Полный текст (10 391 стр.). Показаны 10361–10391 · переход к 10366.
стр. 10361
من التحديات التي تواجه الإسلام: المؤامرة على المرأة المسلمة
الأمر الخامس: المؤامرة على المرأة
المرأة أمرها عجيب، ونبؤها غريب! وقد دخل الكافر من طريق المرأة، والرسول ﵊ حذر وأخبر أن أخوف ما يخاف على الأمة النساء فقال: ﴿إن فتنة بني إسرائيل كانت من النساء﴾ وكان العرب في الجاهلية إذا أرادوا للرجل سحق عظيم أو إرجاع عظيم عن فكرته سلطوا عليه امرأة.
ذكر الذهبي عن عبد الرزاق الصنعاني -المحدِّث الكبير، شيخ أحمد، وشيخ يحيى بن معين - أنه جاء إليه طلاب إلى صنعاء يتعلمون منه الحديث، وكان عسراً في الرواية، ما كان يحدثهم باستمرار، فطرقوا عليه الباب، فخرج عليهم، وقال: لا أحدثكم شهراً كاملاً.
فتوسلوا بأصحابه فرفض، فكلموا جيرانه فرفض، فأهدوا هدية إلى امرأته من وراء حجاب وقالوا: كلمي لنا الشيخ.
فأتت فكلمته فخرج الإذن في الصباح؛ لأنها تملك حق الفيتو، فقال الشيخ/ عبد الرزاق: تعالوا أحدثكم، ثم تبسم للطلاب وهم جلوس وقال:
ليس الشفيع الذي يأتيك مُتَّزراً مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وهذا البيت للفرزدق من قصيدة طويلة في ديوانه.
стр. 10362
وسائل محاربة المرأة
إنه يُراد للتوجه الإسلامي أن يُسْحَق بطريق المرأة، والحرب على المرأة ينطلق من ثلاث جبهات:
الجبهة الأولى: زعم أن الإسلام كَبَتَها حقها.
وكنت مع أحد الفضلاء وهو يتكلم عن هذه القضية ويقول: أين كَبَتَها حقها؟! والله ما عرف حق المرأة إلا الإسلام، وما رفع قدرها إلا الإسلام، ولا صانها إلا الإسلام، ومن أراد أن يعرف ذلك فليقرأ مذكرات الأمم الأخرى وكتبهم حول المرأة، وحقوق المرأة عندهم فلم يعرف لها حقها إلا الإسلام.
الجبهة الثانية: أن الحجاب ومسألة جلوسها في البيت وعدم مشاركتها للرجل ليس بصحيح، وأنه خلاف الواقع
وهذا خطأ كبير، كان أحد الدعاة من العلماء يتكلم في مجمع كبير، فتكلم عن المرأة، فقامت امرأة من آخر الصفوف وهي سمينة وبدينة، فقالت: يقول ﷺ : ﴿رفقاً بالقوارير﴾ وأنتم لا ترفقون بنا.
فقال هذا الداعية -وكان سريع البديهة ودعوباً، وكانت هي سمينة كالبرميل- قال: نعم.
يقول: ﴿رفقاً بالقوارير﴾ ولم يقل: رفقاً بالبراميل.
وأنا ليس قصدي بهذا الهجوم على المرأة؛ لكن المرأة قد أُمْلِي في ذهنها أنها لا تشارك، وأنها محرومة من المجالات، ولذلك يُناقَش ويقال: لماذا لا تدخل المرأة إلى البرلمان؟! سبحان الله! أَحُلَّت كل مسائلنا الكبرى والصغرى وما بقي إلا مشاركة المرأة؟! نقول: نحن منا رجال كبار لم يشاركوا في البرلمان، وتأتي المرأة لتشارك؟! قالوا: ما هو موقف المرأة من العمل ومشاركة الرجل؟ والمرأة العاملة أطول عمراً، هذه حكمة تقول: المرأة العاملة أطول عمراً، أي: أن المرأة الكافرة التي تعمل أطول عمراً! وقد قيل لي في مناسبة: علِّق على هذا، فقلت: أطول عمراً في جهنم.
الجبهة الثالثة: عدم تعليم المرأة
أيها الإخوة الفضلاء: الناحية الثالثة تأتي من عدم تعليم المرأة، صحيحٌ أننا مسلمون، ولكني أتكلم عن كثير من بلاد العالم الإسلامي أن المرأة ما أعطيت حقها، فلو نظرنا -مثلاً- إلى هذا المؤتمر وجلالته وما فيه من اهتمام؛ لكن مهما يكن ربما تأخذ المرأة ثلث ما يجري من محاضرات ودروس، أنا أقول هذا تقديراً؛ لكن في بعض الأمكنة لا تسمع المرأة شيئاً إلا إن كانت سمعت شريطاً إسلامياً، أو تقرأ في المصحف في البيت.
إن الدعاة الذين يتجهون إلى المرأة قليلون، والدعوة في جانب صفوف النساء قليلة، والمرأة لا تزال تشكو فقراً وجدباً في عالم الإيمان والدعوة فالمرأة بحاجة إلى دعاة يصلون إليها بأي وسيلة غير محرمة، ولا بد من دروس خاصة للنساء، محمد ﵊ جعل للمرأة يوماً من نفسه، قال البخاري: باب هل يجعل للنساء يوماً من نفسه؟ فقد جعل لهن يوم الإثنين، يتحدث معهن؛ لأن مشاكل المرأة مشاكل خاصة عن حياتها الخاصة فلا بد من دعوات، ولا بد من علم، ولا بد من اهتمام بجانب المرأة.
فأوصي إخواني الذين يشرفون على تربية النساء ورعايتهن أن ينتبهوا لهذا الجانب العظيم، فإن المرأة قد حوربت في البيت بأجهزة إعلام فتاكة، الفيلم الواحد يستطيع في نصف ساعة أن يُهَدِّمها، وأن يردها من تقية -إن لم يحفظها الله- إلى فاجرة؛ لأنها ضعيفة، ثم إن المرأة ليس عندها قوة في الإيمان -بسبب التربية- ولا رادع من العلم إلا من رحم ربك، فتنهار أمام الفيلم والمجلة الخليعة والصورة العارية والموسيقى، فلابد من تربيتها وتعليمها.
стр. 10363
من التحديات التي تواجه الإسلام: هدم الاستعلاء عند المسلمين
هدم الاستعلاء في نفوس المسلمين
ليعيش المسلم بلا استعلاء، يقول : ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] يقول سيد قطب: نحن الأعلون سنداً ومتناً.
وقد صَدَق، فإن سندنا من الله الواحد الأحد، وإذا افتخر الناس بالتراب، فإننا نفتخر بالوحي الخالد الذي أتى على نبينا محمد ﷺ ، تمشي وأنت مرفوع الجبين وأنا أوصيكم بقراءة كتاب الظلال على أن فيه بعض الملاحظات العقدية وبعض الملاحظات التي لا يسلم منها البشر؛ لكن الظلال في مثل هذه البلاد أمره عجيب، يجعلك تمشي وأنت مرتفع على الكافر، وأنت فوق الكافر، جبهتك في السماء، ليس مثل كتب بعض المفكرين المسلمين حيث يقول أحدهم: انظر إليهم أين بلغوا؟! بلغوا الثريا ونحن في الثرى.
فيجعلك مهزوماً، وهذا ليس بصحيح بل لابد من الاستعلاء والقوة والانتصار أنت صاحب المبادئ الخالدة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] يقول في الظلال: هذا هجوم أدبي سافر على الكفار.
ويقول في سورة البقرة: بدأت هذه السورة ببداية لا بد منها، إنها سحق وتدمير لبقايا اليهود فنحن نأخذ منه الحكمة، ونقول له: لقد قمت بعمل عظيم مشكور وأحسنتَ، وننبه على خطئك؛ لأنك لست بمعصوم.
стр. 10364
من التحديات التي تواجه الإسلام: الإعجاب بحضارة الكفار
ومن التحديات: الإعجاب بحضارة الكفار، وتهويل هذه الحضارة، وصبغها بصبغة التقدم، وجعل التأخر في الإسلام، لأن ذاك يسكن في خيمة، وهذا يسكن في قصر، وذاك عنده سيارة حديثه، وهذا عنده حمار أو إبل يركب عليه، فقد جعلوا التقدم والحضارة في هذه الأمور، وهي أمور نسبية، وهؤلاء لا يفهمون شيئاً، وما عندهم من الوعي ولا من الفقه شيء.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 10365
قصائد قتلت أصحابها
إن الشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح، ولقد لعب الشعر دوراً عظيماً في تاريخ العرب، وقد كانت تقوم حرب ضروس طاحنة بين قبيلتين سببها بيت شعر في الهجاء لما للشعر عندهم من مكانة.
ولقد سقطت كثير من رءوس الأبطال بسبب أبيات قالوها، كما أنه قد استخدم في أغراض أخرى كالمدح والثناء والغزل فعلى المسلم صاحب الشعر والقلم أن يسلطه في طاعة الله ورفع راية الإسلام.
стр. 10366
توظيف الشعر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الأبرار: أثقلت بهذا المديح والثناء هذه الليلة، ولكن -والحمد لله- قد أصبحت عندي مناعة ضد المدح والهجاء، فأُصَبَّح كلَّ يوم بقصيدة من المدح، ثم أُمَسَّى بقصيدة من الهجاء، فجعلتُها سواء، كما قال الفضيل بن عياض: لا يبلغ المؤمن الصِّدِّيقية حتى يكون مدح الناس وهجاؤهم واحداً، فعسى أن نبلغ هذا الفضل.
وأما الإخوة فهم متفضلون -جزاهم الله خيراً- على أن دعَوني ودعَوا الدكتور حبيباً، ودَعوا أصحاب الفضيلة، وأهل العلم والأدب والحضور الكرام، فأشكر مركز متوسطة السيوطي على هذا الجهد، وهذا النظام وهذه الرتابة والحفاوة والضيافة.
مَن تلقَ منهم تقُل لاقيتُ سيدَهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
هَيْنُون لَيْنُون أيسارٌ بنو يسر صِيْدٌ بهاليل حفَّاظون للجارِ
أما ما تفضل به الدكتور/ حبيب، فلا أكتمكم سراً أني اشترطت على الإخوة والمجلس القائم على هذا النشاط بأن يقدمني الدكتور/ حبيب، ولم أتفق معه سرياً وراء الكواليس على أن يمدحني وأمدحه في مناسبات أخرى؛ لأن هذه خيانة، وقد فاجأني والله بما فعل؛ لكن له من اسمه نصيب، فقد غلبني باسمه، فأحببتُه منذ زمن بعيد، حتى يحق فيه أن أقول:
أحبكَ لا تفسير عندي لصبوتي أفسِّرُ ماذا والهوى لا يُفسَّرُ
وغفر الله له مبالغتَه، وهو صادق فيما يقول، ومن ثبتت حجيته فلا يسأل عن مثله ولكنه قال: إنني أحفظ عشرة آلاف قصيدة، وهو أراد أن يقول: عشرة آلاف بيت.
وهذا من باب التحدث بنعمة الله، فقد حدَّثتُه في الصحراء بيني وبينه؛ لأنه ألَحَّ عليَّ في السؤال، ومن كان منكم في شك من هذا فلينازلني في أي مكان يريد، وأتحداه وأتحدى أباه وجده؛ فإن بعضكم سوف ينكر ذلك.
