Полный текст (10 391 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الخيرية في هذه الأمة لا تنتهي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عنوان هذا الدرس: (أخبار المجتمع).
وهذا الدرس أنتم شاركتم فيه؛ بل هو من رسائِلكم وأسْئِلتكم وحواركم وخطاباتكم، وأسأل المولى ﵎ أن يأجركم على حضوركم، وعلى كتابتكم، وعلى حبكم للدين وللإسلام وللقرآن ولمحمد ﵊.
وأنا أعلم أنكم أتيتم من أماكن بعيدة، ومن القرى والأرياف والضواحي، أتت بكم رغبة ورهبة، رغبة فيما عند الله ورهبة من عذابه، فأسأل الواحد الأحد الذي جمعنا بكم في هذا المكان الطيب الطاهر، على غير نسب إلا نسب الدين وعلى غير سبب إلا سبب التقوى، أن يجمعنا بكم في دار الكرامة وأن يجعل محبتنا فيه.
إن شكري لكم لا ينتهي، علمت ذلك من قبل ومن بعد، ولكن بعد ما وصلتني الرسائل والأسئلة التي قرأتها في الأسبوع الماضي والدرس الماضي؛ علمت أن في المجتمع خيراً كثيراً عميماً، وأن هذه الأمة مباركة، وكما ورد في مسند أحمد من حديث أنس أن الرسول ﵊ قال: ﴿أمتي كالسيل لا يُدْرى الخير في أوله أو آخره﴾ فأنتم كالغيث، والذي يستهين بقدرات الناس، أو يحطم الناس بالأحكام العامة، كأن يقول: ليس في المجتمع خير، هو المخطئ وحده، يقول ﵊: ﴿من قال هلك الناس فهو أهلَكُهم﴾ وفي لفظ ﴿فهو أهلكهم﴾ رواه مسلم.
فما هلك الناس، وما زال الأبرار والأخيار كثر، وما زال الصالحون -والحمد لله- كثر.
ولقد وصلتني رسائل حتى قبل صلاة المغرب بربع ساعة من أناسٍ ما حضروا معنا، وأظن بعضهم حضروا وبعضهم لم يحضروا، سمعوا أنني أذكرهم بخير وهم شباب النوادي والملاعب والمقاهي، وأنا أذكرهم لا أريد الشكر إلا من الله، ذكرتهم بالفطرة التي يحملونها؛ فطرة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقلت من قبل وسوف أقول الآن: إنهم يحملون حباً أصلياً، وأصل الحب لا زال في نفوسهم.
فقد شرب رجل في عهد الرسول ﵊ الخمر أكثر من مرة، وأُتي به ليجلده الرسول ﵊، وشارك الصحابةُ في جلده فقال أحد الصحابة: ﴿أخزاه الله، ما أكثر ما يؤتى به في الخمر! قال ﵊: لا تقل ذلك، فوالذي نفسي بيده إني أعلم أنه يحب الله ورسوله﴾ فهؤلاء شباب الكرة أو الملاهي أو المقاهي أو من لا يظهر عليهم الالتزام، غالبهم إذا سمع سباً في محمد ﵊ قدم روحه وسكب دمه في لحظة، ولكن أقول: إن الخطأ منا نحن، إذلم نكسر الحواجز ونصل إلى قلوبهم بالبسمة والكلمة الطيبة والزيارة؛ ليكونوا معنا في هذا المجلس الطيب الذي لولاكم بعد الله لما طاب.
ولما جلسنا مجلساً طله الندى جميلاً وبستاناً من الحب ناديا
أثار لنا حسن الحديث وذكره منىً فتمنينا فكنتَ الأمانيا
نسيت تاريخ هذه الجلسة؛ لأن بعض الأخيار نبهني وحبب إليّ أن أذكر تاريخ الجلسة لتكون ذكراً للمكان والزمان، ونحن الليلة في أبها، في تاريخ (٥/ ٤/١٤١٢هـ) نسأله سبحانه أن يكون لنا عمراً محسوباً في طاعته وليلة مباركة في مرضاته.
إن الرسائل ندية، وسوف أخبركم بما فعلت البطاقة التي وزعناها، والليلة سوف توزع عليكم ورقة فيها ما يقارب ستة عشر سؤالاً، أريد الإجابة عليها وإعادتها في غضون الأسبوع هذا قبل السبت، إلى المؤذن أو من ينوب منابه، ولا يغل مسلمٌ ورقته ومن يغلل يأت بما غلَّ يوم القيامة.
فالرجاء إعادة الأوراق التي نوزعها عليكم الآن، وهي مكتوبة بكلام ينفعنا؛ في الدروس، والخطب، والدعوة، والخواطر؛ لأن رأي الاثنين أحسن من رأي الواحد، ورأي الثلاثة أحسن من رأي الاثنين، فأنتم ترونها وتكتبونها وتعيدونها وهي أمانةٌ، والرسول ﷺ يقول: ﴿على اليد ما أخذت حتى تؤديه﴾.
والرسائل التي وصلت صدرت بكلمة (إنا نحبك في الله) فأقول: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وأُشهد الله ، ثم أشهد ملائكته، وأشهد حملة العرش أني أحبكم في الله، وما أعلم أنني في هذه الجلسة أكره رجلاً بعينه، إنما هو الحب، لأننا اجتمعنا على غير نسب ولا سبب إلا على لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ .
والحب -يا أيها الإخوة- عظيم، وهو قصة عظيمة طويلة، وما يجمع هذه الأمة إلا الحب: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] وأقول لكم -والأبيات ليست لي ولكنها لـ ابن القيم -:
أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها جهد المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم
لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتم أو حضرتم
يقول ابن عمر ﵁ وأرضاه: [[والذي نفسي بيده لو صمت النهارَ لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية؛ لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]].
المسألة الثانية: يطلب كثيرٌ من الإخوة الدعاء، وتأمين الحاضرين.
أسال الله أن يكشف المرض عن مرضى المسلمين، وأن يرد فاسقهم إلى الطاعة، وأن يهدي عاصيهم، وأن يثبت مهتديهم، وأن يجمع بين قلوبنا على الحق، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا، ونسأله رحمةً عامةً وخاصةً.
ولولم نحصل من هذا اللقاء إلا هذه الدعوات لكان حسبنا.
ولقد مر بي في بعض الدروس أن بعضَ الحضور يقول: أنا لأول مرة تبت وحضرت هذا الدرس، أريد منك ومن الحضور دعوة.
فقلت: يا سبحان الله! أي خير ساقه الله لهذا الرجل، لأول مرة يحضر ويتوب ويطلب دعوة أكثر من ألفين ممن حضر أو ثلاثة آلاف، أليس فيهم رجلٌ صالحٌ أو وليٌ من أولياء الله لو أقسم على الله أبره؟ بلى والله، إني أعلم أن فيكم صالحين وعباداً، ومن يقوم الليل ويصومُ النهار، ومن يحب اللهَ ورسولهَ أكثر من نفسه، فهنيئاً لمن دُعِي له في هذا الموقف العظيم، أسأل الله الاستجابة.
وأكرر أن الاستجابة كانت جيدةً، وسوف تسمعون نسباً مئوية للأسئلة والإجابات التي وصلت، ومن أخذ البطاقات ولم يعدها؛ إما لأنه باعها أو نسيها في بيته؛ فهي في ذمته إلى يوم العرض الأكبر: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] إما أن يعيد لنا بطاقتنا البيضاء التي أخذناها بدراهمنا، وإما أن يكتب سؤالاً، وإما أن يعطيها زميله.
стр. 422
الأسئلة
стр. 423
واجبنا تجاه الأمة
السؤال
ما واجبي تجاه هذه الأمة المحمدية؟
الجواب
أشكرك شكراً جزيلاً، وأشكر من يحمل همَّ أمة الرسول ﵊، فبعضهم قلبه يغلي ووجهه يتمعر من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، يحمل همَّ الإسلام يحب الله ورسوله، يقول أحد الشعراء -ولقد أعجبني قوله:
إذا كان حُبَّ الهائمين من الورى بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى
يقول: كثير من الناس يحب سلمى وليلى، ويتغنى بها ويحب الوله والمجون والطرب، ولكن ما بالكم بإنسان سرى قلبه، وعبر السماوات العلى إلى سدرة المنتهى، إلى الذي على العرش استوى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
واجبك تجاه الأمة:
أولاً: أن تقرأ دفترك أنت، خصائصك وشخصيتك وما هو استعدادك؟ أخلقك الله باذلاً منفقاً، أو خطيباً أو مصلحاً، أو آمراً بالمعروف أو ناهياً عن المنكر، أو معلماً، أو مهندساً، أو طبيباً، أو فلاحاً، أو تاجراً، أو جنديا؟ أنت اقرأ نفسك: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] كل ميسرٌ لما خلق له، والله يوزّع المناقب على الناس كما يوزع المثالب، فأنت قدم للإسلام ما تستطيع، ولا يشترط أن نكونَ كلنا خطباء أو مفتين، أو شعراء إنما أنت بما أعطاك الله انصر هذا الدين.
والحقيقة أنني إن أنسى فلا أنسى الأسبوع الماضي أنني حملتكم أمانتين:
الأولى: أن يأتي كلُّ واحد منكم بواحد.
والثانية: أن يوزع من ليلته شريطاً ينفع الله به، ولا يوزعه على أمثالكم وأضرابكم من أهل الخير، ولكن يوزعه على من يحتاجه ومن يريد أن يستفيد منه ممن لا يحضر أو لا يستمع الشريط الإسلامي.
وأنا أعلم أن (٥٠%) من الحضور في تلك الجلسة نسي الوصيةَ قبل أن يقوم، ونصف النصف نسيها عند الأبواب، ونصف النصف الآخر قبل أن يركب السيارات، ونصف النصف المتبقي قبل أن يصبحوا، وما أدري هل بقي (٢%) أو (٣%) أتى بأخٍ معه بسيارته؟ وسوف تأتي معنا أزمة نقل الناس إلى المسجد وقد كتبها بعض الإخوة في رسائل.
الأمر الثاني: أظن قليلاً من فعل ذلك، فبحسب ما سألت الإخوة حتى المتحمسين قلت: هل سمعت؟ قال: نعم.
قلت: وهل فعلت؟ قال: لا، وأستغفر الله.
