Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
تجريء الأعداء
ومن آثارها: أنها تجرئ على العبد أعداءه.
فأعداؤه يتجرءون عليه حتى السفهاء من الناس، يقول أحد الصالحين: عصيت الله معصية فخرجت في الصباح فرماني أطفال الحارة بالحجارة، فقلت: إذا كان جزائي في الدنيا هذا فيكفيني، لكن أخشى أن أرمى مع الحجارة في جهنم والعياذ بالله.
فما يتجرأ الأعداء حتى الكلاب إلا على العصاة والعياذ بالله، وحتى الأطفال والسفهاء.
وأما الطائع فتجد عليه وقاراً، فإذا مر وهم يلعبون الكرة توقفوا ونظروا فيه من جلالته وسيما الوقار عليه والحسن، واحترموه وعظموه وقدروه، لكن العاصي الفاجر الذي عرف في الأحياء بالفجور يلحقونه الحجارة، ويذمونه ويسألون عن اسمه واسم أمه وأبيه وهذا من مهانته وسقوط منزلته عند الله وعند خلقه.
стр. 2767
نسيان العبد لنفسه
ثم في الأخير: تنسي العبد نفسه؛ وإذا نسي نفسه نسي ربه، وإذا نسي ربه نسيه الله وتركه، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] فنسأل الله لنا ولكم الثبات، والتوبة النصوح، وأن يعيدنا إليه، ويرزقنا الإنابة قبل الموت، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
стр. 2768
الأسئلة
стр. 2769
حكم شرب الدخان
أولاً: أتتنا فتوى من أهل العلم، من الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ عبد الرزاق بن عفيفي والشيخ عبد الله بن غديان والشيخ عبد الله بن قعود، سئلوا عن شرب الدخان وعن حكمه؟
فأجابوا: شرب الدخان حرام لكثرة ضرره وإنفاق الأموال فيه إسرافاً، وقد نهى الله عن الإسراف، ولكونه خبيثاً فينطبق عليه قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وبناء على ذلك فالإتجار به حرام، والكسب من ذلك حرام، وإنتاجه زراعة وصناعة حرام، ونرسل لك رسالة في حكمه زيادة في الفائدة، وعلى نبينا صلاة الله وسلامه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ويدخل في ذلك من أجر دكانه أو محله على من يعصي الله، كمن يحلق لحى الناس، أو من يبيع الثياب الشفافة للنساء التي يعصى الله بها ، أو يبيع المجلات الخليعة، أو يبيع سجائر الدخان، أو يبيع أشرطة الغناء كلهم يدخلون في هذا الحكم؛ لأنهم تعاونوا على الإثم والعدوان، والعياذ بالله.
стр. 2770
ضرورة الدعوة إلى الله
السؤال
يقول الأخ: طلبنا من كثير من الإخوة النزول معنا لتعليم الناس في تهامة كما قلتم لنا، فاستجاب بعضهم واعتذر البعض، وبحثنا عن سيارة تايوتا جيب لأنها تعطلت سياراتنا وما عندنا إلا هيلوكسات، فتعطلت سيارات الإخوان وما وجدنا من يساعدنا.
الجواب
أنا سمعت بهذه القصة، وهذه القصة تلخيصها: أن أمامي مئات من الناس دعوناهم -جزاهم الله خيراً- إلى النزول أو من يستطيع منهم لتعليم الناس في القرى الفاتحة والوضوء وأركان الإسلام، علَّ رجلاً واحداً تعلمه يدخلك الله به الجنة ويكون في ميزان حسناتك لأنهم بحاجة، فاستجاب بعض الإخوة ونزلوا، ولكن المشكلة حدثت أن ما عندهم سيارات تنزل بهم، فذهبوا إلى كثير من الإخوة الذين استعدوا وهزوا رءوس الاستعداد، وقالوا: نحن نساهم وننفذ كل شيء في صالح هذا الدين.
فقالوا: نريد سيارتك ننزل بها، قال: سيارتي معطلة، سبحان الله! ما تعطلت إلا عندما ستذهب في الدعوة، أما في النزهة والسفر فكالساعة، وذهبوا إلى غيره فلم يجدوا، وفي الأخير أتى رجل من الصالحين وقال: عندي سيارة هيلوكس اركبوا في الصندوق، وأنتم دعاة فاصبروا، فركبوا في الصندوق، وأما سياراتنا فما نزل منها أحد، فسلام الله عليها.
ما لها ما نزلت في الدعوة؟ ولو كان هناك أمر أو زفير أو شهيق أو صفير أو نزهة لنزلت، ولكن سبحان الله! يأبى الله إلا أن يتم هذا الدين ولو بالوسائل البسيطة، فإن محمداً ﷺ بلغ دعوة الله على بغلة وحمار، حتى بلغت أسبانيا ونقشبند والسند: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦].
فمن أراد أن يمسك سيارته فليحفظها وسوف يلقاها يوم القيامة، ومن أراد أن يبذل من ماله فما بذله إلا لنفسه وما أبر إلا بنفسه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] وأنا أدعو ثانية إلى النزول وإلى تعليم الناس.
стр. 2771
أشرطة ينصح باستماعها
السؤال
أرجو ذكر خمسة أشرطة لكم تنصح بها الإخوة أسأل الله أن ينفع بها؟
الجواب
أنا أذكر خمسة أشرطة، ووصيتي للإخوان إذا استفاد أحدهم من الأشرطة أن يهديها لأخيه أو لجاره أو لمن يقوم عليه عل الله أن ينفع بها، وهي موجودة في التسجيلات الإسلامية، وأنا أنصح بسماعها للأسر وللأطفال عل الله أن ينفع بها.
أولاً: شريط: احفظ الله يحفظك، وهو شرح حديث: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك﴾ وعمر هذا الشريط ثلاث سنوات، ونسأل الله أن ينفع به.
الشريط الثاني: الرحلة إلى الدار الآخرة، وقد ألقي في مدينة قنا، وهو يتكلم عن رحلة الإنسان ولقائه لله ، وما يمر به في طريقه حتى يلقى الله.
الشريط الثالث: شباب عادوا إلى الله، وهو يتحدث عن الشباب الذين أذنبوا وعصوا ثم استيقظوا وأفاقوا فتاب الله عليهم، فأريد أن يسمعه الشباب والأسر عل الله أن ينفع به.
الشريط الرابع: الدعاء هو العبادة، وهو في دعاء العبد لله ، وفي أحكام الدعاء؛ لأن الدعاء طريقنا إلى الله.
الشريط الخامس: الشباب واهتمامات العصر، بما يعيشه شبابنا وأسرنا.
وأوصي بثلاث خطب عل الله أن ينفع بها لأنها حديث الساعة.
الشريط الأول: تحريم التبرج للنساء.
الشريط الثاني: حرب على المرأة.
الشريط الثالث: العائدون إلى الله.
وعسى الله أن ينفع بها، وهناك للشباب المهتمين كتاب صدر وهو في تسجيلات الفرقان اسمه: الحركات الإسلامية المعاصرة، فمن أراد أن يأخذه ليستفيد من بعض الأمور التي لا تخفى على المطلع؛ فليتناوله في تسجيلات الفرقان.
стр. 2772
أسباب الهداية
السؤال
أريد الهداية فماذا أفعل؟
الجواب
أولاً: أخلص واصدق مع الله.
ثانياً أكثر من الدعاء والذكر.
ثالثاً: تدبر القرآن.
رابعاً: حافظ على الفرائض وتزود من النوافل.
خامساً: عليك بالوسائل، كالكتيبات والأشرطة الإسلامية، وسيرة الرسول ﷺ ، ومصاحبة الصالحين وحضور الدروس، وسوف يزيدك الله هدى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فمن الذي أتى إلى الله فرده؟ ومن الذي التمس حبل الله فقطع الحبل دونه؟ ومن الذي أقبل على الله فرفضه؟ بل أَقبل وأَبشر.
стр. 2773
ظاهرة خروج النساء
السؤال
بعض الإخوة الملتزمين يخرجون زوجاتهم لشراء الحاجات من الأسواق، فيسببون منظراً سيئاً في السوق ويساعدون أهل المعاصي، فما نصيحتكم؟
الجواب
هذه ظاهرة لا تبشر بالخير، وأنا أرجو من الإخوة ألَّا يكون خروج النساء متطيبات متزينات متعطرات في الأسواق؛ لأنهن فتنة؛ ولأنه تعريض للفاحشة والعياذ بالله، ولأنه إغضاب لله تعالى، فحذار حذار من هذه الظاهرة، وأرجو أن تكون المرأة في بيتها وفي حجابها عل الله أن يسترها حية وميتة، فقد جاء في السنن: ﴿إذا خرجت المرأة متزينة متعطرة لعنتها الملائكة حتى تعود.
