرفاً، وذلك لأنه الحديث الذي أضيف إليه ﷺ .

стр. 37

تعريف السنة وسبب تسمية أهل السنة بذلك الاسم تطلق السنة على أحاديث النبي ﷺ ، وتقابل القرآن، فأنت تقول: أعطني دليلاً من الكتاب ومن السنة ومرادك بالسنة الأحاديث، فجعلت الأحاديث هي السنة؛ لأنها الطريقة التي بينها النبي ﷺ ، والسنة: اسم للطريقة التي يسار عليها كما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه قال: سَنَّ النبي ﷺ ، وسَنَّ الخلفاء الراشدون بعده سنناً إلى آخره. ومراده بالسنن الطرق التي سنوها وشرعوها لمن بعدهم. فالنبي ﷺ شرع لأمته هذه الطرق التي يسيرون عليها، ألا وهي الأوامر والنواهي والأقوال والإرشادات، فسميت سنة لأنه بينها ووضحها، فكأنهم يسيرون عليها، فالسَنَن هي الطرق، ولذلك قال النبي ﷺ : (لتتبعن سَنَنِ من كان قبلكم) يعني: طرقهم. ولما قال له أصحابه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: (الله أكبر! إنها السنن) يعني: الطرق المسلوكة قبلكم. فسماها سنناً، يعني: طرقاً ومماهد يسار عليها. ثم أطلقت السنة على العقيدة السليمة، فيقال: السنة جاءت بكذا وكذا وكثيرٌ من العلماء سموا كتبهم بالسنة، فللإمام أحمد كتاب اسمه (السنة) ، ولولده عبد الله كتاب اسمه (السنة) ، ولتلميذه أبي بكر الخلال (السنة) ، ولـ ابن أبي عاصم كتاب (السنة) ، والمراد بالسنة هنا ما يعتقد، فلا تدخل في سنن الأفعال، أما كتاب المروزي -واسمه محمد بن نصر المروزي - فهو يتعلق بالأحاديث والذب عنها وتصحيحها وما يقال فيها، ولا يتعلق بالعقيدة، بخلاف كتاب (السنة) لـ عبد الله ولأبيه ولتلميذه فإنها تتعلق بالعقيدة، ولبعض المتأخرين -وهو عالم يماني اسمه: ابن الوزير - كتاب مطبوع اسمه (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم) ، فيراد بالسنة هنا الأحاديث، وكذلك أيضاً الأعمال. والحاصل أن أهل العقيدة السلفية يسمون (أهل الحديث) ، و (أهل السنة) ، و (أهل الجماعة) ، ويراد بالجماعة: المجتمعون على الحق والخير، والذين تجمعهم عقيدة سليمة ولو كان غيرهم أكثر منهم. ولقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على لزوم الجماعة، ففي حديث أبي ذر المشهور قال النبي ﷺ : (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) ، وفي أحاديث كثيرة أنه ﷺ قال: (عليكم بالجماعة) ، فهو يحث على لزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم.

стр. 38

المراد بالجماعة وعلى من تطلق أطلقت الجماعة على أهل العقيدة السليمة ولو قلوا في بعض الأزمنة، والأصل أنهم السواد الأعظم والأكثرية، ولكن قد يقلون في بعض الأزمنة، ولـ ابن الجوزي كتاب اسمه (تلبيس إبليس) ، وفي بعض الطبعات (نقد العلم والعلماء) ، بدأه بمقدمة على الحث بلزوم الجماعة، وكأنه يشير إلى أن الأكثرين غالباً الأقرب إلى الصواب، ولكن لو قدر أن الصواب صار مع غيرهم فإنا نأخذ بمن معه الصواب ولو كانوا قليلاً، فالحق حق وإن قل أهله، والباطل باطل وإن كثر أهله. ثم قد يراد بالجماعة أهل القرون المفضلة وبالأخص الصحابة، فكلهم على الحق لم يذكر فيهم مبتدع، والقرن الثاني وهم التابعون- الأصل فيهم أنهم على الحق؛ لأن فيهم الذين قرؤوا العلم وأخذوه عن الصحابة، وتلامذتهم تابعوا التابعين الأصل فيهم أنهم على الصواب والحق، وأما القرن الرابع وما بعده فهو الذي كثرت فيه البدع وكادت السنة أن تختفي. إذاً فقد يقال: إن الجماعة هم السلف الصالح، والجماعة هم أهل القرون الثلاثة المفضلة الذين زكاهم النبي ﷺ ، وهذه عقيدتهم.

стр. 39

الإقرار بالله أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإقرار بالله] . هكذا عبر بالإقرار، والمراد الاعتراف، تقول: أقر بالشيء: أي: اعترف به. وقد تقول: لماذا لم يعبر بالإيمان كما ورد في حديث جبريل أن النبي ﷺ قال له (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالقدر) فقال: (تؤمن) ولم يقل: تقر؟ و الجواب كأن المؤلف هنا اختار لفظ الإقرار؛ لأنه يريد به الاعتراف الظاهر الذي يسمع من المعترف بذلك على رؤوس الأشهاد، والإيمان كأنه خفي؛ لأنه تصديق القلب ويقينه وعقيدته، والإقرار: إظهار للشيء الذي أقر به وإعلان له على رؤوس الأشهاد وتمسك به ولا شك أن من أظهر هذا الاعتراف وقال: أنا أقر وأعترف بأن الله هو إلهنا، وأنه أنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الخلق، وله ملائكة كرام كاتبون. ويعترف بذلك نقبل ذلك منه.

стр. 40

لوازم الإقرار بالله لم يذكر المصنف هنا إلا أربعة أركان: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولم يذكر اليوم الآخر ولا القدر، ولكنه سيذكر ذلك فيما بعد وإن لم يفصل فيه تفصيلاً. ولا شك أن الإقرار بهذه الأربعة يستلزم الإقرار بغيرها، فمن أقر بالله لزمه أن يقر بوجوده وبقدرته وبتصرفه وبتدبيره وبخلقه وبعلمه وبسائر صفاته التي وصف بها نفسه، وهذا هو الأصل، ولأجل ذلك تجد كثيراً من الأحاديث ذكر فيها الإقرار أو الإيمان بالله واليوم الآخر دون بقية أركان الإيمان، مثل قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، وكقوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج) ؛ اقتصر على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بالله يدخل فيه التوحيد بأنواعه وأخبار الله تعالى والإيمان برسله؛ لأنهم جاؤوا بما أرسلهم به، ويدخل فيه الإيمان بكتبه؛ لأنها اشتملت على كلامه ووحيه وإرشاده، ويدخل فيه الإيمان بوعده وبوعيده ونحو ذلك، فهو الأصل، فمن آمن بالله أتبع إيمانه كل ما أخبر الله به وكل ما جاء عن الله تعالى.

