Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.
стр. 8051
الأسئلة
стр. 8052
حكم حلق اللحى
السؤال
ما حكم حلق اللحى؟
الجواب
حكم حلق اللحى محرم في دين الله ، وقد صحت عنه ﷺ أحاديث في ذلك، وأمر بمخالفة المجوس في أحاديث متفق عليها بين أهل العلم، وحلقها أمر محرم، ولذلك قال ﵊: ﴿خالفوا المجوس، اعفوا اللحى﴾ وكان الرسول ﷺ يعفي لحيته، وأصحابه الميامين والعلماء وأمثالهم من الخيرين، وحلقها يعني: مشابهة أعداء الله وانتهاك سنة الرسول ﵊، وهي مخالفة صريحة لأهل الحق والتوحيد وأهل السنة، ولا بأس في الاستطراد أن أذكر قصيدة لأحد الشباب جزاه الله خيراً بالنبطي في حلق اللحى، ألقاها في مناسبة وأعجبتني، ومن ينصر الإسلام بالنبطي أو بالعربي فحياه الله، يتكلم في أناس يحلقون لحاهم فنظم لهم قصيدة جيدة يقول فيها:
يا ربعنا يالي حلقتم لحاكم وايش علمكم ترمونها في القمامه
ذي سنة سنها مصطفاكم علامة يا شينها من علامه
ترى هي زيناتكم هي حلاكم لها مع الخير وقار وسامه
شابهتم الكفار شغلة عداكم من شابه الكافر عليه الملامه
ترى اللحى يوصي بها مصطفاكم صفوة قريش اللي رفيع المقامه
هذه وصية إن كان ربي هداكم أقولها يا ربع ومع السلامة
стр. 8053
صفوان بن المعطل يتفقد الجيش
السؤال
إن الرسول ﷺ قيل إنه ترك صفوان بن معطل ليتفقد الجيش في الصباح ويتفقد ما بقي من أمتعة الجيش؟
الجواب
قيل هذا ولكن أنا وقفت على ما قيل في رواية البخاري.
стр. 8054
استشارة النبي ﷺ بعض الصحابة في حادثة الإفك
السؤال
هل الرسول ﷺ استشار بعض الصحابة؟
الجواب
نعم.
استشار بعض الصحابة، ولكني نسيت أن أذكر هذا، وإلا فإنه استشار علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد فأما علي ﵁ فقال: يا رسول الله! النساء غيرها كثير، واسأل الجارية تصدقك فسأل الجارية فقالت: ما علمت إلا خيراً، وأما أسامة فقال: زوجتك وما نعلم إلا الخير.
стр. 8055
حكم لعن الكافر المعين
السؤال
لقد لعنت عبد الله بن أبي بن سلول فما هو الدليل؟ وهل يجوز أن يلعن متبع أو إحدى الفرق الضالة؟
الجواب
على كل حال لعن المعين فيه كلام، لكن عبد الله بن أبي بن سلول مات على الكفر يقيناً بكتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فيجوز لعن من مات على الكفر مثل فرعون وقارون وهامان وأبي جهل ومثل عبد الله بن أبي بن سلول هذا لا نتوقف في لعنه لأنه مات، أما رجل في الحياة كافر فإنا لا ندري مآله فنتوقف في لعنه؛ لأنه قد يتوب إلى الله في حياته، أو رجل ما ظهر لنا كفره وما تبين فنتوقف في المسألة.
стр. 8056
فضل صيام يوم عاشوراء
السؤال
نرجو تنبيه الناس بصيام يوم عاشوراء؟
الجواب
صدق الأخ وأثاب الله له الأجر، ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة قال، قلت: ﴿يا رسول الله! يوم عاشوراء؟ قال: إني أرجو من الله أن يكفر السنة الماضية﴾ وفي حديث ابن عباس في الصحيح: ﴿أن الرسول ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسأل، فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى، قال: نحن أولى بموسى منكم فصام ﷺ وأمر الناس بصيامه، وقال: إذا كان العام القادم لصمت يوماً قبله ويوماً بعده﴾ فذكر ابن القيم أن لأهل العلم في صيامه ثلاثة أقوال:
١ - منهم: من يرى صيامه ويوماً قبله ويوماً بعده.
٢ - ومنهم: من يصوم يوماً قبله.
٣ - ومنهم: من يصوم يوماً بعده.
ومن صامه وحده جاز له ذلك، لكن الأحسن والأقرب إلى السنة أن يصومه ويوماً قبله أو يوماً بعده، ومن صامه ويوماً قبله ويوماً بعده حصل له الأجر الكبير بإذن الله ، وهو يوم العاشر.
стр. 8057
كتابة أجر المريض والمسافر
السؤال يقول: أنا قادم من الرياض وسأمكث في أبها قرابة الشهر، فهل يكتب لي أجر قيام الليل الذي كنت أصليه وهو ثلاث عشرة ركعة إذا أنا صليت هنا ثلاث أو أربع ركعات فقط أرجو الإفادة؟
الجواب
نعم.
يكتب لك لأنك مسافرٌ، وفي الصحيح من حديث سهل بن سعد وغيره أن الرسول ﷺ قال: ﴿إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر ما كان يعمل صحيحاً مقيماً﴾ فأنت يكتب لك ما كنت تفعله لأنك مسافر.
стр. 8058
حكم الذهاب إلى الجهاد بدون إذن الوالدين
السؤال
ما حكم الجهاد بدون إذن الوالدين؟
الجوال: لا يجاهد العبد إلا بإذن والديه، هناك أحاديث عن الرسول ﷺ ، قال ﵊ للذي جاء إليه لكي يجاهد: ﴿أحي والداك؟ قال: نعم.
قال: ففيهما فجاهد﴾ وأحاديث أخرى وقد تكرر هذا الكلام كثيراً.
أخيراً نسأل الله أن يجمعنا في مستقر رحمته وفي دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8059
الشيطان يتمرد على الرحمن
إن من نعم الله علينا أن خلق لنا السموات والأرض، فخلق السموات بأفلاكها ونجومها وكواكبها ومجراتها، كما خلق الأرض بجبالها وبحارها وأنهارها ومائها ومعادنها، وذللها لنا، وخلق لنا فيها من كل شيء، فأحل لنا فيها الطيبات وحرم علينا الخبائث.
ثم خلق آدم فعلمه الأسماء كلها ثم استخلفه في الأرض ليعمرها بتوحيد الله وعبادته.
وفي هذه المادة عرض لتلك الأحداث العظيمة التي وقعت في غابر القدم.
стр. 8060
تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
يقول الله ﵎ بعد أن ذكر منته على الخلق: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] سبق شرح هذه الآية، وسبق بيان بعض مقاطع ومقاصد هذه الآية، ثم يقول : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩].
هذه الآية فيها قضايا، وفيها ثلاثة مقاطع:
أولها: المقطع الأول: يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] وهذا المقطع يستدل به أهل العلم على أن كل ما في الأرض الأصل فيه أنه مباح، وهي قاعدة أصولية أخذوها من هذه الآية، وتساءل الرازي في تفسيره: هل الطين مباح أن نأكله؟ وهذا فيه تكلف.
فإن الله أحل لنا الطيب المباح، وحرم علينا الضار الخبيث، وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ويقول في محمد ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
فلا دلالة في هذه الآية على أن مثل الطين والتراب والصخور، وهذه الضارات أنها مباحة للأكل.
إن الله أحل الطيب المفيد وحرم الخبيث الضار، ومن شاء أن يأكل تراباً فليأكل، ومن شاء أن يأكل طيناً فليأكل، والرازي أتَى بهذه لأنه يريد أن يعلقها بقاعدة عند أهل الأصول.
فقوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] يقول الرازي: جرم الأرض شيء، وما في الأرض شيءٌ آخر، وهو تفسيرٌ مقبول ومطلوب، و (لكم) هنا للملكية، أي: مباح لكم، وطيب لكم، ومهيأ لكم، بشرط أن يكون هذا الشيء نافعاً ومفيداً، أما إذا كان ضاراً فلا يكون هذا، وأما إذا كان مفسداً فلا يكون، بل هو محرم كالخمر والسم، والطين والتراب والصخر، وكل ما أفسد الهيئة والعقل فهو محرم، والخبيث المستقذر محرم.
إذاً: الطيب المفيد هو النافع الذي خلقه الله للإنسان، أكلاً وشرباً ولبساً، وإنما ذكر الله هذه الآية -كما قال أهل التفسير- بعد قوله : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨] ليذكر منته على الخلق .
قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩].
(فجميعاً) تعود إلى (ما في الأرض) وبعضهم يقول: تعود إليكم أيها الناس جميعاً، والأقرب أنها تعود إلى (ما في الأرض).
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) [البقرة:٢٩] سبحان الخالق! ولكن نحن لانتدبر، ولا نتفكر، ولا نعي، يقول بعض أهل العلم: كثرة المساس يبطل الإحساس، فمن كثرة ما تعودنا على رؤية السماء ورؤية القمر والشمس والنجم، أصبحنا لا نتدبر ولا نتفكر، لكن إذا خرج مصنوعٌ صنعه الإنسان، تفكرنا فيه وتدبرنا.
مر أعرابي في ليلة من الليالي في ليلةٍ مظلمة، فمشى في هذا الليل لا يرى مد يده، وفجأة طلع عليه القمر -والقمر: أزهى شيء عند العرب، دائماً ينشدون فيه أشعارهم، ودائماً يصفون الجمال بالقمر والبدر، يقول الصحابة عن الرسول ﵊: ﴿كان وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر﴾ يقول أحد الشعراء وقد دخل على الخليفة المكتفي، فبدأ قصيدته الغزلية التي يقول فيها:
حلفت لنا ألا تخون عهودنا فكأنها حلفت لنا ألا تفي
هنا يقصد الدنيا، وبعضهم يقول: أنه يقصد محبوبته.
