Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.
стр. 8961
الاستغفار وفوائده
في سنن أبي داود قال ﷺ ﴿من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب﴾ فأوصي نفسي وإياكم أن من أصابه هم أو حزن أو غم بأن يكثر من الاستغفار، فإن فوائد الاستغفار وردت في كتاب الله .
فمن فوائده كما في الكتاب بالاستقراء ثلاث فوائد:-
أولها: أن الكوارث والحوادث المؤذية لا تصيب المستغفر بإذن الله، قال جعفر الصادق: لو نزلت صاعقة من السماء لأصابت كل الناس إلا المستغفر.
فالكوارث الشنيعة والمحن والفتن لا تصيب المستغفر، مصداق ذلك في سورة الأنفال في قول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] فالاستغفار كشف للبلايا والحوادث والأزمات.
ثانيها: من أراد سعة الرزق والعافية والمتاع الحسن فعليه بالاستغفار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المتاع الحسن والرزق والسعة في الاستغفار، وذلك أنه من داوم على الاستغفار فتح الله له فتحاً لا يخطر بالبال ولا في الخيال، ومصداق ذلك قوله على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٣].
الأمر الثالث: جاء على لسان هود، يقول لقومه وهو يعظهم: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣].
فإن مما يكشف الكرب ويحطها بإذن الله الاستغفار، واعلموا أنه قد وقع أناس كثيرون في الكرب والله يكشفها عنهم.
فمن الكرب: القحط وما ينزل في الديار والبلاد ولا يكشفه إلا الاستغفار.
قالوا لأعرابي: ما للقطر لا ينزل في بلادكم؟ قال: هدأنا من الاستغفار فجف القطار، أي المطر.
[[وأنس ﵁ وأرضاه مزرعته في البصرة - مزرعة من النخل- أصابها قحط، فقام فصلى ركعتين واستغفر قالوا: مالك؟ قال: أما سمعتم قول الله تعالى على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:١٠] قال الرواة: فوالله إنه ما قام من مجلسه حتى أتت غمامة فطوقت على مزرعته وأمطرت حتى سالت جداولها، فنظرنا فإذا الماء داخل المزرعة ولا يوجد في خارج حدودها قطرة واحدة]] وهذا من الاستغفار والالتجاء.
وفي ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وجعلها في الجنة إنه يقول: إنها لتعجم علي المسألة الواحدة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر فيفتحها الله علي.
فبالله ما للذين يهتمون في قاعات الامتحان -وهم يجلسون كأنهم في ساحات الإعدام- لا يلتجئون إلى علام الغيوب؟ ما لهم لا يلتجئون إلى من عنده الفرج ومن بيده تسهيل القضايا ويستغفرون كثيراً ليفتح الله عليهم من فتوحاته؟
ابن تيمية -بالمناسبة- يقول عنه تقي الدين بن شقير: رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ما تفتر لسانه عن ذكر الله، فقلنا له: يا أبا العباس! نراك لا تهدأ لسانك أبداً؟ قال: قلبي مثل السمكة، إذا خرجت من الماء ماتت، وأنا قلبي إذا سكت عن الذكر مات، والله يقول: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] قال تقي الدين بن شقير تلميذه: فخرجت وراء شيخ الإسلام مرة من المرات في حديقة من الحدائق بحيث أراه ولا يراني في غوطة دمشق، وقد كان شيخ الإسلام في الشام في سوريا في تلك الفترة؛ لأن دمشق هي العاصمة، فكان يرسل قذائف الحق من دمشق وقد أيده الله ورفع رايته، وقد أوذي في الله أيما إيذاء، ولكن بقي اسمه وذهب أعداؤه وخصومه فيقول: ذهبت خلفه فلما أصبح خالياً رفع طرفه ودمعت عيناه وقال: لا إله إلا الله.
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
وهذا البيت لـ مجنون ليلى، وهو يقوله لمحبوبته، ولكن فرق بين الودادين وما بين المحبوبين والمقصودين، فمقصود ابن تيمية: الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم ذو الغنى والقوة والعظمة، ومقصود ذلك عبد هزيل فقير لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
يقول ابن القيم في روضة المحبين سئل ابن تيمية ﵀: لماذا يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] لماذا أوصاهم الله بالذكر وقت المعركة، لماذا لم يوصهم قبل المعركة أو بعدها، فهو يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥] أي: وقت ما يصل المؤمنون تجاه الكفار.
فقال ابن تيمية: إن العرب على عادتهم يفتخرون بذكر المحبوب وقت الأزمات، أما سمعت عنترة يقول:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
قال: فعوَّض الله المؤمنين بذكره وقت الأزمات، قال: يقول عنترة إنه يذكر محبوبته يوم يضارب ويوم تشجي السيوف وتتقطع على رءوس الأبطال، فيقول الله : عوضاً عما يفعل أهل الضلالة والجهالة وأهل البغي والعدوان: عودوا أنتم إلى محبوبكم، ولذلك فعل الصحابة رضوان الله عليهم، حضروا في اليرموك فقال معاذ -وقد قرأ سورة الأنفال على رءوس الأشهاد فما بقى أحد إلا بكى -قال: [[قولوا: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقالوا: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله]] ثم هزموا جيشاً قوامه ثلاثمائة ألف، لكن من كان الله في ميزانه وفي حزبه فأنى يغلب، فهو القوة العظمى ؟!
стр. 8962
نماذج من مؤانسة المكروب
يقول ﵊: ﴿من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة﴾ وبعض الناس يغرق في الكوب الصغير، أي مشكلة تأتى تدمره تدميراً عظيماً، لو انقطعت حذاؤه رأيت الهم والغم في وجهه، كأنها قامت الحرب العالمية الثالثة، فما هو المطلوب منك؟
المطلوب منك أن تجلس معه فإذا انقطعت حذاؤه وأنت تجلس بجانبه فعليك أن تواسيه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].
وتقول له: أسأل الله أن يحسن عزاءك وأن يكفر خطاياك، وأن يجبر ما أصابك فهو يتسلى ويرتاح ويفرح.
стр. 8963
تفريج الكربات من أفضل العبادات
قال الحسن البصري: [[يقول أحدكم: أحج، أعتمر، أصلي، أصوم، أزكي هل هذه هي العبادة فحسب؟ لا.
فرج عن مكروب صل منقطعاً صل رحماً فهذه هي العبادة]] وقد صدق، وبعض الناس ما له هم ولا غم إلا الصلاة في كل وقت، لكن إذا رآه الناس كشر بأنيابه في وجوههم، عبس وانقبض، لا يعرف صلة ولا براً ولا خلقاً ولا مساعدة ولا معاونة، أيظن العبد أن الأجور فقط في: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد؟ بل الأجور عدد الأنفاس.
أرسل الحسن البصري إلى ثابت البناني العابد الكبير، حيث جاءه رجل يريد أن يشفع له ثابت إلى رجل -لأن هذا الرجل يريد مالاً- فذهب إلى الحسن البصري، فقال: أريد من فلان أن يقرضني مالاً، وأريد أن ترسل معي ثابتاً البناني؛ لأن عنده وجهاً -صاحب وجه وجاه- قال الحسن البصري: اذهبوا إلى ثابت في المسجد ليذهب مع هذا الرجل، فذهبوا إلى ثابت فوجدوه يصلي في المسجد فأخبروه الخبر، فقال: لا.
أنا أصلي في بيت الله فلا تخرجوني منه، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، قال: اذهبوا إليه وقولوا له: [[يا أعيمش! -أعيمش تصغير أعمش- يا أعيمش! أظننت أن صلاتك هي العبادة كلها؟ والله لذهابك مع أخيك المسلم لقضاء حاجته خير من ألف ركعة]] فلما أخبروه ترك وذهب معهم ليشفع.
ولذلك من كان عنده جاه فليفرج به الكرب عن المسلمين، وليتوسط ويتوسل في غير حرام، وليشفع بتقديم كلمة أو يذهب بنفسه إلى المسئول ليعرض حاجة من لا يستطيع رفع حاجته، أتظنون أن الناس يستطيعون رفع حوائجهم إلى المسئولين؟ لا.
إنهم يبكون على الأرصفة لا يجدون من يرفع حوائجهم واستفساراتهم ومطالبهم، فيموتون وهي في صدورهم.
يقول ﷺ : ﴿أولئك جدد القلوب، خلقان الثياب إذا شفعوا لم يشفعوا، وإذا نكحوا لم ينكحوا، وإذا سألوا لم يعطوا، يموت أحدهم وحاجته في صدره﴾ هؤلاء بحاجة إلى أن يمد الإنسان يد العون إليهم.
стр. 8964
رجل يطلب الإمارة ليخدم إخوانه
قال ابن رجب الحنبلي في كتاب جامع العلوم والحكم: كان أحد الصالحين إذا سافر مع أحبابه وأصحابه في الغزو قال: أشترط عليكم، قالوا: ماذا؟ قال: أن أكون أميركم في هذا السفر، ما يطلب الإمارة إلا إنسان لا يريد بها خيراً، لكن هذا يريد الخير، فقالوا: أنت أميرنا، فكان إذا ذهب معهم قام فقال: لا يقوم أحد منكم، فقام ليصنع الطعام وقام ليجمع الحطب فيقول: أنا الأمير اجلسوا، قال: فإذا أتوا ينامون قام يصلي وكان يحرسهم في الليل فإذا انكشف غطاء أحدهم عن رأسه وجسمه رد غطاءه عليه، فإذا أتوا ليركبوا قرب مركوب كل أحد إليه فأركبه عليه، قال: فلما توفي -وقد ذكر هذا في جامع العلوم والحكم في شرح هذا الحديث- قال: فلما توفي وجدوا على جسمه مكتوباً: براءة له من النار، قال: فأخذه المغسل وهو على جنازة الموت ووجد هذا الكتاب تحت الجلد -بين الجلد واللحم- مكتوب عليه: براءة له من النار.
فهذا العمل صالح، علمه الله من العبد حيث كان يقدم هذا العمل العظيم، ولكن لا يغفل الله عن أي عمل، ولذلك ورد في الصحيح عنه ﷺ من رواية أبي هريرة قال: ﴿مرَّ رجل من بني إسرائيل بشجرة كان غصنها في الطريق، فقال: أرفعه لا يؤذي المسلمين -كم من المشقة وجدها وكم من التعب؟! فكسر الغصن وحوله عن الطريق- فشكر الله له وأدخله الجنة﴾.
стр. 8965
النبي ﷺ مع بيت خباب
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة﴾ يعني: أعلى الأمور، ويدخل فيها: الابتسام والمصافحة والكلمة الطيبة وأن تفرغ بدلوك في إناء المستقي، وأن تعين أخاك المسلم فتمسك له دابته ليركب عليها، فهذا من المعاونة أو من تنفيس الكرب، وورد عنه ﷺ أنه لما سافر خباب بن الأرت -أحد الصحابة- في غزوة، وكان الصحابة من عادتهم ومن عادة العرب جميعاً: أنه لا يحلب الشاة ولا البقرة ولا الناقة إلا الرجل، فالمرأة لا تحلب، فلما سافر خباب بن الأرت في الغزوة أتى ﷺ إلى أهل خباب يحلب لهم الشياه- أوردها ابن رجب فما وجد ﵊ إلا شاة واحدة وباقي الشياه كانت حوامل، فأخذ يحلب لهم هذه الشاة، فكانت تملأ إناءً فضفاضاً كبيراً، وكانت تكفي أهل هذا البيت وتكفي جيرانها من بركة يده ﷺ ، فلما عاد خباب أخبروه الخبر فعمد إلى الشاة ليحلبها فوجد حليبها أول مرة قد نقص، وذلك للفرق بين يديه وبين يدي رسول الله ﷺ .
стр. 8966
أبو بكر الصديق والعجوز العمياء
وأبو بكر لما توفي الرسول ﵊ -وهذه قصة مشهورة قد ذكرها ابن القيم وأهل العلم- كان يصلي الفجر في مسجده ﷺ ثم يخرج إلى ضاحية من ضواحي المدينة فتبعه عمر.
وعمر هو المستساغ عند أبي بكر وهو الرجل الذي يستمع له أبو بكر دائماً، حتى لما كان في سكرات الموت قال لـ عثمان: اكتب: والخليفة من بعدي، فسكت، فكتب عثمان -خاف أن تختلف الأمة- عمر بن الخطاب.
فأفاق أبو بكر وقال: من كتبت؟ قال: عمر، قال: صدقت، ولو كتبت غيره لأنبتك، حتى في حياة الرسول ﷺ يعرفون منزلته.
فهذا علي أبو الحسن -أمير المؤمنين الذي تقول الرافضة: أن الخلافة كانت له ولكن هضمها وحرمها- يقول على منبر الكوفة: لا يأتي رجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.
ويقول علي ﵁ وأرضاه: لطالما سمعت رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر عمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.
فالمسألة مكشوفة للعيان عند أهل السنة والجماعة، أن الرجلين هما أهل الخلافة ثم يأتي عثمان وعلي.
قال الإمام أحمد: من لم يثلث بـ عثمان ويربع بـ علي فهو أجهل من حمار أهله -بليد- وهذه تنطبق على الذين فضلوا علياً على الثلاثة، ﵃ جميعاً ونسأل الله أن يحشرنا معهم جميعاً.
الشاهد: فـ عمر كان يسأل نفسه: مالـ أبي بكر يخرج من المسجد كل صباح؟! فقال: لأمشين وراءه هذا اليوم، فمشى وراء أبي بكر ﵁ وأرضاه -أتظنون أن أبا بكر يذهب للسياحة أو للنزهة أو يلعب كرة ﵁ وأرضاه- قال عمر: فدخل في خيمة لأعرابية في ناحية من نواحي المدينة -وعمر في الجبل لا يعلم به أبو بكر - فلما خرج من الخيمة دخلت وراءه فوجدت عجوزاً عمياء حسيرة كسيرة عندها جوارٍ صغار -بنات- وعندها نوق وشياه وشيء من الغنم، فدخل عمر وقال: يا أمة الله! من أنت؟
قالت: أنا عجوز عمياء حسيرة.