.
стр. 2774
حكم الاستماع إلى الموسيقى
السؤال
ما حكم الاستماع إلى الموسيقى التي تتخلل البرامج؟
الجواب
حكمها أنها محرمة، وتلحق بالغناء لأنها من أدوات اللهو، والرسول ﷺ يقول: ﴿ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ فالموسيقى من المعازف، فهي محرمة، واستغن بسماع القرآن وسماع ما ينفعك.
стр. 2775
إدراك الصف الأول
السؤال
الصف الأول لا يدرك بالهجوم أثناء إقامة الصلاة، حيث أن هذا هو الملاحظ من فعل كثير من الناس، فما توجيهكم؟
الجواب
نعم، الملاحظ من كثير من الناس أنه يأتي متأخراً، فإذا أقيمت الصلاة اقتحم الصفوف وداهم الصف الأول وزاحم بمنكبيه وضارب مضاربةً، فعليه أن يبقى مكانه ولا يؤذي المسلمين، ويرفق بهم، وهو الذي تأخر، ومنزلته حيث أتى، وإذا أراد الصف الأول فليأت مبكراً.
وكذلك ظاهرة حجز الأمكنة، فتجد بعض الإخوة يأتي من بعد صلاة العصر فيضع سجادته وسواكه ونظارته وحذاءه ويذهب يتمشى، فيصبح المسجد مطبخاً وهذا لا يصلح، فالإنسان الذي يريد أن يحجز المكان فليجلس فيه، أما أن يمسك ويحجز فلا، والمكان لا يحجز إلا لرجل له مكانة وبلاء في الإسلام، رجل عالم ومجتهد مطلق، مثل أن يدخل عندنا عالم فاضل فنحجز له مكاناً ونقول: هذا مكان العالم الفاضل، ويفسح له الباب، ويجلس في مجلسه، أما أن يحجز أحدنا مكاناً ويذهب يتمشى حتى الغروب، ثم يأتي ويأخذ الأمكنة على الناس، ويأتون هم مسرعون فيجلسون في الصفوف الأخيرة، فهذا غير صحيح.
стр. 2776
حكم ضرب الدف للنساء
السؤال
ما حكم الشرع في ضرب الدفوف للنساء؟
الجواب
لا بأس بالدف للنساء خاصة في الأعراس، أن تأتي امرأة وتضرب الدف لكن بدون أجرة، فلا يجوز دفع الأجرة للمرأة هذه التي تضرب بالدف، والرسول ﷺ يقول في سنن أبي داود: ﴿أعلنوا النكاح واضربوا عليه الدف﴾ لذا فلا يأت واحد يقول: الدف حرام، ويجلسون مع الزوجات والنساء يسبحون ويصلون الضحوات وقت الزواج فهذا فرح، يقول ﷺ لـ عائشة في صحيح البخاري: ﴿أما عندكم شيء من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو﴾ فاللهو شيء من الدف، تتبرع امرأة فتأتي تضرب الدف ويصفقن وينشدن فلا بأس بهذا، لكن لا يجوز أخذ مغنية ولا مغني، فالغناء ظلمات بعضها فوق بعض، أما الرجال فلا يجوز لهم ذلك، وما أعلم فيه نصاً.
هذا ما حضرني هذه الليلة، ونكتفي لعدم الإطالة وعدم المشقة على الناس، ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم حتى نلقاه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2777
فتح الفتوح
صيحة عزة انطلقت ملء الأفواه، وصارت حديث الساعة، هل تعلمون ما هذه الصيحة؟
إنها صيحة: الله أكبر! فتحت كابول، فتحت بعد أن دنستها الشيوعية الكافرة فيا ترى من فتحها؟
وماذا قدم لفتحها؟
وما سبب فتحها؟
وما هو واجبنا نحو هذا الجهاد؟
كل هذا ما ستعرفه في هذه المادة.
стр. 2778
فتح كابول
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الفضلاء! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا اليوم (٢٩) من شوال (١٤١٢هـ) وهذه المحاضرة من جامع أبي بكر الصديق في أبها بعنوان "فتح الفتوح".
السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب
فتح تفتح أبواب السماء له وتبرز الأرض في أثوابها القشب
أبقيت جد بني الإسلام في صعد والمشركين ودار الشرك في صبب
رمى بك الله برجيها فهدمها ولو رمى بك غير الله لم يصب
أبقت بني الأصفر المصفر كاسمهم صفر الوجوه وجلت أوجه العرب
سوف نتحدث عن فتح العاصمة الأفغانية كابل وقبل ذلك نذكر ثناء الله على نبيه إذ يقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:١ - ٢] ويقول المعصوم ﵊: ﴿نصرت بالرعب مسيرة شهر﴾.
نُصرتَ بالرعب شهراً قبل موقعةٍ كأن خصمك قبل القتل في حلم
إذا رأوا طفلاً في الجو أذهلهم ظنوك بين بنود الجيش والحشم
إن فتح كابل فتح للمؤمنين، وعليهم أن يحمدوا الله عليه: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] فلله الحمد أن أرانا أصنام الملحدين تتهاوى تحت أقدام المجاهدين، ولله الحمد أن أرانا أوثان الكافرين تتهاوى تحت ضربات المؤمنين.
بالأمس صلى المسلمون في كابل، واستقبلوا القبلة، وقام رئيس جمهوريتهم المسلم يخطب في الألوف المؤلفة، فيقول: الله أكبر، فيكبر وراءه مئات الألوف.
ولأحد الفضلاء من المشايخ شريط بعنوان "الله أكبر سقطت كابل " وهو فاضل ذكي، لكنه قال: سقطت، وودت أنه قال: الله أكبر فتحت كابل، فإن السقوط لغير كابل، بل هو فتح ورفعة لها، والله سمى انتصارات رسوله ﵊ فتحاً، فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١].
والآن ميلاد كابل في هذه الأيام، فهو فتح كابل، وليس سقوط كابل، فالسقوط والهبوط والاحتراق والخراب لغيرها، أما هي فتوجت بدماء الشهداء، وبجماجم المجاهدين، وأصبحت تعزف على عزف بنادق المؤمنين الذين بايعوا ربهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] ولهذا الدرس سبب:
إنه يجب علينا كمسلمين أن نعيش قضيتنا، فإن الولاء بيننا يتحرك، والمسلم مع إخوانه يسعد لسعادتهم، ويأسى لمآسيهم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] و ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾.
والحقيقة أن عقول المؤمنين سالت بقرائح مبدعة، وببنات أفكار عجيبة فرحة بهذا النصر، وقد وصلتني عشرات الرسائل إن لم أقل مئات الرسائل ما بين نثرية وشعرية وكثير من القصائد ما بين عربية فصيحة ونبطية -أي: عربي وبلدي- واخترت بعض القصائد، وأعتذر للإخوة الذين لا أقرأ قصائدهم، فإن مقصودي أن ألقي درساً لا أمسية، ومقصودي أن أختار بعض القصائد وأن أرجئ بعضها داعياً الله لمن نظم قصيدةً مشيداً ومثنياً وفرحاً أن يكمل فرحه في جنات النعيم.
