Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
ترجمة رجال السند
أولها: من هو قتادة وأنس، وما مقصودنا أن نترجم ترجمة كما هو المعهود في الوفيات، وماذا أكل العالم وشرب؟ وماذا أفطر وتغدى؟ كم عنده من الأولاد والبنات؟ يقول محمد إقبال كما في روائع إقبال للندوي:-
إن هذه التراجم تميت القلوب، وفيها فوائد لكن إذا بقيت المسارات على هذه المسارات أن تسجل بهذه الأمور المحددة، فليس في الأمة انبعاث ولا روح.
قتادة بن دعامة السدوسي مولى من الموالي من حفاظ الكوفة الكبار، جلس عند سعيد بن المسيب شهراً كاملاً، فقال لـ ابن المسيب: أسمعني ماذا تحفظ من القرآن؟
قال: خذ مصحفك، قال ابن المسيب: فوالله لقد تلا علي سورة البقرة ما أسقط حرفاً واحداً وما رددته في كلمة، فقال ابن المسيب: حفظك يا قتادة كالسحر.
ولكن من طرفة الذهبي في سير أعلام النبلاء يقول: أقام قتادة عند سعيد بن المسيب ثلاثة أيام، وكان سعيد رجلاً فقيراً، قال: يا أعمى! اخرج أفقرتني.
وهذا وارد لأن دخل سعيد بن المسيب كان سهلاً بسيطاً، عشرين درهماً في الشهر من زيت يتمول به، وهو سيد التابعين، وكلمته تهتز لها الخلافة في دمشق، ولكنه ما رضي أن يتمندل به وأن يباع في سوق المزاد، فرضي بالزيت وكسر الخبر كما قال الزبيري:
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
يقول الذهبي في ترجمة قتادة: كان فيه شيء من البدع، أي: التشيع اليسير، قال: ولكنها منغمرة في بحار حسناته، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث.
بعض الناس له سيئات بسيطة لكنها منغمرة في بحار حسناته، فلا ننسى هذه البحار ونأتي إلى السيئات فنبينها للناس.
أين الحسنات أين قدم الصدق، أين البذل والعطاء، إن الناس يقومون بميزان الله قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
فالمقصود أن هذا الرجل كان قدرياً، لكن لا يضره بحمد لله، روى عنه البخاري ومسلم، وكان حافظاً جهبذاً متقياً لله من أكابر المفسرين.
مولى لكن ما اعترف محمد ﵊ بالتفرقة العنصرية في دستوره كما قالها نابليون وهتلر أعداء الإنسان وقتلة الإنسان.
الموالي علماء وقادات الأمة، وبلال قصره في الجنة كالربابة البيضاء، وأما أبو لهب ففي نار ذات لهب، لأن هذا تلعق بالنسب فانقطع من حبل الله، وذاك أتى من الحبشة بمفتاح (لا إله إلا الله) ففتحت له الجنة، قال عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] ولو طلب من عمر أن يقول هذه الكلمة في الجاهلية ما قالها ولو قطع رأسه، ما كان ينظر إلى بلال، لكن لما دخل القرآن قلبه قال هذه الكلمة.
عن أنس خادم الرسول ﷺ ، وله هذا الشرف العظيم، وأيامه ثلاثة، يقول: يوم لا أنساه في حياتي، وهو يوم: قدم المصطفى ﷺ المدينة، فو الله الذي لا إله إلا هو ما كنت أظن أن أحداً يبكي من شدة الفرح، حتى رأيت الأنصار يبكون من شدة الفرح بقدوم الرسول ﵊.
طفح السرور علي حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
واليوم الثاني: يوم أتت به أمه هدية إلى رسول الله ﷺ ، وأمه أم سليم لها قصر في الجنة كالربابة البيضاء، يقول ﷺ : ﴿دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء﴾ والرميصاء هي أم سليم، زوجة أبي طلحة، تزوجها على الإسلام، فإنها اشترطت عليه أن يُسلم فأسلم، فكان مهرها أعظم مهر في تاريخ البشرية، ولما أتى ﷺ أتت بـ أنس فغسلته وألبسته ثيابه وعطَّرته، وقدَّمته إلى سيد البشر ﷺ ، قالت: يخدمك يا رسول الله ادع الله له، قال: اللهم أطل عمره، وكثَّر ماله وولده، واغفر ذنبه، فأما عمره فطال حتى نيف على المائة، لكنه عمر مبارك، لا كأعمار بعض الناس يقضيها مائة لكنها في لهو وهذر ومذر لا تجدي في ميزان الحق، إن لم ترفع به في ميزان الباطل.
وأما ماله فكثر، وكانت مزرعته في البصرة تنبت في السنة مرتين، والنخلة لا تطلع إلا مرة واحدة، كان شذى ريح المسك يهب على البصرة، فقحطت هذه المزرعة فجلس بجانبها يستغفر، قالوا: مالك؟ قال: يقول الله على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١١] فنزل الغيث مدراراً على مزرعته، وما أصابت قطرة خارج المزرعة.
وأما غفران الذنب؛ فهي دعوته ﷺ عند الله، خدم المصطفى ﷺ عشر سنوات، قال: والله ما قال لي في شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا في شيء لم أفعله: لمَ لم تفعله؟ وأي خلق هذا الخلق؟!
وأما يومه الثالث: فيوم فارق المصطفى ﷺ وودعه، وقال: ﴿صلينا الظهر يوم الخميس، فرفع رسول ﷺ ستار غرفته، فرأينا وجهه كأنه ورقة مصحف، فما رأيت وجهه بعد تلك المرة إلى الآن﴾ ولكن سوف يراه يوم القيامة إن شاء الله:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
стр. 5742
حكم استخدام كلمة الويل ونحوها
رأى النبي ﷺ رجلاً يسوق بدنة -وهي الناقة- وتطلق تَّجوزاً على الجمل، والرسول ﵊ كما في الحديث الصحيح رآه في طريق الحج يسوق البدنة، فقال: اركبها، وهل عند الناس أو عند العرب أن يركب الرجل ناقته أو جمله، ليس بحرام وهم مجمعون على ذلك في جاهليتهم وإسلامهم، لكن هنا كلام مقدر معناه: بدنه أهداها للحج، والناس أول الإسلام تحرجوا من أن يهدي أحدهم للحج أو لله ثم يستخدم هذا الشيء، كالناقة والجمل، كيف يركبها وقد أهداها؟! فقال ﵊: (اركبها) فتحرج الرجل، أي ورع هذا يتورع والرسول ﷺ أفتاه؟!
في السيرة أن أعرابياً أتى إلى الرسول ﵊، قال: سعيت قبل أن أطوف، لأن الأصل الطواف قبل السعي، وعند أبي داود بسند جيد عن أسامة بن شريك: قال رجل: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، قال: افعل ولا حرج.
فذهب يتأكد من عمر ﵁، فسأله، قال: افعل ولا حرج، قال: صدقت، قال: ولم؟ قال سألت الرسول ﵊ فأخبرني كما أخبرتني.
قال: خررت من يديك، تسأل الرسول ﷺ ، ثم تسألني؟!
إن الرسول ﷺ إذا قال وأفتى وإذا سن فمن يتأمل وراء السنة فقد جاوز السنة، ولذلك ما أتى إنسان يتأمل عند السنة ويتعمق إلا خرج من السنة، فبعض الناس يخرجون في الطول، وبعضهم يخرجون في العرض، إما رجل كسلان متبذل، مل من لباس السنة فخلع التاج فلا يستطيع، وأخذ يستهزئ، وإما إنسان تَّربى بها وظن أنه لا سني في الأرض إلا هو، فزاد وعمقه الشيطان فخرج منها، وأحسنهم من اعتدل واقتصد وسار على منهجه ﷺ .
стр. 5743
أصل كلمة (ويلك)
قال: اركبها قال: إنها بدنة، قال: اركبها قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك! قالها ﷺ تذمراً.
(وويلك) أصلها: وي، أي تعجباً من هذا الفعل، قال سيبويه: فلما نطق بالكلمة أراد العرب أن يقفوا على ساكن، فقالوا: ويلك، فزادوا اللام والكاف.
ونحن لا نختلف الليلة مع البصريين ولا مع الكوفين وإنما قالها ﷺ ، فيجوز لنا أن نقولها عند التذمر والتحسر، وعند عدم الارتياح للشيء، لأن ألفاظنا لا بد أن تقيد، هل قالها ﷺ ؟ هل وردت فنقولها أم لا نقولها؟ نحن أمة توقيفية تشريعية، تأتي بنص وتتكلم بنص، وتقوم بنص وتجلس بنص، فإذا تجاوزت عن ذلك فهو البدعة.
فمعنى ذلك: أنه لا بأس أن نقولها، لأن بعض الألفاظ نهى عنها ﷺ ، ثم قال: وعن أبي هريرة ﵁: أن الرسول ﵊ رأى رجلاً ثم ساق الحديث وهو كالحديث الأول.
خذا جنب هرشى أوقفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
لماذا يكرر البخاري الحديث؟
قال الندوي: ربما تفتح له جبهات، أو إلهامات وإشراقات وإبداعات؛ فيكرر الأبواب تكريراً، وهذا عجب من العجاب، فهو له سر يعرفه المتخصصون في هذا الباب.
стр. 5744
كلمة (ويحك)
عن أنس ﵁ وأرضاه، قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، وكان معه غلام أسود يقال له: أنجشة، فقال له رسول الله ﷺ : ﴿ويحك يا أنجشة، رويدك بالقوارير﴾.