حلفت لنا ألا تخون عهودنا فكأنها حلفت لنا ألا تفي
والله لا كلمتها لو أنها كالبدر أو كالشمس أو كـ المكتفي
يقول: لا أكلمها ولو أنها كالبدر أو كالشمس أو كالخليفة، فغضب الخليفة لأنه وازنه مع المرأة.
المقصود أن الأعرابي طلع عليه البدر، فنظر في السماء فقال: سبحان من سواك! سبحان من رفعك! إن قلت: جملك الله؛ فقد جملك الله، وإن قلت: رفعك الله؛ فقد رفعك الله، وإن قلت: بهاك الله أو حسنك الله؛ فقد حسنك الله.
والمقصود أن في هذه الآية فارقاً لا بد أن يفهمه أهل الفضل وأهل الخير من أمثالكم.
стр. 8061
مدة خلق السماوات والأرض
يقول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] ربما يقول أحدكم: هذه تدل على استواء الله على العرش، وهذه الآية لا تدل على ذلك، وهذه الآية لا تدل على ذلك قصداً، وغيرها يدل على استواء الله على العرش أكثر وأكثر، قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فهذه هي الآية التي تدل على ذلك وغيرها من الآيات، أما هذه الآية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:٢٩] قالوا: قصد الله ؛ لأنه عدى ذلك بإلى، فقالوا: استوى، أي: قصد إلى السماء ، وهنا سؤالٌ يطرح بين طلبة العلم: أخلقت الأرض أولاً أم السماء؟
وهنا يقول : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] ففي هذه الآية كأن الأرض كانت قبل خلق السماء، لكن يقول : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] ويقول : ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠] لأنه ذكر : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٣٠] فكأن في هذه الآية أن الأرض خلقت بعد السماء، وفي آية البقرة أن السماء خلقت بعد الأرض، فما هو الجواب لهذا التساؤل؟
وقد أجاب عنه حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄، فقال: إن الله خلق الأرض ثم استوى إلى السماء، ثم دحا الأرض .
وأخذت الأرض من الخلق مدة يومين، والسماء أربعة أيام، فكلها ستة أيام!! وهذا يدل في الجمع على أن أناساً يجيدون الحساب، وعندهم فهم في الجمع والطرح، (٢+٤=٦) والحمد لله رب العالمين ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].
وقف أعرابي -فيه خبل- على المنبر يخطب بالناس وليس عنده علم، ثم استغل فرصة الخروج على المنبر، فقال: يا أيها الناس: عليكم بالسكينة، وعليكم بالمهل، فإن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر -وهذه ذكرها ابن الجوزي - فقالوا: اتق الله ، في ستة أيام! قال: والله لقد تقاليت ستة أشهر وأردت أن أقول ست سنوات.
فالمقصود أنها ستة أيام، وعند مسلم من حديث أبي هريرة، قال: [[خلق الله التربة يوم السبت]] ثم عد الأيام حتى وصل إلى يوم الجمعة، فأصبحت سبعة أيام، والله يقول: ستة أيام، ولكن عند مسلم في الصحيح سبعة أيام! أجاب أبو العباس ابن تيمية في المجلد الثامن عشر، قال: هذا وهم، وهذا مخالفٌ للقرآن، وهو من كلام كعب الأحبار، وليس من كلام الرسول ﵊، وهذا الحديث بعينه من الأحاديث التي انتقدت في صحيح مسلم، فإن الله ذكر أنه خلقها في ستة أيام، فكيف تكون في سبعة؟!
وأجاب بعض الناس من العصريين، قالوا: لا.
الدحو كان في يوم سابع فلا يحسب من الستة، لكن هذا تكلف، والحديث فيه وهم، ولعله من كلام كعب الأحبار.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] وهنا لم يذكر الأرض، وقد ذكر في القرآن: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] أي: سبع أراضين مثلهن، ومما اكتشف في هذا العلم -كما سمعنا من كثيرٍ من الثقات الذين اعتنوا بعلم الهيئة والجيولوجيا- أن الأرض سبع طبقات، طبقةٌ على طبقة، كل طبقة لها لونٌ آخر، ولها مزاجٌ آخر، ولها تكيفٌ، ولها تضاريسٌ تختلف عن الأخرى فسبحان الخالق!
فكلما انتهت الطبقة أتت طبقة فتنتهي إلى سبع طبقات، أما السماوات فإنهن سبعٌ مرتفعة، جرم السماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء والسماء خمسمائة عام!!
يقول أمية بن أبي الصلت الجاهلي، وهو يتحدث عن موسى وفرعون -وهو لم يسلم- يقول عنه ﷺ : ﴿أسلم شعره، وكفر قلبه﴾ إن الله -وهذا في قصيدة- أرسل موسى ﵇ إلى فرعون، فقال:
فقولا له هل أنت سويت هذه بلا عمدٍ حتى استقرت كما هي
وبعض أهل العلم يقولون: سماءٌ من حديد، وسماءٌ من نحاس، وسماءٌ من فضة، لكن ما علمت على هذا دليلاً، من المعصوم ﵊، لكنه عجبٌ من العجب! فهذه السماء الدنيا زينها الله بالمصابيح والنجوم والشمس والقمر، فهي كواكب تدور فيها.
стр. 8062
بعض الأشياء التي رآها النبي ﷺ حين أسري به
ولما وصل ﵊ إلى هناك استأذن هو وجبريل، واستدل أهل العلم بهذا على شرعية الاستئذان، وأن المستأذن يسمي اسمه ويذكر من هو، ولا يعمي على الناس ولا يقول: أنا.
فعبرها ﵊ السبع في لحظات حتى وصل إلى سدرة المنتهى، وفي كل سماء بشر، في السماء الدنيا آدم، وذكر ﵊ أنه رأى يوسف وقد أُوتي شطر الحسن، ورأى ابني الخالة يحي وعيسى ﵉، ورأى موسى الشجاع القوي الأمين ﵇، ورأى هارون، ورأى إدريس وقد رفعه الله مكاناً علياً، ورأى إبراهيم في السماء السابعة، وموسى في السادسة، ورأى بيت العزة، وهذا البيت كالبيت العتيق، يطوف به كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون إليه مرةً ثانية إلى يوم القيامة!
حتى وصل ﵊ إلى مكان يسمع صرير الأقلام هناك:
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم
كنت الإمام لهم والجمع محتفلٌ أعظم بمثلك من هادٍ ومؤتممِ
لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
وقيل كل نبيٍ عند رتبته ويا محمد هذا العرش فاستلم
حتى بلغت مكاناً لا يُطار له على جناحٍ ولا يُسعى على قدمِ
بلغ ﵊ منزلةً عُليا، يقول لجبريل: أتتركني في هذا المكان؟! أيترك الخليل خليله، والحبيب حبيبه في هذا الموطن؟! جلال خلق الله وعظمة الله تتصور في هذا الخلق الهائل، قال جبريل: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] ولو تقدمت لاحترقت، فتقدم ﵊، وهذه من المنزلة العالية التي ما منحها الله أحداً من البشر، ورأى الجنة والنار، ورأى الأنبياء ورأى الملائكة، ورأى ألوفاً مؤلفة من الملائكة يملئون السماء وهم ركعاً لله! وملء السماء الأخرى سجداً لله! وآخرين مسبحين، وآخرين مقدسين، وآخرين متكلفين بالوحي، هذا يصعد وهذا ينزل! وآخرين موكلين بكتب الحسنات والسيئات، وآخرين معقبين يحفظونه من أمر الله من بين يديه ومن خلفه، وآخرين موكلين بالقطر، وآخرين بقبض الأنفس، وآخرين بتعذيب الأمم، وبتعذيب الفسقة والفجرة الذين ينحرفون عن أمر الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].
стр. 8063
خلق السماء
قال : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] بعد أن خلق الله الأرض أتى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، سواها وخلقها بلا عمد -وهو الصحيح-: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد:٢] يقول بعض أهل العلم: لها عمد لكن لا ترونها، ولكن الصحيح أنها بلا عمد، هكذا قائمة على قبة الفلك، فانظر: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣] فانظر: هل ترى فيها من فروج؟! فانظر: هل ترى فيها من عيب؟! ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤] فيعود إليك بصرك وأنت لا ترى شكاً، ولا ترى ثلمة، ولا ترى في البناء شيئاً، لأن الذي بناه هو الله وهو الذي سواه، ولو كان الذي بناه مخلوقاً لرأيت النقص، ورأيت العيب والثلم، ولذلك يقول أحد القصاصين من المسلمين: لا يخلو عمل ابن آدم من نقص، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] أتى رسامٌ هندي، دعاه ملكٌ من ملوك الهند قديماً، وقد طلب من الرسامين في العالم أن يحضروا، ويرسموا له لوحات، ومن أجاد منهم ونجح فله جائزة، فأجاد أحدهم فأتى بلوحة فرسم فيها سنبلة قمح، ثم رسم على السنبلة عصفورة، ثم عرضها للناظرين، فأعجبت المشاهدين، فذهل الملك من حسن فنه، رسم سنبلةً خضراء، والحب يكاد يطلع منها، وعصفوراً جميلاً بريشه يزقزق ويغرد على هذه السنبلة في حديقة، فأخذها هذا الملك وعرضها للناس، وأعطى ذلك الرجل جائزة، وقال للناس: من أراد منكم أن ينظر في عيب فلينظر.
فأجمع أهل الهند ألا عيب فيها، فأتى رجل من غير الهند أعور ليس له إلا عين واحدة، فدخل على الملك، وقال: رأيتُ عيباً باللوحة.