فهذا حال هؤلاء فكيف بغيرهم.
стр. 424
تمني الشهادة في سبيل الله
السؤال
يقول شاب: أتمنى أني أقدم نفسي رخيصة في سبيل الله!
الجواب
قرأت رسالته في الأسبوع الماضي، يقول: والله إني أتمنى أن أقدم دمي فداءً للا إله إلا الله محمد رسول الله، وشكرته، وأسأل الله أن يسعده بالشهادة في سبيله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد:١٩] وكان أصحاب الرسول ﵊ يقول الواحد منهم قبل المعركة: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]].
فشكراً لك، وأظن أنه ليس هناك أغلى من الدم، فإذا بلغ العبد أن يتمنى أن يُقطع رأسُه في سبيل الله، وأن يسفك دمه في الأرض في سبيل الله؛ فبشره بخير: ﴿يضحك ربك إلى ثلاثة: أحدهم رجل كان في كتيبة قاتلت فانهزمت، فعاد هو وحده فقاتل حتى قتل، قال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة﴾ ويقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده، ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون الدم والريح ريح المسك﴾ وقال ﷺ : ﴿يأتي الرجل يوم القيامة يحمل رأسه بيده فيقول الله: فيم قتلت؟ فيقول: فيك يا رب قتلت، فيقول الله: أشهدكم يا ملائكتي أني قد أدخلته الجنة﴾.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
стр. 425
واجبنا نحو المنكرات المنتشرة في المجتمع
السؤال
ما واجبي نحو المنكرات التي أراها في المجتمع مثل كثير من المخالفات التي تقع فيها النساء؟
الجواب
هذا لا يعني أنه في النساء فقط، بل في الرجال والنساء، والنساء عالم محترم، وهن نصف هذا المجتمع، والمرأة هي التي أنشأت العلماء والأدباء والشهداء للعالم، وهي الجامعة الكريمة والمدرسة الطاهرة التي أتت بكم، فأنتم أبناء النساء.
ولا يعني إذا نُبه أن جانب النساء هو الجانب الملام وحده فقط، بل وجانب الرجال أيضاً، لكن العجيب أن فتنةَ النساء أعظم فتنة! يقول المأمون:
ما لي تطاوعني البريةُ كلُها وأطيعهن وهن في عصياني
يقول: أنا أحكم العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، ومع ذلك تسيطر عليّ المرأة، حتى أتى رجل إلى الرسول ﷺ وقال:
أشكو إليك ذرية من الذرب وهن شر غالب لمن غلب
ولذلك يقول جرير:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانا
والرسول ﵊ يقول: ﴿ما تركت بعدي أشد فتنة على الرجال من النساء﴾.
ومن المظاهر المنتشرة: عدم تغطية الوجه، والوجه مكان الفتنة، والجمال والحسن والبهاء، وليت شعري!! إذا لم تغطِ المرأة وجهها أي شيء يحذر منه؟! وبم يطالب الشارع المرأة أن تحجب؟ هل تحجب رءوس أظافرها وبطون أقدامها؟! فالوجه مكمن الخطر، وما كانت العرب تتكلم ولا تقول الشعر إلا في الوجه، دخل أحد الشعراء على الخليفة المكتفي -وهذا من حمقه- وقال:
والله لا كلمتها لو أنها كالبدر أو كالشمس أو كـ المكتفي
يقول: والله لا أكلمها ولو أن جمالها كالبدر، أو كالشمس، أو مثل جمالك أيها الخليفة.
قال الخليفة: اسحبوه، فسحبوه على وجهه وبطنه.
ومن المظاهر المنتشرة: خروج المرأة إلى الأسواق لغير حاجة ضرورية ولشيء تافه، كأن تمر على أماكن الخياطة بنفسها، وعلى أناس قد لا يحملون التقوى والورع والخوف من الله، وعلى أماكن بيع الذهب، وتبقى الساعات الطويلة، وغير ذلك من المظاهر التي لا تخفى.
والواجب أن تكون هذه أولاً: رسالة النساء الداعيات الملتزمات المستقيمات، مثل من يحضر الدروس منهن؛ أن تكون داعية في صفوف بنات جنسها، وأن تهدي لهن الشريط، ومن رأيي أن الداعية إذا رأى امرأة فله أن يقول: تحجبي يا أمة الله، وكان الصحابة في أسواقهم يقولون هذا، لا ينظر إليها وإنما يقول بكلام لين: تحجبي يا أمة الله، هداك الله.
لأن السكوت ليس من خصائص الأمة المحمدية، ويوم تسكت الأمة عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تذوب شخصيتها، ويذهب رونقها، ويطفئ الله نورها: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
стр. 426
مقترحات عديدة
وقد وردت اقتراحات بناءة، وقد درستها وخرجت منها بأمور:
منها: أن بعض الإخوة لا يعلم بالدروس، ولا يعلم بالنشاط العلمي والمحاضرات واللقاءات؛ لبعده عنها، فهو يقترح هذه وهي موجودة.
ومنها: أن بعض الإخوة يريد شيئاً فوق الطاقة لاندفاعيته.
ومنها: أن بعضهم يأتيك بخيالات، ونحن نتكلم عن الواقع لا في عالم الأحلام، و"إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع" فهو يقترح ويقول: عليك أن تنشر الدعوة في الأماكن، والبوادي، والقرى، وأرى أن يهبَّ طلبة العلم جميعاً.
والكلام سهل والتطبيق صعب، والإنسان قد يقيم حضارة وهو نائم على فراشه هكذا كلام الليل يمحوه النهار.
فنريد من الأخ إذا اقترح أن يراعي أنه في الواقع، وأنه يخاطب بشراً، ويعرف استعداد الناس وظروفهم، ثم ينطلق من هذه المنطلقات.
لكن هناك بعض المقترحات الجيدة.
منها: اقتراح يقول: أريد درساً في الحديث.
الجواب
أشكرك على هذا، والحقيقة علَّ الله أن يسهل هذا الدرس، ودرس السبت فيه كثير من الحديث.
يقول: وأريد درساً في الفقه ولو في الشهر مرة، هناك درس سوف يكون مساء كل أحد في الفقه، في هذا الجامع -جامع أبي بكر الصديق- وفي جامع اليحيى، للدكتور/ جبريل بصيلي، وهناك درس مساء الإثنين في مسجد آل غليظ للشيخ/ سعد الحجري، وهناك درس كل يوم ثلاثاء في السيرة للشيخ/ عبد الله بن محمد بن حميد، عسى الله أن ينفع بالأسباب، ثم لقاء الجمعة مساءً في هذا المسجد، وهو لقاء مفتوح فيه مداخلات ومشاركات وأطروحات.
ويقول: وعدتنا بمحاضرة بعنوان "تسهيل العقيدة" وما رأيناها؟
الجواب
عليك بالصبر والسكينة حتى يأتيك خبرها قريباً.
ومنها: يقول: أريد شرحَ سورتين في كل درس؟
فعلنا ما اقترحت، بل زدنا على اقتراحك وجعلناها ثلاث سور، وسوف تكون سورتين إلى ثلاث إن شاء الله.
стр. 427
مشكلة الحضور إلى المحاضرات
السؤال
الأخ يشكو ويقول: أنا أريد الحضور لكني لا أجيد القيادة وليس عندي سيارة، أريد من الشباب أن يأخذوني معهم، وأن يأخذوا من ليس عنده سيارة حتى يأتوا بهم إلى المسجد.
الجواب
صدق الأخ، ليس كلٌّ يمتلك سيارة، وظروف الناس تختلف، وبعضهم قد يمتلك ولكن لا يجيد القيادة، وبعضهم يجيد القيادة ولكن لا يستطيع أن يمتلك سيارة، فعلى الإخوة أن يتفقدوا جيرانهم وشبابهم، وإذا وجدته عليك أن تسأله، هل تريد مشاركتنا في الحضور؟ فتكون داعية خير: ﴿من دل على خير فله مثل أجر فاعله، ومن دعا إلى سنة كتب له مثل أجر من أتى بهذه السنة﴾ وفي حديث الرسول ﷺ : ﴿ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له﴾ من كان له زيادة جمل، أو حمار، أو فرس، وأنا أقول من كان له فضل مركبة، أو مقعد في السيارة، فليعد به على من لا مقعد له.
وأنا أخاطبكم وأطالبكم -أيها الإخوة- أنه إذا كان أحدكم يسير في الطريق ورأى أحداً عليه علامة الخير، أو كان شيخاً كبيراً، أو محتاجاً، أو أعمى، أن يقف ويحمله معه في سيارته حتى ينفعه الله بهذا الفعل: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] وفي الأثر ﴿الناس عيال لله أَحبُّهم لله أنفعهم لعياله﴾.
فوصيتي -أيها الإخوة- المشاركة، وأن تنفسح صدورنا، وسياراتنا، وبيوتنا للناس، والعجيب أن السيارات تكاد تكون -أحياناً- ككثرة الحضور فتجد الواحد يأتي بسيارة طويلة عريضة وهو وحده، فالأحسن أن يملأها من عباد الله، وبدلاً من أن تأتي أربع سيارات ويزدحم الشارع تأتي سيارة فيها أربعة أو خمسة فتحل أزمة الازدحام.
стр. 428
بعض المنكرات المنتشرة بين الناس
السؤال
وردت بعض الرسائل التي تتحدث عن المخالفات، منها: انتشار بعض المجلات الخليعة والأشرطة الغنائية، وبعض مخالفات الناس في أمور السنة مثل الأكل بالشمال، وعدم المحافظة على أوقات الصلاة، وكثرة الحَلِف فجوراً، وشهادة الزور، وحلق اللحى، وشرب الدخان وغيرها.
الجواب
حقيقة كل هذه تحتاج إلى كلام طويل، ولكن سوف أستعرض فقط ما تم.
وهنا أيضاً رسالة تتحدث عن مركز طبي أعلن في بعض النشرات أن فيه دلك، وفرك، وغسيل، ومكيجة، ومشط للشعر، وغير ذلك من هذه اللفائف، وهذه بشرى ليست سارة، بل هي ضارة، ولا نريد من الأخ صاحب المركز هذا إلا أن يتقي الله ، ويكون محافظاً على الشريعة؛ لأن هذه البلاد تسير بشرع الله ، وتسير بالكتاب والسنة، فلابد أن يراعي شعور المسلمين وليتق الله في ذلك.