стр. 41

الإيمان بوجود الله فرع عن الإيمان به معلوم أن الإنسان إذا آمن بالله فأولاً يؤمن بوجود الله تعالى، ويرد بذلك على الشيوعيين والفلاسفة الدهريين والطبائعيين، وذلك لأن هؤلاء جميعاً لا يعترفون بخالق بل الأمر عندهم مسند إلى الطبائع، والطبائع هي التي تؤثر في هذا الكون، وفي منظومة لبعض المتأخرين يقول فيها: ولا نصغي لعصري يفوه بما يناقض الشرع أو إياه يعتقد يرى الطبيعة في الأشياء مؤثرة أين الطبيعة يا مخذول إذ وجدوا؟! فأين الطبيعة قبل أن يوجدوا؟ وأين الطبيعة بعدما وجدوا؟ فهؤلاء الطبائعيون لا يؤمنون بوجود الله تعالى، والمسلم الذي يعتقد وجود الله تعالى يعترف بوجوده، وفي ثلاثة الأصول قال الشيخ ﵀: (إذا قيل لك: بم عرفت ربك فقل: بآياته ومخلوقاته) ، يعني: عرفته بآياته التي منها الليل والنهار والشمس والقمر، وبمخلوقاته التي منها السموات والأرض وسائر المخلوقات، وهذه المخلوقات دالة على أن لها خالقاً. ولقد تكلم ابن كثير ﵀ على أول آية فيها أمر في تفسيره، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١-٢٢] فقال: هذه ست دلالات نصبها الرب تعالى ليعرفه العباد ويعترفون أنه ربهم الذي خلقهم، أي: أوجدهم وقد كانوا معدومين: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] ، (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) : الآباء والأجداد والأسلاف؛ فإن النعمة على الوالدين نعمة على الأولاد. (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً) أي: غطاء وبساطاً ليناً تجلسون وتتقلبون عليه كما تشاؤون، وكما فيها من آيات عظيمة، (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) وجعلها سقفاً محفوظاً وبناء فوقكم (وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً) لا يقدر الخلق على أن ينزلوه، (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) جعل هذه الأرض لينة تقبل أن تنبت النبات الذي يكون به غذاؤكم وبه تتم حياتكم. ثم إنه ﵀ ذكر أقوالاً ونقولاً عن السلف ﵏ يستدلون بها على وجود الخالق، فذكر أن أبا حنيفة جاءه قوم من الدهريين وسألوه عن وجود الله -يريدون أن يشككوه في وجود الرب تعالى- فقال لهم: إني منشغل بأمر رهيب. قالوا: وما هو؟ قال: ذكر لي أن هاهنا سفينة ليس فيها أحد، وأنها تسير وحدها في البحر، وترسي على الساحل، وتحمل نفسها أمتعة حتى تمتلئ، ثم تسير سيراً مستقيماً حتى تصل إلى بلاد أخرى، ثم تنزل ما فيها من الأمتعة مع اختلافها، وتعزل التمر والأكسية وغيرها كل بمفرده، ولا يختلط هذا بهذا، ومع ذلك ليس فيها أحد، وليس فيها من يسيرها ولا من يرسلها. فقالوا: وهل تصدق بهذا؟ لا يصدق بهذا إلا مجنون! السفينة خشبة، وكيف تحرك الخشبة نفسها؟ وكيف تسير بنفسها؟ وكيف تحمل نفسها وهي خشبة؟ فعند ذلك قال لهم: خصمتم، فأنتم تشاهدون هذا الكون، فهذه النجوم التي تسير من الذي خلقها وأوجدها؟ وهذان النيران -الشمس والقمر- من الذي سيرهما هذا السير المحكم؟ وهؤلاء الخلق من الذي بثهم في هذه الأرض؟ وهذه الأفلاك التي تسير في هذا الكون، وهذه الرياح من يصرفها كما يشاء، وهذه السحب من ينشئها؟! فعند ذلك انقطعوا وتابوا على يديه، فهذه حجة قوية. وسئل الإمام أحمد ﵀ عن هذا السؤال فقال: ها هنا قصر مشيد محكم ليس له منفذ ولو كان رأس الإبرة، ظاهره فضة بيضاء وباطنه ذهب أصفر، محكم البناء، لا يصل إليه تصرف، ولا يصل إليه أدنى تدبير، بقي هذا القصر على ما هو عليه، وبينما هو كذلك إذ انكسر جداره فخرج من وسطه حيوان حي سميع بصير يأكل ويشرب ويتقلب ويتصرف لنفسه فيه جميع الحركات، كيف ولد في وسط هذا القصر؟ يشير بذلك إلى بيض الطير، هذا البيض يخرج ميتاً ليس فيه أدنى علامة للحياة، ومع ذلك يتكون فيها هذا الفرخ، ويتغذى من وسط، ثم بعد ذلك يخرج بإذن الله، فالله تعالى هو الذي كونه حيواناً صغيراً، ثم بعد ذلك أكل ونما إلى أن خرج وهو حيوان كبير يستطيع أن يطير ويتقلب، أليست عناية الله تعالى بهذا الطائر في هذه البيضة تدل على أنه كونه وقدره كما يشاء؟ والآيات والعلامات كثيرة، وقد تكلم ابن القيم ﵀ في أول كتابه الذي سماه (مفتاح دار السعادة) بنحو أكثر من ستين صفحة كلها في التفكر والتأمل في المخلوقات والاستدلال بها على قدرة الخالق، فجعل ذلك في فصول. فهو يقول -مثلاً-: فصل: تأمل خلق الإنسان كيف خلق من كذا وركب فيه كذا وكذا، ثم تأمل خلق هذا الحيوان -وأخذ يفصل في الحيوانات-، ثم تأمل خلق الأرض وفيها كذا وكذا، وتأمل خلق كذا. نحو ستين صفحة كلها في الأدلة، وفي أثناء كلامه يقول: فسل المعطل: من الذي جعل النور في هاتين العينين، هذا النور الذي يمتد ويبصر القريب والبعيد؟ سل المعطل: من الذي فتح هاتين الأذنين وجعلها مدخلاً للصوت حيث إن الصوت يصل إلى الدماغ ويتصور السامع ما يقول من إنسان وحيوان وطير؟ سل المعطل: من الذي ركب هذا الفؤاد وجعل فيه هذا العقل الذي يميز بين الأشياء وفرق به بين الإنسان وبين غيره من الدواب؟ سل المعطل: من الذي ركب لهذا الطير هذه الأجنحة حتى يطير بها ويتصرف بها كما يريد؟ وتكلم في كتاب له آخر اسمه (التبيان) -أكثره من القرآن- عندما أتى على تفسير سورة الذاريات في قوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢٠-٢١] فأطال في قوله: (وَفِي أَنفُسِكُمْ) حيث شرح ما في الإنسان من العجائب حتى كأنه أعلم من المشرحين الذين يشرحون المخلوقات، ويصف الإنسان من رأسه إلى إبهامه، يصف كل عضو ويقول: مادته من كذا وكذا. لا شك أنها آيات بينات عظيمة.

стр. 42

الإقرار بأن الله الخالق إذا آمنا بالله تعالى أنه موجود آمنا أيضاً أنه الخالق الذي تفرد بالخلق فلا خالق غيره، ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠٢] ، فهو الذي انفرد بخلق المخلوقات، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] . ولا شك أن الاعتراف لله بأنه الخالق يفيد الإنسان عظمة الله تعالى؛ وذلك إذا اعترف بأن الخلق كله خلق الله، وأن كل ما في الوجود بإيجاده، وأنه ليس فيه ذرة من خلق أحد، وأن الإنسان مهما اخترع وخلق لا يقدر على خلق مثل ما خلق الله، قال الله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] ، فلو حاول الإنسان -مثلاً- أن يخلق ذباباً أو ذرة يجعلها متحركة بطبعها ويركب فيها عينيها وأذنيها وأقدامها ومفاصلها ونحو ذلك لا يستطيع، ولو اجتمع الخلق على أن يخلقوا ذرة أو بعوضة فيها نفس وروح وحركة طبعية اختيارية لم يقدروا على ذلك، أما التصوير فإنه يسمى تصويراً، وقد توعد الله أيضاً الذين يصورون، كما في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا برة، أو ليخلقوا شعيرة) . قد تقول: إنهم الآن يصنعون حب الأرز الصناعي وما أشبهه؟! لكنه ليس مثل البر الذي هو خلق الله تعالى، حيث إنه ينبت إذا بذر، فالبر الطبيعي أو نحوه إذا دفن في الأرض وسقي نبت فوق الأرض وأزهر، وأما هذا فإنهم يأخذون شيئاً من الأرز ثم يطبخونه، ثم بعد ذلك يدخلونه في ماكينات ويقسمونه إلى حبات يسيرة، ثم يجعلونه طعاماً، فما أخذوا إلا من كخلق الله تعالى، أما خلق الله فلا يستطيعون أن يخلقوا ذرة كما هي أو برة أو شعيرة طبيعية بطعمها وبطبعها. وكذلك أيضاً إذا عرفنا أن الله تعالى هو الخالق فإننا نؤمن بأنه المعبود، وذلك كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] كأنه قال: أذكركم بأني خلقتكم، وإذا كنتم خلقي فأنتم عبيدي وملكي، والعبيد يطيعون خالقهم ومالكهم، ولا يخرجون عن طواعيته، ولا يتعبدون لغيره، بل يعبدونه وحده، فكيف تتعبدون لمن لم يخلقكم وتتركون الذي خلقكم؟ فالكلام الذي يتعلق بالإيمان بالله يدخل فيه جميع ما يأتي من الإيمان بالصفات ونحوها.

стр. 43

الإيمان بالملائكة أما الإيمان بالملائكة فإنه ركن من أركان الإيمان الستة، فنؤمن بأن الله تعالى خلق الملائكة، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] أي: لا يتعبون، بل يسبحون الليل والنهار لا يصيبهم الفتور. ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦-٢٨] ، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ، ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت:٣٨] ، ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٦] ، والآيات في صفاتهم كثيرة، فلا بد أن نؤمن بأن الملائكة خلق لله تعالى، وذكر العلماء أنهم أرواح مستغنية عن أجساد تقوم بها، كما ذكر ذلك ابن القيم في كتاب (الروح) ، ولأجل ذلك لا نراهم، وكان ينزل الملك على النبي ﷺ ولا يراه من حوله، وذلك لأنهم أرواح لا يطالها البصر، ولكن لهم القدرة على التشكل والظهور بصور مختلفة. وقد ورد ذكر كثرتهم، ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد) ، وأخبر النبي ﷺ بأنهم دائماً يسجدون لله ويعبدونه، ففي حديث النواس ﵁: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك) فهذا خضوعهم لله تعالى، وتواضعهم لله، (إذا أراد الله أن يوحي بالأمر -تكلم بالوحي- أخذت السموات منه رجفة أو رعدة شديدة، فإذا سمع ذلك أهل السماء صعقوا وخروا لله سجداً) كل ذلك دليل على أنهم خلقوا للعبادة، ولذلك يقولون: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] . وذكر أن منهم خزنة النار وخزنة الجنة، ففي قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر:٧١] يعني: الذين يحمونها أو يحفظونها أو نحو ذلك. وقد ذكر أن الإنسان موكل به ملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] ، وفي قول النبي ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) .

