← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

من مكائد اليهود: فعل الحيل المحرمة على الشرع الثامنة: ومن حيلهم الباطلة إذابة الشحم وبيعه كما في صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحم أذابوه فجملوه فباعوه﴾ قال الله : ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام:١٤٦] حرم الله عليهم الشحوم، فأتوا إلى الشحم فقالوا: إنه شحم، صحيح أنه حرام، لكن إذا سخناه بالنار وأذبناه فليس بحرام، فأخذوا الحيل المحرمة، يقول ابن القيم: هي من أفضح الحيل المحرمة. ومنها: أنهم لا يتناهون عن منكر فعلوه، وهذه الأمة وقعت في كثير مما وقع فيه بنو إسرائيل، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، يقول ﵊: ﴿إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول: يا عبد الله اتق الله! لا تفعل كذا، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه من آخر النهار﴾. أي: بعض الناس تجده فاجراً لا يصلي ولا يعرف كتاب الله ، فتمر به فتقول: يا عبد الله اتق الله! صلِّ مع الناس يفتح الله عليك، فلا يصلي، فيأتي في المساء يدعوك فتذهب إليه وتجالسه وتقول: أحسن الله مثوبتك، ما أكرمك وما أحسن خلقك! فهذا من جنس فعل بني إسرائيل، قال الله عز من قائل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. فمن رأى المنكر ولم ينكر ولو بقلبه فهو من تلك الطبقة الذين يرون المنكر فلا ينكرون، ولذلك ورد في حديث أن جبريل ﵇ أمره الله أن يزلزل قرية عن مكانها، فقال: يا رب فيها رجل صالح يعبدك ويسجد لك ويسبح ويكبر، قال: به فابدأ، فإنه ما تمعر وجهه في ذاتي. من فضائحهم المخزية: أنهم ما استفادوا من العلم -نعوذ بالله من علم يكون وبالاً علينا، اللهم إنا نعوذ بك وبوجهك الكريم من علم لا ينفعنا- فإن هذا هو الخزي والعار، ومضرة العلم في جانبين: أن تتعلم علماً فلا تستفيده أو لا تبلغه للناس، ولا تعمل به، يقول عز من قائل في بني إسرائيل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥]. الحمار تحمل عليه مجلدات فتح الباري والمغني والمجموع ورياض الصالحين، فلا يدري الحمار أن تلك الكتب وما فيها من هدى يحملها على ظهره، واليهود كذلك، حفظوا التوراة ولكن ما عملوا بما فيها من أحكام، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣]. ولذلك فهذه الشهادات لا تسقينا شربة ماء ومن خطط الماسونية في مؤتمراتهم يقولون: الثامن من البنود: أن يفصلوا طلبة العلم والدعاة عن طبقة العامة، وهذه أكبر جريمة، حتى يأتي طالب العلم عنده دكتوراه فيقول: أنا وصلت الآن في تحقيق مخطوطة في مطبعة بولاق، وموجودة منها نسخة في برلين، فأنا مشغول بالاتصال وتنسيق المواعيد حتى أحقق هذه المخطوطة، ويموت هو والمخطوطة ويدخل قبره، وأهل القرية ما تعلموا سورة الفاتحة، ويأتي يوم القيامة فيحاسبه الله، يقول: عندي رسالة دكتوراه، قال: ليس عندنا دكتوراه، الدكتوراه معناها: كبير التوراة، أي: كبير في التوراة، لأنها كلمة إسرائيلية. فالمقصد أن من خطط الماسونية أن يفصلوا طلبة العلم عن الناس، فإذا وقع ذلك ما أصبح أحد يقول: قولوا لا إله إلا الله أو اقرءوا بسم الله، وتعم الفاحشة والبلوى، يقول في سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] هذا إسرائيلي ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. وهذا هو بلعام بن باعوراء عالم كبير من علمائهم، لكنه ما استضاء بالعلم ولا علم أحداً، بل خيلاء في صدور المجالس على الكنب بجانب السلطان، فلما أراد الله أن يبتليه وأن يمتحنه قال له أحد الأنبياء: اذهب إلى أولئك الكفار وادعهم إلى الدين الخالص، فذهب فرشوه؛ حيث أعطوه قصراً وزوجوه منهم، وأعطوه شيئاً من الذهب والفضة، فأرسل إلى النبي أنه قد كفر بالآيات البينات، وأنه قد ارتد على عقبيه، فمسخه الله وقيل: أنزل لسانه حتى أصبحت على صدره، حتى ما يستطيع أن يتكلم، هذا في الدنيا. فيقول عز من قائل لمحمد ﷺ : (واتل عليهم) أي: واتل على طلبة العلم، واتل على الدعاة، واتل على هؤلاء الذين يريدون أن ينقذوا الأمة، إياك أعني واسمعي يا جارة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥]. أعطيناه الآيات في صدره ليرتفع ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] يقول ابن القيم: ما أحسن هذا الشبه! يقول: إن الثعبان يكسى بجلد فإذا أراد أن يخلعه انسلخ منه، وكذلك الإنسان إذا تكسى بثوب جميل وأراد أن يتعرى منه انسلخ منه، فما قال تخلى وإنما قال: ﴿فَانسَلَخ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] لكن مشيئة الله ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٦] أحب التراب والدنيا، وأحب الخلود وقنع بالدون فأعطاه الله ما تمنى. وأنت إن كانت همتك عالية أعطاك الله ما تمنيت، فإن كانت همتك في الصلاح أصلحك الله، وإن كانت همتك في الفساد لم يعنك ولم يوفقك: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]. فهذا كفر بآيات الله فاتبع هواه فمثله كمثل الكلب، انظر كيف مثل الله بني إسرائيل مرة بالحمار ومرة بالكلب، ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]. الكلب تأتي به وتجعله في الظل، كأن تدخله في غرفة مثلاً تجده يمد لسانه ويخرجها ويلهث وبطنه تضطرب، أو تخرجه في الشمس فتجده يمد لسانه ويخرجها وبطنه تضطرب، هذا مثل لمن تعلم فلم يتغير في سلوكه شيء، ولم يبلغ شيئاً، فهو سواء تعلم أو لم يتعلم، وما أبلغه من مثل! وما أعجبها من قصة لمن اتعظ واعتبر!

стр. 9627

من مكائد اليهود: افتراؤهم أنهم أبناء الله وأحباؤه التاسعة: ومن مفترياتهم أيضاً: قولهم إنهم أبناء الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:١٨] الآية. قيل لبعض الصالحين: من أين لك من القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ قال: من قوله : ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨] فلو كانوا أحباب لله ما عذبهم الله بذنوبهم، فهم يرون اليوم أنهم شعب الله المختار وأنهم الأمة الوسطية، والصفوة من الناس، قتلت فتاة يهودية قبل يومين في فلسطين في قرية من القرى فيقول شامير: أدعو بالغضب الإلهي على الفلسطينيين. وهو يقتلهم من ثلاثين سنة، يقتل الألوف المؤلفة منهم ويشردهم في الأرض. أما الغضب الإلهي فلا يقع إلا على الفلسطينيين، أما هو فلا يأتيه غضب إلهي: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] فالمقصود: أنهم يرون أنهم أبناء الله وأنهم الشعب المختار وصفوة البشرية عليهم لعنة الله كلما أصبح الصباح وأمسى المساء. وقالوا: إن الله فقير عليهم لعنة الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١]. طلب منهم الأنبياء النفقة في سبيل الله؛ فقالوا: إن الله فقير، ما دام يطلب أموالنا فهو فقير! ونسوا أن الذي خلقهم ورزقهم هو الله! ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨١ - ١٨٢]. ويقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] قال ابن عباس: بخيلة. يقولون: الله لا ينفق كثيراً على الناس لأن بعض الناس فقراء، ولو أنفق الله عليهم لكانوا أغنياء، قال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] انظر العبارة كأنها صاعقة: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ما قال: (بل يداه مبسوطتان) ثم سكت بل قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]. ولذلك أحد الصالحين قرأها من القرن الثاني يوم كانوا يفهمون القرآن ويتدبرون القرآن فبكى كثيراً يوم قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] بكى، ولما أتى قال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة:٦٤] رفع صوته حتى ارتج المسجد لينصر دين الله. قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ثم بكى، ثم التفت وإذا الخطاب كأنه صاعقة: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] فلا أغنى من الله، ولا أجود منه ولا أكرم منه . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] العجيب أن ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم في الصفحات الأولى قال: سوف يقع في طوائف هذه الأمة ما وقع في اليهود والنصارى، تأتي اليهود وتقول: ليست النصارى على شيء. أي: هم على باطل، وتأتي النصارى وتقول: ليست اليهود على شيء. أي: هم على باطل، ووجد هنا اتجاهات ومشارب، يقوم المشرب والاتجاه يقول: إن الاتجاه الآخر ليس على حق، بل هو مخطئ دائماً، أما نحن فالحمد لله مصيبون! وتذهب إلى أولئك فيقولون: أما نحن فأصبنا كل الإصابة وأولئك مخطئون. هل نزل عليكم وحي من السماء؟! هل تكلم معكم الرسول ﵊؟ لا والله إنه ليس إلا الهوى القاتل، نعوذ بالله من الهوى! ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]. هذه كذبة على الله ، فإن الله لم يلد ولم يولد، والولادة أو الجنس من أحط درجات الصفات البشرية، تعالى الله عن ذلك لأنه لا يليق به ، فقالوا هم: إن عزيراً ابن الله، وكذبوا على الله، وهذه فرية يستحقون بها التدمير والإبادة، وقد فعل بهم ذلك. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] وهذا هراء ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١]. أعندكم وثائق؟! أعندكم صكوك تدخلون بها الجنة من الله ، أو صكوك غفران كاذبة ظالمة غاشمة خاطئة؟! ومنها: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨]. قال الإمام البغوي: يقولون: عندنا علم انغلفت قلوبنا عليه فلا نحتاج إلى علمك، يعني: علم الرسول ﷺ ، وقيل: عندنا من الفقه ما لا نحتاج إلى ما تأتينا به، وقيل: عندنا علم فلا نسمع لما جئت به أنت، قلوبنا مغلفة مجلدة بعلم. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٨٨]. وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ [النساء:٥٠] قيل: السحر، وقيل غيره ﴿وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء:٥٠] ذهب سيدهم كعب بن الأشرف من خيبر إلى أبي سفيان فقال أبو سفيان يسأله: باللات والعزى: من منا الأهدى: نحن أم محمد؟ يعني: أقوم سبيلاً. قال: أنتم أقوم سبيلاً. قال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء:٥٠] يعني: كعب بن الأشرف ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [النساء:٥٠] فقال الله عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥١ - ٥٢] نعوذ بالله من اللعنة! ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٨٠]. فيقولون للمسلمين: نمكث في النار أياماً معدودة: ستة أو سبعة أيام أو عشرة أيام بالكثير وبعدها نخرج، وتخلفونا أنتم، يعني: المسلمين، فكذبهم الله وذكر أنهم يمكثون فيها مخلدين، ويعتق الله كل مسلم بما يقومهم من اليهود والنصارى، يقول الله للمسلم يوم القيامة: هذا اليهودي أو هذا النصراني عتقك من النار، خذه واجعله في النار بدلاً عنك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 9628

من مكائد اليهود: رفضهم أن يدخلوا الباب سجداً أما مكائدهم فمنها التي ذكر الله : دخولهم الباب يزحفون، فإن الله قال لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] قال بعض المفسرين: باب أريحا لما فتح الله على موسى ﵇ تلك البلاد قال لهم موسى: إن من نعمة الله عليكم يوم نصركم ويوم أنقذكم من فرعون الطاغية أن تدخلوا متواضعين سجداً يعني: ركعاً، تدخلون من باب المدينة متواضعين، خشعاً لله كما دخل ﷺ يوم الفتح، فإن الله لما فتح له ونصره يوم فتح مكة تواضع على البعير وخشع، حتى قيل في بعض الروايات: سالت دموعه تواضعاً لله، فرفعه الله، فإن من تواضع لله رفعه، فقال لهم موسى: ادخلوا متواضعين لما نصركم الله وأنقذكم، فأبوا، يقول الله : ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] أي: يا رب احطط عنا ذنوبنا، مثل إذا قلت: غفرانك، غفرانك، أو غفْراً غفْراً، أي: اغفر لي، فقال لهم موسى: قولوا: حطة، كلمة خفيفة معناها: يا رب اغفر لنا، فدخلوا يزحفون على أستاهم ويقولون: حنطة في شعرة، بدل حطة يقولون: حنطة، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٥٩] الآية. فلما بدلوا هذا الكلام غضب الله عليهم من فوق سبع سموات وأخزاهم وأذلهم.

стр. 9629

من مكائد اليهود: قتلهم الأنبياء قيل: إنهم قتلوا في غداة واحدة عشرات الأنبياء لأنه كان يبعث لهم جملة من الأنبياء، أتوا بيحيى ﵇ فذبحوه وقطعوا رأسه، ثم أخذوا رأسه وألقوه في حضن أبيه زكريا، فانتفض زكريا ﵇ فطاردوه بالسيف، وفي تاريخ ابن كثير في ترجمة زكريا ﵇ أنه شرد منهم فأتت شجرة فلما رأته شرد، معجزة من الله انكشفت له وانقسمت نصفين فدخل فيها، فأخذ الشيطان بطرف ثوبه فوجدوا ثوبه فعرفوا أنه في الشجرة، فأقاموا المنشار من رأس الشجرة فقسموه مع الشجرة نصفين، هذا الذي ثبت في مقتله ﵇، فكانوا يقتلون الأنبياء، لذلك قال الله : ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١٨١]. فائدة: هل هناك قتل الأنبياء بحق؟ ما دام قال الله : ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١٨١] فهل هناك قتل الأنبياء بحق؟ هل يحق لهم في سورة أخرى أن يقتلوا الأنبياء؟ لا. هذا من شدة ظلمهم وعتوهم، فكأن المعنى يقول: يا ليت هناك أطرف سبب يعتذرون به، ويكون سبباً ليكون لهم جزء واحد على مليون من الحق، لكن والله لا يوجد واحد على مليون، إنما هو ظلم وعتو وعدوان منهم.