قال: ومن هذا الرجل الذي يأتيكم؟
قالت: لا أعرفه -ما أعلمها أنه أبو بكر أو قال لها: أعلمي الناس أن أبا بكر يأتيك كل صباح مثلما يفعل بعض الناس حيث يدفع للفقير ريالاً ثم يتنحنح ليراه جماعة المسجد- فقال: من هذا الرجل؟ قالت: لا أعرفه.
قال: فماذا يفعل إذا أتى؟
قالت: يأتي فيقمّ البيت -أي: يكنس البيت- ويصنع لنا إفطارنا ويغسل لنا أشياءنا وينظف لنا ملابسنا، فبكى عمر وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر.
إي والله، أتعب الخلفاء بعده، وهذا هو الإسلام وهذا هو الإيمان وهذا هو القرآن الذي يمشي على الأرض، يوم جعلهم الله خير أمة أخرجت على وجه الأرض، أولها الصحابة.
ويأتي من بعدهم إنسان ينام عن صلاة الفجر يقال له: لماذا لا تصلي؟ قال: الحمد لله نحن بخير، يقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
إن خير أمة أخرجت للناس الذين قطعت لحومهم في سبيل الله، وسكبت دماؤهم في رفع لا إله إلا الله وفي حفظها، خير أمة أخرجت للناس من بلغوا دين الله في أخلاقهم، كان التاجر يذهب إلى جاكرتا في إندونيسيا فلا يدعو ولا يجمع الناس يوم السبت ليلقي عليهم من صحيح البخاري ولا يلقي محاضرة، إنما يتعامل بالصدق والأمانة، يمر من الشارع في جاكرتا وهو تاجر لا يحفظ إلا الفاتحة وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق، فيرون وجهه فإذا عليه النور ويرون معاملته فإذا هي الصدق والوفاء، ويرون معاملته فإذا هو قرآن يمشي فوق الأرض، فيدخلون في دين الله أفواجاً، فلم يدخل جيش جرار ماليزيا ولا إندونيسيا بل دخلها تجار يبيعون ويشترون، فلما علم الله الصدق منهم بلغ دينه ودعوته بهذا.
فيقول ﵊: ﴿من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة﴾ يوم يجتمع الناس في يوم العرض الأكبر فتشتد الكرب عليهم فيكشف الله عن كل من كشف عن المسلمين كربة، كربة بكربة حتى يزيل الله الهم والغم عمن قدم، وهذا واقع، فإن الرسول ﷺ يقول كما في صحيح مسلم: ﴿كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس﴾ وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم الطائي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿يدني الله عبده فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان يوم القيامة، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فاتقو النار ولو بشق تمرة﴾.
ولكن بماذا يكون تنفيس الكرب؟
قال أهل العلم: تنفيس الكرب بأنواع وأصناف منها: إطعام الجائع، فهو تنفيس كربة؛ لأنه ليس كل الناس يستطيعون الطعام أو يجدونه.
وبعض الناس إذا شبع وأصيب بالتخمة من الكبسات وشرب الشاهي بالنعناع، قال: الحمد لله نحن في نعمة من الله جزيلة، والناس في جنوب أفريقيا وفي موزنبيق يموتون جوعاً، ومن معه ومن في عمارته ويسكن بجانبه يموت جوعاً أو لا يجد هذا النعيم، فلذلك ورد عن أبي هريرة أن الرسول ﵊ قال: ﴿يقول الله : يا بن آدم! جعت فلم تطعمني قال: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!
قال: إن عبدي فلاناً جاع فما أطعمته، أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
يا بن آدم! ضمئت فلم تسقني.
قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟!
قال: ألم تعلم أن عبدي فلاناً ضمئ ولم تسقه، أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي.
يا بن آدم! مرضت فلم تعدني.
قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟
قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، أما إنك لو زرته لوجدت ذلك عندي، فيتمنى الناس بعد ذلك أنهم يعودون إلى الدنيا﴾ وأنهم ملئوا أوقاتهم من الأعمال الصالحة.
стр. 8967
شجاعة وكرم إبراهيم ﵇
وفي سيرة إبراهيم ﵇، وقد كان إبراهيم كريماً شجاعاً، وفي القرآن كان لإبراهيم روغتان، فأما الروغة الأولى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] هذه روغه الشجاعة، وهناك: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] فذكره الله بالشجاعة في القرآن وذكره بالكرم وكلها يقصد بها وجه الله؛ لأن بعض الشجعان يقصدون بها الرياء والسمعة، وأما إبراهيم فهو الشجاع الكريم الذي يريد بشجاعته وجه الله؛ لأنه ما كل إنسان شجاع يكون في الجنة سالماً مسلماً، ولا كل إنسان ينفق أمواله ويفرش السرادقات والمخيمات أنه في الجنة، فمن الذين يؤتى بهم يوم القيامة لتسعر بهم النار العالم والمنفق والشجاع.
فإبراهيم ﵇ كانت شجاعته وكرمه لله، حتى يقول عز من قائل: ﴿فَرَاغَ﴾ [الذاريات:٢٦] يعني: من كرمه ومن سماحته ومن جوده راغ، يعني: اختفى أو ذهب بروغان ليس صمداً عمداً، لم يذهب أمام الضيف، إنما اندس وذهب فذبح عجلاً كبيراً حينئذٍ، ثم حنذه كما في سورة الذاريات أنه سمين، فهو سمين حنيذ، ثم قدمه للضيف؛ لأن البخيل لا يروغ ولا يندس، بل يأخذ شفرته أمام الضيف ثم يسنها ويحدها ويصلي ركعتي الاستخارة ويدعو الله إن كان الخير في أن يذبح هذا الكبش إن الله يسهل له أن يذبحه، وإن كان الشر في أن يذبح هذا الكبش فإنه يدعو الله أن يصرف عنه هذا الشر، ثم يقوم ويشاور ويعوذ بالله من الكرب فما يأتي هذا الكبش إلا وعليه من الندامة والأسف كأنك لا تأكل لحماً، بل كأنك تأكل علقماً، لأنهم يقولون: وليمة اللئيم إنما هي سقم يعني: لا يجد الإنسان فيها إلا سقماً، يعني: لا يجد الإنسان فيه شفاءً إنما هي سقم، ولذلك العرب تفتخر بأنها تبش وتهش للضيف قبل أن يصل، ولذلك ليس الكرم في كثرة الضيافة، فبعض الناس يقدم من الأطعمة شيئاً كثيراً لكنه غضبان؛ لأنهم ملئوا المجلس عليه وافترسوا أكله، لكن الكريم من العرب من يهش ويبش، يقول الأزدي:
أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
فما عندي في البيت شيء، ولكن قبل أن ينزل من راحلته أحادثه وأمازحه:
وما الجود للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
فإبراهيم ﵇ كان له قصر في فلسطين، وكان هذا القصر له بابان فقال لغلمانه وخدمه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله، فكان هؤلاء العبيد يقفزون الجبال ويذهبون إلى أماكن الفقراء والمساكين ليأتوا بالضيوف، ووصفه الله أنه كريم في القرآن فأوتي بضيف مرة فدخل عليه وإذا بهذا الضيف كافر، يظن إبراهيم أنه موحد، فضيوف إبراهيم خصصهم أنهم موحدون، لأن الرسول ﵊ -كما في الترمذي - قال: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ فإبراهيم ﵇ يرسل ويقول: تعالوا لي بموحدين، فدخلوا برجل فما سأله إبراهيم ﵇ فلما قرب العشاء له قال إبراهيم: قل باسم الله، قال له: لا.
لا أقول بسم الله ولا أعرف الله، قال: والله لا تتعشى، فالولاء والبراء حتى في الطعام.
كيف لا تقول بسم الله؟ هل علمت إلهاً غير الله، هل لك إله أكبر من الله؟ قال: والله لا تتعشى، فقام هذا الضيف بجوعه فأوحى الله إلى إبراهيم: كم عمر هذا الرجل؟ قال: لا أدري يا رب، قال: عمره خمسون -وقيل: ستون- أطعمه منذ ولدته أمه، وأنت استطعمك ليلة فما أطعمته! ولذلك كم من كافر يهد الجدار اليوم أو فاجر أو معرض عن الله لا يعرف المسجد ولا يركع لله ركعة، والله يرزقه ويلبسه ويعطيه سيارة أمريكية فاخرة ويسكنه في القصور؛ لأن الله سوف يرجع إليه الناس حتى يقول أنس عن النبي ﷺ قال: ﴿يؤتى بأنعم أهل الأرض -يعني: من أهل الضلال- فيغمس في النار غمسة واحدة -في ثوان- ثم يخرج من النار، فيقول الله: هل رأيت نعيماً قط؟ قال: ما رأيت نعيماً قط -نسي كل نعيم- ويؤتى بأهل الخير وأهل الإيمان، من أهل البؤس فيغمسون في الجنة غمسة، فيقول الله: هل رأيت بؤساً قط؟ قال: ما رأيت بؤساً قط﴾ فهذا من كشف الكرب التي جعلها الله .
стр. 8968
صنائع المعروف تقي مصارع السوء
ومن كشف الكرب ذكر ابن كثير في البداية والنهاية بين ترجمة الرشيد والمأمون:
стр. 8969
قصة رغيف الخبز
أن رجلاً من الصالحين عرض له وزير فاجر -وزير من وزراء بني العباس- فحكم عليه بعذاب مهين، فلما كان الوزير ينام في الليل قبل أن ينفذ هذا الحكم كان ينتفض خائفاً من المنام، فينام وإذا بامرأة تشير أمامه في المنام بقطعة خبز، وإذا بهذا الرجل الذي حكم عليه الوزير جالس هناك، كلما أراد الوزير أن يعمد إليه وإذا بهذه المرأة تمنع الوزير بقرص من الرغيف، وبعد ثلاث ليال ما كان ينام فيها، استدعى الرجل وقال: أسألك بالله! قال: لماذا؟ قال: رأيت رؤيا أريدك أن تخبرني بها؟ قال: قلي، قال: بعدما حكمت عليك وأودعتك السجن وأردت أن أنفذ عليك العقوبة رأيت كأن عجوزاً تحول بيني وبينك برغيف وكأنك جالس هناك، قال: أما وقد سألتني فوالله ما نمت ليلة إلا وقرص خبز عند رأسي كانت تصنعه أمي وتجعله عند رأسي، فإذا أتى الصباح تصدقت به على المساكين، فلما كبرت وحضر أمي الموت، قالت: يا بني! لا تترك الوصية، قلت: ماذا؟ قالت: هذا الرغيف لا تتركه أبداً، اصنع رغيفاً واجعله عند رأسك وأعطه المساكين، فإن الله يمنعك [[فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء]] قال: فوالله ما مرت عليَّ ليلة وأردت أن أنام إلا ووضعت هذا الرغيف عند رأسي وأعطيه المساكين، قال الوزير: والله لا تمسك مني عقوبة أبداً، ثم عفا عنه.
وقد ذكرها ابن كثير لمن أراد أن يعود إليها: [[فصنائع المعروف تقي مصارع السوء]] كما قال أبو بكر وصحت عنه هذه الكلمة.
стр. 8970
التيسير سبب لدخول الجنة
قال ﵊: ﴿ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة﴾ المعسر: الذي لا يجد سداد الدين أو سداد حقوق الناس، والتيسير: من صاحب دين.
فمثلاً: هو أن تؤجله أو أن تنقص من هذا الحق أو أن تسامح فيه، فالرسول ﵊ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: ﴿كان فيمن كان قبلكم رجل أتي به إليه ليحاكمه، فلما عرضه أمامه قال: خذوه إلى النار، فأخذته الملائكة إلى النار، فقال : ردوه، فلما ردوه قال : هل لك من عمل صالح؟ قال: يا رب! والله ما أتذكر شيئاً إلا أنه كان لي تجارة في الدنيا، فكان إذا أتى لي إنسان أو طلب مني حاجة أتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عني، فقال الله: -في غير رواية الصحيحين - فقال الله: ليس أكرم منا هذا اليوم، أدخلوه الجنة﴾ وهذا بسبب أنه يتجاوز عن الناس وقال عز من قائل: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] فبعض الناس إذا كان له دين على الناس، شق عليهم وأخرج لهم النجوم وسط النهار صباح مساء، بعد كل صلاة وهو عند الباب: أعطوني حقي، أخذتم حقي، وهي مائة ريال أو ألف ريال، وهذا من الذين لا يريدون إنظار المعسرين، وهو في غنى وسعة، وقد جهل هذا أجر الله ، وقد فاته أجر الثواب من الله ، وهذا ليس إلا فعل اليهود.
يقولون: اليهود يدينونك ثلاثة أشهر ويأتون ليأخذوا منك بعد شهرين، ولذلك قال ابن جرير في التفسير: " لما قدم الرسول ﷺ -حول قوله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] قال ابن سعية: رأيت علامات الرسول ﷺ -هذا ابن سعية يهودي وقد رأى العلامات في التوراة، رأى العلامات كلها أمام العين في الرسول ﷺ إلا في مسألة واحدة، أنه إذا غضِب يزداد حلماً، فما عرف هذه الخصلة فيه ﷺ ، فأراد هذا اليهودي أن يكتشف خصلة أن الرسول ﷺ إذا غضب يزداد حلماً فماذا فعل؟ ذهب إلى الرسول ﷺ وقال: يا أبا القاسم! - لماذا يقولون: يا أبا القاسم؟ لأنهم لا يعترفون برسالته، إن قال: يا محمد! ليس هذا من الأدب وإن قال: يا رسول الله! شهدوا على أنفسهم، فيقولون: يا أبا القاسم- قال رسول الله ﷺ : نعم.
قال: علمت أنك وفدت المدينة وأنا تاجر من تجار اليهود عندي مال فخذ هذا المال حتى يفتح الله عليك، فأخذ الرسول ﷺ المال، وظن أن هذا صادق وأنه سوف يؤجله حتى يفتح الله عليه، وبعد أربعة أيام أو خمسة إذا باليهودي في مسجد الرسول ﷺ ، فصلى رسول الله ﷺ العصر فقام اليهودي وقال: يا بني عبد المطلب! أعطوني مالي إنكم قوم مطل -يعني: أنكم تماطلون وتلعبون بصاحب الدين، انظر إلى الدهاء- فقال ﷺ : إنك أجلتني حتى يفتح الله علي، قال: لا تماطلني ديني، أعطني حقي يا محمد! إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، قال في الرواية: فقام عمر بن الخطاب -يقول ابن سعية: فرأيت عيناه تتدحرج في رأسه- وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا، فقال ﷺ : اجلس يا عمر! أنت أولى بأن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الطلب، ولذلك كان خلق رسول الله جليل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فجلس عمر فقام ﵊ إلى هذا اليهودي، وأخذ اليهودي يرفع صوته في المسجد والرسول ﷺ ، كلما رفع اليهودي صوته كلما تبسم ﵇ وكلما زاد حلمه، ثم أعطاه فلما أعطاه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله! ما قرأت صفة لك في التوراة إلا وجدتها إلا هذه الخصلة، فوجدت أنها ستثبت هذا اليوم فقد ثبتت.