الحداء: هو التجلية بالصوت الجميل لتتنشط الإبل عليه، قال ابن عباس: أول من حدا من العرب غلام لـ عبد المطلب جد الرسول ﵊، ضربه عبد المطلب فأخذ يبكي، فأخذت الإبل تسرع في مشيها، فاكتشفوا أن الحداء ينشط الإبل على المشي.
وفي مناقب ابن الجوزي بسند جيد إلى عمر قال: [[عليكم بالشعر في السفر، فإنه زاد الراكب]].
وكان عمر ﵁ إذا أظلم به الليل، جعل يقرأ القرآن ويبكي حتى السحر، وذلك عند ابن الجوزي وهذا يدلنا على أن الحديث الذي روي عند الطبراني: ﴿من أنشد بيتاً بعد صلاة العشاء لم تقبل له صلاة تلك الليلة﴾ حديث باطل لا يصح كما نبه عليه أهل العلم، وهو يناقض أصول الإسلام وقواعد هذا الدين، قبل أن يكون ضعيفاً في السند.
الرسول ﵊ كان في غزوة خيبر، فقال: ألا ينزل عامر بن الأكوع يحدو بنا، يريد الرسول ﵊ أن يروح على أصحابه، شريعة متكاملة، فيها كل ما يريده الإنسان، لكن في حدود المباح والحلال لا تتعدى إلى الحرام.
стр. 5745
التخصص في الإسلام
وكان الرسول ﵊ يقبل أهل التخصصات في تخصصاتهم، الشاعر له مكانه، والفقيه له مكانه، والأصولي له مكانه، والمجاهد كذلك، ولكنه ﷺ وظف هذه المواهب والعقليات بأمكنتها، فما أعطى هذا حق هذا.
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].
أتى خالد بن الوليد، فما هو تخصصه؟
هل تخصص خالد صاحب البنية والشجاعة والبسالة والإرادة والقوة العسكرية أن يجلس يقسم الفرائض بين الجدة والعمة؟
لا.
أنت يا خالد! سيف من سيوف الله، سلك الله على المشركين، مهمتك أن تفصل الرءوس من أكتافها.
زيد بن ثابت: عقلية عينية منظمة ﴿أفرضكم زيد﴾.
علي بن أبي طالب: صاحب قضاء وبراعة أصولية في عقله، قال: ﴿أقضاكم علي بن أبي طالب.
﴾ أبي بن كعب: سيد القراء، الذي قرأ عليه ﷺ بأمر الله من فوق سبع سموات كما في صحيح مسلم، نزل جبريل فقال: ﴿يا رسول الله إن الله! أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] فذهب ﷺ فقرأ عليه، فذهب ﷺ كما يذهب الفاضل إلى المفضول فقرأ عليه، فقال: يا رسول الله! أمرك ربك بهذا؟ قال: نعم، قال: وسماني بالملأ الأعلى، قال: والذي نفسي بيده لقد سماك﴾ ثم أخذ يبكي، أي: عظمة أن هؤلاء البدو يسمون عند الله مع الملائكة في الملأ الأعلى، يطلع الله على جنود السموات ويقول الله: أبي بن كعب، يقرأ عليه الرسول ﷺ هذا اليوم.
أيَّ أمة هذه الأمة التي خرجت من بين التراب ومن الصحراء لا تعرف شيئاً ولا تفهم ولا تعي، إلى أن يصبح يتحدث بها فوق النجوم، سبحان الله!
فلذلك كان ﵊ يعطي أهل التخصصات تخصصاتهم.
يأتي حسان رجل قافية، شاعر نجيب، وزارة أعلام متنقلة!
فخصصه ﷺ في الشعر، وقرَّب له المنبر، وقال: ﴿اهجهم وروح القدس معك﴾.
وأبو بكر ما هو تخصصه؟
أما أبو بكر فهو شيخ مجاهد، أبو بكر هذا متكامل عظيم، ترجم له ابن القيم، ثم وقف، وقال:
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول
أما جسمه فنحيل، وأما بنيته فضئيلة؛ لكنه أول الذاكرين، وأول الزاهدين، وأول الصائمين، وأول المتصدقين، نزلت عليه أبواب الخير، ويدعى يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية جميعاً.
стр. 5746
حديث أنجشة
كان له ﵊ غلام أسود يحدو يقال له: أنجشة، فقال له رسول الله ﷺ : (ويحك!) هذا شاهد البخاري، استخدم كلمة (ويحك) إذا غضبت على ابنك أو من تمن عليه، فتقول: ويحك! لكن لها نسبيات، ولها ظروف واحتياطات.
لا تقول لكل أحد من الناس: ويحك! ولا تُستخدم لنقول: إنها سنة، وتطبيق السنة في بعض هذه المواضع تأتي من الجهل بالأحاديث، أن تأتي إلى عالم شهير أو كبير في السن أو سلطان، وتقول وأنت تخاطبه: ويحك! فإذا قال: مالك؟ قال روى البخاري بسند صحيح أن الرسول ﷺ قال لـ أنجشة: ويحك!
لا تقبل الأسانيد الصحيحة في هذا المكان، يصبح هذا من الاستنباط المهجور الذي لا ينبغي أن يحكم في هذه القضايا، قال: (ويحك يا أنجشة).
أنجشة صوته جميل، ترنم وأرسل نغمته على هيئتها، فأخذت الإبل تهرول.
شأن هذه الإبل عجيب! وقد تكلم عنها الجاحظ في كتاب الحيوان وأتي بخصوصيات الإبل، ولذلك رد الله أفكارهم وأنظارهم للإبل، فقال لهم: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] أما هناك فيلة؟ أما هناك طواويس ووز وبط؟
نعم.
لكن الجمل شأنه غريب؛ فإنه أخذ خمسين صفة من خمسين مخلوقاً، من الجرادة، ومن الإنسان، والظبي، والذئب، والفرس، ومن كل مخلوقات الله؛ فهو عجيب الخلقة.
ومن خصوصياته: أنه حقود، تقول العرب: أحقد من الجمل.
فإذا حقد عليك الجمل لا ينسى حقده سنوات، وبعض الناس يبقى بحقده، فيظلم حقده بالحسنات، تحسن إليه كل الدهر ثم تسيء إليه في ساعة، فيخلع هذه الحسنات ويغمرها في بحر السيئات، ويحقد عليك كما يحقد الجمل.
ومن ميزته: الصبر، وهذا شيء شريف ينبغي للإنسان أن يأخذه من الجمل، فإنه يسير الأيام والليالي الطوال ويصبر على الجوع والعطش، والمؤمن أولى بذلك، ولذلك كان ﵊ يمدح بالصبر على الجوع والعطش، أرسل شببة كلهم مترفون، فذهبوا إلى ساحل البحر في جهينة، فلما مستهم الشمس تركوا القتال، وأتوا بحفظ الله ورعايته إلى المدينة، فقال ﵊: هل قاتلتم؟ -وأصل الحديث في مسلم - قالوا: لا يا رسول الله، قال: مالكم؟ قالوا: جعنا وظمئنا، قال ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لأرسلن معكم رجل أصبر على الجوع والظمأ﴾ فمن أرسل؟
أرسل عبد الله بن جحش القرشي الشاب الذي قتل في أحد، وهو أول من قاد سرية في الإسلام.
قال سعد بن أبي وقاص -وهذا الحديث أورده الغزالي في الإحياء بسند منقطع، لكن وصله الأئمة في كتبهم -لما حضرنا أحداً قام عبد الله بن جحش فرفع يديه، وقال: اللهم إنك تعلم أني أحبك-.
وهذا من التوسل بأفضل العمل؛ يقول عمر [[يا سعد، سعد بن أبي وقاص، إياك لا يغرنك قول الناس: إنك خال رسول الله ﷺ ، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وأقربهم إليه أطوعهم له]].
قال: [[اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم لاق بيني وبين عدوٍ هذا اليوم شديد حرده، فيقلتني فيك، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا لقيتك يا رب قلت: مالك؟ لماذا فعل بك هذا؟
فأقول: فيك يا رب، يقول سعد: فوالله الذي لا إله إلا هو ما انتهت المعركة إلا وقد رأيته مبقور البطن، مجدوع الأنف، مفقوء العينين، مقطوع الأذنين، فسألت الله أن يُلِّبي له ما سأله]].
стр. 5747
التعريض والكناية
فلما أخذ أنجشة يحدو أخذت الإبل تسرع بالنساء (والقوارير) كنى بها عن النساء ﷺ تلطفاً، وهذا من حكمة الرجل الأريب، ألا يظهر الأسماء دائماً في المجالس، أنت يا فلان كيف حال ابنتك فاطمة؟ وحال ابنتك زينب؟ وأختك أروى؟! لأن هذه إظهارها، هي وجدت في السيرة والسنة لاننكر هذا وقد اشتهرت عالمات صحابيات لكن للظروف والاحتياطات وضع الحكمة في مكانها.
أحد العقلاء وأظنه ابن هرثمة القائد دخل على الخليفة المهدي، وكانت امرأته اسمها الخيزران وهي جارية، وكان بيد هذا القائد العظيم خيزران، والخيزران هذا شجر يؤخذ منه الرماح كما يقول زهير:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ويغرس إلا في مغارسه النخل
فدخل وبيده خيزران، فقال له الخليفة: ماذا؟ قال: هذا شجر يؤخذ منه الرماح، هو يعرف أنها خيزران، لكن كنى، فأعطاه جائزة وشكره على هذا، ومن الأدب أن يقال: كريمة فلان، قريبة فلان، وإلا إذا ورد للحاجة فلا بأس بإظهار الاسم.
