Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
الأولى بالوقت الدعوة أو العلم
السؤال
ما رأي فضيلتكم: هل الأولى أن يقدم الإنسان طلب العلم أو الدعوة إلى الله، وإن كان لا بد من الاثنين معاً فأيهما الأولى في إعطاء الوقت الأكثر من حياة الشاب العامة؟
الجواب
أولاً: يبدأ بالعلم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] قال البخاري فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، فإذا أصبح عنده حد أدنى يستطيع أن يتفاهم مع الناس فيه، لا نقول يكون كـ ابن حجر في الحديث، ولا كـ السبكي في أصول الفقه ولا ابن قدامة في الفقه، لكن يكون عنده حد أدنى يتفاهم به مع الناس، ثم يتزود وليكن كثير الوقت لطلب العلم فإنه جهاد، وليكن له وقت في تبليغ هذا العلم للناس، فقضية أن يدعو الناس بلا علم فلا يصح هذا، لأنهم سيثقون به وبعد فترة سينقطع، يبحثون عنه فيجدون أنه ليس عنده علم فيتفرقون، وإن جلس للعلم وترك الدعوة فسوف يحاسبه الله على هذا الكنز الذي تحمله.
стр. 5882
أرجوزة أمريكا التي رأيت
السؤال
هناك سؤال شخصي لفضيلة الشيخ: نريد من الشيخ الكريم أرجوزته التي قالها في أمريكا؟
الجواب
ما أدري هل يناسب المسجد أم لا، إن كان يناسب المسجد ألقينا أرجوزة وهي هزلية فيها شيء من المزح! والسكوت علامة الرضا.
هذه أرجوزة في أمريكا في مؤتمر للشباب العربي المسلم العاشر في أكلاهوما في الشمال هناك، نسأل الله أن ينفع من دعا لوجه الله ، وأن يثبتنا وإياكم وأن يوصل الإسلام إلى تلك البلاد.
وهناك قصيدة: (أمريكا التي رأيت) جدية، وقضيدة هزلية اسمها: نشرة الأخبار، أما أمريكا التي رأيت، فلا بأس أن آخذ بعض الأبيات، لأنها أقصد بالدال وهي الأولى أن يُسأل عنها، لأن فيها بعض الأمور التي ينبغي للمسلم أن يتفطن إليها، وهي تخاطب الأمة الإسلامية.
يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل
وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل
سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل
وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل
يا أمة ضرب الزمان بها جموح الكبرياء
رأس الدعي على التراب ورأس عزمك في السماء
لو كان مهرك يا مليحة من براكين الدماء
لهفا إليك اللامعون وفر منك الأدعياء
يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال
وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال
شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال
موتاً أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال
يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد
كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد
القاتلي الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد
جثث البرايا منهم في كل رابية وواد
ما زرت أمريكا فليست في الورى أهل المزار
بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار
لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار
وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار
ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام
قد زادني مرأى الضلال هوىً إلى البيت الحرام
وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام
ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام
وهي قصيدة فيها بعض الأبيات نسيتها، أما أرجوزة "نشرة الأخبار" فهي فيها دعابة، ولا بأس أن تذكر تمليحاً في المجلس، لأنه ذكر العراقي في منظومته، قال:
واستحسنوا الإنشاد في الأواخر
يعني أنه في أواخر المجلس استحسن أهل العلم أنه تنشد الأشعار، وقال ابن عباس كما ثبت عنه: حمضوا لنا، أي: أعطونا في آخر المجلس فكاهات ودعابات، أما نشرة الأخبار فهي
يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي
مصليا على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي
قد جئت من أبها صباحاً باكر امشاركاً لحفلكم وشاكراً
وحملتنا في السما طيارة تطفح تارة وتهوي تارة
قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك
يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا
وهذه أخبار هذى النشرة مسافة السير ثلاثة عشرة
من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحى هبطنا
أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا
ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة
منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن
ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان
وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة
وقد صحبت شيخنا السدحانا أصبحت في صحبته فرحانا
وقد صحبت فالح الصغير في الدين والأخلاق ما تغير
ومعنا عبد العزيز الغامدي ابن عزيز صاحب المحامد
إلى أن أقول:
وصالح الخزيم والوقور وسعيه في بذله مشكور
والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش
فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة
في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة
فهم هناك كشويهات الغنم جد وهزل وضياع ونغم
فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما
من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق من يوغندا
من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك
من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
منهم أخذنا العود والسجارة وما عرفنا ننتج السيارة
إلى أن أقول:
وهل أتاك إذ حضرنا الرابطة كم ضم من ساقطة ولاقطة
من عالم وفاهم وشاعر وأحمق ونابه وقاصر
به كرام ومفكرونا والباذلون الخير مشكورونا
وكل من يعمل للإسلام أخٌ ولا عبرة بالأسامي
جيل إذا لم يعبد الله الصمد ولم يردد قل هو الله أحد
لا عرف النصر ولا لن يعرفه اضحك له وغطه بالمنشفة
стр. 5883
الحداثة وضررها على الإسلام والمسلمين
السؤال
كثر الكلام حول شعر الحداثة، وخاصة في الأسبوعين الماضين بخاصة في المهرجان الشعبي الذي عقد في الرياض، وكثير من الإخوة يسأل عن مفهوم الحداثة؟ وما ضررها على المسلمين وعلى الإسلام؟
الجواب
أنا ما أدري ماهو المفهوم الذي يريد أن يصل إليه أهل الحداثة، يقولون: يريد الشعر الحديث الذي لا يتقيد بالوزن ولا بالقافية، ولا بالروي، لكن هذا ظاهر كلامهم والباطن كأنهم يريدون أن يهدموا كل ما سبق من الرسالة الخالدة والإسلام ومحمد ﵊، أو بعضهم يريد ذلك، ولذلك يقول بعض الأدباء: أهل الحداثة ثلاثة أقسام -ولكن ما أسكر كثيره فقليله حرام- منهم قسم ما درى ما الحداثة وإنما ركب الموجة، رأى الناس يسيرون هكذا فأخذ حقيبته وتوجه، وذهب به السيل أيما مذهب فهو لا يدري وهو على نيته.
وقسم آخر يرى أنها أدب لا تتعلق بها مضرة للدين، فهو مقتنع بهذا، فهو يكتب باقتناع ويريد أن يأتي بهذا المبدأ وهو عدم التقيد بالبحر والروي والقافية فهو يكتب من هذا الجانب.
وقسم آخر ضال له نوايا نسأل الله أن يكشف نواياه وأن يجازيه بما فعل، فإن ماركس ولينين واستالين ركبوا موجة الاقتصاد قبل فترة ليورثوا الناس الإلحاد، فلما خبت هذه النار ركبوا الحداثة، فتجد أساتذتهم وكبارهم في العالم -وهذه موجودة بوثائق، ولعلّ بعضكم رأى أو سمع هذه الوثائق وهو ليس كلاماً هراء- ركبوا هذه الموجة ليضروا الإسلام، وأهل الإسلام وأهل الدعوة وأهل العلم، فهذا قسم ثالث:
وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا
هذا ما شئت فأنزل مفهوم الحداثة على الأقسام الثلاثة، وأنت ستعرف إذا أنزلت هذا المفهوم.
стр. 5884
حكم الدعوة بالأناشيد والتمثيليات
السؤال
ما حكم الدعوة بالأناشيد والتمثيليات الإسلامية، حيث نحن في هذا الموضوع تائهون ولا نعرف موقع المسلم منها من حيث جوازها أو عدم جوازها؟
الجواب
الأمر الأول: النشيد الإسلامي أصبح وسيلة من وسائل الدعوة، لكن لا بأس به بثلاثة شروط إن شاء الله:-
الأول: أن لا يكون الشعر المنشود به غزلاً ولا مجوناً أو فحشاً، بل يكون شعراً مستقيماً، شعر دعوة، يدعو الناس إلى طاعة الله، وإلى التقوى والزهد.
الثاني: أن لا يصاحبه آلة لهو: لا طبل، ولا دف، ولا مزمار، ولا موسيقى، فإنه لا يجوز أن يصاحبه آلة من آلة الموسيقى فإنها محرمة.
الثالث: أن لا يبالغ فيه حتى يصبح هو المقصود، فإن بعض الناس إذا ذهب إلى العمرة أنشد قبل أن يذهب وبعد أن يذهب، وإذا جلس وإذا وقف، وينشدون في الحافلة، وهذا ليس بمفهوم أن يأخذ أوقات الأدب والعلم والحوار العلمي.
فلا بأس به بهذه الشروط الثلاثة، أما التمثيليات، فلا تجوز لأن فيها الكذب، وأكثر ما رؤي من التمثيليات ومن وسائلها الكذب، وهذا حرام حتى في التمثيليات، والأمر المحرم تمثيل شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم، أو تمثيل أشياء من الدين فإن هذا حرام، بعض الناس يقوم يمثل في المسرح فيصلي بغير وضوء إلى غير القبلة، ويستهزيء بركوعه وسجوده، فهذا حرام: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]
فلا يجوز أن يستهزأ كذلك بالمقرئين، فبعضهم يأخذ المصحف وهو ليس متوضئاً ويقرأ في المسرح، ويرفع صوته، ثم يكسر القرآن، ويغلط ليضحك الناس، فهذا حرام.
الأمر الثاني: الشعائر التعبدية يحرم، أما غيرها إذا خلى من الكذب فله ذلك، مثل أن يجتمع شباب ويقولون: تفرق الشباب، وذهبوا وضيعوا أوقاتهم وأهملوا في واجباتهم، فيمثلون هذا الذي يفيد المجتمع بدون استهزاء لا بالشعائر ولا بـ السلف الصالح، وبدون الكذب، هذا ما يحضرني فيه.
стр. 5885
حكم نظر المرأة إلى الرجل في التلفاز
السؤال
ما حكم رؤية المرأة للرجل ومشاهدته في التلفاز؟
الجواب
رؤية المرأة للرجل مباح من الأصل، لكنها تحرم لأمور: كأن يكون هناك شهوة أوشبهة، أو تهمة أو ريبة فإنه يحرم نظر المرأة إلى الرجل، أما في الأصل فهو مباح لأدلة حسية ولدليلين نقليين: -
الدليل الأول: أن الرسول ﷺ ، قال لـ فاطمة بنت قيس: ﴿اذهبي إلى ابن أم مكتوم -وهو حديث صحيح- وهو رجل أعمى تضعين عنده ثيابك لأنه لا يراك وأنت ترينه﴾ فالمرأة في الأصل تنظر إليه، هذا دليل.
الدليل الثاني: أن الرسول ﵊ ترك عائشة تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بالحراب في مسجده ﷺ ، فلو كان نظرها لا يجوز لما تركها تنظر إليهم، وهي تقول في الرواية: ﴿وأنا أنظر إليهم﴾.
أما حديث: ﴿أعمياوان أنتما﴾ فهو حديث ضعيف كما حقق ذلك أهل العلم.
والدليل الحسي: لو كان لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل لأمر الرجل أن يغطي وجهه ولاحتجبنا جميعاً عن النساء، فالأصل جواز نظر المرأة إلى الرجل، لكن إذا وجد تهمة فلا، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] للتهمة والريبة، ولأنهم أجانب، لكن لو نظرت فلا بأس من غير ريبة وتهمة.
أما في التلفاز فأمر آخر إن كان ليس هناك ريبة، وكان الذي ينظر إليه فاضلاً كأن يكون عالماً أو خيراً، فإن نظرها على التلفاز كنظرها في غير التلفاز، وإن كان نظر ريبة فهو أمنع، وهنا أشد منعاً وأشد تحريماً، هذا ما يحضرني في هذا.