стр. 2779
قصيدة في المجاهدين
بين يدي قصيدة لفضيلة الشيخ الدكتور زاهر بن عوض الألمعي بعنوان "قادة الأفغان لا تختلفوا":
سألت: أين الوفا؟ أين التواصل؟ قلت: أحلى ملتقىً في عرس كابل
من حوالينا بدور أشرقت بالجهاد الحر في كل المعاقل
يلتقي القادات في قواتهم لالتحام الصف من تلك الفصائل
والجباه السمر من خوض الوغى سطعت نوراً وباتت كالمشاعل
فإلى كابل تنداح الرؤى واجتماع الشمل أولى بالتواصل
نظرت ليلى وقالت: حسرةً فاضت الأنباء من حقٍ وباطل
والإشاعات بدت آثارها في اختلال النصر في تلك المحافل
وانقسامات القوى تضعفها واختلاف الرأي أدنى للتقاتل
قلت يا حسناء! لا تصغي إلى خدعة الخصم وأفاكٍ وسافل
فالأباة الصيد ما لانت لهم عزمةٌ أو حال دون النصر حائل
والمغاوير الألى قد وثبوا وثبة الأسد ونهر الموت سائل
رفعوا الرايات فانجاب الدجى ومضوا في عزة الشهم المنازل
فسلي بامير عن صولتهم وسلي كابل عن تلك الجحافل
واطربي إن كان للنصر هوىً في شغاف القلب واجتازي المهازل
هذه كابل في قبضتهم هذه الدنيا صغت والنصر ماثل
أينما وجهت في تلك الذرى خلتها تفخر بالصيد البواسل
والأنوف الشم في أرجائها عشقت في الله أصوات القنابل
وقفت كالطود في ساحِ الوغى دحرت قوات زنديقٍ وصائل
أنقذت كابل من وحشتها وأزاحت بالهدى كل العوازل
فالأناشيد والأبيات شدت في الربى في البيد في قفرٍ وآهل
والهتاف الحر دوى بهجةً عازفاً ألحان مقدام مقاتل
وصدى التكبير في رحب الفضا يملأ الآفاق في رعدٍ وهاطل
قادة الأفغان لا تختلفوا فانقسام الصف لا يرضاه عاقل
أنتم اليوم على بوابةٍ يرصد العالم مقتولاً وقاتل
فعلى درب الجهاد انتظموا فالمدى أبعد في سير القوافل
стр. 2780
قصيدة فتح الفتوح
فتح الله عليَّ ببعض الأبيات في قصيدة بعنوان "فتح الفتوح" وهي على بحر وقافية قصيدة أبي تمام:
السيف أفصح من سحبان في الخطب سل كابل الفتح عن خطابها النجب
واهتف لقومٍ أقاموا من دمائهمُ جسراً إلى مجدهم من أعجب العجب
عزف البنادق أندى في مسامعهم من عزف غانيةٍ في ساعة الطرب
صدت عن الوصل كابل وأطمعها في الهجر بعد محبيها فلم تجب
فأمهروها رءوساً لم تكن سجدت إلا لخالقها في أروع القرب
كابل ميلادك الأسمى يضرجه دمٌ يروي عروق السفح والحدب
كابل باب سماء النصر يفتحه كتائب من بني الإسلام لم تهب
كابل من بدر تروي كل قصتها يا أختها من صميم الأصل والنسب
فتح الفتوح وأعلام العلا رفعت وارتجت الأرض من روما إلى النقب
أصنام لينين أصخت وهي عابسةٌ تذوي على النار أو تهوي إلى اللهب
معاطسٌ كفرت بالله فاندحرت على أزيزٍ من البارود والقضب
والشمس في هالةٍ غبراء قد كسفت غابت من الهول فيه لا فلم تغب
تسربل الصيد في قاني دمائهمُ ما بين مختضبٍ أو غير مختضب
فتحٌ تشيعه الأملاك من فرحٍ وتبرز الأرض في أثوابها القشب
ومكة تتهادى رجع فرحتها وطيبة الفضل تروي مجد كل أبي
واستبشر القدس والمسرى وعاوده ما عاود الصيد في يافا وفي حلب
فتحٌ وقيمته أرواح من نسجوا ثوب المعالي من الأفغان والعرب
أيها الإخوة الفضلاء! هذه نتائج الجهاد، وثمرات البذل والتضحية.
ثمن المجد دمٌ جدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا
стр. 2781
ثمن الانتصار
ماذا دفع الأفغان ثمناً لدخولهم كابل، دفعوا أكثر من (١.
٥٠٠.
٠٠٠) قتيل في سبيل الله، شرد من وطنهم أكثر من (٥.
٠٠٠.
٠٠٠) مشرد، احترقت الجبال بالنيران، وهدمت المدن، وسحقت المساجد، ورملت النساء، ويتم الأطفال، وصارت الدنيا ضاحية من ضواحي الدماء، وبركاناً من براكين البذل والتضحية، ثم أمدهم الله بنصر بعد أكثر من (١٣) سنة إلى (١٤) سنة بنصر مؤزر، دخلوا شباباً يهتفون.
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وصلوا الجمعة في صفوف متراصة كأنها السدود تتجه إلى الكعبة حيث انطلقت منها لا إله إلا الله، وأثبتوا للعالم أن الأرض التي تؤخذ بالسلاح لا تستعاد إلا بالسلاح، وأن المبادئ التي تسحق لا بد أن تعاد بالسحق لمن سحقها، هذه قضية، ثم أروا العالم أن الشجب والتنديد والاستنكار لا يأتي بشيء بل يأتي بقوة السلاح بعد الاعتصام بالله .
стр. 2782
الجهاد في القرآن الكريم والحديث الشريف
أيها الفضلاء! ذكر الله الجهاد وثمراته ونتائجه ومقاصده، وسوف أختار بعض الآيات من كتاب الله ، قال المولى جلت قدرته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٨] فسبحان اللهّ! بعد الهجرة والجهاد يرجون رحمة الله، فقل لي: ماذا يرجو القاعدون على الفرش؟! وماذا يريد المتمتعون بالشهوات؟! إذا كان المهاجر والمجاهد تجرح قدمه ويقطر دمه ويتناثر جسمه بالقنابل، ثم يقال له: كأنك ترجو رحمة الله، كأنك تريد ما عند الله، ويقول المولى : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] أظننتم أن طريق الجنة محفوفٌ بالورود يميس كالحرير؟! لا.
إنه طريق صعب، ولو كان سهلاً لدخله الناس جميعاً، ولكن يتخذ ربك شهداء ومجاهدين.
إن من يحسب أنه سوف يدخل الجنة، وهو قاعد على فراشه، لا يدعو، ولا يبذل، ولا يضحي، ولا يغضب لله، ولا يبيع دمه وماله وعرضه من الله، فقد غلط في الحسبان، وأخطأ في العدد، قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] (فينا) انظر إلى الضمير (فينا) ما أحسنها من نسبة!
لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي
قال: فينا، حتى يقول ابن أبي الحديد مخاطباً ربه:
وحقك لو أدخلتني النار قلت لـ ـلذين بها قد كنت ممن أحبه
وأفنيت جسمي في علومٍ كثيرةٍ وما منيتي إلا لقاه وقربه
أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً سيحمد مثواه ويعذب شربه
قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فهي نون النسبة، فهم منتسبون إلى الله، جاهدوا من أجله ولوجهه، ومن أجل مبادئه، ومن أجل لا إله إلا الله، ومن أجل عين لا إله إلا الله، وجمال لا إله إلا الله، وروعة لا إله إلا الله، لا من أجل التراب والوطن، والدم، والجنس، ولا أي كيان وإنما (فينا).
وقال : ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] فإذا أرضوا الله، فما عليهم من لوم اللائمين، ولو لامهم العالم، ولو قال لهم العالم: أنهم متطرفون، أو متشددون، أو متزمتون، أو إرهابيون فهم إنما يجاهدون في سبيل الله، وهي الكرامة، وقال : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَ٣ِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١].
يقولون: كان أبو أيوب الأنصاري ﵁ أرضاه شيخاً كبيراً قد شارف على الثمانين، فسمع بالجهاد لفتح القسطنطينية في عهد يزيد، فخرج ولبس درعه، قالوا له: أنت كبير، أنت ثقيل، قال: لا.
إن الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] والله لأنفرن، فقتل هناك، وسوف يبعث هناك بين قوم كفار يقول: لبيك اللهم لبيك.
وقال : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨] وحق جهاد الله أن يسيل الدم لمرضاته، وأن يقطع الرأس من أجله، وتدفع الدنيا بما فيها وبزينتها وبذهبها ليرضى :
أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجعٍ يعلى بخضر المطارف
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابةٍ يصابون في فجٍ من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهمُ فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
قال : ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٥] ولم يسم لنا الأجر، ولم يعدده لنا، إنما هو أجر عظيم، والأجر عند الله، فالمجاهدون أفضل من القاعدين بلا شك، المجاهدون من أجل لا إله إلا الله، والقاعدون يكفيهم اسم القعود، فلم يقل عنهم غير ذلك، إنما سماهم (القاعدون) لأنهم قعدوا، فكأنهم ليسوا قياماً، ولو في ديارهم، إنما لقلة هممهم وعزائمهم قاعدون فهذا وسام لهؤلاء، أما أولئك فـ (المجاهدون- الشهداء في سبيل الله) وقال : ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٥].
هذه آيات، وغيرها كثير، وآيات الجهاد تربو على مائتين وأربعين آية في كتاب الله، وقال ﷺ : ﴿إن في الجنة مائة درجة؛ ما بين الدرجة والتي تليها كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله﴾.
стр. 2783
حث الرسول ﵊ على الجهاد
عن أبي هريرة ﵁ وقال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من مات، ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق﴾ رواه مسلم.
ومعنى الحديث: من مات ولم تخالجه نية الجهاد، ولم يعزم على أن يجاهد، ولم يحدث نفسه مرة من المرات، ولم يزاول حركة الجهاد، ولم يغز بماله، أو بنفسه، مات على شعبة من النفاق، يلقى الله وفي قلبه، وعمله، وميزانه شعبة من شعب النفاق، فليحذر العبد، وليجاهد بلسانه وبسنانه كما سوف يأتي في الحديث، وليجاهد بكلمته، وبقلمه، وبماله، فهو الجهاد العظيم.