فأتى إلى اليهود ليخبرهم، قالوا: لا.
أصبح داعية إليهم، فقالوا: ليس بهذا، فقال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩].
والرسول ﵊ عندما قدم المدينة، قال عبد الله بن سلام -أحد اليهود الذين أسلموا، وهو من فقرائهم وعلمائهم وأهل الصدارة فيهم- قال: ﴿فلما رأيت الرسول ﷺ في السوق انجفل الناس إليه، فانجفلت مع من انجفل من الناس -أي: أسرع الناس إليه، وأخذ يدخل بين الناس حتى رأى وجه الرسول ﵊ قال: فلما استثبت منه وإذا بوجهه ليس بوجه كذاب، قال: فدنوت منه، وإذا به يقول للناس -اسمع حتى الكلام كلام رسول، لا يوجد كلام ساقط بل كله كأنه الدر- قال: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا في الليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، قال: فوقع الإسلام في قلبي، فذهبت إلى الرسول ﷺ ووضعت يدي في يده وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله﴾ ما أسلم من اليهود إلا ثلاثة هذا وكعب، وابن سعية قال ﷺ : ﴿لو أسلم عشرة من أحبار اليهود لأسلم اليهود عن بكرة أبيهم﴾ لكن ما أسلم إلا ثلاثة، يقول : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠].
فالشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام ﴿فأسلم عبد الله بن سلام وقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -أي: يبهتون الإنسان ولذلك بهتوا مريم البتول ﵍ فقال: إن اليهود قوم بهت، وإذا سمعوا بإسلامي بهتوني، فاستدعهم يا رسول الله واسألهم عني، فاستدعاهم الرسول ﷺ ووضعهم أمامه، وابن سلام في مشربة -في غرفة- خلف الرسول ﷺ ، وقال الرسول لهم: كيف ابن سلام فيكم؟ -وهم لا يدرون أنه أسلم- قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا وفقيهنا وابن فقيهنا -وألقوا عليه محاضرة في المجلس- فقال رسول الله ﷺ : فإذا أسلم ورزقه الله الإسلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك، قال رسول الله ﷺ : اخرج يـ ابن سلام، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وأحمقنا وابن أحمقنا، فقال ابن سلام: أما قلت لك يا رسول الله؟ قال: نعم.
إنهم قوم بهت﴾ فالتيسير على المعسر هي أن تؤجل له في المدة، أو أن تنقص له من القيمة، أو أن تسامحه، وفي الحديث: ﴿أن أبا قتادة ﵁ وأرضاه -هذا في البخاري - وفد إلى رجل فقال: أعندك سداد لمالك؟ قال: والله ما عندي سداد، قال: أسألك بالله ما عندك من سداد؟ قال: والله ما عندي من سداد، قال: والله لقد عفوت عنك لما لا يوجد عندك من سداد، قال: وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة﴾.
стр. 8971
من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة
ثم قال ﵊: ﴿ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة﴾ وفي سنن ابن ماجة قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : ﴿من ستر عورة مسلم ستر الله عورته يوم القيامة﴾ فما المقصود بالستر في الحديث؟
الستر على نوعين:
أولها: ستر أهل الخير والصلاح وأهل الطاعة الذين تكبو بهم أقدامهم أو تنزل بهم ألسنتهم أو تجد منهم هفوة أو يأتي منهم أمر، فسترهم: أن تقيل عثراتهم ولا تبديها للناس، يقول ﵊ -كما عند أحمد وغيره-: ﴿أقيلوا لذوي الهيئات عثراتهم﴾ وذوي الهيئات: أهل الصلاح والاستقامة وأهل الخير وأهل المعروف الذين تبدر منهم بادرات أو هفوات أو زلات:
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
تريد مهذباً لا عيب فيه وهل عود يفوح بلا دخان
أتريد من الإنسان أن يكون معصوماً؟ فإذا كان الإنسان ظاهره الصلاح ويريد الخير، وحسناته أكثر من سيئاته قال: ابن المبارك ﵀ -كما في كتاب الكفاية عند الخطيب البغدادي -: العدل عندنا -أي: عند أهل السنة والجماعة -: هو الذي زادت حسناته على سيئاته.
وقال سعيد بن المسيب -كما في ذلك-: ليس مسلم يخلو من ذنب، لكن من زاد صلاحه على فساده فهو المقبول الثقة.
فهذا هو الذي يزيد خيره على شره، فإذا كان هذا الخيِّر بدرت منه بادرة فاسكت ولا تخبر واكتم واستر واطلب من الله أن يسترك بهذا، كأن يفعل ذنباً لكن هو صالح، لكنه كتب الله عليه بعض الأفعال من المعاصي والجرائم كتأخير الصلاة يوماً من الأيام بتشاغله بشيء، بدرت منه كلمة ليست بلائقة، أو غضب غضبة فأخرجت منه بعض البذاء أو بعض الفحش، فهذا تستره وتكتم عنه ولا تخبر به، أما أن تجلس إلى الناس وتخبر وتقول: الله المستعان! ظاهرك كأنك تريد أن ترقق له وأنت تريد أن توخزه وتطعنه، ولذلك بعض الناس -كما يقول الغزالي - أذكياء في الغيبة لا يأتون ليجرحوا الناس أمام العين، ولكن يأتون أمام المجلس ويقولون: غفر الله لفلان، ليته ما وقع فيما وقع فيه، نسأل الله أن يغفر له ولنا، وهم يريدون أن يجرحوه ويقطعوا لحمه ويشربوا دمه لا يريدون إلا ذلك ويقول أحدهم: عافانا الله مما ابتلى به فلاناً ويأتي الثالث ويقول: بت البارحة مهموماً ومغموماً، قالوا: ما هو الشيء الذي همك وغمك؟ قال: مما وقع فيه فلان، وهو لا غم ولا هم ولا سهر لكن أراد أن يقطع لحمه في المجلس، فهؤلاء هم الذين يفضحهم الله على رءوس الأشهاد.
стр. 8972
الجزاء من جنس العمل
يقول ابن رجب: أثر عن بعض الصالحين قال: والله الذي لا إله إلا هو! إنه كان عندنا قوم ستروا عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وكانت لهم عيوب، فلما ستروا عيوب الناس ستر الله عيوبهم، وإنه كان عندنا قوم ليس لهم عيوب فكشفوا عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوباً، فالجزاء من جنس العمل.
إذا وجدت الإنسان يُغتاب بكثرة فاعرف أنه هو أيضاً يغتاب، وإذا وجدت أنه يطعن فاعرف أنه طاعن: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ [آل عمران:١٨٥].
فهذا الجزاء من جنس العمل، كمن يستر على المسلمين فيستره الله، يقول ابن مسعود كما في الزهد للإمام أحمد وقد تبعه الناس يمشون وراءه: [[والله لو علمتم ما عندي من الذنوب لحثوتم التراب على رأسي]] هذا هو صحابي وهو صاحب أيادٍ وصدق في الإسلام، فكيف بنا أهل المعاصي والذنوب؟! فالواجب على المسلم أن يستر أهل الخير وأهل الصلاح.
وأما القسم الثاني: فهم المجاهرون بالمعاصي المنتهكون لحرمات الله، المعتدون لحدوده، فهؤلاء لا يستر عليهم وإنما يخبر بهم السلطان والمسئول والقاضي ليكون ردعاً لهم، وحداً للجريمة، وتبكيتاً للمعصية، فإنهم لو تركوا لحملوا الناس على المعاصي.
ولذلك يقول ﵊: ﴿واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها -في حديث الضحاك بن قيس - فلما ذهب إليها أنيس فاعترفت فرجمها﴾ وأخبر الرسول ﷺ بكثير من الناس فأقام عليهم الحد، لأنهم شهروا بأنفسهم أو لأنهم أعلنوا وتقدموا إليه ﷺ ، ولو أنهم استتروا لسترهم الله ولما أقام عليهم ﷺ حداً، يقول ﷺ : ﴿من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله ﴾.
والواجب على المسلم نحو الذنوب والخطايا التي لا يسلم منها أحد: أن يتوب ويستغفر وأن يفعل من الحسنات الماحية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقال : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وقال: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
فالواجب على المسلم أن يستتر بستتر الله ولا يبدي نفسه وإنما يستتر حتى يتوب الله عليه ، إلا من جاهر فهذا يخبر به.
стр. 8973
طريق طلب العلم
بقي في الحديث مسائل ولكن الوقت لا يكفي وهناك مسألة عظيمة من أعظم مسائل الحديث، وهي قوله ﵊: ﴿وإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه﴾ ثم قال: ﴿ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة﴾ أو ﴿من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة﴾ أسأل الله أن يجعل طريقكم هذا وجلوسكم هذا باباً من أبواب الجنة، فإنه قد يكفر بجلسة واحدة الخطايا والذنوب، ولذلك قال عطاء: [[مجلس الذكر يكفِّر سبعين مجلساً من مجالس اللغو]] يعني: مجالس الذنوب.
فهذا المجلس أو الجلسة الواحدة يكفر الله بها الذنوب أو الخطايا ويكفي في ذلك قوله ﷺ : ﴿هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ قال ابن رجب: ﴿ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً﴾ قال: إما يلتمس بالمعنى أو يلتمس بنفسه كأن يذهب إلى حلقات الذكر، إلى محاضرات الخير والدروس العلمية، لأنه ليس العجيب أن نسمع إلى الدروس العلمية أو أن نحفظها، أو أن نسمع حديثاً أو نحفظه، لأنه كان بالإمكان أن يقرأ كثير من الناس رياض الصالحين وهو في البيت أو يقرأ صحيح البخاري وصحيح مسلم وهو جالس على أريكته في البيت، ليس هذا هو سر الإسلام ولا سر العلم عند السلف الصالح، بل السر أن يجتمع السلف في بيت من بيوت الله، فيسمعون حديث الرسول ﷺ ويسمعون (قال الله، وقال الرسول ﷺ ﴿فيباهي الله بهم الملائكة، وتتنزل عليهم الرحمة، وتغشاهم السكينة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده﴾ وإلا فإن الإنسان قد يقرأ أكثر من هذه الأحاديث، لكن وحده قد لا يحصل على مثل هذه الأجور، واجتماع القلوب سبب في إجابة الدعوة، وأغيظ ما يكون لأهل الباطل وأهل البدع مثل هذه المجالس، فهم يموتون منها.
فمن سلك طريقاً يلتمس به علماً يريد به وجه الله جعل الله هذا الطريق سبيله إلى الجنة، وجعله في حفظه ورعايته.
قال أهل العلم: الجلوس في مجلس العلم أفضل من الصلاة النافلة، ومن قراءة القرآن.
فمن جلس في المسجد أو وقف يصلى ويركع ويقوم فمن جلس هنا أفضل منه بلا شك ففي الحديث عن الرسول ﷺ : ﴿أنه ﵊ دخل وإذا بحلقتين في المسجد قوم يسبحون ويستغفرون وقوم يتدارسون حديثه والعلم، فقال: أما هؤلاء فيدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون فإنما بعثت معلماً ثم جلس معهم﴾.
وورد عند الطبراني: [[لئن أتعلم حديثاً واحداً أو باباً من أبواب العلم خير من أن أصلي مائة ركعة]] قال الإمام أحمد: سماع الحديث وقراءة الحديث خير عندنا من الصلاة النافلة، وقال الشافعي: الجلوس في مجالس العلم خير من الصلاة النافلة.
أسأله كما جمعنا في هذا المجلس أن يجمعنا في مستقر رحمته في جنة النعيم عنده على سندس خضر، وأن يجعلنا من الذين يرون وجهه يوم الزيادة إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعل هذه المحاضرات والدروس والكلمات في ميزان الحسنات، وأن يجعلها الله مذكورة عنده.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8974
الذين بدلوا نعمة الله كفراً
نعم الله جل وعلا تغمرنا من كل حدب وصوب، ولكن هناك من يبدل هذه النعمة إلى نقمة بسبب كفره وإعراضه وفسقه، وفي هذا الدرس بعض أخبار من بدلوا نعمة الله كفراً؛ وأخرى عمن قيدوا هذه النعم بشكرهم الله عليها، فإذا أنعم الله على الإنسان بالمال والبنين والأمن والاستقرار، فقد تزول وقد تبقى، وهناك أسباب لبقاء النعم وأسباب لزوالها.
стр. 8975
حقيقة الذين بدلوا نعمة الله كفراً
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم الخير وهادي البشر، ما اتصلت أذن بخبر، وعين بنظر، وما تألق ورق على شجر، وما هطل مطر وانهمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فعنوان هذا الدرس: (الذين بدلوا نعمة الله كفراً).
من هم الذين بدلوا نعمة الله كفراً؟ هو الذي ترك النعمة وراء ظهره، وارتكس على رأسه، واستدبر الصراط المستقيم، واتخذ كتاب الله ظهريا، إنه صنف من الناس يتكرر، يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨].
والخطاب للرسول ﵊، وصح عن ابن عباس أنه قال: [[الذين بدلوا نعمة الله كفراً هم قريش؛ أتاهم محمد ﵊، فكذبوه ولم يطيعوه، فبدلوا نعمة الله كفراً]].
وأقول: بل قال كثير من العلماء: كل من أعرض عن كتاب الله وعن سنة الرسول ﵊ فهو من الذين بدلوا نعمة الله كفراً.
وانظر إلى أسلوب القرآن الجميل الرائع؛ رؤى وأشواق ومرئيات، ألم تر يا محمد إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً، ولم يقل نعم الله؛ لأن نعمة الله لا يؤدى شكرها، فكيف إذا ذكرت النعم، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨] ولم يقل: نعم الله؛ لأن الناس إذا لم يستطيعوا لنعمة واحدة فما بالك إذا كانت نعماً.
