Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.
стр. 4516
مكان سكن الشياطين, وكيفية صورتهم
السؤال
ما هو الشيطان؟ وكم عددهم؟ وأين يسكنون؟ وكيف صورتهم؟ وهل يموتون؟
الجواب
الشيطان: هو من الجن وهو الذي يغوي، وقد ذكرنا في الفاتحة اسم الشيطان.
كم عددهم: ما أحصيناهم.
يسكنون: في الأرض وتحت الأرض، وهم يتصورن بصور, وقد يأتون بصورة الثعالب والحيات والثعابين والقطط، ولهم تصرف في أهل القلوب الضعيفة التي والت الشيطان والمعاصي، وهم يأتون في المذابح والقاذورات والحمام كما ذكر ﷺ .
ويُطردون بالطهارة والأذكار الشرعية، وقد رآهم كثير من الناس في أشخاصهم.
وقد ذكروا عن عمر: أنه رأى عفريتاً منهم فصارعه عمر فصرعه ثلاث مرات، قال عمر: [[أأنت من أقواهم؟ قال: لقد علمت الجن أني من أقواهم]] فـ عمر صرعه فما كانت الشياطين تسلك فج عمر ولا طريقه، بل كانت تأتي من طريق آخر.
وقد تأتي في صورة الحيات وهي كثيرة وتدخل في البيوت, والحيات جان وقد أخبر ﷺ أن على من وجد حية أو ثعباناً في بيته ألا يقتله حتى يؤذنه ثلاثاً: يقول للحية أو الثعبان في البيت: أحرج عليك أن تخرج من بيتي، أحرج عليك أن تخرج من بيتي، أحرج عليك أن تخرج من بيتي، فإن خرج فبها ونعمت وإلا فاقتله، فيجعل الله لك سلطاناً عليه.
أما إن قتلته قبل أن تحرج عليه فإنه لا يؤمن أن ينتقم منك أو من أبنائك أو يؤذيك أو تؤذيك قرابته لأن لهم قرابات.
وفي الصحيح عن أبي سعيد قال: ﴿دخل رجل من الأنصار من معركة أحد إلى بيته فرأى حية فتناولها بالرمح فقتلها فعاد الباقي عليه فقتلوه, فأُخبر ﷺ فقال للصحابة: أما أخبرتكم ألا تؤذوها؟﴾ أو كما يقول ﵊.
والشياطين يضرون وفيهم فسقة وكفرة، ومسلمون: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:١٤] وهم يتلبسون ببني آدم ولاشك في ذلك، وقد دلت الأحاديث والآيات على ذلك: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقد عالج ﷺ منهم فنعوذ بالله منهم، لكن من يعوِّد أبناءه على قراءة آية الكرسي والمعوذات والفاتحة ويعلمهم الأذكار لا يمسونه أبداً، لكن الذين يعلمونهم أغنيات كوكب الشرق، وهذه الأغاني يدخلون إلى المخ.
стр. 4517
هل يُسْلِم الشياطين ؟
السؤال
الشيطان الذي مع الرسول ﷺ أسلم، فهل تسلم الشياطين؟ وهل يقبل إسلامهم؟
الجواب
﴿ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ [الجن:١٤] فمنهم المسلمون, فالله أعان رسوله على شيطانه فأسلم ولا يأمره إلا بخير.
стр. 4518
إبليس ليس بملك
السؤال
هل كان إبليس من الملائكة أم ماذا؟
الجواب
الصحيح أنه لم يكن من الملائكة وإنما كان من الجن كما قال : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠].
стр. 4519
سبب وسوسة الشيطان لأبينا آدم
السؤال
لو لم يوسوس الشيطان لآدم وحواء في الجنة فهل كانا الآن في الجنة ونحن معهم, فما هو تعليقكم؟
الجواب
نعم.
لكن حكمة الله اقتضت هذا والحمد لله نزل وكان في ذلك خير، فقد وجد الأنبياء والرسل والشهداء والعلماء، والأخيار والصائمون, والعباد والقائمون والمتصدقون, وسوف يأتي أن للجنة أبواباً ثمانية ما بين المصراعين كما بين بصرى وأيلة , وقيل: كما بين صنعاء وأيلة - بيت المقدس في فلسطين - فهو كما بين صنعاء اليمن وأيلة , يقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده! ليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام﴾ وهي ثمانية أبواب.
نسأل الله أن نكون ممن نزاحم على ذاك الباب: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩١ - ١٩٢].
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4520
حكم الغناء والأناشيد
ما حكم الغناء؟
وما الفرق بينه وبين الأناشيد؟
وهل يجوز الضرب بالدف؟
هذه الأحكام وأحكام أخرى تحدث الشيخ عنها في هذا الدرس.
стр. 4521
سيرة بلال بن رباح وما فيها من عبر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
هذا الدرس هو الدرس (٤١) من صحيح البخاري، ولنستمع إلى الإمام البخاري رحمه الله تعالى حيث يتحفنا من صحيحه، الكتاب النير العطر، بحديث في كتاب العيدين.
يقول رحمه الله تعالى: باب الحراب والدرق يوم العيد.
وعن عائشة ﵂ قالت: ﴿دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش، وحول وجهه ﷺ ، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي ﷺ ، وإما قال: تشتهين تنظرين؟ فقلت: نعم.
فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم.
قال: فاذهبي﴾.
في هذا الحديث مسائل وسوف تأتي بإذن الله، وبمناسبة لعب الحبشة وعرضهم يوم العيد أمام الرسول ﷺ نتكلم هنا عن داعية الحبشة، وعن رجل من أهل الحبشة، هو أفضل أهل الحبشة في الإسلام وفي الصحابة، فمن هو يا ترى هذا الرجل؟
стр. 4522
بلال سفير الحبشة للإسلام
بلال بن رباح داعي الأرض الذي تلقى نور السماء وأذن في الخالدين، وكان حقاً على قلب كل مؤمن أن يقول:
وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا
بلال ﵁ وأرضاه يعرفه الجميع، أهل الملايو ومسلمو اليابان والصين والسودان والعراق والجزائر، كل مسلم على وجه الأرض يعرف بلالاً ﵁ وأرضاه، هو سفير الحبشة إلى الإسلام، وسفير الإسلام إلى أهل الحبشة، فإن لكل قوم سفيراً وسفير الحبشة إلى الإسلام بلال ﵁ وأرضاه، كما أن سفير الروم صهيب وسفير أهل فارس سلمان.
دخل بلال مكة فما كان له قيمة عند المكيين ولا عند القرشيين، كانت وثنية تمعر في رءوسهم، لا يقيمون لهؤلاء الموالي قيمة أبداً ولا وزناً، وإنما ينزلون هؤلاء الموالي منزلة الحيوان، فأرخصوا ثمنه وهو غال عند الله، وعطلوا قيمته وهي ثمينة جد ثمينة، فلما أتى الإسلام كان بلال ﵁ ممن شرح الله صدره للإسلام، أسلم مبكراً، ووضع يده في يد الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فأخرجه من الجاهلية إلى الإسلام، ومن الظلمات إلى النور، وهداه ورقاه فأصبح غالياً من أغلى الناس.
كان عمر ﵁ وأرضاه يقول: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]].
إن السيادة في الإسلام تكون بالتقوى وبالعمل الصالح وبالقرب من الله ، وأما الجاهليون فما استمعوا لهذا، لما علموا أنه قال: لا إله إلا الله، ودخل في هذا الدين؛ لأن هذا الدين مجرد عن الطلاء، من يرغب في الاستقامة يأت، لا لمنصب ولا لولد ولا لمال ولا لأسرة ولكن لوجه الله ﵎، فلما أتى بلال رفعه الإسلام وجعله الرسول ﷺ مؤذناً فأبى أمية بن خلف وعذبه بأنواع العذاب، سحبه على وجهه على الرمضاء، طرح الصخور على صدره وما يزداد إلا إيماناً وتسليماً، كان كلما عذبه، قال: أحد أحد، أحد أحد هتف بها لكل معطل، يفني بها كل شرذمة باطلة خاسرة خائبة عند الله.
стр. 4523
هجرة بلال
هاجر ﵁ وأرضاه، واستفاقت المدينة من سباتها ومن نومها على أذان بلال تنفض الجاهلية والوثنية وأدرانها، كان دائماً يمر ببيت الرسول ﷺ قبل الصلاة، ويقول: الصلاة الصلاة يا رسول الله! فينتشي ﷺ ، وإذا تأخر بلال عن هذا الموعد، قال ﵊: ﴿أرحنا بها يا بلال﴾ أي: بالصلاة؛ فإنها قرة عين المصطفى ﷺ ، وشرحة فؤاده، وراحة نفسه، عليه أفضل صلاة وأجل تسليم.
وفي مرض موته ﷺ يمر بلال فيقول: الصلاة الصلاة يا رسول يا الله! ولكن أين مناخ العيس من حلب؟! كيف يستطيع ﷺ أن يقوم وهو في مرض الموت، فقال: ﴿يا بلال! مر أبا بكر فليصلِّ بالناس﴾ فيتلعثم بلال ﵁ بالبكاء ويقول: واحبيباه! وارسولاه! واخليلاه! ثم يقول: يا أبا بكر! صلِّ بالناس، فيقول أبو بكر: الله المستعان، إنا لله وإنا إليه راجعون!
ويؤثر في السيرة أنه ﵁ وأرضاه قام من صلاة الفجر في أول يوم توفي فيه ﷺ فرفع صوته الندي الشجي بالتكبير والتهليل فلما بلغ قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله التفت فخنقته العبرة وبكى وما استطاع أن يتم الأذان.
كان يوم الفتح مع الرسول ﷺ ، عندما دخل الجيش العرمرم المسلم الذي يرفع لا إله إلا الله، جيش قوامه عشرة آلاف، والرسول قائده ﷺ ، فلما حانت صلاة الظهر ونصر الله رسوله نصراً مؤزراً ما سمع التاريخ بمثله، وقف كفار قريش أمامه وقد جردهم من السلاح والسيوف والرماح، وقال: ما ترون أني فاعل بكم؟
فبكوا حتى اختلطت أصوات بكاء الأطفال بالنساء، وظنوا أنها مجزرة ومذبحة، وظنوا أن الرسول ﷺ سوف يعاملهم بالمعاملة التي عاملوه بها، فقد أخرجوه وكذبوه وشتموه وآذوه وظنوا أنه كالبشر الذين فعلوا ما علمتم في التاريخ.
هتلر يوم دخل الشرق ماذا فعل؟
ونابليون يوم دخل الدول العربية ماذا صنع؟
ولكن رسول الله ﷺ من نوع آخر، رباه الله وعلَّمه وأدبه؛ فقال: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء! عفا الله عنكم﴾ فزاد البكاء بكاءً، وقام أبو سفيان يقول: الله ما أرحمك! الله ما أوصلك! الله ما أبرك! الله ما أكرمك!
ولما أتت صلاة الظهر قام ﷺ وأخذ بحلق الكعبة وقال: ﴿الحمد لله الذي نصر عبده -اسمعوا للنصر التاريخي العظيم- وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
ثم قال: قم يا بلال أذن.
فقام بلال فارتقى الكعبة﴾ وكانت مقصودة من الرسول ﷺ .
كان من الممكن أن يدعو أبا بكر أو عمر لكن قال: قم يا بلال، يا من سحب على الرمال! يا من أوذي بالصخور! يا من تعرض للإهانة والإساءة! يا من كان هؤلاء لا يقيمون له وزناً! أخبرهم أن هذا الدين يرفع المولى، ويعز الضعيف، ويعرف قيمة الإنسان؛ فقام وهم ينظرون إليه، أهذا هو العبد الأسود الذي كان معنا نمتهنه كما نمتهن الدابة؟!
أهذا هو الخادم يرتقي على الكعبة؟! فيقوم ويطلق: الله أكبر؛ فيرتج المسجد الحرام بالبكاء.
إنه نصر عظيم! وإنه صوت عجيب! وإنه فتح كبير! ويعود حتى يقول صفوان بن أمية: ما كنت أظن أن الحياة تطول بي حتى أرى هذا الغراب ينادي من على الكعبة.
ولكن سوف يعلم لمن الرفعة عند الله .
وفي صحيح البخاري قال رسول الله ﷺ : ﴿دخلت الجنة البارحة فسمعت دف نعلك يا بلال، فماذا كنت تصنع؟ قال: يا رسول الله! ما كنت كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة -أي: في النوافل- لكن ما توضأت وضوءاً إلا صليت بعده ركعتين﴾.
стр. 4524
بلال بعد وفاة النبي ﷺ
توفي ﷺ وكان من أحب الناس إليه بلال، ومن أندى الأصوات لديه صوت بلال، فلما أتى أبو بكر قال: أذن يا بلال؟ قال: والله لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ .
فقال له أبو بكر: لم لا تؤذن؟
قال: ما كنت أرفع صوتي مؤذناً إلا له ﷺ ، ثم استأذن أبا بكر أن يخرج إلى الشام فقال أبو بكر: لا آذن لك.
قال بلال: إن كنت أعتقتني لوجه الله؛ فاتركني أخرج للشام للجهاد -وأبو بكر يريد أن يستأنس بـ بلال وهو معه- وإن كنت أعتقتني لنفسك؛ فلك ما ترى وسوف أبقى؛ فدمعت عينا أبي بكر ﵁، وقال: أعتقتك لوجه الله فاخرج.
فخرج إلى الشام، وبقي هناك، وفي بعض السير أنه رأى -وهو في حمص - الرسول ﷺ في المنام فقال: هجرتنا يا بلال من الزيارة، فقام يبكي في الليل وشد راحلته وأتى المدينة -ولو أن في هذا السند ضعفاً لكنه جبر بطرقه- فقدم فلما وصل المدينة رآه الصحابة فكأنهم يرونه لأول مرة، فعانقوه وهم يبكون، ولما فتح عمر ﵁ بيت المقدس قال: يا بلال! قم أذن للظهر.