стр. 44

الإيمان بالكتب والرسل وأما الإيمان بكتبه فهو بأن نؤمن بأن لله تعالى كتباً أنزلها على أنبيائه، والكتب هي التي تكتب في صحف، سواءٌ أنزلها مكتوبة، أو مقروءة ثم كانت نهايتها أن كتبت وضبطت، وورد في بعض الأحاديث: (أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، ثم إنه ضمن هذه المائة في الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ثم إن معاني هذه الأربعة ضمنها القرآن) ، فأصبح القرآن متضمناً لمائة كتاب وأربعة كتب، ولهذا وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] يعني: محتوياً على الكتب التي قبله. أي: على معانيها ومفادها ومدلولها. فكتاب الله الذي أنزله هو خاتمة كتبه التي أنزلها على أنبيائه وهو أفضلها؛ حيث إنه وصفه بقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ، ولعله يأتينا كلام في الكتب. أما الإيمان بالرسل أو الإقرار بهم فهو اعتقاد أن الله تعالى أرسل رسلاً من البشر ورسلاً من الملائكة، كما في قول الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] ، فالملائكة رسل إلى الأنبياء، يرسل الله الرسول الملكي إلى الرسول البشري بالوحي الذي يأمره أن يبلغه، فمن الملائكة رسل ومن البشر رسل، فالرسل من البشر واسطة بين الله تعالى وبين البشر ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [النساء:١٦٥] ، وهناك حديث طويل ذكره ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] ، وهو حديث أبي ذر أنه قال: (يا رسول الله! كم الأنبياء؟ فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً جم غفير) جم غفير، فالرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، والأنبياء هذا عددهم، وإذا لم يصح هذا الحديث فإن الآية تصرح بكثرتهم ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] . وإيماننا بالرسل إيمان مجمل، فنصدق بأنهم صادقون مصدَّقون، وأنهم لا يقولون إلا بما أوحي إليهم، ولا يبلغون إلا ما أرسلوا به، ولا يقولون شيئاً من قبل أنفسهم.

стр. 45

عقيدة أهل السنة فيما نطق به القرآن قال المصنف ﵀: [من عقيدة أهل السنة والجماعة قبول ما نطق به كتاب الله تعالى] . قوله: [قبول] دل على أن كتاب الله تعالى هو حجتنا وهو دليلنا، فكتاب الله هو الذي أورثناه الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] ، فالذين ورثوه هم المصطفون، وهم خيرة الله من خلقه، وصفوته، فمن عقيدتهم أنهم يقبلون كل ما نطق به، وأنهم لا يردون شيئاً، سواءٌ أكان رداً صريحاً بالتكذيب به بأن يقولوا: هذه السورة ليست من القرآن، وهذه لم يتكلم بها الله، وهذه مكذوبة، وهذه الآية زائدة ليست من القرآن بل أضافها إليه الكتاب أم نحو ذلك؛ فإن من كذب بكلمة من القرآن فقد كذب به كله، أي: حكمه حكم من كذب به؛ لأن كل كلمة متحققة الثبوت، والقرآن كله نقل نقلاً متواتراً، فلا يحق لأحد أن يرد منه كلمة، كما لا يحق لأحد أن يزيد فيه حرفاً أو يضيف إليه كلمة، وقد تكفل الله تعالى بحفظه فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، فمن عقيدة أهل السنة الإقرار والاعتراف والقبول بكل ما جاء في كتاب الله تعالى. وعبر بالنطق وكأن القرآن ينطق، فهم يقولون بأن كتاب الله ينطق بكذا وكذا وقد تقول: إننا نمسك القرآن الذي هو المصحف ومع ذلك لا يتكلم! ولكن الموجود في داخله مكتوب بالحروف العربية الواضحة، فإذا قرأتها فكأنه نطق لك القرآن وأوضح لك، فيقال: نطق القرآن بكذا. أي: احتوى على كذا واشتمل على كذا وكذا. فذكر -مثلاً- أركان الإسلام، وذكر في القرآن الحدود، والبعث والنشور، والأسماء والصفات، هذا كله مما نطق به القرآن، ووظيفتنا أن نقبل ذلك. قال رحمه الله تعالى: [وما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ ] . خص ما صحت به لأن هناك أحاديث لم تصح ولا رويت بأسانيد ولكن فيها ضعف فلا ندخلها في العقيدة، ولا ندخلها في الشريعة إذا كانت غير صحيحة أو غير مقبولة، إنما نقبل ما صحت به الرواية عن رسول الله ﷺ . ولم يشترط الإسماعيلي ﵀ أن تكون متواترة بل أجمل ذلك، وإن لم تبلغ حد التواتر، فلو صحت وكانت من الآحاد فإنها مقبولة ونقول بها إذا ثبتت وصحت عن رسول الله ﷺ . ثم يقول: [ولا نعدل عما ورد به، ولا سبيل إلى رده] . قوله: [لا نعدل] ضبط بلفظ [لا معدل] يعني: لا عدول. أي: لا يجوز لك أن تعدل عما ورد في القرآن والسنة، ولا يحق لك أن تتركه جانباً، بل إذا عرفت أنه ثابت في كتاب الله تعالى وصحيح في سنة رسوله فإن عليك أن تقول به وأن تنطق به وأن تعتقده ولو خالفك من خالفك، ولو كثر الذين ينكرون عليك، فإن دليلك دليل قوي، دليلك كتاب الله الذي هو أصح ما جاء عن الله تعالى فيما بين أيدينا، ودليلك أيضاً سنة رسول الله ﷺ الثابتة القوية، فلا تعدل عما ورد به ولا سبيل لك إلى رده. قوله: [لا سبيل إلى رده] بمعنى أنه ليس لأحد مسلك أو سبيل إلى أن يرد شيئاً مما جاء في هذه السنة أو الآيات، بل من رد شيئاً منها فكأنه رد الجميع. قال: [إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة] في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣] ، والسنة منزلة كما أن القرآن منزل؛ لقوله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة. فهم مأمورون باتباع الدليلين: الكتاب والسنة. والأمر من الله، فإذا كان الأمر من الله تعالى فإنه يجب امتثاله.

стр. 46

الأمر باتباع الكتاب والسنة ونبذ ما خالفهما قال المصنف رحمه الله تعالى: [إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة] . نعرف أن الله تعالى يأمرنا دائماً باتباع كتابه، ويحثنا على اتباع سنة نبيه، ويذكر عاقبة من اتبع هذا النبي وحسن العاقبة له، مثل قول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٣] . والاتباع هو السير على نهجه، أي: سيروا على منهجه وطبقوه واعملوا به. والأصل في الاتباع أنه اتباع الآثار، فإذا سار رجل على طريق ثم سرت عليه تقول: اتبعت أثر فلان. واتبعت فلاناً في مذهبه أي: ذهبت إلى ما ذهب إليه. ثم أطلق الاتباع على التطبيق للأعمال، فالله تعالى أمرنا باتباع الكتاب والسنة، وأمرنا باتباع الرسول ﷺ ، ولا شك أن الاتباع هنا هو الاتباع بالأعمال الصالحة، بمعنى: السير على نهجه وتطبيق سنته والعمل بما أمر به. هذا معنى قوله: [إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة] . وقد وردت الأدلة باتباع الكتاب والسنة في آيات كثيرة، مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، (اتبعوني) بمعنى: أطيعوني. والاتباع معناه: الاقتداء به. وهو أيضاً التأسي، كما هو في قول الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، وكذلك قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] ، فرتب الاهتداء على الاتباع، ويفهم منه أن ترك الاتباع له ضلال، فالاهتداء ضده الضلال، فمن اتبع الرسول ﷺ اهتدى، ومن ترك اتباعه واتبع هواه ضل. وكثيراً ما يذكر الله تعالى ضلال من اتبع هواه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] أي: اتبعوا ما تهواه أنفسهم، ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] أي أنه لا يهوى شيئاً إلا ركبه. فالذين يتبعون أهواءهم هم الضالون، والذين يتبعون السنة والكتاب هم المهتدون، وهذا معنى قوله: [مضموناً لهم الهدى فيهما] . يعني: ضمن الله الهدى لمن اتبع كتابه وسنة نبيه ﵊، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] ، والأدلة كثيرة في ذلك. قال المصنف ﵀: [مشهوداً لهم بأن نبيهم ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم] . يعني: يدل على الصراط ويحث على سلوكه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥٢-٥٣] ، وصراط الله الذي أمر بسلوكه بينه النبي ﷺ ، فصراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض بينه النبي ﷺ وهدى إليه، فمن سار عليه فإنه من المهتدين، ومن أخطأه فإنه من الضالين. والأصل أن الصراط هو الطريق الواسع الذي يسلكه الناس ولا يضيق بهم، ومنه سميت السبل طرقاً وسبلاً يسار عليها، فسبيل الله واحد، وهو الذي بينته الرسل وبينه النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ، وفي الحديث الصحيح: (أن النبي ﷺ خط خطاً مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط منحرفة يميناً ويساراً، فأشار إلى الخط المستقيم ثم قال: هذا صراط الله -يعني الصراط المستقيم- وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ هذه الآية من سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] ) . والصراط الذي يهدي إليه النبي ﷺ هو دين الله الذي جاء به وبلغه، فمن سار عليه فإنه على الهدى المستقيم، ومن اتبع بنيات الطريق هلك وضل. وقوله ﷺ : (على كل سبيل منها شيطان) هذه السبل هي البدع والمحدثات التي أحدثت بعد النبي ﷺ ، فإن الذين يدعون إليها إما شياطين الجن وإما شياطين الإنس، فهؤلاء شياطين يدعون إلى طريق الروافض، أو المعطلة، أو الجبرية، أو الخوارج، أو المرجئة، وهكذا. وكذلك أيضاً الطرق والمناهج المحدثة، فهؤلاء يدعون إلى الكفر، وهؤلاء إلى النفاق، وهؤلاء إلى الشيوعية، وهؤلاء إلى البعثية، وهؤلاء إلى العلمانية، وهكذا. قال المصنف ﵀: [محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم] أخذ هذا من الآية التي في آخر سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] بعد أن أمر الله تعالى بطاعة نبيه ﷺ وبعدم الخروج إلى شيء إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ﴾ [النور:٦٢] ، ثم قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] ، وقد يكون سبب النزول خاصاً، وهو أنه ينهاهم فيقول: اجلسوا هاهنا فيخالفونه ويجلسون في غيره، يقول لهم: الزموا هذا المكان، واحفروا هنا في الخندق فيتركون أمره ويخالفونه، ولكن الآية عامة يدخل فيها كل من خالف سنة جاءت عن النبي ﷺ . ومما هو مشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قوله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) . وهكذا يمثل ﵀ في زمانه أناساً يقلدون سفيان الثوري ويتبعون رأيه -مع أنه مجتهد ومحدث- وهم يعرفون الأحاديث، فيتعجب منهم الإمام أحمد: كيف تعرفون الأحاديث وتقلدون الرجال؟ ألستم بذلك مخالفين للنبي ﷺ ؟! تعرفون أمره ثم تتركونه لرأي فلان وفلان، هذه هي المخالفة، وإذا خالفتموه فلا تأمنوا أن تصيبكم فتنة أو يصيبكم عذاب أليم.