стр. 5748
فوائد من حديث أنجشة
قال ﵊: ﴿رويدك بالقوارير﴾ أي: رفقاً بها لا تنشد كثيراً، فتهرول الجمال، فتسقط القوارير من على الجمال، قال أهل العلم في هذا الحديث، مناح ثلاث:
стр. 5749
الغناء فتنة وفجور
أما معنى الحديث هو ألا تفتن قلوب النساء بالغناء، فإنهن من أفتن خلق الله إذا سمعن الغناء، ولذلك فإن فسق وفجور فاحشة المرأة إذا سمعت الأغنية، ومعناها: أنها تخلت من الحدود والستر إلا إذا عصمها الله وتابت.
والأغنية تبني في قلب المرأة صروحاً وقصوراً من الفسق والظلم والفجور والعياذ بالله.
والأغنية تترك المرأة متبرجة سافرة سافلة رخيصة حقيرة.
فمعنى قوله ﷺ : رويدك! أي: احذر، أما تعلم أن أمامك نساء يفتتن بالنغمة، المرأة قد تفتتن بصوت الخطيب والمتكلم، فما بالك إذا كان هناك وتر وناي، ودف، وطبل، ونغمة ساحرة؟! معناها: الفتنة العظيمة.
وهل أفسد مجتمعاتنا إلا الغناء؟!
وهل حبب الزنا إلا الغناء؟!
وهل شيب البيوت وهدمها إلا الغناء؟!
وهل أرسل النظرات وفتك بالقلوب إلا الغناء؟!
وهل أخرج القرآن من البيوت وحديث المصطفى ﷺ إلا الغناء؟!
هذا أمر وارد لذلك لا نلوم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة إذا سال قلمه في مسألة الغناء.
стр. 5750
معنى: رويدك بالقوارير
والمنحى الثاني: معنى ﴿رويدك بالقوارير﴾ أي: لا تسقطهن من على الجمال كما ذكرت، وقيل: رويدك بالقوارير، أي: احذر أن تقترب منهن فإنهن فتنة.
السباعي الداعية السوري، ذهب إلى مكان من الأمكنة في البلاد الإسلامية، فقام يتكلم، فقامت امرأة من آخر الحفل -وبينه وبينهن حجاب، وأظنه عرف أنها سمينة بدينة- فقالت: مالك يا أيها المحاضر أنت لا ترفق بنا والرسول ﵊ يقول: ﴿رفقاً بالقوارير﴾.
فقال وكان لماعاً ذكياً: نعم الرسول ﵊ يقول لـ أنجشة رويداً بالقوارير، لكن لو رآكن قال: رويداً بالبراميل، وهذا معروف!
فقامت مرة ثانية وقالت: كيف يقول ﷺ : إنهن ناقصات عقل ودين، ومنا المسئولات والوزيرات والمرشدات.
فقال: إن الرسول ﵊ يقول: في عهده وفي فترته: إنهن ناقصات عقل ودين، وأما أنتم فلا عقل ولا دين، لكن ما زال للخير بقية إن شاء الله، وفي المجتمعات من يحمل هذا العبء، ذكوراً وإناثاً بحوله وقوته.
стр. 5751
الثناء والتشجيع
وعن أبي بكرة ﵁، قال: أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ : فقال ﴿ويلك! قطعت عنق أخيك ثلاثاً، من كان منكم مادحاً لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه﴾ هذا فيه قضية المدح، ما حدها وصفتها؟ وما المطلوب منها والمذموم؟
أما المدح: فهو الإطراء بخصال الخير في الرجل أو في الأجناس والأشخاص، ومدح الله عباده في القرآن لأنه أمر تربوي لا بد منه.
والرجل الذي يعيش في بيته دون أن يرسل بعض الكلمات التشجيعية والمدح والإطراء لأبنائه، معناه: أنه يثبط الفضيلة ويطفئ النور في قلوبهم، لا يسمع الطفل والابن دائماً إلا التبكيت والتعنيف، لا يسمع كلمة: يا ذكي، يا أيها المصلي، يا أيها الخيِّر، يا أيها البارع، يا أيها المطيع البار حفظك الله ورعاك! كم فيك من خصال الخير! إن هذه الكلمات كفيلة بأن تؤثر أكثر من الدراسة والتأنيب والصوت، وهذا أمر جعله الله في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ .
يقول: الله لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وقد مدح الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
стр. 5752
شروط المدح
أما شروط المدح فثلاثة:-
الشرط الأول ألا يكون فيه كذب: وأكذب الناس من مدح الناس بالكذب من أجل الدنيا، وأكثر ما يضطر الإنسان للمدح من أجل الدنيا، أما الدين فلا يحتاج الناس أن يمدحوا.
هل تمدح رجلاً وتكذب عليه ليصلي الليل أو ليقرأ القران؟! إنما يكذب في المدح من أجل الدنيا، فالكذب إذا وجد في المدح فهو محرم.
الشرط الثاني: عدم الغلو فيه أن ترفع الممدوح أكبر من منزلته، قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣] فتطري الرجل بما فيه من الخير؛ ولكن احذر أن تسكب عليه إطراءات لا تليق به، تأتي وتقول: يا فاتح الدنيا، يا عين الزمان، يا قبة الفلك، يا من جعله الله من العشرة المبشرين بالجنة، يا من بايع رسوله تحت الشجرة، فيغرق وينسى نفسه، والمدح هذا سُكار مثل الخمر، إذا أصاب العقل أسكره.
الشرط الثالث: ألا يكون في الوجه: فإن المدح في الوجه هو الذم، لكن استثنى أهل العلم من ذلك أمور: منها أنه إذا عرف من زهد الرجل وإيمانه ويقينه أنه لا يتضرر، وأنه أصبح فيه رسوخ وثقل فلا بأس أن تذكر فيه فضائل، لأننا إذا غمطنا فضائل الناس، وجحدنا فضائل المرموقين والعلماء والأخيار والدعاة والشهداء والمجاهدين، فمعناه: أننا ساوينا بين الناس جميعاً! لا والله.
كان الرسول ﵊ ينزل الناس منازلهم، ونحن أمة نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء أسأت: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] خطأ لا يجعل هذا كهذا، لكن ننزلهم منزلتهم.
стр. 5753
مدح النبي لبعض أصحابه
الرسول عليهم الصلاة والسلام مدح أناساً في وجوههم؛ أتاه أشج بن عبد القيس مع وفد الأحساء الذين قدموا من البحرين، قال ﷺ وقد رآه حليماً وقوراً: ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: أشيء جبلني الله عليه أم تخلقت به؟ قال: بل جبلك الله عليه، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلق يحبه الله ورسوله﴾ والحديث في صحيح مسلم.
فالرسول ﷺ مدحه بما فيه، والرسول ﷺ أثنى على كثير من الصحابة، وهذا أمر تربوي.
يبقى أبو بكر في حياته يكدح ويكدح لوجه الله، لكن لا يلقى ولو بسمة، لا يلقى ولو ثناء، لا يلقى ولو وساماً من الإطراء أمام الناس، يقول ﵊ وهو على المنبر: ﴿لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن﴾ ويقول: ﴿ما واساني أحد بنفسه وماله كما فعل أبو بكر﴾ يقول: ﴿سدوا كل خوخة -وهي الباب المشرف أو النافذة- إلا خوخة أبي بكر﴾ وأثنى عليه، يقول: ﴿أما أنتم بتاركي لي صاحبي﴾ تكلم في عرض أبي بكر في مجلس، فرفع الأمر إلى الرسول ﵊ فأنكره.
وقال في عمر: كما في صحيح البخاري ﴿عرض عليَّ الناس وعليهم قمص منها ما يبلغ الثديين ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب، وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال الدين﴾ وقال في البخاري: ﴿أريت في المنام كأني أشرب من لبن حتى رأيت الري يدخل في أظفاري، فأعطيت فضلتي عمر بن الخطاب فشربها، قالوا: ما أولت ذلك يارسول الله؟ قال: العلم﴾ فهو يثني عليه لأنه لا بد من هذه الأمور في المجتمع، ولا بد أن يعرف للمحق حقه، ولا بد أن يبكت الفاجر بفجوره لينتهي.
أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ ، فقال: ﴿ويلك! قطعت عنق صاحبك﴾ ومعنى قطع عنقه: أي أنه فتنه فلا يفلح بعدها، واغتر وأعجب بنفسه، وقيل معناها: قطع عنقه، أنه قطعه من مواصلة هذا الشيء، لأن بعض الناس يحبط بالمدح إذا أكثر عليه، وبعض الناس إذا قبَّل رأسه ظن أنه بلغ منزلة الولاية ووصل المطلوب.
ألا بلغ الله الحمى من يريده وبلغ أكناف الحمى من يريدها
فالناس لهم مطالب ومقاصد، وأعظمهم مطلوباً هو من يرضي الله .
ابن تيمية الجهبذ، العلامة مجدد ألف سنة، دخل على ابن قطلوبغا السلطان، فقال له: يـ ابن تيمية! يزعم الناس أنك تريد ملكنا، فضحك ابن تيمية، وقال: ملكك؟! قال: يقولون ذلك، قال: والله ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً.
ابن تيمية يريد جنة عرضها السموات والأرض، يريد رضا الله، ولما وضع في القلعة وأغلق الباب عليه، تبسم وتلا: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣].