قال: وما هو العيب؟ قال: العصفور إذا نزل على السنبلة فإنها تميل ولا تبقى مستقيمة، وهذا لما رسمها جعلها مستقيمة، وهذا خلاف ما يذهب إليه العقلاء، ومن سنة الله أن يميل الزرع إذا نزل عليه ما يثقله.
فقال الملك: صدقت، وشطب اللوحة وأخذ الجائزة من الرسام!
وأحد الناس أراد أن يرسم رسمة في لوحة، فأخطأ الرسم، فضرب اللوحة كلها بطلاء أسود، فقالوا: مالك؟ قال: هذه صورة الليل، ليس فيه قمرٌ ولا نجوم، هذا هو الجمال، ولن تجد في هذا إلا الصحيح، هذا هو ليلٌ لا نجوم فيه ولا قمر، وكلٌ يجيد هذه الصورة.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة:٢٩] هي سبع، والأراضين سبع لكنها طبقات، والله أعلم بذلك .
стр. 8064
سعة علم الله
قال تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] في قوله : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] قضايا:
أولها: أن هذا عام لا مخصص له، وإذا قلت للإنسان: إنك بكل شيءٍ عليم، فلا بد من مخصص، فالإنسان -والله- لا يدري ولا يعرف بأمورٍ كثيرة، وما يجهله أكثر مما يعلمه ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧].
وعلمه في كل مكان وهو مستوٍ على العرش، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، أنه بائن عن خلقه، مستوٍ على عرشه، لا يغيب عن علمه مثقال ذرة لا كبيرة ولا صغيرة: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] وقال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران:٢٩].
فسبحان القادر الباري، تسقط الورقة من الشجرة في ظلام الليل، في وادٍ منحنٍ وفي صحراء مقفرة، فيعلم الله أنها سقطت من الشجرة على الأرض تأتي أكمام الريحان والرمان، وأكمام النبات وأكمام الياسمين فتتفجر بالنبتة وتخرج الثمرة، فيعلم الله أنها أخرجت تلك الثمرة! ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨] ما تحمل من أنثى من أناث البشر أو الحيوانات، أو العجماوات، أو الطيور، أو الزواحف، أو الأسماك، أو الحيات، إلا يعلم الله متى حملت، وهل يتم هذا الحمل، وهل تضع، وهل هذا الحمل من بني البشر سعيد أو شقي، وماذا يصيبه في الحياة، وماذا يأتيه من المصائب، وماذا يحدث عليه من الكوارث، وما يمرُ به من فقر أو غنى ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨].
مر عيسى ﵇ ببقرة وهي حاملٌ فأتت تضع -وهذا في سيرة عيسى ﵇ فاعترض ابنها في بطنها، فأخذت تخور بصوتٍ أدهش أهل القرية، فبكى عيسى رحمةً للبقرة، فأنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فقالت: يا عيسى بن مريم! أسألك بالله أن تدعو الله أن يفرج عني كربتي، والله ينطق ما شاء، ومتى شاء، بأي لسانٍ شاء!!
يقول سليمان ﵇: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:١٦] ويقول ﵊: ﴿بينما رجلٌ يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها فالتفتت إليه، وقالت: ما خلقنا لهذا﴾ والحديث في الصحيح، فسبحان من أنطقها! ويقول ﵊ في قصة صاحب الذئب، والحديث في الصحيح: ﴿أخذ ذئب على رجل -والرجل من الصحابة- شاة، فلحقه الرجل، فاستلب الشاة من الذئب، فالتفت الذئب وقال: أتأخذ رزقاً رزقنيه الله؟! من يحمي غنمك عني يوم لا حامي لها إلا أنا؟!﴾.
فقالت البقرة لعيسى: يا عيسى بن مريم أسألك بالله أن تدعو الله أن يفرج عني.
فبكى عيسى ودعا الله وقال: اللهم إنك تعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شيءٍ عندك بمقدار، اللهم فرج عنها كربتها، فخرج هذا التبيع في الأرض، فإذا هي تنظر!!، وهذا من آياته .
وفي كل شيءٍ له أيةٌ تدل على أنه الواحد
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدُ
لكن القلوب إذا ما عرفت بارئها، وما استدلت على باطنها، فمن أين تستدل؟ هل سألت الصباح: من جمله؟! هل سألت النسيم: من أجراه؟! هل سألت النجم: من بهاه؟! هل سألت القمر: من رفعه؟! فالصباح الباكر كل شيءٍ فيه يحيا، مع إطلالة الفجر، الزهرة تغرد وتسبح الباري، الطير تغرد وتشدُو وتسبح الخالق، والماء يتمتم بتسبيحه !!
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء:٤٤].
فيا أيها الناس: أنتم أولى المخلوقات بالتسبيح، وأولى الكائنات بالذكر والاهتداء إلى الواحد الأحد، وإنما نزل هذا القرآن وإنما أتى هذا الكلام ليدل الناس على الله ﵎.
فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] هذا عامٌ لا مخصص له، وهو مستوٍ على عرشه -كما قلت- بائن عن خلقه، علمه في كل مكان، وكذب من ادعى أن الله حل مع خلقه، وافترى وكذب على الله، وكذب من قال: اتحد الله في خلقه، أو حل في بعض خلقه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، بل الله موصوفٌ بصفات الكمال، على عرشه مستوٍ، ينزل كل ليلة في ثلث الليل إلى السماء الدنيا، فينادي فيقول: ﴿هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيبه؟﴾ فإذا طلع الفجر عاد عودةً تليق بجلاله، ونزولاً يليق بجلاله، لكن لا يغيب عنه شيء: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
ما تناجى متناجيان إلا وعلم الله ما دار بينهما، وما فكرت أنت فيه إلا وعلم ما فكرت فيه، والشيء الذي قبل أن تفكر فيه يعلم أنك سوف تفكر فيه، فهو يعلم السر وأخفى، قالوا: ما أخفى من السر؟
قيل: الشيء الذي تريد أن تفكر فيه وأنت لا تدري الآن يعلمه .
وقف صفوان بن أمية عند ميزاب الكعبة، وقف مع صاحبه عمير بن وهب وهو يحاوره وقال: تقتل محمداً! قال: أقتله لكن من لي بأطفالي وذريتي وزوجتي، قال: أهلك أهلي، وأطفالك أطفالي، الهدم هدمي والدم دمي! اذهب واقتله وأنا أكفيك أطفالك، فذهب وتسلح بسيفه، ولكن غارة الله أقوى من عمير بن وهب:
يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله
وصل إلى المدينة يحمل قلباً كله حقد وضغينة وبغض، ويريد الانقضاض على سيد البشر ليقتله؛ ليفعل أعظم جريمة وأعظم لعنة في التاريخ، فدخل المدينة ورآه رجل مسدد ملهم عمر بن الخطاب
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
فانطلق إليه عمر وكان رجلاً مسدداً ملهماً، فأخذه بتلابيب ثيابه وسيفه وسلاحه وأتى يجره حتى أدخله المسجد، فرآه ﷺ فقال: مالك يا عمير بن وهب؟ قال: يا رسول الله! أتيتُ لأفك الأسارى -أسارى بدر - وأزور أصحابي من الأساري، قال: كذبت، وإنما جلست أنت وصفوان بن أمية تحت ميزاب الكعبة، فقال لك كيت وكيت، وقلت له كيت وكيت، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧].
стр. 8065
سبب نزول آية التحريم
أتت حفصة وعائشة رضوان الله على الجميع، زوجاته ﷺ ، وقد مر يوماً بجارية له فأكل عندها عسلاً، فسمعت عائشة أنه أكل عسلاً عند الجارية فأخذتها الغيرة، وقيل: عند بعض نسائه، قيل: جاريته مارية، وقيل: جامع مارية وهي جاريته حلالاً له ﵊، فقالت عائشة لـ حفصة: إذا أتاك فقولي نشم منك يا رسول الله رائحة مغافير، وكأن نحله جرست العرفط -شجر منتن الرائحة- والرسول ﵇ يغضب وينكر ولا يرتاح إذا وجد منه رائحة، وقد كان دائماً يفوح مسكاً، إذا مر من الطريق علم الناس أنه مر من الطريق
أرادوا ليخفوا قبره عن مكانه فطيب تراب القبر دل على القبرِ
نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
وكان عرقه كالمرجان والجوهر والدر ينسكب فيؤخذ منه الأطياب، فيصبح أحسن طيب، أخذته أم سليم في قارورة، وخلطت عرقه فيها، وكان إذا مرض أحد من أهل بيتها أخذت قطرة فخلطتها بالماء، ثم غسلت المريض فتشافى بإذن الله.
فدخل على عائشة، وقد جهزت حفصة الكلام أيضاً -هذه جبهة متحدة ضد الرسول ﵊، حلف نسائي بيتي يريدون معارضة الرسول ﵊ فدخل على عائشة، فقالت: يا رسول الله! أشم منك رائحة، فأخبرته الخبر، فاستاء ﷺ من هذه الرائحة.
وذهب إلى حفصة فقالت: أشم منك رائحة مغافير كأن نحله جرست العرفط، فحرم النبي على نفسه العسل، وفي رواية حرم الجارية، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم:١] هذه القصة بكل جزئياتها ومدلولاتها، وما دار بين الجارتين والشريكتين والضرتين في البيت، ومن تدخل في القضية ومن المصيب ومن المخطئ، وحلل القضية برمتها في بيتٍ من بيوته ﵊، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١].
ثم بين له أن حفصة أو عائشة تقول له: من أنبأك هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير!! قال: : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤].
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحلِ
اغفر لعبدٍ تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأولِ
هذه الأبيات للزمخشري، قيل إنه رئي في المنام، فقيل: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي في ثلاثة أبيات.