وعند أحمد في كتاب الزهد بسند جيد مرفوعاً إلى رب العزة ﵎ أنه قال: ﴿عجباً لك يا بن آدم، خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، خيري إليك نازل، وشرُّك إلي صاعد﴾ وهذا شأن العبد يوم يترك منهج الله ، ويرتكس ويعرض عن الطريق المستقيم الذي أتى به محمد ﵊.
يا مسلمون! يا صادقون! أبواب الجنة أغلقت من يوم بعث محمد ﵊، أغلقت فلا يدخل الداخل إلا من طريقه:
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً إلى محمد ﵊: قال: ﴿قال الله تعالى: يسبني ابن آدم﴾ سبحان الله! للحديث قصة لكن قصتها لم يوردها البخاري أوردها أهل السير:
موسى بن عمران ﵇ كان جريئاً شجاعاً في الأسئلة هو الذي يقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] لم يقلها أحد من الناس، ولكن قالها موسى ﵇.
يقول في
السؤال
يا رب! أسألك مسألة، قال: ما هي يا موسى؟ قال: أن تمنع ألسنة الناس أن يتكلموا في أي: ألا يغتابوني، قال الله : يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وقد خلقتهم وأعافيهم ويقولون: إني اتخذت صاحبة وولداً، وأنا الله لا إله إلا أنا لم أتخذ صاحبة ولا ولداً، ولكن لفظ البخاري ﴿يسبني ابن آدم وما كان له ذلك، ويشتمني ابن آدم وما كان له ذلك، أما سبه إياي، فيسب الدهر وأنا الدهر أقلِّب الليل والنهار كيف أشاء، وأما شتمه إياي فيقول: إني اتخذت صاحبة وولداً، ولم أتخذ صاحبة ولا ولداً﴾ هذا بلفظ.
أيها المسلمون! كثر الكفران بالنعم، ولكن في هذه المحاضرة مسائل منها:
العنصر الأول: آثار.
والعنصر الثاني: نداءات.
والعنصر الثالث: شكر النعم.
والعنصر الرابع: النعمة الحقيقة.
والعنصر الخامس: كفران النعم.
стр. 8976
آثار الكفر بأنعم الله
أما الآثار: فقد ورد بعضها عن عمر ﵁ وأرضاه وسند الحديث إليه حسن أنه دخل على إبل الصدقة، فقال له أحد الناس: يا أمير المؤمنين! صدق الله، يوم يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] وقال عمر: أتظن أن الرحمة هي الإبل، لا والله، أتدري ما رحمة الله؟ قال: لا.
قال: هي العمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله.
ترك المعصية بنور من الله: أي تخاف عذاب الله، الرحمة والنعمة ليست السيارات والقصور، لأننا رأينا الناس يوم أعرضوا عن الله تحولوا إلى عصاة.
سل الشواطئ:
أرى شطآنكم أضحت خراباً وعرضاً للمفاسد والمعاصي
سل الشطآن ماذا يفعل فيها، وإنه ليؤسفني ويؤسف كل مسلم، أن تكون هذه الشطآن في الجزيرة في بلاد مهبط الوحي، أرض المقدسات وبلاد الرسالات الخالدة، لتختلط المرأة بالرجل، ولتتعرى المرأة في الماء، ولتبدي مفاتنها، ولتضيع أو تؤخر الصلوات، ولترتفع النغمة البائسة الحقيرة من الأغاني، ولتنتشر الفاحشة في جيل صحا وعاد إلى الله، أليس هذا من كفران النعم، بلى.
стр. 8977
الكفر بالنعم يزيلها
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
ونعود إلى ابن عباس ﵄، قال: القرية الآمنة المطمئنة هي مكة، (كانت آمنة مطمئنة) يسوق الله لها أرزاقها من أنحاء الدنيا، فكفرت برسالة محمد ﵊، فجعلهم الله شذر مذر، ونقول: يا أبا العباس نقبل رأسك، ويدخل في ذلك كل قرية أعرضت عن منهج الله، أبها أو جدة أو الطائف، أو باريس، أو واشنطن.
كل قرية لم تعرف نعمة الله ولم تقدر لا إله إلا الله، ولم تنضو تحت مظلة (الله أكبر) فهي قرية أعلنت فسقها وعصيانها.
ويقول : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] قال أهل التفسير: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] كثرنا مترفيها، يضرب العود، وتشتغل الشاشة، ويدار كأس الخمر، وتتبرج الفتاة بلا حجاب، وتضيِّع قرآنها وحجابها، ودينها وعفافها، وزوجها وبيتها، وتجوب الأسواق مع الخياطين والباعة، وتصل إلى الشاطئ، نظر العربي الأول إلى امرأته فرآها تنظر إلى رجل، فقال: عجيب! أتنظرين إلى رجل؟ والله لا تحلين لي امرأة ونظم قصيدة رائعة، يقول:
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه
فكيف لو رأى هذا العربي الشواطئ؟ كيف لو رأى الساحل السافل؟ كيف لو رأى الأسواق؟ كيف لو رأى الفتات التي تخرج بثياب يستحي الرجل والله من لبسها، فمن الرجال من يستحي أن يلبس لباس بعض النساء، تذهب ولكنها خلَّفت إيمانها، تذهب ولكنها خلَّفت حجابها، والشاهد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦] يدمرها ربها ويفنيها، ويقسي قلوب أصحابها: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] ويقول سبحانه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الطلاق:٨] هنا كأين عند النحاة للتكثير النسبي ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ [الطلاق:٨].
стр. 8978
لبنان كفرت بأنعم الله
لبنان عاشت الظلال والبساتين، لبنان عاشت الندى والطل، لبنان عاشت الثلج والزهر، عاشت الفجر والنسيم، لكنها أعرضت عن منهج الله، ما كان يؤذن في مساجدها، ما كان هناك طلبة علم يقولون: هذا منكر وهذه فاحشة، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
فغضب الله، وإذا غضب الله فإن غضبه أليم شديد، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢] عجيب أمر القرى! القرى الظالمة إذا أخذها الله فإن أخذه أليم شديد، فأخذهم الله؛ حرب وسلب، وتقتيل وخوف ومجاعة؛ حتى سمع العالم بمآسي لبنان ودموعها وجراحتها.
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب
стр. 8979
سبأ كفروا بأنعم الله
وينتقل بنا القرآن مباشرة إلى اليمن، لنعيش قصة هائلة محزنة هناك، وقعت لأمة أعرضت عن منهج الله قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ.
فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧].
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير نقصان
وكل وجدان قوم لا ثبات له فإنما هو في التحقيق خسران
أعرض عن منهج الله، قال ابن كثير وغيره من المفسرين: آتى الله كل رجل من سبأ بجانب بيته بستانين وجنتين، عن يمين وعن شمال، يخرج من بيته وبستان عن يمينه وبستان عن شماله، شجر متدلٍ ونعيم خالد، ظل وارف، وماء بارد، وطيور ترفرف، وحياة رغيدة، ولكن القلوب أعرضت عن منهج الله، مثلما يفعل الآن: بيوت وقصور وفلل وسيارات ورغد ومطاعم ومشارب، ولكن هناك من يفسد ويريد ألا ينكر عليه، ومن يفجر ويريد أن يسكت عنه، ومن يتخلع عن الدين، ويقيم المنكر ويستهزئ بالرسالة، ومن يعارض المسجد، ويقاطع لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال تعالى على لسان نوح ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٥ - ٧].
أيها الإخوة الذين جلسوا على الخشب والحديد: انتبهوا لا يسقط بكم كما يسقط بعض الناس برسالته ومبادئه وبإيمانه، وسقوطكم أهون؛ لأن مؤداه ينحصر بالموت، وسقوط بعض الناس إلى جهنم، يقول ابن القيم: "مرض الجسم سهل بسيط، وكسر الجسم يُجبر، لكن كسر الدين لا يجبر أبداً، وسقوط الاستقامة إنما يؤدي بصاحبه إلى نار جهنم".
فأعرضت قرية سبأ يقول ابن كثير: كانت المرأة تذهب بسلة على رأسها فتمتلئ السلة من الثمار التي تتساقط على السَّلة، ولكنهم ما قدروا هذه النعم، بل أعرضوا تماماً وفحشوا بأسلوبهم مع الله، بعض الناس يحارب الله جهراً؛ يقاطع المسجد، فلا يعرف الصلاة، ليله ونهاره غناء وتطبل
متى يهديك قلبك وهو غافٍ إذا الحسنات قد أضحت خطايا
ونحن نقول: ليت السيئة تنحصر فيهم وتتركنا، لكنَّ الشر يعم والخير يخص.
نعم إذا لم ننه وننكر، ولم ندع وننزجر؛ فإن معنى ذلك أننا سوف نُجتاح كلنا ونعوذ بالله من غضب الله.
قرية سبأ أغضبوا الله، فما حاربهم الله بجيش أو أنزل عليهم ملائكة؛ لأنهم أصغر وأذل، قال بعض العلماء: يا ضعيف العزم! يا فقير الإرادة! أتحارب الله؟ الله لما حاربه نمرود بن كنعان، أرسل له بعوضه فقتلته، يقول : ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤] ويقول سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٢٢] ويقول سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] أرسل الله عليهم فأرة، يقول سحبان بن وائل ليمني عند معاوية: " أيها اليمني! أخبر بكم هدهد، ونقض سدكم فأر، وتكلمت عليكم وزغة فلا تفخر، الهدهد نم عليهم عند سليمان، والفأر نقَّض عليهم جسرهم وسدهم، ولا نستنقص منهم، لأن معالم الإقبال في اليمن ﴿فالإيمان يمان والحكمة يمانية﴾ ولكن ذاك الجد البائس الذي ما عرف الله، جدنا جميعاً.
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندم
غضب الله عليهم؛ فأرسل عليهم فأرة فنحت السد، فهوى السد، فاجتاحهم الماء، فصاروا شذر مذر، بكى الأطفال والشيوخ وولولت، النساء، ولكن ولات ساعة مندم! كذلك من يخرج عن شريعة الله ومن يتذمر عن رسالة الله ويغضب الله.
стр. 8980
قيدوا النعم بالشكر
إخوتي في الله: نعم الله لا تقيد إلا بالشكر يقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
البرامكة أسرة عاشت في عصر العباسيين وزراء، وكانوا يُطْلون قصورهم بماء الذهب، لكن هل أرضوا الله؟ ما عدلوا ولا خافوا الله، وكان كأس الخمر والفتيات والغانيات في قصورهم، وتر ونغم في قصورهم، فحذرهم أحد العلماء وقال لهم: انتبهوا إن النعم لا تقيد إلا بالشكر.
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله فإن الإله سريع النقم
قال: قيدوها بالشكر، لكن لم يفعلوا، وفي لحظة من اللحظات أغضب الله عليهم أقرب الناس إليهم هارون الرشيد فاجتاحهم بالسيف، قتل شبابهم ضحى، وأخذ شيوخهم وقادهم وهم يتباكون إلى السجن، حبسهم حبساً عظيماً، وقد بكى خالد بن يحيى البرمكي في السجن سبع سنوات، وطالت أظفاره؛ وما وجد ما يقلم أظفاره بعد النعيم، وطال شاربه وما وجد مقصاً، وعميت عيناه، قال له أحد الناس وقد زاره في السجن: ما هذا البلاء يا خالد؟ قال: دعوة مظلوم سرت بليل، غفلنا عنها وما غفل الله عنها!
قيل لـ علي بن أبي طالب: ما بين التراب والعرش؟ قال: [[دعوة مستجابة]].
وقال : ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥] قيل لأحد علماء السلف: ما هو الشكر؟ قال: شكر العين البكاء من خشية الله -لأن بعض الناس إذا سمع الموسيقى بكى؛ لكنه لا يبكى عند تلاوة القرآن وسماع الذكر! كان أبو بكر وعمر تبتل لحاهما بالدموع إذا سمعوا آيات الله تتلى- قال: شكر العين البكاء، وشكر القلب الحياء من الواحد الأحد؛ إذا استحى القلب من الله فقد سَعُد في الدنيا والآخرة، والحياء لا يأتي إلا بخير، يقول الشافعي: " والله الذي لا إله إلا هو لو علمت أن شرب الماء ينقص من مروءتي وحيائي ما شربته أمام الناس " قلنا: يا شافعي لله درك! والله لقد وجد من الجيل من تفسخ عن شريعة الله بلا حياء، وأدبر عن المسجد بلا حياء، وكفر بالله بلا حياء، وسبَّ الرسول بلا حياء، وهجر القرآن بلا حياء.
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
الحياء جلباب وضعه الله على وجه العبد، يستحي العبد من الله إذا هم بمعصية فعينه تقول: انظر، والحياء يقول: لا تنظر، أذنه تقول: اسمع، والحياء يقول: لا تسمع، رجله تقول: امش، والحياء يقول له: لا تمش في معصية الله، قال الشافعي في نظم:
لسانك لا تذكر بها عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعين
стр. 8981
النعمة قسمان
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] قال بعض العلماء: النعمة قسمان: نَعمة -بالفتح- سميت في سورة الدخان، ونِعمة بالكسر.
فالنِّعمة يدخل فيها ما قربك إلى الواحد الأحد، والنعمة بالفتح هي نعمة يشترك فيها الناس، وتشترك فيها البهيمة، الثور والحمار والخواجة الأحمق، والبلشفي الأشقر، والوثني، كل هؤلاء يدخل في هذه النعمة، وقال الله عن النعمة: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣].