стр. 9630

من مكائد اليهود: ما وقع في قصة البقرة ومنها: قتلهم النفس في قصة البقرة، حيث كان هناك إخوة وكان لهم عم غني فأتوا إلى عمهم، فذبحوه وأخذوا تركته، وخافوا أن يُكتَشف أنهم قتلوا عمهم، فأتوا إلى موسى فقالوا: إن عمنا قتل البارحة، ولا ندري من قتله، وأخذوا يتباكون كتباكي إخوة يوسف عند يعقوب، فأوحى الله إليه أن خذوا بقرة، فإذا ذبحتموها؛ فخذوا شيئاً من رجلها فاضربوا به الميت، فسوف يحييه الله وسوف يتكلم بمن قتله، هذا هو التفسير الصحيح للقرآن بهذه الآيات: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] انظر إلى البلادة في أذهانهم وإلى الغباوة، ليتهم أخذوا أي بقرة وذبحوها وانتهت المسألة والمشكلة، لكن ترسخ الإلحاد في أذهانهم والمكر والخداع، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ [البقرة:٦٧ - ٦٨]-ليست بكبيرة هرمة ولا بصغيرة بل هي وسط، أراد الله بذلك أن يعجزهم، لأنهم تمادوا في السؤال، وقد كان يكفيهم أي بقرة غير مشروطة بوصف، فطلب من الوسط، والوسط دائماً صعب، ولذلك جعل الله الأمة وسطاً، وأكبر ما يشكلك في حياتك أن تكون وسطاً، ولا يستطيع إلا القلة من الناس أن يكونوا وسطاً: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٨ - ٦٩] انظر التحفظ والورع، وإلا فما دخلهم باللون فقال: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] واللون الأصفر في البقرة نادر جداً، لو قال: سوداء؛ كانت أسهل، ولو قال: بيضاء؛ كانت أسهل، لكن صفراء، ومع ذلك: فاقع لونها، وليس فيها لون آخر: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ [البقرة:٧٠] ثالث مرة، بعد الصفراء فاقع لونها، ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠]. ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة:٧١] يعني: ليست بعاملة أي فهي مرتاحة دائماً في البيت: ﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧١] أي: قيل ليس فيها لون، فهي صفراء ليس فيها بقعة سوداء ولا بقعة بيضاء، فاقع لونها تسر الناظرين ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١]. أتدرون أين وجدوا البقرة؟ أورد ابن كثير روايات وهي من الإسرائيليات ونحن نتخذ منها مواقف ثلاثة دائماً: أما ما أيدها كتابنا وسنة نبينا ﷺ قبلناها ووضعناها على العين والرأس، وأما ما خالف كتابنا وسنة نبينا ﷺ لم نلتفت إليها، وأما ما لم يصدق ولم يخالف رويناه للناس: ﴿وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾ ﴿وإذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم﴾. قال ابن كثير وهو يروي قصتهم: بحثوا في القرى فما وجدوها، بحثوا في المدن فما وجدوها، بحثوا في البوادي فما وجدوها، سمعوا أنها عند عجوز في ناحية من نواحي البلدة، فذهبوا إليها فأضعفت عليهم الثمن حين علمت أنهم لا يزكو لهم غيرها، قالوا: يا خالة يا عمة نريد البقرة، هذا الوصف الذي قال لنا موسى ﵇ انطبق على بقرتك، قالت: من أين؟ بقرتي فيها كذا وكذا وتفعل كذا وكذا، وهي من ذرية ومن سلالة كذا وكذا، فقالوا: خذي ما شئت من المال، قالت: لا أرضى إلا إذا ذبحتموها تملئوا جلدها لي ذهباً، فوافقوا على ذلك، فجمعوا حليهم وأموالهم ثم أخذوا البقرة فذبحوها، فسلخوا جلدها ثم ملئوه ذهباً وأعطوه العجوز. لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار فأخذوا رجل البقرة قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣]. فأخذوا شيئاً من الرِجْل فضربوا به الميت فقام، قال: قتلني هؤلاء الذين أتوا يشتكون، فأخذهم السلطان وسحبهم إليه، ثم عاد هذا بحفظ الله ورعايته نائماً ميتاً. فهذه هي قصة البقرة وقصة إفكهم فيها، فإذا سمعت بذكر البقرة فهذا ملخص تعنتهم وجدالهم وكثرة مسائلهم فيما لا يعنيهم.

стр. 9631

من مكائد اليهود: القرية التي كانت حاضرة البحر ومنها: قصة القرية حاضرة البحر، وهي قصة مبكية محزنة، هذه القرية كانت حاضرة على شاطئ البحر، وكانت في نعيم وأمن وسلام، الله قال لبني إسرائيل: لا تعتدوا في السبت أي: لا تصيدوا السمك يوم السبت، صيدوا في كل الأيام إلا يوم السبت قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]. وهم دائماً يقولون: سمعنا وعصينا، فنصح العلماء منهم وقالوا: يا أيها الناس! نخاف من الله أن يخسف بنا، فلا تصيدوا السمك يوم السبت، قالوا: فابتلاهم الله، يوم الأحد ويوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة فلا تأتيهم سمكة، إلا أن يبحثوا عنها في البحر، ويذهبوا بالقوارب والشباك ويجدوا ويجتهدوا وبكل كلفة يأتي شيء، وأما يوم السبت فتأتي شُرّعاً، حتى تملأ الساحل، حتى ما بقي إلا أن تصافحهم وتعانقهم، والمقصود أن الله ابتلاهم يوم السبت: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣]. فأتوا وكان فيهم دهاء أحمق أوصلهم ذكاؤهم إلى الدرك الأسفل من النار، فاستخدموا الحيل المحرمة التي ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين، فقالوا: إن الله نهانا عن الصيد مباشرة، لكن لو حفرنا أخاديد حتى تنشب الأسماك في هذه الأخاديد أو نسد عليها بالماء فما ترجع إلى البحر ونصيدها يوم الأحد! فحفروا الخنادق ومجاري الماء ووضعوا الشباك، فأتت الأسماك تدخل؛ فكلما امتلأت سدوا ما بينها وبين البحر فلا تستطيع أن تعود، ويأتون يوم الأحد فيأخذونها، فقال لهم الصالحون منهم: يا أيها الناس! إنكم ألحدتم في دين الله، وعصيتم الله، وتجاوزتم حده، هذا خطأ، قالوا: لا. ما أخطأنا، يقول الله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ليس هناك أمكر منهم، فلما نصحهم أخيارهم وأبرارهم ولم ينتصحوا، فقال الصالحون: والله لا نساكنكم في قرية، اجعلوا بيننا وبينكم حاجزاً في القرية، وهذا هو المنهج الصحيح في التعامل مع المنكر وأهله، أما أن يأتي الإنسان ويجعل غترته على رأسه يذهب يصلي ويقول: الله المستعان! اللهم أصلح شباب المسلمين، ولا يأمر ولا ينهى ولا يوجه ولا ينصح ويقول: نفسي نفسي، فأقول: ليس في الإسلام نفسي نفسي، نفسي نفسي تكون يوم القيامة أما في الدنيا: ﴿لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه أخذاً، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، أو يلعنكم كما لعن الذين من قبلكم﴾ أو كما قال ﵊. فبنوا حاجزاً بينهم، لكن ذلك بعد أن أعذروا إلى ربهم ولعلهم يتقون، وهذا واجب الداعية أول ما يعذر نفسه إذا دعا الناس، ويوم القيامة لا يخزيك الله يوم يخزي الفاسقين، لأنك أعذرت وبلغت. والأمر الثاني: (لعلهم يتقون) علّ الله أن يفتح عليهم، فعصوا وتمردوا وأبوا، وفي صباح الباكر خرج هؤلاء الصالحون ينظرون إلى أولئك، فسمعوا صياحاً مثل صياح القردة وأصوات الخنازير، فأشرفوا من السور وإذا الشق الآخر أو القسم الآخر من المدينة، وإذا هم قد أصبحوا قردة، وفي بعض الروايات من التفسير أن رجلاً كان يعرفهم يقول: يا فلان أأنت فلان؟ وهو قرد فيهز رأسه أن نعم، ويقول لفلانة: أأنت فلانة؟ فتقول: نعم، أي تهز رأسها! ولما أخبر قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥]. فما اكتفي بوصفهم أنهم قردة؛ لكن قردة خاسئين، و السؤال هل هذه القردة تناسلت؟ أي: القردة الذين نراهم في السودة وفي القرعة هم من إخوان شامير ورابين وهؤلاء اليهود، أم هم أبناء عمومتهم، أم هم فصيلة أخرى؟ الله أعلم والراجح أنهم قضي عليهم وما تناسلوا، وأما القردة الموجودة فخلق آخر، حول الله أولئك إلى مثل هؤلاء القردة. والله أنعم على اليهود من النعم ما أنعمها على أحد من العالمين، أعطاهم المنّ والسلوى وظلل عليهم الغمام لما كانوا في طور سيناء، عندما تاهوا أربعين سنة، ويقول لهم موسى: ادخلوا معي هذه القرية، قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]. نحن نريد شيئاً جاهزاً أي: لا نريد أن ندخل في حروب مع الناس، لكن إذا فتحت القرية أنت وأخوك فسوف ندخل، أما أن نقاتل وننشب في الناس فلا، فدعا عليهم موسى أن يتيهوا في الأرض، فتاهوا أربعين سنة يأتون إلى طرف سيناء يريدون أن يخرجوا، فيقولون: أخطأنا الطريق فيعودون، فإذا وصلوا إلى الطرف الآخر ضاعوا، وهكذا أربعين سنة، وتكفل الله لهم وأنعم عليهم نعماً كثيرة، ففجَّر لهم من صخرة مربعة اثنتي عشرة عيناً لأنهم اثنا عشر سبطاً أي: اثنا عشر قبيلة كل قبيلة خمسون ألفاً، فهم ستمائة ألف كما يقول ابن جرير: فكانت لكل قبيلة عين. وكل قبيلة لا تشرب من عين الأخرى، فأتوا يشربون، فقالوا: أين الطعام؟ هذا الماء بارد لكن أين الطعام؟ يتشرطون! قال: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد أحسن طعام، فأتى لهم بالسلوى، وهي طيور مشوية يسقط عليهم في الصباح في موائد، ويقدم طازجاً فيأكلونها ويقولون: أين الحلوى؟ أي: يقصدون ما يتحلون به بعد الغداء، قال: هذا المن، فكانوا يأخذونه من على أوراق الشجر ويأكلونه، قالوا: هذا الماء وهذا الطعام لكن أين الظل؟ نبقى في الشمس؟! قال: يظلل الله عليكم بالغمام، فكان الغمام يسير معهم أفواجاً مع قبائلهم، فلما بقوا في هذه النعمة، قالوا: لا يصلح هذا؟ لا يصلح المن ولا الماء البارد ولا السلوى ولا يصلح الغمام، قال: ماذا يصلح؟ قالوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة:٦١]. قال موسى: أعندكم عقول؟! ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١]. أي البصل والثوم بالمن والسلوى قالوا: لا نريد إلا هكذا! طبائعهم مثل الخنازير والقرود. يقال: إن حماراً قدم له شيء من طعام طيب فيقول: برأسه كذا، أي أنه يريد أن يأكل برسيماً؛ لأنه تربى عليه، لذلك الجعلان ما يتربى إلا على دحرجة القاذورات، وأمة اليهود أخبث أمة على وجه الأرض، حتى يقولون: إنهم عضو أشل في تاريخ الأمة، ونحن نخاف أن نغتاب اليهود هذه الليلة، فالمقصود أنهم أعطوا المن والسلوى ولكن ما شكروا الله، فقال موسى: اهبطوا مصراً -قيل: أرض فلسطين - فإن لكم ما سألتم، وإنما فسرت بـ فلسطين لأنها نونت فدل على أن البلد المعروف غير مقصود وإلا لمنعت من الصرف، فليست مصر المعروفة التي هي عاصمتها القاهرة، والتي زلزلت مرة يوم كان أحد فراعنتها يحكم بالطاغوت، وبغير شريعة الله، فأراد الله أن يؤدبهم فتزلزلت مصر، فأراد هذا الطاغية أن يلين بالله ويخشع ويبكي ويراجع حسابه مع الله؛ فقال شاعر من الشعراء: لا تخف، قال: ماذا؟ قال: ما زلزلت مصر من كيد ألمَّ بها لكنها رقصت من عدلكم طربا