أما عنوان المحاضرة فهو: (قصائد قتلت أصحابها) أعاذكم الله من القتل، وأسأل الله أن نقتل جميعاً في سبيله، وأن تضرب رقابنا لترتفع (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
لكن أصحابنا من الشعراء هذه الليلة ليس فيهم واحد قُتل في سبيل الله، مع الاحتفاظ بحقوق الطبع لشعراء متأخرين.
فالله المستعان!
أيها الإخوة الكرام: لقد اخترتُ هذا العنوان لأننا في زمن يجب علينا أن نحاسب على الكلمة، وأن نكون مؤتَمَنين على الحرف، وأن نتقي الله فيما نقول؛ لأنه ما دام أن البشر والملوك والوزراء والأدباء يؤدبون العاصي والمنحرف في لغته وفي لفظه، ويُقتل وتضرب عنقُه، فكيف بالواحد الأحد الذي يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]؟!
فإنها مدرسة، فاستمعوا وأنصتوا، وإنه بإمكانك أن توظف الحرف لمرضاة الواحد الأحد، وبإمكان المنحرف أن يلغو بكلمة، فيخرج عن المنهج وعن الصراط المستقيم.
وسامحوني إذا ذهبتُ ذات اليمين وذات الشمال، مع أني أريد أن أقصر من الاستطراد، لكن الأدب يتحمل، وربما كان الاستطراد أحسن من النفسية الحرفية، وهذا أمر -إن شاء الله- معلوم.
стр. 10367
دور الشعر وتأثيره
أما تأثير الشعر فلا تَسَل، ويكفي أن محمداً ﵊ يقول: ﴿إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة﴾ ورسولنا ﵊ لم يكن شاعراً، فقد صانه الله؛ لئلا يُتَّهم في الوحي، وقد اتُّهم بالشعر وهو لم يكن شاعراً؛ فكيف لو كان شاعراً ﵊؟! أما غيره فقال كثير من أهل العلم: إنها صفة مدح في الرجل إذا كان ينْظُم ويقول الشعر، ويبدع الكلمة، ويجوِّد الحرف، وليست سلبية أبداً.
وأما الشعر فإنه يجوِّد البخيل، ويشجع الجبان، ويسكت الغضبان وأضرب على ذلك أمثلة سريعة لأدخل في الموضوع:
ابن الأطنابة أمير من أمراء الجاهلية في الحجاز، كان في الطائف، حضر مع قومه والتقى بقبيلة أخرى يقاتلها، ولكنه لما رأى أشعة السيوف -أعاذكم الله من أشعة السيوف- خفق قلبُه وأصابته الحمى، ففر على بغلته وترك جيشه، فلما ذهب بعيداً تذكر أنه لا بد أن تكون له منزلة في التاريخ، وأن ديوان الإنسانية سوف يذكره بهذا، فقال:
أبت لي عفتي وأبى حيائي وأخذي الحمد بالثمن الربيحِ
وإكراهي على المعروف نفسي وضربي هامة البطل المشيحِ
وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تُحمَدي أو تستريحي
فعاد وقاتل وانتصر، وسجل برائعته انتصاراً في التاريخ بسبب ثلاثة أبيات.
وهذا قطري بن الفجاءة حينما حضر المعركة، والخوارج لا تسل عنهم في الشجاعة، فهم بائعو رءوسهم، والخارجي يقاتل بلا رأس ثلاثة أيام، وهذه من الإسرائيليات المنسوبة لبعض الأدباء المعاصرين، فحضر قطري وهو زعيم، فلما رأى السيوف تصرع، ورأى الجماجم تُحط من على الأكتاف فر، ثم رجع إلى المعترك وقال:
أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحكٍ لن تراعي
فإنكِ لو سألتِ بقاء يوم على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاعِ
إلى آخر ما قال، وهي مقطوعة ذهبية جميلة فائقة رائعة، لا يمكن أن يُنْسَج على مثلها إلا أن يشاء الله.
стр. 10368
النابغة الذبياني ويمينه البارة
ك سار الناس، فمنهم من سكَّت الغضبان كما فعل النابغة الذبياني لما أتى النعمان بن المنذر.
والحقيقة أن الشعراء دينهم رقيق إلا من رحم الله، حتى يقول ابن كثير: على مذهب الشعراء في رقة الدين، وأستثني الحضور من أهل العلم والشعر والأدب؛ لأن هؤلاء سيوف إسلامية في الأدب والشعر؛ لكن في الجملة: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] فدينهم رهيف خفيف سخيف، إلا أن يشاء الله.
فأخذ النابغة يعرِّض بغرفة النوم عند النعمان بن المنذر وانظر إلى العقل، من يلاعب الأسد؟!
احذر السلطان واحذر بطشه لا تعاند مَن إذا قال فعلْ
فأهدر النعمان بن المنذر دمه، ففر النابغة على وجهه، كلما أتى قبيلة وقال: أنا ضيفكم أستجيركم قالوا: إن كنت أنت النابغة فلا تدخل بيتنا، وكان ينام في النهار ويمشي في الليل، وفي الأخير أشار عليه أحد الحكماء أن يلبس أكفانه وأن يسلم نفسه إلى أقرب مخفر شرطة ليموت ميتة طبيعية فسلم نفسه، وذُهب به إلى النعمان بن المنذر؛ لكنه جهز ثلاث قصائد؛ لأن النفس -كما يقال- إذا كانت تغلي، فإنها تسخن في حنفيات حتى تصل إلى مصبها.
وكان النابغة قد مدح أعداء النعمان الغساسنة بقصيدة رائعة قال في أولها:
كِلِيْني لِهَمٍ يا أميمة ناصب وليلٍِ أقاسيه بطيء الكواكبِ
تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآيبِ
وصدرٍِ أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ
انظر إلى السحر الحلال! وليس كقصيدة:
نحن أبناء الجزيرة المثنى والمغيرة
التي كأنها درجات الحرارة، والصيدليات المناوبة.
نريد شعراً قوياً عارماً هائلاً مؤثراً في الناس، وإلا فلنرح أنفسنا والقراء من الإكثار من كتابة القصائد بمعدل أربعٍ وعشرين قصيدة في كل ثلاث وعشرين ساعة.
فهدر دمه، فلما جاء إليه النابغة قال له:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهبُ
لئن كنت قد بلغت عني وشاية لمبلغك الواشي أغش وأكذب
فإنك شمس والملوك كواكبٌ إذا طَلَعَتْ لم يبدُ منهن كوكبُ
فرضي، ثم قال له أيضاً:
فبتُّ كأني ساورتني ضيئلةٌ من الرُكس في أنيابه السُّمُّ ناقعُ
إلى آخر ما قال، وحلف له أيماناً الله أعلم بها.
وكان لنا شيخ في معهد الرياض العلمي، وهو ابن منيف طيب الله ذكره، وهو لا يزال حياً، ولو كان ميتاً لترحمنا عليه، والمقصود أنني حلفتُ أني أستحق درجة أعلى من الدرجة التي أعطاني، وأنا في ثانية متوسط -وهذا من الاستطراد- فقال: أيمين امرئ القيس أم يمين النابغة؟ قلت: لا أدري، قال: إن دريتَ كمَّلتُ لك الدرجة؛ لكنني لا أعرف القصة، فقال هو: إن امرأ القيس فاجر في يمينه، حيث يقول:
حلفتُ لها بالله حلفة فاجرٍ لناموا فما أن من حديث ومِن صالِ
وأما النابغة فيمينه بارة، حيث يقول:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مذهبُ
стр. 10369
مرثية ابن بقية الوزير
أما تأثير الشعر على الناس والملوك وأهل القرار فلا تسل، فإن الرجل يحكُم ويُصدر مرسوماً بقتل رجل ثم يندم، وتدمع عيناه، ويوجل قلبه، ويتمنى أن القصيدة التي رُثي بها ذاك المقتول قيلت فيه، وقد حصل هذا لـ عضد الدولة فنا خسرو الذي ذكره المتنبي بأعقد بيت سمع به الناس فقال:
فما يُسْمَى كَـ فنا خسرو مُسْمٍ وما يُكْنَى كـ فنا خسرو كانِ
ذهب إلى شيراز فقال -قاتله الله-:
مغاني الشعب طيباً في المغاني بمنزلة الربيع من الزمانِ
ملاعب جنة لو سار فيها سليمان لسار بترجمانِ
فما يُسْمَى كَـ فنا خسرو مُسْمٍ وما يُكْنَى كـ فنا خسرو كانِ
يقول: هذا الملك البطل الشجاع لا يسمى مثله ملك، ولا يُكَنَّى مثله أحد وحصل أنه قتل في عيد الأضحى من ملوك الكفار ثلاثة، جندل رءوسهم على الطريقة الإسلامية، فلما قتلهم أتى ودخل بغداد واستقبله ثمانون شاعراً، منهم السلامي والمتنبي والصولي وغيرهم، فمدحوه كثيراً.
لكن اسمعوا إلى الصولي وهو يخاطب الملك بأنه ذبح وضحَّى بثلاثة من ملوك الكفار، فالناس يضحون بالنوق والخرفان وهذا يضحي بملوك الكفار، وهذه هي تضحية أهل السنة، وقد فعلها خالد القسري لما ضحَّى بـ الجعد بن درهم، فقال:
أيها الناس: ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍّ بـ الجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً.
ثم رجع إلى أصل المنبر فنحره وذبحه قال ابن القيم:
من أجل ذا ضحى خالد القسري بـ الجعد يوم ذبائح القربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنةٍ لله درك من أخي قربانِ
وهذا الملك قتل ثلاثة، فأتوا يسلمون عليه ويشكرون سعيه، فقال الصولي:
صلِّ يا ذا العلا لربك وانحرْ كل ضِدٍّ وشانِئٍ لك أبترْ
أنت أعلى من أن تكون أضا حيك قروناً من الجِمال تُعَفَّرْ
بل قروناً من الملوك ذوو السؤ دد تيجانهم أمامك تُنثرْ
كلما خر ساجداً لك رأس منهمُ قال سيفك: الله أكبرْ
وهذه كتبت في ديوانه، وما يأتي مثلها في الشعر شيء ثم انطلق الشعراء، فتقدم السلامي وما قصَّر، وقال من قصيدة له طويلة يقول في أثنائها:
فبشرتُ آمالي بشخص هو الورى ودارٍ هي الدنيا ويوم هو الدهرُ
أما المتنبي فقد أخذ الجائزة، دائماً يكون في المربد الأخير، لكنه يأخذ الجائزة، فقال في قصيدته الأعجوبة:
فداً لك من يقصِّر عن فداكا فلا ملِكٌ إذاً إلا فداكا
المقصود أن الملك غضب على ابن بقية الوزير -وهذه القصة معروفة- فقتله وصلبه، ورآه أبو الحسن الأنباري مصلوباً على خشبة الموت؛ فبكى وبكت بغداد لهذا الجواد الكريم السخي الرحب؛ ورثاه بقصيدة تبلغ اثنين وعشرين بيتاً، ومنها:
علو في الحياةِ وفي المماتِ بحَق أنت إحدى المعجزاتِ
كأن الناس حولك حين قاموا وفود نَداك أيام الصِّلاتِ
كأنك واقف فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصَّلاةِ
مددت يديك نحوهم احتفاءً كمدهما إليهم بالهباتِ
ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرماتِ
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافياتِ
فسمعها عضد الدولة، قال بعض الرواة: فدمعت عيناه وقال: والله لوددتُ أنني قُتِلْتُ وصُلِبْتُ وقِيْلَتْ فيَّ.