стр. 47

الأسئلة

стр. 48

كيفية زكاة مشاغل الخياطة السؤال مشاغل الخياطة كيف تكون زكاتها؟ وهل تزكى بما فيها من مواد خياطة، وكذلك لوازم مستخدم الخياطة وماكينة الخياطة وغيرها؟ الجواب لا زكاة فيما يستعمل، فالماكنة التي يخيط عليها لا تقدر؛ لأنها ليست للبيع وإنما هي للاستعمال، وكذا جميع ما يشترى للاستعمال، إنما الزكاة في الأجرة التي يأخذها ويحصل عليها إذا حال عليها الحول، فالخياط إذا كان يخيط بالأجرة فإنه يجمع الأجرة، فإذا تم نصابها وحال عليها الحول زكاها. أما إذا كان عنده أقمشة يبيع ويخيط فإنه إذا حال عليها الحول يقدر ما عنده من الأقمشة التي يبيع منها ويضيفها إلى ما عنده من النقود ويزكي الجميع. والغسال -مثلاً- عنده مكائن التغسيل وما أشبهها لا زكاة فيها، والأجرة التي يجمعها من هذا ومن هذا إذا حال عليها الحول فإنه يزكيها، وهكذا أهل الحرف والصناعات، فالأدوات التي يستعملونها للصناعة لا تقدر، وهكذا أيضاً ما ليس معدوداً للبيع، فصاحب البقالة -مثلاً- عنده ثلاجات تحفظ الفواكه والأشربة وما أشبهها، وعنده صناديق تحفظ الأمتعة، فهذه لا تقدر ولا تزكى إنما يزكي الشيء الذي للبيع.

стр. 49

الجمع بين تصور الملائكة بالأجساد وحقيقة شكلها السؤال أشكل القول بأن الملائكة أرواح بغير أجساد، فكيف الجمع بين ذلك وبين ما ورد أن جبريل ﵇ رآه النبي ﷺ وله ستمائة جناح، وأن صاحب الصور قد التقم الصور؟ الجواب لا منافاة بين ذلك، فالنبي ﷺ يراه وغيره من الحاضرين لا يرونه، جعل الله في النبي ﷺ قوة إبصار يبصره وإن لم يكن له شبه ظاهر، ولهذا في حديث جبريل أنه لما تصور بصورة رجل ثم سأل عن تلك الأسئلة ثم قام قال لهم: (ردوه) ، فذهبوا فلم يروا شيئاً مع أنه قريب عهد بهم، مما يدل على أن الله أعطاهم قدرة على التشكل، والله تعالى خلق الجن أرواحاً بلا أجساد، وكذلك الشياطين أرواح بلا أجساد، وخلق البشر أرواحاً وأجساداً، فالروح التي في الإنسان هي التي بها حياته، فإذا نزعت الروح من الإنسان مات وبقي جسداً بلا روح، والروح إذا خرجت من هذا الجسد لا نبصرها ولا نراها، وورد في الأحاديث أن الملائكة يحضرون عنده، كما في قوله تعالى: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] ، فهل نحن نراهم إذا حضروا عند الميت؟ وورد في الحديث حديث البراء المشهور: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه، معهم أكفان من الجنة، وحنوط من الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ويأتيه ملك الموت، فيقول: أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب! اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. فتخرج منه تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، أو يسلها منه كما تسل الشعرة من العجين) . فنحن لا نرى ملك الموت ولا نرى الملائكة، إذاً فهذا دليل على أنهم خلق من غير جنس هذا الخلق.

стр. 50

الجمع بين سبق القدر ورد الدعاء له السؤال كيف نجمع بين قولي النبي ﷺ : (إن الله كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) ، وقوله ﷺ (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) ؟ الجواب لا منافاة بينهما، فالله تعالى كتب مقادير الخلائق ولا يتغير شيء عما خلقه، ولكنه جعل أسباباً أزلية في هذا الكون، كما أن الأعمال الصالحة أسباب أزلية في السعادة والأعمال السيئة أسباب أزلية في الشقاوة، فكذلك من جملة الأسباب الأزلية البر وحسن الخلق وصلة الرحم وما أشبه ذلك، فقال: (من أحب أن يزاد له في أجله، وأن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه) جعل ذلك سبباً، ولكن ليس مغيراً لقدر الله الذي كتبه قبل أن تخلق المخلوقات، ولكنه مكتوب في الأزل أن هذا يزاد عمره بسبب الصلة، ولو كان عاقاً لكان عمره ناقصاً، وهذا يزاد في رزقه بسبب الدعاء، ولو لم يدع لكان رزقه ناقصاً، فكتب الله أن هذا يدعو، وهذا يعصي، وهذا يطيع، وهذا يعمل صالحاً فيسعد، فكل ذلك مكتوب في الأزل وليس أمراً حادثاً، بل هو أمر أزلي يصدق بذلك كله، ولذلك الصحابة لما قالوا: (يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) . الله تعالى يسر الإنسان وهداه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦] ، والكل يحيا موافقاً للقضاء والقدر، لكن الإنسان مأمور بأن يعمل ويجتهد في العمل، ويعرف أن هذا لا يخالف القضاء والقدر.

стр. 51

أقل ما يكون زمناً للاعتكاف السؤال من دخل المسجد لطلب العلم ومكث فيه من بعد صلاة العصر ولم يخرج إلا بعد العشاء هل له أن ينوي الاعتكاف في ذلك الوقت؟ الجواب له أجر على هذه المراقبة وهذه الملازمة إن شاء الله، أما الاعتكاف فالذي نعرف أن أقله يوم كامل أو ليلة كاملة، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها نهاراً كاملاً، أو من غروبها إلى طلوعها ليلاً كاملاً؛ لأن أقل ما ورد فيه يوم أو ليلة. ولكن الذي يلازم المسجد ويجلس فيه بالنية له أجر الملازمة، وله أجر النية الصادقة وأجر انتظار الصلاة، كما في الحديث: (فإن أحدكم في صلاة مادامت الصلاة تحبسه) أو (هو في صلاة ما انتظر الصلاة، والملائكة تستغفر له) ، فله أجر إن شاء الله.

стр. 52

الفرق بين رحمة المخلوق ورحمة الخالق السؤال في الحديث عن النبي ﷺ : (إن الله خلق مائة رحمة) ، فهل الرحمة التي هي صفة من صفات الله مخلوقة؟ الجواب الرحمة التي قذفها الله في قلوب العباد لا شك أنها مخلوقة، فقد جعل الله لقلب الإنسان رقة يرحم بها ولده أو يرحم بها من يستحق أن يرحم، وأما وصف الله بأنه رحيم وبأنه يرحم العباد فهذا صفة من صفاته، فالرحمة التي خلقها هي التي يرحم بها عباده، وأما الرحمة التي في مثل قوله: (خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي) فهذه صفة من صفاته، وصفات الله ليست مخلوقة.

стр. 53

موقف طالب العلم من اختلاف أهل السنة في المسائل السؤال ما هو الموقف حين يختلف علماء السنة في مسألة من المسائل؟ الجواب إذا كان الاختلاف في الفروع فالأمر يسير، مثلاً: اختلفوا في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، ولك أن تنظر في أدلتهم وتفعل بما يترجح عندك، واختلفوا في وجوب القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية والأمر في ذلك أيضاً يسير، واختلفوا في وضع اليدين في الصلاة على الصدر بعد الرفع من الركوع، فمنهم من يسدل ومنهم من يرفع، والأمر في ذلك يسير ولك أن تختار ما يوافق الدليل، فهذا الاختلاف في الفروع، وإن عرف الإنسان الدليل فإنه يتبعه. أما في مسائل العقيدة فالأصل أنك تختار ما كان عليه الصدر الأول الذين هم سلف الأمة وأئمتها وأهل الحديث، هؤلاء هم الذين يقدمون، فإذا وجدت أقوال مخالفة لأقوالهم كأقوال الكرامية والكلابية والجاحظية والهذلية مثلاً، فنقول: هذه أقوال حادثة بعد الصحابة والتابعين وتابعيهم وبعد سلف الأمة، وهذه أقوال لا مستند لها وليس عليها دليل من الكتاب أوالسنة، فلا نقبلها، وفي الأقوال الصحيحة غنية عنها.