فقد فتح بيت المقدس.
قال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: سألتك بالله أن تؤذن.
فقام فأذن قالوا: فما بقيت عين إلا بكت ذاك اليوم.
هذا بلال ﵁، أحد أصحاب محمد ﷺ ، ومن أهل الحبشة الذين نعيش معهم ونسمع إلى أخبارهم ومراسيمهم وإلى عيدهم أمام الرسول ﷺ .
стр. 4525
حديث عائشة والجاريتين
مجمل قصة الحديث تقول عائشة: ﴿دخل عليَّ رسول الله ﷺ يوم العيد﴾ وهو من أول الأعياد في حياته ﷺ ﴿فلما دخل ﷺ وجد جاريتين عند عائشة تغنيان﴾ وفي رواية صحيحة: ﴿وليستا بمغنيتين، لكن تكلفتا الغناء﴾ فليس عندهن عود ولا ناي ولا طبل ولا وتر، وإنما ترزفان وتنشدان بصوتيهما.
стр. 4526
غناء الأنصار يوم بعاث
﴿فدخل ﷺ فاضطجع وحول وجه إلى الحائط﴾ ترك المغنيتين وترك عائشة ولم ينكر ﷺ ولكنه لم يستمع، فحول وجهه ﷺ إلى الحائط، وواصلت المنشدتان تغنيان بغناء الأنصار يوم بعاث، وهو مكان حول المدينة حدثت فيه معارك رهيبة بين الأوس والخزرج، والله يمتن على الأوس والخزرج وعلى غيرهم فيقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
لقد كانوا متناحرين ومتباغضين وهم كلهم من الأزد وهم أبناء عم، لكن أورث الشيطان بينهم حقداً حتى قالت عائشة: وكان يوم بعاث يوماً الله لرسوله ﷺ ، لماذا؟
وذلك أن من حكمة الله قبل أن يبعث الرسول ﷺ أو يهاجر إلى المدينة تقاتل الأوس والخزرج فسفكوا عظماءهم جميعاً، وبقي الشباب وبعض الشيبة، ولو بقي هؤلاء العظماء ما قبلوا الإسلام، فالله مهد هذا اليوم فصفي فيه الحساب بينهم، قتل فيه رئيس الخزرج عمرو بن النعمان وكذا رئيس الأوس حضير والد أسيد وهو من الأوس، وقتلت فيه الأسر الشهيرة حتى قدم ﷺ وأكثرهم شباب، فتقبلوا هذا الدين وعاشوا معه وأخلصوا له.
وكان اليهود إذا أرادوا أن يحركوا الضغينة فيما بين الأنصار أو يوقدوا نار الفتنة ذكروهم بيوم بعاث، فإذا سمعوا يوم بعاث فكأنها النار أشعلتها بوقود.
حتى أن شاس بن قيس وهو تاجر يهودي خبيث أتى في المسجد والأنصار جلوس فغاظه أنهم مجتمعين، الأوسي بجانب الخزرجي إخواناً متحابين في الله ، ألف الإسلام بينهم، يتضاحك بعضهم إلى بعض في إخاء ما شهد التاريخ مثله، فأتى اليهودي فجلس بجانبهم وقال لرجل من الأوس: ماذا يقول شاعر الخزرج يوم بعاث؟ قال: يقول كذا وكذا.
قال للخزرجي: ماذا يقول شاعر الأوس يوم بعاث؟
قال: يقول كذا وكذا؛ فأخذتهم النعرة والحمية، فقام ابن الأسلت وحسان فأنشدوا شعراً كل يسب قبيلة الآخر، فنادى رجل من الأوس: يا معشر الأوس! السلاح السلاح -وهذا أورده ابن جرير في تفسيره - فأخذوا السيوف وقالوا: موعدنا الحرة وهي ضاحية في المدينة، يريدون أن يصفوا الحساب مرة ثانية، والغضب قد دخل رءوسهم، والشيطان قد وسوس لهم حتى نسوا تعاليم الدين، فقاموا وأخذوا يتنادون بالسيوف.
والأنصار من أشجع الناس، حتى قتل منهم في معارك الإسلام (٨٠%) وما مات منهم موتاً إلا (٢٠%) حتى يقول حسان:
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء
وكان بعض الأنصار إذا لقي المعركة؛ فقد شعوره كـ البراء بن مالك، حتى قال عمر: [[لا تولوه المعركة؛ فإنه سوف يحطم المسلمين حطماً]].
ومن الأنصار أبو دجانة كان إذا أتت المعركة أخرج عصابة حمراء وعصب رأسه؛ فقال الناس: افتحوا لـ أبي دجانة طريقاً فقد أخرج عصابة الموت.
فخرجوا رضوان الله عليهم، فصف الأوس في صف، وصف الخزرج في صف وسلوا السيوف، وأتى الخبر الرسول ﷺ وهو في بيته، وإذا الصائح يصيح وإذا البكاء يرتفع، وقالوا: يا رسول الله! أدرك الأوس والخزرج لا يقتتلوا هذا اليوم.
قال: ولم؟ قالوا: أوشى بينهم شاس بن قيس حتى ورث بينهم الضغينة، وقد تواعدوا في الحرة الآن؛ فقام ﷺ حافياً، فما انتعل من السرعة، خرج يجر إزاره، ومعه أبو بكر وعمر وكثير من المهاجرين، حتى وقف ﷺ بين الصفين، فذكرهم بالله واليوم الآخر، وقال: ألم آت وأنتم ضلال فهداكم الله بي؟ متفرقون فجمعكم الله بي؟ ثم ذكرهم حتى بكوا، ثم تركوا السيوف وتعانقوا وهم يبكون فأنزل الله في ذلك: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران:١٠٣]
فلما سمعوا قول الرسول ﷺ كأنهم سمعوه لأول مرة:
إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها
فتعانقوا والرسول ﷺ معهم، وعادوا إلى المدينة إخواناً متحابين، فهذا الموقف على ذكر يوم بعاث الذي ذكرته عائشة.
стр. 4527
إنكار أبي بكر على الجاريتين
﴿فاضطجع رسول الله ﷺ على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني﴾ وكان أبو بكر رجل فيه حدة، حتى يقول عمر: [[كنت أراعي حدة في أبي بكر]] وقد علم الله إخلاصه وصدقه وإنابته وعبوديته، فرفعه فأصبح أفضل أمة محمد ﷺ ؛ ولذلك يقول عمر: [[لما ذهبنا إلى سقيفة بني ساعدة -لما مات ﷺ وخفنا أن يختلف الناس علينا؛ زورت كلاماً في صدري، لأخطب في الأنصار به، وخفت أن يسبقني أبو بكر؛ لأنه كان مشغولاً وما تهيأ أبو بكر، قال: فلما جلسنا أردت أن أتكلم وكنت أراعي حدة في أبي بكر، فلما أردت الحديث رفض أبو بكر ﵁ واعترض على عمر قال: فتكلم فوالله ما ترك كلمة زورتها في صدري إلا أتى بأحسن منها!]] وهو من أخطب خطباء العرب على الإطلاق، ومن أنسب أنسابهم ومن أفصح فصحائهم، اسمعوا إلى الكلمة اللينة، الأنصار في سقيفة بني ساعدة هموا بالاختلاف، وسبب اجتماعهم أنهم يريدون أن يكون الخليفة من الأنصار، وسعد بن عبادة كأنه الرجل المتوج للخلافة، فكأنهم يشيرون ويلوحون ولا يصرحون بتسليم الخلافة له، فلما أتى أبو بكر اندفع في الكلام وقال: [[يا معشر الأنصار! نحن الأمراء وأنتم الوزراء، قدمنا الله في القرآن وثنى بكم، نحن أقرب إلى الرسول ﷺ نسباً وأقرب داراً والعرب لا تجتمع لحي إلا لحينا، ثم قال: يا معشر الأنصار! جزاكم الله عنا خير الجزاء، واسيتم وكفيتم وآويتم]].
ذكر ذلك الإمام الشافعي يقول: حدثني الثقة أن أبا بكر قال في سقيفة بني ساعدة: واسيتم وكفيتم وآويتم، والله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت
فلما سمعوا هذا الكلام بايعوا أبا بكر بالخلافة ﵁ وأرضاه.
الشاهد هو في حدة أبي بكر، حتى يقول ﵁ وأرضاه في اليوم الثاني من توليه الخلافة، الذي كان إعلاناً عاماً وخطبة عامة وبياناً عاماً للمسلمين في توليه الخلافة؛ لأنه في اليوم الأول لم يستطع أن يتكلم ﵁ وأرضاه، فقد انصدع من البكاء على المنبر، تذكر الرسول ﷺ وتذكر تلك الأيام والذكريات فما استطاع أن يتكلم، فقام عمر ﵁ فتكلم كلمة أبي بكر في اليوم الأول، ومجد أبا بكر وذكر مناقبه.
وفي اليوم الثاني تكلم أبو بكر وقال: [[يا أيها الناس: إن لي شيطاناً يأتيني -وكل إنسان له شيطان- فالله الله لا أمسَّن أبشاركم]] (أي لا أضربكم) يخاف من الحدة أن ينال منهم ﵁ وأرضاه.
وفي كنز العمال منسوباً إلى السير: أنه ﵁ وأرضاه جاءته إبل الصدقة يريد أن يوزعها في مصارفها، فقال لرجل من الناس: لا يدخل علي أحد ثم قال: يا عمر! ادخل معي.
فدخل عمر ﵁ وأما هذا الحارس فغفل، فدخل أعرابي بخطام معه، فقال أبو بكر ﵁: من أدخلك؟ وأخذ الخطام وضربه، فقال: اعطني من مال الله الذي عندك، فقال أبو بكر: أستغفر الله، اقتص مني.
قال عمر: والله لا يقتص منك.
قال: لماذا؟ قال: تجعلها سنة، كلما أدبنا أحد أو عزرنا أحد قال: أقتص منكم!! لكن أعطه من المال؛ فأعطاه ناقة وأخرجه من إبل الصدقة.
تقول عائشة: ﴿فانتهرني﴾ أبو بكر -له أن ينتهرها لأنها ابنته- حتى في الصحيح أنه ﷺ تأخر عن الناس في صلاة العشاء فمر أبو بكر فقال: الصلاة يا رسول الله.
انظر إلى تواضعه ﷺ ! في الصحيحين أن عمر ﵁ يأتي في المسجد في صلاة العشاء وينظر إلى الصفوف ممتلئة وهم ينتظرون رسول الله ﷺ وقد نعس هذا ونام هذا وخفق رأس هذا، فخرج عمر وأتى إلى باب الرسول ﷺ وقال: الصلاة يا رسول الله، نام النساء والصبيان.
والآن بعض الناس لشدة تعامله وعنفه لا يرضى هذا الكلام، أتخاطبني وتقول لي هذا الكلام؟! من أنت حتى تناديني من عند باب بيتي؟ لكن الرسول ﷺ قام وصلى بالناس، فثبت أن أبا بكر مر ببيته ﷺ فقال: الصلاة يا رسول الله.
فسمع حفصة وعائشة يرفعان صوتيهما على رسول الله يطالبانه بالنفقة، فقال: يا رسول الله! احث في وجوههن التراب وقم صل بالناس؛ فتبسم ﷺ وقام يصلي بالناس؛ لأنه كما وصفه الله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] بل ثبت أنه ﷺ شكا إلى أبي بكر من عائشة فدخل أبو بكر وعنف عائشة وأخذ يغمزها بيده فأخذ ﷺ يمنعها ويحميها، فلما خرج أبو بكر قال: ﴿أما رأيتي كيف منعتك من أبيك؟!﴾ ﷺ .
فهنا أتى فدخل عليها فانتهرها، والرسول ﷺ مضطجع، وظن أبو بكر أن الرسول ﷺ نام، فقال: ﴿مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ !﴾ يقول: هذا الغناء تغنيه في بيت الرسول ﷺ ؟ ﴿فأقبل عليه ﷺ والتفت إليه وقال: دعهما -وفي لفظ صحيح- فإن لكل قوم عيد وهذا عيدنا﴾ دعهما فإن هذه مناسبة عامة، وسوف يأتي كلام مفصل عن هذه المسألة في هذه الناحية.
قالت عائشة: [[فلما غفل غمزتهما فخرجتا]] فـ عائشة كانت هي خائفة من أبيها وكذلك أرادت أن تقر كلام الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يليق بها بعد أن قال ﷺ : دعهما، أن تقول: اخرجا، لكن لما غفل رسول الله ﷺ غمزتهما فخرجت الجاريتان.
стр. 4528
لعب الأحباش في المسجد يوم العيد
قالت عائشة: وكان يوم عيد، فصلى رسول الله ﷺ بالمسلمين، والناس كانوا يجتمعون في المصلى قبل أن يخرج رسول الله ﷺ ، وكان إذا خرج لبس أحسن لباس، والمسلم عليه أن يعتني بالمناسبات الإسلامية، بعض الناس في الزواج والأعياد وفي الرحلات يلبس من أحسن اللباس، فإذا أتى يوم الجمعة أتى بثوب النوم! فهل هذا يليق؟! ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] عند كل صلاة، فالواجب إظهار القوة والعظمة والروعة والجمال والطيب في المناسبات والأعياد الإسلامية.
يقول ابن عباس: ﴿رأيت رسول الله ﷺ خرج في حلة حمراء يوم عيد فوالذي نفسي بيده ما رأيت أجمل منه﴾.
كان الرسول ﷺ يلبس في المناسبات أحسن الثياب، عندما يكون مع أهله يلبس ثياب الابتذال أي ثياب البيت، ويوم الجمعة يلبس أرقى لباس، وفي المعركة يلبس الدروع ﷺ .