هذا هو الشعر، وهو قليل من كثير.
ولكن الشعر قد يكون سخطاً إن لم يُوظَّف في طاعة الله ، وغضباً إن لم يُرَشَّد بفكرة إسلامية وعقيدة تربوية، فإنه يذهب بالرأس إذا لَحَن فيه العبد لحناً لا يصلحه الخليل ولا سيبويه؛ فإن عثرة القافية تذهب برأس العبد، وربما تصليه جهنم عند الباري سبحانه ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
أول المقتولين في هذه القائمة -ولم أذكره في كتابي قصائد قتلت أصحابها إنما ذكرتُ غيره- هو: علي بن جبلة العكوك، وشعره كله نُخَب، وهو من أشعر الشعراء على الإطلاق، وقد أعجب الذهبي بشعره، وله قصائد مدوِّية، يقول في بعضها:
بأبي من زارني مكتتماً حذراً من كل واشٍِ جَزِعا
يطرق السن على تلك الخطا ثم ما سلَّمَ حتى ودَّعا
قال العلماء: ليته زادنا قليلاً، وهي ثمانية أبيات؛ لكنه يتركك ويُنْهِيك وقد ﴿بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] ثم يقطع القصيدة، فيقول:
عسى فرج يكون عسى نعلِّل نفسنا بعسى
فلا تجزع إذا حصَّلتَ هماً يقطع النفَسا
فأقرب ما يكون المرءُ من فرج إذا يئسا
وقد ذكرت هذا في كتاب لا تحزن وهو شعر جميل وليته أطال فيه وقد وفد على أبي دلف -وهذه هي التي أذهبت رأسه، وذهب في خبر كان- فدخل على أبي دلف الشجاع الأمير الجواد، فصنَّف فيه قصيدة تبلغ سبعين بيتاً، فلما انتهى منها اهتز أبو دلف -أتته حمى تهامة - وقال: احتكم، إما أن تأخذ نصف ما عندي -وهو أمير- وإما أن تأخذ على كل بيت مائة ألف درهم، وإلا فاحكم أنت.
قال: بل مائة ألف على كل بيت.
يقول في هذه القصيدة:
ذاد ورد الغي عن صَدَرِهْ وارعوى واللهو من وَطَرِهْ
إلى أن قال:
دع جدا قحطان أو مضر في يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلاً عصر الآفاق من عصره
المنايا في مقانبه والعطايا في ذرا حجره
إلى أن يقول:
إنما الدنيا أبو دلف بين مغزاه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف ولت الدنيا على أثره
كل من في الأرض من عرب بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
وطارت القصيدة وصارت من عيون الشعر، وعارضها عشرون شاعراً لكنهم أخفقوا كلهم، وقع الرمي تحت خشبة المرمى، حتى إن أبو نواس أراد أن يَنْظُم قصيدة على هذا النسق؛ فما استطاع.
ثم سمع المأمون بهذ القصيدة؛ فاستدعاه وقال: يا بن الفاعلة! والله لأقتلنك في قولك لـ أبي دلف:
كل من في الأرض من عرب بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة يكتسيها يوم مفتخره
ماذا تركت لنا؟ ثم استشار الهيئة الشرعية، فقالوا: نحن سنبشرك بأبيات تقدح في الشرع؛ حتى إذا قتلتَه فسيقال: إن ذلك غيرة على الدين، قال: وما هي؟ قالوا: يقول أبو دلف من قصيدة سابقة:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنقل الشهر من حال إلى حالِ
وما مددتَ بأقلام لها شبة إلا قضيت بأرزاق وآجالِ
وهذا لا يكون إلا لله الواحد الأحد.
انظروا! فقد أساء كل الإساءة، ووجدها المأمون فرصة، حتى يظهر أمام الناس أنه عَفٌّ طاهرٌ يغار لدين الله ويحفظ محارمه، والسياف حاضر، فأمره أن يضرب رأسه فصار كأنه بدون رأس، وذهب في خبر كان، وبقي شعره من أحسن الشعر عند العرب.
стр. 10370
المتنبي وهجاؤه ضبَّة
وصاحبنا الثاني: أبو الطيب المتنبي، ولعلكم سمعتم به، وهو خطير جد خطير، فهو في الشعراء مثل أحمد بن تيمية في العلماء، وإذا جاء المتنبي انتهى الشعر والشعراء إليه، وقد استمر في الإحسان وفي الإهداء، حتى إن الشوكاني يقول في البدر الطالع: يكفيه فخراً وشرفاً أن له خمسمائة بيت تدور على ألسنة الملوك فقط، من غير رعاة الأبقار والأغنام فهو شاعر الدنيا، وديوانه قدر خمسمائة صفحة، له ما يقارب خمسة آلاف وستمائة بيت، أو ستة آلاف، وقد سرى بها في الدنيا وبعض المعاصرين لهم أربعة دواوين، كل ديوان مثل كيس الأسمنت، ولا يحفظ الناس منها بيتاً واحداً فهذا المتنبي، ويكفيه أنني عقدتُ له مناظرة، والمرجع: مقامات القرني
قلتُ: من أنت؟
قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسْمَعَتْ كلماتي من به صممُ
وتوقيعاته معروفة دائماً.
قلتُ له: ما رأيك في حُسَّادك؟
قال:
إني وإن لُمْتُ حاسِدِيَّ فما أنكر أني عقوبة لهمُ
اسمع هذا البيت، الْغِ الديوان وخذ منه هذا البيت، يقول: جعلني الله عقوبة لهم، لكن أستغفر الله لهم.
قلت: السفهاء يتطاولون على العظماء.
قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأني كاملُ
هكذا تفجر طاقة في اللغة والإبداع، مع القلة والنزر اليسير، لكنه الدرر وكان خفيف الدين، عهده بالوضوء في عطلة الربيع حين سافر إلى مصر، يُقال: كان لا يشرب الخمر ولا يصلي، قلنا: وددنا لو أنه شرب الخمر وصلى.
وأوصي إخواننا أن يحفظوا ألسنتهم شعراً ونثراً وكتابةً من أعراض المسلمين، فإنهم إن لم يخافوا العقوبة في الدنيا والسلطة؛ فإن الواحد الأحد سوف يبرز للبشر على عرشه ، ويحاسبهم بما اقترفت أيمانهم وأيديهم وألسنتهم، ووالله لن يغادروا الموقف حتى يقتص لعباده بعضهم من بعض.
فأتى -والعياذ بالله- وتعرض لرجل أغضبه اسمه ضبة، وقال في قصيدة له شنيعة لا أذكر منها الإسفاف -نعوذ بالله- فسأترك الفُحش الذي في ديوانه، ففي ديوانه فُحش ومقت وسُخط؛ وهذا لأنه ليس عنده تقوى ولا دين قال:
ما أنصف القومُ ضبة وأمَّه الطُّرْطُبَّة
فلا بمن مات فخراً ولا بمن عاش رغبة
وإنما قلتُ ما قلتُ رحمةً لا محبة
وحيلة لك حتى عذرت لو كنت تأبه
ومن يبالي بذم إذا تعوَّد كسبه
إلى هنا وأقف؛ لأنه دخل في أمور أستحي من ذكرها، وهي من أسوأ قصائده -كما يقول محمود شاكر، وغيره من الأدباء والنقاد- ومع ذلك كانت سبب حتفه، فرصد له ضبة وقوم من بني أسد وتعرضوا له، وفي الطريق رده أحد الأدباء وقال له: احذر، اتقِ الناس، إنك هجوت هؤلاء القوم وسوف يعترضون لك، فقال بكِبْر وعُجْب وتيه:
والله لو أن بني أسد ظمأى لخمس، ونهر الفرات يترقرق ويتقلب ماؤه كبطون الحيات -البلاغة عنده حتى ورأسه سيذهب! - ومخصرتي -أي: عصاي- على النهر، ثم رأوا الماء ما وردوه.
وهذه كذبة تصنَّعها، كذبة إبليس، فقالوا له: خذ حرساً، قال: أمِنْهُم؟! والله لو خيالي سارٍ لغلبهم، قالوا: هذا صِدْقٌ! فذهب في الصحراء، وإذا بهم بعد قليل يطوقون المكان بمن فيه، فقالوا له: ارفع يديك، فأراد أن يهرب؛ لأن حوله ما يقارب الستين، وأراد أن ينسحب، ومعه ابنه محسد ومولاه وقوم من مرافقيه، فانسحب وهرب، فصاح به مولاه -وقيل ابنه والصحيح أنه مولاه: ألستَ القائل:
الخيل والليل والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
فقال: قتلتني قتلك الله! ثم رجع بالسيف، فقتلوه، فكأنه خُلق بدون رأس، وذهب رأسُه مِن أجل:
ما أنصف القومُ ضبة وأمَّه الطُّرطُبَّة
فانظر إلى هذه الخطورة وهذا الإعراض.
стр. 10371
هجاء طرفة لعمرو بن هند
أما طرفة بن العبد، وحسبك به! العبقري الثائر المتمرد، الذي قُتل وعمره ست وعشرون سنة، والعبقرية لا تعرف عُمْراً ست وعشرون سنة يدخل فيها على الملوك ويسجل أروع القصائد، حتى إن بعضهم يجعل معلقته بعد معلقة امرئ القيس مباشرة، وبعضهم ألَّف فيها تصنيفاً بديعاً، وهي من أخطر وأبلغ وأمهر المعلقات على الإطلاق، ومع ذلك قُتِل وعمره ست وعشرون سنة وانظر إلى جيلنا الحاضر، يبلغ أحدهم ثلاثين سنة ولا يستطيع أن يشتري أغراضه من السوق وهذا هو صاحب الدالِية التي يقول فيها:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهندِ
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشددِ
إلى أن يقول:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تسطِيع دفع مَنِيَّتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي
يقول: ما دمت سأموت فاسقوني الخمر، وأعطوني الشهوات، واجعلوا البيع بالجملة؛ لأنه ما عنده آخرة، وقد كان قبل الرسول ﷺ في عهد الجاهلية، وليس عند الجاهليين نور، بل كانوا كالبهائم؛ لأنه قبل مبعث الرسول ﷺ كنا بلا عقول ولا طهارة، ولا زكاة، ولا تفكير، ولا أدب، حتى بُعث محمد ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
وقد ذكرت بعضُ أبياته عند الخليفة الراشد الزاهد عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه في مجلس الأدب، فقيل له: يقول طرفة:
فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدكَ لم أحْفَلْ متى قام عُوَّدي
يقسم أنه لولا ثلاث لم يهتم بالحياة، وإنما يريد أن يموت، ويريد أن يقوم عليه النُّعاة.
قال عمر: وما هي؟
قيل له، يقول:
فمنهن سبق العاذلات بشربة كُميْتٍ متى ما تعل بالماء تزبدِ
أي: كأس الخمر.