стр. 54

حكم الجمع بعد دخول المدينة السؤال مجموعة من المدرسين يذهبون من بلدتهم إلى قرية تبعد مائة كيلو، فيخرجون بعد صلاة الفجر ويرجعون بعد الدوام، فلا يصلون إلا قبيل العصر بربع أو بثلث ساعة، وعندئذٍ يكونون مجهدين تماماً، فإذا ناموا لا يستطيعون القيام للصلاة، فهل لهم أن يجمعوا الظهر مع العصر؟ الجواب ليس لهم ذلك مادام أنهم يصلون قبل العصر، وننصحهم بأن يُصلوا في الطريق وأن لا يُسرعوا في السير، فيصلون بالطريق، وبعدما يُصلون لهم أن يناموا لراحة أجسامهم، فمادام أنهم يُصلون قرب الوقت فليس لهم ذلك.

стр. 55

شرح اعتقاد أهل السنة [٤] من توفيق الله تعالى لأهل السنة أن منَّ عليهم باتباع أوامر الكتاب والسنة، وبهذا هدوا إلى صراط الله المستقيم، ومن ذلك الاتباع: إثبات الأسماء والصفات لله تعالى كما وردت بلا تكييف أو تمثيل أو تعطيل؛ كإثبات صفة اليد، وصفة الاستواء كما يليق به ، وما زلت قدم من زل إلا بسلوك غير هذا الصراط، ومما يثبتونه لله أنه خالق الخلق ومالكهم، ولم يخلقهم إلا لابتلائهم لا عن حاجة إليهم.

стр. 56

عقيدة أهل السنة في أسماء الله وصفاته قال المصنف ﵀: [يعتقدون -يعني أهل السنة أهل الحديث- أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه ﷺ ] . هذه الجملة كررها كما سيأتي، وعقيدة أهل السنة إثبات أسماء الله تعالى، وكذلك دعاؤه بها، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] ، والأسماء الحسنى هي التي سمى الله بها نفسه، وهي التي بلغت النهاية في الحسن، فهي حسنة كلها ليس فيها ما هو غير حسن وما هو موصوف بالقبح. ووردت أحاديث كثيرة في ذكر بعض الأسماء الحسنى، مثل التسعة والتسعين التي ذكرت في بعض الأحاديث، روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً -مائة إلا واحداً- من أحصاها دخل الجنة) ، فلما روى هذا الحديث عمد بعض الرواة وجمعوها من القرآن، فبلغت تسعة وتسعين اسماً، وأخذوا الأسماء التي في آخر سورة الحشر ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٢-٢٤] ، ثم جمعوا من مواضع من القرآن الغفار، والقهار، والوهاب، والعليم، والقابض، والباسط، والرزاق، والفتاح، والعليم إلى آخرها. ولكن الصحيح أن أسماء الله تعالى لا تحصر في هذه التسعة والتسعين، بل أسماء الله كثيرة وليست بهذا المقدار، والدليل على هذا ما رواه أحمد ﵀، وفيه قول النبي ﷺ : (إذا أصاب أحدكم هم أو غم فليقل: اللهم! إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحاً) ، فذكر في هذا الحديث قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فدل على أن الله سبحانه له أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده ولم يطلع عليها أحداً. أما الدعاء بها فهو فهم سؤال الله بأسمائه، وجعل الأسماء وسيلة، إذا أردت أن تدعو الله فإنك تقدم بين يدي الدعاء ذكراً للأسماء، فتقول: يا رحيم! يا رحمن! ارحمنا برحمتك. يا عزيز! يا غفور! اغفر لنا بواسع رحمتك. وهكذا تدعوه بأسمائه، فتقول في كل اسم: يا عزيز. يا رحمن. يا ملك. يا قدوس. فهذا معنى (فادعوها بها) ، ويمكن أن يكون الدعاء هو أن يقدم بين يديه الثناء على الله تعالى بها، وأفضل ما يثنى به عليه ذكره بأسمائه الحسنى. وقد أكثر العلماء من الكلام في أسماء الله، فتكلم عليها الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه المطبوع: (الأسماء والصفات) ، وقد طبع هذا الكتاب قديماً بتحقيق زاهد الكوثري، ولكنه أفسده وحرفه وحمله محامل بعيدة. ثم أعيد طبعه بتحقيق بعض العلماء المخلصين من أهل السنة، وسلم من تلك التعليقات التي أفسدته، ونبه المحقق على الأخطاء التي وقع فيها البيهقي والتأويلات، وعلى تحريف ذلك المعلق الأول الكوثري. وكذلك نظمها كثير من العلماء، مثل قول بعضهم: أيا طيب الأسماء يا من هو الله ومن لا يسمى بذلك الاسم إلا هو ونظم التسعة والتسعين في أبيات على هذا النمط، وكذلك سردها كثير من العلماء، ومنهم ابن القيم في كتابه (الصواعق) ، ومن المتأخرين حافظ الحكمي في (معارج القبول شرح سلم الأصول) ، وغيرهم ممن تكلم على أسماء الله تعالى وسردوا ما وقفوا عليه. وبعضهم أخذ أسماء وردت في بعض الأحاديث وإن لم يصدق أنه يسمى بها، كـ ابن حزم في (المحلى) ، فإنه تتبع الأسماء التي وردت في الأحاديث، وذكر أسماء لا يليق أن يتسمى الله بها؛ لكونها وردت في الأحاديث، مثل قوله في الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر) ، فجعل الدهر من أسماء الله مع أن الدهر هو الزمان، قالوا في معنى (وأنا الدهر) : أي: وأنا المتصرف في الدهر. أمَّا الصفات التي ذكرها الله أو وصف بها نفسه على وجه المقابلة فلا يجوز أن يشتق لله منها اسم كما اعتقد ذلك بعضهم، مثل قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ، فلا يقال: من أسمائه المخادع. ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] ، فلا يقال: من أسمائه المستهزئ. ومثل قوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ [الطارق:١٦] ، فلا يجعل من أسمائه الكائد، وكذلك الأفعال التي ذكرها عن نفسه، مثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر:٢٢] فلا يقال: من أسمائه الجائي. أو: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢١٠] فلا يقال: من أسمائه الآتي. أو في قوله: ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ [الحشر:٣] فلا يقال: من أسمائه المعذب وما أشبه ذلك. ثم من أسمائه ما لا يجوز ذكره مفرداً إلا مع المقابل له، وهي الأسماء المزدوجة، مثل الخافض الرافع، المعز المذل، فلا يقتصر على واحد؛ لأنهما متقابلان، وكذلك المعطي المانع، وأشباه ذلك، نبه على هذا كثير من العلماء، ومنهم الشيخ آل سلمان في كتابه: (الكواشف الجلية في شرح العقيدة الواسطية) وغيره. أما كلامه عن صفات الله بأنها هي التي [سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه ﷺ ] ، فهذه العبارة يذكرها جميع أهل السنة في مؤلفاتهم، فيقولون: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﷺ . ويعللون ذلك بقولهم: إنه تعالى أعلم بنفسه وأعلم بغيره، فإذا كان أعلم بنفسه وأثبت لنفسه صفاتاً فإنا نثبتها ولا نتحاشى من إثباتها، بل نؤمن بها حقاً ونعتقد صحتها وموافقتها لعقيدة المسلمين مهما شنع المشنعون أو أنكر المنكرون، وسيأتي لنا أمثلة لها، وكذلك ما وصف به النبي ﷺ ، وذلك لأنه أعلم بربه، وبمن أرسله، فالله تعالى خصه بالرسالة وأطلعه على ما أطلعه من العلم، وكلفه بالبيان وبالبلاغ، فلابد من أنه عالم بربه وعالم بما يجوز على الله تعالى، فإذا أثبت لله تعالى صفة أو صفات فإنا نتقبلها ولا نردها؛ لأننا إذا رددناها فقد رددنا ما بلغه أو جاء به، فنكون من الذين لم يتبعوه ولم يتقبلوا سنته، فلا يتحقق لنا الاتباع في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] . وقد سرد شيخ الإسلام ابن تيمية في أول كتابه (العقيدة الواسطية) في ثلاث ورقات آيات فيها الصفات، والأسماء، فيسرد مثلاً آيات العزة، ثم يأتي بآيات الحكمة، ثم الرحمة، ثم الأفعال، كآيات المكر والكيد والأسف في قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] ، وكذلك آيات الكلام، والمجيء، والاستواء، والعلو، والمعية، وما أشبهها، وكذلك الأحاديث التي ورد فيها شيء من الصفات، مثل أحاديث النزول، والضحك، والعجب، والفرح، والأسماء، والأفعال، والرؤية، وما أشبهها، وكلها نتقبلها، وذلك لأن الذي بلغها هو الذي بلغ الرسالة كلها، فإذا قبلنا الأحكام أو الصلاة والصيام والحج والجهاد ونحوها فإننا نقبل العقيدة التي هي أساس الأعمال، والتي صحتها شرط لقبول الأعمال، فنقبل ما جاءنا من الآيات والأحاديث في أمر صفات الله تعالى حتى تصح عقيدتنا ثم تصح أعمالنا وتتقبل.