стр. 5754
تقسيم الغنائم واعتراض الخارجي
عن أبي سلمة والضحاك عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه، قال: ﴿بينما النبي ﷺ يقسم ذات يوم قسماً، قال: فقال: ذو الخويصرة -أي: التميمي - يا رسول الله! اعدل﴾.
سبحان الله! يقول لمعلم الخير وأعدل الناس وأتقى الناس: (اعدل) إنها كلمة تنهد منها الجبال، وتتقصم بها الظهور، ويندى منها كل جبين يؤمن بالله واليوم الآخر، فقال له النبي ﷺ : ﴿ويلك! من يعدل إذا لم أعدل﴾ صدق ﵊، أين توجد العدالة إذا لم توجد عنده؟!
وأين توجد التقوى والخشية والوضوح والإنصاف إذا لم يكن عنده ﷺ ؟!
ما بعد شريعته إلا الظلم والفشل والانهزامية والتقهقر.
قال خالد: ائذن لي فأضرب عنقه، قال: ﴿إنا لا نقتل من يصلي، ثم قال: يخرج من ضئضئ هذا رجال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، قال: أبو سعيد أشهد إني لسمعته من النبي ﷺ ، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم فالتمس في القتلى، فأتي به على النعت الذي نعت النبي ﷺ ﴾.
خلاصة القصة أو بسطها في غير هذا النص من الحديث بجمع الزيادات.
كان الرسول ﵊ بعد غزوة حنين يقسم الغنائم بين الناس، وكان يعطي وجوه القبائل لأمور يعلمها الله ، منها التألف ليدخلوا في الدين، فدخولهم في الدين مصلحة عظيمة للإسلام؛ لأن بعض الناس إذا دخل في الدين دخل معه ألوف، ويترك الرسول ﵊ بعض الناس لما جعل الله في قلبه من الإيمان واليقين والسكينة.
قام ﵊ خطيباً في الناس فقال: ﴿يا أيها الناس! والذي نفسي بيده إني لأعطي بعض الناس لما جعل الله في قلبه من الهلع والجزع، وأدع بعض الناس لما جعل الله في قلبه من الخير منهم عمرو بن تغلب، قال عمرو: كلمة والله ما أريد لي بها الدنيا وما فيها﴾.
فأتي ﷺ يفعل بالغنائم على هذا المنوال فيترك الصحابة ووجوه أهل الهجرتين، والبيعتين، والعقبتين، وأعطى أناساً ما تمكن الإسلام في قلوبهم، أعطى هذا مائة ناقة وهذا مائة، وفي الأخير تذمر الناس من هذا، فهم بشر يصيبهم الضعف، فاجتمع الأنصار، لكن اجتماعهم كان عقلاً وتؤدة وسكينة وحكمة، لا كالخارجي المقطوع من حبل الله، فاجتمعوا في مكان بعد أن أمرهم الرسول ﵊ بذلك، بعد أن سمع أنهم يقولون: غفر الله لرسول الله ﷺ يعطي أولئك وسيوفنا تقطر من الدماء ويدعنا، وقال ﵊ لسيدهم سعد بن عبادة: يا سعد! أين أنت من هذا الكلام؟ قال: أنا من قومي -أي: أنا أقول مثل ما قالوا- قال اجمع لي قومك، فاجتمع الأنصار جميعاً، ثم أتى أشرف الخلق ﷺ ، وأشرف عليهم بوجهه الطاهر المنور، فخطبهم خطبة ما سمع الدهر بمثلها، فقال: يا معشر الأنصار ما مقالة سمعتها منكم؟
قالوا: هو كما سمعت يا رسول الله حق -هذا مجلس مناصفة ومحاقة وحوار صريح- قال: يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي، قالوا: المنة لله ولرسوله.
قال: أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟ ثم لما انتهى قال: يا معشر الأنصار! والذي نفسي بيده، ولو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وفقيراً فأغيناك، وشريداً فناصرناك، أو كما قال، قالوا: المنة لله ولرسوله، فرفع صوته ﷺ وقال: ﴿يامعشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، والله لما تعودون به خير مما يعود به الناس، والله لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار﴾ فبكى الأنصار.
وخرج ﵊ ورجع إلى الغنائم؛ لأنه قد حل هذه المشكلة، لأنه يتكلم مع فقهاء، وعلماء، وعقلاء.
стр. 5755
الكلام في عرض النبي وأتباعه من الدعاة
ولما قسم ﷺ وهو جالس أتى ابن مسعود فناجاه في أذنه ﵊، فتغير وجهه ﷺ حتى أصبح كالصفر، قيل كالنحاس إذا تغير، ثم قال ﵊: ﴿رحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر﴾ تكلم في عرض رسول الله ﷺ في مجلس، قالوا: لا يعدل في الغنائم.
وقضية أن يعيش الإنسان المسلم الموجه للخير، العابد الزاهد المستقيم بدون خدش لعرضه مستحيل، فقد طلب موسى ﵇ -كما في الآثار الإسرائيلية بأسانيد لا بأس بها- من الله يوم كلمه ألا يتكلم الناس في عرضه، فقال الله : يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وأعافيهم، وإنهم يسبونني ويشتمونني.
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة: ﴿يقول الله : يشتمني ابن آدم ولا يحق له ذلك، ويسبني ابن آدم ولا يحق له ذلك، أما شتمه إياي فيقول: إني اتخذت صاحبة وولداً، وأنا الله لا إله إلا أنا ما اتخذت صاحبةً ولا ولداً، وأما سبه إياي فيسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار كيف أشاء﴾.
فما دام أن الله ما سلم من ألسنة البشر، فكيف يسلم الإنسان من ألسنتهم؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] كلما تكلم في عرضك رفعك الله، وهذا ابتلاء يحصل لكثير من الناس، فالرسول ﷺ تكلم في عرضه، فسكت وقال: ﴿رحم الله موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال ابن مسعود: لا جرم، والله لا أرفع كلمة بعدها إلى رسول الله ﷺ ﴾.
وفي حديث سنده حسن يقول ﷺ : ﴿لا تحدثوني عما يقول أصحابي، فإني أريد أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر﴾ إن إسكات الكلمات، وإنهاء المشاكل، وعدم النميمة هي حل وصفاء للقلوب بإذن الله ، فقام ﵊ يقسم وهو أعدل الناس بحكم الله وتوفيق الله من فوق سبع سموات، فأتى هذا الخارجي الذي ما فقه في الدين شيئاً ليقول له: اعدل.
стр. 5756
علامات الخوارج
يمتاز الخوارج كما يقول ابن تيمية وغيره من أهل العلم بأمور خمسة:
العلامة الأولى التكفير بالذنوب: يكفرون عباد الله بالكبيرة، فيخرجون الزاني عن الإسلام، وكذا شارب الخمر، ومنهج أهل السنة والجماعة ألا نشهد لأحد بجنة ولا بنار إلا لمن شهد له الرسول ﵊، هذا من المسلمين أما الكفار ففي النار، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، فمن شهد أن لا إله إلا الله، وأتى بالذنوب فنخاف عليه العقاب لكنه لا يكفر، فمنهجهم التكفير، وهذا أول ما تخصصوا به من بين الفرق والطوائف، وهو ضلال عجيب.
العلامة الثانية: لا يأخذون من السنة إلا ما وافق ظاهر القرآن: إذا وافق ظاهر القرآن أخذوا به كما يقول ابن تيمية وإذا خالف فلا يأخذون به، فهم أبطلوا كثيراً من نصوص السنة، ولذلك الرجم ما وجدوه في كتاب الله فتركوا الرجم، فلا رجم عند الخوارج.
والخوارج لما رأوا هذه المسألة ليست في القرآن تركوها، والآية التي تدل على هذه المسألة هي مما نسخ المسألة مما نسخت تلاوة وبقي حكماً، وقس على أمثالها.
حاكمهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، المجدد في القرن الأول، فقال: مالكم لا تأخذون بنصوص السنة؟ قالوا: القرآن متواتر، وأما السنة فأحاديث آحاد ويدخلها الكذب والوضع، قال: ائتوني بعدد ركعات الظهر من القرآن، فسكتوا، قال: ائتوني بأنصبة الزكاة من القرآن فسكتوا، قال ائتوني بالمفطرات للصائم من القرآن؟ فسكتوا، ورجع منهم فئام كثير.
العلامة الثالثة: التشديد في العبادة على حساب الفهم: هذا الدين هو دين عبادة، ودين اتصال بالله ونوافل، لكن لا يكون ذلك على حساب الفهم، وفي سنن ابن ماجة بسند جيد موقوفاً عن ابن عباس ﵄: [[فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد]].
الإسلام هو العلم، قال الله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وإذا سمعت أحداً من الناس يهون من شأن العلم فإنما يثلم الإسلام، ويهدم بمعوله الإسلام، ويهون من شأن رسالة الرسول ﵊.
والمذموم في النصارى: أنهم عبدوا الله بالجهل، وهذا ما وقعت فيه بعض طوائف الأمة كغلاة الصوفية، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧].
والمذموم في اليهود: أنهم علموا ولكن ما عملوا بعلمهم، قال الله عنهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
العلامة الرابعة: أنهم يقاتلون أهل الإسلام، ويتركون أهل الأوثان، قتلوا عبد الله بن خباب على نهر دجلة، وتركوا نصرانياً، ذلك أنه مر من الطريق فأخذ أحد الخوارج من بضاعته تمرة ثم سأل علماء الخوارج الذين هم جهلة، قال: أنا أخذت تمرة نصراني فهل يحق لي ذلك؟
قال: استغفر الله، ويلك من الله، تب إلى الله، وعد واستسمح منه لأنه من أهل الذمة، ثم أتوا عبد الله بن خباب أحد الصحابة، فقالوا: أتوافق علي بن أبي طالب؟ قال: نعم، فذبحوه على نهر دجلة، وهذا من سوء الفهم.