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء الممددِ
أي: امرأة.
وكري إذا نادى المضاف مجنباً كليث الغضا نبهتَه المتورِّدِ
فدمعت عينا عمر، وقال: والله لولا ثلاث لم أحْفَل متى قام عُوَّدي، وهو منطق أهل الإسلام والإيمان والرشد: مزاحمة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنْتَقى أطايب الثمر، وأن أصوم يوماً حاراً بعيداً طرفاه، وأن أمرِّغ وجهي لربي في التراب ساجداً.
فجزاه الله خيراً، فإن هذا منطق أهل الاصطلاح الخيِّر، لا منطق الجاهلية العفن.
أما طرفة فما أصابه بأس بهذه القصيدة المعلقة التي تركها لنا، وهي من أجود القصائد.
أتى إلى عمرو بن هند، وهو الذي يخاف منه الطير في الدهناء، وأتى يتعرض له ويستهزئ بمجلسه ويقول:
فليت لنا مكان الملك عمرو رغوثاً حول قبتنا تخورُ
يقول: بودي لو أن بدل عمرو بن هند بقرة! أهذا منطق؟!
من الزمرات أسبل قادماها وضرتها مركنة دَرورُ
أي: تكون حلوباً، يقول: والله لا استفدنا منه ولا أعطانا شيئاً.
يشاركنا لنا رخلان فيها وتعلوها الكباش فما تنور
لعمرك إن قابوس بن هند ليخلط ملكه نوك كثيرُ
فطارت القصيدة بحفظ الله ورعايته إلى عمرو بن هند، وهو الذي قتل ملوكاً، ولا يُمْزَح معه، فقال: عليَّ به، فأتى، وأراد عمرو أن يظهر في موطن الصيانة والرزانة؛ لئلا يقول الناس: إنه قتل طرفة الشاب العبقري المارد، الذكي الألمعي، إذ كيف له أن يقتله؟! فدعاه وحياه ورحب به وغدَّاه وألبسه، وقال: لك عندي رسالة فاذهب بها إلى ملك البحرين، وأعطاه الرسالة، وأعطى المتلمس رسالة أخرى، ووضعهما في ظرفين وأعطاهما، فأما المتلمس فقد شك -فربما كان الذيب في القريب، كما قال بعض السلف، أو الصميل في الكيس، كما قال بعضهم- ففتح الرسالة وإذا فيها: إذا أتاك المتلمس فقطِّع أطرافه الأربعة ثم اضرب عنقه، ففر وقال لـ طرفة: اذهب، يكفيك هذا الشعر، خذ الرسالة، قال: لا، بل حسدتني -وقد كان قريباً له- والله إن لي جائزة، وتريد أن تأخذها أنت عليَّ فذهب بها إلى الملك، فقرأها، فقطَّع أطرافه الأربعة ثم ضرب عنقه، فذهب في خبر كان من أجل أربعة أبيات أو أكثر وهي من أسوأ أبياته على الإطلاق، وهي ركيكة، لكن هذه عاقبة اللسان الذي لا يحفظه العبد، وهذا مع البشر فكيف مع الواحد الديان جلَّ في علاه.
стр. 10372
الأعشى والحجاج بن يوسف
والشاعر الآخر مسلم اسمه: الأعشى الهمداني قتله أدبه وشعره، وكان شاعراً مجيداً لكن خرج مع فتنة ابن الأشعث التي خرجوا فيها على عبد الملك بن مروان، ومعهم سبعون عالماً من علماء أهل السنة، ﵃، منهم: سعيد بن جبير الذي ذهب دمه هدراً ورأسه شذراً، ومنهم: عامر الشعبي العالِم الكبير حتى أنه ذات مرة دخل الحجاج فقيل له: أين كنتَ؟ قال: كنتُ في مكان كما قال تأبط شراً:
عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدتُ أطيرُ
وهذا من أجمل الأبيات، وهو من عيون الشعر وتأبط شراً ما كان يأخذ الجِمال ويستعيرها من أحد، وما كان يشتريها، بل كان يقول: الله هو الذي خلق الجِمال، وليست من الناس، فيأخذها عُنوة، وقد كان مارداً متجبراً، السيف عنده جاهز يقطر دماً يقول أحد الصعاليك: إذا مَرَّ بجِمالي قلت له: خذ ما تريد واذهب يقول في مطلع القصيدة، وهي خطيرة وأخَّاذة:
درى الله أني للجليس لشانِئٌ وتبغضهم لي مقلةٌ وضميرُ
يقول: لا تضيِّع وقتَك بالجلوس مع الناس، اذهب واسرق لك جِمالاً وكباشاً، وخذ لك واشبع.
درى الله أني للجليس لشانِئٌ وتبغضهم لي مقلةٌ وضميرُ
ولا أسأل العبد الفقير بعيرَه وبُعْران ربي في البلاد كثيرُ
عوى الذئب فاستأنستُ بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدتُ أطيرُ
المقصود أن الأعشى الهمداني خرج في هذه الفتنة، فلما خرج نَظَم قصائد فيمن كان أمير الفتنة ضد الحجاج، وهو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، يقول في بعضها:
يأبى الإله وعزة ابن محمد وجدود ملك قبل آل ثمودِ
أن تأنسوا بمُذَمَّمِين عروقهم في الناس إن نُسِبُوا عروق عبيدِ
يقصد الحجاج ومَن معه.
ثم رجع إلى الممدوح، يقول:
كم من أب لك كان يُعْقَد تاجه بجبين أبلج مِقْوَدٍ صنديدِ
إلى أن يقول:
بين الأشج وبين قيس باذِخٌ بَخ بَخ لوالده وللمولودِ
أي: بين أبيك وبين جدك.
فقال الحجاج لما سمعها: والله ما أتركه يبَخْبِخْ بعدها.
وهذه الكلمة تُنطق عند أهل اللغة: بَخٍ بَخٍ، وبَخْ بَخْ، والرسول ﷺ لما تصدَّقَ أحد الصحابة بمزرعته قال: ﴿بخ بخ ربح البيع﴾ وضَبَطها المحدثون: بَخٍِ بَخٍ.
ما قصَّرَت بك أن تنال مدى العلا أخلاق مكرُمة وأجودَ جود
فاستدعاه الحجاج، فوقف أمامه، وحلف بالله: إنك أحب الناس عندي.
يقول هذا للحجاج وهو قد خرج عليه، وقال: إنه أحب الناس لأنه يرى النطع أمامه، والسيف مشهور، والكفن منشور قيل لبعض العلماء وهو يرتجف: ما لك ترتجف وقد كنت تشجعنا وتثبتنا؟ قال: ما لي لا أرتجف وأنا أرى قبراً محفوراً، وسيفاً مشهوراً، وكفناً منشوراً!! فحلف بالله إنني أحبك وإني ما خرجتُ رغبة، وإني قد قلت فيك قصيدة.
قال: وما هي؟ فقال القصيدة.
ثم قال له: أوَنِسْيَتَ قولك:
بين الأشج وبين قيس باذِخٌ بَخ بَخ لوالده وللمولودِ
والله لا تُبَخْبِخُ بعد اليوم، يا غلام ائتني برأسه، فضَرَبَ رأسه، فكأنه لم يُخلق له رأس.
وهذا لأنه لم يقدر الموقف.
стр. 10373
صالح بن عبد القدوس والمهدي
االشاعر الأثيم النذل الخسيس الحقير صالح بن عبد القدوس، فإنه قد نال جزاءه على الزندقة والإلحاد في دين الله، وهذا جزاء من استهزأ بالدين: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]
وهو حكيم بلسانه، لكنه نذل منافق، يجوِّد العبارة، وهو من أشعر الشعراء؛ لكنه لم يستفد من الشعر شيئاً قاتله الله! يقول ابن المعتز في الطبقات: إن كان قال القصيدة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قلت: شكر الله لك! ويقول محمد الغزالي المعاصر: من قال كلاماً جميلاً شعراً أو نثراً ذهبنا إليه وقبَّلنا جبينه، ومن قال كلاماً خسيساً حقيراً في الملة ملأنا فاه تراباً.
يقول هذا في حكمة له:
ذهب الشباب فما له من عودة وأتى المشيب فأين منه المهربُ
هذا صحيح.
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنبُ
واذكر مناقشة الحساب فإنه لا بد يُحصى ما جنيتَ ويُكتبُ
لكنه لم يتذكر هو.
والليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيه تُعَدُّ وتُحسبُ
وجاء بقصائد كثيرة من الأبيات المجيدة، والحكم البالغة النافعة لمن تدبرها، ولكنه لم يمتثل بها في حياته، بل تطاول إلى جناب الرسول الشريف ﷺ -عياذاً بالله- فداه أبي وأمي، وملأ الله قلوبنا من محبته، وفديناه بأرواحنا ودمائنا ﷺ
إن كان أحببتُ بعد الله مثلك في بدوٍ وحَضْرٍ وفي عُرْب وفي عجمِ
فلا اشتَفَى ناظري من منظرٍ حسنٍ ولا تفوه بالقول السديد فمي
فلعنه أهل العلم، وجزى الله المهدي أمير المؤمنين الخليفة العباسي خيراً، فقد استدعاه في الحال وقال له: أنت الذي قلت في الجناب الشريف كذا كذا؟ فأقسم بالله أنه ما قال، وبكى أمام الناس، وأن أعداءه زوروا عليه، فأصبح الأمر محتمَلاً، فأراد المهدي أن يتركه وقال له: اذهب، فلما صار عند الباب وأراد الله أن يأتي برأسه- قال له: تعال، ماذا قلتَ في قصيدتك:
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه
وهو قد أصبح شيخاً كبيراً.
قال: قلت:
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنا عاد إلى نُكسِهِ
قال: والله لا تترك أخلاقك، عليَّ برأسه، فقطعوا رأسه، والحمد لله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].
стр. 10374
دعبل وتهانيه للملوك
ومعنا دعبل الخزاعي، وله نكات ولطائف، حتى أنه قبل أن يقتل أوصى أن يُدفن في النجف عند أهل البيت في طرف المقبرة؛ لأنه كان يحب أهل البيت حباً شديداً، وقد غالى فيهم وزاد حتى تجاوز السنة، ونحن نحبهم ونتولاهم فأوصى أن يُدفن على طرف مقبرة أهل البيت، وأن يُكتب على قبره: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] والعجيب أنه كلما جاء خليفة تناوله بقصيدة، والأصل أن الناس كانوا يهنئونه ويرسلون له برقيات التهاني، وهم في فرحة، لكن دعبل كان يرسل له بقصيدة، فعندما تولى المأمون وهنأه الناس، جاء دعبل وأرسل له قصيدة، يقول فيها:
يسومني المأمون خطة هاشم؟؟ أوَما رأى بالأمس رأس محمد؟
يقول: إن محمداً الأمين -أخاك أيها المأمون - قتلناه نحن قبيلة خزاعة على يد طاهر بن الحسين الخزاعي فاعلم أننا سنقتلك أتقتل المأمون يا دعبل؟! قال:
شادوا بذكرك بعد طول خُمولِهِ واستنهضوك من المحل الأوهدِ
يقول: لاحظ يا مأمون! أننا نحن الذين رفعناك.