والله جعل لهؤلاء أكلاً وشرباً، ولذلك قال : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] كالأنعام في أكلهم وشربهم، وفي خروجهم ودخولهم، ولذلك لما وصفهم الله في موضع آخر أخبر أنه أعطاهم الجوارح والأعضاء، ولكن ما استغلوها، عين وأذن ويد ورجل قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
فليس أعمى من عميت عيناه، بل من عمي قلبه قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] أفمن يعلم أن المسجد خير من المقهى، وأن المصحف خير من المجلة الخليعة، وأن التلاوة خير من الأغنية الماجنة، وأن صحبة الأخيار خير من الأشرار، كمن ارتكس على رأسه وأعرض عن طاعة الله وأصبح شيطاناً، يقول أحد شياطين الإنس الذين يدمرون الأجيال:
وكنت امرءاً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي
يقول: كنت في فترة من الفترات أطيع إبليس في الحاشية فقربني إبليس، ثم زاد بي الحال فتَرقيتُ حتى أصبحت أسيِّرهُ، لذلك يسمى هذا المارد الإنسي، والمارد الإنسي هو الذي يتعدى ضرره إلى الناس، بعض الناس فاسد في نفسه، لكن بعضهم يفسد مجتمعه وإخوانه، ملطخ في السر والعلانية، أينما ذهب أفسد، بينما يقول الله سبحانه عن أحد الصالحين من الأنبياء والمرسلين: ﴿مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] قالوا: كلما حل في بلدة كان مباركاً، قال المتنبي:
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماء
الكريم عبد الله إذا حل في مجلس تحول المجلس إلى روضة من رياض الجنة، إذا سافر معك أسعدك، وإذا صحبك آنسك، وإذا فارقك دعا لك، وإذا فارقته بكيت عليه، , وأما الفاسد فشؤم عليك؛ يحل معك فتحل معه الشياطين، وتحل معه المعصية والغضب من الله، قال جعفر الصادق لابنه: لا تصاحب ثلاثة قد غضب الله عليهم: لا تصاحب من عصى الله، فقد قطع حبل ما بينه وبين الله، ولا تصاحب عاق الوالدين فهو ملعون، ولا تصاحب كذاباً، فإنه يقرب لك البعيد ويبعد منك القريب.
стр. 8982
النعمة بالفتح
من نِعم الله نِعم يشترك فيها الناس جميعاً، ولذلك يقول ابن تيمية في الفتاوى: لابد للإنسان من ميلادين اثنين:
ميلاد يوم أتت به أمه، وهذا يشترك فيه كل الناس والبهائم والعجماوات، والطيور والزواحف والأناسي فالكل يولدون هذا الميلاد تماماً.
الميلاد الثاني: يوم تدخل في الإسلام وتخلع جلباب المعصية وتأتي إلى الله مستقيماً سالكاً سبيل الهدى يقول ابن كثير في البداية:
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
ذكرت أن الميلاد الأول يشترك فيه الناس، لكن ميلاد الشكر الثاني هو يوم أن تكون عبداً للواحد الأحد، قيل لأحد الصالحين: كم عمرك؟ قال: عشر سنوات، قال: وأنت في الستين، قال: أما خمسون سنة فضاعت من عمري، فكانت في معصية، والعمى عمى القلب، ولو أن الله سمى العمى في سورة عبس: عمى العينين ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] وهذا في مقام العتاب، إن ابن أم مكتوم ليس بأعمى في الحقيقة، قال الله له: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣] قال أحد العلماء: " وما يدريك يا محمد ﵊ أن هذا الأعمى سوف يكون منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء " وبالفعل كان منارة تستقبل نور السماء، ووقف هذا الأعمى بنفسه في معركة القادسية يقاتل والمسلمون يقولون: عذرك الله، أنت معذور، قال: لا والله، لقد سمعت أن الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] فلبث مع المسلمين وأعطوه الراية وهو أعمى لا يبصر، فقتل ودفن مكانه، يقول ابن عباس: وقد عميت عيناه ولكن ما عمي قلبه، ولا عمي دليله ولا انطمست مواعظ الله من قلبه، وقد استهزأ به بعض الناس، مستهزئ يقول: " لا بأس عليك يا ابن عباس، أحسن الله عزاءك في عينيك " قال ابن عباس:
إن أذهب الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور
إسلام وإيمان، ورسالة خالدة، واتصال بالله، ينام المؤمن على الرصيف والسعادة بيده، وينام الفاجر في القصور المذهبة المفضفضة واللعنة تطارده.
سبحانك! تعطي من تشاء وتمنع من تشاء، أما عطية الإيمان فتعطيها من تحب، ولذلك في الحديث الصحيح ﴿إن الدنيا يعطيها الله من يحب ومن لا يحب وأما الدين فلا يعطيه الله إلا من يحب﴾ وفي الصحيحين: ﴿من يرد الله به خيراً، يفقهه في الدين﴾
ارتفعت راية لا إله إلا الله من على الصفا، قال: فأذن مؤذن الفتح للقلوب على الصفا، فأتى التوفيق يطفح، فقال أبو جهل: كفرت بلا إله إلا الله، وقال أبو لهب: أعرضت عن لا إله إلا الله، وقال سلمان الفارسي في أرض فارس: لبيك اللهم لبيك، وأتى بلال من أرض الحبشة يقول الله أكبر؛ فأقم الصلاة يا بلال! أرحنا بها يا بلال! أرحنا بها يا بلال.
وأتى صهيب فباع نفسه من الله، واشترى نفسه من الواحد الأحد، فقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] وأتى خباب بن الأرت وهو يصلح السيوف ويصقلها وهو مولى فأعاده الله ليصقل القلوب، حكمة بالغة.
أبو جهل بأُسرته تدكدك في النار، وبلال أنقذ نفسه فقصره كالربابة في الجنة.
وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حق مصلياً
توضأ بماء الحق إن كنت مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا
دخل ابن أبي حازم على الخليفة سليمان بن عبد الملك، هو الخليفة الذي تولى بعد الوليد مباشرة، وكانت من حسناته أن ولى عمر بن عبد العزيز، فقال لـ قيس بن أبي حازم، وهو أحد التابعين الزهاد: [[يا قيس، ما لنا نكره الآخرة، ونحب الدنيا؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فتكرهون الانتقال من العمار إلى الخراب]] نعم بعضهم عمر دنياه لكن خرب آخرته، فأخفق إخفاقاً تاماً.
بعض الناس لا يملك شيئاً من الدنيا، لكن يملك إيماناً وصدقاً مع الله، هشام بن عبد الملك دخل الحرم ورأى سالم بن عبد الله بن عمر أحد الفقهاء السبعة يحمل حذاءه بيديه، قيل كانت عمامته وثوبه بثلاثة عشر درهماً، فرآه الخليفة هشام ومعه الأمراء والوزراء والحاشية، فقال: يا سالم ألك إليَّ حاجة؟ قال سالم: أما تستحي أن تقول لي هذا في بيت الله؟ فانتظره هشام حتى خرج من الحرم ثم قال له: سألتك يا سالم! داخل الحرم فقلت نحن في الحرم، فقد خرجنا، هل لك إلي حاجة؟ قال: من حوائج الدنيا أو من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما سألت الدنيا من الذي يملكها فكيف أسألها منك؟! أنت فقير مسكين يظن أن الإنسان إذا ملك ملايين أو قصوراً أو دوراً أو بساتين أنه ملك الدنيا.
أنا دائماً أكرر المناظرة الحارة الساخنة؛ السكين المشحوذة بين ابن تيمية وبين ابن قطلوبك وقيل قطلوبغا، هذا سلجوقي يقرأ الفاتحة لكن ما يعرف كوعه من بوعه! دخل عليه ابن تيمية يريد أن يقوده إلى الله، ويلقنه درس في لا إله إلا الله لا ينساه، سلطان فيه خير؛ لكن يريده ابن تيمية أن يصحو من بعض الأمور، فدخل عليه، فقال السلطان: وددنا أن نزورك في بيتك؛ فإنه من حقك، قال: دعنا من كدوراتك يا ابن قطلوبك موسى كان يزور فرعون في اليوم مراراًُ، قال هذا السلطان: يزعم الناس أنك تريد ملكنا يا ابن تيمية! فضحك ابن تيمية، قال: ملكك؟! قال: نعم، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما ملكك ولا ملك آبائك ولا أجدادك يساوي عندي فلساً واحداً، إني أريد جنة عرضها السموات والأرض.
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً
فإني أعظمكم ثروةً وإن خلتموني وحيداً سليباً
الآن وجد من اهتدى وطعم الهداية، قلت وقال غيري من طلبة العلم والدعاة محاضرة بعنوان (رسالة إلى المغنيين والمغنيات) وقرئت نشرات في الجزيرة وعكاظ اعترافات سبعة أو ثمانية من أبنائنا الذين عاشوا الفن: وهو الغواية، والوتر: وهو الضياع، والكمنجة: وهي طريق إلى النار، والموسيقى: وهي سقر، فعادوا فطعموا الإيمان وسجدوا للواحد الديان فقالوا: نستغفر الله، ولا نريد أطفالنا أن ينشئوا على ذلك، وذلك أنهم ذاقوا الهداية، أحدهم اعترف بعد الهداية، وهو يحيى أبو الكرم وأبكى الناس حتى ارتج المسجد وأنتم سمعتم بهذا، قام يقرأ علينا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وكان يغني في المحافل الدولية، وجمهوره يا ليل يا عين، رايحين من أين، رايحين من فين، ولا نحن عارفين عاوزين إيه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠]
كأنه -ولله المثل الأعلى- إيقاف أمام الإنسان، أين عيناك، وأين لسانك، وأين شفتاك؟ هذا الوليد بن المغيرة في النار لم ينفعه ذهبه، كان يكسر ذهبه بالفئوس كان يكسو الكعبة مرة وقريش مرة، كان يمشي في الديباج وعنده عشرة أبناء، في اليمين خمسة وفي اليسار خمسة، لكن لما أتت لا إله إلا الله كفر بلا إله إلا الله، قال عنه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر:١١] ذرني وهذا الحقير، يمتن على الله بقصوره، يتمن على الله بدوره ويتكبر على الله بذهبه وفضته: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * جَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً﴾ [المدثر:١١ - ١٦].
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان
نشرت بعض الصحف مقابله لأحد التجار على مستوى العالم فاكتشف أن مرضه من سوء التغذية، وعنده التصاق في الأمعاء، ما وجد أكلاً ولا طعاماً، عنده شيكات واتصالات بالهاتف إلى آخر الليل ولكن نسي نفسه، يأكل بعض الخبز على الشاهي الحار الساخن الذي يقطع الأكباد، لا يعرف المفطح ولا الدجاج المقلي ولا السلطة، ولا الأكل والشرب، فأصيب بسوء التغذية فتدكدك، فقال بعض الزهاد في مجلس: " يا ليته يوم أخفق في الدين نجح للدنيا أي: ليته قيم غذاءه، ليته نجح لنفسه، يا حسرة على هذه الدنيا إذا لم تكن في طاعة الواحد الأحد.
تزود للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد
خرج الصحابة إلى الدنيا بثياب ممزقة، ودخلوا قصور كسرى وقيصر والذهب يلوح، فلما رأى سعد الذهب في قصر كسرى، قال: الله أكبر! قيل في بعض الروايات أن القصر انصدع، فقال سعد وعيونه تدمع من هذا النعيم الذي كفر أهله وأعرضوا عنه قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] نعيم، لكن ما شكر الله فيه، قال سعد وهو يبكي: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
ذكر الذهبي: أنه لما فتح قتيبة بن مسلم المشرق، أتى إليه بغنيمة كرأس الثور ذهب خالص، وقيل: در وقيل: جوهر، إنما هو ذهب أو در أو جوهر، فقال للقادة حوله: أترون أن مسلماً يدفع له هذا الذهب فيقول: لا أريده، قالوا: لا.
ما نرى في الجيش أحداً يزهد في هذا الذهب أبداً، وكان قتيبة بن مسلم عبداً صادقاً حنيفاً ولم يكن من المشركين شاكراً لأنعمه، قال: والله لأرينكم أناساً من أمة محمد ﵊، الذهب عندهم مثل التراب، ثم أرسل لـ محمد بن واسع الأزدي العالم العابد الذي كان معه في الجيش، وكان يرى محمد بن واسع يدعو بإصبعه وهو يقول: يا حي يا قيوم انصرنا، فيقول قتيبة: والله الذي لا إله إلا هو، لأصبع محمد بن واسع، خير عندي من مائة ألف سيف شهير، ومن مائة ألف شاب طرير، أرسل بالذهب إلى محمد بن واسع، فلما وصلوا بهذا الذهب الكتلة، أخذها محمد بن واسع، فعادوا إلى قتيبة، فقالوا: أخذها محمد بن واسع، فقال: الله المستعان! اللهم لا تخيب ظني فيه، فمر فقير بـ محمد بن واسع، يقول: من مال الله، من مال الله، فأعطاه الذهب كله، قال قتيبة: هكذا فلتكن الدنيا.
ولما عبدنا الدنيا ضاع منا الدين، واستحوذ علينا أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨].
стр. 8983
(نِعمَة) بالكسر
النِعمة بالكسر: هي ما أعانك على طاعة الواحد الأحد، وهي ما ساعدك في طريقك إلى الجنة، ولذلك جعل ﷺ المال مشترك، وتألف به القلوب، لكن الإيمان جعله لناس من البشر لا يشاركهم فيه أحد، فتح ﷺ حنين، والحديث صحيح -فلما أتت الغنائم لم يعط الأنصار، وهم أهل بدر وأحد، الأنصار سيوف تقطر من دماء أعداء الله، الأنصار الذين قتل منهم في المعارك (٨٠%) الأنصار أهل الشهداء والقرَّاء، تركهم ﵊، وأعطى الغنائم صناديد العرب ممن بعضهم أسلم البارحة وبعضهم قبل البارحة، فالأنصار وجدوا في أنفسهم شأنهم في ذلك شأن البشر، وقالوا: غفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي الناس ويتركنا ونحن نصرناه وآويناه وحميناه، ما قالوا إلا هذا!