стр. 5886
نصيحة لمن يذهبون إلى الخارج للدارسة
السؤال
ما توجيهك للشباب الذين يذهبون للدراسة إلى الخارج وليس لديهم القاعدة العلمية الشرعية المواجهة للشبهات، خصوصاً وأن أعداء الإسلام حريصون على إبعادهم عن هذا الدين؟
الجواب
الأمر الأول: حورب الإسلام بحربين، حرب المعسكر الشرقي بالشبهات، وحرب المعسكر الغربي بالشهوات، فحرب أولئك أن نرد عليهم بالعلم النافع، أولئك باليقين وهؤلاء بالصبر، وأما من يسافر للخارج فكأنه والله أعلم لا يسافر إلا لضرورة إما لعلاج ما وجده في بلاد المسلمين، فعليه أن يتعالج هناك لأنها ضرورة.
الأمر الثاني: كأن يذهب لدراسة ضرورية ليست من التخصصات في بلاد المسلمين ويريد النفع إن شاء الله على أن يضمن دينه، فله أن يذهب.
الأمر الثالث: للدعوة إذا رأى من نفسه قدرة وأن ينفع الله به المسلمين، أو أن أهل البلاد سوف يتأثرون به فليذهب، لكن يذهب بشروط، وهذه الشروط اصطلاحية اجتهادية ليست موجودة في كتب الفقه ولا الحديث:
الأول: أن يكون صاحب عقيدة ومبدأ، صاحب دين يخاف الله.
الثاني: أن يكون متزوجاً ولو بأربع من الزوجات، فمن خطورة الموقف له أن يتزوج بأربع يذهب بهن إلى هناك، فإنه سوف يقع في كارثة إن لم يعصمه الله ، لأن أول مرة سوف يغض البصر، والمرة الثانية يفتح نصف العين، واليوم الثالث يطلق النظر، واليوم الرابع يقع في حيص بيص إن لم يعصمه الله ، فلا بد أن يذهب بزواج، بعض الناس ذهب هناك فكان يغض بصره، وبعد أسبوع ما غض فالمقصود: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] فالله الله في هذه الأمور.
стр. 5887
حكم طلب العلم لغير الله
السؤال
ما رأي فضيلتكم من طلب العلم لا لوجه الله، ويأمل أن يكون لوجه الله في المستقبل؟
الجواب
هذا فيه كلام ﴿من طلب علماً ليماري به السفهاء أو ليجاري به العلماء، لم يرح رائحة الجنة، أو لم يجد عرف الجنة﴾ هذا حديث حسنه بعض أهل العلم وهو في السنن.
لكن طلب العلم لغير الله لأهل العلم كلام في هذه المسألة: الذهبي ذكر عن بعض العلماء أنهم قالوا: "طلبنا العلم لغير الله، فأبى إلا أن يكون لله" ذكر ذلك عن الشافعي وعن الثوري، المقصود أننا لا نقول: لا تطلب العلم، مادام أنك تخاف أن يكون رياءً فكفى بك رياء أن تترك العلم، لأن ترك العمل من أجل الناس شرك وعمله من أجل الناس رياء، والسلامة أن يعافيك الله من هذين، فالمقصود اطلب العلم، وصحح النية، فإن كثيراً من الناس ما صحت نياتهم إلا بعد أن مضوا في طلب العلم، والعلم هو الذي يدلك على الإخلاص بعد فترة إن شاء الله، فأنا أقول: لا تتوقف ولا تترك العلم، ولو وجدت رياءً أو تطلبه للشهادة أو للمنصب أو للوظيفة، بل استمر واطلب فسوف يحسن الله من حالك، وسوف يهديك الله بثلاثة أمور:-
أولاً: تجاهد نفسك بالدعاء.
ثانياً: بصدق اللجوء إلى الله تعالى.
ثالثاً: بالاطلاع المكثف على سير السلف الصالح فإن في سيرهم الصدق والإخلاص، والله الموفق.
стр. 5888
القصيدة البازية
السؤال
الأسئلة كثيرة من الإخوة يطلبون من الشيخ أن يذكر قصيدته التي قالها في الشيخ عبد العزيز بن باز؟
الجواب
بعض الإخوة قد سمعها ست أو سبع مرات، حتى خجلت أنا من كثرة ما أوردتها.
الشيخ عبد العزيز بن باز عالم، نتقرب إلى الله بحبه، وبحب الصالحين، ونسأل الله أن يثبتنا وإياه، وأن يجعل عملنا وعمله خالصاً لوجهه الكريم، وهذا الرجل موهوب، ونشر الله له القبول في الأرض، ولست بأول مادح له، سبقني بعض الشعراء فمدحوا فضيلته وأثنوا عليه والثناء في أهل العلم بر ومثوبة، يقول تقي الدين الهلالي المحدث المغربي:
خليلي عوجا بي لنغتم الأجر على آل باز إنهم بالثناء أحرى
وزهدك بالدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرى
وهي قصيدة ماتقارب ستين بيتاً، ومحمد المجذوب صاحب همسات قلب يقول:-
روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم
فلا غرو أن تشري المكارم كابراً فتأسرها بالمكرمات وبالحلم
فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي
أما قصيدتي فهي البازية:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي
وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجاف
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف
يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعاف
أقبلت في ثوب زهد تاركاً حُللاً منسوجة لطفيلي وملحاف
تعيش عيشة أهل الزهد من سلف لا ترتضي عيش أوغاد وأجلاف
فأنت فينا غريب الدار مرتحل من بعد ما جئت للدنيا بتطواف
أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي
كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف
إلى أن أقول:
يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف
ما أنصفتك القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف
وبالمناسبة لما ذكر الأخ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنا أتقرب إلى الله بالثناء للعلماء وأرى من واجب الأدباء الثناء على العلماء ليرى الشباب وأهل الصحوة وأهل الجيل أننا نحب العلماء، قبل عشرة أيام كان لي الشرف في زيارة فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين في عنيزة، وقد زارنا أمس وقبل أمس في أبها، فألقيت بين يديه أبيات على وزن قصيدة تنسب إلى علي ﵁، على هذا البحر الذي سوف أورده، أبو الحسن أمير المؤمنين يقول:-
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
المال عارية ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها
قصيدته لا دار للمرء، قلت على هذه القصيدة، وفي آخرها ثناء على الشيخ ابن عثيمين:-
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
المال عارية ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها
إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق القدوم فتدنو في تدانيها
حتى إذا ما بكت خوفاً لخالقها ترقرق الدمع حزناً من مآقيها
لا العذر يجدي ولا التأجيل ينفعها وكيف تبدي اعتذاراً عند واليها
فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها
إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيها
إلى أن قلت:
قل للرياح إذا هبت غواديها حي القصيم وعانق كل من فيها
واكتب على أرضهم بالدمع ملحمة من المحبة لا تنسى لياليها
أرض بها علم أو حاذق فطن يروي بكأس من العلياء أهليها
عقيدة رضعوها في فتوتهم صحت أسانيدها والحق يرويها
ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقل ابن سينا بواديها
ولـ ابن تيمية في أرضهم علم من الهداية يجري في روابيها
إذا بريدة بالأخيار قد فخرت يكفي عنيزة فخراً شيخ ناديها
محمد الصالح المحمود طائره البارع الفهم والدنيا يجافيها
له التحية في شعري أرتلها بمثل ما يرفع الأشواق مهديها
стр. 5889
الحث على مساعدة المجاهدين
السؤال
فضيلة الشيخ: كما تعلم ويعلم الإخوة ما يعانيه المجاهدون الأفغان في الوقت الحاضر خاصة بعد اتفاق أعداء الإسلام على إغلاق القضية الأفغانية، فأرجو أن تحث الإخوة على التبرع للإخوة الأفغان؟
الجواب
هذا كلام سليم، وهو من أحسن ما قيل، وأنا أحث نفسي وإياكم بكثرة الدعاء لهؤلاء المجاهدين، وبذل الأموال، لأنهم في حاجة ماسة، والرسول ﷺ صح عنه أنه قال: ﴿جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم﴾ فالذي لا يستطيع أن يجاهد بنفسه، فليجاهد بماله، ليقتل بديناره ودرهمه ملحداً وعدواً من أعداء المسلمين، فأنتم مدعوون للتبرع، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
стр. 5890
الحياء في الدعوة
السؤال
أنا شاب كثير الحياء، وإذا جلست في مجلس وأردت أن أذكرهم بالله تحول شدة الحياء بيني وبين ذلك، ما الحل يا فضيلة الشيخ؟
الجواب
الحياء فيه خير بل كله خير إذا كان في الخير، لكن إذا كان يصدك عن الخير فليس من الخير، يقول ﷺ : ﴿الحياء خير كله﴾ يعني ما كان في الخير، لكن إذا صدك عن طلب العلم وعن الدعوة فليس فيه خير، يقول مجاهد كما في صحيح البخاري: [[لا يطلب العلم مستكبر ولا مستحي]] فأنا أرى أن تنهي عقدة الحياء من الإخوان أو من الذي يمنعك من الخير وأن تمارس حل هذه العقدة بالتدرج، فتجلس مع أخوين وثلاثة وتتحدث وتطلق لسانك، وتغشى الأندية، وتحاول أن يصلح الله من حالك لإنهاء هذا الأمر والله معك، وإذا علم الله أن الحياء أصله الخير تستحي من المعاصي، فأنت مأجور، لكن لا يوصلك كثرة هذا الحياء إلى أن يوقفك عن كثير من الخير، أو من الدعوة إلى الله ، فهذا ليس بمحمود فأكثر الناس حياء، وأشد الناس حياء، هو كما قال عنه أبو سعيد في الصحيحين: ﴿كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها﴾ ومع ذلك كان من أشجع الناس في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعظ وصعود المنابر، والتحدث إلى الأمم والشعوب وتفهيم الأجيال، فلا يمنعك الحياء من الخير.
نسأل الله أن يوفقنا وإياكم وكل مسلم إلى ما يحب ويرضى.
стр. 5891
من أخبار السلف
هذا الدرس يمثل رحلة شيقة إلى تلك الأيام الرائعة وإلى القرون الأولى الفاضلة، وإلى ذلك المجتمع المثالي، مجتمع الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح.
على أن هذه المواقف التي تجلت فيها عظمة الرسول ﷺ لم تنقص من قدر أصحابه الذين وقع النقد عليهم كأسامة وأبي ذر وأبي محذورة بل جلت هذه المواقف فيهم شخصية الفرد المسلم المطيع البناء.
стр. 5892
فوائد الحديث عن سيرة السلف الصالح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد: -
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
كان عنوان الدرس الماضي: (أخطاء شائعة يقع فيها كثير من الناس) وعنوان هذا الدرس: (من أخبار السلف) وأخبار السلف الصالح شائقة رائقة، هي منجم بكر، وبستان يدخله العابدون، وحديقة يرتادها الموحدون، وسوف أعرض من أخبارهم لمسائل مع حبيبنا وقدوتنا ورائدنا وقائدنا محمد ﵊.
وعناصر هذا الموضوع كما يلي:-
- الرسول ﷺ ، يرسل عمر لجمع الصدقات.
- الرسول ﷺ يقول لـ أسامة: ﴿كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة﴾ وقصة ذلك.
- الصحابة يبحثون عن الرسول ﷺ وقد فقدوه من المسجد.
- استقبال حافل لوفد عبد القيس، وحوار مع الرسول ﵊.