стр. 429
موقف صحيفة صوت الكويت من الإسلاميين
السؤال
مقالة ضد الإسلام في جريدة صوت الكويت.
الجواب
هذه صحيفة صوت الكويت كم أضرت في الجانب والصف الإسلامي، فهي التي تكلمت عن الكاسيت وحذرت المسلمين من الشريط الإسلامي، وتكلمت عن بعض الدعاة والعلماء، فلا تستغرب، ولكن نحيلها إلى الله أن ينتقم لنا أو يهدي هؤلاء إلى صراط مستقيم.
стр. 430
إلى كل من اهتدى حديثاً
السؤال
شاب التزم حديثاً وحضر معكم، فماذا تقولون له في هذا الدرس؟
الجواب
نقول: حياك الله وبياك، وأهلاً وسهلاً، ونكرر دعاءنا لك، فأنت مكسب لنا.
стр. 431
خطاب أفغانستان
السؤال
ماذا عن خطاب أفغانستان؟
الجواب
لقد أصدر سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ومجموعة من العلماء خطاباً سوف أقرؤه عليكم إما يوم الجمعة المقبلة، أو يوم السبت المقبل في الدرس، وهو خطابٌ مهم عن الأحداث التي جرت في أفغانستان في كنر، وعن مقتل الشيخ جميل الرحمن وعن بعض ما قيل، فسوف نقرؤه إن شاء الله فعليكم بالصبر.
стр. 432
مشاركات شعرية
السؤال
وصلتني محاولات شعرية، بعضها جيد، وبعضها وسط، وبعضها
المشاركة: السلام عليك يا أبا عبد الله، اسمح لي أن أرحب بجمهورك وبالمحبين الحضور، وأنا لست من أهل أبها لكن أحببتهم لما حضرت مجلس السبت، ورأيت حضورهم وتفاعلهم ومشاركتهم، ورأيت فيهم الخير، ثم رأيت من حسن الكرم وبشاشة الاستقبال ما الله به عليم، وأنا لست من هذه المنطقة، وقد وصف لي أهل الجنوب بالخير والكرم فلما رأيتهم فإذا هم أكبر مما وصفوا لي:
مرحباً أهلاً وسهلاً بالضيوف يا ركاب الخير زارتنا الهمم
من رياض البر نهديكم قطوف تاج علم وأحاديث قمم
وشعاع الشمس تستسقي طيوف أصغت الأذنان من هدي الكَلِم
الحقيقة أنها مشاعر فياضة، والقصيدة تحتاج إلى سمكرة، فمن عنده ورشة أدبية كالدكتور: صالح بن عون وهو حاضر فنحيلها عليه.
المشاركة: أحدهم من جيزان يقول: وصلت لأول مرة وحضرت الدرس وعدت بمشاعر فياضة، أشكركم وأشكر الحضور الذي أثلج صدري.
وقد نظمها في منظومة فقال:
يقول تلميذك أبو المغيره أحمد ربي غافر الكبيره
مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي
وهذا البيت قد سرقه مني، ويقول:
وحملتنا في طريقنا سياره تنحرف تارة وترجع تاره
الحقيقة أن بعض الأبيات له وبعضها لي، وتحتاج هذه إلى المراجعة، ولكني أشكره شكراً لا ينتهي.
يقول: تلميذكم من جيزان العامرة، عمرها الله بالتقوى، وحرسها الله من كل شر.
ووصلت أيضاً قصائد منها يقول:
قصيدة من محب محمد رسول الله وهذا مثل بعض الأسماء التي تأتي من الشمال، من وراء نهر سيحون، يأتيك بالاسم وكأنة آيه، مثل بعض أسمائهم "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً" وبعضهم سمى نفسه "شمس الإسلام المعصوم بالتقوى" وغير ذلك من الأسماء، يقول:
قف فالورى قد وجهوا الأنظارا لسناء نور قد أضاء نهارا
فأضاء ليل الكون حتى أبهرا وأنار صبح الدهر خير منارا
الحقيقة أن فيها إقواء ولكن هذا الرجل يلاحظ أن عنده شاعرية فياضة:
صلوا عليه معاشر الأخيار فهو الشفيع من اللظى والنار
وهذه القصيدة من فلسطين، وهي من القصيم وقد سمعتها، السلام على فلسطين.
خذي القلب مني مزقيه وقطعي خذي الدمع إني قد وهبتك أدمعي
خذي الروح إن الروح تشتاق للقا تكاد تطير الآن من بين أضلعي
خذي الليل والأحزان واليأس والرجا خذي كل ألحاني وغني ورجّعي
خذِي العشق يبكي في حروف قصائدي خذيه وضميه إلى الصدر واهجعي
هذا شاعر متفوق، أثابه الله.
وبعض المقطوعات سأعيدها في اللقاءات القادمة، لأنه سوف يكون الأسبوع الأول من كل شهر هو من أجل اللقاءات والأسئلة.
وأقول: من لم يحسن أن يأتي بشعر فلا يتعب نفسه من أول الطريق، ولا يشترط أن يكون شاعراً، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية من أعلم علماء الدنيا وكان بحراً، ولكن شعره كان ضعيفاً جداً، وهو قد نظم لكن ليس بشعر، يقول:
أنا الفقير إلى رب السماوات أنا المسيكين في مجموع حالاتي
لكنه ينظم نظماً آخر يسلب العقول من رشاقة أسلوبه وقوة علمه وفيض بحره (أثابه الله وغفر له).
وشعر العلماء -أحياناً- يكون ضعيفاً، فقد قرأت لـ ابن دقيق العيد قصائد، وقد لاحظ عليه ابن خلدون في المقدمة، يقول: شعر العلماء تدخل عليه المتون فتضعفه، ومن شعره قوله:
واختلف الأصحاب في وصلنا فرجحوا نجواك وهو الصحيح
وكأنها من زاد المستقنع.
стр. 433
الإخلاص في طلب العلم
السؤال
من القضايا المطروحة يشكو الإخوة عدم الإخلاص في طلب العلم.
الجواب
العزوف عن طلب العلم مأساة، يوجد كثير من المثقفين، لكن قليل من يطلب العلم النافع الشرعي أو من يحصّل، حتى ترى من يدرس في كلية الشريعة أو أصول الدين ليس عندهم قدرات على كثرة المطالعة أو الحفظ أو التخريج وتحقيق المسائل، بعضهم يكتفي بدراسة الكليات، والكليات لا تكفي وحدها لتخرج لنا علماء، فأنا أطالبكم -أيها الإخوة- بكثرة القراءة وكثرة الاطلاع، وأن يقرأ كل طالب ما يقع تحت يديه، فإنه سوف تتوسع مداركه، وتتفتح له نوافذ من المعرفة، وسوف ينفعه الله بما علمه إذا كان رائده تقوى الله .
стр. 434
أخلاق طالب العلم مع غيره
السؤال
نلاحظ أنه يوجد عند بعض طلبة العلم عدم لين الجانب مثل الفظاظة والغلظة؟
الجواب
أقول: يوجد هذا، ومع التربية وتقوى الله والنصيحة وتوجيه هؤلاء يصحح مسارهم، وهم ليسوا معصومين، وقد يوجد -أحياناً- من يتكبر بعلمه ومن يبخل به، والله وصف بني إسرائيل بأنهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧].
قال: فهم بخلاء بالمال والعلم، وهما شر خصلتين إذا وجدتا في الإنسان.
وعلى كل حال أرى أن نتناصح فيما بيننا، وأن نسأل الله أن يكمل ما نقص منا، وأن نعلم أننا من نقص، ولكن مع الأيام ومع الاستغفار ومع تصحيح المسار يكمل الله لنا طريقنا ويثبت أقدامنا، ولذلك يقول شيخ الإسلام ﵀: لا عبرة بنقص البدايات وإنما العبرة بكمال النهايات.
فهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه لم يكن يوم آمن كمثله لما مات، بل ازداد عند موته إيماناً وصدقاً وتضحية، فلا تيأس من روح الله، واعلم أنك لو حضرت وأنت ناقص الإيمان وصاحب ذنوب ومقصر، فمع الأيام والنوافل والدعاء يكمل الله لك إيمانك: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
والحقيقة الذي لفت نظري أن جانب الأطباء، وجانب من يشتغل في المستشفيات والصحة أكثر الناس تفاعلاً مع الدعوة، وأنا أشكرهم من على هذا المنبر، والحمد لله أن أوجد هذه الطائفة الممتازة من الأطباء المسلمين الذين يشرحون صدرك، إذا نظرت إلى الواحد منهم وإذا خصال السنة على وجهه، وإذا حرصه على تطبيق معالم سنة رسول الله ﷺ ، وحب الرسول ﷺ ، ومحافظته على النوافل، وهم كثير، تجدهم بالعشرات في بعض المستشفيات، وتجد عليهم سيماء العلم والتقوى والنور فأثابهم الله.
والحقيقة أن في بقية المناطق شعور متبادل حتى عند العلماء والدعاة، أن جانب الأطباء ومن يشتغل في هذا الحقل أنه جانب ضخم نفع مسار الدعوة نفعاً عظيماً، وشكل العمود الفقري في الصحوة، فلله الحمد.
стр. 435
الجدية في الالتزام
السؤال
أنا أصاحب شباباً ظاهرهم الالتزام ولكن تنقصهم الجدية.
الجواب
المقصود بالجدية الجدية في الالتزام، أي: أنهم ما أخذوا الكتاب بقوة، وهذا صحيح، فقد يدخل في جدية بعضهم شيء من الهزل وكثرة المزاح، أو يكون التزاماً ظاهرياً، ما يعود على القلب بحرارة الإيمان وبالتفاعل مع الدين، وقد تجد بعضهم يركز على أمور ظاهرية كتربية اللحية وتقصير الثوب والسواك وأمثالها، ولكنه لا يعتني بالنوافل وبحب الله وبالخوف والرجاء والتواضع وبالخشية والسكينة، وأعمال القلوب التي هي مكان نظر الرب ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم﴾.