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
ما من بعوضة تمد جناحها إلا علم الله بذلك، والخلق كل يومٍ في شأن، كم يموت من الألوف! وكم تلد من النساء! وكم تتغير من الحكومات والدول! وكم تنشأ من المستعمرات! وكم تنتصر من جيوش، وكم تهزم! وكم تجوع من بطون! وكم توسوس من أفكار! وكم يضل من قوم وكم يهتدي من بشر! وكم يقرأ من أناس! وكم يستيقظ من خلق وكم ينام! كله في علم الله لا يغيب، قال: فغفر له.
стр. 8066
الزمخشري وقصة موسى مع الخضر
استطراد بسيط: الزمخشري صاحب الكشاف، عالم في اللغة جهبذ؛ لكنه معتزلي! أتى من خراسان فدخل على أمه فسكن معها، فأخذ عصفوراً وهو طفل؛ فربطه بخيط عنده في البيت يلعب به، ففر العصفور فأمسك الحبل فانقطعت رجله في الحبل، فقالت أمه وهي تبكي: قطع الله رجلك كما قطعت رجل العصفور.
فذهب من خراسان يريد بغداد، فنشبت رجله في الثلج فتجمدت فبترت من الساق! ولعلها من كفارات الدنيا، وقد جاور مكة فسمي جار الله، وأبياته من ألطف ما قيل ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] ، علمه وسع المخلوقات، وما علم الناس في علمه إلا كما يأخذ العصفور من البحر بمنقاره مرةً واحدة.
مر موسى والخضر ﵉ في رحلة بحرية، طالب العلم مع شيخه؛ وذلك أن موسى ﵇ خطب في بني إسرائيل فتدفق عليهم بالعلم، قالوا: هل في الأرض أعلم منك؟ قال: ليس في الأرض أعلم مني.
فأوحى الله إليه: بل الخضر أعلم، فسافر إليه، فركب هو وموسى في القارب، فأتى عصفورٌ فأخذ بمنقاره قطرة ماء، فقال الخضر لموسى: يا موسى! أتدري ما مقدار علمي وعلمك في علم الله؟! قال: الله أعلم، قال: كما أخذ هذا العصفور من هذا الماء، هذا علم المخلوق إلى علم الخالق .
стр. 8067
قصة أبينا آدم ﵇
قال : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] الآن قصتنا يا أيها الضعفاء! وقصة أبينا المكدود المكبود، المذنب التائب إلى الله، هذا أبونا الآن معه حديثٌ طويل في القرآن، يبدأ ذكر آدم بهذه الآية، وسيد قطب يقول كما سلف معنا: تبدأ سورة البقرة بنسفٍ وإبادة لبني إسرائيل من اليهود والنصارى، ثم تأتي قصة المعاد، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]
وفي هذه الكلمة مسائل:
стр. 8068
مدلول كلمة: (خليفة)
أولها: معنى الخليفة، والخليفة قالوا: هو آدم، والصحيح أن الخليفة يعني قوماً يخلفون قوماً، وهذا الذي رجحه ابن كثير وهو الصحيح، جعلنا الله خلائف الأرض، فبعضنا يخلف بعضاً، قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وأمةً بعد أمة، قال تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [ابراهيم:٤٥] سكنا الدور والقصور وسكنها آباؤنا وأجدادنا ثم أتينا، ويأتي أبناؤنا وهكذا، فكأن الثاني ما اعتبر بالأول، قدم ل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه إناء من خزف ليشرب فيه، فقربه من فمه ثم نظر إليه وقال: [[الله! كم في هذا الكوب من خدٍ أسيلٍ وطرفٍ كحيل]].
يقول: ربما صنع هذا الكوب أو هذا الإناء من ترابٍ تحلل من خدٍ أسيل، أي: جميل، ومن طرفٍ كحيل، يقول أبو العلاء المعري:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي نوح باكٍ ولا ترنم شادي
خفف الوطء ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد
يقول: أنت تمشي على التراب، ربما يكون قطعة من جسم أبيك وجدك وأجدادك في هذا التراب الذي تتكبر عليه.
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
صاحِ هذي قبورنا تملأ الر حب فأين القبور من عهد عادِ
يقول: قبورنا ملأت الدنيا فكيف بقبور القرون التي سلفت.
стр. 8069
جعل آدم خليفة في الأرض
قال : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] هذا حكمةٌ من حكم الله، أن يسكن الأرض آدم، لمقاصد منها: أن يعمر الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١] ومنها: أن يأتي من ذريته الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشهداء والعلماء، والصائمون والمصلون.
ومنها: أن يبتليه ، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
ومنها: أن يظهر قدرته للعالمين، لأنه لا يكون الملك ملكاً -ولله المثل الأعلى- إلا إذا كانت له رعية يتصرف فيهم، يقتل هذا ويعفو عن هذا، ويعطي هذا ويولي هذا، ويعزل هذا، فإذا كان ملك بلا رعية، فعلام يكون ملكاً؟! فالله أراد أن يظهر سلطانه في الأرض وحكمته البالغة، وقدرته النافذة، ويظهر رحمته وعقابه فأتى بآدم.
ومنها: أنه أراد أن يظهر غفرانه، وشديد عقابه، فإنه الغفور الرحيم، شديد العقاب، فكيف نعرف أنه غفورٌ رحيم إذا لم يغفر؟ أتأتي إلى ملك من الملوك فتقول: يا حليم وهو ما سبق له أن حلم عن أحد، وتقول: يا جواد، وهو ما سبق أن أعطى أحداً، وتقول: يا قوي، وهو ما سبق أن هزم جنداً، لا، لابد أن تظهر الأسماء والصفات في المخلوقين.
فهو الغفور الرحيم، فلذلك أذنب آدم فظهرت مغفرته ، وأخرجه من الجنة فظهرت قدرته، وسلط الله على بعض عباده العذاب فظهر أنه شديد العقاب.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:٣٠] هذا مجتمعٌ من الملائكة الأطهار، ومن حكمته أنه لم يجعل الأرض من الملائكة، ولم يجعلهم من الجن، ولا من الحيوانات، الحيوانات شهوةٌ بلا عقل، والملك عقلٌ بلا شهوة، والإنسان عقلٌ وشهوة.
ابن آدم نفخةٌ من روح الله، وقبضة من التراب، ابن آدم إذا ارتفع بالصلاة والصيام والذكر وقيام الليل وطلب العلم والزهد، أصبح أفضل من الملائكة، وإذا خسئ بالحقارة والنذالة والمعصية، فشرب الخمر، وتناول المخدرات، وتخلف عن الصلوات، وسمع الأغاني الماجنات، وقرأ المجلات الخليعات، وعق الأمهات، وأغضب رب الأرض والسماوات، أصبح أحقر من البهيمة، قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤].
أتعرف الحمار؟ يصبح أذل منه ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:١ - ٨].
بلى، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] فكرامة الإنسان يوم يكون عبداً لله
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
ذكر بعض المفسرين، أن الملائكة قالت: يارب! لو أنزلتنا في الدنيا ما عصيناك أبداً.
فقال : ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠].
فأنزل الله هاروت وماروت، وهما من الملائكة، فقال: انزلا، كان عندهما عقول، فآتاهما الله الشهوة مع العقل كما يؤتي الإنسان، فلما نزلا في الأرض جلسا في المحكمة يحكمون بين الناس خلفاء، فأتت امرأةٌ جميلة فتنت هاروت وماروت، فبقيت بهما حتى زنيا بها، وفي رواية فقتلاها، ولما قتلاها أتى الشيطان فقال: إنه لا يمكن إلا أن أخبر إلا أن تعبداني، فسجدا له، ولكن الصحيح أنها ليست في قصة هاروت وماروت، بل في قصة رجلٍ آخر، أما هاروت وماروت فوقعا في الزنا فقط، فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فنكسهم في بئر هاروت وماروت في العراق بأرجلهما.
والقصة ذكرها الذهبي بسندٍ ضعيف في سير أعلام النبلاء في ترجمة مجاهد، وذكرها كثيرٌ من المفسرين، ووصل مجاهد إلى هناك ليرى هاروت وماروت مع رجل يهودي، فقال له الرجل: لا تتكلم؛ فإنك إن تكلمت صعقت، قال: فذهبت فرأيت ملكين منكوسين بأرجلهما في بئرٍ مطوية، فقلت: سبحان الله خالقكما! قال: فصعقت فأغمي عليَّ وعلى الرجل، ثم أفقنا بعد حين فقال لي: أهلكتني وأهلكت نفسك.
ومن أراد أن يعود فليعد إلى الذهبي وغيره من العلماء، والمقصود من هذه الآية أن الله علم أنه لا يصلح للأرض إلا الآدميون.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] يخلف بعضهم بعضاً، وبعضهم يقول: معنى خليفة: آدم وحده، ولكن ليس بصحيح، والقرطبي يذهب إلى أن إقامة الخليفة واجب بهذه الآية، وفي استدلاله نظر! لأن الخليفة هنا هم من يخلف بعضهم بعضاً ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] هنا قضايا:
منها: اعتراض الملائكة على الله .
فالله يقول للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] فتقول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة:٣٠].
وهذا ليس اعتراضاً على الله؛ فإنهم كما قال : ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
وإنما أرادوا أن يُظْهِر لهم الحكمة، كأن طالباً يرى الأستاذ يكتب على السبورة جملة، فيقول: يا أستاذ! كيف تكتب هذه الجملة؟! وهذا ليس اعتراضاً على الأستاذ، ولكنه يقول: فسر لي المعنى وما هو المقصود.
ولله المثل الأعلى.
أتجعل فيها من يفسد فيها! عرف الملائكة أنه سيقع فساد في الأرض؛ لأنه قد عمرها الجن فترة فأفسدوا، فظنوا أن آدم سوف يكون هو وذريته كالجن، كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀.