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها
فلما صلى رسول الله ﷺ عاد إلى المسجد ودخل المدينة، وإذا بهؤلاء النفر والثلة تستعرض أمامه ﷺ ، وهل ضاقت بهم الأرض حتى يعرضون ويلعبون بالحراب، في المسجد؟! وكانوا من أرمى الناس، وكان وحشي الذي قتل حمزة منهم، فكانوا يهزون الحربة حتى يرضون عنها فيرمونها فلا تغادر مقتلاً إلا أصابته.
أما أناشيدهم فيقولون كما في المسند وغيره محمد عبد صالح، محمد عبد صالح.
يقولون هذا الرسول ﷺ هو رسول البشرية ومعلم الإنسانية!
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
أنت إذا أتيت تمدح عظيماً من العظماء فتقول له: أنت إنسان، ليس هناك مدح، أو أنك أتيت إلى كريم، فقلت له: أنت رجل.
ليس هناك طائل.
وهنا كيف يقولون: محمد عبد صالح! بل هو سيد الصالحين ﷺ ، فأخذ ﷺ يتبسم، وفي رواية في الصحيح: ﴿فلما رآهم عمر - عمر ﵁ دائماً يغير هذه الأمور المخالفة- أخذ حصباء من المسجد ورماهم، وقال: أفي مسجد رسول الله ﷺ ؟! فالتفت فإذا به يرى رسول الله ﷺ فتوقف﴾ مادام أن الرسول ﷺ موجود هنا فالأمر يقتضي استفتاءه ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ﴿دعهم -يا عمر - ليعلموا أن في ديننا فسحة -وفي لفظ صحيح- دعهم لتعلم يهود أن في ديننا فسحة﴾ أي: هناك يسر وسهولة وسماحة في ديننا؛ فتركهم.
انظر إلى تكملة القصة فقال ﷺ : ﴿أتشتهين تنظرين؟ (أي يقول لـ عائشة: أتشتهين تنظرين إلى هذا العرض؟) قالت: نعم.
قالت: فأقامها ﷺ وراء ظهره وجعلت خدها على خده، وهي تنظر إليهم، حتى قال لها: أرضيتي؟ قالت: نعم.
﴾ فقام ﷺ وقامت وبادرت بالحجاب.
стр. 4529
مسائل من حديث لعب الأحباش وغناء الجاريتين
هذا مجمل القصة وفيها مسائل:
стр. 4530
معرفة أعياد المسلمين والأعياد البدعية
المسألة الأولى: ما هي أعياد المسلمين وما هي الأعياد البدعية؟ وأحسن من كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ذاك الكتاب العجيب، الذي هو قنبلة على رأس كل ملحد وبدعي وشركي ومعطل.
وأعياد المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ليس للمسلمين عيد إلا هما.
قال أنس: لما قدم ﷺ كان للأنصار أعياد في الجاهلية فقال: ﴿إن الله أبدلنا بيومين خير من أعيادكم: يوم تفطرون من صيامكم ويوم تضحون﴾ فعيد الأضحى وعيد الفطر هما عيدا المسلمين وليس لهم أعياد غيرهما، ومن ابتدع مناسبة وعظمها وقدسها فقد أخطأ وابتدع، فلا عيد للمرأة ولا للرجل غير عيد الفطر وعيد الأضحى، ولا عيد للمولد، فيأتون بإنسان قد يكون ملحداً أو فاجراً ويقيمون له عيد ميلاد، ويذكرون حسبه ونسبه، وماذا أكل وشرب، وكيف ينام ويقوم، ولا له أثر في الدنيا أبداً! فليس هناك أعياد إلا هذين العيدين، وأما عيد الجمعة فهو عيد على المجاز، وإلا فمناسبة العيد ليس إلا عيد الفطر وعيد الأضحى فقط.
والأعياد البدعية كيوم النيروز، وهو يوم لأهل فارس يعظمونه، وعيد الميلاد، وعيد المرأة، وغيرها من هذه الكلمات التي جعلها الناس مناسبات وهي ليست بمناسبات.
فأعيادنا: عيد الفطر وعيد الأضحى حرام صيامهما، فلا يصومهما المؤمن أبداً، سواء كان عليه قضاء أو نذرٌ أو يريد تنفلاً، بل له أن يتزين ويتجمل ويتطيب وأن يروِّح عن نفسه، وسوف يأتي الكلام عن الترويح المباح ما هو، وما هي المناسبة التي تجري في مثل هذه الأعياد.
стр. 4531
مظاهر الفرح يوم العيد
الأمر الثاني: الفرح يوم العيد:
الفرح يوم العيد كإنشاد الشعر الذي لا يصاحبه طبل ولا مزمار ولا دف ولا ناي، والفرح يوم العيد كالرحلة والنزهة، والفرح يوم العيد كزيارة الأقارب، وبعض المزاح المباح والدعابة الطيبة، وإظهار التوسعة على الأهل من الكسوة والمطعم والنزهة وغير ذلك هذا هو الفرح الذي نص عليه أهل العلم.
стр. 4532
حكم الغناء في الشريعة الإسلامية وأضراره
الأمر الثالث: حكم الغناء في الإسلام:
تقول عائشة هنا: تغنيان؛ فهل الغناء وارد وجائز أم لا؟
أما قولها في الحديث: ﴿تغنيان﴾ تبين هذه الرواية رواية ﴿وليستا بمغنيتين﴾ أي: لا تجيدان الغناء، والغناء في الإسلام هو الغناء الذي يصاحبه وتر أو طبل أو ناي أو مزمار فهو حرام نص عليه الرسول ﷺ على تحريمه، وفي القرآن ما يشير إلى ذلك قال أعز من قائل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [لقمان:٦].
قال ابن مسعود في "لهو الحديث": أقسم بالله إنه الغناء، وفي صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها أي: بعد التحريم، فهي محرمة إذاً.
وقوله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] قال بعض أهل العلم: أي بالغناء.
والغناء كما يقول ابن مسعود: [[ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]] فحرام على المؤمن أن يسمع أذنيه الغناء الذي يصاحبه وتر أو عود أو ناي أو غيرها من الآلات الموسيقية، فإن كان من المرأة؛ فهو أشد تحريماً وأغلظ قبحاً وأشد سوءاً، نسأل الله العافية والسلامة.
ومن أضرار الغناء: أنه يصد عن ذكر الله ، ويعمي القلب، ويشغل عن الطاعة، ويفوت المقصود، ويحبب الجريمة من الزنا، والفاحشة.
قال عمر بن عبد العزيز لأبنائه: [[إياكم والغناء فإنه بريد الزنا]] وقال ابن القيم في كتاب مدارج السالكين: الغناء بريد الزنا، فما استمعه إنسان وداوم عليه إلا حبب إليه الفاحشة وهون عليه حدود الله ، وحمله إلى أن يقترف المعصية إلا من عصم الله.
وقال عقبة بن عامر لأبنائه: إياكم والغناء؛ فإنه يشغل عن كتاب الله ويصد عن طاعته.
ومنها: أنه يزرع النفاق في القلب، فإن الذي يستمع الغناء صباح مساء يوجد فيه شعبة من النفاق العملي، فهو يظهر للناس الخير ويبطن السوء من كثرة ما استمع.
ومنها: أنه يوجد وحشة بين العبد وبين الله ، فلا يجد أنساً بذكر الله، ولا أنساً بقراءة القرآن كما قال ابن القيم:
قرئ الكتاب فأنصتوا لا خشيةً لكنه إنصات لاغ لاه
وأتى الغناء فكالحمير تراقصوا والله ما سجدوا لأجل الله
فأهل الغناء يجدون من روعة صوت الغناء ما لا يجدون في القرآن، حتى إذا أتيت بأحسن مقرئ وأجمل صوت وقراءة حزينة مبكية لا يتأثرون ولا يبكون، فإذا سمعوا الغناء هشوا وبشوا وارتاحوا له.
فهذه أضرارا الغناء التي نهى عنها رسول الله ﷺ وبين حكمها.
стр. 4533
حكم الأناشيد والفرق بينها وبين الأغاني
هناك فرق بين الغناء وبين النشيد، والنشيد الإسلامي مباح إذا خلا من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: ألا يصاحبه دف ولا طبل ولا مزمار ولا ناي ولا وتر ولا أي آلة من آلات المعازف، فإن صاحبه شيء من ذلك فهو حرام؛ لأنه استحلال للآلات بعد تحريمها.
والأمر الثاني: ألا يكون الشعر الذي ينشد به شعر مجون وغزل يحبب الفاحشة والجريمة فإنه حرام.
والأمر الثالث: ألا يُسرف فيه، ولا يكثر ولا تضيع فيه الأوقات؛ لأن بعض الناس لما فتح باب إباحة النشيد؛ أنشد وهو قائم وهو قاعد وفي المخيم وفي خارج المخيم وفي السفر وفي الحضر، وفي الحافلة! حتى لم يترك للقرآن مكانة ولا وقتاً يقرأ فيه، فالنشيد إنما يؤخذ منه بقدر الحاجة، يجعل في فترة ترويح؛ لأنه ليس بعلم ولا فقه ولا مسائل حلال ولا حرام، وإنما هو ترويح يؤخذ بقدر الحاجة.
والصحيح أن الصحابة أنشدوا، وقد استمع ﷺ للنشيد، لكنه صوت بلا مزمار، ولذلك كان له ﷺ مولى اسمه أنجشة، والموالي في الغالب أصواتهم حسنة، والسبب في الحداء هذا أن العرب تحدو للبعير إذا أرادوا أن يسافروا مع الجمال حدوا لها، أي: أنشدوا للجمال فتهز رءوسها وتقطع المسافات ولو كانت هلكى من الجوع.
قال ابن قتيبة في عيون الأخبار يروي عن الأصمعي قال: دخلت خيمة رجل من الأعراب فوجدت عنده جمالاً قد ماتت وهي حول الخيام -على ميمنة الخيمة وعلى ميسرتها- فقلت: ما هذه؟ قال: سلط الله عليَّ هذا العبد، وفعل الله به وصنع، وقد ربطه في طرف الخيمة.
قلت: وماذا فعل؟ قال: أنشد إبلي من البارحة حتى قطعت كبودها تسعى حتى وصلت إلى البيت ثم ماتت!
وهذا صحيح فإن ابن عباس ﵁ قال: [[أول ما عرف الحداء عن العرب أن غلاماً لـ عبد المطلب جد الرسول ﷺ سافر معه إلى الشام، فضرب عبد المطلب الغلام، فأخذ الغلام يبكي ويترنم في البكاء، فأخذت الإبل تهز رءوسها فعرف أن الإبل تتحرك مع الحداء]] وهذا موجود ومعروف عند العرب، فإن الجمل إذا كلَّ وملَّ أنشدوا له؛ فارتاح وتعجب وانبسط وانشرح صدره، ولذلك يقول عمر كما في مناقبه لـ ابن الجوزي في كتاب المناقب: [[أنشدوا لنا في السفر فإنه زاد المسافر.
قال: فلما أنشد أقبل عليه الصحابة، فتركهم حتى تفرقوا فقرأ في سورة الذاريات فما أقبل عليه أحد قال: عجيب! أنشد النشيد فتقبلون وأقرأ القرآن فلا تقبلون!]] وقد طلب عمر ﵁ النشيد، فإنه ثبت عنه أن دخل عليه متمم بن نويرة أخو مالك فقال: [[يا متمم! ماذا قلت لأخيك؟ يا ليتني كنت شاعراً فأرثي أخي! والله ما هبت ريح الصبا إلا جاءتني ريح أخي من اليمامة]] أخوه هو زيد بن الخطاب، أسلم قبل عمر واستشهد قبل عمر، وخرج لقتال مسيلمة الكذاب الدجال الأثيم فقتل هناك، يوم يبعثه الله من تلك الجبال من اليمامة يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أنه قاتل في سبيل الله، وعاد خالد من اليمامة، واستقبل أبو بكر وعمر الجيش فلما رآهم واستعرضهم، التفت عمر إلى زيد، وكان رجلاً طوالاً عله أن يجده في الصفوف فلم يجده فانصرع يبكي ﵁ وأرضاه.
فيقول لـ متمم: ماذا قلت في أخيك؟ لأن أخاه مالك بن نويرة قتله خالد بن الوليد، فقال فيه من أعجب الأبيات عند العرب، حتى قال الأصمعي: أم المراثي هي قصيدة متمم يقول فيها:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
فليت المنايا كن خلفن مالك افعشنا جميعاً أو ذَهَبْنَ بنا معا
وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فبكى عمر وقال: [[يا ليتني كنت شاعراً فأرثي أخي]].
وفي الأدب المفرد للبخاري ﵀ بسند حسن قال الأسود بن سريع: ﴿ركبت وراء رسول الله ﷺ على الراحلة فقال: أتحفظ شيئاً من شعر أمية قلت: نعم.
قال: أنشدني.
قال: فأنشدته بيتاً فقال: هيه! فأنشدته الثاني فقال: هيه! حتى أنشدته مائة بيت، ثم قال ﷺ : آمن لسانه وكفر قلبه﴾.
وفي بعض الروايات أن عمرو بن الشريد هو الذي أنشد الرسول ﷺ .
وعند الطبراني في المعجم الكبير عن الأسود بن سريع قال: ﴿وفدت على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إنني مدحت ربي بقصيدة؛ فتبسم ﷺ وقال: أما إن ربك يحب المدح﴾ إي والله الله يحب المدح، صح من حديث ابن مسعود عند مسلم: ﴿ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولذلك مدح نفسه﴾ أما قال الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]؟
أما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]؟ أما قال بعد أن دمر الأمم الكافرة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]؟
فالله يحب المدح، ولذلك من كان ينظم شعراً فليمدح الله وليكثر من الثناء عليه.