- أبو هريرة يكلم الشيطان مباشرة.
- حوار بين أبي بكر وعمر في قتال المتمردين.
- الرسول ﷺ يعاتب أبا ذر، وقضايا في ذلك.
- أبي بن كعب في موقفين عظيمين يشهدان له عند الله ﵎.
- أبو محذورة المؤذن في يوم ميلاده.
أيها المسلمون: ننتقل بكم إلى محمد ﵊، إلى طيبة الطيبة، إلى المدينة، سلفنا الصالح، والقدوة المثلى، والجيل الذي لا يتكرر في التاريخ أبداً، إلى أصحاب محمد ﷺ لماذا؟
الأمر الأول: لنعيش القدوة التي طمس عليها لما كثرت الفتن والمغريات والشهوات، والحرب الشعواء التي سلطها الغرب على أجيالنا، وفصلوا بين كثير من أجيالنا وبين السلف الصالح.
ولذلك لا يذكر في المجالس أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا أُبي ولا حسان ولا خالد إلا قليلاً، لماذا؟
لأن الوقت -إلا عند من رحم ربك- صرف إلى المسلسلات والأغنيات، والمجلات والندوات، والشهوات، فكان لزاماً على من تكلم أن يعيد الجيل إلى أصحاب محمد ﵊.
الأمر الثاني: أننا بذكرهم في هذا المجلس نعيش معهم، وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ملكنا بأقطاب السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
الأمر الثالث: نفهم من سيرتهم كيف عاش هذا الإسلام الخالد؟ وكيف تعاملوا معه؟ وكيف كانت مجالسهم؟ ولذلك أسأل الله أن تتصل هذه السلسلة وأن تتعمق، وأن تترسخ، وأن تتكرر كثيراً مع دروس مقبلة بحول الباري.
стр. 5893
الرسول ﷺ يرسل عمر لجمع الصدقات
أما الموقف الأول من (من أخبار السلف) فمع الرسول ﵊.
أرسل الرسول ﷺ -والحديث عند البخاري - عمر يجمع الصدقات، وهو في تلك الفترة وبعد تلك الفترة تلميذ لمحمد ﵊.
قال عباس محمود العقاد في كلمة استحسنها، ولو أنا نلومه كثيراً على بعض التقريرات، لما قيل له ما الفرق بين أبي بكر وبين عمر؟ قال: الفرق بين أبي بكر وعمر أن أبا بكر عرف محمداً النبي، أما عمر فعرف النبي محمداً، وهذا صحيح، ومعنى ذلك: أن أبا بكر عرف الرسول ﷺ وهو محمد بلا نبوة قبل الإسلام، وقبل الرسالة في الجاهلية، صاحبه كالعينين، وأما عمر فعرف النبي محمداً بعد النبوة هذا الفرق.
أرسل ﵊ عمر وقال له: اذهب اجمع الصدقات -والصدقات هي الزكاة، يجمعها من المسلمين- فأخذ عمر ﵁ وأرضاه جهازه، وامتثل الأمر، وطاف على المسلمين ليجمع الصدقات من أصحاب القصور والدور ليوزعها للفقراء وللمساكين وللمحتاجين.
стр. 5894
وضع الرجل المناسب في المكان المناسب
وعمر صارم، يصلح لمثل هذه المهمات، والرسول ﵊ يصنف الناس، يعرف أين يضع الرجال، أبي بن كعب سيد القراء، وشيخ المسلمين في القراءة -وسوف يأتي معنا- ومعاذ قاضٍ إمام، وأبو بكر أستاذ في الإدارة، وحسان للقوافي وللمجالس الأدبية التي ينافح بها عن الإسلام، وزيد بن ثابت للفرائض، وخالد بن الوليد يفصل الرءوس عن الأكتاف في سبيل الله، وعلي بن أبي طالب قاضٍ وذكي وللمهمات، والزبير الحواري، وعثمان للإنفاق، وابن عوف للبذل.
وكلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفاً من الدِّيم
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
стр. 5895
استجابة الناس لرسول الرسول دليل على محبتهم له
ذهب عمر يطرق على الأبواب ادفعوا الزكاة من أرسلك؟ محمد ﵊.
فإذا سمعوا محمداً ﷺ دفعوا الصدقة؛ لأن عمر مهما أوتي من قوة، لا يملك القلوب كما يملكها ﷺ ، حتى يقول فيه أحد الشعراء:
محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة الرجال
حتى العذارى في الخدر أحببنه ﷺ ، أرسل جليبيب إلى بيت من بيوت الأنصار، وجليبيب فقير مسكين هزيل ضعيف محتاج لا نسب له، ولا جاه ولا مال، نسبه التقوى، وجاهه اليقين، وماله التوكل على الله، قال: اذهب إلى آل فلان يزوجونك ابنتهم، فطرق عليهم الباب، قال الأنصاري: من؟ قال: جليبيب، قال: ما تريد؟ قال: أرسلني رسول الله ﷺ لتزوجونني بنتكم.
قال الرجل: جليبيب لا نسب ولا أهل ولا مال ولا جاه، فأخبر زوجته -التي تملك حق الفيتو- فقالت: لا أهل ولا نسب، ولا مال، ولا جاه فسمعت الحوار العذراء المؤمنة المصلية، فقالت: أرسل محمد ﷺ وتردون خبره، بل أتزوجه طاعة لله ولرسوله، وفي ليلة الزفاف نادى منادي الجهاد: يا خيل الله اركبي! فتركها وخرج استجابة لأمر الله ورسوله، فقتل في تلك المعركة، فكانت الأموال تأتيها من حيث لا تدري.
стр. 5896
دفاع الرسول عن عمه العباس لما منع الصدقة
طرق عمر ﵁ الأبواب ومر بالناس جميعاً حتى وصل إلى العباس عم الرسول ﵊، وقال: ادفع الصدقة.
قال: من أرسلك؟ قال: الرسول ﵊.
قال: لن أدفع.
ثم ذهب إلى خالد سيف الله المسلول أبي سليمان، صاحب المائة غارة، وقال له: ادفع الصدقة.
قال: من أرسلك؟ قال: الرسول ﵊، قال: لا أدفع.
ثم ذهب إلى ابن جميل وقال له: ادفع الصدقة.
قال: من أرسلك؟ قال: محمد ﷺ قال: لا أدفع.
رجع عمر بالأموال، وقال: ﴿يارسول! دفع الناس جميعاً إلا ثلاثة، قال: من هم؟ قال: عمك العباس وخالد بن الوليد وابن جميل -فأتى ﷺ يفصل- قال: يا عمر! أما تعلم أن العباس عمي، وأن عم الرجل صنو أبيه؟ -أي: هو كأبي- هي علي ومثلها لعامين﴾ يقول: صدقته علي ومثلها، أنا اقترضت منه صدقة عامين في غزوة من الغزوات، لكن العباس استحيا أن يقول لـ عمر: إن الرسول ﷺ اقترض مني زكاة عامين، وعلم أنه إذا رد عمر سوف يتذكر الرسول ﵊، قال: يا عمر! كيف تتكلم وتشكو عمي أما تدري أن عمَّ الرجل مثل أبيه.
وفي الموقف هذا لطافة من العباس فإنه لم يقل: دفعت صدقتي لكم أو أقرضتكم، فإن المنة لله ولرسوله، وفيه موقف حازم لـ عمر؛ فإنه لم يقل: مادام أنه عم الإمام الأعظم ﷺ فلا نذكره في القائمة، لا، بل قال: عمك ما دفع الصدقة، انظر إلى الصرامة، حتى في تلك المواقف، لأن بعض الناس إذا رأى قريباً لصاحب الجاه، قال: لا نسقطه، قرابة ومحاباة ومجاملة، لكنّهُ موقف حازم.
وفيه موقف ثالث: اعتذار الرسول ﵊ حيث قال: أتشكو عليّ عمي؟ ثم بيان الحق: هي عليّ ومثلها.
стр. 5897
دفاع الرسول عن خالد بن الوليد
قال ﷺ : ﴿وأما خالد فإنكم تظلمون خالداًً﴾ يقول: يا عمر! أنتم تظلمون خالداً، دائماً خالد سيف الله مظلوم: ﴿إنه قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله﴾ عنده مائة سيف، ومائة رمح، ومائة فرس، قال: هي رهن محبوسة في سبيل الله، وهل في الوقف صدقة؟ وهل فيه زكاة؟ لا، لماذا يا عمر! تطلب من خالد أن يزكي وهي وقف؟
يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتقِ الله سائله
خالد إذا حضر المعركة، دعا مائة فارس وأعطاهم مائة سيف، ومائة رمح، ومائة فرس، فهي لله، ولذلك لا يرثها أبناء خالد.
خالد مات ولم يملك إلا ثوبه، خاض مائة معركة، ومات وما في جسمه موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فماذا فعلنا أنا وأنت للإسلام مع خالد؟ خالد قدم دموعه ودمه ووقته.
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
وما أتى بلدة إلا سمعت بها الله أكبر تدوي في نواحيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
خالد يوم اعتزل الجيش وهو كبير السن، أخذ مصحفاً يقرأ من صلاة الفجر إلى صلاة الظهر، ويبكي، ويقول: [[شغلني الجهاد عن القرآن]] ونحن نقول: يا أبا سليمان! إن كنت أنت شغلك الجهاد فنحن عندنا شباب شغلهم البلوت عن القرآن، والمجلة الخليعة والأغنية الماجنة عن القرآن، يا أبا سليمان! لقد شغلك الجهاد عن القرآن، إن جهادك أعظم من قراءة القرآن؛ لأنك رفعت لا إله إلا الله بجهادك.
أتته سكرات الموت فقال: [[لقد خضت مائة معركة وهأنا أموت على الفراش كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء]] يقول: اليوم يفرح الجبناء أني مت.
يقول ابن كثير: قاتل خالد يوم مؤتة فكسَّر تسعة أسياف في يده وما ثبتت إلا صفيحة يمانية، تكسرت السيوف، يأخذ السيف فيضرب به، فيتكسر، وتشع شظاياه على رءوس الناس، وكان جسيماً بديناً كالحصن.
ولما تولى أبو بكر الخلافة أراد عمر أن يصدر أول مرسوماً بعزل خالد، فقام أبو بكر غاضباً على المنبر، وقال: [[والله لا أغمد سيفاً سله الله على المشركين، لقد سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿خالد سيف الله المسلول، سله الله على المشركين﴾.
]] فلما تولى عمر كان أول ما أصدر: عزل خالد، فقال خالد: [[والله ما قاتلت بالأمس لـ p=١٠٠٠٠١٨> أبي بكر، وما قاتلت اليوم لـ عمر وإنما قاتلت لله، وأنا أقاتل لله قائداً أو مقوداً، فأيما شئتم فسيروني]] ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] سلام عليك وعلى أمثالك.
عذره الرسول ﷺ وقال: ﴿إنكم تظلمون خالداً﴾ ولذلك ظلم في التاريخ، ظلمه العقاد يوم جعله مع نابليون.
يا عقاد! يا أستاذ محمود! أتجعله في صف نابليون؟! نابليون مجرم فرنسي سحق العالم، نابليون قتل الأطفال، نابليون قتل النساء، وخالد أتى لرفع لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ونقول لـ عباس محمود العقاد وأمثاله: ظلمتم خالداً؛ لأن الرسول قال: ﴿إنكم تظلمون خالداً﴾.