قال أهل العلم في قوله: ﴿من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق﴾ قالوا: هي مرحلتان:
الأولى: مرحلة الغزو المباشرة.
الثانية: مرحلة التحديث.
والتحديث معناها: مزاولة النية، واستثارة القلب من أجل التصميم على الجهاد إذا سنحت الفرصة، حتى إن بعض أهل العلم كان يصعد الجبال في الصباح، ويتدرب على حمل السلاح، فقيل له: لم ذلك؟ قال: أتهيأ للجهاد في سبيل الله.
وفي سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه صعد جبل كسروان، ونزل هابطاً، فقيل له في ذلك، قال: أتهيأ للغزو في سبيل الله.
وعن أنس ﵁ وأرضاه: أن النبي ﷺ قال: ﴿جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم﴾ رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم وهو حديث صحيح.
جاهد بماله ونفسه، فهو بأعلى المنازل، وقد أرسل ماله، وقد قدم الله المال على النفس؛ لأنه يتيسر أكثر، والنفس وهي أرقى ما يبذله الإنسان.
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أعلى غاية الجود
ويظن بعض الناس وهم على أجر ومثوبة أنهم إذا تنفلوا بالصلوات في المساجد أو في البيوت، وتركوا الجهاد ومراغمة أعداء الله والمنافقين؛ أنهم أفضل من أولئك، نعم هم على أجر، لكنهم ليسوا بأفضل، ولذلك يحقق هذه المسألة ابن المبارك أمير المؤمنين في الحديث، ويخرج التحقيق في أبيات:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
والجهاد باللسان يدخل فيه: المقالة، والخطبة، والدرس، وكلمة الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقلم، والذاكرة، والفكر، والأدب، والثقافة، والتراث، كلها تكون لمرضاته .
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله﴾ متفق عليه، وسبب الحديث: ﴿أن رجلاً قال: يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل رياءً، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل حمية؛ أي ذلك في سبيل الله؟ قال ﵊: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله﴾ قال بعض العلماء: هذا حصر، ومفهوم المخالفة في هذه الكلمة: أن من قاتل لغير أن تكون كلمة الله هي العليا، فليس في سبيل الله.
﴿أتى رجل إلى الرسول ﵊، قال: يا رسول الله! أبايعك على الإسلام، فبايعه، فأعطاه ﵊ مالاً، فقال: يا رسول الله! غفر الله لك! ما على هذا بايعتك، قال: على ماذا بايعتني؟ قال: بايعتك على أن يأتيني سهم طائش غرب يقع هنا -وأشار إلى ثغره ولبة صدره- ويخرج من هنا -وأشار إلى قفاه- قال ﵊: إن تَصْدُق الله يصدقك، وأتت المعركة فوقع سهم في لبته، وخرج من قفاه، وقتل في سبيل الله، فمسح ﵊ وجهه، وقبله، وقال: صَدَقْتَ الله فَصدَقك الله، صدقت الله فصدقك الله﴾.
стр. 2784
وصايا الرسول ﵊ للمجاهدين
عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش، أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: اغزوا باسم الله﴾ انظر ما أحسن الابتداء! على بركات الله أن تفتتحوا غزوكم وجهادكم باسمه ، ثم قال: ﴿اعزوا باسم الله وفي سبيل الله؛ قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا﴾ والغلول سرقة شيء من الغنيمة على وجه الخفاء: ﴿ولا تغدروا﴾ وهو النكث بالميثاق ﴿ولا تمثلوا﴾ وهو تشويه القتلى ولو من الكفار، فالتمثيل لا يسوِّغه، انظروا حفظ الذمم، انظروا العهد والميثاق، انظروا هذا الشرف لهذا الشريف العظيم ﵊: ﴿ولا تقتلوا وليداً﴾ فليس في الإسلام قتل الأطفال، إنه احترام للمبادئ، وتميز للناس، ووضع للأمور في مواضعها: ﴿وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاثة خصال، فأيتهن أجابوك إليها؛ فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى كلمة الإسلام، فإن أجابوك إليها، فاقبلها منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا؛ فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك؛ فاقبل منهم، فإن أبوا؛ فاستعن عليهم بالله تعالى وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوا أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وإذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا﴾ أخرجه مسلم.
هذه وصاياه ﵊ لأتباعه ولجنوده في المعارك، من حفظ للعهد، ومراعاة للذمة، واحترام للمواثيق، وعدم فساد في الأرض، وتحرير للعقول، وإزالة للباطل عن طريق الدعوة حتى تصل إلى مستحقها وإلى أهلها.
стр. 2785
فضل الشهادة في سبيل الله
أما فضل الشهادة والشهداء، ومن جاهد في سبيل الله، فأكثر من أن تحصر الأحاديث كما أسلفت.
يقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لا يُكْلَم -من الكلم وهو الجرح- أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك﴾ أخرجه مسلم.
ريح المسك ينبعث منه يوم القيامة، وقد قتل من مئات السنوات وآلاف السنوات، فيجعل الله وسامه يوم العرض الأكبر دمه يسيل أمام الناس أجمعين، وفي الترمذي عنه قال: ﴿ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين، أو أثرين، قطرة دمعة من خشية الله، أو قطرة دمٍ تراق في سبيل الله، وأما الأثران فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله﴾ أخرجه الترمذي وسنده حسن.
وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ما من عبد يموت له عند الله خير، لا يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى﴾ وفي لفظ: ﴿أن يقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة﴾ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.
ومنها أن أم حارثة بن سراقة لما قتل ابنها يوم بدر، أتت تبكي، فقالت: ﴿يا رسول الله! ابني في الجنة فأصبر، أو أحتسب، أم هو في غير ذلك فسوف ترى ماذا أصنع؟ قال: أهبلت! أجننت! والذي نفسي بيده إنها لجنان كثيرة، وإن ابنك في الفردوس الأعلى﴾ فنسأل الله الفردوس لنا ولكم، ونحن نطمع في رحمة الله فإن الله لا يتعاظمه شيء، وهذا الحديث رواه البخاري من حديث أنس.
وقال ﵊: ﴿إن أرواح الشهداء في جوف طيور خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث نشاء؟! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا﴾ أخرجه مسلم.
ومعنى الحديث: أن الله كلم الشهداء كثيراً فيما يشتهون، قالوا: بيضت وجوهنا وأرضيت أرواحنا، فسألهم ربهم كثيراً، فقالوا: تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك، فلم يعطوا ذلك، لأن الله يقول: ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٣١] فلا يرجعون إلى الدنيا أبداً في علم الله وقضائه وقدره.
стр. 2786
خصائص الشهداء
الأولى: ﴿إن للشهيد عند الله خصالاً: يُغفر له في أول دفعة من دمه﴾ أول ما تسكب في الأرض قطرة من قطرات دمه يغفر الله له سجلاته ولو كانت كجبال الدنيا من الخطايا.
الثانية: ﴿ويرى مقعده من الجنة﴾ قال بعضهم: يراه قبل أن يقتل، وقال بعضهم: في سكرات الموت، فيرى مكانه الذي خصصه الله له.
الثالثة: ﴿ويحلى حلية الإيمان﴾ وهي علامة خاصة بالمؤمنين، وهي للمجاهدين، ودل عليها القرآن في قوله : ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩].
الرابعة: ﴿ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر﴾ فلا يأتيه عذاب من القبر، وهذه للشهداء والأنبياء.
الخامسة: ﴿ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها﴾.
السادسة: ﴿ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه﴾ ذكره أحمد وصححه الترمذي، وهذا الحديث ذكره ابن ماجة مع أحمد وهو من حديث المقداد بن معد يكرب، وإسناده صحيح، والأحاديث في ذلك كثيرة، وقد تقدم منها أحاديث في كثير من المناسبات.
وفي المسند مرفوعاً: ﴿الشهداء على بارق نهر باب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية﴾ رواه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي.
وقال ﵊: ﴿لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيليهما في براح من الأرض -البراح: البيداء- وفي يده كل واحدة منهما حلة خير من الدنيا وما فيها﴾ أخرجه أحمد وابن ماجة وفي سنده شهر بن حوشب وهو ضعيف وهلال بن أبي زينب وهو مجهول.
وفي المستدرك وعند النسائي مرفوعاً: ﴿لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل المدر والوبر﴾.