وفي البداية والنهاية لـ ابن كثير أن الشاعر العباسي أبا نواس لما توفي رئي في المنام، فقالوا: ماذا فعل الله بك؟ قال: كدت أهلك فغفر الله لي.
قالوا: بماذا؟ قال: نظمت قصيدة وصفت فيها النرجسة ومدحت الله في القصيدة فغفر لي.
ذكره ابن كثير في سورة البقرة لمن أراد أن يعود، وذكره في ترجمة أبي نواس في البداية والنهاية، وهي أبيات جميلة في مدح النرجسة يقول في بعضها:
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
غفر الله له بإعلانه الوحدانية في هذه القصيدة.
إذاً: الشاهد الذي حدت عنه واستطردت هو عن أنجشة وكان مولى للرسول ﷺ ، فطلب منه الرسول ﷺ أن يحدو، فقام يحدو بنشيد من أناشيد العرب؛ فأخذت الإبل تهرول والنساء عليهن، فكدن يسقطن فقال الرسول ﷺ : ﴿رويداً يا أنجشة بالقوارير﴾.
أي: خفف الصوت حتى لا يسقطن النساء وهن في الهودج من على الجمال.
وفي الصحيحين أن عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه كان ينشد بين يدي رسول الله ﷺ في المعركة، وينشد يوم المعمعة ويوم السعة، يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
ثم كان ينشد الرسول ﷺ فيقول:
فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالذي نصرا
فقال ﷺ : وإياك فثبت.
ولما أتته المنية نزل من على فرسه واقتحم وأخذ الراية وقال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلن أو لتكرهنه
إن أقبل الناس وشدوا الرنة
مالي أراك تكرهين الجنة
هل أنت إلا نطفة في شنة
إلى آخر تلك الأبيات، فالنشيد الخالي من المجون والإسراف وآلات اللهو لا بأس به إذا اقتصد فيه كما مر.
وعند ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد -وهي ليست مراجع أصيلة لكن أوردها كالزهرة تشم ولا تعك- وعند ابن قتيبة في عيون الأخبار أن عمر ﵁ وأرضاه مر بغلامين له يرعيان ناقة (راعيان على ناقة واحدة) فقال عمر: ماذا تفعلان هنا؟ قالا: نرعى هذه الناقة.
قال: أعيدا علي النشيد الذي كنتما تنشدانه آنفاً.
فخجلا وخافا واستحيا.
قال: عزمت عليكما إلا أنشدتما.
فبدأ أحدهما ينشد ثم أنشد الآخر فإذا أصواتهما لا تحسن ولا ترفع ولا تشرح، فقال عمر: [[أنتما كحمار العبادي]].
والعبادي هذا كان له حماران قيل له: أيهما أخس؟ قال: هذا ثم هذا.
ثم قال: أراعيان على ناقة؟!
فالمقصود: أن الصوت الحسن يستأنس به؛ ولذلك قال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿ليس منا من لم يتغن بالقرآن﴾ ومعنى التغني: تحسين الصوت، وما أذن الله لأحد كما أذن لقارئ حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن، قال ابن تيمية: معنى أذن: استمع، (وأذنت لربها وحقت) معناها: استمعت.
وتحسين الصوت مطلوب في الصلاة، ولا يقول الإنسان هذا من التكلف بل عليه أن يحسن صوته ما استطاع، فإن أبا موسى -كما في الصحيحين - يقول: ﴿لو أعلم أنك يا رسول الله تستمع لقراءتي لحبرته لك تحبيراً﴾ أي: القرآن.
وأنشد الموالي والجواري عنده:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
إلى آخر القصيدة.
وفي السنن: [[ w=٨٠٠٢٤٩٨>> أن أنساً ﵁ وأرضاه دخل على أخيه البراء بن مالك، فوجده قد رفع رجلاً على رجل، وينشد ويرفع صوته وعقيرته في البيت، فقال: أتنشد وأنت من علية أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: اسكت، والله لقد نشدنا عند رسول الله]].
هذا البراء الذي قال فيه رسول الله ﷺ : ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين -ثوبين ممزقين- لو أقسم على الله لأبره﴾ فلما جاءت معركة تستر قالوا: يا براء! أقسم على ربك أن ينصرنا هذا اليوم.
قال: انتظروني قليلاً، فنزل فاغتسل وتحنط وتكفنّ وقال: [[اللهم إني أقسم عليك هذا اليوم أن تنصرنا وأن تجعلني أول قتيل في المعركة]] فكان أول من قتل وكان النصر مع المسلمين.
وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب وفي كتاب الطب أن عائشة ﵂ وأرضاها أتت تزور أباها وبلالاً، وقد أصابتهم حمى المدينة؛ لأنهم عندما وصلوا المدينة أصابتهم حمى، والحمى تحدث عند المرء شبه الوسوسة والهلوسة من كثرة ما تهزه وترجه، فيتكلم بكلام لا يعيه، فدخلت عائشة تزور بلالاً فسلمت عليه وقالت: يا بلال! كيف تجدك؟ فرفع صوته وكان صوته جميلاً وقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أرِدن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل
وهذه جبال في مكة، يقول: أيا ليتني أصحو من هذا الحمى وأعود إلى مكة، فتركته وأتت إلى أبي بكر وقالت: كيف تجدك يا أبتاه؟ قال:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
﵃ وأرضاهم.
стр. 4534
حكم ضرب الدف للنساء
المسألة الخامسة في هذا الدرس: ضرب الدف للنساء
ما هو حكم ضرب الدف؟ وهل هو وارد أم لا؟
أما ضرب الدف ففي السنن وغيرها أن الرسول ﷺ قال: ﴿أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف﴾ وهذا للنساء، فإن للنساء في مناسبات الأعراس والأعياد أن ينشدن ويغنين ويضربن بالدف.
أما الغناء الذي يحدث في بعض الأماكن: أن تأتي مغنية عاهرة فاجرة خسيسة خبيثة تجر القبح والزنا والفاحشة وتغني وتضرب الوتر فهذا حرام، وهذا أمر يغضب الله ، ولا يرضي رسوله ﷺ ، وهو أمر منكر وجريمة شنعاء.
لكن أن يجتمع النساء في مكان لا يخالطهن ولا ينظر إليهن رجال، فيأخذن دفاً ويصفقن ويغنين وينشدن ويرقصن فلا بأس بذلك، بل قد يكون من السنة، فلا يتشدد الإنسان لكثرة الحرص حتى يخرج من السنة، فلا ينكر الإنسان أن تفعل النساء مثل هذا الفعل بل عليه أن يكون مع السنة، وأن يكون مع سيرته ﷺ مسهلاً ميسراً، فالدف للنساء وليس للرجال، ولا يرى أهل العلم لهذه الأدلة أن الرجل يقف بطوله وعرضه ويرقص على الدف والمزمار، ويكفيه أنها تشغل عن ذكر الله، لكن له أن ينشد أو يستمع نشيداً مباحاً أو يستمع ما خلا من دف أو آلة لهو أو لعب.
стр. 4535
حكم نظرة المرأة إلى الرجال
المسألة السادسة: نظر المرأة إلى الرجال من غير ريبة:
تقول عائشة: ﴿وضعت خدي على خد الرسول ﷺ وأنا أنظر إلى الحبشة﴾ فهل في هذا جواز نظر المرأة إلى الرجال؟
أولاً: قال الإمام النووي: نظر المرأة إلى الرجال بشهوة حرام بالإجماع، ولذلك قال أعز من قائل: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فالغض هنا واجب إذا كانت هناك ريبة وشهوة.
وأما عند انتفاء الريبة فقال: في المسألة خلاف والأصح ألا تنظر، ولكن الذي يبدو لي أنه إذا لم يكن هناك ريبة؛ فلها أن تنظر، إلى الرجال، فإن النساء في عهد النبي ﷺ كن ينظرن إلى وجه الرسول ﷺ ، وكن ينظرن إلى وجه أبي بكر على المنبر وهو يخطب وكذلك عمر، ولو كان لا يجوز للمرأة أن تنظر كان أمر الرجال أن يحتجبوا وأن يغطي الرجل على وجهه حتى لا تنظر إليه المرأة كما تفعل المرأة في جبال الطوارق في الجزائر حيث يتغطى الرجال والنساء سافرات! يسمون قبائل الملثمين، هم مغطون ويرون الطريق بحفظ الله ورعايته لكن المرأة لها أن تنظر كاشفة عن وجهها.
ووضع الندى في موضع السيف بالفتى مضر كوضع السيف في موضع الندى
فلو كان النظر إلى وجه الرجل حرام؛ كان الرجال أمروا بأن يضعوا شيئاً على وجوههم، لكن للمرأة في حالة عدم الريبة لها أن تنظر من وراء حجابها إلى من يعلم ويدرس في حلقة العلم إذا لم يكن هناك ريبة والأولى أن تترك، لكن هنا نبين الحكم ولا يحملنا الحرص على أن نتجاوز السنة.
وأما حديث عائشة فقال أهل العلم فيه: أن هذا قبل الحجاب، أي: أن نظر عائشة ﵂ وأرضاها كان قبل الحجاب، ولكن ليس هناك دليل، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، فمن يدلل لنا بحديث صحيح أنه قبل الحجاب أو بعد الحجاب فيبقى على أنه ليس هناك دليل، ويبقى على الأصل أنها نظرت إليهم.
وقال بعضهم: لأنها صغيرة ﵂ وأرضاها، لكن حقق الحافظ ابن حجر أن هذا النظر كان في السنة السابعة وعمرها ﵂ وأرضاها خمسة عشر عاماً فدل على أنها كبيرة.
وقال النووي وبعض الشافعية: نظرت إلى سلاحهم ولم تنظر إلى وجوههم.
لكن ليس هناك دليل على أنها نظرت إلى السلاح والحراب ولم تنظر إلى الوجوه.
وأحسن الأجوبة أن يقال: نظرت ولم يكن فيها ريبة ولا شهوة ﵂ وأرضاها، فجاز لها الأمر وأقرها ﷺ في ذلك، فليعلم هذا، لأن هذا كأنه أقرب الأجوبة مما ظهر من كلام أهل العلم.
стр. 4536
الحث على التدريب على القتال
المسألة السابعة: التدريب على القتال قبل نزوله ومنها المسابقة بين الخيل:
يقول عز من قائل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] فكان ﷺ يقر التهيؤ للمعركة والاستعداد، ومن هؤلاء أخذ أهل العلم أن على الناس أن يتثاقفوا بالسلاح، ويريشوا سهامهم، ويجردوا سيوفهم، وأن يتدربوا على المنازلة قبل المعركة.
لما التقى سعد ﵁ وأرضاه في القادسية بـ رستم قائد فارس قبل بداية المعركة بليلة، أرسل رستم الفارسي جاسوساً له، وقال: اذهب فادخل في جيش المسلمين وانظر ماذا يفعلون في ليلهم؟ وعد وادخل في جيشنا وانظر ماذا يفعلون في ليلهم؟
فذهب هذا الجاسوس إلى جيش المسلمين، فدخل في أوساطهم، فرأى فرقة تتدارس القرآن في الليل، ورأى كتيبة تتلو القرآن وتذكر الله ، ورأى آخرين يدعون الله ويناجونه ويبكون ويسألون الله النصر، ورأى آخرين يصلون، ورأى آخرين يتدربون يريشون السهام ويجردون السيوف ويتثاقفون بالرماح، فخرج من جيش المسلمين ودخل في جيش فارس فرأى أناساً قد سكروا وفقدوا وعيهم من الخمر، وأناس يعاقرون، وأناس على الفاحشة، فعاد فأخبر رستم فعض على أنامله وقال: هزمنا من الآن.
وهزموا بأمر الله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].
فالمثاقفة والتدريب وارد عند المسلمين، ولذلك يقول ابن عمر ﵄ في الصحيحين: ﴿سابق رسول الله ﷺ بين الخيل التي ضمرت والخيل التي لم تضمر﴾ -الفرس يضمر عند العرب أي: يجوع حتى يصبح خصره كالقوس، أي: يترك من الأكل أربعين يوماً، ويسقى ماءً ويعطى بعض الأمور الخفيفة حتى يبقى خفيفاً يصبح خصره كالقوس؛ فيصبح سريعاً كمر الريح، فضمر ﷺ بعض الخيل وبعضها لم يضمرها، ثم أتى في استعراض حافل يستعد للمعارك ﵊ فطلب من شباب الصحابة أن يتسابقوا ويرى ﷺ فذهبوا إلى الثنية وبدأت الخيل التي ضمرت تتسابق والرسول ﷺ مع الصحابة عند مسجده في المدينة، وبدأ السباق من ثنية الوداع، فكان ابن عمر ﵁ وأرضاه في الخيل التي ضمرت فأتى فرسه يقذف به قذفاً قال: فلما وصلت إلى المسجد كان الرسول ﷺ مع الصحابة ينتظرون السابقة منا، حاولت أن أحبس فرسي عند المسجد وكان للمسجد جدار فما استطعت من سرعة الفرس فاقتحم بي ودخل بي المسجد! والرسول ﷺ ينظر، حاول أن يحبسه بلجامه وأن يحد من سرعته لكنه لم يأخذ حذره من ذاك الموقف فأخذ الرسول ﷺ يتبسم هو والصحابة، فلما قرب الفرس؛ ما استطاع أن يرده الجدار، فقفز به من على الجدار، حتى دخل به داخل المسجد، فكان ابن عمر فيمن سابق.
وتسابق الناس على الأقدام كما في صحيح البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: نادى مناد: من يسابق؟ من يسابق؟ أعرابي عنده جمل فقال سلمة: أنا أسابقك.
فكان سلمة ﵁ وأرضاه يسابق على الأرض وذاك على الجمل، فسبق بإذن الله، وسلمة أسبق صحابة رسول الله ﷺ ، يقول أهل السير: كان يصيد الغزلان من سبقه، وكان يطارد الأرنب حتى يمسكها برجلها!