стр. 57

إثبات أهل السنة صفة اليد لله بغير كيفية المصنف ﵀ كرر قوله موصوف بما وصف به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ كذلك قوله: [خلق آدم بيده] كررها أيضاً. قال الله تعالى مخاطباً إبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، أثبت الله لنفسه اليدين، وكذلك قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] استدل بهذه الآيات على إثبات اليدين، وقد ذكرهما الله تعالى بلفظ التثنية فقال: ((بيدي)) ، وكذلك: ((بل يداه)) ، وقد ورد ذكر اليد بلفظ المفرد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] ، وكذلك قال: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦] ، والمقصود بالإفراد هنا الجنس، أي: جنس اليد، فنثبت لله تعالى اليد. وقوله: [بلا اعتقاد كيف يداه] يعني: لا نكيفها. وقد ذكر ابن كثير ﵀ في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] ، فسرد الأحاديث التي فيها ذكر اليد، والتي فيها قبض المخلوقات، وقبل أن يسردها قال: وقد وردت أحاديث في معنى هذه الآية الطريقة فيها طريقة أهل السنة، وهو إمرارها كما جاءت بلا كيف. يعني أنهم يمرونها كما جاءت ويقرونها ولا يكيفون، فلا يقولون: كيفية اليد كذا وكذا. ولا يقولون: إنها مركبة كيد الإنسان التي هي مركبة من عظام وعصب وجلود وشعر وأنامل ومفاصل وأظفار وسواعد وعضد وكوع ورسغ ونحو ذلك. بل يقولون: أثبت الله تعالى لنفسه اليد، ونعلم أنها يد حقيقية ولكن لا ندري ما كيفيتها. والمراد بالبسط هنا البسط بالعطاء، أي: بالعطاء ينفق كيف يشاء. وذلك لأن اليهود وصفوا الله بالبخل، فقالوا: ((يد الله مغلولة)) أي: عن النفقة والعطاء والكرم فهو بخيل. هكذا أرادوا، فرد الله عليهم وكذبهم وأخبر بأنه واسع العطاء، وأن يداه مبسوطتان بالعطاء يعطي كما يشاء، فيطلق غل اليد على البخل، ويطلق البسط على النفقة وكثرة العطاء، قال الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] ، فليس معناه أنه يربط يده إلى عنقه، بل المراد أنه يمتنع عن العطاء، كأنه هو البخيل الذي لا ينفق شيئاً، والذي يبسط يده كل البسط هو الذي يبذر ويفسد المال ويكثر من إعطائه فوق الحاجة، ((ولا تبسطها كل البسط)) يعني: ولا تبسطها في العطاء كل البسط، بل الوسط خير. والحاصل أن الله تعالى أخبر بأن له يدين، وأنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف.

стр. 58

عقيدة أهل السنة في استواء الله على العرش قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنه استوى على العرش بلا كيف، فإن الله انتهى من ذلك إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه] . هذه صفة أيضاً، والصحيح أن الاستواء صفة فعلية، وذلك لأننا نعتقد أن العرش مخلوق، وإذا كان العرش مخلوقاً فإن الله تعالى استوى عليه بعدما خلقه، ونعتقد أن العرش سرير لا يعلم قدره إلا الله، كما ورد فيما رواه ابن جرير في تفسير آية الكرسي عن زيد بن أسلم وأبي ذر، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] قال: (ما السموات السبع والأرضون السبع إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) السموات مع عظمها والأرضون مع عظمها كدراهم -والدراهم هي قطع صغيرة من الفضة- ألقيت في ترس، والترس هو المجن الذي يوضع على الرأس. فماذا تشغل الدراهم من هذا الترس؟ ثم قال: (والكرسي في العرش كحلقة ألقيت في أرض فلاة) ، والحلقة هي القطعة من الحديد المتلاقية الطرفين، فإذا ألقيت في أرض فلاة فماذا تشغل من الأرض؟ إذا كان هذا مقدار الكرسي بالنسبة إلى العرش فماذا يكون مقدار العرش؟ ثم الله تعالى الذي استوى على العرش أعظم من أن يوصف وأن يحدد بكيفية أو نحو ذلك. فنحن نقول: استوى على العرش كما أخبر ولا نكيف الاستواء، ولا نكيف سائر الصفات كاليد ونحوها. ومشهور عن الإمام مالك ﵀ أنه جاءه قائل فقال: أرأيت قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علته الرحضاء -أي: العرق-، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ولا أراك يا هذا إلا مبتدعاً. ثم أمر به فأخرج. وفي رواية: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول. وروي مثل هذا أيضاً عن شيخه ربيعة أنه قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وكأن مالكاً أخذ هذا الأثر من شيخه الذي تعلم عليه الكثير من العلوم، وشيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن من كبار التابعين. وقد روي هذا الأثر أيضاً عن أم سلمة، والصحيح أنه موقوف عليها وإن روي مرفوعاً، ومعناه أن الاستواء معلوم معناه وظاهر، ولأجل ذلك فسره العلماء، فهو معروف يفسر ويوضح ويترجم من لغة إلى لغة، ولكن للاستواء كيفية، وهذه الكيفية هي التي نقول: إنها مجهولة. فنتوقف عن الكيفية ونفسر اللفظ بما يليق بالله تعالى. وهكذا بعضهم يقول: استوى استواء يليق به. ويتركون الإيضاحات، وأكثرهم يفسرونه، فـ ابن جرير كلما مر بآية من آيات الاستواء يفسرها بالعلو والارتفاع، ((استوى على العرش)) أي: علا وارتفع، وذلك استناداً منه إلى المعنى المعروف في اللغة، وأن هذا هو التي تدل عليه هذه اللفظة. وكذلك تفسر بالاستقرار، ((استوى على العرش)) يعني: استقر عليه. وقد تكلم المبتدعة على قوله: ((ثم استوى على العرش)) وبالغوا في ذكر إيرادات وشبهات يموهون بها على من يفسر هذا الاستواء بالاستقرار، وتجد ممن يبالغ في سردها الخطيب الرازي صاحب التفسير الكبير، ويقال له: ابن خطيب الري. فإنه لما تلكم عليها في سورة الأعراف أورد عليها شبهات يموه بها، ثم يقول يرد عليها: زيفت بوجوه منها كذا وكذا، ومنها كذا وكذا. ومنها كذا وكذا، ولما انتهى من ذكر الوجوه التي أوردها على تفسير الاستواء بالاستقرار بعد ذلك ذكر التفسير الذي يختاره، ثم ذكر أن السلف كانوا يفوضونها ويسكتون ولا يتكلمون، وهذا ليس بصحيح، ثم ذكر أن الخلف كانوا يفسرونها، وتفسيرهم لها في الحقيقة تأويل، يعني: صرف لها عن ظاهرها. فذكر أن بعضهم فسر الاستواء بالاستيلاء، فمعنى (استوى) أي: استولى. وبعضهم فسر العرش بأنه الملك، وأطالوا في ذلك، ولا حاجة بنا إلى مناقشتهم، وقد رد عليهم العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم في (الصواعق) ، وكذلك ابن أبي العز في (شرح الطحاوية) ، ردوا عليهم وبينوا شبههم. والحاصل أن الله تعالى ذكر الاستواء وقال: ((استوى على العرش)) .