стр. 436
علاج الاكتئاب
السؤال
أصبت بحالة اكتئاب شديدة، فما العلاج؟
الجواب
العلاج أن تشرح صدرك بهذا الدين: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] أسأل الله أن يشرح صدرك وصدورنا جميعاً للإسلام، ووالله لن ينشرح الصدر إلا بتقوى الله، ولقد جرب الناس أسباب السعادة في المرأة الجميلة والفلة البهية والسيارة الفخمة والوظيفة فما وجدوها؛ لأن الله أخذ على نفسه أن من أعرض عن منهجه ورسالته وكتابه أنه لا يوفقه ولا يشرح صدره ولا يهديه سواء السبيل، يقول : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً.
قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦].
стр. 437
إنكار المنكر لمن هداه الله
السؤال
كيف يتعامل الشاب الملتزم حديث التوبة مع أهله، وكيف ينكر المعاصي؟
الجواب
صراحة أن هذه لا بد أن توقفنا كثيراً، فقد تجد شاباً يمن الله عليه بالهداية فيتحول مسارُ حياته إلى الهداية، ويريد أن يغيرَ بيته في نصف ساعة، وهذا خطأ، فالبيوت لا تتغير بهذه السرعة ولا المدارس والأمم.
فإن من سنة الله في الحياة أن ينمو هذا الدين شيئاً فشيئاً كالشجرة تماماً، فهل بذرت بذرة في الأرض وفي الصباح أخرجت لك شجرةً مثمرة؟! كلا! بل تبقى البذرة ثم تنشق ثم تنمو قليلاً، ثم تأتيها ريح فتصرعها والشمس والماء، ثم تقوم على سوقها، ثم تخرج أوراقها ثم ثمارها، ثم تأكل الثمار وهكذا الهداية.
فأنا أطالب الأخ بثلاثة أمور مع أهله:
الأمر الأول: أن يقدم المسائل الكبار مع أهله، فيقدم أمر الصلاة قبل أن يتكلم عن الغناء؛ فهي عمود الدين، يتكلم لهم عن هذه المسألة العظيمة التي إذا أقيمت قام أمر الدين: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
ثم يبدأ بالمسائل مسألة مسألة، كما أوصى الرسول ﵊ معاذاً عندما أرسله إلى اليمن وقال: ﴿إنك سوف تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله﴾.
الأمر الثاني: أوصيك يا شاب الإسلام بالدعوة بالتي هي أحسن؛ فتحبذ نفسك إلى أهلك، ولا تأتيهم بالأوامر وأنت عاص لهم ولا تكن فظاً غليظاً.
الأمر الثالث: أرى أنك إذا لم تستطع مباشرتهم في الدعوة أن تستخدم وسائل كالشريط الإسلامي وبعض الكتيبات، وكاستضافة بعض العلماء وطلبة العلم إذا رأيت ذلك، ثم أدعوك أن تدعو لأهلك بالاستقامة ولا تفتر عن هذا.
стр. 438
من معوقات الالتزام
السؤال
أنا أشكو من أرحامي، أريد أن ألتزم لكنهم يستهزئون بي، وكلما رأوني أطلقت لحيتي استهزءوا باللحية وقالوا: هذا تزمت.
الجواب
سبحان الله! أنا أحاكمهم إلى الشرع والعقل، وأحاكمهم إلى كل مسلم على وجه الأرض، وأحاكمهم إلى الكتاب والسنة، سبحان الله! أصبح أتباع محمد ﷺ في قفص الاتهام! أصبحوا هم أهل الملام! سبحانك هذا بهتان عظيم! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً! لا والله! فالواجب أن يرحب بهذا الشاب ويدعى له بالهداية إلى الله .
هذا الشاب الذي أطلق لحيته، وحافظ على الصلوات الخمس، وأخذ يتدبر كتاب الله ويدعو إليه على بصيرة لا يستوي مع رجل آخر خرج عن ميثاق السنة وكان متساقطاً أمام بلوى المخدرات، وترك الصلوات واستمع الأغنيات، إن بينهم بون عظيم: ﴿﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] وما لكم كيف تتصورون! وما لكم كيف تتعاملون! وما لكم كيف تحبون على هذا الأساس وعلى هذا المنطلق! فلابد من إعادة النظر.
стр. 439
الهجر الشرعي
السؤال
كم يهجر المسلم في الله؟
الجواب
المسلم إذا أخطأ خطأ شرعياً من الكبائر يهجر حتى يعود من خطئه ويتوب، وأما من أتى بينك وبينه من المسلمين من الأمور الدنيوية فثلاثة أيام: ﴿لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾ رواه مسلم.
أما اليوم الرابع فلا، والمتهاجران لا ترفع أعمالهما ولا يغفر لهما، يقول للملائكة: ﴿أنظروا هذين حتى يصطلحا﴾ أو كما ورد في الحديث.
стр. 440
التوبة من المعاصي
السؤال
رجل ارتكب معاصي كثيرة، وهو الآن يحافظ على الواجبات والمسنونات، ويذكر الله كثيراً، وقد تاب إلى الله، هل تمحى سيئاته؟
الجواب
سبحانك يا رب! من الذي يغفر الذنب إلا الله؟ ومن يعفو عن السيئات إلا الله؟ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وأريد منكم -يا أيها الأحباب- أن تزيلوا من أذهانكم -أو البعض- عقدة سوء الظن بالله؛ فقد أتاني بعض الشباب فقالوا: أنا أريد التوبة لكن لسوء عملي مع الله أظنه لا يغفر لي.
قلت: ليغفرن الله لك إذا صدقت التوبة.
قال: ذنوبي كثيرة، أكثر من الجبال.
قلت: ولو كانت ملء السماوات والأرض.
فالله يقول: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾.
стр. 441
احترام وتوقير كبار السن
السؤال
هذا الشاب يشكر كبار السن الذين يحضرون الدرس؛ وقال: لأني أتشجع بهم وأعلم أنهم، سبقوني في الإسلام وأنهم أكثر صلاة وصياماً مني، وأنا -والحمد لله- أفرح أن أرى في المجلس وفي الدرس شيخاً كبيراً شابت لحيته.
الجواب
وأنا مثله أفرح أن أرى شيخاً أمامي شابت لحيته في تقوى الله، وقار، والشيب هيبة ووقار، وحق على المسلمين أن يحترموا ثلاثة: حامل القرآن غير الجافي والغالي فيه، والسلطان المقسط العادل، وذو الشيبة المسلم: ﴿من شاب في الإسلام شيبة كانت له حسنة﴾ وقال ﷺ : ﴿إن الله ليستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام﴾ قال ﷺ : ﴿نظر إبراهيم ﵇ إلى المرآة فرأى شيبة بيضاء فقال: يا رب ما هذا البياض؟ قال: هذا وقار يا إبراهيم.
قال: اللهم زدني وقاراً﴾.
وكان الإمام أحمد لا يقوم لأحد، فإذا رأى شيخاً أقبل في لحيته شيب قام له واحترمه وقبله وأجلسه مكانه.
والحقيقة أنه واجب علينا أن نحترم كبار السن وأن نتعلم الأدب معهم وأن نقدمهم، وأنا لو أملك أن أفرغ الصف الأول والثاني لكبار السن لأني أرى بعضهم في الصف الرابع والخامس متأخراً لفعلت، وأرى أن الشباب إذا رأوا شيخاً قد شابت لحيته وهو على أمر الإسلام والسنة أرى أنه إذا دخل المجلس أن يحترموه ويقدروه وأن يقدموه في المجلس والكلام، والرسول ﷺ أتاه مجموعة من الشباب ومعهم شيخ فأراد شاب أن يتكلم، فقال ﷺ : ﴿كبر، كبر﴾ فما زلنا بخير ما دام صغيرنا يحترم كبيرنا وما دام كبيرنا يرأس ويرحم صغيرنا، وبعض الشباب يتعامل مع كبار السن كأنه يتعامل مع طلاب، وهذا لا ينبغي له ولا يجوز، فالرسول ﷺ حتى في الصلاة كان يقول: ﴿وليليني منكم أولو الأحلام والنهى﴾ أي: ليكن في الصف بعدي كبار السن والحفاظ وأهل العلم والفضل.
فالرجاء معرفة حقوق هؤلاء واحترامهم، وإهداء البشاشة وحسن الخلق معهم والعطف عليهم، حتى يقيض الله لك عند شيخوختك من يعطف عليك ويرحمك، والجزاء من جنس العمل.
стр. 442
حكم العادة السرية
السؤال
الشباب كثيراً ما يشكون من العادة السرية بالخصوص.
الجواب
هي محرمة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وهي عادة سيئة مضرة بالصحة، ومذهبة بالدين وأرى وجوب تجنبها وتحريم فعلها، وعلى العبد أن يستغفر ويتوب، وهناك بابان:
الأول: من استطاع أن يتزوج فليفعل ولا يتأخر، ولا يعتذر بالدراسة أو العمل أو الوظيفة، وسوف يجعل الله له من أمره يسراً.
والثاني: إذا لم يستطع فعليه بالصيام، وعليه بقراءة كتب أهل العلم، وتدبر القرآن وكثرة الذكر؛ حتى يسهل الله له نصيبه، إما أن يموت أو يتزوج.
стр. 443
حكم التلفظ بكلمة الكفر
السؤال
ما حكم من تلفظ بكلمة الكفر، قائلاً: إنه كفر بالله وبدينه؟
الجواب
نستغفر الله ونتوب إليه، اللهم ثبتنا على الحق: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] ﴿إِنْهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] نعوذ بالله من الشرك، الرسول ﷺ يقول: ﴿يا أبا ذر! لا تشرك بالله ولو قطعت وأحرقت﴾ فكل شيء إلا الشرك بالله، فحرام على المشرك أن يدخل الجنة، وحق له أن يعذب بالنار خالداً مخلداً فيها: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
وأعظم دعوة نافعة مفيدة نيرة نفع الله تعالى بها هي دعوة المجدد العالم محمد بن عبد الوهاب، فلله كم أسدى من جميل! ولله كم قدم من يد! أسأل الله أن يملأ قبره نوراً ورضواناً، وعسى الله أن يجمعنا به في دار الكرامة وكتابه: كتاب التوحيد عظيم، وهو قنبلة ذرية على رءوس الملاحدة والكفرة والزنادقة، وأرى أن يقرأ ويدرس وأن يعلم، وأن يكون في الجامعات والثانويات والمدارس والحلقات، فقد اعتنى بجانب التحذير من الشرك وخطره على الأمة، وصور وهيئات الشرك، وما يرد من ألفاظ وأفعال الشرك والمشركين، كلها مبينة، وفتح المجيد وقرة عيون الموحدين من أحسن شروح الكتاب.