والإفساد هنا: بالفواحش والمنكرات والمعاصي والظلم، وسفك الدماء بغير حق.
ثم يقول: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] أي كأنهم يشيدون بأنفسهم، ويقولون: نحن أولى، نحن أهل التسبيح، نسبحُ ونصلي لك، وقالوا: نقدسك ونستغفرك، وفي صحيح مسلم قال أبو ذر: ﴿ما هو أحسن الذكر يا رسول الله؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته، سبحان الله وبحمده﴾ وعند البخاري: ﴿كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم﴾.
وفي الصحيح قوله ﷺ : ﴿من قال: سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة غفرت ذنوبه وإن كانت كزبد البحر﴾ وفي صحيح مسلم قوله ﷺ : ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس﴾ وصح عند الترمذي قوله ﷺ : ﴿من قال: سبحان الله وبحمده، غرست له نخلةٌ في الجنة﴾.
стр. 8070
الحكمة في جعل آدم خليفة في الأرض
قالت الملائكة: يا رب! نحن نسبح بحمدك، ونصلي لك، ونطيعك! فأنزلنا في الأرض!! قال : ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] أي: أعلم حكمةً لا تعلمونها، وأعلم سراً لا تدركونه، وأعلم مقصداً لا تفطنون إليه، قال أهل العلم: مما علم من هؤلاء أنه سوف يكون من ذرية آدم رسلٌ وأنبياء وشهداء، وعلماء ودعاة وصالحون.
إبراهيم وموسى وعيسى ونوح ومحمدٌ عليهم الصلاة والسلام، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي، ومعاذ، وزيد بن ثابت، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير وأمثالهم كثير، هذا مما علم ، ويعلم أنه سيكون هناك مفسدون، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
إبليس وفرعون، وابن الراوندي، وهامان، وقارون، وأبو جهل، وأبو لهب، وأمية بن خلف، وكل رعديدٍ على وجه الأرض، وشامير، ورابين، وريجن، وبيجن، فالله أعلم، لكن يقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
هذا هو العلم، أعلم ما لا تعلمون!! والله يعلم ما يعلمون، ويعلم مالا يعلمون، ، ومن أدب الفتيا -وسوف يمر معنا- إذا سئلت عما لا تعلم أن تقول: الله أعلم.
стр. 8071
تعليم الله لآدم الأسماء
قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] أراد أن يثبت خصيصة لآدم، فعَّلمه الأسماء كلها، كما في الآية.
أسماء البشر والحيوانات والدواب والمخلوقات، وكل شيء، قال ابن عباس: [[علمه اسم كل شيء، البقرة, والحمار، والفرس]] فعلمه أن هذا اسمه جبل، وهذه سارية، وهذا مسجدٌ، وهذه شجرةٌ، وهذه زهرةٌ، وهذا ماء، وهذا رجل، وهذه امرأة، وهذا طير، إلى غير ذلك من الأسماء، علَّمه من تعليمه مرةً واحدة، هذا هو الصحيح.
وقال ابن كثير يتساءل: هل التعليم شيء لأشياء محدودة في عصر آدم، أم لمطلق الأشياء؟
الصحيح أنه علمه اسم كل شيء، وذات كل شيء، ومعنى كل شيء، هذا هو الصحيح.
ففي الصحيحين من محاجة آدم مع موسى ﵉، أن موسى ﵇ التقى بآدم! فقال له: يا آدم! أنت أبونا، خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وعلمك أسماء كل شيء، فلماذا أخرجتنا وخيبتنا؟
موسى جريء شجاع! دائماً يستفسر كلَّمه الله فما اكتفى بالمكالمة، وهو شرف عظيم، لكنه قال: رب أرني أنظر إليك، فهو جريء ﵊، حتى قيل: لا يصلح لبني إسرائيل إلا موسى، ويقول ﷺ لـ عمر: ﴿أنت أشبه الناس بموسى ونوح ﵉، ولـ أبي بكر: أشبه الناس بإبراهيم وعيسى﴾.
فموسى يصلح لبني إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل كما يقول الأول: إذا رأوا الرجل المخادع خدعوه، أسيادٌ وفجرةٌ عند عدم الصوت، وحميرٌ عند وجود الصوت، يقول : ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] وقال : ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦] فلا يقومون إلا بالصوت، ولذلك كان هارون رحيماً، فيحبوه بنو إسرائيل، وموسى كان قوياً في جسمه، وفي إرادته، وفي هيبته، وفي سلطته، كان بنو إسرائيل إذا غاب موسى يغتابونه في المجالس، فإذا وصل سكتوا، قال : ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩].
خرج أربعين يوماً فعبدوا العجل، فأتى والصحف معه، فلما رأى العجل ورأى هارون أخذ بلحيته وألقى الألواح من يده، وأخذ يجره أمام الناس!!
والشاهد: أن الله علم آدم أسماء كل شيء، وذوات كل شيء، ومعاني كل شيء، وهي من مؤهلاته لأن يكون خليفة، لأن الخليفة والمسئول لابد أن يكون على بصيرة، ولذلك لما اختار الله لبني إسرائيل طالوت، قالوا: كيف يكون له الملك علينا ولم يؤت سعةً من المال؟ انظر إلى بني إسرائيل الرأسماليين حتى في القرآن وفي القرون السالفة، يقولون: ليس لديه بنوكٌ ولا شيكاتٌ ولا رصيد، فكيف يكون ملكاً؟ ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] ففي العلم عالم، وفي الجسم كذلك طويل، يصلح للملك
يقول شوقي:
والحسن من كرم الوجوه وخيره ما أوتي القواد والزعماء
علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، أتى بالحيوانات، والعجماوات، والدواب، والحشرات، قال للملائكة: ما أسماء هذه؟! فقالوا: لا ندري.
ما اسم الفرس؟ قالوا لا ندري، ما اسم الحمار؟ قالوا: الله أعلم، ما اسم الشجرة؟ الله أعلم، قال تعالى: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٣١] أي: إن كنتم صادقين أنكم أولى بالخلافة في الأرض، أو إن كنتم صادقين أنكم تعرفون أسماء هذه الأشياء، أو إن كنتم صادقين أنكم أعلم من آدم، أو إن كنتم صادقين أن عندكم علماً مكنوناً ليس عند آدم.
قالوا: سبحانك! ما أحسن الرد! أن سؤالنا اعتراض، سبحان الله!
لما ذكر التوحيد والشرك، فقالوا: سبحانك ما اعترضنا يا رب! تنزهت، وتقدس اسمك سبحانك! لا علم لنا إلا ما علمتنا، وهذا أدب طالب العلم أن يقول: لا علم لنا إلا ما علمنا الله، والله أعلم، ولا يتسرع بالفتيا، ولا يفتي بجهل، فإنه سوف يصيبه من الخذلان والحرمان ما الله به عليم، وتضطرب عليه أموره، ويتكدر قلبه، وينطفئ نوره، ويكون جسراً إلى جهنم للناس.
الناس يتورطون في مسائل الفروج والدماء، والطلاق والزوجات والأموال، فيأتون إليه، فيستحي أن يقول: لا أدري، فيقول: أرسلها وعلى الله مخرجها، فيتكلم بلا علم، وقد كان الصحابة من أشد الناس حذراً في الفتيا، وكانوا يتدافعونها ويتغير وجه الواحد منهم، إذا سئل عن مسألة يخاف أن ينزلق فيها، ولذا فمن لم يعرف فليقل: لا أدري.
يقول علي بن أبي طالب: [[ما أبردها على قلبي إذا سئلت عن مسألةٍ فقلتُ: لا أدري]].
وسئل مالك في أربعين مسألة فأفتى في ثمان، وقال في اثنتين وثلاثين مسألة: لا أدري!! قالوا: نضرب إليك أكباد الإبل من العراق، وتقول: لا أدري، قال: اذهبوا إلى الناس، وقولوا لهم: مالك لا يعرف شيئاً.
ومن الخذلان كتمان العلم، بعض الناس يحمله الورع البارد على كتمان الجواب حتى في أسئلة بسيطة.
يقولون له: كم يتمضمض الإنسان؟ فيقول: الله أعلم سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم! قالوا: كم أركان الإسلام فتح الله عليك؟ قال: الله أعلم لا أدري.
فهذا جهل، وهذا تكلم بلا علم؛ فجزاؤه النار، وهذا كتمَ علماً يلجم بلجامٍ من نار، والأوسط أن تتكلم في ما تعرف، وأن تقول في ما لا تعرف: الله أعلم لا أدري!
علمٌ بلا حكمة اضطراب، وحكمة بلا علم يصيبها جهل.
والإنسان يجمع في أصله بين اثنتين: ﴿ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] قال ابن تيمية: ظلوماً يحكم بلا عدل؛ جهولاً يحكم بلا علم.
ولذلك يشترط أن يكون الحاكم عالماً عادلاً، ويشترط في العالم أن يكون عادلاً ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] فإن بعض الناس قد يتكلم بجهل ويحكم بظلم، والعدل والعلم صفتان جميلتان جليلتان.
قال تعالى: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣] فسمى الحيوانات والعجماوات والجبال وكل شيء.
(أعلم غيب السماوات والأرض) هنا حذف المضاف للعلم به، أي (وغيب الأرض) والغيب ما يغيب عن العيون، ولا يعلمه إلا الله، والناس لا يعلمون إلاَّ ما يرون، وعلمهم بما يرون ليس علم إدراك! إنما علم مجمل ظاهر، أما الباطن فلا يعلمه إلا الله ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
وفيه شرف العلم، وأنه من أعظم المطالب في الحياة، وأن من جلس عند أهل العلم فهو أفضل ممن يتنفل بالصلاة، ومن يقرأ القرآن وحده ﴿وأن من طلب باباً من العلم ليعمل به ويرفع الجهل عن نفسه، فهو أحسن من أن يركع سبعين ركعة!﴾ وهذا الحديث عند الطبراني لكن في سنده نظر، أن تعلم باباً واحداً من العلم، خيرٌ من سبعين ركعة، وقد جاء من حديث أبي ذر.