وفيهما: ﴿ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة﴾ والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وهناك قصص ضرجت بها كتب السنة، ودبجت بها دواوين الإسلام للشهداء في سبيل الله، ومن أراد أن يتأمل هذا الباب، فعليه بالمجلد الثالث من زاد المعاد محققاً في باب الجهاد في سبيل الله ، وعليه بكتاب الجهاد من صحيح البخاري مع فتح الباري، وبأحاديث الجهاد التي جمعها مثل ابن المبارك ﵁ وأرضاه في الأربعين من كتبه، وغيره ممن جمع في ذلك، وألف فيها رسائل، ولكني أدل نفسي وإخواني على مسألة، وهي أن السائل عندما يسمع هذه الأخبار، يقول: كيف أحصل على الشهادة في سبيل الله تعالى؟ وأحياناً لا أستطيع أن أحصل عليها لظروف في نفسي، وبيتي، ومجتمعي، أو لبعض الظروف والطوارئ، فأقول: عليك بأمرين اثنين:
أولاً: أن تنوي نيةً صادقةً مخلصةً الغزو في سبيل الله، وأن تحدث نفسك بذلك دائماً ليلاً ونهاراً، وأن تعلم أنك إذا لم تحدث نفسك ببيع نفسك من الله والقتل في سبيله، ففي إيمانك نظر، فعليك أن تزاول هذا دائماً في حركاتك وسكناتك، وتتحرى اليوم الذي تقتل فيه شهيداً في سبيل الله في حرب الكفار.
ثانياً: أن تسأل الله الشهادة في دبر كل صلاة، فقد صح عنه ﵊ عند مسلم من حديث أبي هريرة قال: ﴿من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلغه الله منازل الشهداء، ولو مات على فراشه﴾ فجزاء من يسأل الله، ويعلم الله نيته وصدقه ودعاءه أن يثيبه أجر الشهداء، ولو مات على فراشه كما حدث لـ خالد بن الوليد سيف الله المسلول.
ثالثاً: عدم الركون إلى الدنيا فقد قال تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] فإن من باع حظه من الله- ومن جنته بشيء من الدنيا، فلا خلاق له عند الله يوم القيامة، فنسأل الله أن يخرج حب الدنيا من قلوبنا، وأن يجعلنا من أوليائه الصادقين الذين باعوا أنفسهم له ﵎.
ثم اعلموا حفظكم الله أن من يفرح بفرح المسلمين، فهو دليل على إيمانه وصدق يقينه، ومن يغضب ويتأثر لما يصيبهم، فهو دليل كذلك على صدقه ويقينه.
وهذا الجهاد -كما قلت- أمنية للمسلمين، فمنذ سنوات صرفت فيه الملايين، وأسيلت فيه الدماء، وذهبت فيه الجماجم، وأصبح حديث الناس في المشرق والمغرب، وأصبح قصة الدنيا، وسارت به الركبان، ولا بد لنا أن نبدأ من أول الخيط في عجالة لهذا الجهاد.
стр. 2787
سبب الجهاد في أفغانستان
أما سببه فهو: هجوم الشيوعيين والملاحدة الذين كفروا بالله ومزقوا المصحف، وذبحوا أولياء الله، فاحتلوا أفغانستان، وظنوا أنهم سوف يبيدون خضراء هذا الشعب الذي فتح من عهد التابعين بسيوف قتيبة بن مسلم والأحنف بن قيس وأمثالهم رضوان الله عليهم، وقتل من الصحابة كثير في قندهار، فظنوا أنه سوف يذهب هباءً منثوراً، فماذا فعل الأفغان؟ هل استكانوا؟! هل ضعفوا؟! هل أغلقوا عليهم بيوتهم يبكون؟! ماذا فعلوا؟ إن الواحد منهم تقتل زوجته وثمانية أطفال له، ويهدم بيته ويخرج من بيته بلا شيء، فماذا فعل؟ هل وقف يبكي على أطفاله وزوجته؟ لقد أخذ السلاح وصعد إلى الجبل كالأسد وهو يقول:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
أذكر أول ليلة طرق أسماعنا هذا الغزو وسمعنا خبره المفجع، وأذكر تلك الليلة أنني سمعت في إذاعة لندن هيئة الإذاعة البريطانية الخبر، قالوا: وقد توجه الكثير من الأفغان إلى سفارات الاتحاد السوفيتي في عواصم كثيرة يحرقون علمها ويحاصرونها وينشدون في الشوارع البيت المعهود المعروف:
نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا
قلبوا الأرض على المستعمر، وما هي الدولة التي واجهتهم؟ إنها دولة تملك من المساحة ثلث الكرة الأرضية، هذه الدولة في عنفوان شبابها، وعنفوان قوتها، يحكمها طاغية لا يعرف مصادرة القرار ولا الاستثناء، دولة لم تشعر أنها سوف تتفكك أبداً، فحركت قواتها، لقد أخبرنا المجاهدون أنهم كانوا يجدون القذائف مكتوب عليها تاريخ ذلك الأسبوع أي: أنها خرجت من المصنع، أي: أن المخازن انتهت، وصنعت هذه القذيفة في التو، وخرجت بالرقم في تاريخ ذلك الأسبوع من المصنع مباشرة ليُضرب بها المجاهدون، فماذا حدث؟ وصلت أنا هناك مع بعض الإخوة، فوجدنا كثيراً من جنبات الجبال احترقت، رأينا بعض الصخور محترقة من كثرة ما ألقت الطائرات اللهب، أحرقت الشجر والمزارع، وأصبحت لا تصلح للزراعة، أصبحت الأرض قنابل، والسماء قنابل، والبيوت مفجرة بأهلها، والمشوهون مئات الألوف، وأصبحت هذه القوة العظمى تعبث بالقيم، وتعبث بالناس، بعتو وبتهور لا يعلمه إلا لله.
تأتي مائتان من الطائرات في دفعة واحدة فتلقي حمولتها على قرية صغيرة، ويكفي هذه القرية عشر طائرات، لكن من البغض والحقد والحنق على الإسلام والمسلمين تدمر هذا التدمير، فماذا فعلوا؟
لقد استعان المسلمون بالله ، وما وهنوا وما استكانوا وما ضعفوا، بل زادهم هذا إصراراً وثباتاً وقوة، وأنتم تعلمون أن الشيخ/ يونس خالص أحد القادة الأفغان -وهو في السبعين من عمره وهو عالم من علماء الأحناف- دخل على أحد الرؤساء العالميين الكبار، فقال له ذلك: نفاوض في قضية الأفغان، قال: قبل القضية أدعوك إلى الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم رعيتك، وأتوا يساومونهم قالوا: على ماذا نساوم؟ أعلى لا إله إلا الله؟ لا مفاوضات، لا جلوس على مائدة مستديرة، ولا مربعة، ولا مثلثة، ولا مسدسة، إنما عندنا لغة النار.
فروا على نغم البازوك في غسقٍ فقهقهت بالكلاشنكوف نيران
يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصان
ماذا فعلوا؟ لقد تجمعوا في حشود هائلة، والذين حول كابل من المجاهدين الذين يحملون السلاح، ومتدربون من المجاهدين الأفعان ما يقارب (٥٠٠.
٠٠٠) غير الذين في المدن الأخرى، ولما سمعوا أن كابل تداعت كلهم اتجه في طريقه، وذهب في ليلة الفتح، يوم فتحت كابل أشعلوا سمائها بالنيران، حتى أصبحت كأنها نهار، كأن الشمس ما غابت، وأخبروا الشيوعي الذي فر أننا هنا، وأعلنت روسيا أمام العالم أنها تنسحب بعد أن قتل منها الألوف المؤلفة من أبنائها، وخسرت ذخيرتها ورغم أنفها أمام العالم، حتى قال بعض المراقبين: إن سبب انهيار الاتحاد السوفيتي هو الجهاد الأفغاني المسلح ضد هذه القوة الكافرة، ولما وصل رباني موسكو سمعت مراسلاً يراسل الشرق الأوسط يقول من هناك بالهاتف في الراديو: هذه القوة العظمى سحقت بسلاح المجاهدين، وقد تيقن هؤلاء أنهم لا يستطيعون لهؤلاء المجاهدين بالسلاح إلا بالمفاوضة السلمية، ثم قال البيت الشعري:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وهذا الأمر مشهود، أما أسباب قيامهم بالجهاد فمنها:
السبب الأول: لقد احتلت أرضهم، ومزقت مبادئهم، وديست عقيدتهم، وهدمت مساجدهم، وألغيت صلاة الجمعة في كثير من المدن، وبقرت بطون الحوامل، وديس المصحف بأحذية الشيوعيين أبناء لينين هناك.
السبب الثاني: أن دين الله حوصر في الأرض.