وثبت في صحيح البخاري في حديث الغابة أنه لما أتى السبعة العرنيين أكرمهم ﷺ وأنزلهم في المدينة ورأى بطونهم قد ذربت من الوباء والسقم، فأمرهم أن يذهبوا إلى الغابة فيشربوا من أبوال إبل الصدقة ومن ألبانها علهم يصحون.
وهذا علاج للسقيم أن يشرب من بول الناقة ومن لبنها، وهذا يعرفه العرب، فلما ذهبوا ومَنَّ الله عليهم بالشفاء -انظر إلى جزاء المعروف- قاموا إلى الراعي مولى الرسول ﷺ ، فقتلوه وجدعوا أنفه وقطعوا أذنيه وكفروا بالله وارتدوا عن الإسلام وساقوا الإبل معهم! وكلها مخازٍ وفضائح بعضها على بعض ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠].
فأتى خادم من موالي الرسول ﷺ ففر منهم وأتى وأخبرهم في المدينة فسمعه سلمة وهو في الطريق فقال: ماذا حدث؟ فأخبره الخبر، فقام سلمة على جبل أحد قال: فصوت حتى أسمعت ما بين لابتيها قبل صلاة الفجر، ثم أخذ وراء هؤلاء يريد أن يلاحقهم قبل أن يصبحوا في قومهم في غطفان، وإذا دخلوا في غطفان منعتهم غطفان، قال: فلحقتهم بعد طلوع الشمس بعد أن ارتفع النهار، قال: فكنت أرميهم بالحجارة وأعطلهم فيعودون إلي فأفر إلى الجبل، فإذا رجعوا؛ شددت وراءهم، قال: فأثخنتهم بالجراح، حتى أخذوا ينزلون بردهم من عليهم ويقولون: ماذا لقينا منك هذا اليوم؟ قال: فحاججتهم وعلمت أن الرسول ﷺ سوف يرسل سرية ورائي وظللت أريد أن أمهلهم وأثبطهم حتى تأتي السرية، فلما أتوا يريدون الماء وقت الظهيرة وقد عطلهم أن يصلوا ديارهم، قال: وإذا بالغبار ينقاد من وراء الجبل؛ فعلمت أنها سرية رسول الله ﷺ ، فنظرت وإذا به كرز بن عبد الرحمن أحد الأبطال والشباب من شباب محمد ﷺ يقود كتيبةً قوامها ثلاثمائة مقاتل، فطوقت المكان واستسلم هؤلاء الخونة، وأتى ﷺ فلقيه سلمة فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الجيش أصبح به غطفان؛ فتبسم ﷺ وقال: ملكت فاسجح.
أي: أنك توليت فاعفوا واصفح، انتهى الأمر، فأخذ ﷺ هؤلاء السبعة فألقاهم في الحرة فقطعهم من خلاف ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] وسمل أعينهم ﷺ بالمسامير الحارة، وتركهم يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا عطشاً.
إذا الشاهد من هذا أن التدريب على القتال قبل نزوله ومنها المسابقة بين الخيل، والمصارعة، وأن هذا من أسباب القوة ومن إظهار الاستعداد لقتال الكفار، والرسول ﷺ -كما تعرفون في السيرة- صارع ركانة، ولو أن بعض أهل الحديث له كلام في هذا لكن هكذا ورد في السيرة أنه ﷺ صارع ركانة وقد كان من أقوى الناس وأشد العرب، فأتى إلى الرسول ﷺ يريد أن يسلم، فطلب معجزة؛ فأعطاه ﷺ المصارعة، فصارعه أول مرة فصرعه ﷺ ، ومرة ثانية فصرعه، وثالثة فأسلم ودخل في دين الله.
وصح أنه ﷺ تسابق هو وزوجه عائشة ﵂ وأرضها، وهذا من كمال خلقه ومن حسن عشرته ﷺ ، فإن الذي نشعر فيه بالتقصير في الغالب سوء العشرة مع النساء، فإن بعض الناس يكون ضحاكاً بساماً مزاحاً مع الناس، فإذا دخل بيته؛ كشر وتزمت وغضب، وفي كتاب الأدب المفرد للبخاري قال زيد بن ثابت ﵁: [[الدعابة مع الأهل، والوقار مع الناس]] وقال بعض السلف: كن كالطفل إذا دخلت على أهلك.
وقالت عائشة ﵂: ﴿كان رسول الله ﷺ إذا دخل علينا دخل علينا ضحاكاً بساماً مزاحاً ﷺ ﴾.
стр. 4537
جواز التوسع في اللعب المباح الذي لا يصد عن ذكر الله
المسألة الثامنة: التوسع في بعض اللعب المباح الذي لا يصد عن ذكر الله ولا يشغل عن طاعته في مثل المناسبات والأعياد، كالرمي والنضل والمسابقة وإنشاد الشعر والمساجلة والمطارحة وبعض المزاحات التي لا يدخلها كذب ولا غيبة ولا استهزاء بالمسلمين ولا تقسي القلب.
والصحابة مزحوا بل مزح سيدهم ﷺ ، قيل لـ سفيان الثوري: المزح هجنة.
قال: بل سنة.
فكان ﷺ يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً، وكانت تعجبه الدعابة ﷺ .
وورد في السيرة: أن ابن النعيمان كان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان رجلاً مزاحاً من الأنصار.
أتى أعرابي في المدينة بسمن وعسل فأخذ السمن والعسل منه، وقال: اطلب قيمته من ذاك الرجل (يقصد الرسول ﷺ ثم ذهب إلى الرسول ﷺ وقال: هذه هدية أهديتها لك يا رسول الله.
فدعا له رسول الله ﷺ ؛ لأنه أصلاً يريد الدعوة، وأما الحساب وقضية الحساب فأمر آخر، فدعا له ﷺ فلما انتهى وخرج وإذا بالأعرابي يقول: اعطني مالي.
قال: وما مالك؟ قال: قيمة السمن والعسل؛ فتبسم ﷺ وأعطاه.
ابن النعيمان سافر مع أبي بكر إلى دمشق، فلما أصبحوا في الطريق أتى رجل من الأنصار وكان أسمر اللون، وكانت عنده الميزانية: التمر والدقيق والخبز وكل شيء، وكان هو الذي يوزع عليهم الأكل وابن النعيمان كان رجلاً أكولاً، يريد خمس أو ست وجبات في اليوم، وكان هذا الرجل المتصرف يريد أن يوزع عليهم وقت الوجبة فحسب، فكان يطلبه كثيراً يقول: اعطني تمراً، اعطني خبزاً فيرفض فقال ابن النعيمان: والله لأرينك.
فلما وصلوا إلى الشام وهناك أسواق يباع فيها الرقيق قبل أن يعتق الرقيق، ذهب ابن النعيمان إلى تجار من أهل الشام قال: عندي مولىً لي وسوف يقول لكم أنه ليس مولى، لقد اتعبني وأشغلني فأريد أن تشتروه مني.
قالوا: سمعاً وطاعة.
فنازلهم في الدراهم فلما دفعوا له القيمة، قال: تعالوا معي، وسوف يقول لكم: إنه حر فإن كنتم تريدون إشغالي وإشغاله فلا تأخذوه من الآن.
قالوا: لا.
فأخذوا الحبال واقتربوا منه، فلما قربوا منه قال: إني حر، أعيذكم بوجه الله، لا تقربوا مني.
قالوا: أخبرنا قبل أن تخبرنا أنك سوف تفعل، فقيدوه وسحبوه.
فلما أتى أبو بكر ﵁ وأرضاه قال: أين فلان؟ قال ابن النعيمان: بعته يا أبو بكر.
قال: ممن؟ قال: بعته قبل قليل في السوق.
قال: فعل الله بك وفعل، وضحك أبا بكر حتى استلقى ﵁ وأرضاه فدخل أبو بكر السوق يلتمس وينادي: أين فلان؟ فأجابوه، فلما رأى التجار أبا بكر عرفوا وجهه؛ لأنه كان سفيراً في الجاهلية وفي الإسلام، صبيحاً قائداً زعيماً، فلما رآه قال: هذا فلان من أسرة آل فلان من الأنصار.
فأطلقوا له الرجل، قال: فلما وصل إلى الصحابة ضحكوا حتى ترادوا هذه القصة عاماً كاملاً.
هذا من ضمن ما ورد في المزح المباح، ولكن بعض المزح قد يجحف أو يغضب فعلى العبد أن يتجنبه.
стр. 4538
حكم حمل السلاح في الأعياد
المسألة التاسعة: كيف يجمع بين لعب الحبشة بالسلاح في العيد وبين النهي عن حمل السلاح في الأعياد؟
لقد عقد البخاري باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، ويجمع بينهما بأمور:
أولاً: أن النبي ﷺ أراد أن يتألفهم إلى الإسلام فتركهم يلعبون بالحراب في العيد.
الأمر الثاني: أنه لا يخاف منهم أشراً ولا بطراً ولا تجبراً ولا تكبراً.
الأمر الثالث: أنه لا يخاف منهم أن يعدو بعضهم على بعض، وإنما منع حمل السلاح في الأعياد لأن بعض الناس والقبائل بينهم ثارات أو بعض الأشخاص قد يأخذونه فرصة فيقتل بعضهم بعضاً في مجمع الناس، والرسول ﷺ منع من إدخال السلاح في الحرم وحمل السلاح في الأعياد والمناسبات، حتى أتى ابن عمر ﵁ وأرضاه مكة لما حج الحجاج الطاغية؛ فطعن أحدهم ابن عمر في رجله ﵁ وأرضاه- برمح، فأتى الحجاج يزوره، ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
يقول هذا دجلاً ويقول: من طعنك؟ ليتني أدري، وهو الذي أمر بطعنه كما يقول بعض أهل العلم، قال ابن عمر: أنت الذي طعنتني.
قال: ولمه؟ قال: أمرت بإدخال السلاح في يوم لا يدخل فيه السلاح، فدعا عليه ابن عمر، ومات منها ابن عمر ﵁ وأرضاه.
فهذه مسائل هذا الباب الذي عقده البخاري في كتاب العيدين، والذي أتحفنا به، وكل كتب البخاري وأبوابه حسنة، بل تزداد حسناً كلما تأملها الإنسان وتدبرها، وكأن القائل حينما يرى هذا التبويب وهذا الكلام وهذا الجهد المشكور يقول للبخاري:
بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا
أم المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا
لو ذاقها مدنف قامت حشاشته ولو رآها غريب داره لسلا
اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إن نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 4539
حسبنا الله ونعم الوكيل !
إنها الكلمة التي قالها إبراهيم ﵇ وهو بين السماء والأرض عندما ألقي في النار فأنجاه الله.
وهي الكلمة التي قالها النبي ﷺ لما اجتمع عليه الناس.
وهي الكلمة التي قالها ويقولها أصحاب الدعوات في كل زمان ومكان إذا أدلهمت بهم الخطوب، واشتدت عليهم الكروب، فماذا تعني هذه الكلمة العظيمة؟
وما هو تعريف التوكل عند أهل العلم؟ وكيف يكون التوكل؟ وهل الأخذ بالأسباب من التوكل؟ ثم ما هي صفات السبعين الذين يدخلون الجنة بغير حساب؟
كل هذه المسائل أجاب عنها الشيخ في هذا الدرس.
стр. 4540
فضل كلمة: (حسبنا الله ونعم الوكيل)
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
ويتجدد اللقاء، ويزداد الشوق، ويتكاثر الحب لأناس ما أحببناهم إلا في الله , وليس بأول مرة ولا بآخر مرة -إن شاء الله- أن نرى الأخيار والأبرار, وأن نرى شباب الصحوة وجنود محمد ﵊ تكتض بهم المساجد, وتزدحم بهم الأرصفة، وهم يكونون مسيرة للواحد الأحد, إنني أقول لكل شاب منهم:
أحبك لا تسأل لماذا لأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي
وأرتاح أن ألقاك في كل مجلس لقاؤك فوز للحبيب المعذب
أيها الأخيار: نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بهذا الحب, فوالله إن القلب ليسعد أن يرى المسلم أمامه وهو يحضر هذه المجالس، ليشارك بمجلس من مجالس الخير يحفظ له عند الله، اللهم إن أهل الباطل يجتمعون في مجالس ينكثون عهدك، ويحاربون أولياءك، ويحشدون حشودهم من أجل معاصيك،
اللهم فقد اجتمعنا لمرضاتك يا رب العالمين, واجتمعنا لنرفع لواءك فارحمنا رحمة عامة وخاصة.
ثم إنني أزف إليكم بشرى، وهي: أنا جئت من الجنوب وهناك آلاف الشباب يملئون المساجد, يسبحون الله بالغدو والآصال, صحوة عارمة؛ لأن الله يقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
والله إذا أراد أن يتمم شيئاً فلابد أن يتممه, فالنور نوره, والرسالة رسالته، والرسول رسوله قال تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
وعنوان المحاضرة كما ذكرنا: "حسبنا الله ونعم الوكيل" وهي كلمة المسيرة التي تحققت في حياة الإمام الأعظم محمد ﵊, قالها في رهج العاصفة, قالها وهو يصارع الأحداث؛ لأنه كما يقول بعض المعاصرين: إنه ﵊ فتح جبهات عديدة: جبهة ضد الصهاينة , وجبهة ضد النصرانية , وجبهة ضد المجوسية , وجبهة ضد الصابئة , وجبهة ضد المشركين, وكلها يتلقاها بـ (حسبنا الله ونعم الوكيل) , وهي الكلمة التي قالها إبراهيم ﵇ وهو بين السماء والأرض عندما وضع في المنجنيق, فلما اقترب من النار أتاه جبريل ﵇، فقال له: ألك حاجة؟ فنبض التوحيد والتوكل في قلب إبراهيم، فقال: أما إليك فلا.