ومضت المقالة وارتفعت إلى محمد ﵊، فدعا سعد بن عبادة، سيد الأنصار وقال: ﴿ما قالة بلغتني عنكم؟ قال: هو كما قيل: قال وأنت؟ قال: ما أنا إلا من قومي، أقول مثلما يقول قومي﴾ كقول الشاعر:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
قال ﵊: اجمع لي قومك، فجمعهم في حظيرة، فأطل محمد ﵊ كالبدر ليلة أربعة عشر، وقال: ﴿يا معشر الأنصار! ما قالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو كما سمعت يا رسول الله! قال: يا معشر الأنصار أما أتيتكم متفرقين فجمع الله شملكم بي؟ قالوا: المنة لله ولرسوله، قال: ألم آتكم فقراء فأغناكم الله بي؟ قالوا: المنة لله ورسوله، فرفع صوته، وقال: يا معشر الأنصار، والذي نفسي بيده لو شئتم لقلتم؛ فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وفقيراً فواسيناك، وشريداً فنصرناك، قالوا: المنة لله ولرسوله، فرفع صوته وقال: يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ فوالله لما تذهبون به خير مما يذهب به الناس، غفر الله للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، الناس دثار، والأنصار شعار، ولو سلك الناس شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار، ووادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، فأجابته دموع الأنصار حتى اختضبت لحاهم﴾ ولماذا؟ لأنه ﵊ يقول: إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، وفي البخاري يقول ﵊: ﴿يا أيها الناس، إني أعطي بعض الناس، لما جعل الله في قلوبهم من الجشع والهلع، وأدع بعض الناس لما جعل الله في قلوبهم من الخير والإيمان؛ منهم عمرو بن تغلب﴾ قال: عمرو بن تغلب: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها.
стр. 8984
نداءات
يا مسلماً! أجزاء نعمة الله من الشباب وصحة الأعضاء، وسلامة البدن والأمن في الوطن، أن تنهار أمام مغريات الدنيا؟ أجزاء هذه النعمة، أن تنقض العهد بينك وبين الله؟ أجزاء هذه النعمة، أن تقطع هذه الصلة مع الله؟
يا فتاة مسلمة يا امرأة مسلمة! حفظها الله ورعاها، وحلاها وحماها، ثم تخرج على منهج الله، تخرج ولكن سافرة، تخرج غير محتشمة إلا من رحم ربك، فتنه العالم اليوم النساء، والرسول ﵊ يقول: ﴿ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء﴾.
النساء فتنة لكل مفتون، وسبب لإعراض كثير من الشباب عن الدين، امرأة تخرج من بيت زوجها متجملة متطيبة متعطرة بلا إذن، تمر على الخياط البوذي السيخي، الهندوكي الملحد، أين إيمانها؟!!
ونساء المسلمين أصبحن في معرض الأزياء على الموضات الجديدة، كان المرأة في عهده ﵊ محجبة تتلو القرآن وتدارسه وتتفقه في الدين، وطائعة لزوجها، تحب الله ورسوله
إليك نشكو حالنا يا رب! وإنا لا نزال نكرر للمرأة أن تعود، وأن تعرف أن في السنن: ﴿إذا خرجت المرأة متعطرة متجملة من بيت زوجها بدون إذنه فهي زانية﴾ ونقول لها أيضاً: إن التوبة بابها مفتوح، وإن الله لا يزال ينادي، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
стр. 8985
الصحابة ينفقون في سبيل الله
أيها الإخوة: النعم كثيرة وهي على أقسام: منها نعم ظاهرة؛ كنعمة المال، إن صرفته في مرضاة الله؛ أسعدك الله في الدنيا والآخرة، عبد الرحمن بن عوف دخل الجنة بماله، ولذلك لا يأتينا شاب يتزهد تزهد الهندوكية ويقول: الدين أن تبقى في المسجد ولا تطلب المال، ومن نام في الرصيف أفضل عند الله ممن نام في القصر! سئل ابن تيمية: أيهما أفضل الفقير الصابر أم الغني الشاكر؟ قال سماحته: بل أفضلهما أتقاهما لله، وقد ألفوا فيهما مجلدات، فأتى هو في نصف سطر، فحسم النزاع، الشافعية يقولون في بعض رسائلهم: الفقير الصابر، والأحناف يقولون: الغني الشاكر.
قال ابن تيمية: أتقاهما لله، ما عندنا الغني مذموم ولا الفقير مذموم، المذموم عدو الله غنياً كان أو فقيراً، إذا تعدَّى حرمات الله وانتهك، فهذا هو عدو الله، وإلا فـ عثمان غني، ولكن ماذا فعل بغناه؟!
قام ﵊ على المنبر، وقال: ﴿من يجهز جيش العسرة وله الجنة﴾ هذا ضمان من محمد ﵊،
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أديت في هول الردئ أبطالها
لست الذي ينهى ويأتي نهيه لا من يكذب فعلها أقوالها
فقام عثمان وسط الناس، وقال: أنا أجهزه يا رسول الله! بماله وأحلاسه وأقتابه، فدمعت عيناه ﵊، وقال: ﴿غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾.
ابن عوف جاءته قافلة كاملة تريد المدينة -وكان تاجراً- سبعمائة جمل محملة بالحبوب والأكسية، فدخلت المدينة، فأعلن في التجار فاجتمعوا ليشتروها، قال ابن عوف: [[كم تدفعون؟ قالوا: ندفع في الدرهم ربح درهم، قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك في الدرهم درهمين، قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك في الدرهم ثلاثة، قال: وجدت من زادني، قالوا: نحن تجار المدينة، وما زادك أحد، قال: وجدت من أعطاني في الدرهم عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
أشهد الله ثم ملائكته وحملة عرشه ثم أشهدكم أنها في فقراء المدينة، فقام الفقراء على ما عليها فتقاسموها، وتولى الصحابة يبكون ويقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة، أليس هذا يدخل الجنة؟! أليس هذا طريق إلى الإحسان والعظمة؟! أليس هذا فوز بالدنيا والآخرة؟! بلى.
وهذا هو الكنز الثمين، والمنصب قد يكون نصرة للإسلام، وقد يكون ضد الإسلام، وقد يكون عقبة كئوداً في طريق الدعوة والدعاة.
عمر بن عبد العزيز تولى الخلافة فكان راشداً، قاد الأمة إلى بر النجاة، وأبو مسلم الخراساني تولى الإمارة، فقتل من المسلمين ألف ألف، أي: مليون، والحجاج قتل مائة ألف.
وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا
قال تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢].
стр. 8986
ثلاثة من بني إسرائيل يكفرون النعمة
وفي الصحيحين عنه ﵊: ﴿أن ثلاثة من بني إسرائيل﴾ انظر إلى الشؤم واللؤم وانظر إلى حفظ النعم، وشكر الواحد الأحد، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] ثلاثة من بني إسرائيل أقرع وأبرص وأعمى، أراد الله أن يبتليهم، فأرسل إليهم ملكاً، فذهب إلى الأقرع، فقال: ماذا تريد؟ قال: أريد شعراً على رأسي يجمله، فقد قذرني الناس، فسأل الله أن يعطيه شعراً، فجمل الله رأسه بالشعر في لحظة، -إنما أمره إذا أراد شيئاً، أن يقول له: كن فيكون- قال: ماذا تريد من العطايا؟ قال: أريد الإبل، فدعا الله له فأعطاه الله ناقة فولدت حتى ملأت الواديان، وذهب إلى الأبرص، قال: ماذا تتمنى؟ قال: أريد من الله أن يجمِّل جلدي ويذهب هذا العوار في جسدي لأكون جميلاً، فسأل الله فرد الله عليه جلده الجميل في لحظة، قال: ماذا تريد من المال؟ قال: أريد البقر، قال: فسأل الله أن يعطيه بقرة، فولدت حتى ملأت الوديان، وذهب إلى الأعمى، قال: ماذا تريد؟ قال: أمنيتي أن يرد الله علي بصري لأرى، قال: اللهم رد عليه بصره، فعاد البصر:
ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال
ويقول آخر:
سهرت أعين ونامت عيون في شئون تكون أولا تكون
إن ربا كفاك ما كان بالأمس سيكفيك في غدٍ ما يكون
فرد عليه البصر في لحظة، قال: ماذا تريد؟ قال: الغنم، قال: اللهم ارزقه الغنم، فأعطاه الله شاة فولدت فملأت الوديان، ثم عاد المَلَك فحول الله صورته إلى صورة فقير -ولله الحكمة البالغة- فأتى هذا المَلَك صاحب المقامات الأُوَل، في صورة فقير عليه ثياب بالية.
فذهب إلى الأبرص أو الأقرع وقال: أنا فقير منقطع، انقطعت بي السبل والحبال، فلا مغني إلا الله، أعطني مما عندك، قال هذا الأقرع: الحقوق كثيرة، والمال ورثته كابراً عن كابر، ولا عندي لك شيء، قال: كأنك كنت أقرع قبل؟ قال: لا.
المال ورثته كابراً عن كابر، -يعني ورثته بجدارة- قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت عليه، فسلب الله نعمه، فعاد إلى حالته الأولى.
وذهب إلى الأبرص، وقال: أنا فقير منقطع فأعطني مما أعطاك الله -أو كما قال- قال: ما عندي شيء، والحقوق كثيرة، قال: كأنك كنت من قبل أبرص فقيراً؟ قال: لا.
ورثت المال كابراً عن كابر، قال: إن كنت كاذباً، فصيرك الله إلى ما كنت عليه، فرده الله القهقرى وعاد إلى حاله، ثم سار إلى الأعمى -وكان الأعمى عاقلاً، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، رأى نعم الواحد الأحد فشكرها:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً فأين يطاق الشكر أم كيف يشكر
إذا كان شكرك نعمة على النعمة، فكيف تشكر نعمة الواحد الأحد.
قال الغزالي في الإحياء: " أتى رجل من الفقراء لينام، فقال: يا رب، أفقرتني وأعطيت فلاناً، سلبتني وأعطيت فلاناً، هذا الفقير مؤمن ولكن ينظر إلى الأموال والذهب، والفضة والدنيا ولم ينظر إلى نعمة الله، فنام تلك الليلة فأتى رجل صالح في المنام فقال له: يا فلان، أتبيعني بصرك بمائة ألف دينار؟ قال: لا.
قال: أتبيعني سمعك بمائة ألف دينار؟ قال: لا، قال: يدك بمائة ألف دينار؟ قال: لا.
قال: رجلك بمائة ألف دينار؟ قال: لا فأخذ يعدد له عضواً عضواً، قال: سبحان الله! لله عندك مئات من الألوف من الدنانير وما شكرته وأنت تمنن عليه أن سلبك بعض المال الذي قد يغويك؟ أو كما قال، فهب من المنام يبكي ويقول: لك الحمد يا رب.
لك الحمد والشكر الذي أنت أهله فخيرك مغمور وفضلك منزل
﴿﴿فقال للأعمى: أنا رجل فقير منقطع وليس لي بلاغ إلا الله! ثم ما تعطيني، قال هذا الأعمى الذي عرف الله: أما أنا فقد كنت أعمى فرد الله علي بصري، وقد كنت فقيراً فأغناني الله، فخذ ما شئت واترك ما شئت، والله لا أمنعك اليوم شيئاً أخذته، ولا أحمدك على شيء تركته، قال: أخبرك أن الله رضي عليك وسخط على صاحبيك﴾.
وأخبركم أن من قدر نعمة الله في شبابه وفي بصره وفي بيته وفي مدخله ومخرجه فقد رضي الله عليه، وأن من تسخط نعمة الله واستخدمها في الفجور، وأصبح عربيداً متمرداً على آيات الله؛ فقد غضب الله عليه، حكمة بالغة وقدرة نافذة فما تغني النذر.
هذه النعم تحتاج إلى شكر، وإلا فالأصل عند أهل العلم أن العبادة لا تكافئ النعم.
стр. 8987
لا أحد يدخل الجنة بعمله
بل أورد بعضهم في كتب الآثار: أن رجلاً من بني إسرائيل، عبد الله في جزيرة من الجزر، ومعه رمانة، منقطع عن كل شيء -المنقطع لا يعرف الكذب ولا يزني ولا يغش ولا يغتاب؛ فليس عنده إلا حجارة وحطب- فجلس على هذه الجزيرة عنده رمانة يعبد الله خمسمائة عام، فلما توفاه الله، قال: يا عبدي، ألك ذنوب؟ قال: لا.
ما أظن أني أذنبت ولا أسأت ولا عصيتك يا رب! قال: هل تريد تدخل الجنة بعملك أو برحمتي؟ قال: بل بعملي -يعني تكاثر الخمسمائة عام- قال الله : يا ملائكتي أحصوا عمله ونعمتي عنده، فأحصوها، فوجدوا أن صلاته وعبادته وشكره في خمسمائة عام لا تعادل إلا نعمة البصر، والبقية هالك فيها، قال: خذوه إلى النار، فصاح وقال: يا رب أدخلني الجنة برحمتك.
فيقول ﷺ في الصحيح: ﴿لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ لا يُعرف أحد أبداً عنده يد عند الواحد الأحد، كلنا عنده فقراء ومخطئون، كلنا مسيئون ومقصرون.
يا من تمنن بركعتين اثنتين أو بعشرة ريال دفعتها إلى فقير، أو بقراءة بعض الآيات، أو بعض التسبيحات، أصحاب محمد ﷺ قدموا أنفسهم في سبيل الله، أصحاب محمد أصبحت أجسامهم جراحات، يقول عروة بن الزبير: [[والله إني كنت ألعب في جسم أبي بعدما كبرت من آثار جراحات المعارك في الإسلام]] كان الزبير جسمه مغارات، جسم الزبير جرح هنا وهناك، وفي ظهره وفي رأسه، وفي وجهه من ضربات السيوف في سبيل الله.
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب
رحماك يا رب! لم نقدم للإسلام شيئاً، نريد فقط منا يا جلوس، ويا أمثالكم من الصالحين أن ننزل إلى الشارع الإسلامي، ننزل إلى الشاطئ، ننزل إلى المقهى بحكمة، ننزل إلى مجمع الناس، ليأتي كل واحد منا بعاص واحد إلى المسجد، أنا أسألك بالله أن تذهب وتدل عاصياً أو تأتي به إلى محاضرة، أو إلى درس، أو تهدي له شريطاً أو كتيباً أو كلمة نافعة: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم﴾ نريد أن ندل الناس على منهج الله؛ لأننا إن سكتنا وداهنا وتركنا العصاة؛ زاد الحال وتحول إلى سوء المنقلب ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] ونعمة الجوارح من أعظم النعم، وعند الترمذي بسند يحسنه بعض العلماء، يقول ﵊: ﴿استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: يا رسول الله! إنَّا نستحي من الله حق الحياء، قال: ليس ذلك بحق الحياء، حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى﴾
نظر رجل من الصحابة إلى امرأة جميلة فبكى وذهب إلى الرسول ﵊ وقال: ﴿يا رسول الله! نظرت إلى امرأة فما كفارة ذلك؟ قال ﷺ : اصبر فإني لا أعلم في ذلك كفارة حتى ينزل عليَّ، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]-وقيل بدل النظرة قبلة- قال: ألي يا رسول الله خاصة، قال: لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة﴾.