стр. 5898
تعليق النبي ﷺ على منع ابن جميل للصدقة
قال عليه الصلاة السلام: ﴿وأما ابن جميل فما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله﴾ كأنه يعلق عليه، فإن ابن جميل لا عذر له، فقد كان فقيراً مسكيناً، فدعا الله فأغناه، ثم منع الصدقة، لماذا؟
قال الله في ابن جميل وأمثاله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧].
لا عذر لـ ابن جميل، أما العباس وخالد فهما معذوران هذه وقفات.
стр. 5899
موقف الرسول ﷺ مع أسامة بن زيد
الموقف الثاني: يقول ﷺ لـ أسامة: ﴿كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا أتت يوم القيامة؟﴾ والقصة في صحيح مسلم.
أرسل ﷺ جيشاً وقائده أسامة بن زيد، وعُمره آنذاك قيل: من الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة، أرسله إلى الحرقات من جهينة على البحر الأحمر.
انظر إلى القائد! أتدرون من في قيادة أسامة؟ ومن هم الجيش؟
عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوام وأمثالهم، والقائد أسامة، عبد مولى، وكلنا عبيد لله، ثلاث عشرة سنة، وبعضهم اليوم عمره ثلاثة عشرة ولا يعرف شيئاً، سبهلل
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
مثل أحد الحمقى عمره أربع عشرة سنة، أرسله أبوه، وقال: خذ بهذا الريال فولاً، وخذ بهذا الريال خبزاً، فذهب في الطريق فأصابه حيص بيص، فعاد إلى أبيه وقال: يا أبتاه! شككت في أمري وأردت أن أتيقن منك، هذا الريال للفول أم هذا؟ فتح الله عليه! ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] لأن من يتربَّى على جمع الطوابع والمراسلة، يأتي بعقلية مثل هذه العقلية.
أما أسامة فتربى على كلمة (لا إله إلا الله) وعلى الصلوات الخمس، وقيام الليل، وتدبر القرآن، ذهب أسامة وقاد الجيوش، فوصل إلى هناك، فخرجت جهينة تقاتل الصحابة، وكان فيهم رجل لا يقصد إلى مسلم إلا قتله، يذبح في المسلمين ذبحاً، فانطلق عليه أسامة فهرب الرجل واختفى وراء الشجرة، فلما أدركه ورفع السيف ليقتله، قال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان لسان حال أسامة: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢] فضربه فقتله.
لمن ترفع هذه القضية؟ قضية شائكة، إنسان يقاتلك ثم تذهب إليه وتطارده، فيقول: لا إله إلا الله، فتقتله رفعت إلى المصطفى ﵊ أتى الصحابة فأخبروا الرسول ﵊، فتغير وجهه، واحمر، ورعد أمره ﵊، فأشرف أسامة، فقال ﷺ قبل أن يُسَلِّم أسامة: ﴿يا أسامة! أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! إنما قالها مستجيراً بعد أن قتل في المسلمين.
قال: يا أسامة! ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا أتت يوم القيامة؟ قال: يارسول الله! إنما قالها مستجيراً، قال: يا أسامة! ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا أتت يوم القيامة؟ قال: يا رسول الله! قاتلنا وقتلنا.
قال: يا أسامة! ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا أتت يوم القيامة؟﴾ موقف تشيب له الولدان، فألقى أسامة الرمح من يده، وقال: ﴿ياليتني ما أسلمت إلا هذه الساعة﴾ أجاهد وأقتل مسلماً ياليتني ما أسلمت إلا الآن، ياليتني ما ذهبت إلى المعركة، ماذا تصنع بلا إله إلا الله؟ تأتي لا إله إلا الله في بطاقة، فتنزل فتدافع عن صاحبها!!
(لا إله إلا الله) من أجلها أقيمت الأرض، وهي مفتاح الجنة، حنانيك يا أسامة! غفر الله ذنبك يا أسامة! عطف الله عليك القلوب، وقد فعل.
أما الرسول فتوقف وما أفتاه، إنما قال: ماذا تصنع بلا إله إلا الله؟ يعني: احتكم أنت وإياها يوم العرض الأكبر.
وفيه دليل على أن (لا إله إلا الله محمد رسول الله) مفتاح الجنة، وعلى أنها تنقذ العبد من القتل في الدنيا، إذا لم يترك الصلاة، وعلى أنها من أحسن الكلمات، وعلى أنها عظيمة، دُمِّرت الأرض من أجل لا إله إلا الله خمس مرات.
стр. 5900
بحث الصحابة عن الرسول ﷺ
الموقف الثالث: يقول أبو هريرة في صحيح مسلم: جلس الصحابة في مجلس، وكانوا دائماً يمرون حلقات مع الرسول ﵊، ولذلك من أدبهم أنهم يقولون: تسحرنا مع الرسول ﵊ أفطرنا مع الرسول ﵊ كنا مع الرسول ﵊ خرجنا مع الرسول جئنا مع الرسول قمنا مع الرسول من الأدب، لا يقولون: قام معنا أو خرج معنا أو جلس معنا الرسول! لا.
التلاميذ مع الشيخ، كالنجوم مع البدر، الجند مع العلم.
حتى بلغت مكاناً لا يطار له على جناح ولا يسعى على قدم
لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
قال أبو هريرة: ﴿بحثنا عن الرسول ﵊ فلم نجده﴾ كان الصحابة الكرام يجلسون معه، فبحثوا عنه فلم يجدوه، فانطلقوا يبحثون، قالوا: يا أباهريرة! أنت عليك بمزرعة فلان، وعمر هنا، وأبو بكر هناك، وكلٌ في مكان.
أبو هريرة وفق في البحث، وهو الذي وجد المصطفى ﵊ في مزرعة رجل من الأنصار، أتى إلى الباب، فسأل! قالوا: الرسول ﷺ داخل المزرعة.
تخيل أنت في نفسك أنك تذهب إلى مزرعة، وتفاجأ بمحمد ﵊، ليس زعيماً بل سيد الزعماء، وليس عالماً بل سيد العلماء، فدخل فقال أبو هريرة وهو رجل دعوب خفيف الدم، دوسي زهراني، من أهل الجبال، وكانت هناك ساقية للماء وتسمى قائداً وتسمى قيداً، وسمه ما شئت أنت، لكن هي مدخل الماء، قال: ﴿فتحفزت وجمعت ثيابي ثم دخلت]] وفي بعض الروايات: ﴿كما يتحفز الثعلب﴾ فدخل فإذا الرسول ﷺ أمامه يقول: ﴿من أين أتيت يا أبا هر؟!﴾ مداعبة لطيفة.
راوية الإسلام يقول له ﷺ أبا هر! كان له هرة يلعب بها، فسماه أهله أبا هريرة، فدخل فقال: ﴿يا رسول الله! فقدناك فأتينا نلتمسك، قال: يا أبا هريرة عد إلى الناس وأخبرهم أن من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة، وهذا حذائي تصدق ما تقول﴾ أي: هذا علامة الصدق، خرج أبو هريرة فرحاً مسروراً بهذا الخبر العجيب، سوف يكون مبشراً للناس أجمعين.
﴿ثم تحفز والحذاء معه فخرج، وفي الطريق لقيه عمر الله أكبر! عمر واقف أمامه، قال له: من أين أتيت يا أبا هريرة؟ قال: وجدت الرسول ﷺ في هذه المزرعة، وقد قال لي: أخبر من لقيته من الناس أن من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مخلصاً من قلبه فقد دخل الجنة، وهذه حذاؤه علامة ذلك.
قال أبو هريرة: فأخذ عمر يديه فضربني في صدري فخررت على قفاي، أي: على مؤخرته، وفي لفظ عند مسلم قال: فضربني على صدري فخررت على قفاي أبكي، وقال: عد إلى الرسول ﷺ ، إني أخشى أن يتكل الناس، فتحفَّز أبو هريرة بالحذاء ودخل على الرسول ﵊﴾.
ومن ورائه حصن الإسلام عمر، ولو كان غير عمر لما عاد، لكن عمر الذي أخرج عفاريت الجن والشياطين من رءوس بعض الناس، في الصحيح: ﴿ما سلكت فجاً يا عمر! إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك﴾ هكذا.
ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
فعاد أبو هريرة يبكي عند الرسول ﵊، قال: ﴿مالك؟ قال: ضربني عمر يا رسول الله!﴾ ضربة على الكيف، أي: ليست حي الله بالاثنتين، قال: ﴿ماله؟ قال: أمرني ألَّا أخبر الناس﴾ وما هي إلا لحظات وقد وقف عمر عند الرسول ﵊، فقال ﷺ : ﴿مالك؟ قال: يا رسول الله! أخشى أن يخبر الناس فيتكلوا، دعهم يعملون يا رسول الله! فتبسم ﵊، وقال: دعهم يعملون﴾ أقره على ذلك؛ لأنه ذكي، وإن لم تكن العبقرية هكذا فلا كانت.
ولذلك يأخذ المركز الثالث والخمسين في عظماء العالم على رأي الأمريكان، لكننا نقول: يا خسيسوس، بل هو من الأوئل على مستوى العالم، وفي الموقف أمور:
أولاً: مكانة الرسول ﷺ في قلوب الصحابة.
ثانياً: حرص أبي هريرة على الحديث.
ثالثاً: موقف عمر القوي.
رابعاً: أن للصادق ما ليس لغيره، وقد تعرض لها ابن تيمية، لكن يسمح للصادق ما لا يسمح لغيره.
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
ولذلك يقول ابن تيمية: موسى لما أخذ الألواح فيها كلام الله، والله كتبها بيده، وأتى إلى بني إسرائيل غضب على أخيه، وألقى الألواح كما في سورة الأعراف، وجرجر أخاه وهو نبي مثله، ومع ذلك سامحه الله، بينما المنافق لا يسمح له ولو بنقطة، لأنه مسيء.
ولذلك إذا علمت الطالب مجداً مثابراً متوقد الذكاء وأخطأ مرة، فقل: عفا الله عنك، أما طالب إن حضر الفصل فهو نائم مثل كيس الفحم، وإن غاب فشارد، لا واجب معه، ولا مذاكرة، ولا التزام، هذا إذا أمكنت لك الفرصة فاقصم ظهره، والحساب على الله.
стр. 5901
استقبال حافل لوفد عبد القيس
الموقف الرابع: استقبال حافل لوفد عبد القيس.
وفد عبد القيس هؤلاء من الأحساء من البحرين، أتوا إلى المصطفى ﵊، وكانت الوفود إذا أتت إلى الرسول ﷺ تشعر في أذهانها أنها سوف تتكلم مع رسول الله ونبي الله، وصفوة الله من خلقه، فتهيئ ثمانية، والعجيب أنهم اختلفوا في عددهم، قالوا: أربعة عشر، أو ثمانية، أو أربعون، أورد ذلك ابن حجر.
لبسوا وتهيئوا ومشوا من الأحساء حتى وصلوا إلى المدينة، نزلوا حول المدينة، فقال لهم أشج عبد القيس: انتظروا والبسوا وتطيبوا واغتسلوا ثم ادخلوا على الرسول ﵊.
قالوا: لا، ندخل عليه الآن، فأتى بقية الوفد، ومكث أشج عبد القيس وحده، أما الوفد فدخلوا بغبار وشعثاء السفر، وأما أشج عبد القيس فخرج إلى نخل هناك فاغتسل، ثم لبس ثيابه، وتعمم، وتطيب، ثم أخذ عصاه بيده -ذكي متأنٍ متأمل- ثم أتى ودخل المسجد والرسول ﵊ جالس مع الناس، والوفد قد سبقوه، فأخذ يلمحه ﷺ خطوة خطوة، فتقدم الأشج فجلس، فالتفت إليهم ﷺ وقال: ﴿من الوفد؟﴾ الوفود كثيرة، والمدينة أصبحت في حالة استنفار للوفود، فهو عام الوفود، وفد يستقبل ووفد يودع ووفد يأتي، ووفد يذهب، قال: ﴿من الوفد؟ قالوا: نحن من قبائل ربيعة﴾ وفي ذلك دروس:-
أولاً: أن يسأل الضيف من هو، يأتيك ضيف يمكث عندك ثلاثة أيام لاتعرف اسمه، تقول له فقط: يا أخي! يا فلان! لا.