وأما إلى الله فنعم.
حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعل الله له النار برداً وسلاماً.
والله يصف أولياءه في أحد , والرسول ﷺ كله جراح, وقد انكسرت رباعيته ودخل المغفر في رأسه ﵊, وذُبح من أصحابه سبعون, فأتاه رجل من الناس يقول: إن الناس قد جمعوا لكم، فقال ﵊: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
стр. 4541
أهمية الاعتصام بالله والتوكل عليه
روى البخاري وغيره في الصحيح وزاد الإسماعيلي في روايته: ﴿أن الرسول ﷺ -سيد المتوكلين- خرج إلى الصحراء في غزوة يجاهد في سبيل الله, وفي الظهيرة تفرق أصحابه تحت الشجر ينامون، كل وضع رداءه لينام, وأخذ ﷺ الشجرة الكبيرة فنام تحتها وخلع ثوبه وعلقه في الشجرة وبقي في إزار، فلما نام ﵊ -ولكن كما يقول شوقي:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
أي: إذا لاحظتك عناية الله فنم ملء عينك, ونم ملء جفونك ولا تخف ﴿نام ﷺ فأتى مشرك من المشركين فاخترط سيف الرسول عليه الصلاة السلام صلتاً بيده, وأيقظ الرسول ﵊, والرسول ﷺ مضطجع أمامه، فيقول المشرك: من يمنعك مني؟ قال: الله! فاهتز المشرك خوفاً ورعباً وسقط السيف من يده, فأخذ الرسول ﷺ السيف وأجلس المشرك، وقال له: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، كن خير آخذ، قال: عفوت عنك﴾ فأسلم الرجل ودعا قبيلته للإسلام فأسلموا عن بكرة أبيهم.
يقول في حديث قدسي يصححه بعض العلماء: ﴿وعزتي وجلالي ما اعتصم بي أحد فكادت له السماوات والأرض إلا جعلت له من بينها فرجاً ومخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم بغيري أحد إلا زلزلت الأرض من تحت قدميه﴾ فالذين يتصلون بغير الله جبناء وسفهاء, ولا يملكون شيئاً حتى ولو خططوا وملكوا ورصدوا ولو حاولوا فالقدرة قدرة الله, اسمع إلى الله تعالى وهو يقول: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٩ - ٨٠].
يقول لرسوله ﵊ ولكل مسلم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] لأن الله لا يموت أما سواه فيموت، الأنداد, والأضداد, والهيئات, والمنظمات, والكيانات كلهم يموتون، والمطلوب منا ألا نخف إلا من الله، قال بعض المفسرين: إذا أردت أن تكون أشجع الناس فلا تخف إلا من الله, ومن خاف من غير الله, خوفه الله من كل شيء، يقول : ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] والتوكل فسره أهل العلم فقالوا: أن تفوض أمرك إلى الله، كما فعل موسى ﵇, أتى إلى البحر والعدو من ورائه فقال بنو إسرائيل: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢].
وكما فعل ﵊ في الغار يوم قال لـ أبي بكر: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾ فنجاه الله.
وكما فعل الصالحون من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ويفعله الدعاة دائماً، أن تفوض أمرك إلى الله, قال تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣].
ويقول تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
ويقول تعالى أيضاً: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٢٦].
لا تهولنكم الأنظمة الكافرة, والكيانات الصادة عن منهج الله, ولو عظمتها أجهزة الإعلام, ولو ذكرت قواها, فإنها تبور أمام قوة الواحد الأحد.
ورأيت ابن تيمية شيخ الإسلام ﵀ ذكر دعاء موسى ﵇ في سيناء يوم سجد وقال: "اللهم إليك المشتكى, وأنت المستعان, وعليك التكلان, ولاحول ولا قوة إلا بك".
وذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن موسى ﵇ يوم أن كشف الغطاء عن البئر، ثم عاد إلى الظل قال: يا رب مريض فقير غريب جائع -موسى فيه أربع صفات هي: أنه فقير، ومريض، وجائع وغريب- فأوحى الله إليه: يا موسى! الفقير من لم أكن أنا مغنيه، والمريض من لم أكن أنا طبيبه، والجائع من لم أكن أنا مطعمه، والغريب من لم أكن أنا مؤنسه.
وقال ابن القيم في الفوائد: "من توكل على الله أكسبه عشيرة بلا عشيرة".
стр. 4542
أثر التوكل على الله في النصر على الأعداء
يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣].
ولذلك يمدك الله بنصره وتوفيقه، ويشتد على قلبك؛ لأن الواحد الأحد كتب الغلبة له وحده، فيقول: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] ومن الآيات في هذا الباب قوله : ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] والسبب أن الرسول ﷺ حفر مع الصحابة-كما تعرفون- الخندق فلما عرضت في الطريق صخرة عظيمة، فما استطاع الناس أن يزيلوها, فأعطوا الرسول ﷺ المعول فنزل بيده الشريفة فضرب الصخرة فبرق بارق من الصخرة ملأ المدينة قال: ﴿أريت قصور كسرى وقيصر وسوف يفتحها الله علي﴾ هذا في وقت الضيق والجاهلية تحاصره، فيضحك المنافقون ويتغامزون ويقول أحدهم: أحدنا لا يجترئ أن يبول، وهذا يقول: يفتح الله عليه قصور كسرى وقيصر، يقول تعالى عن المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] فأما أبو بكر وعمر وأمثالهما فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢].
وبالفعل فتحها الله عليه, وسبح المسبحون بحمد الله بدعوته في أسبانيا والسند وفي طاشقند وأذربيجان، وجورجيا وفي سمرقند كلها بدعوة المعصوم ﵊؛ لأنه توكل على الله, وقال الأنبياء: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [ابراهيم:١٢].
стр. 4543
توكل الأنبياء والصالحين على الله
ذكر سير الصالحين وأن كل واحد منهم كان يقول: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] ويقول هود ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] فيقول أحد المفسرين: الله على صراط مستقيم، والرسول على الصراط المستقيم، والإسلام صراط مستقيم والصالحون على الصراط المستقيم.
في كفك الشهم من حبل الهدى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرف
قيل لـ ابن مسعود: ما هو الصراط المستقيم؟ قال: [[محمد في أوله وتركنا في آخره]] ويقول ابن القيم: "في الدنيا صراط مثل صراط الآخرة من نجا فيه هنا نجا هناك" لأن الصراط هنا هو الطريق المستقيم، وفيه شهوات وشبهات ومعاصٍ, ومنكرات, فكلما نهشتك شبهة؛ نُهِشْتَ بشوك السعدان أو الكلاليب على صراط جهنم، أعاذنا الله وإياكم من السقوط والوقوع من على الصراط، إنه على كل شيء قدير.
يقول شعيب -وهو خطيب الأنبياء- ويقال: ما سُمع بحجة كحجة شعيب ﵇ وكان خطيب الأنبياء وكان فصيحاً وحججه دامغة أوردها الله في سورة هود إيراداً عجيباً، يقول شعيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] يقول المفسرون: توكلت في أول الطريق وأنيب في آخر الطريق، ويقول الله لرسوله ﵊: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] ولا يمكن لأحد أن يصارع الأحداث إلا بالتوكل على الله الواحد الأحد، ويجعل قوته من قوة الله المستمدة لا من قوة البشر، انظر إلى الأدعياء الذين يتبعون الكيانات دائماً ويفتخرون بها، تجد الواحد منهم عنده نشوة أنه يتبع فلاناً, وأنه من خدم فلان, ولكن أنت مع الله وفي حزب الله قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
قال ابن عباس: [[كان آخر كلام إبراهيم ﵇ يوم ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل]] وفي الصحيحين أن ابن عباس ﵄ قال: قال: رسول الله ﷺ : ﴿رأيت البارحة في المنام النبي ومعه الرهيط -أي: مجموعة قليلة- والنبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد، فإذا سواد عظيم فظننتهم أمتي، فقالوا: هذه أمة موسى ﵇, ثم إذا سواد عظيم قد سد الأفق فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب﴾ ثم قام ﵊ وترك المجلس، فخاض الناس فيهم، فقال بعض الصحابة: هم الذين ولدوا في الإسلام، وقال بعضهم: هم الذين صحبوا الرسول ﵊، وقالوا أشياء أخرى، فخرج ﵊ وأخبرهم فقال: ﴿هم الذين لا يكتوون، ولا يتطيرون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون﴾ وفي الحديث مسائل ليس الآن مجال بحثها، ومعنى: "لا يتطيرون" أي: لا يعلقون أحداثهم بالطير كمن يتشاءم بالطير ومن يظن أن هناك فألاً حسناً أو فألاً مشئوماً هذا:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
فعلم الغيب عند الله ليس عند الطير، كذلك بعضهم يتفاءل أو يتشاءم بصوت الثعلب، أو بعضهم بصوت الغراب حتى يقول بعضهم:
ناح الغراب فقلت نح أولا تنح فلقد قضيت من الأنام ديوني
ويقول النابغة:
زعم البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك خبرنا الغراب الأسود
فالعرب عندها سانح وبارح، فالسانح: إذا طار الغراب في الصباح على الميمنة سافروا، وإذا طار في الميسرة لم يسافروا، كانت أمة جاهلة قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] وقال: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
يذكرني هذا الحديث بحديث في الصحيحين لطرافته وحسنه, أورده هذه الليلة لأن فيه مسألة خاض الناس أي: اختلف الناس في مراد الرسول ﵊.
وهذا الحديث هو في خيبر حيث أرسل ﵊ من يفتحها فاستعصت عليهم فكان الناس مهمومين مغمومين مكروبين وبعد صلاة العشاء قال ﵊: ﴿لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه﴾ قال عمر: [[ما أحببت الإمرة إلا ليلة إذ]] أي: أحببت أن أكون أنا صاحب الراية؛ لأنه من مواصفاته أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله, فليست رتباً عسكرية, ولا شهادات علمية، إنما هي رتبة عالية هي: حب الله والرسول، وبات الناس يدوكون من يعطاها, فصلى ﵊ صلاة الفجر وسلم، والتفت إلى الناس وقال: ﴿أين علي بن أبي طالب؟﴾ قالوا: يا رسول الله! في خيمته في طرف المعسكر، وهو لم يحضر صلاة الفجر مع الرسول ﷺ ؛ لأنه لا يرى مد يده حيث أصابه رمد في عينيه، فقال ﵊: أين هو؟ قالوا: به رمد يا رسول الله لا يرى شيئاً، قال: عليّ به، فذهب الناس يقودونه إلى المعصوم ﵊، فلما اقترب منه تفل في عينيه فأصبح كأن لم يكن به رمد قال: ﴿خذ الراية، وادعهم قبل أن تقاتلهم، لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
فأين الإعلام العالمي الذي يقول: إن شباب الصحوة ودعاة الإسلام يريدون قتل البشرية؟ في الجزائر يوم خرج مليون جزائري قبل شهر من المساجد يكبرون ويهللون في شوارع الجزائر وهم يطالبون بحكم الله ويقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
قام عليهم الإعلام العالمي قال: الأصوليون يريدون إزهاق الأرواح, أتباع محمد ﷺ الذي بعثه الله ليخرج الإنسان من الظلمات إلى النور! بعثه بالسعادة والنور والإيمان قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] أما الصهيونية والعلمنة والزنادقة والحداثيون، والمهرجون، والمغنون، والضائعون فلهم الميدان والإعلام والمكانة, وأما هؤلاء فهم متهمون دائماً, تلاحقهم التهم, سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
وذكر الترمذي في حديث حسنه أن الرسول ﷺ ، قال: ﴿لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً﴾ الطائر في الصباح من يتكفل برزقه إلا الله, حتى أن ابن تيمية له كلمة في هذا يقول: "الطيور في أوكارها تشدوا بذكره " إذا سمعت الحمام يغني فاعلم أنه يشدوا بذكر الواحد الأحد، "والدود في الطين تلهج بذكره " والحيتان في البحر, وجميع ما في الأرض يسبح له ، قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].
وقد سمعت بعض الفضلاء يذكر قصة، يقول: رأيت عصفوراً كان يأتي إلى رأس نخلة, يهاجر من مكان إلى مكان, ومن ثم يعود إلى رأس النخلة، والعصافير عند العرب لا تبيض في النخلات، قال: فتعجبت كيف يأتي العصفور إلى النخلة؟! فصعدت النخلة فوجدت حية عمياء ويأتي هذا العصفور برزق هذه الحية, فإذا اقترب هذا العصفور فتحت الحية فمها فأعطاها اللحمة والخبز، وهذه الحية العمياء في مكانها, رزقها بهذا الرزق, وهذا عجب من الأعاجيب؛ فإن الله يرزق الحية العمياء وهي في جحرها فكيف لا يرزق الإنسان، حتى يقول : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢].
حتى يقول بعض الفضلاء من الفلاسفة يقول: يخرج الإنسان من بطن أمه أول ما تضعه أمه ويداه مقبوضتان من حبه للدنيا وحرصه عليها, حتى يقول أحدهم:
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
فهو التوكل على الله , وممن توكل على الله أصحاب الرسول عليهم الصلاة والسلام خرجوا في الصحراء مع العلاء بن الحضرمي! فانقطع بهم الماء في صحراء الربع الخالي، بحثوا عن الماء فلم يجدوا شيئاً, حتى ذكر في السير أن بعضهم حفر قبره وجلس عليه! فقام أحدهم وقال: يا علاء بن الحضرمي ادعُ الله أن يغيثنا، فقام العلاء الحضرمي وقال: يا علي يا عظيم! يا حكيم يا عليم! أغثنا؛ فأتت غمامة لتوها فنزل القطر.