أيها الصحابي الجليل! ليتك تدري أن من الشباب من أطلقها نظرات وفاحشات ومنكرات، سافر بعضهم إلى بلاد الكفر، سافر بعضهم وترك مهبط الوحي إلى بانكوك، هل ليعتمر أو يحج، أو ليطلب العلم؟ بل ليضيع رسالته الخالدة، وليبيع إيمانه وليتحول إلى بهيمة أو دابة، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] تنَّزل بهم الحال، وساء بهم المنقلب إلى أن أصبح الإنسان يطارد معصيته وفجوره، ويعلن تمرده على الله، فأحدهم خرج من الجزيرة إلى بلاد الغرب، قال له أحد الدعاة: اتق الله، قال: الله في الجزيرة أما هنا فلا سبحان الله! قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩] يعلم السر وأخفى.
في كتاب الزهد لـ أحمد: " أن أبا بكر الصديق يقول: [[يا أيها الناس، استحيوا من الله حق الحياء، والله الذي لا إله إلا هو أني لأذهب إلى الخلاء لأقضي حاجتي، فأضع ثوبي على وجهي حياء من الله]].
جزاك الله عن الإسلام مغفرة؛ حياء من الله حتى في هذا الحال! ولذلك يقول مُطرف [[ما غلبهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صدقة ولا صلاة، ولكن بإيمان وقر في صدره]] ويقول عثمان: [[لم أغتسل قائماً منذ أن أسلمت حياء]] وإلا فالغسل قائماً جائز ووارد، لكن يستحي من الله، فتستحي منه الملائكة.
ونريد هذا الحياء أن يتحول إلى مجتمعاتنا وبيوتنا، إلى قلوبنا، مع زوجاتنا وأخواتنا وبناتنا.
стр. 8988
شكر النعم يكون بأمور
يا مسلماً! يا شاباً! يا شيخاً كبيراً! خذ لك ذرة من الحياء تسعدك في الدنيا والآخرة، الحياء من الواحد، فإذا فعلت ذلك فقد شكرت النعم، وشكر النعم يأتي بأمور:
أولها: إقامة الفرائض في جماعة.
ثانيها: كثرة ذكر الواحد الأحد: فالله كلما ذكر وشكر كلما زاد قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ [إبراهيم:٧] نعوذ بالله من الكفران.
ثالثها: أن تكون داعية مصلحاً وأن تكوني -أيتها المرأة- داعية، توجه الكلمة الطيبة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ.
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٥].
رابعها: بأن تمتنع من المعاصي، بأن تغض الطرف، تتحكم في الأذنين؛ تحفظ سمعك وجوارحك عن المعصية، هذا هو حفظ الواحد الأحد، فإذا علم هذا الشكر وكان؛ فأبشر بالزيادة من الواحد الأحد، والله جعل درجة الشكر أعظم الدرجات، ولذلك عند أهل السنة، أن درجة الشكر أعظم الدرجات، وتسمى ذخيرة الشاكرين، وقالوا: الطاعم الشاكر، كالصائم الصابر، أو كما قالوا، فإذا شكرت الله فقد زادك وحباك.
стр. 8989
فوائد الشكر
فوائد الشكر ثلاث:
١ - رضا الواحد الأحد، إذا رضى الله عنك أسعدك في الدارين.
٢ - كفاية السؤال في الآخرة (سؤال التوبيخ) أما سؤال التقرير فلا بد منه.
قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨] قال بعض العلماء: والله لتسألن عن الماء البارد، فكيف بمن أخذ الدور والأموال، وكفر بنعم الله؟ رأينا بعض الناس يملك من الدنيا أموراً لا يعلمها إلا الله، باستطاعته أن يدخل الجنة بشيء يسير من هذا المال.
وهو جار للمسجد يسمع الآذان يطرق ذهنه وأذنه بحي على الصلاة وحي على الفلاح، ويتقلب على فراشه كالبهيمة، حسيبه الله، ما عرف طريق قلبه ولا زاد روحه، عرف طريق البطن، أما طريق الجنة فما عرفه، ارتكس على وجهه والعياذ بالله.
٣ - ومن فوائد الشكر كذلك: يدعى لك بخير، فإن الشاكرين يدعى لهم ممن يحسنون إليهم في ظهر الغيب، ومما يكتسب العبد دعاء الإخوة والخلان.
يا أيها المسلمون! إن علينا قضية كبرى وهي أن نستلهم هذا الشكر، شكر النعم، وأن نحتفظ به، وأن ننظر في القرى من حولنا كيف غضب الله عليهم، فجعلهم أثراً بعد عين، حول أمنهم إلى رعب، واستقرارهم إلى فزع، وشبعهم إلى جوع، وحول نهارهم إلى ليل، فلنحافظ على النعم، ولنشكر الواحد الأحد، ولننطلق داعين، لا يكفي أن تكون ملتزماً في نفسك حتى تدعو إخوانك أينما تسير، داعية في المقهى أو على الشاطئ أو في السوق؛ لأنك تحمل الخير للعالمين، فإذا لم تفعل فقد كتمت، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠] ﴿نظر الله امرأ سمع مني مقالة فوعاها فبلغها كما سمعها؛ فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ لكن دعوة بلين، دعوة بلا عنف؛ نحن ما أتينا لنكسر رءوس الناس، بل لنهدي قلوبهم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] كلمة طيبة، هدية، بسمة حانية، عطف، معانقة حارة تقود العصاة إلى المسجد، ومن المسجد إلى الجنة.
وكلمة أخيرة إلى النساء:
سلام من الله عليكن أيها النساء! دائماً النساء شقائق الرجال، لا بد أن يكون للنساء نصيب من الكلام، علَّ سامعة أن تسمع، وعلَّ داعية أن تفقه كثيراً، وعل معرضة أن تعود إلى الله.
إن القضايا التي تتكرر في مواضيع النساء هي قضايا التبرج دائماً وأبداً، وقد عظم بنا الحال حتى قال بعض الناس: والله لقد رأيت من المناظر ما أفزعني في هذه الشواطئ حتى ظننت أنه سوف ينزل بنا خسف أو قذف -نعوذ بالله من الخذلان- فحذار حذار أن يذهب مسلم أو مسلمة فيعرض قريبته، فتكون عرضة لأنظار الذين أعرضوا عن منهج الله!
والأمر الثاني: مجالس النساء، تشغل ربما بالغيبة والبعد عن الله والكلام الذي لا ينفع، فلتشغل بطاعة الواحد الأحد أو ما يقربهن من الله.
الأمر الثالث: المرأة داعية، فلا بد أن تدعو أخواتها بالهاتف، وبالكلمة والشريط، وبالكتيب؛ علَّ الله أن ينفع بها، وأن يزيدها توفيقاً وهداية.
الأمر الرابع: غرس لا إله إلا الله في قلوب الأطفال، وطاعة الزوج في طاعة الله، وغض البصر، وحفظ النفس؛ حافظات للغيب بما حفظ الله.
وشكراً لكم، وأسأل الله أن يجمعني بكم في دار الكرامة، وأن يغفر لنا ولكم ذنوبنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8990
الأسئلة
стр. 8991
واجبنا مع التبرج في المجتمع
السؤال
إن التبرج كثر هذه الأيام على الشواطئ، ويحصل فيها من العرى والاختلاط الشيء الكثير، والرقص والغناء، فنرجو توجيه نصيحة عامة، وتذكير الإخوة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الظروف وفق الله الجميع!
الجواب
نعم سلف في المحاضرة شيء من هذا، تفسخ في بعض النواحي بعضُ الناس هداهم الله كأنهم ما سمعوا برسالة محمد ﷺ ، كأنهم ما قرءوا القرآن، كأنهم ما عرفوا أن هناك رباً يحلل ويحرم ، خرجوا حتى على أبسط القيم، امرأة تتكشف! امرأة تسبح في الشاطئ أمام الناس! امرأة تجلس وتشيش وتدخن وهي على كرسي بين الرجال! امرأة ترقص وتغني وتنظر إلى الأجانب!
بعضهم والله ما أدري أوافقه أو لا أوافقه، يقول: إنه وقعت هنا أمور ما وقعت في باريس ولا وقعت في واشنطن! وهذا قاله بعض الناس الذين رأوا وأبصروا وهم من الثقات العقلاء.
فيا أخوتي في الله! ماذا ننتظر؟ نحن بين يدي ثلاثة أمور واحتمالات: إما أن نسكت ونأتي إلى المسجد هنا ونقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، نسأل الله أن يكفينا شرهم، وهذه كلمة أكل عليها الدهر وشرب، هذه قالها رجل من بني إسرائيل فخسف به قبل العصاة، لأنه لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
والاحتمال الثاني: وهو أن نخرج ونضارب هؤلاء ونكسر أدواتهم، وأن نسب ونشتم وهذا ليس بصحيح: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولم يبعث الرسول ﷺ بالمشعاب ولا بالهراوة ولا بالكرباج، وإنما بُعث بالبسمة الحانية والرضا ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
والاحتمال الثالث: وهو الصحيح أن ننزل إلى هؤلاء وهم إخواننا وأخواتنا وقريباتنا، وهذا مجتمعنا على الشواطئ، ننزل إليهم بحب ونصلهم بشفقة، لأمور: أن نبلغ دعوة الله، والأمر الثاني: نقول معذرة إليكم لئلا يأخذنا الله سواء، الأمر الثالث: هو شفقة بهم، ورحمة لهم، شارب الخمر يشرب الخمر والكأس بيده! فإذا ذكرته بلا إله إلا الله تحركت الفطرة في قلبه، فطرة الله التي فطر الناس عليها، الزاني وهو يزني، تحدثه وترسل عليه حرارة الإيمان فيحيا ويحيا قلبه ويعود إلى الله الواحد الأحد، ولكن من يوصل هذه الدعوة؟ من يحيي لا إله إلا الله؟ الإحجام ليس بصحيح.
الأمر بالمعروف والاحتساب، ليس عندنا في الإسلام أن الهيئة هي المسئولة وحدها، الهيئة مكلفة تنسيقاً، لكن كل مسلم داعية، قال رسول الله ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] لكن بلا عنف، ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر بلا منكر، بكلمة طيبة، فإن استمع فبها ونعمت وإلا فلا، فقد أعذرت وأنذرت وبلغت، إني أدعوكم من هذا المكان إلى أن يذهب كل واحد منكم إلى أن يستنقذ رجلاً أو يهدي أسرة، أو يكسب اثنين؛ فإنهم في ميزان الحسنات يوم القيامة والله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
стр. 8992
عتاب من أهل رابغ
السؤال
هديه من إخواننا في رابغ.
المشاركة: يقولون:
قف لنا في الطريق إن لم تزرنا وقفة في الطريق نصف الزيارة
الجواب
وبيني وبينهم إن شاء الله بعض الشجون، وبعض الشئون وأقول لأهل رابغ:
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم فالراحلون هم
وسبب عتابهم أنني وصلت إلى خليص ولم أزرهم، فليغضبوا على أهل خليص ولا يلوموني وليلوموا أنفسهم إن كانوا صادقين.
стр. 8993
الحياء والمجاملة
السؤال
هل هناك فرق بين الحياء وبين المجاملة؟
الجواب
هذا الأخ أتى بكلمة ربما تكون مبتذلة عند بعض العلماء؛ لأن علماء السنة يأتون بجمل كأنها من جمل القرآن، يقولون: مداهنة ومداراة، وهو يأتي بحياء ويأتي بمجاملة وأقول: أنا أشرح هذا سواء أراده السائل أم لم يرده، للفائدة يقول أهل العلم:
المداراة والمداهنة أمران مختلفان:
المدارة: هي أن تدفع شيئاً من الدنيا أو تبذل شيئاً من الدنيا من أجل أن يبقى لك الدين.
والمداهنة: أن تدفع شيئاً من الدين من أجل أن يبقى لك شيء من الدنيا.
والأدلة على المداراة ما في الصحيحين أن الرسول ﷺ كان جالساً في بيته، وأتى عيينة بن حصن وهو فزاري من بني بدر، وهي أسرة شاهقة في التاريخ، هم الذين يقول فيهم حاتم الطائي:
إن كنت كارهة معيشتنا هاتي فحلي في بني بدر
وأتى عيينة هذا وراءه آلاف من الناس، لو آذاه ﷺ بكلمة انجرحت مشاعره وذهب فأفسد عليه القبائل وردهم عن الإسلام، وكان عيينة سيئاً كما في السير، استأذن الرسول ﵊ والحديث عن عائشة: ﴿فقال ﷺ : من، قال: عيينة بن حصن، فقال رسول الله: ائذنوا له بئس أخو العشيرة، فأذنوا له فدخل، فلما دخل، هش محمد ﷺ وعانقه وأجلسه وحياه، فأكرمه وانبسط له، فلما خرج، قالت عائشة: يا رسول الله! قلت: كيت وكيت، فلما دخل انبسطت له، قال: يا عائشة! إن من شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه﴾
البخاري علق أثراً في الصحيح فقال: وقال أبو الدرداء: [[إنا لنبتسم في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم]] من أجل ماذا؟ من أجل الدين والرسالة، بعض الفسقة إن لم تلن له في الخطاب يضيع عليك رسالتك وإيمانك.
والعامة يقولون: أضع من مالي ولا يرمي خيالي، وهذا من المداراة لا من المداهنة، وقد قال الله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] موسى يقول لفرعون: يا أبا مرة! -مرر الله وجهه في النار- فرعون كنيته أبو مرة كما في تفسير ابن كثير عن أبي أيوب، وما يضرك أن تلين بالخطاب، ما يضرك أن تأتي وتقول لمجرم: أرى عليك آثار الطاعة وهي آثار الخيبة، أو تقول: وجهك المشرق هذا ينبئ أن وراءك مصدراً من الخير الله أعلم به، من هذه الكلمات، هذه مداراة، أما المداهنة فهي طلب الدنيا بالدين، أن تذهب لتبذل دينك من أجل أخذ دنيا من الناس، تجامل وتكذب على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين من أجل الدنيا، تذهب إلى فاجر تقول: أنت علاّمة الزمن!! وبك يحفظ الله البلاد والعباد، وأنت مجدد العصر وهذا القرن، ورأيتك البارحة بجانب الرسول ﵊ وأنت ما رأيت في المنام شيئاً! حتى تحصل على دنيا، فأنت مفلس في هذا، وقد أخطأت وهذه مداهنة.