العلامة الخامسة: الخروج بالسيف على الأئمة بلا مكفر، والرسول ﵊ يقول كما في صحيح مسلم: ﴿إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان﴾.
стр. 5757
الخوارج ومقتل علي ﵁
ونعود إلى ذلك الخارجي مع النبي ﷺ قال: اعدل، قال: ﴿ويلك!! ومن يعدل إذا لم أعدل﴾ قال خالد: ائذن لي فلأ ضرب عنقه.
خالد ﵁ جاهز لضرب الأعناق، وهو لا يتوقف أبداً ولو أمره ﷺ أن يضرب العشرات لضربهم بأسهل ما يمكن وهو يقول ويفعل ﵁ وأرضاه، لكن الرسول ﷺ بعيد النظر، وإن هذا الرجل لو قتل لارتد أناس من البشر ومن القبائل وما اهتدوا إلى الله ، وقال: لا إن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.
عبد الرحمن بن ملجم وكان خارجياً، وهو الذي قتل علياً، صلى في الليل حتى أصبحت جبهته كركبة العنز، ولا يفهم من هذا أننا نهون من شأن الصلاة، إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة لكن على الكتاب وعلى السنة، عبادة على ما كان عليه ﷺ ، أصبحت جبهته كركبة العنز من كثرة العبادة، وختم حياته بالمأساة الكبرى قتل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وأتي به إلى علي، قال علي: ويلك أقتلتني؟ -وعلي ما زال في سكرات الموت- قال: نعم! أردت أن أتقدم بأفضل عمل، وقد نذرت ذلك لله ، وقد سممت هذا السيف شهراً كاملاً حتى أصبح أزرق، وحلفت لأقتلن به شر الناس، قال علي بن أبي طالب: فوالله إنك شر الناس، ولا تقتل إلا بسيفك هذا، فأول ما فعل أن قتل به، وقصته طويلة، ولكن المقصود أنهم كانوا مع كثرة عبادتهم لا يفهمون الإسلام، ولا يتفقهون في دين الله ، قتلهم علي ﵁، وهذا من حسناته ومواقفه الكبرى، وهو مؤيد منصور بإجماع أهل العلم سلفاً وخلفاً.
стр. 5758
حديث الأعرابي في السؤال عن الساعة ومكانة الحب
ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: عن قتادة، عن أنس أن رجلاً من أهل البادية أتى النبي ﷺ ، فقال: ﴿يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ويلك! وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله، قال: المرء مع من أحب﴾ فقال أنس: ففرحنا يومئذٍ فرحاً شديداً.
هذا الحديث يدور حول الحب، والحب حياة وطموح وجمال وقوة واستبسال، والحب تفَّوق وإقدام وبسالة، والحب عظمة وشموخ وعبقرية.
الحب يقع على الماء فيصبح زلالاً، وفي الهواء فيصبح عبيراً، وفي الروض فيصبح ناطقاً، وعبادة بلا حب طقوس لا تنفع، وتلاوة بلا حب تمتمة، ودعوة بلا حب كلام وهدر، حب لمن؟ لله ولرسوله ﷺ .
كان ﷺ يتكلم للناس على المنبر، وكان أمامه علماء الإسلام ونجومه وأخياره، فأتى هذا الأعرابي الذي لا يعرف من الأجر شيئاً و ﴿من بدا جفا﴾ -كما في الحديث الذي تُكِّلم فيه؛ لكنه يقبل التحسين- فقال: يارسول الله! متى الساعة؟
والرسول لا يعطي حقوق الكثرة للقلة، أمامك جمع من الناس، وفئام تحدثهم، ألف رجل من الأخيار الأبرار تعبوا وحضروا، وتقطعهم من أجل طارئ، أتى يأخذ مسألته ويطير! فاستمر ﵊ في كلامه، فقال بعض الناس: سمع ما قال فكرهه؟
وقال بعض الناس: بل لم يسمع؟
فلما انتهى ﷺ من حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟
قال: أنا يا رسول الله، فالرسول ﵊ أنكر عليه السؤال، ولكنه أراد أن يسأل عما أعد، قال النبي ﷺ : وما أعددت لها؟
أما سؤالك فليس بوارد، لا يعلم قيام الساعة إلا الله، لكن ماذا أعددت لها؟
فقال الرجل وكان فصيحاً: والله ما أعددت لها من كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال ﵊: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ قال أنس في البخاري، فنحن نحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، ولم نعمل بعملهم، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم، ونحن كذلك ما جاهدنا، ولا سفكت دماؤنا، ولا داومنا على قيام الليل، ولا بذلنا أموالنا، ولكن معنا بعد الإيمان أننا نحب الله ورسوله وأصحابه الأخيار، ﵊.
كتب الإمام الشافعي للإمام أحمد رسالة توَّجها بأبيات، يقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة
تربية دعوية يقول:
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تُعطَّ طاعة
فوصلت الإمام أحمد فردها وقال:
تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة
الشافعي قرشي من أسرة الرسول ﵊ يقول: أنا من ميزتي ومن حسناتي أني أحب الصالحين، وبعض الناس فيه تقصير، لكنه يحب الصالحين، وبعض الناس فيه خير، لكنه يبغض الصالحين، ويحب الفسقة فهو مع الفسقة، لأن المبادئ والولاء والبراء عقائد، والعقائد أكبر من الأمور التعبدية، العقائد كالجبال إذا رست في القلب أصبحت الحركات على هذه العقائد من زيارات ومن صلات وحب، يقول أبو عبيدة كما في كتاب الزهد للإمام أحمد: [[والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت متقياً لله حراً أو عبداً أبيض أو أسود إلا وددت أني في مسلاخه]] هل أجمل في الدنيا من التقى؟
وأنت جرب نفسك وإيمانك، إذا رأيت التقي بهيئته، بلبسه، بحركاته، بمنصبه، وهو تقي لله وأحببته، فهذا لارتفاع حب الله في قلبك، أما إذا أحببت الناس على موازين أرضية وأشياء دنيوية، فهو من النفاق والخور الذي في القلب، نسأل الله العافية.
يقول الإمام علي ﵁ وأرضاه: [[تزودوا من الإخوان، فإنهم ذخر في الدنيا وفي الآخرة، قيل: يا أمير المؤمنين! أما في الدنيا فصدقت.
لكن في الآخرة بماذا؟ قال: أما يقول الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] أما يقول الله في الكفار لما عُتِبوا قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]]]
لو كان هناك صديق لكان نفع في هذا الموقف الحرج، قال ابن عمر ﵁ في أثر صح عنه: [[والله لوقمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، ثم وجدت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية، لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]].
وبعض الناس يحب الفسقة والفجرة، ويرضى بصنيعهم، ويزورهم ويزرونه على الرحب والسعة، وكأنه ما فعل شيئاً، وهذا لب درسنا هذه الليلة.
أما كان ﷺ يقيم مبادئ الولاء والبراء على هذه الأسس (الحب في الله .
стр. 5759
حب النبي ﷺ
ذكر ابن كثير في ترجمة أحد السلاطين أنه كان يحب الله ورسوله، يقول: كان مسرفاً في الخطايا على نفسه، لكن إذا ذكر الرسول ﷺ دمعت عيناه.
بعض الناس يبلغ بهم درجة الحب أنه إذا ذكر الله في مجالسهم دمعت عيونهم، وهذا هو الحب الصادق.
ابن تيمية يترجم لبعض العلماء يذكرهم في الفتاوى، يقول: الإمام مالك كان إذا ذكر ﷺ في مجلسه تغير وجه، وكان زين العابدين علي بن الحسين يصفر وجه إذا ذكر المصطفى ﷺ ، لماذا؟
لأنه يتذكر أمامه رجل قاد العالم، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنقذ نفسك ﵊، فقال: لما مات هذا السلطان، رئي في المنام، قيل: فما فعل الله بك يا فلان؟ قال: غفر لي مغفرة أخذت ما قرب وما قدم من ذنبي، وأدخلني الجنة، فأنا أطير من شجرة إلى شجرة، قالوا: أما كنت تفعل كذا وكذا؟ -يذكرون أموراً وذنوباً لا يسلم منها الناس- قال: أليس في الحديث الصحيح: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ قالوا: بلى.
وذكر ابن كثير في ترجمة نور الدين محمود زنكي، هذا السلطان العالم العابد، ورحم الله تلك العظام، سادس رجل في العدل، فهو من أعدل الناس بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، كان إذا انتصف الليل ضربت له الأسوار حتى يقوم هو وحاشيته وأهله يصلون إلى الفجر، هو الذي قتل المغاربة الذين أرادوا أخذ جثمان الرسول ﷺ وأتوا من عكا.
نور الدين محمود كان يحب الله ورسوله حباً جماً، يقول لأحد الناس وقد حضر مجلس أحد المحدثين: أيذكر عندك الرسول ﷺ وأنت تتكلم؟! وسمع ضوضاء فغضب وصاح، قال: إذا ذكر الرسول ﷺ فلا يتكلم أحد، وكان يسل سيفه ويقول: أنا خادم للرسول ﵊.