دعبل هذا رجل أعرابي عنده أتان ما تساوي مائة درهم، ويقول: إنه هو الذي رفع المأمون، الذي جده خليفة، وأبوه خليفة، وإخوانه خلفاء، وولِد في بيت الخلافة! فقال المأمون: قاتله الله، ويلي عليه، يقول دعبل: هو الذي استنهضني؟!
شادوا بذكرك بعد طول خُمولِهِ واستنهضوك من المحل الأوهدِ
ثم انتهى من القصيدة، لكن المأمون كان عنده حِلْم، حتى أنه يقول: والله الذي لا إله إلا هو لقد حُبِّبَ إلي العفو حتى خشيت ألا أوجر عليه؛ لأنه أصبح عنده سجية وجِبِلَّة، حتى أنه عفا عن الفضل بن الربيع، وعن أناس كبار أرادوا قلب الدولة؛ لكن خطيئته -والله يتولاه- ما فعل في فتنة القول بخلق القرآن، وهذا حديثٌ طويل، ندعه ونرجع إلى قصة دعبل الخزاعي.
هذا الرجل مدح آل البيت بقصيدة من أعظم القصائد، يسميها الكرمي: القصيدة العامرة، وصَدَق! وهي من أمهات الشعر وعيون الأدب، يقول فيها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصاتِ
لآل رسول الله بالخيفٍ من منى وبالركن والتعريف والجمراتِ
ديار عفاها كل جَون مباكر ولم تعف للأيام والسنواتِ
قفا نسأل الدار التي خف أهلها متى عهدها بالصوم والصلواتِ؟
إلى أن يقول فيها:
إذا وُتِروا مدُّوا إلى واتريهم أكفَّاً عن الأوتار منقبضاتِ
إذا ذكروا قتلى بـ بدر وخيبر ويوم حنين أسبلوا العبراتِ
قبور بـ كوفات وأخرى بـ طيبة وأخرى بفخ ما لها فلواتِ
فقبر بأرض الجوزجان محله وقبر بباخمرا لدى الغرباتِ
في قصيدة طويلة وجميلة ورائعة، وذهب يلقيها على علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فأغمي على هذا الأمير، وهو ولي العهد، فوقع من على الكرسي، وهو يلقي عليه هذا الرجل قصيدته، ثم أعطاه بردَته جائزةً له، فمر ببلدة قم وفيها شيعة، فقالوا: أعطِنا إياها بما أردتَ من ثمن.
فقال: والله لا أبيعها، فتناهبوها حتى ما أصبح في يده إلا كشف الرأس، وذلك ليتبرك بها.
ولما مات المأمون، وتولى بعده المعتصم، أرسل له برقية تهنئة، يقول فيها:
ملوك بني العباس في الكُتْب سبعةٌ ولم تأتنا في ثامن منهم الكُتْبُ
لأن الثامن هو المعتصم.
فيقول: من أين جئت أنت؟ ما أنت منهم أصلاً ولا لك أي حق في الخلافة.
انتهى من الإشكال مع المأمون، والآن يحسب أن الحال سيصلح، قال:
ملوك بني العباس في الكُتْب سبعةٌ ولم تأتنا في ثامن منهم الكُتْبُ
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةٌ وثامنهم فيما أتى عندنا كلْبُ
واسمع إلى الكلام الآتي وهو يعتذر للكلب، ويقول: مع احترامي للكلب أستغفر الله العظيم، وهذا مع من؟ إنه مع المعتصم الذي دوخ الروم، وجعلهم يتركون المدن، وكان يحرق المدن مدينة بعد مدينة حتى قال أبو تمام:
لما رأت أختها بالأمس قد خربت صار الخراب لها أعدى من الجربِ
خليفة الله جازى الله سعيكَ عن جرثومة الدين والأخلاق والحسبِ
أجبت صوتاً زَبْطَرِياً هرقت له كأس الكرى ورضاب الخرد العرب
هذا المعتصم القوي الشجاع الفتاك يُتَناوَل بهذا الكلام؟! انظر إلى المجازاة! قال:
وإني لأُزْري الكلب عن ذكره بكم لأنَّ لكم ذنباً وليس له ذنبُ
يقول: مع احترامي للكلب.
إلى آخر القصيدة.
فسمعها المعتصم، فغضب وأزبد وأرعد وقال: عليَّ به، ففرَّ إلى خراسان، وضاعت القضية، فأتى به الله، ولم يقتله المعتصم، وإنما قتله مالك بن طوق الوزير عندما تعرَّض له دعبل بقصيدة، فاستدعاه فحلف أنه ما قالها، وأنها وضعت عليه -من الذي وضعها عليه؟ وما هذه الصهيونية العالمية التي تنْظُم أشعاراً للشعراء هؤلاء؟!
فقال له: لكني إذا تركتك فستعدي غيرك، فشهَّر به وجلده أمام الناس، ثم أرسل له من اغتاله في خراسان، وقيل: بل سقاه سماً، فذهب شَذَر مَذَر.
стр. 10375
الرسالة المصطفاة من هذا الحديث
أيها الإخوة الكرام: ما هي الرسالة المصطفاة من هذا الحديث؟ هؤلاء قد قُتلوا وذهبوا وانتهوا؛ لكن ما هي الرسالة التي نريد أن نوجهها؟
الرسالة لأهل الأدب، وحملة الأقلام، ورجال الإعلام، والعلماء والأدباء والشعراء: أن يتقوا الله فيما يقولون ويكتبون، وأن يعلموا أن الله سوف يوقفهم في يوم لا ينفع مال فيه ولا بنون
نعم، قد يستغفر العبد فيُغفر له، وقد يُجلد؛ لكن يقول عن نفسه: ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦] يقول: لا يعذب عذاب الله أحد من البشر، ولا يوثق -إذا حبس وثاقه أحد فالله الله! أرسل هذه الكلمة صادعةً ناصعةً قويةً إلى كل مَن عنده فكر أو قلم يحمله أو لسان أن يتقي ربه، وأن يحاسب نفسه فيما يكتب، فإنه سوف يمر به وقت تُعرض عليه الصحف، ويُناقَش حرفاً حرفاًً فيما قال وفيما كتب، ولينظر مصارع هؤلاء (مصائب قوم عند قوم فوائدُ).
وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ [الأحقاف:٢٧] فلتعتبروا يا أولي الأبصار! وهي رسالة للجميع، وإنني آسَف كل الأسف أن فينا من أهل الأدب والعلم والدعوة مَن يتعرض لإخوانه الدعاة والأدباء، والمشايخ وطلبة العلم، بالهمز واللمز والهجاء والكتابة السيئة في ساحات الإنترنت، وفي الرسائل وفي المجالس ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٤ - ٥] ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:١٩].
فاتقوا الله فيما تقولون وما تكتبون، وحاسبوا أقوالكم شعراً ونثراً، واستغفروا ربكم إنه غفور رحيم.
سامحن بالقليل من غير عذل ربما أقنع القليل وأرضى
وصلى الله على الحبيب وسلم، وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين.
اللهم وفقنا لأحسن الأقوال والأعمال.
اللهم زَكِّ نفوسنا، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم إنا نسألك سداداً في الكلم، وقواماً في المنهج، وحسناً في الأدب، ورعاية في الملة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 10376
سيرة الشيخ عائض الأدبية
السؤال
جزى الله خيراً أخي فضيلة الشيخ/ عائض بن عبد الله القرني على هذه المحاضرة القيمة.
وقبل أن نبدأ بالمداخلات وبما يتعلق بها، نريد أن نسأل الشيخ عن سيرته الأدبية؛ لأن كثيراً منَّا يعرف الشيخ/ عائض عالماً وفقيهاً ومحدِّثاً ومفكراً، ولكن بعضنا يجهل سيرة الشيخ عائض الأدبية.
أريد من الشيخ عائض -إن أذن لنا بذلك- أن يذكر لنا بدايته الشعرية، ونتفاً من سيرته الأدبية.
الجواب
بارك الله فيكم، وغفر الله لمن كان جاهلاً بسيرتي في الأدب.
كما تشاهدون أخاكم في موقف لا يُحسد عليه أمام الأدباء والشعراء وأهل الفضل والخير، ولكن:
وكم في الحفل أبهى من عروسٍ ولكن للعروس الدهر ساعد
فأقول أيها الإخوة: لكل بداية نقص، والعبر بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وقد أحببت الأدب من الأول المتوسط بمعهد الرياض، وكان يدرسنا الأستاذ البليغ الأديب الدكتور/ إبراهيم الجوير، ثم في النحو الدكتور/ محمد الفاضل وكذلك الشيخ/ عبد العزيز الفنتوك، وملأ غيرهم من الأخيار، وكان فيهم أدب واهتمام بالشعر وبالكلمة، فكنت أظن وأنا في المتوسط أن الشريعة هذه التي اسمها شريعة محمد ﷺ أنها دواوين الشعر، وأن جريراً نصر الله به الإسلام، حتى ظهر أن جريراً هذا والفرزدق كان لهما إبل يرعيانها في الصحراء، وما كان عندهما إلا الهجاء، وقد ضيعا الدين، ضيعهما الله فرجعنا وبدأنا نحفظ، وبدأتُ بـ جواهر الأدب وبغيره إلى الثالث المتوسط، وكنت أشارك في الحفلات والأندية الأدبية وبعض المخيمات الصغيرة، وكما تعرفون أن الناس يغُرُّون، فيقول لي بعض الزملاء: فتح الله عليك! هذا الشعر لا يُطاق مثله ويصحح لي أحد الأساتذة فيقول: أنت في شعرك شيءٌ عجيب، حتى أني أتفكر في قوة شعرك دائماً.
فبلغ بي ذلك أن قلت: أني مثل المتنبي أو قريب منه! وكانوا يسألونني في حفلات المعهد في المقابلات، فكان يسألني طالب مثلي ويقول: مَن ترى من الشعراء أنه شاعر؟
فأقول: المتنبي لا بأس بشعره، وفلان لي عليه ملاحظات وآتي بأبياته، وكذا لأنني كنت جداً محباً للشعر، وأتى إلينا مرة وفد معهد الجوف زائراً فقالوا: نريد شاعر المعهد، الشاعر الكبير المصقع أن يَنْظُم، فذهبتُ فنَظَمْت قصيدة، فأولاً مدحتُ المعهد -هذا قاموس مفهرس- بقصيدة في ثلاثين بيتاً وهي موجودة ومحفوظة، وأثنيت على الأساتذة والمشايخ، ثم رحبت بالمعهد الوافد، ثم رثيت الملك فيصل؛ لأنه قتل في الأسبوع الأسود، ثم ذكرتُ الإسلام، وبدأتُها بالبيت الذي ما سمع العرب ببيت أضعف منه:
لك يا معهدي الأجل سلامي عامر الود والأماني أمامي
جئتك اليوم نافضاً عن إهابي أثر الجهل زاده إفهامي
اسمع البلاغة إلى آخر الكلام، من القصيدة، وليتهم استتابوني تلك الليلة؛ لكن جاء الأستاذ وزاد الطين بلة، فقال: سبحان الله العظيم! ما سمعنا بمثل هذه.