وهذا يدل على شرف العلم، والعلم الشريف هو قال الله وقال رسوله، والعلم له وسائل:
لا يكفي القراءة وحدها! ولا يكفي الجلوس عند المشايخ! ولا يكفي حضور الدروس والمحاضرات! بل تجتمع الجميع، التدبر والحفظ والجلوس مع العلماء، ولو كانوا أقل منك علماً وبصيرة، فإن الله يمنحك بالجلوس في مجالس الذكر والعبادة فتحاً عظيماً.
يقول معاذ في سكرات الموت: [[ما كنتُ أحب الحياة إلا لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر]] وكان معاذ يجلس في حلق من هم أقل علماً منه ليفتح عليه من المعارك، ولأن هذا المتكلم قد يحضر مسائل تستفيدها ما سمعتها أنت!!
فعلى المسلم أن يحرص على طلب العلم، وأن يكون عنده وسائل في العلم، والله قد هيأ المسائل ، عندنا الآن الكتب محققة ومطبوعة ومنقحة، والشريط الإسلامي أمره عظيم، وشأنه جليل، وحاسة السمع تقدم على حاسة البصر، بل الإنسان يفهم بما يسمع أكثر مما يقرأ، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] فقدم السمع، فما يُسمع كثيراً سوف يُحفظ.
فالله الله في الحرص على الفائدة، والتدبر في الدين، والحرص على مجالس الخير والدروس والمحاضرات مهما كانت، وأياً كان المحاضر، فإنك لن تعدم فائدة، بل قد تخرج من بعض الدروس بخمسين وستين فائدة.
ذلك لمن أتى بقصد الله ، وطلب ما عنده.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣٣] ما تكتمون في صدوركم وسرائركم، والله هو العليم .
стр. 8072
الأسئلة
هنا بعض الأسئلة،، وأحبذ -أيها الإخوة- أن تكون الأسئلة عن الموضوع الذي يتكلم فيه، لأن الفتيا لها وقت، وهذا يعني لو أن الوقت متسع لكان هناك مجلس قضايا الأسبوع، وتعرض فيها الفتاوى، والاجتماعيات، والمسائل الحادثة في الساحة، كان أفضل، لكن لضيق الوقت حبذا أن تكون الأسئلة عن الموضوع الذي يتكلم فيه، الآيات هذه الذي تكلمنا فيها وما يدور حولها، تكون فيها الأسئلة، فأنا أعتذر للإخوة نظراً لضيق الوقت، وأن الأسئلة متشعبة، تخرج بنا بأحكام في الطهارة، وأحكام في المواريث، وفي الطلاق، وفي الرضاع، ونحن لسنا بصدد هذه الليلة، الدرس درس تفسير، ومن عنده سؤال شفوي في التفسير فليتفضل.
стр. 8073
ضرب الأمثال
السؤال
قوله : ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] كيف إذا أراد العلماء أن يذكروا شيئاً عن الله، يمثلون بمخلوقاته، والله يقول: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]؟
الجواب
معنى الآية: لا تضربوا لله الأمثال، أي: لا تضربوا له مثلاً بالأصنام ، وتدعو لله أنداداً، وتضربوا له أمثلة الأصنام والأوثان، وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، أما إذا ضربت مثلاً فلتقل: ولله المثل الأعلى .
стр. 8074
أعوان ملك الموت
السؤال
ذكرت أن هناك ملائكة تقبض الأرواح، هل هم ملائكة أو ملك؟
الجواب
الذي ذكر الله في سورة السجدة أنه ملك: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] فلا أعلم أنهم ملائكة؛ ربما يكون سبق لسان، ولكن أعلمُ ملكاً واحداً، أما اسمه فلا يعلم بسندٍ صحيح، ومن قال اسمه عزرائيل، فليأتنا بدليل، والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، فشاهدان أو حدٌ في ظهرك، لأنه ما ثبت في النصوص عزرائيل.
стр. 8075
بعض الأبيات للزمخشري
السؤال
أعد أبيات الزمخشري؟
الجواب
يقصد أبيات البعوض، يقول:
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ
ويرى نياط عروقها في جسمها والمخ في تلك العظام النحل
اغفر لعبدٍ تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأولِ
هو شاعر، وهذه أبياتٌ رقيقة، لكن ترجم له الذهبي فأتى بأبياتٍ له، وقال: أبياته ركيكة لا رقيقة، مات شيخه أبو مضر النحوي فرثاه يقول:
وقائلة ما هذه الدرر التي تساقطها عيناك سمطين سمطين
فقلت هو الدُر الذي قد حشا به أبو مضر أذني تساقط من عيني
стр. 8076
كتاب الكشاف
السؤال
لمن هو كتاب الكشاف؟ وما رأيكم فيه؟
الجواب
الكشاف كتابٌ للزمخشري، وهو يحمل الاعتزال في طياته، وفيه حياتٌ وعقارب، والرجل مبتدع، ويحمل بدعته، ويؤيدها في كل مقالة، لكن فيه فوائد بلاغية وبيانية ونحوية، واستطراداتٌ طيبة، فنأخذ ما فيه، ونتقي حياته وعقاربه.
стр. 8077
حوار بين موسى وآدم
السؤال
ما هو الحوار الذي دار بين موسى وآدم ﵉؟
الجواب
كان هناك درس قبل أشهر اسمه: المحاجة، أو: حوار ساخن بين آدم وموسى ﵈ لما قال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة! فقال: أنت موسى، الذي كتب الله لك التوراة بيده، وكلمك، أتلومني على شيءٍ قد قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني؟! ويقول له في روايةٍ صحيحةٍ أخرى: بكم رأيت الله قدَّر عليَّ ذلك؟ قال: قبل أن يخلقك بأربعين سنة، قال: أفتلومني على شيءٍ قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال ﷺ : ﴿فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى﴾ أي: غلبه، هذا هو الرد، وفيه تفصيل يكون في درس اسمه (موقف أهل السنة بين الجبرية والقدرية) لأنهم يستدلون بهذه الأحاديث.
стр. 8078
حقيقة لون السماء
السؤال
اللون الذي نراه في السماء أزرق، هل هي السماء نفسها أم هو سطحها؟
الجواب
سواءً كان الذي نراه أزرق هو السماء أو سطحها؛ الله أعلم، إنما نقول: هناك سماء ولا أدري ما لونها، وقد يكون هذا اللون الذي نراه ناتجاً عن البعد الشاسع لا حقيقة، والقرآن لم يثبت مما نراه شيئاً، فإذا أتو بعلمٍ ليس في القرآن، ولا يعارض القرآن، فلا بأس أن نقبله، لأنه علم وصل إليهم.
стр. 8079
ملك الموت
السؤال
هل ورد في السنة أن ملك الموت واحد، ومعه جنود؟
الجواب
نعم، كما تفضلت هذا وارد، لأنني سُئلت قبل قليل: ملك الموت هل هم ملائكة، أو واحد؟ والصحيح أنه واحد، لكن صحت الأحاديث بأنه ينزل ملائكة معهم حنوط، كما في حديث البراء عند أبي داود بسندٍ صحيح، وغيره من الأحاديث، ويقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] فدل على أن هناك ملائكة يساعدون؛ لكن لا يسمون ملائكة الموت، بل هم أعوان.
стр. 8080
الشورى
السؤال
هل يستدل بقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) على الشورى؟
الجواب
﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] الاستدلال بهذا في الشورى بعيد، والله لا يشاور أحداً من خلقه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وما اتخذ معاضداً ولا مشاركاً ولا مساعداً ولا معاوناً ولا يستشير أحداً، وينفذ أمره متى شاء، بأي هيئةٍ شاء وبأي كيفية شاء، لأن له نفوذاً مطلقاً، هذا لا يستدل به أبداً، فهو ذو الكلمة النافذة ﵎.
стр. 8081
مدى صحة تسمية ملك الموت بـ (عزرائيل)
السؤال
هل يصح تسمية ملك الموت عزرائيل؟
الجواب
لا يصح، لأن لفظ عزرائيل ليس بثابت في الأحاديث عنه ﷺ ، عزرائيل اسمٌ اشتهر بين الناس، ولا يصح أنه قال: أرني صورتك لآدم، إنما صح أن محمداً رسولنا ﷺ قال لجبريل: ﴿أرني صورتك التي خلقك الله عليها﴾ فصوره الله بستمائة جناح، كل جناح يسد ما بين المشرق إلى المغرب، فأغمي على رسولنا، وصعق ﵊، حتى استفاق بعد فترة، وهذا ستمائة لم يستخدم جبريل منها في تدمير قوم لوط وهم أربع قرى فيها ستمائة ألف؛ لم يستخدم إلا جناحاً واحداً، ويوم أتى لتعذيبهم أتى من أول القرى وهي المؤتفكات قبل الوديان والجبال بمسافة أخذها من تحت الأرض حتى رفعها بما فيها من جبال وأودية وأناس وبيوت؛ رفعها إلى السماء الدنيا، وفي بعض الألفاظ الصحيحة: أن الملائكة سمعت صياح أطفالهم ونباح كلابهم، ثم لطم بهم الأرض.
أحد الخطباء سمعته في شريط يقول: جبريل قائد الفرقة الثامنة والثلاثون للكمندوز المتخصصة في النسف والإبادة، ولا بأس بالإشراقات، لكن في حدود المعقول، التخاطب مع الملائكة والرسل يكون في حدود الأدب، ومن أحسن ما يتكلم في هذا المباركفوري صاحب الرحيق المختوم، له كلمات مشرقة، لا تخدش في الأدب، مثل أن يقول:-
- أبو بكر يعلن سياسة حكومته الجديدة بعد الرسول ﵊.