стр. 9632

من مكائد اليهود: عبادة العجل والأمر الخامس: عبادتهم العجل، نجاهم الله ، حتى أتى يهودي إلى علي بن أبي طالب ولن تجد أفطن من علي بعد الثلاثة، حاد الذهن، تصل كلماته إلى القلوب مباشرة، ولذلك يقول ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: حسدته الأمم على ذكائه. إي والله، رهيب الذكاء، ويدخل النار فيه طائفتان: طائفة أحبته حتى قدسته ورفعته فوق منزلته يجرها الله على وجوهها حتى يدخلها النار وهؤلاء هم الباطنية، وطائفة أبغضته حتى قطع البغض قلوبها فتدخل النار. فـ علي ﵁ يأتيه هذا اليهودي يقول: هيه يا أبا الحسن ما رأيتم شجرة فقلتم لرسولكم: اجعل لنا شجرة ذات أنواط، كما تعرفون في الحديث أن الصحابة لما نزلوا شجرة قال بعضهم: وكان حديث عهد بجاهلية كما في سنن أبي داود من حديث أبي واقد الليثي: ﴿اجعل لنا ذات أنواط نعلق عليها سيوفنا كما يعلق المشركون﴾. قال: ما خرجتم من المعركة يا أبا الحسن إلا قلتم لرسولكم ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، فقال علي: [[وأنتم ما خرجتم من البحر حتى قلتم لموسى ﵇: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة]]. يروى عن علي أنه قيل له: كم بين الأرض والعرش؟ وعلي ﵁ لا يعرف، لأنه ما قاسها، فقال: [[بين العرش والأرض دعوة مستجابة]]. قالوا: كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة الشمس يوماً. فلن تجد أثقب من ذهنه ﵁ وأرضاه لإخلاصه وعبادته. الشاهد: أن بني إسرائيل خرجوا من البحر، فلما خرجوا أتى السامري، واسمه موسى العزيز السامري، فهذا الغاوي المغوي اسمه موسى وكان في الركب الذي نجاه الله من البحر، وموسى بن عمران النبي الكريم ﵊ اسمه: موسى كذلك وتسميه اليهود (موشي) وموشي ديان اسمه موسى في الأصل لكن يسمونه موشي، فموسى ﵇ رباه فرعون في القصر معه، لكن انظر هداية الله ، وموسى هذا الغاوي المغوي السامري رباه جبريل: فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مرسل والهداية من الله، والمصلح هو الله مع الدعاء والأسباب، يربى بعض الأبناء في البيت، ويقرأ دائماً عليه القرآن صباح مساء، ويسمع الذكر والمحاضرات والهداية والأنوار تشع فيأبى، وإنسان في بيت مظلم، لا يسمع إلا الغناء والمغنين والمغنيات الأحياء منهم والأموات، ولكن روحه تتوقد للإسلام: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]. عكرمة بن أبي جهل يأتي من صلب أبي جهل الذي يتردى يوم القيامة على وجهه في النار، وعكرمة يقول يوم اليرموك: من يبايعني على الموت، فيلبس أكفانه بعد أن يغتسل ويتحنط ويتطيب، ويضرج بالدماء ويذهب في سبيل الله، فسبحان الله! ونوح ﵇ يقول لابنه: اركب معنا، قال: لا ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣] فصعد فلما أصبح في رأس الجبل وإذا بالماء يعلو، فيمد عنقه في الجو يظن أنه سوف يُفوت قدرة الله فوصل الماء إلى عنقه فأخذ يتطاول حتى أعماه الماء. إبراهيم ﵇ يأتي إلى شيخ ضال يقول له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] أتاني علم من السماء وهو علم لا إله إلا الله، أتيتك به، قال: اعتزلني وإلا رجمتك، سبحان الله! أب ضال وابن صالح، وابن ضال وأب صالح، قدرة الله ! فلما خرجوا من البحر قال لهم السامري: أتدرون ماذا معي في هذا القرطاس أو في هذا الوعاء؟ قالوا: ما ندري، قال: هذا قبضة قبضتها من آثار جبريل ﵇ يوم مر من البحر، وسوف أجعلها في حليكم فإنها تحدث أصواتاً، قالوا: وما الفائدة منها؟ قال: الفائدة أنه إلهكم، قالوا: وموسى كيف يذهب يكلم الله من طور سيناء وإلهنا هنا، قال: نسي موسى، فموسى ﵇ قال: يا بني إسرائيل أستأذنكم سأذهب لألقى ربي ، وكان موسى إذا أراد أن يذهب لمكالمة الله صام ثلاثين يوماً، استعداداً وتهيؤاً روحياً حتى يلقى الله ، لأنه يبقى أربعين ليلة والنور على وجهه بعد المكالمة، قال بعض المفسرين: فذهب موسى، وفي أثناء الطريق وجد خلوف فمه متغيراً لأنه صام كثيراً، فأخذ سواكاً يتسوك به، فلما كلمه الله لماذا أزلت آثار الصائم وهو أحب إليَّ من ريح المسك؟ قال: يا رب! ظننت أن هذه الرائحة متغيرة، قال: عد فصم عشرة أيام: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:١٤٢] فعاد فصام عشرة أيام فلما صام عشرة أيام قال: يا بني إسرائيل أستأذنكم سأذهب لألقى ربي في طور سيناء. المكالمة ضخمة تحتاج إلى لقاء، وتحتاج إلى حضور قلب، فلما مشى قال السامري: نسي موسى، قالوا: نسي ماذا؟ إلهكم هنا وذهب يكلمه -انظر إلى الغباء فيهم- قالوا: أين الإله؟ قال: اجمعوا لي الحلي، فجمعوا الحلي فصاغه حتى جعله على شكل العجل، ثم أدخل هذه الحفنة التراب فيه ثم أتى يصوت فيه فأحدث رجة وصوتاً قال: هذا إلهكم، فسجدوا لهذا العجل. أتى موسى ﵇، وإذا عجل من ذهب واقف أمامه، قال: ما هذا؟ قالوا: هذا إلهنا!! سبحان الله! أربعون سنة، ومجاهدة مع فرعون وحادثة البحر، ومعجزات عظيمة ومع ذلك لم يستفيدوا منها شيئاً. حتى إنه من الغضب ألقى الألواح وفي نسختها خير لهم وهدى. يقول ابن تيمية: رحم الله موسى، وإلا كيف يلقي الألواح وفيها كلام الله، قال: لكن لما علم الله إخلاصه غفر له وسامحه، قال: فألقى الألواح وأخذ برأس أخيه، يبدأ بهارون، هارون أكبر من موسى يقال بسنة، لكن كان حبيباً قريباً إلى القلوب يعني: لما رآهم يعبدون، قال: لا هذا ليس بإلهكم، اتقوا الله ولم يستطع أن يفعل شيئاً. فلما أتى موسى ﵇ أخذ برأس أخيه وبلحيته يجره إليه، يقول: كيف توافقهم على هذا ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] خفت أن أقوم فيهم فينشقون قسمين فتقول: لماذا تتصرف قبل أن آتي؟ لأن موسى ﵇ إذا وفد عند بني إسرائيل أصبحوا مثل الغنم إذا رأت الأسد، وهارون ﵇ يتصرفون في حضوره. أما موسى فلا يستطيعون، لأنه قوي أمين، ولذلك يصفه ﵊ بالقوة يقول: ﴿كأنه من أزد شنوءة﴾ فلما عبدوا العجل قال إنهم: إن من توبتكم أن تقتلوا أنفسكم، قالوا: كيف نقتل أنفسنا؟ قال: يأخذ كل واحد منكم سكيناً بيده وسوف ينزل الله عليكم ظلمة شديدة حتى لا يرى الإنسان ابنه ولا خاله ولا عمه فتدركهم الشفقة، فأنزل الله عليهم الظلمة فجعلوا يتقاتلون بالسكاكين حتى قتل كثير منهم، ثم قال موسى: كفوا تاب الله عليكم، فتابوا.

стр. 9633

حب الأنصار لقد وجد في الناس من يبغض ويقاتل ويسب الأنصار، وقد تحدث رسول الله ﷺ في حديث أن من علامة النفاق بغض الأنصار، ومن علامة الإيمان حبهم. وتحدث الشيخ في درسه هذا عن مناقب الأنصار، ومواقفهم الشجاعة ضد الكفر والشرك، وذكر بعض عظمائهم وعلمائهم وشهدائهم الذين برزوا في مجال العلم والشجاعة والفداء، والشعر. كما تعرض الشيخ لعقيدة أهل السنة والجماعة في الأنصار، وتكلم عن واجب الأمة الإسلامية نحوهم.

стр. 9634

منزلة المهاجرين ومنزلة الأنصار الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. معنا هنا -بإذن الله وعونه وتوفيقه- موضوع خطير وشائق في نفس الوقت، وهذا الموضوع عقد له الإمام البخاري باباً منفصلاً، فقال: (باب: علامة الإيمان حب الأنصار رضوان الله عليهم وأرضاهم). ثم قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: سمعت أنساً عن النبي ﷺ ، قال: ﴿آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بغض الأنصار﴾ وإذا كنا أسلفنا الحديث معكم في مشروع حفظ حديث في كل جلسة، وسبق معنا حديث في الجلسة الماضية الذي رواه الترمذي وأحمد: ﴿أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فدلني على باب جامع أتمسك به، فقال النبي ﷺ : لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ وهذا الحديث حسن، وهو من قواعد هذا الدين، ولا بأس أن نأخذ في هذا الأسبوع هذا الحديث العظيم الذي هو حديث ولاء، وحديث عقيدة، وحديث محبة، لمن نصر الله ونصر رسول الله ﷺ . قال أنس: سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار﴾ فجعله البخاري في أمور الإيمان، ليجعله من العقيدة، وليدخل أعمال القلوب في مسمى الإيمان كما هو من عقيدة أهل السنة والجماعة، وسوف يطول -إن شاء الله- الحديث مع الأنصار، ومع حياتهم، لنتقرب بحبهم إلى الله الواحد القهار. فإن الله قد امتدحهم في أكثر من آية، وامتدحهم رسول الله ﷺ ، بل ثبت عنه عليه أفضل الصلاة والسلام أنه رأى امرأة مقبلة، فقال: ﴿ممن هذه المرأة؟ قالوا: من الأنصار، قال: والله الذي لا إله إلا هو! إنهم لمن أحب الناس إلي﴾ ولذلك يقول الله ﵎ في سورة التوبة: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة:١١٧] فجعل الأنصار بعد المهاجرين.

стр. 9635

موقف أبي بكر مع الأنصار لما اجتمع -الأنصار- في سقيفة بني ساعدة بعد موت النبي ﷺ ، والرسول ﷺ قبل أن يموت لم يعين خليفة -على الصحيح من أقوال أهل العلم- لكنه لمحَّ ولم يُصِّرح ﷺ ، وعرض ولم يبين، فقدم أبا بكر ﵁، وامتدحه على المنبر قبل أن يموت بليالٍ عليه أفضل الصلاة والسلام بليالٍ وقال: ﴿لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت -والخوخة الباب الصغير بين البيتين أو الدارين- إلا خوخة أبي بكر﴾ ويقول: ﴿والله لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم - يعني: نفسه ﷺ خليل الرحمن﴾ وثبت أن الرسول ﷺ : ﴿سمع عمر يُصلي ويُكِّبر قال: من المكبر؟ قالوا: عمر، قال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر﴾. فيقول عمر بعدها: [[رضيه ﷺ لأمور ديننا، أفلا نرضاه لدنيانا]] ثم يقول عمر عن نفسه: [[والله لئن أقدم فيضرب عنقي في غير حد من حدود الله، لكان أفضل من أن أتقدم أمة فيهم أبو بكر ﵁]]. والمقصود من هذا أن الأنصار اجتمعوا -رضوان الله عليهم جميعاً- في سقيفة بني ساعدة، ولم يكن معهم أحد بعد موت الرسول ﷺ ، وكان قصدهم من هذا الاجتماع هو أن ينصبوا خليفة منهم -أي: يكون من أهل الأنصار- فلما بقي جثمان الرسول الله في البيت وسلم عليها أبو بكر، أتى عمر فقال: [[يا أبا بكر! دعنا ندرك الأنصار؛ لئلا يختلف في أمر هذه الأمة]]. قال عمر: [[وكنت قد زوَّرت كلاماً في صدري -أي: هيأت كلاماً- حتى أتكلم به إلى الأنصار -أي: أعرض لهم قضية الخلافة، أنها لابد أن تكون في قريش وفي المهاجرين- قال: فمضيت أنا وأبو بكر، وأبو بكر لم يهيئ كلاماً]]؛ لأنه كان مشغولاً ﵁، ظل يتكلم في الناس في المسجد، وأخبرهم بموت الرسول ﷺ ، وهدأ من روعهم، وسكَّتهم، فانشغل بهذه الأمور عن تهيئة خطبة للقاء الأنصار، قال عمر: فدخلت أنا وأبو بكر على الأنصار، فوجدناهم يجتمعون على سعد بن عبادة ﵁، وهو مريض، وهم يختلفون فيمن يُولون الخلافة بعد موت الرسول ﷺ . قال عمر: وكان في أبي بكر ﵁ حدة - سرعة في بعض الأمور- كنت أُداريه -وهذا ثابت- وكنت قد زوَّرت كلاماً في صدري لأتكلم، قال: فأسكتني أبو بكر ﵁، ثم تكلم، قال عمر: [[والله ما ترك كلمة زورتها في صدري إلا أتى بأحسن منها]] ثم قال: أنتم أهل الدار! وأنتم الأنصار، منا الأمراء ومنكم الوزراء، يأبى الله على المؤمنين إلا أن تكون الإمرة في هذا الحي من قريش، ثم أخذ يستلينهم بالكلام ويدعو لهم بما قدموا للإسلام والمسلمين من خدمة ونفع، وفي الأخير رضوا، فقال أبو بكر: يا عمر! مد يدك لأبايعك، فقال عمر: والله لا أتقدم أُمةٌ أنت فيها، فقال أبو بكر: ﵁ في صدق -لأنهم لا يريدون الحياة الدنيا، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً- فقال: يا أبا عبيدة! مد يدك لأبايعك، فقال: والله لا أبايع وأنت فينا، فبايعوا أبا بكر ﵁ ثم بايعه الناس.