فلما كبُرت ورأيت البيان وذهبت إلى أبها، وفقنا الله بشيخ جليل، وعلامة رباني، وهو ولي من أولياء الله، وهو عبيد الله الأفغاني، وهو يدرس الآن في مسجد الرسول ﷺ ، فحفظت على يديه القرآن مجوَّداً، وقال لي: العلم ليس هذا، هذا أدب، عليك بـ صحيح البخاري فبدأتُ بـ صحيح البخاري وفتح الباري إلى أن أعطانا الله شيئاً، ولا ننكر أنه أعطانا، ولكن ليس عندنا إلا القليل، فالفضل كله للواحد الأحد.
стр. 10377
أشعر الشعراء في القديم والحديث
السؤال
شيخ عائض: من يعجبك من الشعراء من المتقدمين ومن المتأخرين؟
الجواب
يعجبني كثيراً مِن المتقدمين منهم أهل المعلقات، ويعجبني شعر النابغة الذبياني، وأنا مع من يفضله أحياناً على زهير وطرفة صاحب القصيدة الدالية.
وأما من الشعراء جميعاً المتقدمين منهم والمتأخرين، والأحياء منهم والأموات: فهو المتنبي، وقد ألفت فيه كتاباً لدى مطابع العبيكان -وهذا للمعلومة- أسميته: امبراطور الشعراء الشاعر الأسطورة المتنبي.
وأما المعاصرين فكثير من الإخوان، ولن أذكر أحداً منهم؛ لكنهم أتحفونا بملأ منهم، وأنا أشاهدهم أمامي، فليعفوني، لأنني محرج من ذكر الأسماء، وأحياناً أذكر أربعة وأنسى ثلاثة، فالذين أمامي هم من الشعراء المتأخرين الذين نحبهم ونحب شعرهم، وأقرأ لهم بارك الله فيكم.
стр. 10378
تكلف الشعر
السؤال
بماذا تنصح من يتكلف الشعر تكلفاً؟
الجواب
أنصحه أن يتقي الله وأن يريح المسلمين من شره، فلا ينظُم شيئاً؛ لأن بعض الناس يريد أن يقنعنا بالقوة أنه شاعر، ولا بد أن نعترف له، وينْظُم لنا قصائد في الجرائد يومياً، وهذا ليس بشعر، إنما هو منظومات، مثل:
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالكِ
فعليه أن يريحنا ويتقي الله فينا، فإن عندنا مصائب، كقضية فلسطين والشيشان وأفغانستان، فلا يزيدنا مصيبة رابعة، وأرى أن يتوجه لما خلقه الله، فالله لم يخلق الناس كلهم أدباء أو شعراء، ولتنظروا إلى الصحابة! هل كان أبو بكر شاعراً؟ له بيتٌ أو بيتين، وهو أول الصحابة فضلاً بعد رسول الله ﷺ ، وكذلك عمر ﵁ لم يكن شاعراً، فـ حسان في الشعر، وزيد بن ثابت في الفرائض، وأبي بن كعب في القرآن، وابن عباس في التفسير، وذاك في الفقه وهكذا.
فيا إخوة: مَن فُتِح عليه باب فليلزمه، ولا يكلف نفسه موهبة ما خلقه الله من أجلها، فيثقل علينا ويثقل على نفسه.
زارني شاب إلى البيت، وقال: عندي قصيدة أريد أن أعرضها عليك.
فقلت له: تفضل، فبدأ بها، وصبرني الله سبحانه حتى انتهى منها، ولما انتهى قال: ما رأيك فيها؟ قلت: الحمد لله الذي أخرجها من بطنك، ولو بقيت فيك لقَتَلَتْك.
إذاً: الفضل هو في قراءة القرآن، وفي الذكر، وفي العبادة، وأما الشعراء فعليهم أن ينصروا الدين بشعرهم.
стр. 10379
قصائد قيلت في ابن باز
السؤال
هناك قصائد كثيرة من قصائد الشيخ، والشيخ له قصائد طنانة ومعروفة؛ فأرجو أن تتأخر المداخلات الصوتية قليلاً ليتسنى لنا أن نسأل الشيخ: نريد من الشيخ أن يذكر لنا ما قاله في الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀.
الجواب
أحسنت، وهو مثلما تفضلت وقلت: لي قصائد طنانة، نعم لي قصائدي هي قسمان: طنانة، ورنانة.
وأما الشيخ ابن باز فلي معه تجارب، وهو من أحب الناس إلى قلبي، عسى الله أن يجمعنا به وبكم في جنات النعيم، وقد ألقيت عليه أربع قصائد، أما القصيدة الأولى فهي قصيدة: أبو ذر في القرن الخامس عشر، وبعض الشباب يسميها: الذرية، وهي قوية عندي وعند الشعراء من أقراني وزملائي، ولكنها لا تصلح في مجالس العلماء؛ لأن فيها رمزية وخيال، فألقيتها عليه في الحج، وكان معنا بعض المشايخ، فقلتُ فيها:
دمعة الزهد فوق خدكَ خرسا ووجيب الفؤاد يحدث جَرْسا
أنتَ مَن أنتَ يا محب وماذا في حناياك هل تحملت مَسَّا
إلى أن قلت:
لاطَفوني هددتهم هددوني بالمنايا لاطَفتُ حتى أُحَسَّا
أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبتُ في الحق نفسا
أطرد الموت مقدماً فيولِّي والمنايا أجتاحها وهي نعسى
إلى آخر القصيدة، ولما انتهيت عقب الشيخ وقال: أما الأخ عائض فقد أجاد في قصيدته، ولكن الواجب أن يوضح لنا المراد، وأن يبين لنا ماذا يريد في قصيدته، وأن ينصر السنة بقصيدته إلى آخر ما قال، فقلتُ: لقد أسمعتَ! فجاء الحفل في آخر الحج، فألقيت عليه قصيدة، فوضَّحتُها كالشمس، مثل:
كلامنا لفظ مفيد كـ (اسْتَقِم) واسم وفعل ثم حرف الكلم
قلت فيها:
يا مركز الخير حيوا لي محياهُ نداء حق من الفصحى سمعناهُ
قد أطرب الأذن فانصاغت لنغمته وأطرقت برهة تصغي لفحواهُ
يقول للجيل والإيمان رائده عودوا إلى الله قد ناداكم اللهُ
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناهُ
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناهُ
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ اللهُ
فسُعد الشيخ وارتاح ودعا لي، أسأل الله أن يغفر له ويرفع منزلته.
الموقف الثالث: التقينا في حفل، فسلمتُ على الشيخ وقلتُ -وهي في ديواني:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببتُ طلعتكم لأنها ذكرتني سَيْر أسلافي
والمدح يا والدي في غيركم كذب لأنكم لفؤادي بلسم شافي
إلى أن قلت:
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
تَشفي بفُتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف
يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف
وقصيدة رابعة يوم أن دخل بيتي في الرياض، غفر الله له وأكرم مثواه، فرحبتُ به بقصيدة، ربما يعرفها بعض الإخوة، ولا أطيل على الإجابة عن هذا.
стр. 10380
بلاد ذي القرن
السؤال
بلاد ذي القرن هل هي سراة أم تهامة؟ وهل تنصحني بزيارة ذي القرن في هذا الصيف؟
الجواب
ذي القرن ثلاثة أقسام: بادية، وسراة، وتهامة، وأنا -والحمد لله- والدكتور/ ظافر القرني من السراة، ونحن كغيرنا من الناس فينا الصالح والطالح، والمقتصد والسابق بالخيرات والظالم لنفسه؛ لأن بعض الناس يظن أن قبيلته هي التي حضرت بدراً وفتحت التاريخ وأقامت الدين لا، بل كل عَشَّة بسِباعِها كما في المثل، وقد قلتُ في رباعية لي:
في أرض ذي القرن عند المنحنى داري بها وُلدتُ وقد قضيتُ أوطاري
نسمتُ تربتها طفلاً وآنسني فيها أحبة أصحاب وسُمَّارِ
لا أرتضي غيرها أرضاً ولو سَفَرَت في الحسن قرطبة أو ربع سنجار
ونحن ننتسب إلى أويس القرني ولن نتنازل عن هذا؛ لأن بعض الناس يسحبه إلى مذحج، ونحن منهم من مراد، حتى يقول شاعرنا في الجنادرية، جزاه الله خيراً:
نحن وجه الشمس إيمانٌ وقوه نسبٌ عال ومجدٌ وفتوه
لأن أصلنا من الأوس والخزرج، وأرجوكم لا تحسدونه على هذه المواهب يقول:
كرب عمي، وقحطان أبي وهبوا لي المجد من تلك الأبوه
والسيوف البيض في وجه الردى يوم ضرب الهام من دون النبوه
نحن أُسد الله في يوم الردى قد وضعنا الكفر في سبعين هُوَّه
وأويس جدنا من قرن أوما الأبناء من تلك الأبوة
إن بلال بن رباح المولى الحبشي أحسن من قبائلنا جميعاً ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
فلا تحسب الأنساب تنجيك من لظى ولو كنت من قيس وعبد مدانِ
أبو لهب في النار وهو ابن هاشم وسلمان في الفردوس من خراسان
ولي قصيدة نبطية، و (عفواً) على قولي هذا، قلت فيها:
والفخر بالدين ما هو ببيت ولا قبيل والخلايق عند رب الورى ميزانها
أبو لهب في النار وبلال يشرب سلسبيل درت الحكمة وربك تولى شانها
وأما زيارتها، فأنصح بزيارتها في الصيف بشرط أن يمر الزائر سريعاً، يسلم على إخوانه ويمر كالذئب مرور الكرام؛ لأن بعضهم يمر فيجلس ثلاثة أيام إلى أسبوع، فيأتي ويقول: أحببتك في الله، وأنام عندك في الله، وآكل طعامك في الله، وآكلك في الله، ويعانقك حتى يفطس غترتك سبع مرات، ثم يذهب، ثم يعود، ويقول: اشتقتُ لك، وأردتُ أن أسافر لكن تذكرتُ الأخوة التي بيننا، فنقف أنا والإخوة ونقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر.
стр. 10381
حكم الغزل في الشرع
السؤال
هل من الجائز أن أتغزل؟ وهل الشرع يبيح الغزل؟
الجواب
أما الغزل فمباح في الحدود، وأنا أحفظ منه كثيراً، والشيخ علي الطنطاوي هو أستاذنا وشيخنا، وقد زرتُه في حياتي مرتين ﵀، وهو يختار أجمل قصائد الغزل البرئ العفيف النظيف، وقد قطَّع قلبي بعضُه، وقد استخدمتُه في الحب وفي الدعوة إلى الله ، حتى أن شاعر إيران السعد الشيرازي يقول:
بكت عيني غداة البين دمعاً وأخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبتُ التي بالدمع ضنت بأن أغمضتها يوم التقينا
وسبقه الأعور السلمي، وهو شاعر عظيم، وكل الشعراء عندي عظماء، كان له ابنٌ رزقه بعد أن كان عقيماً، فربَّاه، فلما بلغ معه السعي مات فجأة، فبكى بالعين الصحيحة، وبكت العوراء أيضاً، هي يابسة، لكنها بكت من شدة البكاء، فترجم ذلك فقال:
بكت عين ليس فيها غضاضة وعين بها ريب من الحدثانِ
عَذِيْرُكِ يا عيني الصحيحة والبكا فما لك يا عوراء والهملانِ
وهذا هو الأدب الراقي.