- نقل الجثمان والصلاة ومجلس الشورى.
- الرسول ﷺ في ساعة الصفر في بدر.
- عمر بن الخطاب يلقي كلمة أبي بكر.
فالأساليب العصرية لا بأس باستخدامها، لكن بشرط ألا تخرج عن نطاق الأدب وحدوده، مثل بعض الخطباء يقول: في بدر اتصل ﵊ مباشرةً باللاسلكي، قال: فأتاه ألف من الكمندوز، فنزلوا في بدر.
هذا فيه شيءٌ من الإساءة والجرح للكتاب والسنة، لابد من الوقار، ولا بأس باستخدام الأساليب العصرية.
стр. 8082
موقع السبع السماوات
السؤال
هل يصح، وأين توجد السماوات السبع؟
الجواب
أما هل يصح فلك أن تسأل أين توجد السماوات السبع، ولك أن تسأل في ذلك، وأما أين توجد فاترك هذا إلى الأسبوع القادم إن شاء الله.
إما أن توجد في جزر القمر، أو في الهملايا، هي فوقنا ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨].
انظر تجد آياته في كل ما يبري بها حُكم الحكيم ويبصرُ
وفي كل شيء له آيةٌ تدل على أنه واحد
فهي فوقك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 8083
الصائمون الصادقون
خمس عشرة مسألة أوردها الشيخ في الإخلاص، والمتابعة، والصدق، وصوم القلب والجوارح، واستغلال الأوقات في الدعاء والمناجاة كلمات مضيئة، وأشعار وضيئة، قصص وأقوال وصايا ونصائح، فإذا أردت أن تكون من صنف الصائمين الصادقين فاستنر بهذه المادة.
стр. 8084
إخلاص العمل لوجه الله
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهداية الربانية فأنار به سبل الإنسانية، وهدى به البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
شكر الله لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم رئيس هذا النادي، وأعضاء هيئته، والمشاركون والحضور، ونسأله كما جمعنا بكم هنا أن يجمعنا هناك في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦].
عنوان المحاضرة: (الصائمون الصادقون) والداعية المسلم يجتاب النوادي كالمساجد، ويحضر المحافل كالأسواق، ويشهد مجامع الناس، وله أن يشارك ويرى، فما معنا إلا إخوان، وما أتينا إلا إلى خلان، وما زرنا إلا الجيران، نحن وإياهم في هدف واحد، والمقصد هو وجه الله -إن شاء الله- لترتفع لا إله إلا الله محمد رسول الله، فرسولنا أول داعية بعد الفترة، طرق سمع التاريخ وتكلم على منبر الدنيا، جاب الأسواق، وحضر الأندية، وتكلم في مجامع الناس؛ ليبلغ راية الله، يقول محمد إقبال شاعر الباكستان عن الداعية المسلم وعن دوره في الحياة:
أنت كنز الدر والياقوت في لجة الدنيا وإن لم يعرفوك
محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك
أما عناصر هذه المحاضرة فهي تدور على سبع عشرة مسألة:
المسألة الأولى: إخلاص العمل لوجه الله في كل عمل.
المسألة الثانية: المتابعة للإمام الأعظم محمد رسول الهدى ﷺ .
المسألة الثالثة: الصدق وحسن التوجه إلى الباري جلت قدرته.
المسألة الرابعة: قلوب صامت عن السوء، كيف تعيش القلوب في رمضان؟ وكيف تحيا بذكر الواحد الديان؟ وكيف ترفرف على سبحات الرحمن؟
المسألة الخامسة: فهي العيون التي عرفت الصيام، كيف تصوم العيون؟
سهر العيون لغير وجهك ضائع ورضا النفوس بغير ذاتك باطل
المسألة السادسة: فهي ألسنة هجرت اللغو وحبست عن الكلام في غير مرضاة الله فهو صيامها، وسوف نقف عند هذه المسائل بإذن الله.
السابعة: أذن تأبى الخنا والزور، وقاطعت كل أغنية ماجنة، وكل كلمة فحش، وكل كلمة فيها بذاءة.
المسألة الثامنة: يد تمتد بالإحسان وتكف عن الباطل في رمضان وفي غير رمضان.
المسألة التاسعة: فما هي الرِّجل! التي تحمل صاحبها لتقف على ساحة الحق وتحجم عن المنكر؟
المسألة العاشرة: البطون الجائعة في مرضاة المولى.
المسألة الحادية عشرة: أكباد ضمئت لتشرب من الكوثر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
المسألة الثانية عشرة: الصائمون في جلسة السحر مع رب العزة والجلال، يوم يتجلى لعباده في الثلث الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيبه؟
المسألة الثالثة عشرة: الصائمون يسافرون مع القرآن الكريم في رحلة ممتعة.
أما المسألة الرابعة عشرة: فهي في دقائق الإفطار روعة وجلال، يوم تأتي الشفاه إلى الطعام وتمتد الأيادي إلى فضل الله، إنها ساعة الاستجابة، وللصائم فيها دعوة لا ترد.
المسألة الخامسة عشرة: صلاة التراويح، حشد هائل من المؤمنين يحضرون جلسات الخير والسجدات التي تعتقهم من الرق والعبودية لغير الله.
المسألة السادسة عشرة: الفقراء يمدون أيديهم.
المسألة السابعة عشرة: رمضان مدرسة روحية تربوية.
تلكم أيها الفضلاء النبلاء! أيها السادة الأخيار الأبرار! أيها المستقبلون لشهر رمضان! تلكم المسائل التي نريد أن نتكلم عنها في هذا الدرس بحول الله.
يا رب هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوق نام قاضيها
فمر سري المعاني أن يواتيني ربي فإني ضعيف الحال واهيها
стр. 8085
الأدلة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى
أما إخلاص العمل فالمقصد هو الله، وكان أحد الوعاظ إذا جلس في مجلس الوعظ قال وهو يلتفت إلى السماء: إنك تعلم ما نريد قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فما عمل للدنيا يفنى، وما عمل لأجل الناس يذهب للناس قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] وقال عز من قائل: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] صائمان اثنان، هذا جائع وذاك جائع، وهذا ظمئ وذاك ظمئ، وهذا سهر وذاك سهر، ولكن
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
أما ذاك فتقبل الله عمله؛ لأنه قصد وجه الله، ورضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه أراد بعمله وجه الله، وهذا رد الله عليه عمله كله، فلا قبل جوعه ولا ظمأه ولا سهره ولا صيامه!
وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿يقول الله : من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾ والله يترك من يشرك معه، وهذه هي المراءاة، وفي الصحيحين ﴿من راءى راءى الله به، ومن سمع سمّع الله به﴾.
إذاً يا أيها الفضلاء! يا أيها النبلاء! لا بد أن نعرف مسألتين في الإخلاص:
стр. 8086
معرفة الله سبب الإخلاص
أولها: أن نعرف الله، فهو القدير الذي بيده مفاتيح القلوب، والمعطي والمفقر، والمانع والقابض، والباسط والرازق، والمحيي والمميت، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
إخوتي في الله! يقول ﵊: ﴿إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى﴾ كثير من الناس يجودون صلاتهم من أجل الناس، ويصومون من أجل الناس، ويتلون كتاب الله من أجل الناس قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٢٢].
فأوصي نفسي -أولاً- وإياكم بمعرفة الباري، من هو الله؟
إن الله تعالى يوم لقيه موسى ليملي عليه دعوة التوحيد، قال: يا موسى! ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ولذلك أعلن شاعر السودان الإيمان في قصيدته وهو يتكلم عن رسالة التوحيد التي تركها كثير من شعرائنا، وصاروا يتكلمون عن الفتاة، والزهرة، وعن الهيام، والشاطئ والماء، ولكن لا يربطون ذلك بالواحد الأحد، أما شاعر السودان فيقول في قصيدة الإيمان:
بك أستجير ومن يجير سواكا فأجر أجيراً يحتمي بحماكا
إلى أن يقول:
أشكو إليك مصائباً أهفو بها يا رب هل من غافر إلاكا
إبليس يخدعني ونفسي والهوى ما حيلتي في هذه أو ذاكا
ثم يقول وهو يتكلم عن الإخلاص والإيمان والتوحيد:
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي ما الذي بالشهد قد حلاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحد إلاكا
لا بد أن ندخل المسجد موحدين، والنادي موحدين، والسوق موحدين.