بل تسأله.
ثانياً: محادثة الضيف، فإنه أُنس له، وتطييب لقلبه، ولذلك إذا انقبض الإنسان عند ضيفه مات الضيف، وانكسرت عواطفه.
ثالثا: أن يُخبر الإنسان عن نسبه، فإذا قيل له: من فلان؟ قال: مؤمن من المؤمنين، نحن ندري، لكن من أي قبيلة؟ قالوا: من ربيعة، قال: ﴿مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامَى﴾.
ثم التفت إلى الأشج وقال: ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة﴾ وتبين فيه ﷺ أنه أتى بهدوء لابساً متجملاً، ثم جلس، ثم سأل سؤال العاقل قال: ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: يارسول الله! هل جبلني الله عليهما أم خُلق تخلقت بهما؟ قال: بل جبلك الله عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلق يحبه الله ورسوله﴾.
ثم قال ﷺ : ﴿آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن تقيموا الصلاة، وتؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدُباء والنقير﴾ وفي لفظ: ﴿النقير والمزفت﴾ ثم قال: ﴿احفظوها وأخبروا بها من وراءكم﴾ قال: أحدهم من كبارهم: ما أدراك ما النُقَيِر؟ وفي لفظ النَقِير الذي يُنقر من جذع الشجرة ويوضع فيه التمر والشعير فيصبح خمراً، والمزفت: الجرار الخضر، تطلى بالقطران، ويوضع فيها الشعير والتمر ثم تصبح خمراً، قالوا: ﴿وما أدراك بها يا رسول الله؟! قال: بل تنقرون جذوع النخل أو جذوع الشجر، وتضعون فيه التمر والماء، ثم يشرب أحدكم، فربما عدا على ابن أخيه بالسيف فضربه، قال: وفينا رجل عدا عليه ابن أخيه بالسيف فضربه في رأسه، فأخذ هذا الرجل يخفي الضربة في رأسه بالعمامة﴾ هذا وفد عبد القيس واستقبالهم في المدينة وكانوا من أحسن الوفود.
وعلى موجز الوفود أذكر بعض الوفود:
وفد بني حنيفة، وهم جماعة مسيلمة، وقد انقسموا إلى قسمين: قسم جلس مع مسيلمة ولم يأت إلى الرسول ﵊، فقال ﷺ : ﴿أما إن شركم الذي جلس﴾ يعني مسيلمة، فأتى إليه ﷺ ، فقال: ﴿والذي نفسي بيده لو سألتني بهذا السوط لما أعطيتك، ولئن خرجت ليفضحنك الله، أو لينتقمن الله منك﴾ أو كما قال ﷺ .
ووفد الجنوب، ورد في رواية ضعيفة، لكن نقويه، لأنه جنوبيٌ، هم وفدوا سبعة أو ثمانية بخمسة عشر خصلة، فكانوا من أحسن الوفود، والقصة طويلة.
ووفد غامد، أتوا بعياب، أهل تجارة، فأنزلوا عيبتهم فسرقها رجل، فسألهم ﷺ لما أتوا: ﴿من تركتم عند عيبتكم؟ قالوا: تركنا فلاناً، قال: أما إنها سرقت عليكم﴾ أخبره الذي يعلم السر وأخفى، فعادوا فوجدوها سرقت، فرجعوا إلى الرسول ﷺ فشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ﷺ ، ثم بحثوا فوجدوها حيث دلهم عليها الرسول ﷺ ، والوفود كثيرة، لكن على كل حال هذا وفد عبد القيس من أحسن الوفود.
стр. 5902
أبو هريرة يتحاور مع الشيطان مباشرة
الحديث مشهور لكن فيه أخطاء، كان الرسول ﷺ يجمع الحب والتمر والرطب الذي يأتي من الصدقة، في حوش -جرين- ويجعل عليه حارساً، فجعل أبا هريرة يحرس هذا المال، قال أبو هريرة: ﴿فأتيت أول ليلة، أحرس في ضوء القمر، فأتى شيخ كبير﴾ والشيطان عليه لعنة الله يتقلد ويتمثل بصورة شيخ كبير وهزيل، أقبل على عصا ومعه كيس، فتكلم مع أبي هريرة وقال: ﴿أريد من مال الله، أنا ذو عيال، وأنا شيخ﴾ وفي لفظ للبخاري: ﴿أنه حثا هو﴾ أتى أبو هريرة وهو يحثو من التمر ويضعه في الكيس، فقبضه أبو هريرة وقال: ﴿والله لأرفعنك إلى الرسول ﷺ ، قال: اتركني، وشكا العيال والحاجة﴾ -لا أغناه الله- فأطلقه، وفي الليلة الثانية أتى -كذاب- فأخذ يحثو من التمر، فقبضه ثم تركه، وفي الليلة الثالثة: قال أبو هريرة: ﴿والله لأرفعنك إلى الرسول ﵊، قال: يا أبا هريرة! أخبرك بشيء إذا قلته في ليلة لا يقربك شيطان، قال: ما هي؟ قال: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]﴾ سبحان الله! فأخذها أبو هريرة وذهب إلى الرسول ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! أتاني رجل كيت وكيت، فتبسم ﵊ وقال: أتدري من تكلم منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذاك الشيطان﴾ وفي الليلة الأولى قال: ﴿أما إنه كذبك وسوف يعود﴾ وفي الليلة الثالثة قال: ﴿أما إنه صدقك وهو كذوب﴾ صدقك مرة ولكن كل مرة كذوب إلا هذه المرة.
стр. 5903
من فوائد القصة
وفي الحديث قضايا: -
أولها: أن المسلم لا يأنف من الفائدة، والحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنَّى وجدها، يأخذها من كافر أو روسي، أو شيوعي، إذا كانت مفيدة، لأن الشيطان علَّم أبا هريرة آية الكرسي، فما قال: لا آخذها لأنها من الشيطان.
ثانيها: أن الشيطان يتمثل بما يمثله الله فيه.
ثالثها: في القصة فضل آية الكرسي، وأنها تقال عند النوم، وأن من قالها لا يقربه شيطان بإذن الله، هذا في قصة أبي هريرة وهو يكلم الشيطان، وقد سبق في درس ماض: (حوار ساخن بين الشيطان وأبي هريرة).
رابعها: كان أبو هريرة ﵁ يتولى كثيراً من المهمات، وكان فيه دعابة، كان يأتي إلى أطفال المدينة، كما ذكر صاحب: (دفاع عن أبي هريرة) وهم يلعبون في الليل، فينطرح بينهم، فإذا اقتربوا منه تحرك فخافوا، تولى الإمرة فأخذ حزمة من حطب فنزل السوق ليتواضع، وقال: [[افتحوا للأمير طريقاً]].
كان يقدم لضيفه مرقة من مرق البر، وليس مرق لحم، ثم يقول: اترك اللحم لي، وليس هناك لحم، ولذلك دعابته حببته إلى القلوب، وما نفرت عنه الأنفس، ﵁ وأرضاه، ومع ذلك فهو من أحفظ الناس على مر التاريخ.
стр. 5904
حوار بين أبي بكر وعمر في قتال المرتدين
مات ﵊ فانقسم الناس إلى مؤمنين صادقين، وإلى منكرين للزكاة، وإلى مرتدين عن الإسلام.
المرتدون بالإجماع يقتلون، أما مانع الزكاة فاختلف الصحابة، وقف أبو بكر على المنبر، فحلف وأقسم ليقاتلن مانع الزكاة، فقام عمر في المسجد، وقال: يا أبا بكر! كيف تقاتل الناس وقد سمعنا رسول الله ﷺ يقول: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم﴾ كيف يكون؟
الآن حوار في صلاة الجمعة، وقيل: بعد الصلاة بين الشيخين العظيمين الجليلين، الصديق والفاروق في مناظرة والناس ساكتون، وفي الناس علماء، وشهداء، وصادقون وبررة، ولكن سكتوا لأن هذه المسألة مدلهمة ومعضلة، أبو بكر يقول: نقاتلهم، وعمر يحتج عليه بالحديث ويقول: لا تقاتلهم، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وقد منعوا الزكاة، والرسول ﷺ ما ذكر الزكاة، لكن سوف يأتي الخبر، فرفع أبو بكر صوته وقال: [[والله الذي لا إله إلا هو لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والذي نفسي بيده، لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه بالسيف]] فأجمع الصحابة مع أبي بكر، قال عمر: [[فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر لقتالهم سكتُّ]] أبو بكر مسدد، أبو بكر رجل يلهمه الله، أبو بكر أفضل من جميع الجالسين في المسجد، هو في كفة وهم في كفة، قال ابن حجر: لماذا لم يستدل أبو بكر على عمر بحديث في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله﴾ أليس هذا صريحاً في إثبات كلامه؟ وهو دليل في الصحيحين، لكن أبو بكر ترك هذا وذهب إلى القياس.
ولماذا عمر لم يتذكر هذا الحديث، لا أبو بكر تذكره ولا عمر تذكره، وإنما أتى هذا الحديث في الصحيحين؟
و
الجواب
نسي أبو بكر الحديث ونسي عمر، ولا يلزم من المجتهد أن يحفظ كل دليل في المسألة.
والجواب الثاني: قالوا: ما نسيا، لكن ما سمعا بالحديث أصلاً وهو من رواية ابن عمر، فلم يسمع به أبو بكر ولا عمر، وإنما سمع به ابن عمر، فالسؤال الثاني: لماذا لم يتكلم ابن عمر وهو حاضر في المسجد؟ لماذا ما فض هذا النزاع والجدال؟
الجواب
قيل: ربما كان يتذكر لكنه استحى، تلاطم بحران في المسجد وابن عمر شاب، أبو بكر صدِّيق الإسلام، وعمر فاروق الإسلام، وهل يتدخل بينهم ومشايخ الصحابة سكوت؟ هذا جواب.
وقيل: ربما نسي، ثم رواه فيما بعد الله أعلم، إنما وقعت هذه المسألة، وكان الحق مع أبي بكر، وهو مصداق لهذا الحديث، فقاتل المتمردين وفي الحديث مسائل:
أولها: جلالة أبي بكر الصديق.
الأمر الثاني: المجتهد قد يخفى عليه بعض الأمور ولا يلزم العالم أن يحفظ كل جزئية.
الأمر الثالث: الحكم شورى، ومن كان بين الناس وعنده كلمة فليتحدث بها، يقول عمر على المنبر: [[يا أيها الناس! أرأيتم لو رأيتموني -وهو خليفة- ملت عن الطريق هكذا، فما أنتم صانعون]] فاستحيا الصحابة، ماذا يقولون؟
عمر يقول: أرأيتم لو ملت عن الطريق هكذا، اعوججت، أو أخربت في السياسة، أو في الطريق ماذا تصنعون؟
فقام أعرابي عند السارية، فسل سيفة أمام الناس، وقال: [[يا أمير المؤمنين! والذي لا إله إلا هو لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو ملت عن الطريق هكذا لقال بالسيف هكذا]].