نور الدين هذا عمل مهرجاناً في دمشق حضره ألوف من الناس، فلما اكتمل الحفل والمهرجان، قام أحد العباد العلماء اسمه الواسطي، فدخل عليه بجبة قديمة زهيدة، وبعصاه، ووقف أمامه، وقال: يا سلطان محمود! يا نور الدين! اسمع! قال: ماذا تقول؟ قال:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل نور الدين جاء مُسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
قال: فبكى حتى سقط من على الكرسي إلى الأرض، حتى رش بالماء.
ولذلك ليس حب الله ورسوله حجر على أحد من الناس، لا يظن أهل الحديث الذين يقرءون الحديث أنهم فقط هم مظنة الحب، لكن المحبة منثورة في رياض أصحاب الرسول وأتباعه ﷺ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾.
стр. 5760
الهجرة
أورد البخاري حديثاً فيه كلمة (ويحك) قال أبو سعيد ﵁ وأرضاه: ﴿أتى أعرابياً إلى رسول الله ﷺ ، قال: أخبرني عن الهجرة، قال: ويحك! إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً﴾.
فالقضية الكبرى في هذا الحديث ليست كلمة (ويحك) فهي مرت وتكررت، لكنها قضية الهجرة والهجرة على ثلاثة أضرب:
стр. 5761
أنواع الهجرة
هجرة الكفر، وهجرة المعاصي، وهجرة الواردات والشواغل.
فأما هجرة الكفر: فهي إذا ضيق عليك في مكان لا تستطيع ممارسة إسلامك فيه فاخرج من هذا البلد، وهذه واجبه.
وأما هجرة المعاصي: فهي هجرة واجبة على كل مخلوق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن لم يهاجر بهذه الهجرة، فسوف يبقى في الخطايا والذنوب من أخمص قدميه إلى مشاش رأسه، وهذه الذي نحن بحاجة إليها، ونشكو حالنا إلى الله فيها.
وأما هجرة الواردات والشواغل والقواطع: فهذه للأولياء الصديقين السابقين بالخيرات، وهم الذين يقطعون كل قاطع يقطعهم عن الله ، وهؤلاء قاربوا درجة أبي بكر الصديق، وما بلغوا درجة أبي بكر؛ لكن أصبحوا من الولاية بمنزلة عظيمة.
والواردات والشواغل هي كل ما يشغلك عن الله ، فهم تركوها لوجه الله، وهؤلاء من مثل حنظلة الغسيل، سمع داعي الله والهجرة إلى الله من الواردات والشواغل إلى جنة عرضها السموات والأرض وهو في ليلة عرسه، مع زوجته في اليوم الأول، فثار من على فراشه، واخترط سيفه وعليه الجنابة، وهب ليلقى الله وقاتل حتى قتل، فأتى ﷺ بعد قتله بلحظات، يشيح بوجهه ﷺ ، قالوا: مالك يا رسول الله؟ قال: والذي نفسي بيده! لقد رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض بصحاف من ذهب بماء المزن.
فهل أرفع من هذه هجرة يوم ترك الدواعي والشواغل؟!
إن بعض الناس باستطاعته أن يضحي بصلاة العشاء والفجر أو أي فريضة من فرائض الله، ليدهده ابنته الصغيرة لئلا تبكي على أمها، لأن القلب إذا مات حبسه كل شيء حتى خيط العنكبوت يربطه بسارية من السواري في البيت، أما أولئك فكان لا يحبسهم شيء؛ حتى الحديد يكسرونه، وينفذون إلى جنة عرضها السموات والأرض.
стр. 5762
أمثلة على الهجرة
من الهجرة: هجرة عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، سمع داعي الله فاخترط سيفه في أحد، وكسر غمده على ركبته، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فقتل وكلَّمه الله كفاحاً، وقال: تمنَّ يا عبدي، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنَّ، قال: ترضى عني، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني فلا أسخط عليك أبداً -لأنه هاجر- قال: ثم جعل الله روحه وأرواح إخوانه في حواصل طير ترد الجنة فتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش.
كذلك هجرة عبد الله بن حذافة، دخل على ملك الروم، فقال له ملك الروم: ارجع عن دينك وأعطيك نصف ملكي؟
فضحك ضحكة المعتز الشجاع، المتمكن من دينه، المتيقن بحفظ الله، قال: والله لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود عن الإسلام طرفة عين ما فعلت.
قال: اذهبوا به إلى النار، فأخذوه فوجد إخوانه من الشهداء الأسرى قد ألقوا في قدور تغلي بالماء وقد تفصلت لحومهم عن عظامهم، فبكى عبد الله بن حذافة، فعادوا به إلى الملك.
فقال: أتبت من جريمتك؟ جريمة أن يقول: ربي الله، وديني الإسلام.
قال: لا والله ولكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة، وأريد أن لي بعدد شعر رأسي أنفساً تعذب في سبيل الله.
فقال: والله لا أطلقك حتى تقبل رأسي، فَقَّبل رأسه، وتفل على رأسه، فأطلق له الأسارى فقال عمر: [[حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة]] هذه هجرة الشواغل والدواعي التي تقطع العبد عن الله .
وأعظم ما يهاجر فيه العبد اليوم إذا سمع داعي الله في الصلوات الخمس، الآن عبادتنا الكبرى الصلوات الخمس؛ لأن هناك جبهات موجودة لكن من لا ينفع هنا لا ينفع هناك، بعض الناس لا يداوم على الصلوات الخمس، ويتحسر في مجلس وقد ملأ بطنه بما لذ وطاب من الطعام، ويقول: يا ليتني في أفغانستان أجاهد في سبيل الله.
وأنت لا تصلي في المسجد؟! والله لو كنت في أفغانستان، لكنت أول من يفر وآخر من يأتي من المجاهدين، لأن من لم ينتصر في عالم قلبه لا ينتصر في عالم الأرض، والذي لا يعلي لا إله إلا الله في المجلس، لا يعليها في الميدان ولا في المعركة.
أصحاب الرسول ﷺ كانوا رواداً لذا كانوا في الصف الأول، أما أصحاب الصفوف المتأخرة، فلا يأتون إلا متأخرين دائماً: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧].
стр. 5763
الأسئلة
стр. 5764
رواية البخاري عن الخوارج
السؤال
كيف يكون حال رجال الخوارج هكذا ويروي لهم البخاري في صحيحه؟
الجواب
نعم البخاري روى عن بعض الخوارج، روى عن عمران بن حطان الشاعر الذي مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي وقال:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه من خير خلق عباد الله ميزانا
أو كما قال، وقال عالم أهل السنة يرد عليه:
يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إني لأذكره يوماً فألعنه وألعن عمران بن حطانا
أما عمران بن حطان وأمثاله الذين روى عنهم البخاري، فيجاب للبخاري بثلاثة أعذار، ذكر بعضها الذهبي وأبو داود علق على ذلك، الأول: أنه روى عنهم بعد التوبة، ولكن ما أقاموا على هذا القول دليلاً.
الأمر الثاني: روى عنهم في أمور لا تتعلق ببدعتهم.
والأمر الثالث: وهو الصحيح أن الخوارج من أصدق الناس فهم لا يكذبون أبداً، قرر ابن تيمية في الصفحة الخامسة في مقدمة منهاج السنة: إن من أصدق الناس الخوارج، ومن أكذب الناس الروافض.
حتى يقول الشعبي: قاتل الله الروافض، لو كانوا من الطيور كانوا رخماً، ولو كانوا من الحيوانات كانوا حمراً، ثم ذكر صدق الخوارج فهم صادقون لا يكذبون، فيروى عنهم.
стр. 5765
تقبيل يد الوالد ونحوه
السؤال
ما حكم تقبيل يد الأقارب كالوالدين والأعمام والإخوان؟
الجواب
هذا إذا كان للاحترام فلا بأس به، ففي الصحيح أن ابن عمر قبَّل يد النبي ﷺ ؛ لكن هناك أمور تذكر تحفظاً وهي: أن بعض الناس يفتح هذا الباب على نفسه، وتصبح هناك قداسات، وتصبح أخلاق عبيد وموالي، كأن يأخذ المشايخ والأساتذة يده، ويقول: يا سيدي، يا مولانا، يا بركة الوقت، يا فتح الزمان، هذا لا يقبله الإسلام، هذه جاهلية وخرافة وتقليد لا يقبل.
فالمقصود أن الوالد لاحترامه لا بأس أن يقبل يده، والعالم كذلك؛ لكن أجدى أن يبقى التعظيم لله ، والرسول ﷺ كان يحمي جناب هذا الباب، ويقول: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم﴾ لأنه إذا فتح باب التقبيل والتبعية والإطراء، عظم الأشخاص حتى صاروا أعظم من الله ، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد ذكر بعض الناس بالتبجيل والإطراء والتعظيم في الأمة أكثر مما ذكر الرسول ﵊، وابن السبكي يترجم لأبيه في كما في طبقات الشافعية، فيقول: الإمام الأصولي المحقق، هدية الزمان، بركة الوقت، قبة الفلك، ما بقي عليه إلا أن يقول روح القدس.
أما إلى الوالد فلا بأس، أما العالم فلا يفتح هذا الباب ولا لغيره، ويكتفى بالاقتصاد فيه، لتبقى العقيدة سليمة من الثلم.
стр. 5766
ما يكتب للإنسان من صلاته
السؤال
هل صحيح أنه ليس للإنسان من صلاته إلا ما وعاها؟
الجواب
نعم.