стр. 59

عقيدة أهل السنة في المخلوقات قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنه مالكُ خلقه، وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق، ولا لمعنىً دعاه إلى أن خلقهم؛ لكنه فعَّال لما يشاء ولا يُسأل عما يفعل، والخلق مسئولون عما يفعلون] . نعتقد أن الله تعالى هو الذي خلق الخلق، وما في الوجود مخلوق إلا والله خالقه؛ إذ ليس لأحد قدرة على أن يخلق أيَّ حيوان، ولو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا بعوضة يركبوا فيها أجنحتها وأيديها ومفاصلها وما أشبه ذلك، وينفخوا فيها الروح حتى تطير لن يقدروا، إلا ما ذكر الله تعالى عن عيسى ﵇ في قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ [المائدة:١١٠] ، فهذا إذن من الله تعالى أن أقدر عيسى على أن يصور صورة طير من الطين ثم ينفخ فيها فتطير، وذكروا أنه كان يطير حتى إذا اختفى عن الأعين سقط ميتاً، ليُعرف بذلك الفرق بين ما خلقه الله وما خلقه عيسى بإذن الله تعالى. أما بقية الخلق فلن يستطيعوا أن يخلقوا أصغر مخلوق، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] ، والذباب من أحقر المخلوقات ولو اجتمعوا على أن يخلقوا مثل هذا الذباب وأن يركبوا فيه مفاصله وأوصاله وسمعه وبصره وشمَّه وأسنانه وأمعاءه وأجنحته، لن يستطيعوا، بل الخلق خلق الله. وإذا قيل: أليس الإنسان يتسبب في خلق الولد؟ نقول: إن الله تعالى هو الذي يخلق الأولاد، فهو الذي قدَّر أن هذا الاتصال بين الذكر والأنثى يسبب خلق المولود وتولُّدَه بين اثنين، فهو الذي قدَّره وهو الذي يخلقه، فليس الإنسان هو الذي يخلق أولاده، ولو كان كذلك لاختار -مثلاً- أن يكون أولاده ذكوراً، وأن يكون خلقهم حسناً تاماً، فلا يكون هناك معاق، ولا ناقص في الخلق، ولا سيئ الخلقة، وما أشبه ذلك. فدل على أن الله تعالى هو الذي يخلقهم وهو الذي فاوت بينهم. فمالكهم هو الذي يملكهم، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦] ، فالخلق كلهم ملكه وتحت تصرفه وتقديره. خلقهم وأنشأهم، وليس لحاجة أوجدهم وأنشأهم، بل هو الغني عنهم وهم الفقراء إليه، ففي الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم يقول الله تعالى: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالَموا، يا عبادي! كلكم ضالٌّ إلا من هديته) ، ثم قال: (يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته) (كلكم عارٍِ إلا من كسوته) (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم) ، إلى آخر الحديث، فيخبر بأنه غني عنهم، وأنهم لو اجتمعوا كلهم على أتقى قلب رجل ما زاد ذلك في ملكه شيئاً، وإن اجتمعوا على أشقى قلب رجل وأفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، وأنهم لن يبلغوا نفعه ولن يبلغوا ضره. قوله: [لا عن حاجة إلى ما خلق] أي: لم يكن بحاجة إليهم، ولكن خلق الخلق وأوجدهم للابتلاء والامتحان، أوجد هذا المخلوق حتى يبلوه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] . خلق الموت والحياة وخلق هؤلاء المخلوقين وأوجدهم وقدَّر أنهم يحيَون الحياة التي يعيشونها، وقدَّر أرزاقهم، وكذلك أمرهم ونهاهم، فكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره. قوله: [ولا لمعنىً دعاه إلى أن خلقهم] أي: ليس هناك دافع دفعه إلى خلقهم كما في قوله: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) . فليس هو بحاجة إليهم، ولا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، بل هو النافع الضار. قال رحمه الله تعالى: [فعَّال لما يشاء ويحكم ما يريد] فما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، أراد إيجاد هذه المخلوقات، وكذلك أوجد جميع الحيوانات صغيرها وكبيرها، أوجد الدواب والحشرات والطيور والوحوش والسباع والهوام وغيرها، فهو الذي أوجدها وجعلها آية على قدرته؛ حيث خلق هذه المتضادات وأنشأها مع اختلافها، أليس ذلك دليلاً على كمال قدرته حيث خلق هذه المخلوقات وجعلها تتوالد كما يشاء؟! فمن مُشاهَد آيات الله تعالى: أن كل مخلوق إنما يلد من جنسه، فمثلاً السبع يلد سبعاً مهما كانت أحواله، ولو رُبِّي ثم رُبِّي، وقد ذكر بعض أهل القصص أن امرأة أخذت جرو ذئب فربَّته في بيتها وأرضعته من شاتها ولما كبر بدأ فعقر شاتها، مع أنه أليف لهم، فأنشأت تقول: عقرتَ شُوَيهتي وفجعتَ قلبي وأنت لشاتنا ولد ربيبُ فديت بدرنا ونشأت فينا فمن أدراك أن أباك ذيبُ إذا كان الطباع طباع سوء فليس بنافع فيها الأديب فلو غُيِّر في طباعه لا تتغير، فهو هكذا طُبع، فولد السبع يكون سبعاً، وولد بهيمة الأنعام يكون تابعاً لها، وأولاد الطيور لو جمعت منها -مثلاً- بيضة حمامة ودجاجة وعصفور وحُبارى ونعامة وجعلتها في مكان لفقَّست وصارت كل واحدة مثل أمها التي باضتها، ولا يمكن أن تتغير، هكذا خلق الله، فكل شيء يكون ولده مثله، لا شك أن هذا دليل على قدرة الله، ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] . ثم يقول: [لا يُسأل عما يفعل] أخذ ذلك من الآية في سورة الأنبياء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] أي أنه يفعل ما يشاء، ولا يجوز أن يقال: لماذا فعل الله كذا؟ بل أفعال الله تعالى لا تعلل؛ لأن الله تعالى حكيم في أفعاله. فلا يجوز أن تسأل وتقول: لماذا خلق الله هذه الحشرة؟! وما فائدة خلق هذه السباع؟! وما فائدة خلق هذه الدواب؟! وهذه ضارة ومؤذية! وما فائدة خلق هذا الذباب؟! وما أشبه ذلك؛ فإن الله حكيم في أمره، لا يجوز أن يُسأل عن الحكمة في خلقه؛ لأنه حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد [والخلق مسئولون عما يفعلون] . يقول: [وأنه مَدْعُوٌّ بأسمائه الحسنى] . تقدم قريباً أنه أمرنا بأن ندعوه بأسمائه، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] . قال المصنف ﵀: [وموصوف بصفاته التي سمَّى ووصف بها نفسه] . تقدم قريباً أيضاً أنه موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، وسماه ووصفه بها نبيه ﷺ . قال المصنف ﵀: [لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يوصف بما فيه نقص أو عيب أو آفة، فإنه تعالى عن ذلك] قوله: [لا يعجزه شيء] هذه من الصفات السلبية، نقول: إنه تعالى أخبر بأنه لا يعجزه شيء، وذلك في عدة آيات، وذلك دليل على كمال قدرته، وإذا وصفناه وقلنا: لا يعجزه شيء فهذا سلب؛ لأن الصفات السلبية إنما يوصف بها إذا كانت تدل على إثبات، فهو لا يوصف بما فيه نقص أو عيب، فالصفات التي فيها نقص أو عيب لا يوصف بها، بل نزَّه الله تعالى نفسه عنها في قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] وأشباه ذلك.

стр. 60

الأسئلة

стр. 61

حكم إجبار الورثة مورثهم على طلاق زوجته السؤال ما حكم إجبار ورثة الأب أو الجد مورثهم على طلاق زوجته عند مرضه؟ الجواب ذلك حرام، ثم لو طلق لم ينفذ طلاقه، وذلك لأن الأولاد الذين يجبرون أباهم على أن يطلق امرأته يريدون بذلك حرمانها من الإرث، والإجبار لا ينفذ، وكذلك أيضاً لو طلق بدون إجبار ولكنه في مرض الموت فإنه لا يسقط نصيبها من الإرث؛ لأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه. فالذي يطلق امرأته في مرض الموت أو هو مريض ترث منه امرأته شاء أم أبى، حتى ولو انتهت العدة، إلا إذا تزوجت قبل موته.

стр. 62

الكيفية في صفات الله السؤال في قول المؤلف: [بلا اعتقاد كيف] ما الفرق بين أن يعتقد المسلم أن صفات الله لا كيف لها، وأن يعتقد أن صفات الله لها كيف لكن لا نعلمه؟ الجواب قولهم: (بلا كيف) يعني: لا تسألوا عن الكيفية ولا تكيفوها. ويذكرون في العقيدة قولهم: (من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تأويل) . فقولهم: (ولا تكييف) يحتمل أمرين: الأول: السؤال عن الكيفية. والثاني: الإخبار بالكيفية. وكلاهما مراد، أي: لا تسألوا وتساءلوا فيما بينكم فتقولون: ما كيفية استواء الله تعالى؟ ما كيفية يد الله؟ ما كيفية نزوله؟ لا تسألوا عن ذلك فإن ذلك محجوب عنكم. وكذلك أيضاً لا تكيفوا، فلا تقولوا: كيفية النزول كذا وكذا، وكيفية الرؤية كذا وكذا، وكيفية الاستواء كذا وكذا. فإن ذلك تكييف ليس عليه دليل.

стр. 63

معنى المقام المحمود السؤال ما هو تفسير المقام المحمود، وما المراد بأحد القولين أنه أجلسه -أي: محمد- على العرش معه؟ الجواب هكذا روي عن مجاهد في تفسير المقام المحمود، في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] أنه يجلسه على العرش. ولكن ليس بتأدية جلوس الله تعالى، أو كيفية استواء الله، إنما فيه أن الله يجلس محمداً ﷺ على العرش معه. والجواب على هذا هو أن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه من رواية ليث بن أبي سليم، ولكن مع ذلك قد صححه وبالغ في تصحيحه كثير من العلماء، ورووا هذا الأثر أيضاً عن غير مجاهد، أي: أن جماعة من المفسرين من السلف فسروا المقام المحمود بالجلوس على العرش. ثانياً: أن المقام المحمود هو الشفاعة، فقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩] يعني: يجعل لك الشفاعة في يوم القيامة، وسيكون ذلك سبباً في رفع مقامك وشهرتك عند الناس واعتراف الأمم السابقة بفضلك وبميزتك التي فضلك الله بها. هذا هو المشهور في تفسير المقام المحمود. وعلى كل حال فلا مانع من أن يجلسه الله على العرش، وليس في ذلك تكييف لجلوس الله تعالى أو لاستوائه على العرش.