أنا أعرض عليكم قصة ربما سمعها الواحد منكم مائة مرة سامحوني في التكرار, لكني أزعم أنني لا أكرر, وأن القصة ولو تكررت فهي في قالب آخر وفي مجال آخر:
قالوا تكرر قلت أحلى علماً من الأرواح أغلى
فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلاً وسهلا
لكن خذوا هذه القصة, وألقوها في دار الإلحاد العالمي والشيوعية العالمية في موسكو , فإذا لم يؤمنوا فاعلموا أنما يتبعون أهواءهم.
في يوم الجمعة يصعد الرسول ﵊ على المنبر ويقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيقول الصحابة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته -في جو المدينة صيف قارص, والشمس لامعة ليس هناك قطعة سحاب- يقول أنس: ﴿والذي لا إله إلا هو، ما في السماء من سحاب ولا قزعة﴾ فيأتي أعرابي ورسول الله ﷺ على المنبر يتكلم في موضوع آخر, والأعرابي يأتي من طرف المسجد -من باب الندوة فيدخل- فيقول الأعرابي: يا رسول الله! اجاع العيال, وضاع المال فادع الله أن يغيثنا، فتوقف ﷺ وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا﴾.
قال أنس: ﴿فسارت سحابة كالترس -الذي يضعه المقاتل على رأسه- فملأت جو المدينة ثم أرعدت, ونزل المطر وصار الماء يتصبب من سقف المسجد على وجه الرسول ﷺ , وأخذ يتبسم ﵊﴾ هذا سيد المتوكلين, محمد ﷺ ، وكان يسجد في المحراب في الطين وبقي المطر أسبوعاً كاملاً ليل نهار لا ينقطع حتى يقولون: سال وادي قناة في المدينة شهراً كاملاً وهو يسيل وبعد أسبوع في الجمعة دخل الأعرابي أو غيره, والرسول ﷺ في الخطبة والمطر متواصل مدة أسبوع إلى الجمعة الثانية وهو مستمر فقال: يا رسول الله! جاع العيال، -أي: ما خرج بسبب المطر- وضاع المال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يرفع عنا هذا المطر، انظر ما أسرع العبد، لا يستقر على حال البأس ولا على حال النعمة، متبجح هذا الإنسان يقول تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً﴾ [الاسراء:٨٣].
الإنسان إذا ألقي في السفينة, وأخذت تموج به في الهواء تجد الدعاء والتذلل والتضرع لله, فإذا خرج بطر, وأخر الصلاة, وعصى وتمرد على الله، قال: ادع الله أن يرفع عنا الغيث، فتبسم ﷺ وقال: ﴿اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال أنس: فوالله ما يشير إلى جهة إلا انصب الغيث جهتها، قال: فخرجنا من المسجد في مثل الجوبة﴾ أصبحت المدينة في مثل الجوبة، أصبحت الشمس فقط ترسل أشعتها إلى المدينة وأما حولها فغيث،: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].
هذه واحدة من ألف معجزة للرسول ﷺ ، وهي تنبيء عن توكله على الله ﵊.
وأتى البراء بن عازب إلى الرسول ﷺ قال: يا رسول الله! علمني دعاء أدعو به إذا أردت أن آخذ مضجعي -وفي بعض الألفاظ أنه هو الذي علمه- فقال ﵊: ﴿إذا أويت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة وقل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك لا منجا ولا ملتجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، ثم نم فإنك إن مت من ليلتك مت على الفطرة﴾ وهذه وصية من رسول الله ﷺ ، والمقصود بهذا: حتى في النوم يجب أن تتوكل على الله .
وكان ﵊ كما في الصحيح إذا خرج من بيته -في حديث أم سلمة - يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أُزل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يُجهل علي﴾ وهذا دعاء مطلوب من المسلمين أن يقوله المسلم كلما خرج من بيته, وفي رواية صحيحة من حديث الترمذي وأبي داود كان يقول ﵊: ﴿باسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أُزل، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل علي﴾ ويقول ﵊ في صحيح مسلم وفي مسند أحمد: ﴿يدخل الجنة أقوام أفئدتهم كأفئدة الطير﴾ قال النووي: قيل هم المتوكلون على الله، وقال بعضهم: وهم في توكلهم على الله مثل الطير التي هي أعظم المخلوقات توكلاً على الله, تجده يخرج في الصحراء لا يدري هل يلقى حباً أو لا, فيلقى حباً ويملأ الله بطنه طعاماً بدون حيلة.
стр. 4544
عجائب من الحيوانات في رزق الله لها
حتى ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان: أن الحية في الصحراء -في مثل الربع الخالي - تعيش السنوات, فإذا جاعت خرجت فنصبت نفسها كالعود؛ لأن الغراب لا يهبط إلا في مكان فيه عود, فيظنها عوداً فيهبط على رأسها فتأكله، من الذي دلها؟! الله.
وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاكا
يقول : ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] الحيوان يخرج من بطن أمه فيأتي إلى الثدي، من علمه؟! الله، النملة تعلم -بإذن الله- بأنه سوف يأتي فصل الشتاء فيه برق ورعد ومطر وسيل فتأخذ الحبوب فتجعلها في المخزون عندها في المستودع, وتخاف النملة إذا وضعت الحب في الطين في المستودع أن تنبت الحبة فتأتي إلى الحبة فتقسمها نصفين، ذكرها ابن القيم في مفتاح دار السعادة وهذا صحيح وأثبته أهل الطب من علمها؟! الله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
النحلة تذهب الأميال الطويلة ثم تعود إلى خليتها، حتى يقول الأمريكي كرسون مرسون: عندها جهاز أريال، فيقول سيد قطب: لا ما عندها جهاز أريال، ليس هذا الجهاز، ولكن عندها جهاز: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨].
هذا التوكل على الله , لكن الكثير من الناس لا يتوكلون على الله , وهم يصلون ويصومون، ولقلة اعتصامهم بالواحد الأحد, تجد بعضهم يخوفك من أهل الدنيا أخوف من الله ، يقول: انتبه! هم إذا أرادوا نفذوا ما أرادوا، والله يلغي ذلك ويقول: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦].
يقول أهل السنة ليس في الدنيا فعال لما يريد إلا الله، فليس كل أحد يريد شيئاً يمكنه أن يفعله, فإن من الناس من يريد شيئاً ولا يفعله، ومنهم من يفعل شيئاً ولا يريده، أما الذي يريد ما يفعل ويفعل ما يريد فهو الله، قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٦] أحياناً أنت تفعل شيئاً وأنت ما أردته، أحياناً يسقط عليك المسجل، فيقول صاحبه: لماذا أسقطته؟ فتقول: ما أردت، صحيح ما أردت، يعني: أن حركاتك وسكناتك بيد الواحد الأحد، أحياناً تقول: أريد أن أعبر البحر ماشياً, هذا ما أردت لكن لا تفعل؟ أتحداك! لست فعالاً لما تريد، أما الله فهو فعال لما يريد, هذه كذلك من المفارقات بين الخالق والمخلوق .
стр. 4545
الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل
أيضاً فيما يتعلق بهذا الباب ما ذكره العلماء كما عند ابن ماجة: ﴿من خرج من بيته وقال: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان﴾ فأوصيكم بهذا عند ذكركم وخروجكم ومزاولتكم لأعمالكم, أن تتوكلوا على الله لكن بالقلوب, وأن تعتقدوا أنه لا ينفع ولا يضر إلا الواحد الأحد .
ومن هذا الباب ما ذكر عن كثير من السلف منهم عمر ﵁ وأرضاه أن رجلاً كان يلزم باب عمر يسأله في حاجة, ثم ذهب هذا الرجل وقال: يا رب أسألك أن تغنيني عن عمر وعن آل عمر، فأغناه الله فسأله عمر، فقال: ما بك انقطعت عنا؟ قال: أغناني الله عنك وعن آل عمر لأني دعوت بهذا، وهذا عمر يريد أن ينقطع عنه الناس, ويتصلون بالله لأن الخزائن في يديه، وكان عمر يحرك الناس إلى الله حتى نزل فرأى أعرابياً في السوق، قال: كيف أنت يا فلان؟ قال: الحمد لله، قال عمر: إياها أريد، يعني: أريد أنك تقول: الحمد لله.
ومما يلحق هذا الجانب -أيها الإخوة- أن المحققين من أهل العلم يقولون: إن الأسباب لا تنافي التوكل, فإن الرسول ﷺ بارز في درعين وهو سيد المتوكلين, وأخذ بالأسباب وهو سيد المتوكلين ﵊، وعند الترمذي وغيره من أهل العلم كـ البيهقي وأبي نعيم: ﴿أن أعرابياً أتى إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أترك ناقتي وأتوكل؟ أو اعقلها وأتوكل، قال ﵊: اعقلها وتوكل﴾.
فأدِّ السبب واترك المسبب وهو الله فإنه سوف يحكم أمره، فلذلك على أهل الخير أن يعملوا بالأسباب ويتركوا المسبب يفعل ما يريد، فأنت عليك مثلاً: أن تذاكر إذا أردت أن تنجح، وعليك أن تعمل صالحاً إذا أردت الفوز في الآخرة.
وعند أحمد في المسند أن الرسول ﷺ قال: ﴿نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾ أو كما قال ﵊، قال أهل العلم: قوله ﵊: جعل رزقي تحت ظل رمحي: أي: أن الله جعل سبب رزقه بالجهاد في سبيل الله, وهو الفيء والغنائم، فالرسول ﷺ زاول العمل وفعل ثم منحه الله , لا أن معنى التوكل أن تقول: رزقي سوف يأتيني في بيتي.
أنتم تعرفون القصة المشهورة -وهي ثابتة- أن عمر ﵁ وأرضاه دخل المسجد فوجد شباباً يصلون ويسبحون في المسجد، فقال: ماذا تفعلون؟ قالوا: نعبد الله، قال: كلنا نعبد الله، قال: من يرزقكم؟ قالوا: الله -يُعلِّمون عمر أن الرازق هو الله- قال: أعلم أن الرازق هو الله، لكن من يطعمكم ويسقيكم؟ قالوا: جيران لنا، قال: جيرانكم خير منكم، انتظروني قليلاً، فانتظروه وأغلق عليهم المسجد, وأتى بدرته -بيض الله وجهه ووجهها- فدخل عليهم وبطحهم على ظهورهم وبطونهم ثم قال: [[اخرجوا فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، اخرجوا واعملوا]] فهو يدعو إلى أن تكون عندك مزاولة في الحياة ويكون لك مشاركة وتأثير، وتكسب المال ولا تصدق الدعوات المنحرفة التي تدعوك إلى الخمول والكسل, وتدعوك إلى ترك التأثير في العالم, وترك جمع المال كما يفعله الصالحون حتى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل اكسب واعمل واعبد الله , والله يتولاني وإياك.
أيها الإخوة الكرام: صراحة لا أريد أن أستهلك المحاضرة في كلام, لأني ما أردت بهذا إلا أن أشير إليكم وأذكركم بكلمة "حسبنا الله ونعم الوكيل" ولعلنا نجدد في أسلوب المحاضرات, لا يلزم أن تكون المحاضرة كلها من المغرب إلى العشاء فيكون لها مقدمة وختام ولا نبقي للأسئلة وللمشاركة وقتاً:
стр. 4546
الأسئلة
стр. 4547
الحور العين ومآل الزوجة في الجنة
السؤال
يقول السائل: إن الله أعد للمتقين الحور العين, نريد أن نعرف ماذا عن النساء التقيات المتزوجات وغير المتزوجات وهل هناك فرق بينهن وبين الحور العين؟
الجواب
الذي يظهر أن الحور العين ينشئهن الله إنشاء في الجنة, ويمنحها لعباده المتقين، أما المرأة إذا كانت متزوجة فإنها لزوجها إذا كان زوجها يحبها وهي تحبه وكان صالحاً وهي صالحة, ولا يجبر ولا يجبر بزوجة لا يحبها أو كانت سيئة الخُلق، وقد أخبرنا بعض المشايخ يقول أحد الخطباء يوم الجمعة: أبشركم بشرى أن المسلم يزوج في الجنة بزوجته في الدنيا، فقال: أحد المصلين: ابتليت بها في الدنيا وأيضاً في الآخرة! ليس هذا بل إذا كان بينهما حب ووئام زوجهما الله، وأيضاً المرأة التي ما تزوجت يزوجها الله في الجنة، وهناك امرأة تزوجت أكثر من واحد -اثنين وثلاثة- فهي لأحب الأزواج إليها أو لآخرهم, هذا على خلاف بين أهل العلم, فالله أعلم بهذا, لا يهمنا إنما نعمل صالحاً وفي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 4548
نصيحة بقراءة كتاب
السؤال
هل في ذاكرتك آخر كتاب تنصحنا به؟
الجواب
نعم.
تعودت في المحاضرات أن أنصح ببعض الكتب، وفي آخر كل شريط, وأنا في هذه الليلة أطلب من نفسي ومنكم أربعين صفحة في أول كتاب لـ ابن تيمية المجلد الأول في توحيد الألوهية، في الفتاوى المجلد الأول من الفتاوى أربعين صفحة أو خمسين صفحة، فاقرءوها كلما ضعف إيمان كل واحد منكم فليقرأ من هو الخالق سبحانه ومن هو المخلوق؟ وكيف تتوكل عليه وتعتصم به؟ أعني: أن تجعل هذا المجلد عند رأسك وقبل النوم تقرأ منه صفحات، ولذلك بلغ هذا الرجل في الإيمان مبلغًا عظيماً ﵀ بسبب توحيده العظيم.
стр. 4549
دور الوافدين في الدعوة إلى الله
السؤال
ما هو دور الإخوة الذين توافدوا على جدة بقصد النزهة وأخذ هذه العطلة؟
الجواب
نعم.
أنا أرى أن هناك وجوهاً قد وفدت, حتى إني أرى كثيراً من الوفود قد وجدت.