ومن أحسن القصائد شعر الشهرزوري، وهو عالم كبير, ولكنه تغزل في قصيدة فصارت أم قصائد الغزل، يقول فيها:
لَمَعَتْ نارُهم وقد عسعس الليـ ـلُ وضل الهادي وحار الدليلُ
فتأملتُها وفكري من البين عليلٌ وطرف عيني كليلُ
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى وغرامي ذاك الغرام الدخيلُ
إلى آخر ما قال في هذا الإبداع، ولا أستطرد.
стр. 10382
أعذب الشعر أصدقه
السؤال
يروى أن أعذبُ الشعر أكذبُه، فهل هذه المقولة الشائعة تُقْبَل؟
الجواب
تُقْبَل تجوُّزاً، والظاهر هو هذا، وبعض العلماء ردوا هذا وقالوا: لا يُقصد بكلمة (أكذبه) أنه إذا بالغ الإنسان وأتى بموشحات أدبية قد يكون كَذَبَ فيها، فقد يكون أوقع في القلب.
لكنني أرى أن الجميل الصادق المؤثر هو الصحيح، ولا نقترب من الكذب، نعوذ بالله من الكذب.
стр. 10383
قصيدة مؤثرة
السؤال
هل لك أن تذكر لنا قصيدة بكيت منها؟
الجواب
أنا أسمع قصائد كثيرة؛ لكن هناك بعض الرثاء وبعض المواقف، فأذكر أنه لما مات الشيخ/ ابن باز سمعتُ أحدهم يقول -وأظنه مذيعاً-:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمرُ فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ
فتأثرت وهذه القصيدة قالها أبو تمام في محمد بن حميد الطوسي البطل الشهيد، فقد قُتِل وعمره اثنان وثلاثون سنة، وتكسرت في يده في أول النهار مع الرمح تسعة أسياف، ثم ضربوه بالرماح حتى أصبحت ثيابه حمراً، فلما مات أتى الخبر بغداد فقال أبو تمام قصيدته الذائعة، حتى أن المعتصم لما سمعها قال: ما أسمى ما قيل في هذه القصيدة؟
كذا فليجل الخطبُ وليفدح الأمرُ فليس لعين لم يفض ماؤها عذرُ
توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السفر السفرُ
إلى أن يقول:
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضرُ
ثوى طاهر الأردان لم تبقَ بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ
إلى أن يقول:
وقد كان فوت الموت سهلاً فرده عليه الحفاظ المر والخلق الوعرُ
ونفس تعاف الذل حتى كأنه هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الهول رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشرُ
إلى أن قال:
لقد مات بين الضرب والطعن ميتة تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ
стр. 10384
آخر قصيدة للشيخ
ؤال: قبل أن نبدأ في المداخلات نطلب من الشيخ أن يذكر لنا آخر قصيدة له؟
الجواب
لي قصيدة متأخرة عن تاج المدائح اسمها: صحيفة تجارب، وذكرتها في (ديوان قصة الطموح) أذكر منها:
سلا القلب عن غيد صفت وحسانِ وأهمل ذكر المنحنى وعمان
وما عاد يصبيني الصبا بأريجه ولو فاح بالريحان والنَّفَنانِِ
وخط برأس الشيب لوحة عاشقٍ يقول: احذروني أيها الثقلانِ
شربنا ليالي الصفو في كأس غفلة ثلاثون عاماً توجت بثمانِ
فمرت كأحلام الربيع سريعةً فأحلامها في ناظريَّ ثوانِ
انظروا إلى الشعر!
فلو أنني أُرمى بقوس حذرته بقوة بأس واحتدام جَنانِ
ولكن قوس العمر ينفذ أسهماً وما للفتى في ردهن يدانِ
وفي أربعين العمر وعظ وعبرة ويكفيك علماً شاهد الرجَفانِ
فلا تسمعني وعْظَ قس ولا تَسُقْ عليَّ مقامات من الهمذاني
فعندي من الأيام أبلغ عبرة على منبر تلقى بكل لسانِ
ولما اتخذت العلم خدناً وصاحباً تركتُ الهوى والمال ينتحبانِ
جعلت القوافي الصافنات مراكبي كأن الضحى والليل قد حسداني
فلا تلهك الدنيا بلهو فإنه يُعاق مسير الشمس بالدبرانِ
فقد هدَّ قدْماً عرش بلقيس هدهدٌ وخرَّب فأرٌ ما بَنَى اليمنانِ
ولا تحسب الأنساب تنجيك من لظى ولو كنت من قيسٍ وعبدٍ مَدانِ
أبو لهب في النار وهو ابن هاشم وسلمان في الفردوس من خراسان
إلى آخر القصيدة.
أما تاج المدائح فقد سمعها بعض الإخوة، فعفواً لن أذكرها.
стр. 10385
مداخلات المشايخ والشعراء
تعقيب الدكتور/ حبيب بن معلا المطيري:-
شكر الله لك أيها الشيخ، وقد وصلت أوراق كثيرة، وكلها تثني على الشيخ وتدعو له، وتُشْهِد الله على محبته، ونحن كذلك، والآن نترك وقفة لبعض المداخلات الصوتية إن كان هناك بعض المداخلات، فإن عندنا بعض الطلبات هاهنا، منهم: الدكتور/ ظافر بن علي القرني، أستاذ في كلية الهندسة بجامعة الملك سعود إن كان لديه تعليق، والدكتور/ ظافر للعلم شاعر أيضاً، وله دواوين شعرية، وله إسهامات في الصحافة.
стр. 10386
مشاركة الدكتور: ظافر بن علي القرني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
شكراً لفضيلة الشيخ/ عائض بن عبد الله القرني على ما أتحفنا به هذه الليلة، وأود أن أختصر ثنائي عليه؛ لأنه يعلم منزلته في قلبي، فإذا أردتَ أن تعرف الإبداع فانظر إلى قصائده، وإلى إسهامه في الشريعة وفي موضوع الشعر، وفي الفقه والتاريخ، وكلها إبداع وأنا سأنبه على نقطة، تخص المتنبي، فإنه قال لابنه أو لخادمه -كما قال بعضهم- لقد قتلتني يـ ابن الأطنابة.
من نقل هذا عن المتنبي؟ ومن الذي ينقذهم من الأعداء؟ ونحن لا ننكر للشعراء، ولا نمدحهم ولا نثني عليهم؛ ولكن لا نريد أيضاً أن يفهم الحضور أن كل من قال شعراً ينصب له كمين لا، فهناك محاكم ومسئولون، وأريد هنا أن أذكر قصيدة لي عنوانها: شعراء قتلوا:
قتلوهم لأنهم أحياءُ وسبوهم لأنهم أغنياءُ
إنما الأمة البيان فقل لي كيف تحيا عوالم خرساءُ
كيف تأتي على اللسان بلفظ عربي تهز منه السماءُ!
ثم تبغي الفلاح! أي فلاح؟! فت جرماً وأخضلته الدماءُ
اندثرنا فكل فك بسيف يطعن الآخرين وهو خواءُ
ما خلقنا إلا سهام عوال وخيول وطعنة نجلاءُ
في صدور الأعداء لا لا وربي في صدور الذين هم أصدقاءُ
زاحمتنا الظنون من كل فج وتناءت في سهمنا الأنواءُ
وبقينا ندكُّ شعباً بشعب وتباكت في صدرنا الأشلاءُ
وسمعنا دواعي الشر فينا وتلهت بنهدنا الأدواءُ
ونرى أننا على أمم الأرض وأن الذي سوانا هباءُ
فانقلبنا بذلة وهوان وازدرتنا الأصحاب والأعداءُ
وجنينا الذي طمعناه مذهبـ ـت دواعي الردى فقيل التقاءُ
وسُحقنا ونحن ننظر شزراً لأخينا فكيف كان الإخاءُ؟!
البرايا تعارفت فتدانت وكأنا من بعضنا غرباءُ
فلها الانحراف في البر والبحـ ـر ونحن نحيبنا والبكاءُ
أكلتنا النيران نيران خصمٍ قوتها الفيزياءُ والكيمياءُ
ورضينا بها جميعاً ولكن أرهقتنا قصيدة عصماءُ
فغضبنا وقام قتل ونهب وتعرت فيحاؤنا الخضراءُ
الموازين والمكاييل طاشت فتغايت غوائلٌ عمياءُ
يا رتيب البيان يا صاحب التبـ ـيان للشعر عدة قحفاءُ
سر لتكتب للسان مضاءٌ ولسان في فكها بكماءُ
لو تساوت صحيحة تقطع الأرضَ وأخرى مريضة عرجاءُ
إيه! يـ ابن الحسين لو عشت عشراً لسرت بالدفاتر الأبواء
ونفحت التاريخ بالواقع المر وبعثرت ما يقول الغثاءُ
وذكرتَ الملوك والهم والقرح وباهى بصوتك الأمراءُ
أنت قدِّرت بالذي يحسب الشعـ ـر نشيداً يستاء منه الغناءُ
لو رأيت الإقدام ما زاغت الأوصـ ـاف واشتد في الهجير الهجاءُ
أو رأيت الإعراض ما كانت الأعـ ـراض تكوى والمعول الدهناءُ
غير أن الخداع وجه مشين والمداجاة خطبة شوهاءُ
قُسِّمتْ مصر بالذي كان كابول وسارت من كربها كربلاء
بكل من عضه الدهر بناب يخر منه البناءُ
إيه! يـ ابن الحسين هذي بلاد تتنامى في خصبها البغضاءُ
والهموس تصان لو تملأ الأرض تهاوت من هولها الظلماءُ
أنت لم تلقَ من عذاب سوى ما قد تلقى الأجداد والآباءُ
وكأني بمن يقول اقبل المو ت ليصطف بعدك البلغاءُ
وإذا زاد بعدنا عن هدى الحـ ـق تبيد الأعداءُ والأدواءُ
فهنا ذرية يذوب له الصهر وثَمَّ ابتسامة صفراءُ
ما لنا أن نقول في الأرض إلا حسبنا الله أيها الشعراءُ
стр. 10387
مداخلة الشاعر: عبد العزيز بن إبراهيم السراء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً: أشكر مركز السيوطي على هذا النشاط المتجدد والمتميز نحو أدب هادف، وقد اعتنوا به كثيراً؛ تنظيماً وإعداداً وحسن دعوة لمن يقوم بهذه المقامة، فهي تزكية أدبية بفكرة تربوية ومدحة ترفيهية.
أما شيخنا وفارسنا هذه الليلة الدكتور/ عائض، وكأني به ولسان حاله يقول للباحثين وراءه، ولمن يريدون أن يدركوا غباره:
يا سائرين بدرب السهل منطلق بكم جواد المنى في نشوة السحرِ
لو تعلمون بما تبديه قارعتي من القتال ومن مستوحل الحفر
إذاً وقفت فما دربي كدربكمُ وكل هذي الخطى ليست على أثري
ومما يميز هذه الليلة: القصص التي قرأها في هذا البحث، ولكن الجميل فيها والرؤية الجديدة هي النظر إليها بنظرة إسلامية، والربط بينها وبين مراقبة الناس، ومن ثَمَّ مراقبة الله في كل ما يقوله الإنسان، وهذه النظرة والرؤية هي مما ينبغي في قراءتنا وفي مأثورنا نثراً وشعراً، ولا سيما في الكتب القديمة، فنجد القصص والأشعار والأخبار الكثيرة، وكيف نربطها برؤية إسلامية نستفيد منها لناشئتنا ولحياتنا عموماً.