وصح في السير أن سلمان كان جالساً مع المسلمين وعمر يخطب، فقال: عمر بعد أن حمد الله وأثنى عليه : [[يا أيها الناس: اسمعوا وعوا.
قال سلمان، وقد قام: والله لا نسمع ولا نعي]] مع من يتكلم؟ يتكلم مع عمر، كان عمر يقول في أول الخطبة وهو يبكي: اللهم إني بخيل فسخني لأوليائك، اللهم إني قوي فاعطف بي على أوليائك، ولو كان من أهل الدنيا أو من أهل الباطل لقصم عمر ظهره، لكن في حق [[قال سلمان: والله لا نسمع ولا نعي، قال عمر: لِمَ يا سلمان؟]] سلمان الفارسي ﴿سلمان منا آل البيت﴾ الذي إذا افتخر بنسبه قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
[[لِمَ يا سلمان؟ لِمَ لاتسمع لي؟ ألست خليفة؟ قال: تكتسي ثوبين وتكسونا من ثوب ثوب وقف عمر على المنبر وعليه ثوبان، أتت الثياب من اليمن فأعطى كل مسلم ثوباً، قال عمر: لا يجيبك إلا ابني عبد الله، فقام عبد الله بن عمر وقال: إن أبي رجل طويل -طويل الجسم- وإنه أعطاني ثوباً مع المسلمين وأخذ ثوباً فأعطيته ثوبي إلى ثوبه، قال سلمان: الآن قل نسمع وَأْمُر نطع]] فاندفع عمر يتحدث هذا أمر المسائلة والمناقشة التي على رءوس الأشهاد.
١/ وفيه: أن القياس يؤخذ به إذا خفي النص، وقد أخذ به أبو بكر.
٢/ وفيه: أن الله شرح صدر أبي بكر لقتال المرتدين.
٣/ وفيه: أن من ترك الزكاة أو منعها قوتل.
٤/ وفيه: أن من ترك بعض الفرائض وجحدها كفر، فليعلم هذا.
стр. 5905
الرسول يعاتب أبا ذر الغفاري
اجتمع الصحابة في غزوة من الغزوات، ولم يكن معهم الرسول ﵊، فجلس خالد بن الوليد، وجلس ابن عوف وبلال وأبو ذر، وكان أبو ذر فيه حدة، لا يصبر ويندفع بسرعة، فتكلم أبو ذر بكلمة اقتراح، يقول: أنا أقترح في الجيش أن يفعل به كذا وكذا، فقال بلال: لا.
خطأ هذا الاقتراح؟ فقال: حتى أنت يا ابن السوداء تخطئني -لا إله إلا الله- أين أنت في مجتمع غفار؟ أليس مجتمع القرآن والسنة هذا؟ قام بلال مدهوشاً مرعوباً غضباناً أسفاً وقال: والله لأرفعنك إلى الرسول ﵊ أكبر هيئة، ومن هو بلال؟ روح الإسلام، ومنادي السماء.
فاستفاقت على أذان جديد ملء آذانها أذان بلال
بلال الصوت الحبيب إلى القلوب بلال الذي سُحب على الرمل، وهو يقول: أحد أحد.
وصل إلى الرسول ﷺ وقال: يا رسول الله! أما سمعت أبا ذر ما يقول فيّ؟ يقول فيّ: كيت وكيت! فتغيظ ﵊، وأتى أبو ذر فسمع بالخبر، فاندفع مسرعاً إلى المسجد، فقال: يا رسول الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فغضب ﵊ حتى قيل: ما ندري هل رد أم لا؟ وقال: ﴿يا أبا ذر! أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ هذه كأنها صاعقة على أبي ذر، فبكى أبو ذر وأتى إلى الرسول ﷺ ، ثم جلس، وقال: يارسول الله! استغفر لي، سل الله لي المغفرة، وفي الأخير أتى ﵊ فجلس واستدعى بلالاً وطلب منه أن يسامح أبا ذر، أما أبو ذر فخرج من المسجد باكياً.
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
ذهب فطرح رأسه في طريق بلال، وأقبل بلال العبد، ماكانت تقيم الجاهليةُ له قيمةً، التمييز العنصري الذي سحقه الإسلام، بلال سيدنا، يقول عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] أتى أبو ذر فطرح خده على التراب مباشرة، وقال: [[والله يا بلال! لا أرفعه حتى تطأه برجلك، وأنت الكريم وأنا المهان]].
رفع الله منزلتك يا أبا ذر! إلى هذا الحد تأديب الإسلام.
وحياة القرآن! ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
أتى بلال فأخذ يبكي من هذا الموقف! من الذي يستطيع أن يقف هذا الموقف ولا ينصدع قلبه؟! إن بعضنا يسيئ إلى البعض عشرات المرات، ولا يقول: عفواً يا أخي أو سامحني.
إن بعضنا يجرح بعضاً جرحاً عظيماً في عقيدته ومبادئه وأغلى شيء في حياته، ولا يقول: سامحني إن البعض قد يتعدى بيده على زميله وأخيه ولا يقول: عفواً يا أخي.
لكنه قال: والله لا أرفع خدي حتى تطأه بقدمك، فبكى بلال واقترب فقبل خده ذاك الخد ما يصلح للقدم يصلح للقُبلة، ذاك الخد أكرم عند الله من أن يوضع عليه القدم، ثم قاما وتعانقا وتباكيا.
إذا اقتتلت يوماً وفاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها
هذه حياتهم يوم تعاملوا مع الإسلام: ﴿أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ ليس عندنا معامل ألوان، ولا أبيض ولا أحمر ولا أسود، أو من آل فلان، أو من آل فلان، عندنا تقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
ولذلك إذا رأيت الإنسان يتمدح بآبائه وأجداده وهو صفر، فاعرف أنه لا قيمة له عند الله.
إذا فخرت بآباء لهم شرف نعم صدقت ولكن بئس ما ولدوا
طرق طارق على عمر، فقال: [[من الطارق؟ قال: أنا الكريم بن الكريم بن الكريم أتدرون من هو هذا الرجل؟ إنه عيينة بن حصن بن بدر]] وقد صدق، فإن بني بدر أسرة من أكبر الأسر في العرب، حتى حاتم الطائي على كرمه يمدحهم، ويقول: هم أكرم مني، تخاصم حاتم وامرأته فقال:
إن كنت كارهة معيشتنا هاتي فحلي في بني بدر
الضاربون بكل معترك والطاعنون وخيلهم تجري
فأسرة بني بدر من أعظم الأسر، فأتى هذا لكنه ارتد وعاد إلى الإسلام فحسن إسلامه.
قال عمر: [[بل أنت الأخس بن الأخس بن الأخس، الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -ودخل الرجل وليته سكت- فلما جلس قال: هيه يا عمر! ماتحكم فينا بالعدل، ولا تعطينا الجزل، فقفز عمر إلى الدرة، يريد أن يؤدبه، وأن يضربه ضرباً مبرحاً، حتى ما يدري أين القبلة، فقام الحر بن قيس وهو فتى من جماعة عيينة يحفظ القرآن، وقال: يا أمير المؤمنين! إن الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وهذا جاهل فاتركه، وكان عمر وقافاً عند حدود الله، فقال: والله ما تعداها ولا تجاوزها، فأسقط العصا وجلس]] وهكذا كان تعاملهم مع القرآن.
وفيها دروس:-
الاعتذار من الأخ إذا أسأت إليه الهدية، والبسمة الحانية، والمعانقة، وألا تحمل ضغينة على أخيك، نحن وإياكم نشجب كل هذا العداء والمريرة بين الأحبة، والتفلت على أوامر الله، والضغينة من أجل أمور نسبية يختلف فيها الناس، وقد تختلف فيها وجهات النظر ألا إن من يفعل ذلك أو يحمل على أخيه المسلم فقد أساء وظلم.
стр. 5906
موقفين عظيمين لأبي بن كعب
أبي بن كعب في موقفين عظيمين كان أُبي أبيض الجسم، واللحية، والنبراس، والقلب، والمصحف: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] أصابته الحمى ثلاثين سنة، فقال: يا رسول الله! أيخفف عنا بما نصاب به؟
قال ﵊: ﴿إي والذي نفسي بيده، يا أبا المنذر! لا تصاب بمرض أو همٍّ أو غمٍّ إلا كانت كفارة، أو حط الله بها من سيئاتك﴾ فراح إلى بيته وسأل الله حمى لا تعطله عن صلاة ولا جهاد ولا عمرة، ولا غزوة، فأصابته الحمى حتى يقولون: لا يقترب منه إنسان إلا وجد منه حرارة، رضي الله عنك يا سيد القراء.
قال الذهبي في السير: أكسبته الحمى شرارة، لذلك ما كان يوقف عمر إذا تكلم إلا أبي، كل الصحابة يحجمون إلا أبي.
стр. 5907
سماع أُبي لسورة البينة بأمر الله
الموقف الأول: سورة البينة، أتى بها جبريل من عند الله : ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) [البينة:١] فتلاها فأنهاها، فقال جبريل: يا رسول الله! إن الله يأمرك أن تقرأ هذه السورة على أبي بن كعب، فقام ﵊ وطرق على أبي بابه وحلَّ عليه ضيفاً، وهو أعظم ضيف في التاريخ، وقال: ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة.
فقال: وسماني في الملأ الأعلى -أي: سماني عند الملائكة باسمي أبي بن كعب - قال: نعم سماك، فبكى أبي﴾ فجلس ﵊ عند أبي.
يقرأ عليه البينة حتى ختمها.
ولذلك يسأل أهل الحديث بطرافة يقولون: من هو شيخ الرسول ﵊ في القراءة في بعض السور؟!
قالوا: أبي بن كعب.
حياك الله يا أبي! ورفع الله منزلتك، وأكرمك الله يا سيد القراء.
الرسول ﷺ تجاوز آية في الصلاة، فما رد عليه الناس، فلما سلم قال أحد الصحابة: يا رسول الله! إنك تجاوزت آية في الصلاة، أنسيتها أم نسخت؟ فترك ﷺ الناس جميعاً، وقال: ﴿يا أبا المنذر! أكما يقول الناس؟ قال: نعم﴾ أعطى القوس باريها ﴿أقرؤكم أبي﴾.
стр. 5908
معرفة أبي لأعظم آية في كتاب الله
والموقف الثاني: يأتي ﵊، فيقول: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ كفه وضرب في صدر أبي وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾.
علم خالص، ليهنك الذكاء والفطنة في كتاب الله، هو سيد القراء، ونحبه كثيراً، يقول أحد أهل العراق: وفدت المدينة، فإذا عمر جالس في مجمع من الناس من الصحابة وحوله شيخ أبيض اللحية والرأس والثياب والجسم، وكان عمر إذا تكلم نظر إليه وهابه، فقلت يا أمير المؤمنين! من هذا الرجل؟
قال: ثكلتك أمك أما عرفته؟! هذا سيد المسلمين أبي بن كعب.
رفع الله منزلته، وجمعنا به في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 5909
أبو محذورة المؤذن في يوم ميلاده
يقول مجنون ليلى:
أما ورب الكعبة المعمورة والنغمات من أبي محذورة
وما تلا محمد من سورة لأفعلن فعلة مشكورة
ما أحسن الأبيات! كان أبو محذورة من أحسن الناس صوتاً، خرج من مكة والرسول ﷺ خرج من المدينة يريد الغزو، وأبو محذورة عنده غنم وهو شاب مشرك، ومعه صبية من المشركين، وأطفال من كفار قريش، فنزل ﷺ في واد ونزل أبو محذورة وزملاؤه، في واد ثان، فأتت صلاة الظهر فقام بلال يؤذن لصلاة الظهر، فقام أبو محذورة يستهزئ بأذان بلال وراء الجبل، يؤذن بلال ويقول: الله أكبر، فيقول أبو محذورة: الله أكبر، وهو مشرك يؤذن في الغنم، بلال يؤذن في المسلمين وذاك يؤذن في غنمه، ما اهتدى للإسلام.