وأرى الإخوة من الجنوب وأنا أعرف أهل الجنوب أكثر من غيرهم, وفدوا هنا, والشرقية والوسطى والقصيم قد يتوافدون وكل بلد منزله هو بلدنا لأننا معنا أحبة وإخوة يحملون قلوبنا ومبادئنا وأفكارنا وأشواقنا كما في القصيدة:
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأحزاني
بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبالفسطاط جيراني
وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على رباها بنينا العالم الفاني
في طيبة المصطفى روحي وا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني
والنيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان
دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان
فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
إن دور الوافدين في جدة وأمثالهم من الأخيار ومن أمثالكم, أقول باختصار: واجبهم أن يدعوا إلى الله , ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر, ولا يرضوا بالمنكرات ويمرون عليها ثم لا ينكرون ولا ينهون ولا يزجرون, فإن هذه خطورة ولو أن كل إنسان رأى منكراً وسكت، لعم الفساد في العالم, والله يقول : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
فوصيتي كلٌ بحسبه: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ تأمر بالمعروف بكلمة, وتنهى عن المنكر بكلمة, تصور لو أن صاحب الفيديو وعنده أفلام هدامة, يمر عليه في اليوم عشرة، كل واحد منهم يقول: اتق الله! هذا محرم, فإنه بعد وقت سوف يشعر أن الرأي العام ضده، وسوف يشعر أنه مخطئ، تلومه نفسه وضميره, وسوف ينتهي، لكنه يرى الناس ساكتين لا ينهونه ولا يزجرونه فيستمر في ذلك.
стр. 4550
ما موقفنا من الذين يتكلمون في العلماء ؟
السؤال
إن الدعاة عندنا في البلاد يَنالُ منهم الفسقة, ويتكلمون فيهم في المجالس حتى تكلم في سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، والشيخ/ ابن عثيمين، وتكلم فيكم، وفي الشيخ/ سلمان وناصر العمر؟
الجواب
الأمر الأول أقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] فإن كنا مؤمنين دافع الله عنا.
الأمر الثاني: على الدعاة أن يتصدقوا بأعراضهم ثم لا يعودون في الصدقة فتبتلى في سبيل الله -كما فعل بالرسول ﷺ وبدمائهم وبأموالهم.
الأمر الثالث: ينبغي على المؤمنين أن يدافعوا عن عباد الله , فإن من خذل أخاه المسلم خذله الله في موطن يحب أن ينصر فيه, وما من مجلس إلا ويحضره صالحون, فإذا سمعت أن عالماً أو داعية أو طالب علم تنتهك كرامته وتداس، فما موقفك إلا أن تدافع عنه وتبري ساحته, وأن يراك الله وقد جاهدت وقلت الكلمة، والحمد لله نحن نعلم أن الله قد جعل خطين متدافعين متوازيين قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل
هذا لا يهم، وأمرنا إلى الله ، وأسأل الله أن يجعلها كفارة في سبيله، فالرسول ﷺ أتى إليه ابن مسعود يقول له: يا رسول الله! فلان يسبك قال: ﴿رحم الله موسى ابتلي بأكثر من هذا فصبر﴾ وعند البخاري في الصحيح ﴿وصبر﴾ وأصل القصة في غير البخاري: ﴿أن موسى كلم الله ، فقال: يا رب أسألك مسألة، قال: ما هي؟ قال: أن تكف ألسنة الناس عني، قال: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي إني خلقتهم ورزقتهم ويسبونني ويشتمونني﴾ وفي البخاري: ﴿يسبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك, ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي فيسب الدهر, وأنا الدهر أصرف الليل والنهار كيف أشاء، وأما شتمه إياي: فيدعي أن لي صاحبة وولداً وأنا الله لم أتخذ صاحبة ولا ولداً﴾ فما دام أن الله يصبر، وقد وصفه ﷺ بذلك؛ لأن أهل السنة واقفين عند الصفات، يقولون: لا أحد أصبر على الأذى من الله فما بالك بنا نحن الذي نعتبر مصدر النقص فينبغي علينا أن نصبر ونحتسب, لكن لابد على كل واحد منا أن يذب عن أخيه المسلم.
стр. 4551
لا بد أن نعرف القائل
السؤال
من هو القائل:
كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرجُ
الجواب
القائل هو ابن الرومي في قصيدة مشهورة يرثي أحد أبناء علي بن أبي طالب في عهد بني العباس في قصيدة رائعة من أجمل المراثي يقول فيها:
أزيد العلا لهفي لذكراك لهفة يباشر مكواها الفؤاد فينضج
متى تستعيد الأرض ثوب جمالها فتصبح في أثوابها تتبهرج
عفاء على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج
كدأب علي في المعارك كلها أبي حسن والغصن من حيث يخرج
سيصغي له من عالم الغيب ناصر ولله أوس آخرون وخزرج
وهي من أروع ما قيل في الأدب العربي وهي من الرثاء الحق.
أيها الإخوة الكرام: لا أطيل عليكم بل أطلب منكم الدعاء لدعاة الإسلام, وطلبة العلم, والعلماء بالنصر والتمكين في الأرض, وبالحماية والرعاية فإنهم بحاجة شديدة، وأطلب منكم ألا تنسوا السهام في آخر الليل فإن عندكم سهاماً لا تستخدم أحياناً، وهي أقوى من صواريخ اسكود، وهي الدعاء بظهر الغيب، قالوا متى؟ في الثلث الأخير من الليل، يعقوب ﵇ قال لأبنائه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٨] يقول أهل العلم: لماذا قال: سوف أستغفر لكم ربي؟! قالوا: حتى يتحرى وقت السحر.
دخل أحد الناس على أحد الوزراء في بني العباس, وكان هذا الوزير ظالماً في عهد الخليفة القاهر وكان هو أيضاً ظالماً عنيداً يضرب الناس بالكفوف على وجوههم, لكن:
كل بطاح من الناس له يوم بطوح
فدخل أحد المساكين إلى هذا الوزير يريد أن يسأله مسألة فلطمه على وجهه، فقال ذاك الفقير: لأشكونك في الثلث الأخير إلى الله ثم ذهب، قال: افعل ما بدا لك -يتحدى- فجلس هذا الرجل في السحر في الثلث الأخير يوم يقول ﵊: ﴿ينزل ربنا في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له﴾ فرفع كفيه إلى السماء، وقال: اللهم إنه لطمني هذا اليوم بيده اللهم اقطع يده، قال أهل العلم: والله ما مر أسبوع إلا وغضب عليه القاهر وقطع يده, وعلقت بـ باب الطاق عند مدخل بغداد وكان يستقي هذا الوزير بشماله, وله مقطوعة جميلة, وأصبح يخط بشماله ويقال: رأوه يأخذ الدلو بشماله -أهانه الله تعالى يأخذ الدلو بشماله- فقالوا: إذا أراد أن يشرب وضع الحبل في فمه وهزه حتى يشرب من الدلو ويتوضأ.
على كل حال إذا كان الجزاء في الدنيا فهو سهل, وإنما قصدي هذا أنه لا يفوتكم الثلث الأخير؛ لأن الدعاء فيه مستجاب حيث يتنزل الرب ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
وقف المسلمون على حدود كابول بجيش عرمرم ما يقارب مائة ألف, قائدهم: قتيبة بن مسلم فقال: التمسوا لي محمد بن واسع، - محمد بن واسع أزدي من جماعته- فذهبوا يلتمسونه فوجدوه قد اتكأ على الرمح ورفع إصبعه يدعو الله وكان من سادات المحدثين, فعادوا إلى قتيبة فأخبروه، فبكى قتيبة قبل المعركة، وقال: والذي نفسي بيده، لأصبع محمد بن واسع خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومائة ألف شاب طرير.
وعن أبي الدرداء في الترمذي -وهو حديث صحيح- يقول ﵊: ﴿إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم﴾.
ووالله إنني كلما رأيت مع إخواني مسكيناً أو ضعيفاً تقربنا منه لأن دعاءه يفوق الألوف المؤلفة, لا تجلس إلا مع المساكين ولا تحب إلا الفقراء وحاول أن تجلس معهم, وحاول أن تقترب منهم وتجتمع بهم قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
أتى الفقراء يجلسون حول الرسول ﵊ وأتى أبو جهل يريد أن يسمع القرآن وأبو لهب والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل أتوا وعليهم الحلل من الحرير والديباج، والفقراء مثل: ابن مسعود وعمار وصهيب وسلمان وبلال، فقالوا: يا محمد! إن كنت تريد أن نجلس معك فاطرد هؤلاء الموالي عنا، فأراد الرسول ﷺ أن يطردهم, والرسول ﷺ بشر ويجتهد فأنزل الله جبريل بقوله: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].
لا تبقى إلا معهم فالنصر معهم والتأييد والدعاء والحب والصلاح, ولكن ارفض الفجرة ولا تجلس معهم ولا تحبهم ولا تنتمي إليهم؛ لأن الله قطع الحبل بينه وبينهم, فلماذا نتحاب هل بيننا نسب؟! ليس بيننا نسب إلا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هل بيننا سبب؟! ليس إلا سبب لا إله إلا الله، اللهم انفعنا بهذا النسب والسبب.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 4552
العلمانيون والصحوة
السؤال
يقول السائل: ما موقف العلمانيين في بلادنا؟ وهل يرتاحون من الصحوة أم لا؟
الجواب
أنا أقول: وهل نتحرى ارتياحهم من الصحوة؟ يقولون: يزيد حاسداً له (يزيد) مغضباً منه قال:
يزيد يغض الطرف دوني كأن ما زوى بين عينيه عليَّ المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم
في يوم عرفة الكل سعيد إلا الشيطان, يقول ﵊: ﴿ما رُئي الشيطان أصغر وأدحر من يوم عرفة﴾ فهؤلاء ما يرون أصغر ولا أدحر من اجتماع أهل الخير, ومن اجتماع أهل العلم, ومن اجتماع أهل الفضل من أمثالكم فما ضرنا، فهل نستشيرهم أرغم الله تلك الأنوف، تجدهم دائماً في الإثارات والحوادث, تجدهم وراء السارق, أو يجتمعون في البلوت, أو مع المنتخب, أو مثل هذه المشاهد لكن لا يأتون هذه المجالس التي تحفها الملائكة، ويباهي بها الله من عنده وتتنزل عليها السكينة وتغشاها الرحمة.
رأى عمر ﵁ الناس يطارودون سارقاً فأتى عمر وحفن حفنة من التراب, وحثاها على وجوههم وقال: [[شاهت هذه الوجوه التي لا ترى إلا في الشر]] أما أنتم فأقول: طابت هذه الوجوه التي لا ترى إلا في الخير وعل الله أن ينفعني وإياكم بمثل هذه المجالس، فإن عطاء بن أبي رباح يقول: [[مجلس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو]].
أي: اعتمد على الله أن يكفر هذا المجلس سبعين مجلساً كنت لغوت فيه في زمن ما, أو سهوت عنه أو ذهلت عن الطاعة.
стр. 4553
طلب محاضرة في الترغيب والترهيب
السؤال
كذاك يقول الأخ: وددت أن تكون المحاضرة في الترغيب والترهيب حتى تخشع القلوب؟
الجواب
كل ما يقال من كلام الله ومن سنة رسوله ﷺ ، الأجر حاصل فيه بحسب النية والخير, سواء كان من الرقائق أو من الأحكام, أو من التخويف, أو من أي مسألة حوت ذكر الله ، والقرآن كله إما أحكام أو مواعظ, أو فيه آيات تحثك على التفكر والتأمل والتدبر في آيات الله فالكل فيه خير والحمد لله وحضورك للاستماع لأي شيء منها سوف ينفعك عند الله .
стр. 4554
حكم البنوك الربوية
السؤال
ما حكم البنوك الربوية؟
الجواب
قد سبق في هذا خطب، وذكر أقوال أهل العلم في هذه المسألة, فإني أحذر نفسي وإياكم منها وأدعوكم إلى عدم التسارع إلى البنوك الربوية؛ لأنها تحارب الله وتتحدى شرعه وهي من العار في البلاد؛ لأنها تناطح السحاب ودائماً نخرج إلى صلاة الاستسقاء نطلب الغيث لكن البنوك الربوية تقول للغيث: لا تنزل ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] والمرابي محارب لله ورسوله، قال ابن عباس ﵁: [[على المرابي أن يأخذ سلاحاً فإن الله سوف يحاربه يوم القيامة]].
فأحذركم وأحذر نفسي وأطلب منكم مقاطعة هذه البنوك التي حاربت الله , وعارضت شرع الرسول ﷺ , وكأن هؤلاء يقولون: لا يوجد حل اقتصادي غير هذا، ولم يعلموا أنه ما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وأعطانا منه خبراً ﵊، يقول ﵊: ﴿تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك﴾ فنشهد أنه بلغ, وأدى, ونصح, وعلم, وهدى, وأرشد ﵊, فلا يلومن أحد إلا نفسه, سبحان الله!! يُطْعَم الأطفال من الربا, وتصرف سيارة من الربا, ثم نقول: يا رب يا رب يقول المعصوم ﵊: ﴿ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له﴾.
стр. 4555
يوسف ﵇ في الجب
سورة يوسف ﵇ من السور التي ما يقرؤها القارئ إلا ويذوب فيها ولا يفيق من صورها البديعة وقصتها المؤثرة إلا بانتهائها، لأنها تخاطب كيان الإنسان كله، تخاطب مشاعره ووجدانه كما تخاطب عقله، تخاطب وجدانه بما تحمله من عواطف جياشة، ومواقف مؤثرة؛ آلام آحزان فراق بكاء شكوى لقاء.
وهي تخاطب العقل بما فيها من دروس وعبر لمن تأملها وتدبرها.
следующие страницы →