عند الترمذي والنسائي عن عمار ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن من أحدكم من يخرج من صلاته ما له منها إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها﴾ هذه رواية العدد التنازلي.
وورد في روايات أخرى: ﴿إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها﴾ هكذا، والأول أصح؛ فالإنسان ليس له من صلاته إلا ما وعى، وحد الوعي هو أن يدري ما يقول في الصلاة، إذا سألته وقلت له: ماذا قرأت بعد الفاتحة؟ قال: إذا جاء نصر الله والفتح، فقد وعى، أما من لا يدري ماذا قرأ الإمام، وما قرأ هو، فهذا ما وعى صلاته وقد ذهب عليه إلا ما وعى منها، فليعلم هذا.
стр. 5767
ابن سيناء
السؤال
ورد عن بعض العلماء في هذه المنطقة أن ابن سيناء كافر ضال، وهناك شيوخ يترحمون عليه؟
الجواب
ابن تيمية يقول: ابن سيناء وأمثاله من أفراخ الصابئة، ومن أذناب المجوس، ويقول: إن كان صح عنه ما يقول فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وذكر عنه في كتاب المنطق في المجلد التاسع أنه كان يقول: بعبادة الكواكب وهذا أمر خطير، والذين يترحمون عليه أناس عندهم علم لكنه علم دنيوي، وأهل تكولنوجيا مثل بعض أساتذة الجامعات والمؤسسات، عندهم خير لكن لا يعرفون منهجهم في الدين، فهم يكتبون الأقسام بـ ابن سيناء، والسكن والجامعات، افتخاراً بهذه العقلية، وهو محسوب على الإسلام، ونبرأ إلى الله من كل ضال، وما ندري هل تاب أم لا؟!
стр. 5768
كتاب رجال حول الرسول
السؤال
كتاب رجال حول الرسول لـ خالد محمد خالد؟
الجواب
هذا يقوم بالحسنات والسيئات، هذا الكتاب من أحسن الكتب لأمور:
أولاً: جودة الأسلوب، فالنصوص والتراجم قدمت في قوالب طيبة، يشكر صاحبها عليها.
الأمر الثاني: أنه اختار المواقف الرائعة من حياة الصحابة ولأنها بشيء من الأدب فكانت مؤثرة.
الأمر الثالث: أن الرجل يظهر فيه حب لله ولرسوله، لأنك تعرف من قلم الرجل ومن كلام الرجل أنه يحب الله ورسوله، ليس كرجل حاقد على الإسلام يتكلم على الإسلام، حاشا وكلا، أما المآخذ عليه فتؤخذ عليه ثلاثة مآخذ:
أولها: أنه تكلم في ترجمة أبي ذر بكلمة ينبغي أن يستغفر الله منها، وثقافته كانت اشتراكية قبل أن يتوب وقد أعلن توبته كما أعلنت ذلك مجلة المجتمع قبل سنوات، فأتى بالكادحين ومسألة العمال، وهذه ما أتت من الشرق، وإنما أتت من ماركس، وموسكو لا من المدينة المنورة، فيحسب عليه ذلك.
المسألة الثانية: أنه لم يوثق بعض القصص والأحاديث بل تركها بلا زمام ولا خطام.
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
فعليه أن يقيدها إن أراد أن يكون محققاً.
المسألة الثالثة: أنه أضفى بعض التهويل على بعض الأمور، وينبغي أن يكون الإنسان متعقلاً مع الأصالة، فلا يجنح به الخيال إلى أن تكون نصوصه فلسفية.
محمد إقبال أخذوا عليه أنه جعل نصوص الدين فلسفة يعرضها في قوالب فلسفية، ونحن عباد ندين الله بأننا مذنبون، والصحابة أخيار وأبرار وفضلاء ونبلاء لكن عندهم ذنوب، وليسوا بدرجة العصمة كالرسول ﵊، فقضية أن يأتي بمثل بلال، وأن يجعله كأسطورة لا يذنب ولا يخطئ، ولا يسهو ولا ينسى؛ فهذه درجة المصطفى ﷺ ، وأما الكمال المطلق فهو لله .
تكلم الأخ أن بعض العلماء في هذه المنطقة صححوا حديث: ﴿من قرض بيتاً بعد صلاة العشاء فلا تقبل له صلاة ذلك اليوم﴾ نقول هذا العالم يحترم رأيه في هذا، ووصل اجتهاده إلى هذا، وأمر التصحيح والتحسين والتضعيف أمر اجتهادي ومسائل تختلف، وحديث صلاة التسابيح كتب فيه ناصر الدين الدمشقي رسالة التنقيح في صلاة التسابيح، قال: صححه بعض العلماء وحسنه بعضهم، وضعفه بعضهم، ووضعه بعضهم، فليس بغريب أن يختلف في حديث؛ فهو أمر اجتهادي، وأنا كطويلب علم توصلت من دراسة الأسانيد وكلام أهل العلم بأن هذا الحديث لا يصح؛ لأنه ثلم في قواعد الدين وأصول الإسلام.
سبحان الله! رجل صائم مصل عابد يقوم الليل، قال بيتاً من الشعر بعد صلاة العشاء فحبط صلاته وصيامه وعبادته، ولا تقبل له صلاة ذاك اليوم.
عمر ﵁ كان ينظم الشعر ويقوله بعد صلاة العشاء في السفر.
الصحابة كانوا يحدون به بعد صلاة العشاء، والأمر الغريب إذا أتى إلى قواعد مشهورة ليثلمها رددنا هذا الأمر الغريب، فهذا حديث شاذ يقدح في أصول أصبحت كالجبال فلا يقبل.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5769
كتب في الساحة الإسلامية
الكتاب هو مثل الصحاب، يحتاج إلى اختيار.
والشيخ قد ذكر في كل فن من فنون العلم أشهر الكتب، وذكر مميزاتها والمآخذ عليها، وحذر من بعض الكتب فاقرأ هذه المادة حتى لا تفوتك هذه الفوائد الجمة.
стр. 5770
فوائد مصاحبة الكتاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل لله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
أيها الإخوة الأبرار! طلبة العلم الأخيار! إنه مما يسعدني في هذه الجلسة أن أدخل معكم في المكتبة الإسلامية، وإنَّ أشرف ما يمكن أن نعيش به في الحياة بعد الإيمان والعمل الصالح هو تحصيل العلم وقراءة كتب العلم:
يا تقياً والتقى جلبابه
وذكياً حسنت آدابه
قم وصاحب من هم أصحابه
لا تقل قد ذهبت أربابه كل من سار على الدرب وصل
والمكتبة الإسلامية سوف ندخلها هذه الليلة -إن شاء الله- لنقف مع الكتب المشهورة في المكتبة الإسلامية، ونتحدث عن الفنون: الحديث بعد القرآن، والتفسير، والفقه، والمصطلح، وأصول الفقه، والأدب، والتاريخ، والرجال، والسير.
ونتحدث -إن شاء الله- عن الشروح والمختصرات؛ كل ذلك على نطاق الاستقراء، وعرض بعض الأمثلة وبعض النقود التي لا تسلم منها كتب البشر.
الكتاب الإسلامي النافع المفيد هو أنيسك في الوحدة كما قال الجاحظ، والكتاب يا طالب العلم هو رفيقك في درب الحياة، والكتاب صاحبك الذي لا يخونك ولا ينم عليك ولا يملّك ولا يسئمك ولا يغدرك، والكتاب خير جليس، قال: أبو الطيب المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
فإذا كان جليسك في الحياة الكتاب فأبشر ثم أبشر خاصة إذا كان الكتاب الإسلامي النافع المفيد، وأعظم كتاب طَرَقَ المعمورة، ووجد في الأرض هو كتاب الله ، وفضائله ومآثره تحتاج إلى دروس ودروس ليست جلسة واحدة، وكفى هذا الكتاب أنه معجز وأنه مؤثر وأنه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وقوله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وقوله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقوله ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وقوله عز من قائل: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] وقوله جلت قدرته: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤].
إنني أستسمحكم عذراً معلناً عجزي عن عرض فضائل هذا القرآن في مثل هذه الجلسة؛ لأنها لكتب ولمؤلفات البشر، ثم أحيلكم على كتاب الإمام النووي المسمى التبيان في آداب حملة القرآن ذاك الكتاب الضخم، وإلى غيره من كتب أهل العلم، لكن لندخل الآن إلى فوائد الكتاب الإسلامي الذي يرزقك علماً وإيماناً، وحباً وطموحاً.
من فوائد الكتاب:
стр. 5771
التأثير على الناس
إن من استصحب الكتاب كان له تأثير في الناس.
قال السلف الصالح كما في السير: من خدم المحابر خدمته المنابر، أي: أعلن دعوته وعلمه وأفاد الناس.
стр. 5772
الأنس
قال بعض الفضلاء: صحبت الناس فملوني ومللتهم، وصحبت الكتاب فما مللته ولا ملني.
стр. 5773
السلامة من قرين السوء
فإنك إن لم تصاحب الكتاب جلست مستوحشاً إن لم تكن في ذكر لله أو جلست مع جليس سوء يغتاب وينم ويفحش في الكلام، ويعرضك لمجريات الحياة، ويضيع عليك الأوقات النافعة والمفيدة، قالوا لـ ابن المبارك ﵁ وأرضاه: أين تذهب يوم تدخل بيتك؟
قال: أجلس مع الصحابة، قالوا: أين الصحابة وقد ماتوا؟
قال: أجلس مع كتبهم، أما أنتم فتغتابون الناس.