السبب الثالث: أن الدماء تجري كالماء على وجه الأرض، أما المعاناة فلا أستطيع أن أخبركم؛ لأن الأمر مشهود، وأنتم أمة عشتم الجهاد بأموالكم وأنفسكم ودمائكم من أوله إلى آخره، فجزى الله من جاهد وبذل وأعطى خير الجزاء، وإنه واجب على المجاهدين أن يشكروا الله، ثم يشكرونكم على ما فعلتم، فقد فعل العرب المسلمون فعلاً جميلاً حتى إنهم يقولون: إن العربي إذا كان هناك أصبح في الكتيبة الأولى وتترس به، لأنا لا نقول عصبية ولا عاطفة ولا تميزاً، وإنما نقصد أن هؤلاء لهم موقف مشرف في الجهاد الأفغاني -أثابهم الله- ولا أعلم بلداً عربياً مسلماً إلا شارك بأبنائه مع المجاهدين في سبيل الله .
стр. 2788
أسباب نصر المجاهدين الأفغان
لماذا انتصروا؟
السبب الأول: أن الله نصرهم، هذا السبب الأعظم، وهناك أسباب أخرى، لكن السبب الأول وبيت القصيد أن الله نصرهم ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] وكتب أن ينصرهم فنصرهم، وإلا من يعتقد أن دولة صغيرة عدد سكانها ما يقارب (٢٠.
٠٠٠.
٠٠٠) وهي دولة فقيرة اقتصادياً، ودولة جغرافيتها من الصعبة الشائكة الجبلية، ومعداتها وأسلحتها بدائية، وهي من الدول النامية تصادم دولة عدد سكانها أكثر من (٣٠٠.
٠٠٠.
٠٠٠) وهي إحدى الدولتين العظيميين في العالم، وقد بلغت في الأسلحة الذرية مبلغاً لم تبلغه دولة، ثم يقاومهم هؤلاء المجاهدون؛ لأن الله معهم.
السبب الثاني: شجاعة هذا الشعب، فليس الأفغان شعباً خانعاً، بل بالإجماع لا يُرى أشجع من الشعب الأفغاني، فهم إذا تمازحوا، تمازحوا بالرصاص، إذا مازح بعضهم بعضاً يترامون بالرصاص، وقَتْل الرجل عندهم كقتل الدجاجة، ترى المجاهد جالساً في الخيمة ويأتيه خبر أبنائه يقول: قتل أربعة أبناء لك، قال: الحمد لله! الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم يعبئ الكلاشنكوف ويخرج يقاتل في سبيل الله، تبتر ساقه فيحمل نفسه على الساق الأخرى ويقاتل بعضهم على خشبتين، وهو يأخذ المدفعية والبازوكة، ويلقي في سبيل الله بالقذائف.
أي صبر؟! إلى أي حد يبلغ هذا الإنسان القوي الشجاع؟! إن طبيعتهم كذلك فقد رأينا جبالهم فإذا هي لا تصلح إلا لإخراج الأسود، لا تعيش فيها الأرانب أبداً، حتى أنه ذكر لنا -وقد ذكرت ذلك في ليالٍ في أفغانستان قبل ما يقارب سنة- أن شعب قندهار إحدى الشعوب الأفغانية هؤلاء من أشجع الناس، ولهم تميز خاص، ويرون أن الانبطاح وقت هطول القنابل عيب، لا ينبطحون، والتعاليم العسكرية تقتضي أنك إذا رأيت القنبلة تهوي، فعليك أن تضطجع على بطنك، فيرفضون، فترصعهم القنابل ويرصعون وهم وقوف، هذه من الأسباب.
السبب الثالث: أن عندهم همة لا تعرف الرجوع إلى الوراء، فقد قدمت لهم عروض سلمية، وتدخلت جهات، ورفضوا، فهي همة عالية، تنطح الثريا، وعزم نبوي يزعزع الجبال.
السبب الرابع: وقوف المسلمين في مشارق الأرض معهم بالمال والسلاح والأنفس، ونشكر المسلمين جميعاً على ما فعلوا أثابهم الله ثواباً عظيماً، فقد دفعوا الملايين المملينة والسلاح والأبناء، وما أعلم من مدينة من المدن إلا أصيبت بشهيد، أو شهيدين، أو أكثر في سبيل الله في أفغانستان.
السبب الخامس: أن الشعب كله مجاهد، فقد خرجوا بالقبائل يحملون السلاح، ويرون أن من العار ألا يوجد بيت لا يحمل السلاح، والبيت الذي لا يخرج مجاهداً، أو لم يقتل منه قتيل يشعر بذلة وبخيبة أمام المجاهدين.
حيوا الجهاد فذكره يشجيني وأخص حكمتيار قلب الدين
أسدٌ براثنه شباب محمدٍ قاد الكتائب وهو في العشرين
آماله ضرب الجماجم في الردى سماه مادحه صلاح الدين
شكراً لأستاذ المبادئ والنهى سياف رمز القائد المأمون
لا تنس أستاذ المبادئ والنهى سياف رمز القائد المأمون
وتذكر الأمجاد في ساح الوغى الشيخ يونس صاحب السبعين
لا تنس رباني فإن حديثه كالشهد أو كالتوت في تشرين
стр. 2789
ثمرات الجهاد الأفغاني
ما هي ثمرات هذا الجهاد؟
إن هذا الجهاد:
١ - رفعة لجباه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فإن المسلمين فرحوا بهذا، وحمدوا الله على هذا النصر العظيم.
٢ - اندحار للكفر، ودرس قاسٍ لكل كافر ألا يغتر بقوته مهما بلغت، فإن الله أقوى منه، ومهما نظر إلى الشعوب المستضعفة المسلمة، فلا توسوس له نفسه، ولا يخطر له شيطانه، ولا يملي له غيه أنه سوف يغلب هؤلاء، ما دام الله معهم.
٣ - اتخذ الله به من عباده شهداء، فإن الله يصطفي من يشاء من الشهداء.
٤ - إيجاد أرضية للمسلمين يجاهدون فيها في سبيل الله .
٥ - تصفية للقلوب من حب الدنيا، ومن شهواتها، ومناصبها، فقد كان هذا المعترك على مدى (١٤) سنة معتركاً هائلاً لامتحان القلوب، وتصفية النفوس وقد قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
стр. 2790
دعوتنا للمجاهدين الأفغان
ما هي دعوتنا للمجاهدين الأفغان ولغيرهم من المسلمين؟
ندعو الله في هذا اليوم الفضيل، ومن على هذا المنبر الفضيل، ومن هذا المكان الفضيل، والجمع الفضيل -وهو سبحانه كريم- أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يثبت أقدامهم، وأن يعلي كلمة المجاهدين في مشارق الأرض ومغاربها، كما ندعوهم إلى الائتلاف ونبذ الفرقة، وتوحيد الصف: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦].
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا
فالفرقة داء، سواء على صعيد البيت، أو المدينة، أو القرية، أو الأمة، وإني أوصي إخواني من طلبة العلم والدعاة والأخيار والصلحاء والفضلاء والمجاهدين ألا يتركوا للشيطان فرصة ليشتت الشمل، ويحرش بين المؤمنين، فإنه سوف يدخل على المؤمنين بتسويفه دخولاً شانئاً، نسأل الله أن يكفينا شره وكل ذي شر.
стр. 2791
واجبنا نحو الجهاد
ما هو واجبنا نحو الجهاد الآن؟
واجبنا:
١ - أن نسجد لله سجود الشكر، فإن الرسول ﷺ سجد في الفتوح، وسجد أبو بكر لما أخبر بقتل مسيلمة وانتصار المسلمين، وغير ذلك من القصص.
٢ - أن نشاركهم فرحتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يجمع الله كلمتهم على الحق؟
٣ - ألا نصدق الشائعات التي تفسد ما بين القلوب، وتشكك في نيات المجاهدين، فإن بعض المنافقين يقول: هؤلاء ما خرجوا إلا لأجل السلطة، أو لأجل المناصب، أو لأجل المال، أو ما خرجوا لمقصد وجه الله ، إلى غير ذلك من الكلمات التي نسمعها، والله يعلم ذلك.
من الشمم أيها الإخوة! ما ذكر - كما تعرفون - قبل ما يقارب سنتين أن وفد المجاهدين وفدوا هيئة الأمم المتحدة، فلما حانت صلاة الظهر، قام أحد الوفد من مشايخ الجهاد الأفغاني، وأذن في هيئة الأمم للظهر بصوته العالي المرتفع، فارتجت الهيئة، وهي أول يوم في التاريخ تسمع فيه الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ليس غريباً أن ترى هذه الوجوه، وأن ترى هؤلاء المصلين، وهذه الأمة، فإننا كنا في فترة من الفترات مع قتيبة بن مسلم حول كابل نرفع لا إله إلا الله، حاصرها، وحاصر تلك المدن قتيبة بن مسلم، ورفع عقيرته يهتف وينادي ربه أن ينصره، فنصره الله نصراً مؤزراً.