стр. 8994
خطر الخمور والمخدرات
السؤال
في عصرنا الحاضر، انتشر داء المخدرات والخمور وراجت عند كثير من الناس فنرجو التنبيه لهذا الخطر الفتاك، وحث المسلمين لمحاربتهم ووفقكم الله
الجواب
تعرفون أن هناك كلاماً كثيراً ومنشورات ولقاءات وندوات ومحاضرات عن المخدرات، وهذا أمر معلوم لديكم، حتى قال بعض الناس المهلوسين: أخذت أكبر من حجمها، ولم تأخذ إلا أقل بكثير من حجمها، والمخدرات ما هي إلا سبب من أسباب كفران النعم، يوم جحد المرء الإيمان وأعرض عن المسجد وقع في المخدرات، شاب لا يصلي الفجر، أتتحرى منه أن يحجم عن المخدرات؟ أعرف بعض الإخوة؛ دخلت أنا وإياهم بعض السجون ووجدت في سجن واحد سبعة وعشرين شاباً، لكن اهتدوا بعد ما دخلوا السجن، كلهم مجموعون على أنهم ما كانوا يصلون الفجر جماعة في المسجد وإنما أقول الفجر؛ لأن في صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله، لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من طلبه أدركه ومن أدركه كبه على وجهه في النار>/ وإني أقول: ليس السجن ولا السوط كفيلاً بردع هؤلاء، ولا بد من إيمان ليقتنعوا، ولا بد من وصول كلمات طيبة إلى قلوبهم حتى يهديهم الله سواء السبيل، وأسأل الله أن يردهم إليه رداً كريماً جميلاً، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 8995
محلات تدليك النساء
السؤال
انتشرت هذه الأيام أماكن خاصة بتدليك النساء وعمل ما يسمى بالمساج، مما يجعل المرأة تخلع ثيابها في ذلك المحل، نرجو توجيه كلمة بهذا الخصوص؟
الجواب
قد أتت أمور أصبح الإنسان يستحي أن يتكلم بها في المجالس الخاصة فكيف بالعامة! تدليك النساء والمساج وهذه الأمور، وما عليك لو كانت في بيت أهلها، لكن تذهب إلى بعض الأماكن لتدلك جسمها، في المستشفيات في بعض الأماكن، ماذا يقول الإنسان! حرام، كلمة حرام أصغر! كلمة حرام لا تغطي! وأظن المسلم الذي في قلبه غيرة يقف لها بالمرصاد، التدليك معناه أنها بلغت درجة البهيمة والعياذ بالله، وعرض الزينة وعرض الجمال على المتبذلين من الناس، النفس تحبط، النفس تشتهي جمالاً موقراً أتى به الإسلام، جمالاً محشماً محجباً، ولذلك بعض الزائغين يقول: لا تحجبوا المرأة هي مرأة، وإذا ملئت منها العيون فلن تأكلها.
قلنا له: قاتلك الله، أتريد أن تتحول النساء والبنات إلى سلع بأيدي كل مشترٍ؟! عندنا الفتاه أجمل بكثير من الذهب والفضة، الفتاة عندنا درة في صدف، وشمس في غمامة، كنانة ريحان في باقة، لا نريد أن يخرج الجمال يتبذل هكذا، أما أن تشرب وتمص وتقبل وتمسج وتدلك، فما عدنا نحبها أبداً، مهما أتت.
وبعض النساء وإن تابت فإنها بماضيها قد كلَّت القلوب.
ماذا أقول؟! أقول: إنهن قد سمعن البيان، ومسئولية النساء أن يبلغن هذا، الدعوة في صفوف الرجال واردة، لكن في صفوف النساء كأنها ضعيفة بها حمَّى، فما عليهن إلا أن ينقلن هذا الكلام وأمثاله، وأن تقرأ ما ينفع من كتيبات، وأن تعرف حكم الله في ذلك، ولعلَّ القلوب أن تعود، وأنا أعرف أن المرأة إذا حافظت على الصلوات الخمس، وتقيدت بالحجاب؛ فسوف تنتهي هذه الجروح في وجهها، جروح ووصمة عار، في وجه المرأة المسلمة، هذا الكلام وصمة عار أن نبثه في أرض الرسالات، يصبح هذا الكلام لدور الدعارة في باريس وإلا في الخفايا في نيويورك وأمثالها، أما هنا فلا، هنا طهر وعفاف، هنا جمال مصون، هنا حشمة وحجاب.
стр. 8996
حكم المعازف والغناء
السؤال
دار نقاش حول تحريم المعازف والغناء الماجن، فكانت مكَلِّمتها تحتج بما بثه بعض الدعاة في هذه الأيام، من جواز سماع الغناء حتى وصل الحال إلى أنها تقول: واجهت الموت مرتين، وعندما كانت في غرفة العمليات أتت تحت تأثير مخدر كانت تردد إحدى الأغنيات الغربية، فنرجو توجيه نصيحة لمثل هذا؟
الجواب
لا يعاد الكلام، وقد جمعت فتاوى أهل العلم الذين تكلموا في الغناء في عنوان (رسالة للمغنين والمغنيات) وذكرت فتاوى أهل العلم بل نقل الشوكاني إجماع العلماء من أهل السنة على تحريم الغناء، ونقل الآجرَّي إجماع أهل العلم على تحريم الغناء، وقال ابن مسعود: [[والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو، إن لهو الحديث في القرآن هو الغناء]] وقال مجاهد: هو الغناء، وقال مالك: لا يستمع الغناء عندنا إلا الفساق، واتفق أهل المذاهب الأربعة على تحريمه، وقال الشافعي: خلفت في بغداد شيئاً يدعى التغبير تركة الصوفية هو أضر من الخمر، وذكرت كلام ابن تيمية في (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وفتوى ابن القيم التي قال فيها: [[الغناء عصارة الزنا، وباب اللواط، ورقية العاشق للمعشوق، وهو باب من أبواب الفاحشة]] ثم فتوى سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز، والإفتاء بتحريمه عند أهل العلم سلفاً وخلفاً، ثم فتوى العلامة محمد ناصر الدين الألباني، وبعدها ذكرت أضرار الغناء منها كما قال عقبة بن نافع لأبنائه: إياكم والغناء فإنه طريق إلى الفاحشة، ومنها أنه ينسي القرآن، ومنها أنه يقطع الحبل بين العبد وبين الله، ومنها أنه ينسى ذكر الله، ومنها أن صاحبه يحرم الغناء المباح في الجنة الذي ذكره ابن القيم، ومنها أنه يدعو للجريمة بشكل شديد جداً، ومنها أنه قسوة للقلب.
أخوتي في الله! أما هذه الفتوى فأنا أسال من أفتى بها أمام الله ، ثم أمامكم:
أولاً: ما هو دليلك أيها العلامة فيما أفتيت به، ويطالعنا يقول الحديث ضعيف، قلت الحديث في صحيح البخاري سنده كالشمس، وأنت لست بمحدث.
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل
الذي يقول هذا القول -وأنا لا أغتاب أحداً- لكن أقول من هذا المكان، طالب في أولى من أصول الدين أحسن منه في الحديث، وأقوى منه في التخريج، ونسبته في الأحاديث أقوى منه، ضعَّف سبعة أحاديث في صحيح البخاري وأربعة في صحيح مسلم وصحح أحاديث موضوعة شهد العلماء أنها موضوعة، بل قال: أتى بشروط خمسة في قبول الرواية ثم لم يعمل بشرط منها، وقال في قاعدة له: يقبل الحديث إذا وافق معناه العقل ولو كان سنده ضعيفاً، ويرد الحديث إذا خالف معناه العقل ولو كان سنده صحيحاً.
ثانياً: من وافقك على هذه الفتوى ولو صحابي، وأنا أتحدَّى وهذه كتب التفسير لـ ابن جرير وابن كثير، والكتب الستة المسانيد والمعاجم وكتب الفقهاء التابعين، الفقهاء السبعة، وتابعي التابعين، كلهم مجمعون على تحريم الغناء، لا يعرف بل ذكر الذهبي في ترجمة ابن الطاهر المقدسي أنه زل زلة شنيعة يوم قال: بإباحة الغناء، وأنه سقط على وجهه، وابن حزم الظاهري يقول به؛ لأنه ضعف حديث البخاري.
قال: البخاري ما سمع الحديث من هشام بن عمار، مع العلم أن ابن حزم لو رأى الغناء هذا كبر أربع تكبيرات وصاح وقال: حرام، حرام، حرام.
الغناء عند السلف كان بدفوف وتنك، لكن الغناء هنا مركب، خمر يدوخ العقول، يجعل الإنسان لا يدري أين هو، يضيع إيمانه، فلا تغتروا بمن أفتى بفتيا يسأله الله عنها: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] ولو عدتم إلى شريط (رسالة إلى المغنين والمغنيات) لوجدتم الكلام بالتفصيل، وسبعة أحاديث، وما يقارب ثمان آيات، ونقولات من كتب عشرة من العلماء عل الله أن ينفع به.
стр. 8997
علاج قسوة القلوب
السؤال يقول: القلوب إذا قست بسبب حب الدنيا، فما هو الأمر الذي يلينها؟
الجواب
ذكر الله قسوة القلوب في مواضع من القرآن، أذكر ثلاثة مواضع:
١ - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].
٢ - قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦] ولـ ابن القيم كلام جيد في ذلك: تقسو القلوب أعظم قسوة وذلك بالكفر كترك الصلاة.
الأمر الثاني: المعاصي تقسي القلب حتى يكون كالحجر.
الأمر الثالث: كثرة المباحات من نوم وكلام بغير ذكر الله وخلطة، ويلين القلوب الصلوات الخمس واعتزال الغناء، وذكر الله ، والصحبة الصالحة، وكثرة الاستغفار، والتقليل من الضحك والمزاح، وقد صح عنه ﵊: ﴿لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب﴾ أو كما قال ﵊.
وصلى الله على سيدنا محمد آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 8998
حرب طاحنة بين السنة والبدعة
في ثنايا هذا الدرس: ذكر مسار البدعة، وكيف واجهها الإسلام، وكيف حذر منها النبي ﷺ ، وتوضيح أنواع البدع، ومواقف للعلماء وعلى رأسهم النبي ﷺ والصحابة والأئمة من بعدهم في التصدي لأهل البدع، ولو اقتضى الأمر السجن أو ما هو أكبر منه.
стр. 8999
مسار البدعة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم الخير، وهادي البشر، ما اتصلت أذن بخبر وعين بنظر، وما تألق ورق على شجر، وما همل مطر وانهمر.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الأبرار: أيها الأخيار! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان هذه المحاضرة (حرب طاحنة بين السنة والبدعة) وهي حرب ضروس وجدت منذ أن خلق الإنسان، حرب بين الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل، وهذه الحرب نتكلم عنها منذ فجر النبوة وسوف نتكلم عن:
- مسار البدعة وكيف واجهها علماء الإسلام؟ وكيف انتصروا عليها في أكثر من موقف؟
- وما هي أسباب انتشار البدعة؟
- وما هي أسباب الانتصار على البدع؟
- ثم نعرض إلى بعض الوقائع والمقولات التي عاشها علماء الإسلام منذ فجر الدعوة، وعلى رأسهم وقدوتهم رسول الهدى ﷺ .
- ثم نعرج على بعض العناوين ومنها:
- التحذير من البدع.
- صراع البدعة مع السنة.
- الخوارج وموقفهم مع رسول الله ﷺ .
- الجدال الذي كان ثمرته التعزير.
- المبتدع مع عمر بن الخطاب ﵁.
- علي بن أبي طالب أمير المؤمنين يندد بالبدعة ويلاحق ابن سبأ في كل مكان.
- عمارة بن رؤيبة وموقفه من البدعة.
- أحد الصحابة يتهم بشر بن مروان بالبدعة على المنبر.
- الحسن البصري يتبرأ من واصل بن عطاء المعتزلي.
- خالد القسري يذبح الجعد بن درهم المبتدع كذبح الشاة يوم عيد الأضحى.
- الإمام مالك يتكلم عن السنة، ويعارض البدعة، ويندد بها في مسجد الرسول ﵊.
- الإمام أحمد يقود الحلف السني الشهير ضد الحلف المبتدع الصغير الحقير، ومن وإلى المأمون الخليفة العباسي المبتدع.
- أحمد بن نصر الخزاعي يذبح شهيداً في سبيل الله.
- ابن تيمية يتصدَّى للبدع ويحاربها بقلمه السيال، ولسانه المعطاء، وبفكره وعطائه وتأليفه، وينزل للبدع في الميدان، ثم تعلن النتيجة لصالحه.
- الإمام محمد بن عبد الوهاب يؤسس الدولة السنية التي قامت على الكتاب والسنة، وينصرها بالسيف والقلم، وهو مسئول عن فترته، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، ونحن نسأل عن هذه الفترة ولا يسأل عنها محمد بن عبد الوهاب.
ثم الخلافة العثمانية وموقفها من البدع.
- ثم نعرج على القضايا العصرية وعلى بعض الأمور بدون أن نتعرض لأشخاص ولا لحكومات ولا لهيئات، فإن موقفنا هنا أن نبين الإسلام، ولا نتعرض لأحد مهما كان إلا أن يقدح في الإسلام؛ حينها نبين خطأه وظلمه وضلاله، وهذه أمانة الله على طلبة العلم والدعاة.
стр. 9000
البدعة في اللغة
البدعة في اللغة: تدل على أمور، منها: الاختراع، والإنشاء، والإبداع، يقول: أبدعت الشيء أي: اخترعته، وقد ذكر الله ذلك في القرآن، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد:٢٧] أي: النصارى الجهلة الضلال عبدوا الله، لكن عبدوه بجهل، فأخذوا لأنفسهم طقوساً وأحداثاً وأرقاماً ما أنزل الله بها من سلطان؛ فوقعوا في الضلال والبدعة والارتباك.
следующие страницы →