والرسول ﷺ عنده اثنان للطوارئ دائماً، وللأمور المستعجلة، علي والزبير، دائماً على فرسين، السيف يقطر دماً في خدمة لا إله إلا الله قال: ﴿يا علي! يا زبير! علي بهما، فانطلقا من وراء الجبل وطوقوهم، وقالا: إلى الرسول ﵊﴾.
ولذلك أكثر من ست قضايا وعلي والزبير ينتدبان لها، فذهبوا فوقفوا أمام الرسول ﵊، فقال: ﴿من أذَّن منكم آنفاً؟ فخجلوا، فأذنوا بالدور، فأذن الأول وإذا صوته ليس الصوت الجميل ذاك، وأذن الثاني والثالث فإذا هو أبو محذورة، فقال له: أنت من أذَّن آنفاً؟ قال: نعم، فأتى ﷺ بيده الشريفة فخلع عمامة أبي محذورة ثم قال: اللهم بارك فيه واهده إلى الإسلام، فقال أبو محذورة أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: اذهب مؤذناً في أهل مكة﴾ فذهب يؤذن، قال أبو محذورة من حب الرسول ﵊ لأنه مرر يده على رأسه: [[والله لا أحلق هذا الشعر حتى أموت]] شعر مسه ذاك الكف، والله لا أحلقه حتى أموت، فوصل شعره إلى نصف جسمه، ولذلك كان يرده جذائل.
وأصل قصة أبي محذورة عند أحمد وغيره من أهل العلم.
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا
عليك السلام يا رسول الله! ورضي الله عنك يا أبا محذورة! عاد مؤذناً، وهي وظيفة شرعية بقيت في ذريته إلى ما يقارب ثلاثمائة سنة.
ولذلك من أبنائه رجل أظنه حفيده، وقد ذكرها أهل العلم كـ التونسي لما ترجم للإمام مالك؛ أذن في مكة فسمع رجلاً ينشد في البيت حوله -وهو على المأذنة- بيتاً لـ مجنون ليلى يوم يقول:
صغيران نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
فأراد أن يقول: حي على الفلاح، فقال: حي على البهم.
أبو محذورة في حياته دروس:
أولاً: الهداية من الله.
الأمر الثاني: جمال الصوت.
الأمر الثالث: بركة الرسول ﵊ وبركة تلك الكف.
الأمر الرابع: يُتبرك بآثاره ﵊، وليس ذلك لأحد غيره.
هذه حفظكم الله محاضرة بعنوان: (من أخبار السلف) عشناها مع ذاكم الجيل، ونسأل الله أن يعيننا على المواصلة في مثل هذه الأخبار، لنواصل الاستنباط من تلكم الأخبار.
стр. 5910
الأسئلة
стр. 5911
حكم الجمعيات بين الموظفين
السؤال
ما حكم أن يتفق عدد من الموظفين ويعملون في الغالب في جهة واحدة، مدرسة أو دائرة أو غير ذلك، على أن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال مساوياً في العدد لما يدفعه الآخرون، وذلك عند نهاية كل شهر، ثم يُدفع المبلغ كله لواحد منهم، وفي الشهر الثاني يدفع لآخر، وهكذا حتى يتسلم كل واحد منهم مثلما تسلمه من قبله سواء بسواء دون زيادة أو نقص، قال: ولم يظهر المجلس بالأكثرية ما يمنع هذا النوع من التعديل، ولأن المنفعة التي تحصل للمقرض لا تنقص المقترض شيئاً من ماله وإنما يحصل المقترض على منفعة مساوية لها، ولأن فيه مصلحة لهم جميعاً من غير ضرر على أي أحد منهم، أو زيادة نفع الآخرين، والشرع المطهر لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها على أحد بل ورد بمشروعيتها وبالله التوفيق.
الجواب
يجوز ذلك، هذا آخر ما يقال، إن شاء الله ما تسمعوا مرة ثانية غيره، جواز الجمعيات التعاونية التي سمعتم نصها في هذا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5912
نصف ساعة مع رسول الله
إن القلم ليتعثر، وإن الصوت لينقطع، إذا أراد الإنسان أن يتحدث عن رسول الله ﷺ ، وفي هذا الدرس استعراض لجانب واحد من حياته ﷺ ، وهو تواضعه ﷺ ، والأنحية الفياضة التي كان يعيشها مع الطفل والشاب والمرأة والشيخ والعجوز، ومع الجواري والغلمان، وكراهيته ﷺ للغلو في المدح والإطراء، ولقد جسد بذلك العظمة الحقيقية التي يصغر أمامها جميع العظماء، وقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء.
стр. 5913
تواضعه ﷺ
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير.
الحمد لله الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض في أحسن مدد، وخلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على خير الأولياء، وسيد الأصفياء، وإمام الصالحين والشهداء.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أيها الناس: إنني أريد أن أتحدث عن جانب من عظمته ﷺ ، ووالله إن القلم ليتعثر، وإن الصوت لينقطع، وإن الكلام لينتهي في عظمته ﷺ .
إنني لا أتحدث عن عظيم، بل أعظم عظيم، ولا عن مصلح فحسب، بل عن أعظم مصلح في الأرض، ولا عن مُرَبٍّ فقط، بل عن أجَلِّ مُرَبٍّ في المعمورة الذي قال الله فيه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:١ - ٦].
يا أيها الجيل! يا طلبة العلم! يا أيها المسلمون! إن عظيمنا وقائدنا هو ذاك الرسول المدفون في طيبة، وكأني بـ محمد إقبال يوم قال في مقطوعته المترجمة إلى العربية التي ترجمها أبو الحسن الندوي، يقول:
يا رسول الله!!
ملأتُ أنفي بتراب مدينتكَ
فأخرجتُ من قلبي حبَّ الحضارة الغربية
فخرجت من نارها
كما خرج الخليل إبراهيم من نار النمرود
تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسة في عقال
يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح المعالي بلال
يا مشتري الحصباء من جهله بالدر هذا في المعالي محال
روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال
ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أبناؤه يا رجال
стр. 5914
جانب التواضع في حياته ﷺ
من أين نبدأ؟ وإلى أين ننتهي في ذكر سيرته؟ يعجز الأدباء، ويسكت الشعراء، ويتحير المؤرخون، ويتلعثم المصنفون في عظمته ﷺ ؛ لكن في جانب واحد، وفي زهرة من روضته، نتحدث في هذا اليوم في جانب التواضع من حياته ﷺ .
أليس هو قرآن يمشي على الأرض؟ أما قال الله له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٥]؟
أما امتدحه الله من فوق سبع سماوات، فقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]؟
أما أثنى عليه، وقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
سهر العيون لغير دينك باطل ورضا النفوس بغير شرعك ضائع
والرسول ﵊ أكبر من تواضع لله؛ لأنه عرف عظمة الله.
جاءه ملِك من ملوك العرب - وقد صح هذا الحديث - فأتى الملك، ودلف إلى مكة؛ ليرى هذا الإنسان الذي غيّر العالم، فلما رأى المصطفى ﷺ أخذ هذا الملك ترتعد فرائصه، ويهتز، ويتزلزل في مكانه؛ لأنه رأى هالة العظمة، رأى سيماء التوفيق، وشارة المجد تلوح على محياه ﷺ فيهدئ من روعه ﷺ ، ويهدئ من خوفه، ويقول له: ﴿هون عليك، إني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ والقديد: هو اللحم المشوي إذا مُلِحَ وعُلِّقَ.
نعم، إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكنك حولت العالم.
إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكنك أعظم من طرق باب الإنسانية.
إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكنك قدت العالم إلى بر النجاة، وإلى شاطئ السلامة.
إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة؛ ولكنك أخرجت الإنسان وشرفته وطهرته وعظمته.
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
стр. 5915
الأريحية الفياضة عند رسول الله ﷺ
ويقول ﵊: ﴿لو دُعيت إلى كراع لأجبتُ، ولو أهدي إلي ذراع لقبلتُ﴾.
صلى الله عليك وسلم ما أعظمك! وما أجلك! كلما تواضعت شرُفت ونبُلت وعظُمت في العيون.
نعم، لا يستنكف ﵊ أن يجيب الدعوة، يذهب مع أصحابه، يسمع بالأعرابي يمرض فيزوره، وبالعجوز تصيبها الحمى فيزورها، وبالطفل يدهدهه فيمازحه، وبالأعرابي يوقفه فيقف معه، وبالمرأة تسأله فيحيي ويسهل ويَحْلَم ﵊.
تأخذه الجارية بيدها من منزله، وكأنه ليس مشغولاً بالعالم، وأحداث الأرض ومشاغل الدنيا تدار على كفه، فيخرج مع الجارية، ويذهب معها، وتريه ﷺ حدثاً بسيطاً.
يزور طفلاً في المدينة، مات طائر له فيريد ﵊ من هذه الزيارة أن يربي للعالم معالم الحضارة التربوية بجانب الطفل.
ويذهب إلى الطفل، ويقول: ﴿يا أبا عمير، ما فعل النغير؟﴾.
أي عظمة هذه؟
مرت به عجوز، وظنت أنها سوف ترى إنساناً في هالة، يحوطه الحرس، ويحميه الجنود، وتصفُّ المواكب بين يديه وخلفه، فرأت الإنسان الوقور الهادئ الحليم الكريم يجلس على التراب.
تجلس على التراب وأنت من قدت القلوب إلى الواحد الوهاب؟!
تجلس على التراب وأنت من سافرت بالأرواح إلى الفتاح العلام؟!
تجلس على التراب وأنت دكدكت دولة البغي، دولة كسرى وقيصر، وأعلنت حقوق الإنسان, ورفعت علم (لا إله إلا الله) في سمرقند وطشقند، وفي أسبانيا، وعلى مشارف نهر اللوار؟!
تجلس على التراب وأنت قدمت للعالم ألف عظيم وعظيم، وألف شاعر وشاعر، وألف عالم وعالم، وألف مؤرخ ومؤرخ؟!
تجلس على التراب وأنت بنيت صروح العدالة، وبنيت مساجد الإسلام في كل البقاع، وذُبِح أصحابُك على مشارف دجلة والفرات والنيل؛ لتبقى (لا إله إلا الله)؟!
فلما رأته هذه العجوز، قالت: ﴿انظروا إليه يجلس كما يجلس العبد، ويأكل كما يأكل العبد، فيقول: نعم! وهل هناك أعبد مني؟﴾.
انظر إلى الرد الجميل، وإلى الأريحية الفياضة، وإلى الخلق الفذ، إنها عظمة والله، كلما بحثت عن جوانبها دهشت إن كنت مسلماً، دخل حبه في قلبك وأثارت في نفسك معانٍ جياشة، وخواطر حارة، لا تحدثها أي ملحمة وملحمة.
عجيب!!
إنه عظيم في كل النواحي، وإن الذي لا يطرق قلبه حب هذا الرجل العظيم ﵊ سوف يبقى ميتاً.
يقول: ﴿وهل هناك أعبد مني؟﴾ عبدٌ؟! ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩].