стр. 2792
الأسئلة
стр. 2793
المشاركة في الجهاد
السؤال
هل اشتركت في القتال في أفغانستان؟
الجواب
ما اشتركت، اشتركت بالدعاء، لأن على المؤمن أن ينصر إخوانه بالدعاء، أو بالنية، أو بالمال إذا لم يستطع بنفسه، والله يقول: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] وهذه الآية تساعدنا كثيراً، وهي معنا دائماً وأبداً، ولكن على كل حال لا يلزم أن كل المؤمنين يقاتلون، فإن الجهاد ليس القتال فحسب، الآن يأتي التخريج: الخطبة جهاد، والدرس جهاد، والكلمة جهاد، والمال جهاد، والدعاء بظهر الغيب جهاد، قال ﵊: ﴿إنما تُنْصَرون وتُرزقون بضعفائكم﴾ رواه أحمد والترمذي وغيره من أهل السنن.
فدل ذلك على أن الضعفاء من أمثالنا ينصر بدعائهم، والله يريد من المؤمنين أن يؤدي كلٌ ما في استطاعته وقدرته.
стр. 2794
الاستفسار عن أحوال المجاهدين
السؤال
هل بين المجاهدين الآن اختلاف؟
الجواب
ما سمعت إلا خيراً، والأنباء التي وصلت أن بينهم اجتماعاً وألفة، وأنهم والحمد لله كانوا في منظر بهيج أمس في صلاة الجمعة، وأن المساجد اكتظت بالمصلين، وقام الخطباء على المنبر ولأول يوم بعد سنوات عديدة يعيدون الخطبة كما كانت من قبل سنوات.
стр. 2795
ضعف الثقة في أخبار الإذاعات
السؤال
هل نصدق أخبار الإذاعات الأجنبية في الجهاد والمجاهدين؟
الجواب
هذه مثل كتب بني إسرائيل اروِ عنها ولا حرج، لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، لكن أحياناً قد يكون فيها حقائق، فإنه مثلاً في بعض الأوقات ينقل عن مراسل، والمراسل يخبرك بأنه واقف على شفير المعركة، أو يرى، أو يسمع حتى إنه يخرج لك دوياً وصوتاً، فقد يكون هذا.
الأمر الثاني: أنه قد لا تكون لهم مصلحة في الكذب فينقلون الحقيقة.
الثالث: أنه قد يتواتر الخبر، فترويه عدد من الإذاعات ومن الصحف ومن المراسلين، فيدل على أن للخبر أصلاً، أما أن يقول بعض الناس هذه الإذاعات الأجنبية لا تسمعها أبداً، فهذا ليس بصحيح، وبعضهم يقول: صدقها، وخذ ما قالت، وهذا ليس بصحيح، ولكن أمرنا الله بالعدل والتثبت والتأمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
стр. 2796
ظاهرة عدم الاهتمام بأمور المسلمين
السؤال
لماذا لا نعلم بقضايا المسلمين إلا آخر الناس؟
الجواب
ربما لقلة اطلاعك، أو عدم اهتمامك، وإلا فلك منافذ، ولك وسائل أن تطلع، وأن تقرأ، وأن تسأل، وأن تعيش قضايا المسلمين، حتى إن بعض الناس يقول قبل سنوات، أو قبل سنتين: سمعت أحدهم يقول: المجاهدون هؤلاء بعضهم يقتل بعضاً، وإلا فالشيوعيون خرجوا، يظن أن الشيوعيين فقط هم الروس ولا يعلم أن هناك شيوعيين أفغان ما زالوا جاثمين إلى الآن في المدن، ثم فتحت المدن والحمد لله فهذا ظن الناس، وبعضهم يقول: هؤلاء ما قصدهم وجه الله، وبعضهم يقول: لا تتبرعوا لهم إلى أشياء كثيرة من قلة الاهتمام والمعرفة، أيضاً على المسلم ألا يظن أن قضية المسلمين فقط أفغانستان هناك (بورما والبوسنة والهرسك والصومال وفلسطين) وكثير من بلاد المسلمين فيها قضايا، ولا تسمع الأخبار الآن والقتل والدماء إلا على المسلمين، حتى إن بعض الكتبة يقول: أرخص الدماء في هذا العصر دماء المسلمين.
ولكن أبشركم بشرى أن هذا القرن هو قرن الإسلام، فانهيار الاتحاد السوفيتي أخرج لنا جمهوريات مسلمة مؤمنة بالله في غالبها، فكثير مما حصل هو قرن للإسلام في صالح الإسلام، ولكن لا بد من المراغمة والعثرات، ولا بد من الصدمات، ولا بد من القتل في سبيل الله، ولكن عزاءنا أن من عاش يعيش عزيزاً، وأن من مات يموت شهيداً إن شاء الله.
стр. 2797
الواجب علينا عند النصر
السؤال
ماذا نفعل بهذه المناسبة الكبرى؟ وهل نقدم شيئاً، أو نفعل شيئاً؟
الجواب
لك أن تسجد لله سجود الشكر، وأن تحمد الله وأن تتصدق بصدقة، أو ترسل بصدقتك للجهاد، أو تكتب مقالة، أو قصيدة، أو أي شيء ينصر به الدين، فافعل وكلٌ على ما يسره الله له، وقد قال الرسول ﵊ كما سلف في الحديث الذي رواه أحمد: ﴿جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم﴾ فكان حسان بلسانه، وكان الآخر بخطبه كـ ثابت بن قيس بن شماس، وكان خالد بسيفه، وكان عمرو بن العاص برأيه، فكلٌ فيما ينصر به الدين، والله الموفق.
стр. 2798
معنى الجهاد
السؤال
لقد ذكرت أننا نجاهد بالكتاب والقلم، فما معنى ذلك؟
الجواب
معناه يا أخي! أن تكتب في الدعوة، تنشر الدين بالقلم؛ بالمقالة، بالقصيدة، توضح العقيدة، تدافع عن الجهاد، تدعو المسلمين إلى الخير، تحذرهم من الشر، هذا معنى الجهاد بالقلم، لا أنك تحمل القلم لتقاتل به والجهاد باللسان أنك تقول وتتحدث، لأن الله جعل لكل عضو جهاداً، فجهاد اللسان أن تقول به، وتدعو، وتحاضر، وتخطب في سبيل الله.
стр. 2799
حكم الصلاة في الفتح
السؤال
هل يُصَلىَّ ركعتان في الفتح؟
الجواب
صلى ﵊ يوم الفتح ثمان ركعات كما في الصحيحين من حديث أم هانئ، وقال بعض أهل العلم: إنها للفتح، وقال بعضهم: بل ضحى، وكثير من المسلمين حتى من الصحابة الذين فتحوا تستر صلوا ركعتين، فالمجاهدون هناك هم الذين عليهم صلاة ركعتين، أما نحن فعلينا أن ندعو الله لهم، وأن نفرح بهذا، ولو أن المسلم يوم سمع الخبر سجد لله سجود الشكر كان مأجوراً، وكان على سنة من الله .
أيها الإخوة الفضلاء! أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأن يحسن منقلبنا وعاقبتنا وخاتمتنا في الأمور كلها، كما أعتذر للإخوة الذين جلسوا في آخر المسجد في البرد، وأسأل الله أن يثيبهم على ما عانوه وما يعانونه من مشقة، ووددنا أن صدورنا تتسع لهم جلوساً، ولكن حباً وكرامةً ومثوبةً، وأسأل الله أن يجمعنا بكم مرات ومرات ليكون لقاؤنا الأخير في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2800
ليلة مع الجن
عالم الجن هو عالم خلقه الله قبل عالم الإنس وأسكنهما الأرض وابتلى بعضهم ببعض، فللجن حقيقة ووجود، ومنهم مؤمنون وكفار، وقد ختمت رسالتهم كما ختمت عند البشر بمحمد ﷺ ، إلا أن منهم من يتعدى على الإنس ولذلك علم الله الإنسان أذكاراً يمتنع بها منهم.
стр. 2801
التقاء الرسول ﵊ بالجن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا ممع الأبرار.
أمَّا بَعْد:
أيها الجمع الكريم! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
لا يزال العبد المسلم يجدد إيمانه في مجالس العلم، كلما جلس مجلساً غفر الله له ذنبه، ورفع عنه كربه، ورفع درجته عنده .
وتجديد الإيمان إنما يحصل بمدارسة الكتاب والسنة التي أنزلت على الرسول ﷺ .