стр. 9636

تقديم المهاجرين على الأنصار في القرآن قال أبو بكر ﵁: [[إن الله قدَّمنا قبلكم في القرآن، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧]]] ثم يقول بعد أن مدح المهاجرين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] هؤلاء هم الأنصار رضوان الله عليهم. من كان يريد الله والدار الأخرة فعليه أن يحبهم من قلبه، ونشهد الله على محبتهم، والرسول ﷺ إنما أتى بهذا الحديث؛ لأنه خاف وخشي من قوم يأتون -فيما بعد- يبغضون الأنصار -وفعلاً وقع ذلك- وحدث أن قوماً سلوا السيف على الأنصار وقتلوا أبناء الأنصار، سلبوا أبناء الأنصار الماء البارد، ومنعوهم إياه، واستبيحت المدينة ثلاثة أيام. ولذلك أراد الرسول ﷺ أن يثبت للأمة ووللناس أن من الإيمان حب الأنصار، وأن من النفاق بغض الأنصار، فالله قدمهم قبل غيرهم، وأخرهم على المهاجرين.

стр. 9637

رحلة الرسول ﷺ مع الأنصار إلى المدينة وأول ما نبدأ مع الأنصار! مع رحلة رسول الله ﷺ إلى المدينة، لكن قبل أن يصل ﷺ إلى المدينة، بايعهم يوم العقبة.

стр. 9638

مبايعة الأنصار للرسول ﷺ في العقبة أتى الأنصار -قيل في رواية: ما يقارب السبعين- ووصلوا إلى العقبة، وأتى ﷺ ، فخرج من مكة متخفياً حتى لا يراه مشركو قريش، فلما وصل ﷺ إليهم جلس عليه أفضل الصلاة والسلام بين أظهرهم وتكلَّم ثم تكلم العباس، ثم قام عبد الله بن رواحة رضي الله عن ذلك المجاهد، وقال: ﴿يا رسول الله! ماذا تريد منا؟ على ماذا نبايعك؟ قال: تبايعوني على أن تمنعوني مما تمنعوا منه نساءكم وأطفالكم؟ فقال ابن رواحة: فما لنا -يا رسول الله- إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة! قال ابن رواحة: ربح البيع! والله لا نقيل ولا نستقيل﴾ أي: ليس هذا خيار ولا استقالة إنما هو بيع نافذ، ولذلك يقول ابن القيم ﵀ لما وصل إلى هذه الكلمة، وقد سال قلمه ونسي نفسه ﵁، وقال في قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١]. قال ابن القيم: قالها ابن رواحة ﵁، هذا العقد أنزله الله ، وأتى به جبريل ﵇، وأمضاه محمد ﷺ ، والسلعة هي الجنة، والثمن أرواح المؤمنين، فربح البيع ولا خيار فيه ولا استقالة. من هذا اليوم والرسول ﷺ يعلم أن الله سوف ينصر هذا الدين بالأنصار ﵃، وإلا فإن الرسول ﷺ فكَّر في قبيلة من قبائل العرب ليذهب إليها، وفي الأخير هداه الله إلى المدينة إلى يثرب لتكون هي دار الإسلام.

стр. 9639

النبي ﷺ يهاجر إلى المدينة مضى ﷺ في الهجرة ووصل المدينة، وعند الوصول استقبله الأنصار، حتى إنهم كانوا يخرجون كل يوم -رضوان الله عليهم- من الحفاوة والإكرام والتبجيل لرسول الله- يخرجون كل يوم في الظهيرة؛ فيقفون حتى تشتد حرارة الشمس، ثم يعودون إلى المدينة لينتظروا الرسول ﷺ ، وفي يوم من الأيام خرجوا، فلما قربت الظهيرة، واشتدت عليهم حرارة الشمس رجعوا وهم ما يقارب الخمسمائة -كما في السيرة- رجعوا بسيوفهم إلى المدينة، فخرج يهودي على رأس نخلة، فرأى راكبين وعرف أنهما: الرسول ﷺ وأبو بكر، فرفع سيفه حسداً وغيظاً وحقداً، قال: يا بني خولة! -أي: الأنصار، جدتهم خولة - هذا حظكم جاء -أي: نصيبكم- يقصد الرسول ﷺ . قال أنس: [[فو الله ما أنسى انتشاب الأنصار لسيوفهم وهروعهم وخروجهم لاستقبال الرسول ﷺ ]] وفي خروجهم كانت الجواري والأطفال ينشدون في سكك المدينة. طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع قال أنس: [[يومان في حياتي والله لا أنساهما أبداً: يوم أن دخل رسول الله ﷺ المدينة، والله لقد رأيت الأنصار يبكون من الفرح]] ولذلك يقول الشاعر العربي الأول: طفح السرور عليّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني فإن السرور إذا طفح وزاد مقداره في قلب الإنسان أبكاه. واليوم الثاني يقول أنس ﵁: [[يوم أن مات رسول الله ﷺ ]] هذان اليومان لا ينساهما أنس مدى الحياة. دخل ﷺ وكان استقباله في دار عمرو بن الحارث من العوالي تجاه مكة، نزل ﷺ هناك ثم ارتحل واستقبله الأنصار عند دورهم ومنازلهم، وكانت القرى متبعثرة في المدينة، فكان كلما مر بقرية سلَّم عليهم ﷺ ثم تبسم لهم، وكان يأخذون خطام الناقة يريدون أن يونيخوها في دارهم ليكون لهم شرف ومنزلة، لكن الرسول ﵊ كان يتبسم ويدعو لهم بالخير، ويقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ الناقة مأمورة من الله ، لا يمكن أن تنيخ إلا في المكان الذي كتبه الله وقدَّره وقضاه، وكانت ترتحل والناس يُشاهدونها، والرسول ﷺ يريد من ذلك أن ينزل عند أخواله من بني النجار، ليكرمهم بالنزول، وبني النجار هم أهل المسجد الآن -مسجد الرسول ﷺ وهم خير دور الأنصار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو حارثة، ثم بنو ساعدة، هؤلاء دور الأنصار، وهي ثمان دور، لكن عدَّ منها ﷺ أربعة، ولما وصلت إلى دار بني النجار، قامت الجواري -البنيات الصغيرات- يقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار وهذه الأبيات أوردها ابن حجر في غزوات الرسول ﷺ ، وكان ﷺ يتَّبسم وهو يرى الأطفال ويدعو لهم.

стр. 9640

نزول النبي ﷺ في دار أبي أيوب لما أناخت به الراحلة وقف ﷺ فقالوا: يا رسول الله! حيهلاً وسهلاً انزل! فقال ﷺ : لا. لأنه يعرف أن هذا ليس أول نزول للناقة، ثم قامت ثاني مرة، ثم مضت -قليلاً- ثم وقفت مكانها، فلما نزل ﷺ قيل: أول من صافحه من الأنصار -وهذه منقبة له- أبو أيوب ﵁. ولذلك لما رأى ابن عباس أبا أيوب دخل البصرة دمعت عيناه، وقال: [[والله لأكرمنك كما أكرمت رسول الله ﷺ ، والله لأسكننك العِلّية هذه الليلة، وأسكن أنا في سفل البيت]] فسكن ابن عباس وهو أمير البصرة، في الدار السفلى وأسكن أبا أيوب في الدار العليا لإسكانه الرسول ﷺ ، فنزل ﷺ واغتنم أبو أيوب هذه الفرصة؛ فأخذ رحل الرسول ﷺ من على الناقة، فكان بنو النجار يقولون: عندنا يا رسول الله! فكان يتبسم ويقول: ﴿المرء مع رحله﴾ أي: المرء مع جهازه ورحله، فأخذ أبو أيوب يمضي أمام الرسول ﷺ حتى دخل بيته، ثم قال: ﴿يا رسول الله! اسكن في هذا البيت في العلية، قال: ﷺ : إنني أُريد هذا المكان الأسفل ليكون أرفق لي﴾ ليدخل إليه الناس عليه أفضل الصلاة والسلام ويكون أقرب له، فلما مكث ﷺ فترة، صادف في ليلة من الليالي أن أبا أيوب ﵁ وأرضاه كان عنده إناء من الماء سقط عليه من العلية، فقام بشملته وزوجته يمسحان الماء خوفاً أن ينزل على رسول الله ﷺ . وكانوا إذا أصلحوا الغداء والعشاء قال لزوجته: [[لا نأكل حتى يأكل رسول الله]] فينزل الصحفة إلى الرسول ﷺ فيأكل عليه أفضل الصلاة والسلام، فإذا عادت الصحفة بدأ أبو أيوب وامرأته يتمازحان ويتسابقان على آثار الرسول ﷺ الذي أكل منه. وفي اليوم الثاني لما نزل الماء نزل أبو أيوب -وهو ثابت في السيرة- وقال: يا رسول الله! لا أسكن في العلية في دار أنت تحتي أبداً، فارتفع ﷺ في تلك الدار حتى بنيت له غرفاته عليه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 9641

بعض مناقب الأنصار في استقبال الرسول ﵊ وأما مناقب الأنصار فسوف أسوقها كما ساقها كثير من الحفاظ والمؤرخين، نسوقها على الأشخاص البارزين، وعلى الوقعات وعلى العلماء والشهداء، وعلى ما مدحوا به في كتاب الله وسنة رسول الله، ومن أشعار العرب من الأنصار رضوان الله عليهم وأرضاهم.

стр. 9642

سعد بن عبادة يكرم رسول الله ﷺ سعد بن عبادة بن دليم، سيد الخزرج، هذا الرجل منذ أن وصل رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد أقسم بالله لا تغادر صحفته بيتاً فيه رسول الله، فكانت صحفته يحملها أربعة، وكان من أكرم العرب، فكانت تدار مع رسول الله في أي بيت نزل فيه، حتى تقول عائشة ﵂ عن سعد بن عبادة: [[ما أكرمه! والله ما مسنا الجوع منذ رأينا صحفته]] أو كما قالت ﵂. لكن لما انتقل إلى العالية وابتعد عن المدينة، أصبح هناك بُعد بينه وبين الرسول ﷺ في الجوار، وكان الرسول ﷺ يزوره إلى هناك، بل زاره حافياً ﵊ في سكك المدينة. يقول علماء الإسلام: ما عرفنا ثلاثة أجواد في الإسلام والجاهلية من نسق واحد إلا سعد بن عبادة بن دليم، فإنه جواد من أجواد الإسلام، وأبوه: عبادة بن دليم وجده دليم كذلك كان من أجواد الجاهلية، هذا النسب العريق في الجود. وثبت عن سعد ﵁ أنه نحر مائة ناقة لرسول الله ﷺ ، والسبب: أنه أتاه ابنه قيس، وقال: [[يا أبتاه! والله لقد رأيت الجوع بوجه رسول الله ﷺ اليوم قال: كيف عرفته؟ قال: عرفته في صوته ورأيته في وجهه، فأخذ الحربة، قالوا: وجاء الرسول الله وهو ينحر، قال: ولِمَ؟ قال: والله لأشبعن كواسر المدينة وعوافها]] يعني: الطيور، فنحر وكان ثرياً غنياً آتاه الله كثيراً من المال كان -كما يقول الذهبي عنه في سير أعلام النبلاء - يرفع يديه بعد كل صلاة، ويقول: اللهم إني لا جود إلا بفعال، اللهم إني أسألك ما أجود به في سبيلك، فأعطاه الله ، وهو سيد من السادات، فأخذ الحربة فما أنزلها من يده حتى نحر مائة ناقة، ثم قال: عليّ برسول الله ﷺ وأهل المدينة، فأشبع أهل المدينة حتى أكل معهم اليهود في ذاك اليوم. هذا سعد بن عبادة الذي يقول عنه السلف: كان الرجل في عهد رسول الله ﷺ إذا أتى رسول الله ﷺ جوع، ينطلق الصحابة بالرجل والرجلين، وأما سعد بن عبادة فينطلق بالثمانين إلى المائة إلى بيته.

стр. 9643

أم سليم تستقبل رسول الله ﷺ ومن الشخصيات البارزة في استقبال الرسول ﷺ أم سليم: وهي زوج أبي طلحة ﵁ وعنها، والتي يقول فيها رسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح: ﴿دخلت الجنة البارحة، فرأيت الرميصاء في الجنة﴾ هذه أم سليم، وهي أم أنس ﵂ وأرضاها. لما قدم الرسول ﷺ في المدينة، تخيلت في ذهنها وفي فكرها أعظم هدية يمكن أن تقدمها لرسول الله ﷺ ، فما وجدت إلا ابنها الوحيد أنساً ﵁، وهل هناك أعظم وأحب إلى الإنسان من الابن؟ فأخذت أنساً وعمره عشر سنوات، ولبسَّته وطيبَّته، وقالت: هيَّا معي! وأخذته بيده وقدمت على رسول الله وهو في البيت، فسَّلمت عليه ﷺ ، وقالت: ﴿يا رسول الله! هذا أنس ابني، فلذة كبدي، وشجى روحي، يخدمك في حياتك، فادع الله له؟ فتأثر ﷺ ، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وأكثر ماله وولده، وأطل عمره﴾ فلَّبى الله سبحانه تعالى هذا الدعاء العظيم، فرأينا أن الله أطال عمره، حتى أنه كان أطول الصحابة رضوان الله عليهم عمراً، وأكثر الله ماله ونسله وولده، نسأل الله أن يغفر ذنبه، وهذا حاصل بإذن الله وبحوله وقوته.