فعلى الأخ الذي فعل هذا أن يتوب إلى الله ويدخل في الدين من جديد، لأنه قال ما قال كفر بالله وخرج من الملة، لكن التوبة ما زالت مفتوحة، فعليه أن يعود وأن يعلن إسلامه، وأن يدخل في دين الله، وسوف يقبله الله في دينه.
стр. 444
حكم من يمنع زوجته من الحجاب
السؤال
امرأة تريد التحجب وزوجها يمنعها، ماذا تعمل؟
الجواب
الرسائل التي وصلت في هذا الموضوع كثيرة فكثير من الناس يمنع زوجته من أن تتحجب، وكثير من الناس يجبر زوجته أن تتكشف أمام إخوانه، هكذا أسئلتهن، تقول: يجبرني زوجي ويخرجني بالغصب والقوة إلى المجلس لأجلس مع إخوانه.
تصوروا الإسلام وتصوروا المروءة، امرأة مؤمنة متحجبة ومتسترة لا تريد الكشف على الأجانب، تريد أن يسترها الله حية وميتة ومع ذلك يأتي الزوج بالأمر والقوة لتكشف على إخوانه وضيوفه، وأنا لا أدري كيف أرد على هذا، لكن عسى الله أن يهديه وأن يرده إلى رشده.
أما أن زوجها يأمرها أن تترك الحجاب فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، غضب أو رضي، أهم شيء رضا الله، ثم رضا الرسول ﷺ ثم النظر إلى شرع الله لا إلى شرع الناس: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
وأنا أرى أن تقنعي زوجك بالتي هي أحسن، وتقدمي له النصح، وتسألينه بالله أن يتقي الله فيك، وأن تعلميه أن الحجاب أفتى أهل العلم بوجوبه، فإذا امتنع من ذلك فلا تطيعيه، ولو اقتضى ذلك الذهاب إلى أهلك ثم هم يتدخلون في المسألة، وإذا علم الله أنك أتقيتيه جعل لكِ من كل ضيقٍ مخرجاً ومن كل همٍ فرجاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤].
стр. 445
حكم استخدام الخادمة المسيحية
السؤال
ما حكم استخدام الخادمة المسيحية؟
الجواب
لا يجوز استخدام الخادمة المسيحية، ولا أظن أن أحداً من العلماء يفتي باستخدام الخادمة إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: للضرورة في البيت؛ كأن تكون المرأة مريضة ولا تستطيع القيام بشئون البيت.
الشرط الثاني: أن تكون هذه الخادمة أو الشغالة مسلمة.
الشرط الثالث: ألا يراها أجنبي في البيت؛ لأنها أجنبية فتتحجب في مكان خاص.
فهذا للضرورة الحاسمة، مع العلم أنني أرى أنه لا خير فيهن ولا في استخدامهن ولا في إدخالهن البيوت، لكن أمام الضرورات التي يقول : ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] أما المسيحية فلا يجوز التعامل معها سواء رجل أو امرأة، لا في شركة ولا في تدريس أو هندسة أو أي منحى من مناحي الحياة.
وقد دلت على ذلك النصوص، وقد كتب أبو موسى إلى عمر ﵄، قال: [[إن عندي كاتباً نصرانياً حذقاً فطناً، فهل أستكتبه؟ قال عمر: لا تستكتبه لا نقربهم بعد أن أبعدهم الله، ولا نودهم بعد أن أبغضهم الله، ولا نكرمهم بعد أن أهانهم الله]].
стр. 446
حكم دخول طالبة مسيحية مدرسة إسلامية
السؤال
ما رأيكم في مدرسة بنات دخلت فيها طالبة مسيحية؟
الجواب
إن كانت هذه الطالبة طالبة وليست مدرسة فأرى أنه لا بأس أن تدرس ويعرض عليها الدين، فإن الرسول ﷺ قرأ القرآن على المسيحيين واليهود، وربما يكون من وسائل دعوتها أن تدعى.
ووصيتي للقائمين على هذه المدرسة أن يدعوها إلى الله، وأن يعرضوا عليها الإسلام، وأن يذكروا لها الدين المسيحي الباطل المحرف حتى تعود إلى الله وتعلن إسلامها.
وهذه من الطرق الطيبة النافعة.
أيها الإخوة الكرام: أسأل الله لنا ولكم الرشد والهداية والسداد، كما أسأله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، كما أسأله أن يتوب علينا توبة نصوحاً، ونرجو سداداً وتوفيقاً، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 447
أسرار العبقرية عند ابن تيمية
تحدث الشيخ عن أحد عمالقة الإسلام وهو الرجل العظيم شيخ الإسلام ابن تيمية، فذكر خصائصه وميزاته التي برز فيها عن سائر العلماء.
ثم تحدث عن أعدائه من الملاحدة والمبتدعة والزنادقة، وذكر أسباب عداوتهم له، ثم ختم بالإجابة عن بعض الأسئلة المفيدة.
стр. 448
البطاقة الشخصية لشيخ الإسلام ابن تيمية
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أيها الإخوة الفضلاء: عنوانُ هذه المحاضرة: أسرار العبقرية عند ابن تيمية، ضيفنا هذه الليلة هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام.
أحييك يا شيخ البطولة والفدا وأرجوك أن تأذن لنا بالتكلم
عشقنا معاني فيك جِدَ جميلةٍ وعشنا مع ذكراك في كل موسم
الليلة لن أقص عليكم حياة ابن تيمية كما يقصها أهل الترجمة، ولن أتكلم عنه كما يتكلم عنه أهل التاريخ، إنما آتي بأسرارٍ في حياته، ولعلكم تعرفون ابن تيمية.
كان ابن تيمية يحمل في قلبه وقوداً لا ينطفئ أبداً، تنطلق على هيئة براكين صاخبة مدوية، إن نفسه تمور كالريح الهوجاء التي تقتلع الشجر، وتقلب الصخور، وتزمجر في الأودية.
كان يتحدث من أعماق قلبه، فيملأ الدنيا ضجة، علَّ الدنيا أن تنصت له! علَّ التاريخ أن يصغي له! ويقف كالجبل يتحدى أوهام الموت الموهومة التي بثها الناس في قلوب الناس، يتحدى التقليد والرجعية البائسة، فهو يعيش الانفتاح بكل معانيه -أو سمه أنت البروستريكا- الانفتاح على النور الخالد الذي أرسله في العالم رسول الهدى ﵊، يتحدى ابن تيمية المراسيم المتخلفة التي درج عليها بعض الفقهاء.
عاش ابن تيمية يعلو كالنجم، ويسطع كالفجر، يهدر كالسيل، لا للشرك، ولا لصرف القلوب عن باريها، ولا للإقطاع، ولا للديكتاتورية البشر، ولا للنفاق والعمالة أو لحصر الإسلام في الزوايا.
عاش الشيخ المعجزة -صاحبنا هذه الليلة- على المنبر خطيباً، وفي الميدان مجاهداً، وفي السجن أسداً محبوساً، وفي الدنيا عبقرياً، وفي التاريخ عظيماً.
صوته يكاد يخلع أرواح الجبابرة، إن قلب ابن تيمية يضرب ضرباتٍ سريعة؛ تخفق لضرباته القلوب.
إن كلماته قذائف تفجر الصخور.
قال جولد زيهر: "وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض فجر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن".
إن ابن تيمية أتى عالماً جديداً في عالم قديم، إنه مشغولٌ بالتاريخ والتاريخ مشغولٌ به، كأن التاريخ واقفاً مع ابن تيمية، يلاحظ التاريخ حركات ابن تيمية: جاء ابن تيمية، خرج ابن تيمية، جلس ابن تيمية، وقف ابن تيمية، وكأنه يقول: يعيش ابن تيمية يعيش يعيش يعيش.
هذا ملخص بطاقة ابن تيمية الشخصية، ونعبر بكم مع فضيلة شيخ الإسلام حيَّاه الله وبياه!
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام كان أبوه نجماً، وجده قمراً، وهو شمساً: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢] كان شمساً لكنها تصهر رءوس الملاحدة! ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف:١٧] وكان قمراً ولكنه بديع يستأنس به أحبابه.
стр. 449
أسباب عظمة شيخ الإسلام ومميزاته
هنا سؤال يطرح نفسه: ما هي أسباب عظمته؟
أولاً: اسمع لهذه الأسباب التي جعلته عظيماً في الناس، ومثلاً في التاريخ، وشيئاً كأنه أسطورة في عالم العلم، والتضحية والفداء، والعبقرية.
وأنا لا أقص هذه القصص لنتزود من المعلومات لتصبح أذهاننا سلة مهملات، بل ليكون الواحد منا ابن تيمية مصغراً، وليكون كلٌ منا ابن تيمية في بيته، وابن تيمية في حارته، وابن تيمية في قريته، وابن تيمية في مدينته، وابن تيمية في بلاده، فأقول ما هي أسباب عظمة هذا الرجل الداهية؟
وقد ولد شيخ الإسلام سنة ٦٦١هـ، وتوفي ٧٢٨هـ.
стр. 450
إخلاصه لله وتجرده
أولاً: إخلاصه لله وتجرده؛ فقد قدم نفسه وروحه ووقته لله رب العالمين مخلصاً له الدين: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] فأغضب الناس في رضا الله؛ فرضي الله عليه، وأرضى عليه الناس.
شيع جنازته ما يقارب من مليون ونصف مسلم، وخرج من النساء على أسقف المنازل ستون ألف امرأة يبكين ويندبن شيخ الإسلام.
وقف شيخ الإسلام لله، يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، عرض عليه المنصب، قال: لا.
لماذا؟ المنصب سوف يعطلني عن دعوتي، عرضت عليه الأموال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فقال: لا.
لأنها سوف تعطلني عن قول (لا إله إلا الله).
عرضت عليه الشهرة وأن يجعل من نفسه محبوب الجماهير.
قال: لا.