стр. 64

كيفية استعمال النفي والإثبات في صفات الله السؤال سلب الصفة فقط انتقاص في حق الله ، فلا بد من إثبات، لكن كطككيشكل عليَّ هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة:٢٦] الآية؟ الجواب لا إشكال في ذلك، فهنا نفي الاستحياء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً﴾ [البقرة:٢٦] ، وكذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فهنا نفي الاستحياء، وذلك لأن الاستحياء هنا يراد به الخوف والخجل ونحو ذلك، فالله تعالى نفى عن نفسه هذا الأمر، وأخبر بأنه يخبِر بما عليكم فيه حق ولو كان النبي يستحيي منكم، أن ينهركم وأن يقِيْمكم والله تعالى لا يستحيي من الحق. فالحاصل: أن نفي الاستحياء نفيٌ لهذه الصفة التي قد يكون فيها شيء من النقض، أو التنقص، وليس في ذلك نفي لبقية الصفات.

стр. 65

الجمع بين نصوص الإفراد والجمع في إثبات اليد لله السؤال وردت صفة اليد بصيغة الإفراد والتثنية والجمع، فكيف نجمع بينها؟ الجواب أما الإفراد في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] فالمراد باليد هنا جنس اليد، وذلك لأنه لا يُستغرب أن يقال -مثلاً-: فلان يده ندية. أي: بالعطاء. فيراد جنس اليد، ولا يُفهم منه أنه ليس لله إلا يداً واحدة. وأما الجمع فالجمع للتعظيم، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾ [يس:٧١] الجمع هنا للتعظيم، وذلك لأن الله تعالى ذكر الضمير بلفظ الجمع في قوله: (أَيْدِينَا) ولم يقل: (أيديَّ) ، بل أضاف الضمير إلى الجمع، كما أنه يصف نفسه بضمير الجمع مثل قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف:٣٢] ، فهذا للتعظيم، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ [الكوثر:١] ، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٣] ، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ [الفتح:١] الضمائر التي تُجمع هنا للتعظيم. فالإفراد يُراد به الجنس، والتثنية يُراد بها الحقيقة، أي: أن لله تعالى يدين، والجمع يُراد به التعظيم.

стр. 66

الحكمة من خلق الخلق السؤال كيف نجمع بين قول المؤلف: [ولا معنىً دعاه إلى خلقهم] وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ؟ الجواب الحكمة في خلق الجن والإنس هي الأمر بالعبادة، ولكن ليس فيها دليل على أنه محتاج إلى عبادتهم، ولا أن عبادتهم تنفعه أو تزيد في ملكه أو نحو ذلك، بل هو الغني وهم الفقراء، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] . فالله تعالى أخبر بأنه خلق الخلق ليعبدوه، والمعنى: خلقهم ليأمرهم وينهاهم وليمتحنهم وليكلفهم، فمنهم من عَبَدَ ومنهم من لم يعبد، فـ (اللام) هنا يقال لها: لام التعليل. فالعلة في خلقهم هو الأمر بعبادتهم، فليس فيها دليل على أنه ينتفع بعبادتهم، وأن ترك العبادة تضره، كما ذُكر في الآيات.

стр. 67

حكم تنبيه الخطيب على الخطأ حال الخطبة السؤال إذا أخطأ الخطيب في آية، فهل لي أن أرد عليه؟ الجواب إذا تلعثم الخطيب في حالة الخطبة يجوز أن يُنبَّه حتى يستمر في خطبته، لكن الأصل أن الخطيب إذا كان يخطب ارتجالاً فإنه إذا غلط في آية تجاوزها وقرأ ما بعدها، ولا يحتاج إلى أنه يُتَكلم معه؛ لأن الكلام معه قد يشوش على الحاضرين. وعلى كل حال لا مانع إذا احتاج إلى من يردُّ عليه ويفتح عليه حتى يستمر في خطبته، وأنه إذا غلط وقدَّم كلمة أو أخَّرها فيُنبه على ذلك بعد الصلاة.

стр. 68

مجالسة أهل المعاصي من الأقارب السؤال عندي أخ لا يصلي وهو منهمك في المعاصي، فهل يجوز لي أن آكل معه وأن أجالسه وأن أضاحكه تأليفاً لقلبه؟ الجواب عليك بالإكثار من نصحه وتخويفه وتهديده وتحذيره، وعليك أيضاً بتأليفه وترقيق قلبه والتقرب إليه، وإرسال من ينصحه ويرشده لعله يتقبل وينيب، لكن إذا رأيت منه إصراراً واستكباراً وعدم التقبل فليس لك في هذه الحالة أن تبقى معه، بل أظهِر له الكراهية والمقت والبغض لعله يكون ذلك سبباً رادعاً له عن هذه المعاصي، ونشير عليك أن ترفع بأمره إلى من يعاقبه حتى ينزجر وينزجر أمثاله.

стр. 69

حكم الخِطبة على خِطبة المسلم السؤال أنا شاب أريد أن أخطب إحدى النساء مع علمي أن أحد إخواني خطبها ولم يُرَد عليه بالإيجاب أو الرفض، فهل لي ذلك؟ الجواب ليس لك ذلك حتى يظهر الرد؛ لعموم الحديث: (لا يخطب على خطبة أخيه) ، فما دام أنه خطب وتقدم وسكت أهلها ولم يخبروه بأنه مقبول أو مردود فإنك تتوقف حتى يظهر الرد، وفي النساء كثرة.

стр. 70

حكم عرض الرجل قريبته على الرجل الصالح ليتزوجها السؤال هل من السنة عرض الرجل وليته على الرجل الصالح؟ الجواب لا مانع من ذلك إذا رأى رجلاً صالحاً وكان عنده مولية يحب أن يجد لها كفؤاً كريماً أن يعرضها، كما عرض عمر ﵁ ابنته على عثمان وأبي بكر قبل أن يخطبها النبي ﷺ ، فلا مانع من ذلك.

стр. 71

شبهة تخلق أطفال الأنابيب والرد عليها السؤال بعض المشركين يدَّعي أنه يخلق خلقاً كخلق الله، وذلك بعملية طفل الأنابيب، فبماذا يُجاب عليهم؟ الجواب ليس هذا مثل خلق الله، وليس هذا خلق لهم، فكونهم يعملون فهذا لا يستطيعون أن يخلقوه بغير الرحم، ولا من غير المنِي، فالمنِي هو خلق الله تعالى، والرحم والبويضة التي في المرأة هي خلق الله، فلا يقدرون على أن يستقلوا به بأن يخلقوا إنساناً من غير رحم ومن غير منِي ونحو ذلك، فهذا الذي أرادوا، أما إجراء هذه العملية فليس في ذلك غرابة.

стр. 72

زيارة المؤمنين لربهم في الجنة السؤال هل ورد في زيارة المؤمنين لربهم حديث صحيح؟ الجواب أحاديث الرؤية ذكرها ابن القيم في (حادي الأرواح) ، وأنهم يزورون ربهم كل جمعة، ومنهم من ينظر إلى ربه بكرةً وعشياً، ومجموع الأحاديث تدل على أنها صحيحة ومشهورة.

стр. 73

الإخبار عن الله باسم الهادي والمقصود السؤال هل (الهادي) و (المقصود) من أسماء الله الحسنى؟ الجواب اشتهرت التسمية بها أو التعبيد لها، فيقال: عبد المقصود وعبد الهادي وأنا أقول: عند الإطلاق الله تعالى هو الهادي، الذي لا يصلح إطلاق الاسم إلا له، وإن كان يُطلق على الإنسان: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى:٥٢] ، وكذلك قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣] ، وكذلك قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ، ولكن هناك فرق بين (الهادي) معرفاً وبين (هادٍ) منكَّراً. فعند الإطلاق يصح أن يقال: الله هو الهادي. وكذلك المقصود، بمعنى أنه الذي تقصده القلوب وتتوجه إليه الرغبات.

стр. 74

تسمية الله بالستير السؤال هل (الساتر) من أسماء الله؛ إذ يقول بعضهم: يا ساتر؟ الجواب نسمع هذه الكلمة، فمنهم من يقول: نقتصر على الوارد؛ لحديث: (إن الله سِتِّير يحب الستر) ، فيقولون: نسميه بالسِّتِّير ولا نسميه بالساتر؛ لأنه لم يَرِد. ولكن الأقرب أنه عند الإطلاق الله هو الستار وهو الساتر وهو السِّتِّير، فيصلح أن يسمى الله تعالى بذلك، وإن المخلوق يوصف بذلك من باب الفعل، أي: أن الإنسان يستر أخاه، كما في حديث: (من ستر مسلماً ستره الله) .

стр. 75

تفسير الاستواء المعدى بـ (إلى) بالقصد السؤال هل يُفسر الاستواء المعدَّى بـ (إلى) بالقصد؟ الجواب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] ، فسره بعضهم -كما نقل ابن كثير في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩]-بأن معناه: قصد إلى السماء، ولكن الأولى أن يُفسر بالعلو، أي: ارتفع إلى السماء ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] . وأنكر ابن جرير في التفسير على من قال: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] أي: أقبل، فقال: وهل كان معرضاً قبل ذلك؟! وهل كان صادَّاً حتى أقبل؟! وابن كثير ذكر الإقبال وأقرَّه، ولكن لا يستلزم أنه كان معرضاً.
следующие страницы →