стр. 9644

موقف الأنصار في حنين لما فتح رسول الله ﷺ مكة، اجتمعت قبائل العرب -غطفان وهوازن- على النبي ﷺ بعد الفتح، وأمّروا أميراً منهم اسمه: مالك بن عوف النضري، وقد كان شاباً، فجمعوا وجوه العرب، وقالوا: نقطع دابر محمد أبداً، وكان مالك بن عوف يسقط في الشوك، ويقول: هبوا لي محمداً لقد دنس قريشاً، فجمعوا من القبائل ما يزيد على عشرة آلاف فرد من قبائل غطفان وهوازن وغيرها من قبائل العرب، ثم خرج بهم أميرهم إلى الطائف، ومن مكيدته أن أخرج معهم الإبل والغنم والبقر، وخرج بالأطفال والنساء حتى ترك الطائف بلا سكن، لئلا يفر أحد. التقى مالك بن عوف ورسول الله ﷺ في وادي حنين، وهو وادي في تهامة مما يقابل الطائف - نزل ﷺ بالوادي وكان بينه وبين غطفان وهوازن جبل، فقال ﷺ : ﴿من يحرسنا هذه الليلة وله الجنة؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله!﴾ فمن حكمة الله أن خرج هذا الرجل وجلس في رأس الجبل يحرس رسول الله ﷺ والجيش، وجيش مالك بن عوف في الجهة الثانية من الجبل مما يواجه جيش رسول الله ﷺ ، وكان جيش رسول الله عشرة آلاف تقريباً، قال بعض أصحابه ﷺ وقد نظر إلى الجيش وتبسم وقال: لا نغلب اليوم من قلة، فجعل الله أول المعركة هزيمة، ليخبرهم في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]. يقول: إذا كان النصر بالكثرة أو بالقوة. أو العتاد والسلاح، فما لكم وليتم مدبرين؟! لكن يخبرهم أن النصر من عند الله. نزل عليه أفضل الصلاة والسلام ومعه عشرة آلاف بعضهم من مسلمي الفتح، لم يدخل الإيمان قلوبهم، فخرج حارس الرسول ﷺ وقعد في رأس الجبل، ومكث طوال الليل، فلما قرب الفجر نام هذا الحارس، وتحرك مالك بن عوف النضري ومعه ما يقارب عشرة آلاف، وهو من أغنى العرب وأشجعهم، وجعل وراءه النساء والأطفال وكذلك الإبل والبقر والغنم، حتى يقول ابن هشام وغيره: كانت إبلهم أربعة وعشرين ألفاً، وكانت الغنم لا يحصيها إلا الله ، حتى يقول بعض أهل السير: كانت أربعين ألف رأس! قال مالك بن عوف وقد سلَّ سيفه: يا معشر هوازن! -وهو من هوازن- إما أن تطيعوني هذا اليوم وإلا لأتكئن على ذبابة هذا السيف على بطني فيخرج من ظهري، لكنهم رفضوا، فقالوا: نطيعك هذا اليوم. فصعد إلى رأس الجبل ونام حارس الرسول ﷺ ، وما استيقظ إلا والجيش عند رأس الجبل، فأخذ الجيش يرسلون الرمل -الحصباء- على الرسول ﷺ يرجمونهم، حتى قال كثير من أهل السير: إنها أصبحت كالغمامة على جيش رسول الله ﷺ ، فاستفاق ﷺ واستفاق الناس. أما الإبل والخيول فهربت، فكان الرجل يركب خيله أو فرسه ويركب جمله، فيأبى الجمل أن يعود خائفاً مما حدث، فكانوا يطلقونها وينزلون من على ظهورها ويعودون يمشون، أما الرسول ﷺ فإنه ثبت؛ لأن الله يقول: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤] أي: حرام عليه أن يفر ولو فر الناس، فركب ﷺ بغلته وسلَّ سيفه، وقد فر الناس -جميعاً- إلا ستة خرج بهم، ثم استقبل ﷺ الجبل وقد أقبل مالك بن عوف معه عشرة آلاف، بنسائهم وأطفالهم وإبلهم وغنمهم وبقرهم، حتى يقول ابن أبي حاتم: كأن الجبل أقبل معهم، فأقبل ﷺ ، ثم لمَّا رآهم نزل من على بغلته وسلَّ سيفه، وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فضرب وجه كتيبة مالك بن عوف النصري حتى ردها على عقبيها، وقال للعباس: ﴿نادِ في الناس﴾ وكان العباس قد آتاه الله صوتاً جهورياً قوياً حتى كان ينادي أطفاله وهم في حرة واطن، يناديهم من بيته من المدينة، فقال وقد رفع سيفه: [[يا أهل سورة البقرة! يا من بايع رسوله تحت الشجرة! هلموا رحمكم الله، فما رأى الرسول ﷺ أحداً مقبلاً، قال الرسول: نادِ في الأنصار، أي: علّ الله أن يعطيهم حمية هذه اليوم، فقال: يا معشر الأنصار! يا حماة الدار! يا من فعلوا وصنعوا، فلم يستجب أحد، قال: نادِ في الخزرج -قال: الخزرج أشجع- فنادى في الخزرج، فلم يأتِ أحدٌ، قال: نادِ في بني الحارث -بني الحارث من الأسرة الرابعة- لكنهم كانوا من أشجع الناس ويسمون شربة الموت- فلما سمعوا وكانوا كلهم ثمانين شخصاً، لما سمعوا رسول الله ﷺ شرَّفهم من بين قبائل العرب واختصهم، نزلوا من على جمالهم وخيولهم، وكانوا يرمون أنفسهم فيأخذ أحدهم سيفه وغمده، فيكسر الغمد على ركبته ليأتي إلى الصوت، ففتح لهم ﷺ الطريق حتى وصلوا إلى مالك بن عوف فاجتدلوا، قال العباس: والله أني كنت أسمع شظايا تكسير السيوف من على رءوس الناس، كانت تتطاير من كثرة الضرب]] حتى يقول ﷺ وهو يتبسم وهو في محشر المعركة: ﴿الآن حمي الوطيس﴾. حتى يقول أهل السير: لم تنقل هذه الكلمة إلا من الرسول ﷺ ، فلما ارتفع النهار وإذا الناس قد عادوا إلى رشدهم، وكان أبو سفيان ذلك اليوم من مسلمة الفتح، ما تمكن الإيمان في قلبه، يقول: ما يردهم اليوم إلا البحر - البحر الأحمر- ويقول صفوان بن أمية: اليوم بطل السحر نعوذ بالله، يقول: اليوم بطل السحر، فلما نصر الله رسوله ﷺ ، قالوا: ما أتت صلاة الظهر إلا والأسارى مصفدين بجنبه ﷺ ، وخص ﷺ كتيبة من الأنصار مهمتها أن تستولي على الإبل والبقر والغنم والنساء.

стр. 9645

إسلام مالك بن عوف النضري أما مالك بن عوف النصري فإنه فرَّ على رجليه، وترك جيشه، ثم تبعه الناس ففروا! فقال ﷺ : لا نتركهم حتى ندخل عليهم الطائف، فأخذت هذه الغنائم في وادي حنين، ودخل ﷺ وراءه بجيشه حتى دخل عليهم في الطائف، فكبتهم ﷺ في الحصون، وحاول الرسول ﷺ أن يطيل في المحاصرة، ولكن وجوه العرب تدَّخلوا في المسألة، وأتوا إلى الرسول ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! نصرك الله وأخذت نساءهم وأطفالهم، وإبلهم، وبقرهم، وغنمهم، ثم تريد أن تذله أمام الناس؟ نريد منك يا رسول الله! أن ترتحل إلى حنين، وكأنك تريد أن تعتمر، فإذا نزلت في الجعرانة -بكسر الجيم- لحقك مالك بن عوف النصري يعتذر إليك، قال ﷺ : حِباً وكرامة! فعاد ﷺ بجيشه إلى موطن الغنائم في الجعرانة ونزل هناك ﷺ ، ولما صلى العصر من اليوم الثاني وإذا بـ مالك بن عوف النضري وممن معه من مشايخ هوازن وغطفان وكانوا سبعة وهو سابعهم، وكان شاباً، فبعد أن صلى النبي ﷺ العصر بالناس التفت فقام مالك بن عوف النضري وقال في قصيدة يمدح الرسول ﷺ ويريد أن يتشفع في الأطفال والنساء والأموال، قال: ما إن سمعت ولا رأيت بمثله في الناس كلهم كمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى وإذا تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة حركت أنيابها في السمهري وضرب كل مهند فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة خادر في مرصد فتبسم ﷺ وأجلسه، وقال ﷺ : ﴿ما تريد يا مالك؟ فإن الصدق أحب إلي من كل كلام، قال: يا رسول الله! أريد النساء والأطفال وأريد الأموال، قال ﷺ : اختر! إما الأموال وإما النساء والأطفال؟ قال: لا أعدل بنسائنا وأطفالنا شيء، فقام ﷺ في الناس فاختطب، فقال: إن ما عندي وما عند بني هاشم فنرده إلى مالك، وأما أنتم فمن شاء منكم فليرد وسوف أعطيكم من أول غنيمة﴾ فسكت الناس وبعضهم، قالوا: نرد، فقال ﷺ : ﴿يرفع لنا عرفاؤكم خبركم﴾ فكان كل عريف يرفع إلى الرسول ﷺ أنهم ردوا، والحقيقة أن الجميع ردوا، فردوا أطفاله ونساءه وقالوا: يا رسول الله! المال؟ قال: ﴿لا يعود لك منه شيء﴾ فذهب إلى الطائف بنسائه وأطفاله بعد أن أسلم عند الرسول ﷺ .

стр. 9646

موقف الأنصار من توزيع الغنائم في حنين أما الغنائم -وهذه هي الشاهد- فأتى ﷺ فاستدعى أبا سفيان الذي يقول: لا يردهم إلا البحر، قال: خذ مائة ناقة، أما الأنصار الذين تكسَّرت سيوفهم على رءوس الناس من الصباح فلم يعطهم النبي ﷺ شيئاً، قال: أين صفوان الذي يقول: الآن بطل السحر؟ قال: خذ مائة ناقة، قال: أين عباس بن مرداس؟ قال: أنا سيد حنين قال: خذ خمسين ناقة، قال وكان شاعراً: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع يقول: تعطني نصف مائة وهؤلاء تعطيهم من مائة ناقة فكيف تعطيني النصف؟ فتبسم ﷺ وأخذ يردد الأبيات، ويقول وقد كسره ﷺ ، لأنه لا يتعلم الشعر، قال: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة فتبسم أبو بكر وكان عالماً بالشعر، وقال: [[صدق الله حيث قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]]]. ثم وزَّع ﷺ ، وقال: أين الأقرع بن حابس سيد بني تميم؟ قال: هأنا يا رسول الله! قال: خذ مائة ناقة، أين عيينة بن حصن سيد غطفان؟ قال: أنا من جزارة، قال: خذ مائة ناقة، فلما وزعها ﷺ أتى حكيم بن حزام قال: أعطني من هذا المال يا رسول الله! قال: أتنظر إلى هذين الجبلين وقد امتلأ الجبل بالضأن -أي: الغنم- قال: نعم! قال: خذها لك، فأتى في اليوم الثاني، وقال: يا رسول الله! زدني، قال: خذ مائة من الإبل، فأتى في اليوم الثالث: قال: زدني! فنظر إليه ﷺ وهو من سادات قريش كان حكيم بن حزام، يكسو الكعبة سنة، وتكسوها قريش سنة، فالتفت إليه ﷺ وقال: ﴿يا حكيم! إن هذا المال حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيه، فينظر كيف تعملون﴾. فقالوا: يا رسول الله! والله لا أرزأ أحداً بعدك -أي: لا أسأل أحداً بعدك من الناس- حتى أنه ترك عطاءه في عهد أبي بكر وعمر تركه، فقال عمر: [[أشهدكم أيها الناس أن حكيم بن حزام رفض عطاءه الذي كتب له من بيت المال من أجل كلمة الرسول ﷺ ]]. فلما أتم ﷺ توزيع الغنائم؛ نظر الأنصار أنهم لم يصبهم شيء -لا بعير ولا شاة ولا بقرة- فاجتمعوا في سور هناك في حديقة طويلة، وقال بعضهم: غفر الله لرسول الله ﷺ ! هذه سيوفنا تقطر من دماء غطفان وهوازن، وقد أعطى صناديد نجد وتركنا، فسار الكلام بينهم حتى انتشرت هذه المقالة، فبلغت إلى الرسول ﷺ ، فاستدعى ﷺ سعد بن عبادة سيدهم وقد مات سعد بن معاذ، وقال: ﴿يا سعد! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قال: يا رسول الله! هو ما سمعت، قال: أين رأيك وفقهاء الأنصار؟ قال: وهل أنا إلا من قومي؟ -أي: أرى ما يرى قومي- قال: اجمع لي قومك ولا يدخل معكم في الحديقة أحد؟ فجمعهم ﵃ جميعاً، وأخرج كل من كان من سواهم، إلا رجلاً يقول للأنصار "خال": فلما دخل ﷺ ، سلَّم على الأنصار فردوا واستقبلوه ﵊، قال: هل من غيركم أحد معكم؟ قالوا: إلا ابن بنتنا -أي: يقول لهم: خال- قال: ابن بنت القوم منهم؛ فتكلم ﷺ ، فقال: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ أما أتيتكم ضُلاَّلاً فهداكم الله بي، أما كنتم متفرقين فجمعكم الله بي، أما كنتم فقراء فأغناكم الله بي؟ فنكسوا رءوسهم، وهم يقولون: المنة لله ورسوله، فرفع ﷺ رأسه، وقال: يا معشر الأنصار! والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدَّقتم: أتيتنا فقيراً فأغنيناك، وأتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا شريداً فنصرناك؟ قالوا: المنة لله ولرسوله. قال: يا معشر الأنصار! ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ والله ما تذهبون به خير مما يذهبون به، ثم قال: والله لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار ووادي الأنصار، اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار. يا معشر الأنصار! إنكم سوف تلقون بعدي أثرة -أي: أناس يستأثرون بالدنيا عليكم. فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، قال أنس: والله ما انتهى إلا ودموعنا قد أخضلت منها لحانا ﵃ وأرضاهم- قالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسمة وحظاً عن الناس﴾. فأرضاهم ﷺ بهذه المقالة، وأظهر لهم السر في توزيع الغنائم، ولذلك يقول: ﴿اصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾ فكان بعض الأنصار الذين وجدوا في أنفسهم من بعض الناس الذين استأثروا عليهم بالمناصب والأموال، كان يبكي ويقولون: يقول الرسول ﷺ : اصبروا، ولكن والله ما صبرنا -أي: تواضعاً منه- ولذلك لما أتى معاوية ﵁ دَخْلَ المدينة، استقبله الناس إلا الأنصار؛ لأنهم كانوا في صف علي ﵃، ولا نخوض فيما جرى بينهم، فكلهم مرضي عنهم، ليجمع بينهم في جنته، ومن الذين نزع الله الغل من صدورهم، فدخل معاوية ﵁ بعد أن حج، دخل لزيارة مسجد الرسول ﷺ ، فاستقبله كل الناس إلا الأنصار لم يستقبلوه، فوجد في نفسه، فصلى الجمعة، وقال لهم بعد الصلاة: يا أيها الأنصار! أين رواحلكم؟ استقبلني الناس ولم يستقبلوني! فقام رجل منهم، قيل: إنه عبادة بن الصامت، فقال: أمَّا خيولنا فطاردنا بها أباك يوم بدر، وأما رواحلنا فطاردناك بها أباك يوم حمراء الأسد، وكان حليماً ﵁ فسكت، فقال: فماذا تريدون مني؟ قال: نريد أن تعطينا كما أعطيت الناس، فقال معاوية: ما أوصاكم الرسول ﷺ بشيء؟ قالوا: نعم أوصانا بأن نصبر حتى نلقاه على الحوض، قال: فاصبروا حتى تلقوه على الحوض، فرجع البكاء كما كان في الأنصار رضوان الله عليهم، لأن معاوية احترمهم وقدَّرهم ورفع منزلتهم. هذا موقف الرسول ﷺ وهو في حنين مع الأنصار -رضوان الله عليهم- فهم أفضل الناس بعد المهاجرين بالإجماع.