لأن الجماهير لا يرضيها ما يرضي الله، فأنا أرضي الله أولاً والجماهير لا شأن لي برضاها:
إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بين وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ
عاش متجرداً: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ كان لا يبالي بأحد، يقول كلمة الحق صادقة قوية؛ لأنه مخلص: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: ﴿من أشرك معي في عملٍ تركته وشركه﴾ وعند ابن حبان: ﴿من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله، رضي الله عليه وأرضى عليه الناس﴾ عاش والله في قلبه، محبةً وتلاوةً وتسبيحاً، وتكبيراً، وجهاداً، المهم عنده أن ترتفع كلمة لا إله إلا الله، ولا بد من إعادة لا إله إلا الله قوية.
هذا ملخص الميزة الأولى لـ ابن تيمية، وقد افتقدها كثير من الناس.
إن كثيراً من الناس يريد أن يرضي المنصب، ويرضي السيارة، ويرضي الزوجة، ويرضي الجمهور، ويرضي ما يطلبه المستمعون.
لكن ابن تيمية إنما يرضي الله أولاً أما غيره فلا.
وأنا أدخل بكم في مسارات وفي دخلات قليلة، ثم أعود إلى أصول المحاضرة.
لم يتزوج ابن تيمية؛ تزوج الدعوة فأنجب عشرة أبناء:
أولها: الجهاد في سبيل الله.
وثانيها: أنتم يا شباب الصحوة؛ فأنتم أبناء شيخ الإسلام وهي بشرى سارة.
ثالثها: أنجب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي بلغت زنجبار وأندونيسيا.
رابعها: أنجب المؤلفات التي تكسر ظهور الحمير من البشر والحمير من الحيوانات.
خامسها: أنجب تجديداً للأمة؛ جدد مسار الأمة، وأخرجها إلى عالم الانفتاح.
سادسها: رد عقل الأمة إلى الدليل، إلى قال الله وقال رسوله ﵊.
سابعاً: علم الناس الجهاد في سبيل الله، وكيف تموت النفوس وهي مقربة في ذات الله.
دخلوا عليه وهو مريض فقالوا: ماذا تشتكي؟ قال: لا أخبر أحداً، ثم ردد قائلاً:
تموت النفوس بأوصابها ولم يدرِ عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها
ثامناً: اكتسح الحلف الابتداعي كله؛ اكتسح الملاحدة والحلولية والاتحادية والجهمية المعطلة والصوفية والمعتزلة والنصيرية والأشاعرة:
تقدم شاعراً فيهم خطيباً ولولاه لما ركبوا وراءه
تاسعاً: وقف ابن تيمية في الضمائر وما مات؛ مات جسمه ومات لحمه ودمه، ولكنه معنا هذه الليلة نحييه ونرحب به، وقد ألف فيه أكثر من ثمانين كاتب من المستشرقين والإنجليز والأمريكان والعرب.
عاشراً: وترك ابن تيمية لنا كلمة واحدة أن من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، وأن من جاهد لبطنه ولوظيفته ولسيارته فسوف يموت وينتهي ولا يبقى له أثر في الأرض: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
стр. 451
الذكاء المفرط والذاكرة المتوقدة عند شيخ الإسلام
الثاني: ذكاؤه المفرط، وذاكرته المتوقدة:
رزقه الله موهبة!، يذكر عنه الذهبي أن عينيه كأنهما لسانان ناطقان، يخاف أن تتكلم.
ويقول فيه أحد الشعراء اليمنيين:
وقاد ذهن إذا سالت قريحته يكاد يخشى عليه من تلهبه
يقول: أي من شدة ذكائه يخشى عليه أن يحترق يوماً من الأيام في ثيابه من كثرة توقده، إذا كانت عيناه تكادان تحدثانك؛ فكيف بقلبه الداخلي؟!
أما توقده وذكاؤه فحدث عنه ولا حرج، وقد ذكر أبو الحسن الندوي نقلاً عن العلماء كـ البرزالي قال: إنه ما سمع شيئاً إلا حفظه، وكان ذكياً كثير المحفوظ.
انظر الرد الوافر (ص٦٦).
يقول ابن تيمية: ما قرأت مجلداً إلا انتقش في ذهني من مرة واحدة، أي: يأخذ الكتاب ويفتحه من دفعة واحدة ينتقش في ذهنه، وقرأ كتاب سيبويه الذي لا يقرؤه إلا العلماء، فأخرج منه ثمانين خطأً!
وكان يحفظ كتاب الله كحفظ الفاتحة ولا يتلعثم في آية، أما الحديث النبوي فجعله في ذاكرته هنا في آخر مخه في خانة الأحاديث، وأصول الفقه جعلها في مخه في قسم أصول الفقه، والتفسير، فكان إذا استدعى المعلومة في مجلس الذكر أو مجلس الدرس، قال لذهنه: أريد الحديث الذي أخرجه أحمد بسند جيد يحضر الآن فلا يعود إلى كتبه إنما يتدفق.
قال ابن القيم: وكان شيخنا إذا صلى الفجر ذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم اعتكف وأخذ الكراريس وجرد القلم، وأخذ يكتب بلا مراجع وبلا كتب، ولا يعود إلى مصادر حتى يأتي الظهر وقد عبأ كراريس لا يفهمها إلا العلماء.
ومن ذاكرته المتوقدة -كما ذكروا عنه- أنه كان يجلس بعد صلاة العصر، فيجتمع في جامع بني أمية -الجامع الأموي في دمشق - العلماء، والفقهاء، وعلماء الأصول، والمحدثون، والفلاسفة، والأصوليون، والمناطقة، والقضاة فيغلق عينيه.
وكان من طريقته إذا تحدث أن يغلق عينيه، إذا بدأ يتحدث أغلق عينيه تماماً ولا يفتحها إلا قبل المغرب، يقولون: فيتكلم ويهدر كالسيل، ولا يستطيع أحد أن يمنعه أبداً أو يسكته، ويستفيد منه كل المجموعات، بعضهم يدرك ما قال، وبعضهم لا يدرك ما قال:
وكلامه السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن أوجزته ود المحدث أنه لم يوجز
رآه ابن دقيق العيد وقال: "ما أظن أن الله يخلق مثله! " فغضب ابن تيمية وقال:
أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي
يقول: أنا ضعيف وفقير، وأبي وجدي ضعفاء وفقراء، ويقول: ما عندي شيء، ولا مني شيء، ولا لي شيء.
وقال الذهبي: "لو أقسمت بين الركن والمقام أني ما رأيت مثله ولا رأى مثله لصدقت ولبررت" وصدق فلم ير مثله، وما رأى هو مثل نفسه، وما رأى الناس مثله.
وقال ابن الزملكاني وهو فقيه شافعي من أعدائه: "ما أتى قبل خمسمائة عام مثله" من خمسمائة عام قبل ابن تيمية الذي توفي عام ٧٢٨هـ لم يأت مثله.
وأنا أقول من جامع أبي بكر الصديق بـ أبها: لم يأت من عهد ابن تيمية إلى الآن مثل ابن تيمية وأتحداكم، الآن أن تخرجوا لي عالماً، أو داعية، أو مثقفاً، أو أديباً، أو مفكراً في الهند أو في الصين أو في تايلاند أو في بولندا أو في الجزيرة أو في الكويت أو في الإمارات أتى مثل ابن تيمية!! لا يوجد أبداً!
وهذه كتب التاريخ بيننا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
стр. 452
شيخ الإسلام والتبحر العلمي والجامعية
ثالثاً: التبحر العلمي والجامعية:
لم يكن متخصصاً في قسم أصول الدين، أو قسم السنة، كما هو حالنا اليوم، أدخلوا التخصص داخل تخصص، أخرج الجمل خروفاً، والخروف قطاً، والقط فأراً!
قالوا: جامعة الشريعة ومنها أصول الدين ومن أصول الدين قسم السنة ومن قسم السنة الحديث، ومن الحديث المصطلح، ومن المصطلح المدرج.
هذا ابن تيمية لا يعترف بهذا؛ عالم بالحديث بدرجة ممتاز، وفيلسوف من الدرجة الأولى لكن على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وقرآنيٌ فريد، ومفسر، ويعرف الواقع، وعلَّامة في الفقه بدرجة مجتهد مطلق.
ويقولون عنه -وهي من النقاط التي أخذت عليه- أنه يتسيب إذا أخذ يتكلم.
أي: يتفجر فلا يضبط المسألة، وأنت إذا طالعت مجلداته أحياناً تجده إذا دخل في مسألة دخل في علم الكلام، ثم خرج إلى أصول الفقه، ثم إلى الحديث، ثم إلى التاريخ، طالعوا الفتاوى يُسأل عن المسح على الخفين فيتذكر مسألة فيستطرد، ثم مسألة فيستطرد، حتى يكتب لك سبعين صفحة، وهذه -يقولون- مما أخذ على ابن تيمية، لأنه يتفجر، حتى يقول أحد الباحثين العصريين من الدكاترة يقول: "عقله فياض ما استطاع أن يتحكم في جهازه العقلي" أي: عليه ضغط من المعلومات يريد أن يخرجها بكل وسيلة.
وقال: "كان يتدفق كالسيل حتى ما يدري الناس ماذا يريد أن يقول بالضبط" أي: ما هي المسألة التي يريد أن يضبطها تماماً لكثرة معلوماته.
وجامعيته تأتي من علومه التي أحاط بها فهو عالم بالكتاب والسنة، وعالم بالواقع، وسوف آتي إلى هذه المسألة بالتفصيل والتنصيص إن شاء الله.
يسأل عن الإسكندر، يقول له السائل: من هو الإسكندر؟ - الإسكندر من يأتي بالإسكندر الآن؟! قال: " الإسكندر اثنان؛ الإسكندر المقدوني والإسكندر بن فيلبس وابن فيلبس ولد قبل الميلاد ٦٦٢سنة" ثم سرد لك عشر صفحات في الإسكندر المقدوني وعشراً في الإسكندر بن فيلبس.
يسأل عن قصص خزعبلات في الواقع فيفصلها تفصيلاً: في الملل والنحل، والفقه، والحديث، والتوحيد، والتفسير، وعلم الرجال، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والتربية، والسلوك لا أقولها والله عاطفة، لكن أحاكمكم إلى كتبه وإلى تراثه.
الشيخ متبحر علمياً ولم نسمع بمثله في العلم أبداً، أما في التفسير فسموه ترجمان القرآن، وأما في الحديث فقالوا: الحديث الذي لا يحفظه ابن تيمية فليس بحديث، وأما في علم الرجال فكان يعرف الرجال كأن الله عرضهم له، أيضاً كان يتكلم عن الفرق والطوائف ما استطاع.