ما هي رسالتنا؟ وما هي أصالتنا؟ ما هو عمقنا؟ ما هو شرفنا في الحياة؟؟
شرفنا وأصالتنا وعمقنا هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، نحن لم نخلق للغناء، ولا للرقص والتطبيل والمسرحية الآثمة، والفيديو المهدم، أتعلمون أن أرذل الناس هم هؤلاء المغنون الذين يصدون الناس عن لا إله إلا الله، الذين يقربون الزنا والفحش والبذاءة وقلة الحياء من الأمة!! هؤلاء والله عيب أن يتصدروا المجتمع، وعيب أن يقودوا الشباب! وعيب أن يتصدروا الموكب! وعيب أن يكونوا في أول الركب! هؤلاء لا قيمة لهم؛ لأن أهل القيمة هم أهل الإيمان الذين خاطبهم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] هم أهل الإيمان
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه
يا ربُ فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
أضعناه ومزقه شامير ورابين، وأعداء الشعوب؛ يوم تركنا لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 8087
المتابعة للنبي ﷺ
أما العنصر الثاني فهو متابعة المصطفى ﵊، أولاً: اسأل نفسك في صيامك، وصلاتك، وحجك، في هديك، في ليلك ونهارك من هو إمامك؟ من هو قدوتك؟ من هو الذي تحبه في الحياة؟
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
يا خير من دفنت القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
اسأل نفسك من هو قدوتك في الحياة؟ اعرض أعمالك على محمد ﵊ وعلى أعماله فإنه برهان، زن أقوالك بأقواله فإنه ميزان، اعرض نفسك عليه فإن قبلت فبها ونعمت، إن وافقت النسخة النسخة فقد نجحت وأفلحت، وإن اختلفت النسخة عن النسخة فاعرف أن في البضاعة بهرجاً، وأن في العملة زيفاً، وأن في البضاعة غشاً لا يقبله الله، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
من الذي أحيا القلوب بإذن الله؟
من الذي غرس فيها لا إله إلا الله وكانت ميتة؟ من الذي أخرج للعالم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأبياً وطلحة والزبير وحسان وابن عباس؟
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم
كنت الإمام لهم والجمع محتفل أعظم بمثلك من هادٍ ومؤتمم
أليس كسافة؟ أليس خزياً وعاراً أن يحفظ بعض الناس تواريخ البشر وينسون تاريخ أعظم البشر! يقرءون سيرة أخس البشر ويتركون سيرة أكرم البشر؟! يحفظون آداب أحقر البشر الأقزام! ويتركون العظيم الذي لم يطرق العالم مثله!
والله لقد شهد الأعداء له، والله لقد اعترفوا بفضله، جولد زيهر المجري الذي هاجم الحديث يتهيب عن الهجوم على محمد ﷺ يقول: "إنه عظيم! إنه رجل عبقري! نشر الخير في الأرض "
أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شَعْبٌ من الأموات أحياه
أهل الجزيرة، أهل الضأن، والغنم، والإبل، والعمالة، والجهالة، والضلالة، يخرجهم بعد خمس وعشرين سنة ليحملوا لا إله إلا الله في طشقند وسمرقند والهند ويقفون على ضفاف الأطلنطي ونهر الأوار.
بماذا أخرجهم؟ لقد أدبهم ووجههم إلى المنهج السليم؟!
فالمطلوب منا في العنصر الثاني المتابعة في الصيام، ما هو هديه في الصيام؟ وكيف كان صائماً؟ وأحسن من أدلكم على تأليفه في هذا الموضوع هو الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد.
فهديه ﷺ في الصيام، أنه كان أصبر الناس على الصيام، يواصل الليالي والأيام ولا يأكل اللقمة ولا يشرب جرعة، فكان الصحابة يحبون أن يواصلوا مثله ولكن هيهات! شتان ما بين الفريقين والواديين والمثلين، هم فضلاء لكنه من نوع آخر!
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
يقول: ﴿إني لست كهيئتكم﴾ ورفض أن يواصلوا معه قالوا: ولم؟ قال: ﴿إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني﴾ يا للعظمة! يا للجلال! الله يطعمك ويسقيك فيكف تكون صائماً؟
قال ابن القيم: ليس طعاماً محسوساً، ولا شراباً محسوساً، طعام المعاني، طعام أرواح الكلمات النيرات التي تتنزل عليه من السماء، طعام الإشراق والحكمة، طعام المعرفة؛ ولذلك يقول الأندلسي يوصي ابنه:
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
قوت الروح القرآن، قوت الروح المعاني، تجد الشاعر الذي يعيش الأحاسيس فينظم قصيدة جميلة فيشبع من قصيدته وجمالها، فينسى الطعام، وينسى الخبز والماء والفاكهة! فنقول: لم؟ فيقول: أنساني جمال التصوير والإبداع في القصيدة، والإشراق في المعاني أن آكل أو أشرب! فما بالك بمن جبريل يتنزل عليه بالوحي والكلام من السماء؟ قال: يطعمني ربي ويسقيني.
قال ابن القيم: يطعمه معاني وكلمات نيرات وحكماً، ثم يستشهد بقول شاعر عربي سافر إلى محبوبته! فنسي الطعام والشراب وأصبح على الناقة يمشي ويقول:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا تشكت كلال السير أسعفها شوق القدوم فتحيا عند ميعاد
هذا طعامه وشرابه ﵊ يوم يواصل، أما الذي يُطْلَبُ منا: هو أن نعيش رمضان كما عاشه ﵊، فحياة النوم من الصباح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب ليست بحياة، وليس هذا بصيام، يصوم الإنسان وهو يحلم ويرى في المنام أنه صائم وهو لم يصم! لا جاع ولا ظمئ ولا عاش مع القرآن، أهذا صيام؟ من أين أتى هذا الصيام؟ حياة السهر في غير طاعة منذ صلاة العشاء، بل بعضهم يترك صلاة التراويح والقيام ويذهب للسهر حتى صلاة الفجر، يسهر مع أغنية ماجنة، أو عزف على الناي، أو رقصة وعرضة شعبية إلى السحر، يوم يتنزل الله إلى السماء الدنيا!
قلت لليل: هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار؟
قال: لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار
يوم تمتد الأكف: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] من يتوب عليك؟ من يهديك سواء السبيل؟ من يرزقك؟ من يحل مشكلاتك في الحياة؟ من يؤمن مستقبلك إلا الله؟ قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] كل المخلوقات يموت إلا الله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
يا إخوتي في الله! حياة الصيام هي حياة القرآن، حياة تحفظ سمعك وبصرك وقلبك عما لا يرضي الله.
стр. 8088
الصدق وحسن التوجه إلى الباري
الإخلاص شيء من الصدق والصدق شيء من الإخلاص، لكن الصدق يزيد عليه، الصدق أن تصدق في عبادتك قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] أن تصدق في الكلام، أن تصدق في العمل، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً﴾ الصدق عجيب! الصدق من أحسن ما يكون!
سجن أحد الأخيار من العلماء في سجن بغداد، وكان الذي سجنه هو الخليفة المهدي بن أبي جعفر المنصور، وسبب السجن أن الخليفة قال له: لابد أن تخبرني أين عيسى بن زيد -وهو من نسل وأحفاد علي بن أبي طالب - وعيسى بن زيد رجل فاضل عظيم، ولكنه اتهم بأنه يريد الخلافة، فأتى الوشاة، وقالوا: هذا الرجل الصالح في بيتك.
فذهبوا به إلى الخليفة، فقال له الخليفة: أخرج عيسى بن زيد.
قال: والله ما كذبت في حياتي، ووالله الذي لا إله إلا هو لو كان عيسى بن يزيد بين جلدي وعظمي ولحمي ما أخرجته، أتقتل ابن بنت رسول الله ﷺ ؟ قال: اضربوا عنقه.
فاقتربوا بالسيف من عنقه قال: قل لي: أين هو؟ قال: والله لا أكذب أبداً، وهل جزاء الصدق إلا الجنة، اضرب عنقي.
فضرب ففصل رأسه عن جسده، (ذكر هذه القصة ابن خلكان).
أدخلوا رجلا من الصالحين قيل: إنه زر بن حبيش على الحجاج، فقال الحجاج: أين ابنك؟ قال: أنا لم أكذب في حياتي، ولو كذبت كتمت عليك أين ابني فأنا كاذب، ابني في البيت.
فجازاه الله جزاء الصدق بالصدق، ومعنى الصدق: أن تصدق في العبادة وأن تكون موافقة لسنة الرسول ﷺ .
стр. 8089
المتابعة للنبي ﷺ
أما العنصر الثاني فهو متابعة المصطفى ﵊، أولاً: اسأل نفسك في صيامك، وصلاتك، وحجك، في هديك، في ليلك ونهارك من هو إمامك؟ من هو قدوتك؟ من هو الذي تحبه في الحياة؟
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيببهن ذاك القاع والأكم
стр. 8090
محمد ﷺ قدوتنا في الحياة
اسأل نفسك من هو قدوتك في الحياة؟ اعرض أعمالك على محمد ﵊ وعلى أعماله فإنه برهان، زن أقوالك بأقواله فإنه ميزان، اعرض نفسك عليه فإن قبلت فبها ونعمت، إن وافقت النسخة النسخة فقد نجحت وأفلحت، وإن اختلفت النسخة عن النسخة فاعرف أن في البضاعة بهرجاً، وأن في العملة زيفاً، وأن في البضاعة غشاً لا يقبله الله، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
من الذي أحيا القلوب بإذن الله؟
من الذي غرس فيها لا إله إلا الله وكانت ميتة؟ من الذي أخرج للعالم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأبياً وطلحة والزبير وحسان وابن عباس؟
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم
كنت الإمام لهم والجمع محتفل أعظم بمثلك من هادٍ ومؤتمم
أليس كسافة؟ أليس خزياً وعاراً أن يحفظ بعض الناس تواريخ البشر وينسون تاريخ أعظم البشر! يقرءون سيرة أخس البشر ويتركون سيرة أكرم البشر؟! يحفظون آداب أحقر البشر الأقزام! ويتركون العظيم الذي لم يطرق العالم مثله!
والله لقد شهد الأعداء له، والله لقد اعترفوا بفضله، جوز سهير الهُجري الذي هاجم الحديث يتهيب عن الهجوم على محمد ﷺ يقول: "إنه عظيم! إنه رجل عبقري! نشر الخير في الأرض "
أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شَعْبٌ من الأموات أحياه
أهل الجزيرة.
أهل الضأن، والغنم، والإبل، والعمالة، والجهالة، والضلالة، يخرجهم بعد خمس وعشرين سنة ليحملوا لا إله إلا الله في طشقند وسمرقند والهند ويقفون على ضفاف الأطلنطي ونهر الأوار.
بماذا أخرجهم أدبهم ووجههم إلى المنهج السليم؟!
следующие страницы →