стр. 9647

موقف الأنصار يوم بدر افي يوم بدر؛ فإن الرسول ﷺ كان يريد أن يخرج بالأنصار إلى كفار قريش، فلما نزل ﷺ قريباً من بدر، مكث عليه أفضل الصلاة والسلام هناك، وقال يستشير الناس: ﴿يا أيها الناس ماذا ترون؟﴾ أي: في لقاء الأعداء، والسر أن الرسول ﷺ يريد كلمة الأنصار؛ لأنهم عاهدوه يوم العقبة أن يمنعوه مما يمنعوا منه نساءهم وأطفالهم، لكن العجيب! أن المتكلم كان من المهاجرين والرسول ﷺ لا يريد المهاجرين أن يتكلموا، فقام المقداد بن عمرو فتكلم بكلام قوي، قال: [[يا رسول الله! والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقول: أذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون]]. فاستبشر النبي ﷺ ودعا له، ثم قال: ﴿أيها الناس! ماذا ترون؟ -يريد الأنصار- فقام سعد بن معاذ سيد الأنصار ﵁ وقال: يا رسول الله! كأنك تريدنا؟ قال: أجل. قال: يا رسول الله! صدقناك وبايعناك وآويناك، والله ما أخذت من أموالنا فإنه أحسن مما تركت، فاقطع حبل من شئت، وصل حبل من شئت، وحارب من شئت، وعاهد من شئت، والله! إننا لصبر في الحرب، وصُدُّق عند اللقاء، والله لو استعرضت بنا البحر ما تأخر منا رجل واحد، وعسى الله أن يريك منا ما تقر به عينك، فتهلل وجهه ﷺ ، وقال: سيروا وأبشروا؛ فإن الله وعدني بإحدى الطائفتين، إما العير وإما الرجال والنصر﴾. هذا موقف سعد بن معاذ ولذلك رفعه الله بصدقه في هذه المواقف. سعد بن معاذ شهيد الإسلام رفعه الله بموقف ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء: أن سعداً ﵁ لما مات أُصيب بسهم في الأكحل، فأنزله ﷺ في خيمة في المسجد وأتى يعوده، فقال سعد ينادي الله : [[اللهم إن كنت لا أبقيت حرباً لرسولك ﷺ مع اليهود فابقني لهم، وإن كنت أنهيت الحرب مع اليهود فاقبضني إليك]] فاندثر عليه الجرح وسال الدم، وحضر ﷺ مراسيم وفاته، قالت عائشة ﵂ -وهذا ثابت-: [[والله إني كنت أسمع بكاء رسول الله ﷺ من بكاء عمر وأبي بكر وأنا وراء صائر الباب]] وحضر ﷺ حتى تغسيله وكان يكف ﷺ ثيابه، ويقول الناس: لماذا يا رسول الله؟ قال: ﴿والله ما رأيت موقع قدم إلا وفيه ملك حضر جنازة سعد ﵁﴾ ولما توفي -وهو حديث حسن بطرقه- اهتز له عرش الرحمن ، وأن الملائكة حفت بالعرش تقول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. ولذلك يقول حسان في قصيدته الرائية في الديوان: وما اهتز عرش الله من فقد هالك سمعنا به إلا لموت أبي عمرو يقول: حسان بن ثابت ما سمعنا أحداً اهتز له عرش الرحمن إلا لـ سعد أبي عمرو ﵁ وأرضاه، ولذلك جلس الأوس والخزرج -قبيلتا الأنصار- يتفاخرون على سبيل الدعابة والمزاح، قالت الأوس: عددوا لنا مكارمكم يا معشر الخزرج! قال الخزرج: منا أربعة حفظوا وجمعوا القرآن في حياة الرسول ﷺ ، ومنا فلان الذي فعل ومنا الذي غسلتَّه الملائكة، فلما انتهوا؛ قالت الأوس: لا نباريكم إلا بواحدة: منا الذي اهتز له عرش الرحمن، وهو سعد ﵁. وثبت أنه شيَّعه من الملائكة سبعون ألف ملك، مضوا في جنازته ﵁ وأرضاه، هذا هو الرجل الذي صنعه الإسلام والقرآن، وما قصدنا من ذكر هذه الأمثلة والشواهد، تضييع الوقت والتسلية، ولكن لنرتفع بأرواحنا أو نحبهم على الأقل؛ فإن المرء يُحشر مع من أحب، فإذا لم نستطع أن نفعل كما فعلوا أو نصنع كما صنعوا؛ فلنحبهم في الله ، ولذلك بلغ بهم النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين أن قدموا حب رسول الله ﷺ على حب آبائهم وأمهاتهم.

стр. 9648

موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول مع أبيه رجع ﷺ من غزوةٍ من الغزوات، وفي تلك الغزوة كان معه المنافقون، منهم: عبد الله بن أبي بن سلول قائد لواء النفاق -نسأل الله السلامة- وكان من الخزرج، وقد كان الأنصار يريدون أن يملكوه عليهم قبل أن يُهاجر الرسول ﷺ إليهم، وقد كان فيه صحة في الجسم وبسطة في المال، ولكن داخله النفاق، فخرب ظاهره وباطنه نسأل الله السلامة. نزل هذا الرجل مع الرسول ﷺ في غزوة، فتشاجر رجل من الأنصار مع رجل من المهاجرين، فوصل الخبر إلى عبد الله بن أبي قال: صدق القائل صاحب المثل: " جوع كلبك يتبعك، وسمن كلبك يأكلك" ثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذهب رجل بهذه المقالة وهو زيد بن أرقم إلى الرسول ﷺ ، وقال: يا رسول الله! سمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول هذا اليوم كذا وكذا والله لو كان قالها في غيرك وفي غير الإسلام لما رفعتها إليك يا رسول الله! فأتى الأنصار وجوههم وكبارهم إلى الرسول، وقالوا: يا رسول الله! لا تصدقه، عبد الله بن أبي بن سلول لا يقول هذا، فيحلف الفتى زيد بن أرقم وكان شاباً، فيقول الأنصار: لا يقول ذلك يا رسول الله. وفي الأخير كان الرسول ﷺ مقتنعاً بهذه المقالة، فعاد هذا الشاب، وقال: فأخذني ما قرب وما بعد من الهم حتى كاد يقتلني، كيف أكذب وأنا سمعت الرجل يقول هذا الكلام؟ فأنزل الله في عصر ذاك اليوم قوله : ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]. فأتى الرسول ﷺ فدعا زيد بن أرقم على مرأى ومسمع من الأنصار، ثم فرك أذنه ﷺ ، وقال: ﴿لقد صدق الله كلامك وأذنك﴾ أو كما قال ﷺ ، أي: أن أذنك التي سمعت صدَّقها الله من فوق سبع سموات، ثم سرى الخبر إلى عبد الله بن عبد الله بن أبي، الذي قال أبوه هذه المقالة، وظن أن الرسول ﷺ سوف يقتله، فقال: [[يا رسول الله! إن أبي قال ما سمعت، وقد أنزل الله ما أنزل عليك، وأنا سمعت أنك تريد قتله، وأنا لا أرضى أن أرى قاتل أبي يمشي على الأرض، فإن كنت تريد قتل أبي أتيتك -الآن- برأسه ووضعته بين يديك]] لأنه ﵁ مؤمن وأبوه منافق، فقال ﷺ : ﴿بل نترحم على أبيك حتى يلقى الله﴾. وعندما رجع عبد الله بن أبي المدينة وصل إلى أسوارها؛ فقام عبد الله بن عبد الله بن أبي فسلّ سيفه ووقف على مدخل المدينة، فلما دخل الناس واجتازوا وقف، فلما رأى أباه قال: [[والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله ﷺ في الدخول، قال: ولَمْ؟ قال: لأنك الأذل ورسول ﷺ الأعز: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] فإن أذن لك وإلا أخرجناك من المدينة، قال: تفعل بي وأنت ابني؟ قال: كما سمعت! فذهبوا إلى الرسول ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! ائذن لـ عبد الله بن أبي أن يدخل المدينة، فتبسم ﷺ وقال: ائذنوا له، فأذنوا له فدخل]]. هذا من الأنصار ﵁ وأرضاه وهذا من كمال التوحيد وكمال الموالاة، وقد جعل الله عقيدة الولاء والبراء جزءاً من عقيدة أهل السنة والجماعة يلقون بها الله .

стр. 9649

كرامات الأنصار سوف أستعرض بعض كرامات الأنصار والكرامة -كما تعرفون- من معتقد أهل السنة والجماعة، يثبتها الله ويجريها على يد رجل صالح يعمل بالكتاب والسنة.

стр. 9650

كرامة لأسيد بن حضير ممن أعطاهم الله الكرامة من الأنصار أسيد بن حضير، هذا الرجل البطل المجاهد قام في ليلة من الليالي يقرأ سورة الكهف في صلاة الليل، فأخذ فرسه يمور في مكانه، وكادت تفتك من رباطه، وكان ابنه يحيى نائم، فخاف على ابنه من الفرس، فاستعجل في الصلاة وسلّم، ثم نظر؛ فإذا بشيء كالظلة أو كالغمامة فيها مصابيح على رأسه في الليل، فخرج فأخبر الرسول ﷺ ، وقال: كنت قد قرأت البارحة في صلاة الليل؛ فإذا أنا كالظلة على رأسي فيها كالمصابيح ما هي؟ قال ﷺ : ﴿والله إن تلك الملائكة تنزلت لقراءتك، والله لو بقيت تقرأ إلى الصباح، لرأها الناس، لا تختفي عنهم﴾ هذا أسيد بن حضير ﵁.

стр. 9651

كرامة عباد بن بشر وأما عباد بن بشر، فقد كان من شباب الأنصار الذين قُتِلوا يوم اليمامة، قتل بأكثر من عشر ضربات بالسيف في وجهه، ولقي الله بهذه الشهادة التي تكتب له عند الله. جلس ذات ليلة مع الرسول ﷺ هو وأسيد بن حضير، فلما خرج عباد بن بشر وأسيد جعل الله لهم نوراً يرونه أمامهما، فلما انفصل هذا من طريق وهذا من طريق آخر، انفصل نور مع هذا ونور مع هذا، حتى أوصلهما بيتهما في ظلمة الليل، وهذه من الكرامات التي ثبتت لهم رضوان الله عليهم.