стр. 453
الشجاعة والاستقلال الفكري عند شيخ الإسلام
رابعاً: الشجاعة والاستقلال الفكري:
المعلومات لا تنفع صاحبها حتى يؤديها بشجاعة، وحفظك للصحيحين لا ينفعك إذا كنت تخاف من القط، والذي دائماً يتوجس من النار لا يستطيع أن يبلغ كلمته بقوة وبحرارة وبهدوء في نفس الوقت.
وكان ابن تيمية يمتلك هذه المواهب، كان عنده علم، وكان عنده -أيضاً- قلب كقلب الأسد، يدخل على الناصر قلاوون؛ هذا الناصر قلاوون تدرون، يقول: إذا التفت هكذا في اليمين خفض الوزراء رءوسهم -الموت الأحمر- الناصر قلاوون يدوس الملوك، كان ملك مصر وملك الشام، وكان ينظر شزراً وما ابتسم منذ خمسين سنة، لا يعرف الابتسامة، استدعى ابن تيمية وقد سجنه أولاً في دمشق، واستدعاه في الإسكندرية ليحاكمه، وأخذ ابن تيمية أكفانه تحت ثوبه، ودخل عليه متطيباً متوضئاً، فجلس أمام الناصر قلاوون والسيوف مسلولة، تنتظر رأس ابن تيمية لتقطفه كقطف الزهرة، من يدافع عن ابن تيمية وليس أحد إلا الله؟! فجلس ابن تيمية على ركبه، فقال: تكلم.
قال: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله.
قال الناصر: ما أرسلنا لك لتخطب علينا.
قال: اسكت! فسكته، ثم اندفع يتكلم بقال الله وقال الرسول، وكاد هذا الناصر يتميز غيظاً، فأخذ يرتعد ويرتعد ويرتعد، وأخذ الناس يجلسون، وأخذ الوزراء يرفعون ثيابهم خوفاً من دم ابن تيمية.
قال: ماذا جئت له؟ قال أولاً: أبطل المكوس التي جعلتها على الأمة -أخذ أموال الأمة ظلماً، والمكوس هي الضرائب والجمارك- أبطلها الآن، قال: سمعاً وطاعة! ثانياً: أخرج الأسارى الذين عندك من المسلمين.
قال: سمعاً وطاعة! فخرج، ثم قالوا الناصر: كيف وجدته؟ قال: كاد يخلع قلبي! "
وهذه هي الاستقلالية التي يعرفها ابن تيمية.
دخل على ابن قطلوبك وهو سلطان الشام ووقف أمامه قائلاً: "يا ابن قطلوبك الآن اخرج قاتل التتار؟ قال: يا ابن تيمية لا نستطيع فالتتار اجتاحوا العالم الإسلامي، خرجوا من شمال الصين حتى وصلوا إلى إيران ثم الشام بشر لا يعرفون شيئاً، الثور ترده أما هو فلا يرتد، يمكن أنه تحبس الثور لكن التتري المغولي لا يرتد، يشربون الماء من البحيرات، يأكلون الجراد، يقطفون الشجر ويأكلونه، ويدوسون الأطفال، جاءوا من سيبيريا مثل زحف الجراد، فدمروا بغداد ووصلوا إلى دمشق، فأتى ابن تيمية، ودخل على السلطان، وقال: الآن أعلن حالة الاستنفار -والسلطان ضعيف- قال: لا أستطيع.
قال: تخرج تعلن.
قال: أخاف أن نغلب.
قال: والله لتنتصرن، قال: قل إن شاء الله.
قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، وخرج ابن تيمية يقود الجيش، وأخذ الكأس يوم الجمعة في ١٧ في دمشق أمام الناس الألوف المؤلفة فقال: "اشربوا باسم الله، أفطروا في رمضان فأنتم تجاهدون العدو" فأفطروا وقاتلوا وانتصروا.
والشجاعة والاستقلال الفكري هي أن تقول للمخطئ: أخطأت، ولكنه يراهن برأسه، يرفع عمامته ينتظر متى يقطع رأسه بين الفينة والأخرى؛ لأن ابن تيمية ليس عنده أطفال في البيت، ولا عنده زوجة تنتظره، ولا عنده جماهير، ولكنه يريد جنة عرضها السموات والأرض:
وليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
يقول سراج الدين في العقود الدرية: "وكان إذا ركب الخيل يجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، وينكل العدو من كثرة الفتك بهم، ويخوض بهم خوض رجل لا يخاف الموت"
أتى غازان -ابن قائد المغول (التتار) هولاكو الذين اجتاحوا العالم الإسلامي- فنزل قريباً من دمشق، فجاء ابن تيمية لأصحابه في دمشق، قال: "تخرجون معي أكلم ملك التتار؟ قالوا: لا تعرض دماءنا يا بن تيمية للسفك.
الله الله يا بن تيمية، قال: أهدأ إن شاء الله -أي: أخذوا عليه موثقاً أن يهدأ- فخرج معه ثلاثمائة من المسلمين الصالحين العلماء، لكن العلماء يصبحون عنده تلامذة:
فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ولما وصل إلى غازان، أخذ يحدثه عن الظلم، وعن الفتك، ويقول: "أنت ظالم، أبوك كان خيراً منك، مع أنه كان كافراً وأنت مسلم لكنه ما فعل بالمسلمين مثل ما فعلت.
فأخذ الناس يتكفكفون عن الدماء، وبعدما انتهوا، قال العلماء: والله لا نرافقك بعدها ولا نصاحبك، كدت تقدم رءوسنا" -كما روى ابن كثير - وعودوا إلى كتابه البداية والنهاية.
قالوا: والله لا نرافقك، فأتوا من طريق، وأتى وحده من طريق، فلقي أصحابه من العلماء لصوصاً في الطريق فشلحوهم، وهو نجا بإذن الله، واستقبلته دمشق تحييه عن بكرة أبيها، استقبال الفاتحين.
стр. 454
شيخ الإسلام وروح التجديد التي صاحبته
خامساً: روح التجديد التي صاحبته:
عاش ابن تيمية مجدداً، وقضية: ابق على القديم ولا تخالف الناس، لا يعترف بها ابن تيمية، بل يريد أن يرد الأمة إلى كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، وقد عاش التجديد بكل معانيه.
كان هناك ابن عربي ومعه فرقة من الاتحادية والحلولية.
وكان هناك صوفية لا يعرفون من الدين إلا تنتنة في الزوايا، هؤلاء ألغاهم من الحسبان، بل قال لهم: الإسلام ليس هذا.
أيضاً المعتزلة؛ قدموا عقولهم على النص، فقال أخطأتم.
أتى إلى الأشاعرة الذين أولو بعض الصفات، فقال لهم: أخطأتم.
أتى إلى النصيرية الذين كفروا بالواحد الأحد، فقال لهم: أخطأتم، وهاجمهم.
أتى إلى المناطقة؛ وقال: أخطأتم استدلالكم ليس بصحيح.
أتى إلى الفقهاء، الذين لا يخرجون قيد أنملة عن المذهب ولو خالف الدليل، فقال لهم: أخطأتم.
يقول أحد العلماء من العصريين من الأدباء: "كان صف المعارضة رهيباً" لكن ابن تيمية أسقطهم جميعاً بإذن الله؛ لأن الله معه، فقد كان صادقاً.
فقضية التجديد عاشها ﵁ وأرضاه- في مسألة رد الناس إلى قال الله وقال رسوله ﵊، فأثبت عقيدة أهل السنة والجماعة عند الفرق المخالفة، وأثبت التمسك بالدليل عند أهل الفقه الجامدين على المذهب، وأثبت السلوك الشرعي الذي أتى به ﵊ عند الصوفية، وأثبت التوحيد الخالص عند النصيرية والجهمية المعطلة، وأثبت الكتاب والسنة بكل معانيها عند المناطقة وأهل الكلام؛ ورد عليهم بقوة.
стр. 455
معرفته بمقاصد الشريعة الربانية
سادساً: معرفته بمقاصد الشريعة الربانية:
الصيرفي الذي يبيع الذهب سنوات يعرف الزائف من الصحيح، والبهرج من الطيب، حتى إذا أعطيته عملة من الذهب.
قال: هذا ليس بذهب، هذا زائف.
ابن تيمية يعرف الشريعة مثلما يعرف بائع الذهب سلعته، ومثل صاحب الإبل الذي عاش معها ثلاثين سنة يعرف أن هذه إبله وهذه ليست بإبله.
وهكذا يعرف ابن تيمية مقاصد الشريعة.
يتكلم في مسألة الوضوء وفي ذهنه مقاصد الشريعة، يتكلم عن الآخرة وفي ذهنه مقاصد الشريعة، عن الأخلاق وفي ذهنه مقاصد الشريعة.
وهذه ميزة افتقدها كثير من العلماء، فهم يتكلمون عن جزئيات لكن ليس في أذهانهم كليات من مقاصد الشريعة؛ مثل حماية العرض، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، والدين؛ هذه مقاصد من مقاصدها الكبرى.
أو من مقاصدها: التيسير على الناس، ورفع الحرج، أو من مقاصدها: إنقاذ الإنسان من الولاء لغير الله، والكينونة والعبودية لغير الله.
أو من مقاصدها: إسعاد الناس في حياتهم.
هذه لا تغيب عن ابن تيمية أبداً.
стр. 456
شيخ الإسلام وعلمه بالنصوص الشرعية ومعرفته بالواقع
ومن مواصفات شيخ الإسلام؛ أنه عالم بالشريعة، وعالم بالواقع:
عنده علم الكتاب والسنة، وكل الأحاديث والقرآن في ذهنه، وله معرفة كبيرة بواقعه الذي يعيش فيه.
لم يجلس ابن تيمية في غرفة ويغلق عليه بابها، ولم يجلس تحت المكيف ليرسل لنا كتيبات وأشرطة في المجتمع، لا.
كان يخالط الناس، ويعرف ما يدور في المجتمع، وما يدور في العالم في الشرق والغرب.
ومن الأدلة على ذلك أنه لما سئل عن ابن تومرت؛ وابن تومرت عاش في المغرب، فأجاب عنه بكتيب، وكذلك تحدث عن القونوي وابن عربي وابن سبعين، والطوائف، والملل والنحل، والدول والشعوب، وما خطر وما سار في العالم، يقرؤها قراءة تامة؛ وهذه تسمى علم الواقع الذي نعيشه.