أخيراً: للمركز الصيفي ولكل المراكز وجهودهم المميزة في عنايتهم بشبابنا أقول لهم:
إن الشباب لطاقات مؤججة للخير إن أُهملت كانت محاذيرا
كأنه نخلة كنز لزارعها إذا تعاهدها حفظاً وتأبيرا
وإن تقاعس عنها أنتجت إبراً وأطعمت حشفاً بالسوس منخورا
والعياذ بالله.
شكراً لكم جميعاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10388
مداخلة الدكتور: عبد الله بن صالح العريني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على خير عباد الله، خير الخلق أجمعين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن سار على سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
إن الواجب في البداية تقديم الشكر للإخوة الكرام الذين نجحوا للمرة الرابعة -بتوفيق الله- في تقديم مثل هذه الأمسيات الأدبية التي أعادت إلى ساحة الأدب الكثير مما قد يُفتقد من ضرورة مراعاة مسئولية الكلمة.
لقد سعدت حقاً -ولست الوحيد، بل الجميع معي في هذا الأمر- بأن سمعنا هذه المحاضرة الطيبة عن هذه القصائد التي قتلت أصحابها، ولقد كان هنالك تساؤل كبير في العالم كله، وهو: هل دالت دولة الشعر أمام هدير الآلة وصخب الحياة؟ إن الواضح هو أن الشعر ما زال قادراً على أن يستحوذ على الاهتمام وأن ينال الإعجاب.
أريد في مداخلتي هذه أن أقول للدكتور/ عائض: لِيَهْنِكَ ما أعطاك الله، وبارك الله لك في هذه القدرة على هذه السياحة الأدبية التي أخذتنا معك فيها، وأريد أن أقول لكثير من سادات الأدب: إن الدكتور/ عائضاً بقدرته على تحويل هذا الموضوع الجاد إلى موضوع فيه الكثير من الطرافة يمثل مدرسة يجب أن نستفيد منها إن كثيراً من المحاضرات تبدو متجهمة وصعبة لكنها بشيء من هذه الخلطة السرية التي نرى أمثالها في هذه المحاضرة قادرة على أن تستحوذ على الإعجاب.
أريد أن أقول كلمة حول ما شاع من أن أعذبَ الشعر أكذبُه: هذه الكلمة تُعَد قضية من قضايا النقد، وهل أعذبُ الشعر أكذبُه أم أعذبُ الشعر أصدقُه؟ والشائع أن العرب يتذوقون الشعر الكاذب كما يتذوقون الشعر الصادق؛ لكن الحق خلاف ذلك، فـ ابن سنان الخفاجي في سر الفصاحة يؤكد أن مذهب اليونان هو أن أعذبَ الشعر أكذبُه، والآمدي في الموازنة ينفي أن يكون مذهب العرب هو أن أعذبَ الشعر أكذبُه، ويقول: لا والله بل أعذبُ الشعر أصدقُه.
أريد أن أقول: إن تضاعيف هذه المحاضرة قد لمست جراح الحياة الأدبية في كثير من أقطاع العالم العربي؛ التي أبعدت بشكل كبير قول الرسول ﷺ : ﴿إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله يهوي بها في النار سبعين خريفاً، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضا الله تكون له منزلة عالية في الجنة﴾ أو كما قال ﷺ .
ينال هذه المنزلة العظيمة في رضا الله بكلمة وهو لا يلقي لها بالاً، فما بالك بكثير ممن يدبِّج الكلمات في سخط الله، ويضع الأدب المنحرف، وينشره ويوزعه، ويهتم به وينقده ويؤيد أهله؟! مع أن الرسول ﷺ أكد على أن هذا الرجل وهو يلقي هذه الكلمة لا يلقي لها بالاً، ومع ذلك تحل عليه سخط الله.
تحية للدكتور/ عائض، ولزميلي الكريم الدكتور/ حبيب على هذه المحاضرة، وتحية لكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10389
مداخلة الشاعر: محمد المقرن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لاشك أن الجنة هي الدرجة العالية والمنزلة الرفيعة، وهي الغاية والهدف لكل مسلم، وهي نعمة من نعم الله ، ونسأل الله أن يكون شيخنا الفاضل الدكتور/ عائض القرني ممن حاز تلك المنزلة وأريد في هذه العجالة التعليق على نقطتين:
النقطة الأولى: لما توفي سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، ذلك الرجل الأمة؛ سمعنا ضجة في الصحافة بأشعار كثيرة؛ ولكن النقطة التي نقف عندها هي: ميزان الشرع في تلك القصائد، فقد سمعنا استغاثات بالشيخ/ عبد العزيز بن باز، وأنه لا مجير إلا هو، ولا مغيث إلا هو، وهكذا ورد في بعض الأبيات، وقرأتُ كثيراً وسمعتُ كثيراً من هذه الأبيات.
هذه النقطة أريد أن يتحدث شيخنا عنها.
النقطة الثانية: كيفية الموازنة والمعادلة بين طلب العلم الشرعي والأدب الإسلامي.
стр. 10390
رد الشيخ: عائض القرني
أكرر شكري للقائمين على هذا المركز الجاد والمبدع في عرضه وفي تنظيمه، فجزاهم الله خيراً، وأشكر الدكتور/ حبيب الشاعر المبدع والأخ الصديق الجميل على حسن حواره وإدارته هذه الأمسية.
وأما الإخوة الكرام فقد أسعدوني وآنسوني، وأضفوا على محاضرتي وأمسيتي فخراً وشرفاً، والدكتور/ ظافر القرني في قصيدته البديعة التي ذكرتني بأمهات القصائد، لا أقولها تعاطفاً؛ لكنني حساس وأتذوق الشعر، وقد ذكرني بقصيدة لأحدهم يقول:
أيها الشعر أنت أنت الحداءُ غن شعراً تصغي إليه السماءُ
فالبحر مُجْزٍ والقافية قوية.
وأشكر أيضاً الشاعر الشيخ/ عبد العزيز بن إبراهيم السراء، وهو معروف عندي منذ زمن، وعند الإخوة جميعاً، فجزاه الله خيراً، ونفع به الإسلام والمسلمين أما الدكتور الفاضل الماجد/ عبد الله العريني، فقد بُشِّرتُ قبل أن آتي أنه سوف يحضر، فكان لي شرف بهذا، ولو قوَّم أمسيتي ونقدني فمثله يُستفاد منه في هذا الباب، لأن له قدماً راسخاً في النقد والدراسة، فشكر الله له حسن ظنه بأخيه وأشكر الشاعر/ محمد المقرن على ما تفضل به، وهو حبيب عندي أيضاً، وهذه ليست فرصة للمجاملات؛ لكني أقول ما في قلبي، والحمد الله أن الله جمع لي الأخيار من الشعراء الذين هم شعراء التوجه الإسلامي ومن أشعرهم.
أما ما تفضل به في سؤاله: فالمسألة أنه صدق فيما قال، وأنا أوافق كثيراً من العلماء أننا غالينا وأسرفنا في تلك الفترة في الرثاء، والميزان الشرعي أنني وإلى الآن لم أرَ مثل الشيخ/ ابن باز، تقوى وعلماً، ورفقاً وخلقاً، والله يعلم أنه من أحب الناس إلى قلبي، وهو ممن عاشرتُه، فعسى الله أن يجمعني به وبكم في جنات النعيم، وغفر الله له؛ لكن ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] إياكم والغلو! فهذا محمد ﷺ ، لما مات بكى الصحابة قليلاً، وما نَظَموا أشعاراً كثيرة، وذهبوا إلى مزارعهم، وجاهدوا في سبيل الله، وهو محمد ﷺ الذي نزل عليه الشرع! وكذلك لما مات أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وقد امتلأت الصحف بالنواح والعويل والنشيد وأين نذهب؟! وماذا نفعل بعدك إن تركتنا وذهبت؟ فبعضهم يكتب لإشاعة الخبر، وبعضهم أخذته العاطفة، أو جنَّح مع الحماس والناس، فصدق فيما قال، وقد سمعتُ من أحد الفضلاء أنه قال: لو اقتصدنا لكان أحسن، وترحمنا عليه، والدين والحمد لله محفوظ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ومنصور، وقد مات محمد ﷺ ، والأنبياء والرسل، والخلفاء والعلماء فأنا معه، وأشكره على أنه استنبط هذا، ونريد ألاّ نكررها مرة ثانية، يموت ميت منا فنقول: الحمد لله والشكر له، فإن الأمم تموت، والدول تذهب، والملوك يذهبون، والناس لا يساوون في علم الباري حشرة، يقول الله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٩] وقال في الدول والأمم: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم:٩٨] وقد قرأت في بعض كتب السير والتاريخ: أن أحد الرواة من الصحابة قال: ﴿نهينا عن المراثي﴾ وأنا من أهل الحديث، وعهدي على مَن شكَّ أن يراجع هذه اللفظة: ﴿نهينا عن المراثي﴾ وهو الإفراط فيها والغلو؛ لأن ديننا دين قائم على الوسطية واحترام العقل والشرع وعدم الغلو، والرسول ﷺ يقول: ﴿لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ وهو محمد ﷺ .
أما مسألة: كيف نجمع بين العلم الشرعي وبين الأدب؟ فهذا يفعله بعض العلماء بغض النظر عما إذا كان يؤثر على علمهم الشرعي وتحصيلهم أم لا؛ لكنها مواهب، فـ الشافعي كان له شعر، وكذلك ابن المبارك والجرجاني ﵏، وغيرهم كثير، كان عندهم أدب مع العلم الشرعي فأرى أن مَن فُتح عليه باب الشريعة وعنده ذائقة أدبية أو ميل أن يوظف هذه الموهبة في طلب الأدب والتزود منه؛ ليكون صاحب بيان وقدرة على مخاطبة الناس، والذي لا يجد في نفسه ذلك فليكتفِ، فإن فحول العلماء كانت عبارات بعضهم صعبة، ولم يكونوا أُدباء، فالأمر نسبي ولا أريد أن أفصل، لأن مثل هذا يحتاج إلى محاضرة، وسبق أنه كانت هناك محاضرة بعنوان: التآخي بين الدين والأدب، في بيت المشوح، وهي من ثالوثياته، وقد حضرها في تلك الليلة الناقد الدكتور/ عبد القدوس أبو صالح، والدكتور/ محمد الفاضل، والدكتور/ الدبل، وكثير من أهل الأدب.
стр. 10391
تعقيب الدكتور: حبيب بن معلا المطيري
شكر الله لكم، وأحسن إليكم، ورفع قدركم، وجزاكم عن الإسلام والمسلمين خيراً.
في ختام هذه الندوة المباركة نشكر صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ عائض بن عبد الله القرني على ما تفضل به، وندعو الله أن يجعل اجتماعنا خيراً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وشكراً لهذا المركز مركز السيوطي المتوهج الذي أشبعنا عطاءً وفكراً وأدباً.
وشكراً للجميع.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.