стр. 5774
شحذ الهمم
وخاصة لمن قرأ سير العظماء والعلماء والرواد من الأخيار والشهداء فإنها تزيدك بصيرة وطموحاً وهمة، وجرب نفسك يوم تستعرض سيرة الإمام أحمد أو مالك أو الثوري أو ابن تيمية أو ابن القيم أو غيرهم كيف تزداد عزيمة وصرامة؟!
لأن الذي لا يتذكر التراجم يعيش على هامش الأحداث، لا يرى في المجتمع قدوةً، ولا أسوةً، لا يرى مبرزاً في العلم والعمل؛ فيبقى هكذا.
стр. 5775
حفظ الوقت
فإن من فاته الذكر والعبادة لا يحفظ وقته إلا مع الكتاب الإسلامي النافع المفيد.
стр. 5776
كتب التفسير
والآن لندخل إلى التفسير وقد أعلنَّا العجز على أن نتحدث عن فضائل القرآن الكريم، وقلنا: إن هذه العجالة لا يمكن أن تأتي على حصر فوائد القرآن، ويوم تكون طالب علم تطالب أول ما تطالب أن يكون القرآن في مكتبك، وتحفظ منه ما تيسر وتتدبره، ويكون هو وردك دائماً ومعلمك وأنيسك وربيع قلبك، جعله الله لنا وإياكم قائداً إلى الجنة.
أما فن التفسير فهو فن أغدق فيه المسلمون، وأغزروا الفوائد، وخدموه خدمة بارعة، وهو على قسمين: التفسير بالرواية، والتفسير بالدراية.
فالرواية: هي النقل.
والدارية: هو الرأي.
وأنا أذكر الكتب التي لا يمكن أن تستغني عنها في مكتبتك أو أن تعود إليها وكيف تكون عارفاً بها أو محيطاً ببعض جمل فوائدها.
стр. 5777
تفسير الطبري
أعظم تفسير عند المسلمين جمع فأوعى تفسير ابن جرير الطبري، ومن فوائده ومناقبه وميزاته وخصائصه ثلاث خصائص:
١/ أنه اعتنى بالتفسير المأثور المنقول عن الرسول ﵊ وعن أصحابه.
٢/ أنه أثبت ما نقل بالسند، فأحالك على سند ولم يأتِ بالكلام بلا خطام ولا زمام، ومن يرد الكلام بلا خطام ولا زمام يثرب عليه:
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
٣/ أنه أتى بلب اللغة العربية، واستشهد بالأبيات التي هي شواهد من شعر الجاهليين وغيرهم، وأقرها أهل اللغة.
لكن مما يلاحظه الإنسان لأن كل كتاب إلا ما أسلفت يلاحظ عليه شيء ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
في تفسير ابن جرير طول مطيل، فقد أطال فيه ومد الكلام، وبسط الحديث بشيء يمل، والذي أطاله الأسانيد؛ فإنه يأتي بالسند الطويل الطويل، ثم يأتي في رأسه بكلمة، وهذا قد يأخذ وقتاً كبيراً على طالب العلم.
ومنها: أنه قد يورد روايتين أو ثلاثاً ثم لا يرجح، ولا بد لطالب العلم أن يحقق المسألة ويرجحها، ويعتمد قولاً واحداً ليكون عليه مدار العلم.
الأمر الثالث: أنه مر على كثير من الأحاديث الضعيفة، ولم ينبه على ضعفها ولا على درجتها ولا على صحتها، وحق على طالب العلم على ألا يمر بحديث إلا وينبه عليه لتبرأ ذمته وعهدته، خاصة من مثل الإمام ابن جرير الطبري ذاك العالم الفذ.
стр. 5778
تفسير ابن كثير
والتفسير الثاني تفسير ابن كثير ذكر عن الشوكاني كما في البدر الطالع أنه قال: ما أعلم تفسيراً أحسن منه فكيف مثله؟!
وذكر عن السيوطي أنه قال: ما على وجه الأرض أحسن من تفسير ابن كثير وفيه ثلاث ميز:
١/ أنه يفسر القرآن بالقرآن، فيورد الآية ثم الآيات التي تدور حول المعنى وتفسر المعنى في الجملة، وهذه منقبة عظيمة وهو تفسير القرآن بالقرآن.
٢/ أنه يأتي بالأحاديث النبوية من النقل ويسندها إلى الكتب المعتمدة واعتمد على مسند الإمام أحمد كثيراً حتى كان تفسيره كله فيه قال أحمد: حدثنا فلان، ثم ينسب الحديث للستة وإلى غيرهم.
٣/ أورد كلام التابعين ومن بعدهم بأسمائهم ونبه على ذلك.
ولكن نقاط الضعف فيه في أمور، منها: أنه حذَّر من الإسرائيليات في أول الكتاب ثم نسي وأتى بالإسرائيليات وهو أنقى الكتب من الإسرائيليات، لكن وجد مع ذلك إسرائيليات.
ومنها: أنه في بعض الأحاديث لا يستوعب ما نقل في الآية من كلام أهل اللغة ليبسطها بسطاً واضحاً، فإنَّ بعض الآيات إذا راجعتها لا تجد إلا كلاماً قليلاً فيها تحتاج إلى غزارة وتبسيط وإلى إيراد وشرح حتى تقرب من فهم السامع ومن فهم القارئ ومن فهم طالب العلم، لكن شكر الله له جهده وأثابه، ولو أن بعض الأحاديث تحتاج إلى تخريج، وقد بدأ بذلك بعض طلبة العلم، وقد رأيت مجلداً لتحقيق هذا الكتاب الفذ، واختصره العلماء منهم نسيب الرفاعي في مختصر جيد وليته أبقى على روح الكتاب وعلى ضميمة كلام السلف ونقولاتهم لكان أفضل.
ومنهم أيضاً الصابوني، وقد أحسن في كثير من اختصاره لو أنه ترك التدخل في بعض المسائل، ولو أنه أبقى الكلام على اعتقاد السلف في هذا الكتاب أفضل.
стр. 5779
تفسير القرطبي
التفسير الثالث: تفسير القرطبي وهو يحتل المكانة الثالثة، ولا بد من مكتبتك أن تحفل بـ تفسير القرطبي قال الذهبي: ألف القرطبي تفسيراً فأتى فيه بكل عجيب، فميزته أنه يجمع آيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، وأقوال أهل العلم في مسائل الأحكام، ثم يستخلص الراجح عنده، فهو كتاب أحكام وفقه قبل أن يكون تفسيراً، ومن ميزته: أنه حشد حشدًا هائلاً من الأدلة والإيرادات، فأتى كما قال الذهبي: بكل عجيب.
ومن ميزته أيضاً: أنه لم ينس جانب اللغة والأدب والشعر، وأتى بشواهد اللغة كما فعل ابن جرير.
لكن عليه ملاحظتان.
١/ أتى بأحاديث موضوعة يعرفها كل من يبدأ يقرأ في سورة الفاتحة، فعند (بسم الله) أتى بأحاديث موضوعة ومكذوبة، والواجب أن ينبه عليها خاصة وهو محدث ولا تبرأ ذمته بإيراد الحديث إلا بالتنبيه.
٢/ أنه قد يؤول في بعض الصفات، وهذا خلاف منهج أهل السنة، كما فعل في بعض المواطن في سورة الأعراف أو الأنعام فليتنبه لذلك؛ لأن منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات إمرارها كما جاءت مع الإيمان بمعناها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
стр. 5780
تفسير الزمخشري
أما التفسير الرابع فهو تفسير الزمخشري المسمى بـ الكشاف والزمخشري عالم لغوي فذ من أكبر العلماء، وهو حجة في اللغة لكنه معتزلي الرأي، معتزلي الفكر، معتزلي المعتقد، وقد شنع على أهل السنة والجماعة وكتب قصيدة في أهل السنة والجماعة يقول:
لجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري موكفة
فنزلوا عليه وردوا عليه مقابل ست قصائد سحقت قصيدته، ومن لطائف الحديث عن الزمخشري أنه كان في طفولته يربط طائراً في بيته - وهذا استطراد ولطائف حتى تدبج الجلسة- فأتى هذا الطائر فاقتطع الحبل فنشبت رجله فانقطعت مع الحبل وذهب الطائر برجل واحدة.
قالت أم الزمخشري له: قطع الله رجلك كما قطعت رجل هذا الطائر، فذهب فوقع في ثلج في طريقه إلى مكة فتجمدت رجله فبترت من فخذه، فأصبح على رجل واحدة وجاور بيت الله في مكة ولذلك قال الراثي له:
وأرض مكة تذري الدمع مقلتها حزناً لمرحل جار الله محمود
أو كما قال، والرجل هذا فيه خبايا ودسائس وقد ناصر عقائد الاعتزال وأظهرها في كتابه، وشحن بها الكشاف، وميزة الكشاف: أنه كتاب لغة وأنه حجة في اللغة، وأن له إيرادات ونكت عجيبة ومسامير إذا دخلت في التاج أحكمت الصنعة، لكن في اللغة واللطائف، وهو صاحب إشراقات في باب البديع والبيان.
ومثالبه:
١/ الرجل ليس بحجة في الحديث النبوي، فبضاعته في الحديث مزجاة ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨].
٢/ الرجل على عقيدة الاعتزال.
٣/ لم يُوفِ بعض الآيات حقها من البسط والبيان كما فعل غيره كـ القرطبي، ولكن حسنته في البديع والبيان والنحو.
следующие страницы →