وفي هذا الجلسة المباركة -بإذن الله- العطرة بحديث حبيب الله، التي تَتَضَوَّع مسكاً -إن شاء الله- بما قدمه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام للبشرية.
معنا في هذه الجلسة: حديث في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه.
قال علقمة -وهو تلميذ من تلاميذ ابن مسعود الكبار، ومن أصحابه الأخيار-: قلنا لـ عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: ﴿هل كان أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال ابن مسعود ﵁: لا.
تخلف عنا رسول الله ﷺ ليلة من الليالي، فخفنا أن يكون اسْتُطِيْرَ أو اغْتِيْلَ، فذهبنا نبحث عنه حتى الصباح، فوجدناه قد أتى من نحو غار حراء، فقلنا: يا رسول الله! أين كنتَ؟ قال: لقيتُ الجن، وقرأت عليهم القرآن، وسألوني الزاد، فأعطيتهم وقلت: لكم كل عظم أوفر ما يكون طعاماً لكم، ولكم كل بعرة أوفر ما تكون طعاماً لدوابكم﴾ هذا الحديث في صحيح مسلم.
ومجمل القصة أن أحد تلاميذ ابن مسعود ﵁ وأرضاه، وهو علقمة قال لـ ابن مسعود الصحابي الجليل من أصحاب الرسول ﵊: (هل كان أحدٌ منكم) أي: من الصحابة، (مع الرسول ﵊ ليلة الجن؟ قال: لا).
يثبت هنا ابن مسعود أنه لم يكن أحد من أصحاب الرسول ﵊ معه ليلة الجن، ثم يقول ابن مسعود: (تخلف عنا ﵊، فخفنا أن يكون اسْتُطِيْرَ) أي: أتاه شيءٌ طار به، (أو اغْتِيْلَ): أصابته غيلة ﵊ وقتل بخفية، قال: (فبحثنا عنه، فوجدناه في الصباح أقبل من نحو غار حراء، فلما لقيناه قلنا له: أين كنتَ؟) فأجابهم عليه أفضل الصلاة والسلام: (أنه لقي الجن، وقرأ عليهم القرآن، وأنهم سألوه الزاد) الحديث.
في هذا الحديث قضايا ومسائل:
المسألة الأولى: هل الجن خلق من الخلق لهم حقيقة؟ لأن من المفسرين من نفى حقيقة الجن، أعني: المُحْدَثين من أهل التفسير.
المسألة الثانية: هل الجني يتلبس بالإنسي حقيقة، ويدخل فيه، ويصرعه؟
المسألة الثالثة: هل من الجن مؤمنون وكافرون؟
المسألة الرابعة: هل أرسل الله من الجن رسلاً، كما أرسَل من الإنس؟
المسالة الخامسة: هل يدخل الجن الجنة؟ أم أن لهم جنة أخرى؟ وكيف يتنعمون؟
المسألة السادسة: كم لقي الرسول ﷺ الجن، مرة، أم مرتين، أم أكثر من مرة؟
المسألة السابعة: ما هو طعام الجن؟ وما هو طعام دوابهم؟
المسألة الثامنة: هل حضر ابن مسعود ليلة الجن؟ لأن الترمذي روى في سننه: أن ابن مسعود قال: ﴿كنتُ مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال لي ﵊: يا ابن مسعود! هل معك ماء أتوضأ به؟ قال: يا رسول الله! ليس معي ماء، عندي إداوَةٌ -وهي: القِرْبة الصغيرة- فيها نبيذ، قال ﵊: ثمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ بالنبيذ﴾ والنبيذ: هو ما يُمْرَس من التمر أو العنب أو نحو ذلك.
والإشكال هنا: كيف يروي الترمذي هذا الحديث، وفي صحيح مسلم أن ابن مسعود قال: ﴿ما كان أحدٌ منا معه ﵊﴾ هذا سوف يأتي إن شاء الله.
المسألة التاسعة: هل الشيطان من الجن؟
قال تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠].
المسألة العاشرة: ما هي الحروز العشرة التي من أدركها وقام بها، حفظه الله ظاهراً وباطناً من شياطين الجن والإنس، هذه الحروز العشرة، كل حرز منها كفيل -بإذن الله- أن يحفظك في ليلك ونهارك.
стр. 2802
الأمور الواجبة على كل مسلم مكلف
هذه هي القضايا التي معنا هذا الليلة؛ ولكن قبل ذلك أحب أن أنبه نفسي وإياكم على أنه ينبغي أن نعلم مسألة، وهي أنه ينبغي على المكلف أن يعرف أن عليه أربعة أمور في الحياة، لا بد أن يقوم بها إن كان مسلماً يريد الله والدار الآخرة.
الأمر الأول: العلم: أن يتعلم، وأن يتفقه.
الأمر الثاني: العمل: أن يعمل بما علَّمه الله، ولو كان آيةًَ أو حديثاً.
الأمر الثالث: التبليغ: أن يبلغ ما تعلم من آية أو حديث إلى الناس.
الأمر الرابع: الصبر: أن يصبر على هذا التبليغ، وما يأتيه من أذىً ومشقة من الناس.
فإذا فعل ذلك، فقد أصبح خليفة للرسول ﵊.
стр. 2803
على المسلم أن يتعلم أمور دينه
الأمر الأول: العلم.
ما هو حَدُّ العلم؟
وهل العلم في الإسلام أن يكون عندك شهادة؟
أو أن تتخرج من جامعة مرموقة؟
أو أن تحضر رسالة؟ أو ماذا؟
هل العلم أن يكون لك تخصيص في العلوم؟
ولك قدم في البحوث؟ أم ماذا؟
هل العلم أن تتوصل به إلى منصب من مناصب الدنيا؟ أم ماذا؟
العلم هو: أن تتعلم ما تقوم به في حياتك، وتلاقي به ربك من أمور دينك، وتتعلم الأمر والنهي حتى تلقى الله.
فهذا هو العلم عند المسلمين، وهو سهل ميسر على من يسره الله عليه.
وعلم الصحابة من هذا، ولذلك يقول : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
قال مجاهد: [[يسرنا طلب العلم، فهل من طالب علم؟]] فكان أسهل الناس تعليماً وعلماً الصحابة رضوان الله عليهم.
فالعلم سهل ميسر، آية وحديث، وما يدور في هذا المضمار سواء تعلم الإنسان أو حمل شهادة أو لم يحمل؛ لكن يتفقه في الدين.
قال ﵊: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ فالذي لا يريد الله ﵎ به خيراً لا يفقهه في الدين.
стр. 2804
على المسلم العمل بما علم
الأمر الثاني: العمل.
قال : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] وهي من أعظم الآيات توبيخاً لمن تعلم ثم لم يعمل.
وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣].
وقال: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
وقال في بني إسرائيل يوم تعلموا ولم يعملوا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥].
فنعوذ بالله من علم لا ينفع؛ فإنه من أعظم ما تقسو به القلوب.
وقال في بني إسرائيل لَمَّا تعلموا ولم يعملوا: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤].
وقال فيهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
وقال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] نسوا العمل بالعلم، فأنساهم الله خير الدنيا والآخرة.
стр. 2805
ينبغي على المسلم تبليغ ما علمه
الأمر الثالث: التبليغ.
وهو دعوة الناس إلى هذا العلم الذي حملتَه، ولو آيةً أو حديثاً.
قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
وقال : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
وقال حكاية عن لقمان وهو يَعِظُ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
فالتبليغ للناس من أعظم ما يمكن، وهذا لا يقتضي من الإنسان شهادة ولا تَبَحُّراً، بل إذا عرفتَ آيةً أو حديثاًَ فبلغها، فإن الله يرزقك بها أجراً ومثوبةً وقبولاً عنده.
يقول ﵊ لـ علي: ﴿ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فوالذي نفسي بيده، لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حُمْر النَّعَم﴾.
وقال ﵊: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾.
وقال: ﴿ورب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع، ورب حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه﴾.
فهذا معناه: الدعوة؛ لكن الدعوة يشترط فيها ثلاثة شروط:-
أولها: أن تكون خالصة لوجه الواحد الأحد: بأن تقصد بدعوتك الله ، بلا رياء ولا سمعة.
ثانيها: أن تتعلم العلم الذي تدعو به: فإن الجاهل لا يعلم غيرَه، وأن تتمكن من المسألة التي تريد أن تفهم الناس بها.
ثالثها: أن تحمل أدبها، وحكمتها، وأن تكون صاحب حكمة؛ فلا تكون مؤذياً، ولا جارحاً للشعور، ولا فظاً غليظ القلب، فإن الناس إذا رأوا هذا انفضوا من حولك.
следующие страницы →