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيَّرت أحمد لي نبيا
стр. 5916
النهي عن الغلو في المدح والإطراء
يأتيه وفد بني عامر بن صعصعة من العراق، فكلهم يهيئ في نفسه مقالة مدح وإطراء، فيقفون أمامه، ويقول قائلهم يخاطب المصطفى ﷺ : ﴿أنت سيدنا وابن سيدنا، وعظمينا وابن عظيمنا، أفضلنا فضلاً، وأطولنا طولاً﴾ وظنوا أن هذه البضاعة تباع في سوقه ﷺ ، هذه البضاعة لا تذهب عنده، هذه دراهم بُهْرُجٍ مزيفة، لا تنفع إلا عند الدجالين والأقزام، أما من أسَّس مجده على (لا إله إلا الله) وبنى حضارته على (الله أكبر) وأرسل ثقافته على (الحمد لله) فهذه البضاعة لا تذهب عنده، فقال: ﴿مَهْ؟! -أي: ما هذا الكلام؟ ما هذا الدجل؟ ما هذا السَّفَه- مَهْ؟! يا أيها الناس قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾.
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكمُ
حضرته سكرات الموت، فيتواضع حتى في سكرات الموت، يقول: ﴿لا إله إلا الله، اللهم هون عليّ سكرات الموت، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد﴾.
وسيماء التواضع ظهرت عليه، إنسانٌ يغير العالم، ويحدث حدثاً باهراً في المعمورة، لا يشبع ثلاثة أيام متوالية من خبز الشعير، يلبس المرقع، وأمته تجبي كنوز كسرى وقيصر، يجلس على التراب، وقواده يسكنون في القصور، ووُرَّاثه يفتحون المدائن والدور، والحبور والسرور.
يجلس مع الجارية، ويحمل البنت على كتفه في الصلاة، ويأخذ الطفل من أمه ويضعه في حجره، ويمسح على رءوس الأيتام وهو يبكي، وصح في أحاديث أنه يحلب الشاة، ويخسف النعل، ويرقع الثوب، ويكنس البيت، ويقطع اللحم مع أهله.
стр. 5917
العظمة الحقيقية
هذه هي العظمة، العظمة من قوة، من مركزية هائلة، ليست العظمة التي يبحث عنها وهو على التراب، إنسانٌ فقير معدم مسكين ويتواضع، هذا شيء طيب؛ ولكن إنسانٌ من أعظم الناس، ومن أشجع الناس، ومن أجل الناس ويتواضع، هذا عظيم وأيُّ عظيم نعم، سيّر الحب في القلوب فأحيا به الأرواح.
ووالله الذي لا إله إلا هو إن من أعظم الظلم أن يوضع في بيوتنا وفصولنا وجامعاتنا ومدارسنا عظماء وهم حقراء.
هل هتلر عظيم؟ وهو قاتل الإنسان، شارب دم الإنسان!
هل نابليون عظيم؟ وهو متهتك الحرمات، الفاجر في المحرمات، ماركس الكلب اللعين!
يُدَرَّسون، وتُوَرَّد حضارتهم للأنسان، وأين أعظم عظيم؟
يقول محمد إقبال في مقطوعته (فاتح مكة):
يا رسول الله، انصب خيامك في الصحراء
وخذ أطنابك من قلوبنا
وابْنِ مجدَك على جماجمنا
ويقول:
يا رسول الله، معذرةً! أنا هندي
تعاطفتُ مع دعوتكَ
لأن العرب خانوا دعوتكَ
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩].
كَفَر بها أبو جهل، وألفُ ألفٍ من أمثال أبي جهل، فأتى سلمانُ يقول: آمنتُ بالله.
وكفر بها أبو لهب، فأتى بلالٌ يقول: آمنتُ بالله.
وكفر أمية بن خلف، فأتى صهيبٌ من بلاد الروم يقول: آمنتُ بالله.
نعم.
وخذ أطنابك من قلوبنا
وابْنِ مجدَك على جماجمنا
أي عظمة؟ وأي تواضع؟ وأي سيما؟
إن من يتحدث عنه ﷺ ليَعْجَز؛ ولكن أُطالب نفسي وإياكم أن تقرءوا ترجمته وسيرته، خالصة ممزوجة بالحب، ليست ترجمة الوفيات، ولا التنقل والغزوات، ولكن ترجمة الحياة، والرَّوح، والياسمين، واليقظة، والإملاء العقلي والروحي الذي يصل إلى القلوب في القرآن، والسنة، والسيرة.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 5918
شهادة الأعداء بعظمة الرسول ﷺ
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراًَ، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراًَ، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
إن بعض الناس ولو شعروا بالعظمة فيهم مركب نقص، يحتاجون إلى مدح وإطراء وتصفيق يكمل به الناقص، أما الرسول ﵊ فقد اكتملت عظمته، والمادح فيه والساكت سيان.
ومدحنا وإطراؤنا اليوم وذكرنا لا يرفع من قدره، لأنه قد بلغ منزلة أقرّ بها المؤمن والكافر، والمسلم والمعاند، والعارف والمنكر، أقر بعظمته الأعدء قبل الأصدقاء.
أُلِّف كتاب في أمريكا، واجتمع له مفكرو الدنيا من يابانيين وصينيين وفرنسيين وإنجليز، فأخذوا مائة عظيم على تاريخ البشرية، من يوم خُلِقَ آدم إلى الآن، فكان العظيم الأول محمد ﵊، ولم يتدخل في هذا الاجتماع مسلم واحد؛ لكنها العظمةٌ التي بهرت الدنيا، وتكلمت على لسان التاريخ، وكُتِبَت على جبين الزمن، وأقر بذلك كل واحد إلا رجل واهن، أو رجل مفتر على الله، أو جاهل، عقله ودماغه كعقل ودماغ الحمار.
стр. 5919
صور من تواضعه ﷺ
والرسول ﵊ في جانب العظمة له أسرار عجيبة، وفي جانب التواضع له أساليب غريبة.
أرأيتم البسمة ما أرخصها! كيف تشرى بها القلوب؟ استخدمها في دعوته ﷺ ، ولقد وجدنا في زمن كانت البسمة من أغلى ما يباع في الأسواق، أصبحت غالية.
أما هو ﷺ فالبسمة عملة له، فسبى بها الأرواح، وقاد بها النفوس إلى الحي القيوم.
يأتيه أعدى الأعداء، فيتبسم ﷺ في وجهه، فيهتدي بإذن الله.
يقول جرير بن عبد الله: ﴿والله الذي لا إله إلا هو ما رآني ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾.
ويأتيه أرطبون العرب عمرو بن العاص مسلماً لأول وهلة، فيتبسم في وجهه، فيظن أنه أحب الناس إلى المصطفى ﷺ .
وفي الصحيحين من حديث أنس: أنّ أعرابياً جاء من البادية أعرابي وبدوي: جهل مركب فلما أتى نسي هذا الأعرابي في ذهنه أنه سوف يتكلم مع معلم الإنسانية وهادي البشرية، ومزعزع كيان الوثنية، أتى يطلب هذا الأعرابي شيئاً من الزبيب والتمر والحب، مطالب أهل التراب، ومقاصد أهل الأرض، ولا يدري أن الرسول ﵊ يُطْلَب من خزانته مفاتيح جنة عرضها السماوات والأرض، ومفاتيح روضة غناء في جوار الواحد الأحد يوم القيامة.
ألا بَلَّغ اللهُ الحمى مَن يريدهُ وبَلَّغ أكناف الحمى مَن يريدها
فأتى، فليته تأدب، لكن لم يترك الصلافة والجفا وقلة الأدب، هرع مهرولاًَ إلى معلم الخير، فجذبه ببردته، وهو بُرْدٌ غليظ نجراني، وحاشيته غليظة، فجذبه أمام الصحابة وأمام الناس، موقف محرج ومخجل ومثير للعواطف وجارح للشعور، ولو كان غيره ﷺ لَمزَّق هذا الأعرابي تمزيقاً، وقطعه إرباً إرباً، وما تملحت عيناه برؤية الحياة مرة ثانية.
سحبه أمام الناس حتى أثَّر البُرْد في عنقه واحمر عنقه الشريف، عنق المكرمات، عنق المجد، والصلاح والنجاة والتجديد، فالتفت ﷺ إليه وهو يضحك، لم تغادره البسمة حتى في الساعات الحرجة.
يضحك، فيقول أنس: [[ليته يوم أساء الفعل أحسن القول]] لكن (حَشَفاً وسوء كيلة) قال: يا محمد، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣] يا محمد هكذا؟ كلمة رخيصة؟ ليس عادياً، أمامك رسول، أمامك نبي، أمامك أعظم مصلح في الأرض.
يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك، ولا من مال أمك، فيقوم الصحابة -انتهى الصبر- وفي أولهم: عمر ﵁ وأرضاه - ليخرج وساوس الشيطان من رأس هذا الأعرابي، والرسول ﵊ يهدئ من روعهم ويجلسهم، ويقول: ﴿اجلسوا رحمكم الله﴾ أو كما قال، فيأخذ الأعرابي بهدوء وسكينة ولطافة ويشبك أصابعه بأصابعه، ويدخل معه في غرفة من غرفه، فيعطيه زبيباً وحباً وثياباً ومالاً، قال: ﴿هل أحسنتُ إليك؟﴾ قال: نعم، أحسنت - جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً - فيقول له ﷺ : ﴿اخرج إلى أصحابي، وقل لهم هذا القول، ليذهب ما في نفوسهم عليك﴾ فيخرج إليهم، فيقول ﷺ : ﴿هل أحسنتُ إليك؟﴾ قال: نعم، - جزاك الله من أهل وعشيرة خير الجزاء - ويذهب الأعرابي داعياً إلى قبيلته للإسلام فيدخلوا عن بكرة أبيهم في الإسلام.
فيقول ﵊ وهو يترجم هذه الحركات لأصحابه: ﴿أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي؟ قالوا: لا.
قال: مثلنا كمثل رجل كانت له دابة فرت منه، فأخذ الناس يلاحقونها، فما زادت إلا فراراً، فقال: يا أيها الناس! اتركوا لي دابتي، أنا أبْصُر بها، فأخذ شيئاً من خضار الأرض وخشاش الأرض فأشار به إلى الدابة فأتت، فربطها واستسلمت وقيدها فلو تركتكم مع هذا الأعرابي لضربتموه أو قتلتموه ودخل النار، وما أسلم قومه، ولكن لاطفت به حتى أنقذه الله بي من النار، وأسلم قومه﴾.
أي عظمة هذه العظمة؟ وأي تربية هذه التربية؟ وأي إدراك هذا الإدراك؟ معذور من أسكن قلبه حبك أيها العظيم، ومعذور من يتمنى أن يفديك بأهله وماله وولده ونفسه.
نسأل الله أن يعرفنا على ذاك الوجه الأجَل، وأن يجاور بيننا وبينه في الجنة، وأن يسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
عباد الله! وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقال ﷺ : ﴿من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد.
اللهم أرنا وجهه العظيم في دار الكرامة والنعيم.
اللهم املأ قلوبنا بحبه، وسلوكنا بسيرته، وأنفسنا بالاقتداء به، اللهم اجعله لنا معلماً وقائداً ومربياً وهادياً إلى الجنة يا رب العالمين.
وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور.
اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، في برك وبحرك يا رب العالمين.
ربنا إننا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار،
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5920
مصارع العشاق (٢)
ينتقل الشيخ عائض حفظه الله في هذه الدرس المبارك في حديقة غناء، ليقتطف لنا أزهاراً من علامات وعقائد أهل السنة والجماعة، ذاكراً قصصاً رائعة لسلف هذه الأمة، فيها المواعظ والعبر والفوائد، وقد تناول هذا الدرس بأسلوب أخاذ، استرق به قلوب السامعين.
следующие страницы →