стр. 9652

كرامة قتادة بن النعمان قتادة من الأنصار رضوان الله عليهم، كان يوم أحد يقاتل مع رسول ﷺ ، فضرب على وجهه بالسيف، فنزلت عينه حتى أصبحت في خده، فأتى ﷺ ، فلما رآه وعرض نفسه عليه ورأى عينه قد نزلت في خده ردها ﷺ بيده، وقال: باسم الله! فعادت، قال الأنصار: والله إنها كانت أجمل من الأخرى. ولذلك يذكر أن ابن قتادة دخل مع فتية عند عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة للمسلمين، فأراد أن يتعرف عليهم وكان من علية الناس، فقال لأولهم: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن أمير البصرة عام كذا وكذا، وأنت؟ قال: ابن أمير الكوفة، فكان ﵁ يغضب ويشيح بوجهه؛ لأن المؤهلات عند عمر تختلف عند أهل الدنيا، فلما أتى دور هذا الأنصاري، قال: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيباً بماء فعادا بعد أبوالا يقول: تلك هي المكارم التي يريدها الإنسان، المكارم في الدار الآخرة، لا قعبان من لبن: أي: أسان من لبن، شيباً بماء، أي: خلط بماء وقدمت للضيف من أجل الصيت والسمعة، فشربها الضيف فعادت بولاً. فيقول: مراتبكم ومناصبكم ودنياكم لا تساوي مع هذه شيئاً، هذه هي المكارم إن كنتم تريدون مكارماً.

стр. 9653

شهداء الأنصار أما شهداء الأنصار ﵃ فقد قُتِلَ منهم (٧٠%) تقريباً وما أهلكهم إلا السيف في ذات الله ، وروى عن الحسن البصري أنه قال: [[إذا أتى الأحياء يوم القيامة، أتت الأنصار بأكثر شهداء الأرض]].

стр. 9654

أنس بن النضر من شهداء الأنصار أنس بن النضر ﵁ خال أنس بن مالك ﵁ وأرضاه يقول أنس: [[كان خالي أنس بن النضر قد تخلف عن معركة بدر؛ لأن معركة بدر أتت في عجلة، ولم يتهيأ لها رسول الله ﷺ وما دعا لها الناس، ولما تخلف كان أنس بن النضر، كلما صلى صلاة، قال: والله لئن جمع الله بين رسوله ﷺ وبين المشركين، ليرين الله ما أصنع]] قال أنس: [[وهاب أن يقول: لأقاتلن حتى أستشهد؛ لأن القلوب بيد الله ، قال: ليرين الله ما أصنع]] فلما أتت معركة أحد، قام ﷺ على المنبر وقد طوق أبو سفيان بالجيش بما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل، ما يقارب ثلثي اتجاهات المدينة، ليقطع خط الرجعة على الرسول ﷺ ، وأخذ السير على المواشي من الإبل والبقر والغنم والسوارح كلما سرحت، وكان يؤذي أهل المزارع، فقام ﷺ على المنبر يوم الجمعة، فقال: ﴿أيها الناس! أما علمتم أن أبا سيفان قد نزل بجانب المدينة، فماذا ترون؟﴾ فقام عبد الله بن أبي يصلي مع الرسول ﷺ -يصلون ويزكون ويصومون لكنهم منافقون نفاقاً أكبر مخرجاً من الملة- فقال: يا رسول الله! والله ما قاتلنا حياً من أحياء العرب في المدينة إلا انتصرنا عليهم، فنرى أن تقاتلهم داخل المدينة، وصدق في هذا الرأي وهو كذوب وكان الرسول ﷺ يرى أن يُقاتلهم داخل المدينة في السكك؛ لأنه سوف يجعل المقاتلة على السطوح، وسوف يرصد لهم كمائن في أطراف السكك، وسوف يدبر لهم مكيدة، فلما علم شباب الأنصار بذلك وكان منهم أنس بن النضر -وحمزة ﵄ في ثمانين خرجوا من المسجد- كأنهم ما أرضاهم هذا الرأي فخرج بعضهم فلبس أكفانه منهم أنس بن النضر، وعادوا بسيوفهم مصلتة وهم يرتجزون وكان من رجزهم كذلك: لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل ثم قام رجل اسمه سالم من بني مالك بن الحارث، وقال: ﴿يا رسول الله! أتخذ سوارحنا ولم نضارب أتمنعنا من دخول الجنة؟ والله لأدخلن الجنة، فتبسم ﷺ وهو على المنبر وقال: بماذا تدخل الجنة؟ قال: بحبي لله ولرسوله، ولا أفر يوم الزحف﴾ ودخل حمزة وعلى عمامته ريش النسر، وقال: ﴿يا رسول الله! نخرج إليهم لا نبقى في عقر دارنا؛ لأن ما غزي قوم بعقر دارهم إلا ذلوا، فقال ﷺ : انتظروا! فانتظروا فنزل ﷺ واغتسل. تقول عائشة: اغتسل ﷺ ولبس درعه ولامته على رأسه، ثم سلَّ سيفه، وخرج على المنبر ليعيد الخطبة مرة ثانية، ويُحرضَّهم على القتال، وعلى مبارزة الأعداء، فقالوا: يا رسول الله! لعلَّنا أكرهناك لعلنا فعلنا، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١]﴾. خرج ﷺ بالناس، وقال له : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] أما أن ترجع مرة ثانية فلا. فخرج أنس بن النضر مع الرسول ﷺ ، ولما أصبحوا في الطريق عاد عبد الله بن أبي بن سلول إلى المدينة؛ لأنه منافق لا يريد القتال، فقال: يطيع الأغْلِمَة ويترك رأينا -أي: في أمس يوم الجمعة- ثم قال: لا أخرج! فأطاعه ثلاثمائة فانخذل بهم، ثم أتت بنو حارثة الأبطال الشجعان، الذين قاتلوا في حنين، وأرادوا أن يفشلوا، فانتظروا في ظهر الجبل، وتلبثوا فقالوا: نعود إلى المدينة، ثم أتى بنو سلمة، وأرادوا أن يفشلوا مرة ثانية، وهم قبيلة جابر، فتلبثوا بالجبل، فأرسل لهم ﷺ من ينذرهم وهو أبو جابر الذي كلَّمه الله كفاحاً بلا ترجمان، قال: ﴿اذهب إليهم وادعهم إلى الله وإلى جنة عرضها السماوات والأرض﴾ فأتى إليهم، وقال: ماذا تفعلون؟ ثم حثا في وجوه بعضهم بالتراب، قال: تفعلون برسول ﷺ هذا؟! فاعتصموا بالله وأرشدهم الله، فذهبوا إلى المعركة، قال : ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٢٢]. قال أنس: والله ما وددنا أن كِدْنا نفشل، والله يقول في الآية: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢] لا نريد أننا فعلنا هذا، لكن نريد أننا فعلنا -والحمد لله- ما فعلناه؛ لأن الله عصمنا، ثم قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران:١٢٢] حضرت المعركة، وابتدأ القتال، أما أنس بن النضر فلمَّا رأى الناس انهزموا أصحاب الرسول ﷺ في بعض أدوار المعركة أخذ سيفه، وكسر غمده على ركبته، ثم لف رأسه بعمامة، ثم قال للأنصار: أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم لقيه سعد بن معاذ وهو سيدهم، وقال: [[يا أنس بن النضر! ماذا تصنع؟ قال: إليك يا سعد، فوالله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] أي: أجد نسيم الجنة يدخل في أنفي دون أحد -أي: قريباً من أحد - فقاتل حتى قُتِل، قال أنس: [[والله لقد وقفت عليه وإن فيه أكثر من ثمانين ضربة، بالسيوف والرماح]]. قال: وما عرفنا من هو هذا القتيل إلا أن أخته عرفت أنه أخوها ببنانه أي: بأصابعه.

стр. 9655

عبد الله بن عمرو بن حرام من شهداء الأنصار أما عبد الله بن عمرو بن حرام -والد جابر - فقد قام قبل أن يقاتل في غزوة أحد في الليل فصلى، ثم رأى في المنام أنه قد قتل، وأن الله قد كلَّمه في الجنة، فأيقظ ابنه جابراً في الليل -ما عنده إلا ولد واحد وسبع بنات- قال: [[يا جابر! إنني رأيت أنني من أول من يقتل في المعركة، وقد رأيت كأني دخلت الجنة وكلمت الله، فاستوصي بأخواتك خيراً، وأستودعك الله فقال جابر: فما شككت أنه مقتول ذاك اليوم]] قال جابر: فحضرنا المعركة، فقتل أبي، فأتيت إليه فوجدته مقطعاً يبن يدي رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ ينظر إليه وينفض التراب من على وجهه ولحيته، فأتت عمتي - فاطمة بنت عمرو بن حرام - تبكي، فقال رسول الله ﷺ ﴿تبكينه أولا تبكينه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه، ثم قال ﷺ : يا جابر! تعال! قال: فأدناني ﷺ ، فقال: إن الله كلَّم أباك كفاحاً﴾ كلَّمه بلا ترجمان، وهذا ثابت في الصحيح، وقد صححه ابن كثير في تفسيره، عند قوله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] الآية. فقال الله لـ عبد الله: ﴿يا عبدي! تمن؟ قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن؟ قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، قال: فأخبر إخواننا بما فعلت، وبأننا لقيناك فرضيت عنا ورضينا عنك، فأنزل الله مصداق ذلك: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]﴾. قال أنس في الحديث: ﴿فجعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر، تأكل من شجر الجنة، وتشرب من أنهارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في السماء﴾.

стр. 9656

حرام بن ملحان من شهداء الأنصار ومن شهدائهم ﵃ وأرضاهم: حرام بن ملحان، كان من القراء، أرسله عليه أفضل الصلاة والسلام تجاه حنين ليدعوهم إلى الله ومعه نحو سبعين رجلاً من القراء، وكان هؤلاء القراء من خيرة شباب رسول الله ﷺ ، فلما وصلوا غدر بهم عامر بن الطفيل فقال: يا حرام! انتظر قليلاً حتى أذهب إلى أناس فأجمعهم لتقرأ عليهم مما علمَّك الله؟ وهذا كافر لا يريد مما علَّمه الله ولا يريد القرآن، لكن بمكيدة أن يجمع القبائل، ليقاتلوا هؤلاء القراء، فذهبوا إلى القبائل، فقال: عليكم بالسيوف والرماح وتعالوا! فقاتلوا عصابة أتت لمحاربتكم، فأتوا فطوقوا السبعين فقتلوهم عن بكرة أبيهم، ولذلك مكث ﷺ يقنت شهراً في الصلاة، ربما بكى وربما دعا على رِعل وذكوان لمَّا فعلوا به ﷺ وبقرائه. جاء عامر بن الطفيل إلى حرام بن ملحان فقال له: تعال لأكلمك! فاقترب منه واستأمنه، فأشار عامر لرجل من ورائه، فقال: اطعنه بالرمح إذا كلَّمته، فلما أصبح يُكلمه ويناجيه أتى رجل من ورائه من قبائل رعل، فأدخل الرمح من ظهر حرام حتى خرج من صدره، فلما خرج الدم أخذ حرام الدم من قلبه ثم ضرب به وجه عامر بن الطفيل، وقال: [[فُزت ورب الكعبة]] وهذا الحديث في البخاري في (باب: الجهاد) ثم مات ﵁ وأرضاه شهيداً بإذن الله .

стр. 9657

سعد بن الربيع من شهداء الأنصار ومن شهدائهم: سعد بن الربيع الذي قتل يوم أحد، فقد أرسل الرسول ﷺ زيد بن ثابت ليتفقد سعد بن الربيع في القتلى، فلمَّا وجده قال له: كيف تجدك يا سعد؟ قال: أجد ريح الجنة، أخبر رسول الله ﷺ : لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فبلغه مني السلام، وقل للأنصار: لا عذر لكم ما بقي فيكم رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، فجاء زيد بن ثابت فأخبر ﷺ ، فقال: عليك وعليه السلام.

стр. 9658

البراء بن مالك من شهداء الأنصار البراء بن مالك هو الذي يقول فيه ﷺ : ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك﴾ وكان البراء إذا دخل في المعركة أقسم على الله، فينصرهم الله ، فلما التقوا في تستر قال المسلمون: يا براء! أقسم على الله أن ينصرنا هذا اليوم، فتوجه البراء، وقال: [[يا رب! أقسم عليك أن تنصرنا هذا اليوم وأن تجعلني أول قتيل]] فلبس ﵁ أكفانه فنصرهم الله وكان ﵁ وأرضاه أول قتيل. ولذلك يقول عمر: [[لا تولوا البراء بن مالك جيشاً فإنه مهلكهم]] أي: هو لا يريد البقاء، فيتهالك بنفسه ويدخل بنفسه في غمار المعركة، حتى أنه يوم اليمامة دخل بنفسه وبكل صعوبة خرج ﵁ وأرضاه من المعركة.

стр. 9659

عمير بن الحمام من شهداء الأنصار ومن شهدائهم أيضاً عمير بن الحمام: وقف يوم بدر يأكل تمرات في يده، فقال ﷺ : [[يا أيها الناس! قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، والله ما بينكم وبين أن تلقوا ربكم إلا أن تقتلوا هؤلاء، أو يقتلكم هؤلاء]] فقال عمير بن الحمام: [[بخٍ بخٍ، إنها لحياة طويلة إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات، ثم رمى بها، ثم أخذ سيفه وخلع درعه من عليه، وقاتل حتى قُتِلَ]]. وقد ثبت في الحديث: ﴿أن الله ضحك منه؛ لأنه لقي العدو حاسراً بلا درع﴾ ضحك عجباً منه ضحكاً يليق بجلاله، وفي الحديث: ﴿إن ربك يضحك من الرجل يلقى العدو حاسراً﴾ ومنهم: عمير بن الحمام ﵁ وأرضاه.