فطالب العلم لا يكون حافظاً للصحيحين صحيح البخاري وصحيح مسلم فقط، ولا يعرف ما يدور في الصحف والمجلات والجرائد، ولا يعرف ماذا في المجتمع، ولا يعرف ما هي الصراعات التي يعيشها الناس، ولا يعرف ما هي المسائل التي يريد أن يتحدث بها في الناس.
أما ابن تيمية فأجاد العلمين والفنين على حد سواء.
والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام:
قسم منهم: يعرف الكتاب والسنة، لكنه يعيش مع الترمذي، فهو معنا بجسمه، لكنه مع الترمذي -ورحم الله الترمذي - فلا يدري عن الواقع شيئاً! وهذا خطأ.
وقسم ثانٍ: يعرف الواقع، لكن لا يعرف من الكتاب والسنة شيئاً، فهو عالم بالواقع، يقرأ الصحف، والجرائد، حتى أطروحات الواقع يعرفها لكن لا يعرف الكتاب والسنة؛ وهذا نقص.
والْكُمَّلُ كـ ابن تيمية يعلمون الكتاب والسنة، ويعلمون الواقع.
стр. 457
تعدد جهاد شيخ الإسلام وبذله على كافة الجبهات
ثامناً: تعدد جهاده وبذله على كافة الجبهات:
هو ليس مفتياً فقط، ولا خطيباً فحسب، وليس واعظاً فقط، ولا مجاهداً فحسب، وليس آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر فحسب؛ بل هذه كلها فيه وزيادة، فهو يضرب في كل غنيمة بسهم:
محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة القلوب
وتجد بعض المسلمين متكاسلين الآن إذا طلبت منه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال: أنا لست موظفاً في الهيئة، سبحان الله! ما هذا السوء؟! ما هذا الكلال واحتقار النفس؟! وما هذا الانهزام والتخلف عن معاني استكمال الشخصية الإسلامية التي يريدها الله من العبد؟!
مجاهد، عابد، آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر؛ هذه من ميزات ابن تيمية، ولذلك استولى على كثير من الجبهات وكأنه التاريخ.
وأرجوكم مطالعة الجزء الرابع عشر من البداية والنهاية فسوف تجدون ابن كثير نسي نفسه، ونسي الملوك، ونسي الدول والسلاطين والوزراء، وانتقل مباشرة إلى ابن تيمية كأن التأريخ ابن تيمية؛ دخلت سنة كذا وكذا، وكان ابن تيمية في جبل كسروان، دخلت سنة كذا وكذا وكان ابن تيمية في السجن؛ فأصبح ابن تيمية هو التاريخ لكثرة وتعدد جبهاته واختصاصاته وهكذا يكون المؤمن كـ أبي بكر الصديق باذلاً، ومجاهداً، ومعلماً، ومنفقاً، وصبوراً، وصدوقاً، ومحسناً، وغيرها من صفات الخير.
стр. 458
الحيوية المتوهجة في كلماته وكتاباته
تاسعاً: الحيوية المتوهجة مع أنفاسه وكتاباته وكلماته:
لم يكتب ببرود، بعض الناس إذا قرأت له تنعس ويأتيك النوم؛ لأنه كتبه من قلب نعسان، كتبه وهو ينعس، فتقرأ كتاباته ميتة، تميتك وأنت جالس، ويتكلم لك ببرود كأنه لا يعنيه، مثل بعض الناس الذي يتكلم عن الإسلام وهو لا يحمل الإسلام في قلبه، تجده يأتي بعموميات، ولذلك لا يجعل الله لكتاباته قبولاً، يكتب عن إصلاحات الإسلام، وعن الخير فيه، وعن كراماته، ولكن كلماته ميتة، إن الكلمات إذا خرجت من قلب ميت ماتت قبل أن تصل آذان الناس، وإن الكلمات الحية تخرج حية مدوية من القلوب وتحيا في قلوب الناس؛ وهذه ككلمات ابن تيمية تماماً تحيا، لماذا؟ لأنه يرسلها من قلبه، ويدفعها من روحه، كان الإسلام قضيته هو، وأكبر قضية عنده نصر الإسلام، حتى سجن مرات عديدة، وفي السجن كتب لأمه رسالة، وأمه كانت في حران، وهو في دمشق، وكتبه كانت مع أمه في دمشق، وسجن في الإسكندرية مرة ثانية:
بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
كتب لأمه، قال: "بسم الله الرحمن الرحيم -بعد سلام طويل وكلام- فوالله ما تركنا المجيء إليكم وزيارتكم إلا لأمور كبار، يتعين علينا الوقوف معها، ولو أن الطيور تحملنا لسرنا إليكم"
وأنا كنت أعلق بشيء من الدعابة، أقول: لو قال شيخ الإسلام لطرنا إليكم أحسن من سرنا إليكم.
يقول: ليت الطيور تحملنا إليكم، لكن يستأذن أمه، يقول: سامحيني على بقائي هنا، لأن عندي أموراً كباراً، كالجهاد، وأمور الأمة الإسلامية، وبث الوعي العام، واستنقاذ الهمم، وتحرير العقول، فيقول: يا أماه! أنا قصرت في الزيارة فالسماح السماح.
ثم يصف لها ماذا يجد في السجن من سعادة والتجاء إلى الله، قرأ في سجنه في سنة واحدة ثلاثاً وثمانين ختمة للقرآن، ويقول: "إن في الدنيا جنة من لا يدخلها لا يدخل جنة الآخرة"
وأدخلوه السجن، فأتى السجَّان -جزاه الله أفضل ما جزى سجَّاناً عن ابن تيمية - ففتح له الدروازة، ولما دخل ابن تيمية ضرب بالباب وراءه وتلاميذه وراء الباب، فابتسم ابن تيمية، كما يبتسم الأسد؛ والأسد لا يبتسم:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فتبسم ابن تيمية ونظر إلى السجان وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ثم تبسم مرة ثانية، وأطلقت كلمات من روحه، فقال: "ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة" ماذا يفعلون، عندي ممتلكات فليأخذوها، عندي غرفة بجامع دمشق فيها ثوبان له؛ ثوب للصلوات العادية، وثوب لصلاة الجمعة، وكان يتغدى بخبزة واحدة مع خيارتين، ويأكل اللحم في الأسبوع مرة، ولا عنده زوجة، بلغ ٦٣ سنة وما تزوج؛ ربما لسبب عنده، أو لأنه مشغول، لكن السنة سنة محمد ﷺ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] وربما كان لـ ابن تيمية عذره فالله أعلم، فيقول:
على الدنيا العفاء فما لشيخٍ كبير الجسم في الدنيا قرار
ويقول:
عفاءٌ على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج
كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج
هذا ابن تيمية، في مسألة الحيوية.
وأنا أطلب من إخوتي وزملائي وأحبابي أن يكونوا مكتبة لـ ابن تيمية، وأن يقرءوا له كثيراً كثيراً.
أحد الفلاسفة قدم من بلد من البلاد، وكان عدواً لـ ابن تيمية، فأخذ يقرأ لـ ابن تيمية -وهذا كان فيلسوفاً ومعه دكتوراة في المنطق- فلما قرأ لـ ابن تيمية ما يقارب أسبوعاً، قال: " ابن تيمية شيء ثانٍ " أي أنه: مذهل ليس بعادي، وبعدها أصبح من أنصار ابن تيمية، وألف عن ابن تيمية رسالة.
فأنا أطالبكم بالعودة إلى كتب ابن تيمية، والتكثير من القراءة له حتى تكونوا عقلية جبارة تفهم الإسلام، كما فهمه شيخ الإسلام وليس هو بمعصوم.
стр. 459
شيخ الإسلام وأسلوبه السهل
عاشراً: أسلوبه سهلٌ ممتنع، والرجل سهلٌ ممتنع، وهو قريب ولكنه متفوق:
يعني: يكلمك بأسلوب عادي قد يفهمه الأطفال، لكن لا يستطيع له إلا العلماء، ومن ميزته أنه يحافظ على مقاصد الشريعة، وكليات الدين، ثم لا تجد في كلامه ما تنتقصه -وليس بمعصوم- وأحياناً إذا أراد أن يغوص بك تركك وأنت تقرأ حتى لا تدري أنت في بيتك أو في مدغشقر وأحياناً إذا أراد أن يلف عليك لفات دخل بك في علم المنطق وضيعك، أنت في الصفحة السابعة وقد بلغ العشرين، ثم يعود لك بأسلوب سهل، ثم يفر أحياناً؛ وهذه كما قيل:
"يسطع يسطع كالنجم، ويلمع يلمع كالفجر، ويهدر يهدر كالسيل".
стр. 460
شيخ الإسلام ودرجة الاجتهاد المطلق
الحادي عشر: المجتهد المطلق.
خرج عن الأئمة الأربعة في كثير من المسائل، خرج عن أحمد ومالك الشافعي وأبي حنيفة، أي: خالف الأربعة في كثير من المسائل، واتفق الأربعة على مسائل ليست بإجماع بل اتفاق فخرج هو عن الجميع، أتى علماء الحنابلة والأحناف والشافعية والمالكية، وقالوا: ويلك! كيف تخرج؟! قال: أخرج وعندي الدليل.
يجادله ابن الزملكاني من الشافعية فيتغلب على ابن الزملكاني كأنه متخصص في مذهب الشافعي، ويأتي عالم الأحناف فيغلبه، وعالم المالكية، وعالم الحنابلة.
وابن تيمية أسس فكره الأول على مذهب الحنابلة، ولكنه لا يتقيد بذلك ولو أن أصوله حنبلية، فهو يخرج عن المذهب كثيراً، ويتعبد الله عزوجل بالدليل من الكتاب والسنة.
فكلمة أنه حنبلي فيها ما فيها، فلا يتعصب الآن رجل يأتي ويأخذ ابن تيمية في رأسه، ويجعله في كيس الحنابلة، ويقول: صاحبنا! ليس بصاحبكم، بل ابن تيمية صاحب الحنابلة، وصاحب المالكية، وصاحب الأحناف، وصاحب الشافعية.
следующие страницы →