стр. 9660

من عظماء وعلماء الأنصار أما عظماء الأنصار رضوان الله عليهم؛ فإن الله شرَّفهم برسالة الرسول ﷺ ، ورفع قدرهم، فتعلموا العلم النافع الذي هو قال الله وقال رسول الله ﷺ ، وكان الرجل منهم يبقى مع الرسول ﷺ السنة والسنتين وأقل من ذلك، فيخرج معلماً ومفهماً للناس؛ لتيسير الله لهذه الشريعة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]؛ ولذلك ينبغي على طلبة العلم أن يفهموا أن هذه الشريعة ميسرة، وقد لمح لذلك ابن الوزير في العواصم والقواصم، وقال: إن الذي عسَّر هذه الشريعة هم القرون المتأخرة، حتى قالوا لطالب العلم وللداعية: لا يمكن أن تخرج إلى الناس أو تنفع الناس حتى تدرس وتحضر وتقرأ وتجمع، وهذا من تلبيس إبليس ليعطل طاقات الأمة، وليلعب بأفكارها، وليضيع الدعاة وطلبة العلم والعلماء من الأمة، وإلا فإن صحابة رسول الله ﷺ كان أحدهم إذا تعلم سورة مضى بها في الناس ينشرها لوجه الله . وقد أرسل الرسول ﷺ معاذاً إلى اليمن وعنده من الأحاديث القليل، لكنَّ بركة العلم ونوره وهدايته جعلته يقوم بهذه المهمة، فالمقصود: الإخلاص وقصد الله بالعمل، وهو المطلوب في هذا الدين، ليس التكثير؛ فإن الله يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]. ويقول مالك بن أنس ﵀: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم بنور يقذفه الله في قلب العبد، وحديث يعمل به خير من آلاف مؤلفة لا يعمل بها، وإنما صلاح العلم العمل به ونشره في الناس.

стр. 9661

أبي بن كعب من قراء الأنصار من علمائهم في العلم: أبي بن كعب سيد القراء، جاء رجل من أهل العراق، فقال: رأيت عمر ﵁ جالساً بجانبه شيخ أبيض الرأس، أبيض اللحية، يرتعد من الحمى، فقلت لـ عمر من هذا الشيخ؟ قال [[ثكلتك أمك أما عرفته؟! هذا سيد المسلمين أبي بن كعب]]. وكان أبي قد سأل الله الحمى؛ لأنه سأل رسول ﷺ : ﴿يا رسول الله! هل يُكَّفر عنا ما نصاب به من همٍّ وغمٍّ ومرض؟ قال رسول الله ﷺ : نعم! حتى الشوكة يشاكها العبد، فقال: اللهم إني أسألك حمى لا تعطلني عن جهاد ولا فريضة ولا حج ولا عمرة H/>>﴾ فمكثت به الحمى ثلاثين سنة، حتى يقول الذهبي: وجد الحمى ثلاثين سنة، حتى ابيضت لحيته ورأسه، وكان كل من اقترب منه يجد فيه الحرارة، فـ أبي هو سيد القراء وعالم من علماء الأنصار. ومن علمائهم: زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله ﵃ وأرضاهم.

стр. 9662

حسان بن ثابت ﷺ ، وقال: ﴿أيها الناس! أما يحق لرجال نصروا رسول الله ﷺ بسيوفهم أن ينصروه بألسنتهم؟!﴾ لأن الرسول ﷺ تعرض لهجاء من شعراء المشركين، كانوا يهجون الرسول ﷺ ، فقال عبد الله بن رواحة: هأنا يا رسول الله -أي: أنصرك- وكأن الرسول ﷺ رأى ذلك، لكن رأى عبد الله بن رواحة ليس في درجة حسان في القوة في الشعر، فقام حسان وقال: ﴿أنا لها يا رسول الله! قال: بماذا؟ قال: عندي لسان لو وضعته على حجر لفلقه، وعلى شعر لحلقه، ثم أخرج لسانه وضرب به أرنبة أنفه، فتبسم ﷺ ، وقال: اللهم أيده بروح القدس﴾ أي: بجبريل. أتى حسان فكان ينشد له ﷺ ، وكان من بني النجار، وكان ﷺ يقول على المنبر: ﴿اهجهم وروح القدس يؤيدك﴾ روى ذلك البخاري في باب إنشاد الشعر في المسجد، واستدل بهذا. مر عمر وهو متولي الخلافة، وحسان ينشد في المسجد -في خلافة عمر فلحظ إليه- كأن عمر يكره إنشاد الشعر في المسجد، قال حسان: [[أنشدت في المسجد وفيه من هو خير منك، ثم قال لـ أبي هريرة: أليس كذلك؟ قال: بلى]]. فهذا من فعله ﵁، ولذلك كلما أتى شاعر بقصيدة فيها هجاء للرسول ﷺ ؛ قام حسان يذب عن عرض الرسول ﷺ ، يقول في مدح الرسول ﷺ والأنصار والمهاجرين يوم بدر يقول: وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد انظروا إلى هذا الشرف العظيم، جعل جبريل ومحمد تحت لواء الأنصار رضوان الله عليهم، يقول: وفي يوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد وأبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول ﷺ ، تعرض لمقام الرسول ﷺ فرد عليه حسان بقصيدة يقول فيها: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء إلى آخر ما قال ويقول فيها: ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبداً وعبد الدار سادتها الإماء هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فلما سمعه ﷺ دعا لـ حسان ﵁ وأرضاه، وكان حسان -دائماً- ينافح ويكافح عن رسول الله ﷺ بلسانه، وقد تعمر حسان مائة وعشرين سنة -ستين في الإسلام وستين في الجاهلية- وتوفي بعد أن أحسن المدائح في رسول الله ﷺ ، وجعل ثورته وجهده وكل ما معه من مديح في الرسول ﷺ ، حتى قال ﷺ : ﴿اهجهم! والله لهو أشد عليهم من نضح النبل﴾. حتى إن حسان كان يستهزئ بهم في قصائده؛ لأنه من كبار شعراء الإسلام. يُذكر أن الحارث بن هشام أخو أبي جهل كان قائد من قواد معركة بدر ضد الرسول ﷺ ، ولما انتصر ﷺ فر ببغلته وترك المعركة، وكان الحارث من أكبر زعماء العرب، حتى يقول الشاعر: أحسبت أن أباك يوم هجوته وسببتني كـ الحارث بن هشام لكن لما رأى السيوف تعمل عملها في المعركة؛ فر وترك المعركة على بغلة، وأخذ حسان ﵁ هذه الفرصة، وقال في قصيدة طويلة: إن كنتِ كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل عنهم ونجا برأس طمرة ولجام فتمنىَّ الحارث ابن هشام أنه قد قتل وأنه ما سمع هذه الأبيات، كلها خدمة في سبيل الله، ونصرة لله من الأنصار، فانظر إليهم كيف نصروا رسول الله ﷺ بدمائهم وأموالهم وشعرهم، وكل ما أوتوا من قوة؟! حتى أن كعب بن زهير وفد على الرسول ﷺ بعد أن هجا الرسول ﷺ وكان قد أهدر النبي ﷺ دمه فقال: ﴿من وجده من الناس فليقتله﴾ فكان يخرج في القبائل وينام في النهار ويمشي في الليل من خوف القتل، فلما طال عليه الوقت، وطال عليه الجوع والعري والظمأ، أتى فذهب إلى المدينة، ونظم قصيدة للرسول ﷺ ، وأتى فنام عند أبي بكر، وقال: أريد أن تشفع لي عند رسول الله ﷺ فقد أهدر دمي في قبائل العرب، والله ما استلذذت بنوم ولا ذقت طعاماً، وما رأيت أهلي، فرق له أبو بكر، وقال: [[هل عندك شعر تقدمه للرسول ﷺ ؟ قال: نعم. ]] فأتى إلى الرسول ﷺ في صلاة الفجر، وسلَّم عليه، وقال قصيدته المشهورة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول ثم قال: إن الرسول لنور يستضاء به مهندٌ من سيوف الله مسلول نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول إلى أن يقول: مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل وقال كل خليل كنت آمله لألهينك إني عنك مشغول ثم يقول: حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقمات قوله القيل يقول: كلامي صارم وماض! لا يقبل التلبيس ولا التأويل (في كف ذي نقمات قوله القيل) فمدح المهاجرين وترك الأنصار، يقول: زالوا فما زال أنكاس ولا كشف عند اللقاء ولا ميل معازيل أي: لماذا تمدح المهاجرين وتترك الأنصار؟ لأن الأنصار غضب منهم كعب ﵁؛ لأنهم أكثر من نبَّه الرسول ﷺ عليه، يقولون: عليك بالرجل، فوجدها في نفسه، فما ذكرهم في القصيدة فغضب ﷺ ، فقال: أين الأنصار؟ فأتى في اليوم الثاني، ونظم قصيدة فقال: من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالحي الأنصار الناصرون نبيه وكتابه يوم الكريهة بالقنا الخطار فرضي ﷺ عنه، وهو ﷺ لا يريد أن يذكر في مجلس ولا في عقيدة ولا في أقوال ولا في عمل مما يختص بالولاء والبراء إلا ويذكر معه الأنصار.

стр. 9663

عقيدة أهل السنة والجماعة في الأنصار ولذلك لابد وأن نعتقد حبهم حب الأنصار قربة إلى الله ، وأن بغضهم -نعوذ بالله- من الكفر والنفاق، كما قال ﷺ في الحديث: ﴿آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار﴾. وفعلاً! وُجِدَ من الناس من يبغضهم ويحاربهم، حتى أن مسلم بن عقبة المري، الذي يُسميه أهل السنة والجماعة مشركاً، قاد جيشاً إلى المدينة وحارب أهل المدينة واستباحها ثلاثة أيام، حتى تركهم يستسقون الماء ولا يُسقون، ويطلبون الطعام ولا يُطعمون، ولذلك يقول ﷺ : ﴿من كاد أهل المدينة أذابه الله كما يُذاب الملح في الماء﴾. وجعل ﷺ من أعظم ما يمكن أن نتوسل به إلى الله هو حب الصالحين والأنصار رضوان الله عليهم. قال العلماء ممن شرحوا هذا الحديث: إنما نحبهم في الله ؛ لما فعلوا من نصرة رسول الله ﷺ وكتاب الله ودينه، لكن ما جرى بينهم كأن يبغض بعضهم بعضاً، فهذا لا يدخل في هذا الباب. أما في عقيدة أهل السنة والجماعة فنحبهم في الله ، ونتقرب إلى الله بحبهم، ونرى أن من أبغضهم أنه بغيض عند الله ، وأن الرسول ﷺ يقول: ﴿إن الناس يزيدون والأنصار ينقصون، فالله الله من تولى من أمر أمتي شيئاً فعليه بالأنصار، ليقبل من مُحسِنهم ويتجاوز عن مسيئهم﴾. الناس يزيدون -وهذا بالاستقراء والسبر في الحوادث والتواريخ- كل فئة زادت إلا الأنصار؛ فإنهم أخذوا ينتهون رويداً رويداً حتى لم يبق منهم إلا الأسر القليلة؛ لأن السيف -دائماً- يمضي عليهم، وبالاستقراء في معارك المسلمين التي حضرها الأنصار: كان أكثر الشهداء هم من الأنصار، وأنشأ الله منهم دول بني الأحمر في الأندلس، وينتسبون إلى سعد بن عبادة، ومنهم قبيلة مجاهدة من أقوى المجاهدين الأفغان، والذين كبدوا الشيوعية، وقتلوا الملاحدة، أعظم قتل هم الأنصار، ويسمون في تاريخهم (قبائل كادس) وهم ينسبون إلى الأنصار رضوان الله عليهم، وهم من أشجع القبائل. جعل الله للأنصار النصر واللواء المعقود، ونسأل الله أن يُوردهم الحوض المورود، ويُوردنا معهم رضوان الله عليهم، لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿اصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾ لم يقل: يوم القيامة، ولكنه قال: الحوض، وهذا دليل على أنهم يردون معه ﷺ . ولذلك جعلهم ﷺ شعاراً، يقول: ﴿الأنصار شعار والناس دثار﴾ والشعار: هو الذي يلي الجسد، يقول: أنتم خاصتي وعيبتي ونصحي ومشورتي وبطانتي، وما سواكم فهم دثار كاللباس الخارجي.

стр. 9664

واجبنا نحو الأنصار إن من الواجب العظيم علينا نحوهم أن نعرف حقهم، ومعرفة حق الأنصار بأمور منها: أولاً: أن نستقرئ سيرهم، وأن نمعن فيها، ونعرف كيف قدموا للإسلام من نصر وبذل وعطاء ووثاق. ثانياً: أن نحبهم في الله . ثالثاً: أن نترضى عنهم، وندعو لهم بالمغفرة، وبالدرجات العالية عند الله . اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إن نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم صلِّ على رسولك محمد وعلى آله وصحبه من المهاجرين والأنصار، الذين شرفتهم يا رب العالمين بحماية الدار. اللهم احشرنا معهم تحت ظلك، وتحت لواء نبيك محمد ﷺ ، وارض عنهم، واجعلنا ممن يتولاهم ويبغض مبغضهم، إنك على كل شئ قدير. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9665

هجوم على الكعبة تعرضت الكعبة المشرفة لغزو قبل البعثة، وقص نبأ ذلك في كتابه، في سورة قصيرة تحمل من المعاني والصور واللطائف ما ستجده في ثنايا هذا الدرس إن شاء الله.
следующие страницы →