Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.
стр. 9871
برقيات عاجلة
يا أصحاب سمو المعالي إلى العزيز العالي جلَّ في علاه، بإيمانهم وجهادهم وصبرهم ودعوتهم:
стр. 9872
برقية النمل
لَمَّا أنذر النمل وحذَّر ودعا بني جنسه، سُطِّرت في حقه سورةٌ من القرآن تُتلى باسمه، فخذ من النمل ثلاثاً:
١ - الدأب في العمل.
٢ - محاولة التجربة.
٣ - تصحيح الخطأ.
стр. 9873
برقية النحل
لَمَّا أكل النحل طيباً، ووضع طيبا، ً أوحى الله إليه، وجعل له سورة تُذكر باسمه، فخذ من النحل ثلاثاً:
١ - أكل الطيب.
٢ - كف الأذى.
٣ - نفع الآخرين.
стр. 9874
برقية الأسد
لَمَّا جلَّت همة الأسد، وظهرت شجاعته، أسَمته العرب مائة اسم، فخذ من الأسد ثلاثاً:
١ - لا ترهب المواقف.
٢ - لا تتعاظم الخصوم.
٣ - لا ترض حياة الذل.
стр. 9875
برقية الذباب
لَمَّا سقطت همة الذباب، ذُكِر في الكتاب على وجه الذم، فاحذر ثلاثاً في الذباب:
١ - الدناءة.
٢ - الخسّة.
٣ - سقوط المنزلة.
стр. 9876
برقية العنكبوت
لَمَّا هزُلت العنكبوت وأوهنت بيتَها، ضُرِبَ بيتُها مثل الهشاشة، فاحذر في العنكبوت ثلاثاً:
١ - عدم الإتقان.
٢ - ضعف البنيان.
٣ - هشاشة الأركان.
стр. 9877
برقية الكلب
لَمَّا عاش الكلب دنيئاً لئيماً، ضُرِب مثلَ العالِم الفاجر الغادر الكافر، فاحذر ثلاثاً في الكلب:
١ - كفر الجميل.
٢ - خسة الطباع.
٣ - نجاسة الآثار.
стр. 9878
برقية الهدهد
لَمَّا حمل الهدهد رسالة التوحيد، تكلَّم عند سليمان، ونال الأمان، وذكره الرحمن، فخذ من الهدهد ثلاثاً:
١ - الأمانة في النقل.
٢ - سمو الهمة.
٣ - حمل هم الدعوة.
قال أبو معاذ الرازي: " مسكين من كان الهدهد خيراً منه ".
والهدهد احتمل الرسالة ناطقاً أهلاً بمن حمل اليقين وسلَّما
стр. 9879
نفوس سمت شوقاً إلى الله
إذا أتى جعفر الطيار بجناحين، ودُعي أبو بكر من الأبواب الثمانية، وكلَّم عبد الله الانصاري ربه بلا تُرجمان، فبماذا تأتي أنت؟!
ما هي بضاعتك؟!
ماذا أعددت لذلك اليوم؟!
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي نُجيب به إذ ذاك والأمر أعظمُ
إنها نفوس تاقت إلى الله، وسمت إلى الحي القيوم!!
كنت أعددت طرحاً شعرياً لهذه المحاضرة، فتذكرت أني قدمت ألبوماً بعنوان: (القمم لأهل الهمم) فآثرت أن أُمازجه بكثير من الأدب، فسماحاً للقافية، وعذراً للبيت والروي، ولنسافر مع أدب؛ لكنه صادق، ومع شعر؛ لكنه مؤمن، ومع قافية؛ لكنها مسلمة.
وقف مجاهد مؤمن في عصر الصحابة على جبال الأفغان، على مشارف كابل، فقال:
فيارب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجع يُعلى بخضر المطارف
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يُصابون في فجٍّ من الأرض خائف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وساروا إلى موعود ما في المصاحف
يقول: يا رب! لا تعدني إلى غرفتي الضيقة، إلى سريري المزين بالمطارف، إلى زوجتي الجميلة، لكن قطِّعني في سبيلك إرباً إرباً، وهذه في أبجديات الموحدين، وفي دواوين المخلصين، قالها طلحة وغيره، فيقول أحدهم مستلهماً جلال الله وعظمته، ثم تفيض دموعه ثم يقول: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]].
стр. 9880
سمو نفس البراء بن مالك
دخلوا على رجل اسمه: البراء بن مالك، سمت روحه إلى الواحد القيوم، وقد اضطجع على ظهره، وقد رفع رجله اليمنى على اليسرى، ورفع عقيرته بالنشيد، فقال له أنس: [[أتنشد وتغني وأنت من أصحاب محمد ﵊، قال: اسكت، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد قتلت من الكفار مائةً مبارزةً، ووالله الذي لا إله إلا هو لأموتنَّ شهيداً]] لماذا يُقسم؟
لأن الرسول ﵊ قال فيه وقد رآه بذّ الهيئة رثَّ الثياب: ﴿رُبُّ أشعث أغبر ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك﴾.
فأقسم على الله يوم تستر أن يُقتل شهيداً، فقتل شهيداً.
стр. 9881
عمر بن عبد العزيز والنفس التواقة
وعمر بن عبد العزيز سمت روحه يوم تولَّى الخلافة، جلس على المنبر الدمشقي ليحكم ثنتين وعشرين دولة إسلامية، ففاضت دموعه وبكى، وأُجهِش الناس بالبكاء، قال المحدث الراوية الثقة رجاء بن حيوة: " والله لقد كنت أنظر إلى جدران المسجد هل تبكي معنا".
ثم قال عمر: " اللهم إن لي نفساً تواقة -معناها: صاحبة سمو- توليت يا رب الإمرة فطمعت في الخلافة فنلتها، فهأنا أطمع في الجنة، اللهم بلغني الجنة " هذا هو السمو.
стр. 9882
سمو عبد الله بن رواحة
ومن أبجديات السالكين: قولهم على لسان عبد الله بن رواحة وقد قال له الصحابة: تعود بالسلامة، قال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا
وقتل في مؤتة، والقبر هناك، ولكن سريره دخل إلى جنات النعيم، ورآه بعينيه رسول الهدى ﵊.
стр. 9883
سمو ثابت بن عامر وتمنيه الموت وهو ساجد
والعباد يشاركون أيضاً مع المجاهدين في سمو الهمة، فأما أحدهم وهو ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير، فيقول: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قالوا: ما هي؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد]] فقبض الله روحه وهو ساجد في آخر سجدة في صلاة المغرب.
وقِسْ على ذلك قوله ﷺ في حديث حسن لـ عمر وقد رآه لبس ثوباً أبيض قال: ﴿البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً﴾ فرزقه الله سمواً في الدنيا؛ عدلاً في الرعية، ورحمة بالأمة، وزهداً في نفسه، ثم توفاه شهيداً في المحراب، وعلى ذلك سار السلف.
стр. 9884
سمو إسحاق بن منصور
حتى إنه في ليلة من ليالي أهل السمو العلمي كان إسحاق بن منصور تلميذ أحمد بن حنبل في خراسان، فرجع بعدما روى الحديث سبع سنوات، وكتبه في قراطيس، فأخذ القراطيس معه في السفر، فأمطرت السماء، فوضع الكتب والقراطيس والدفاتر تحت بطنه، واحتضنها في الليل والبرد يصب على ظهره، والمطر البارد والريح تَسُفُّ على وجه، وهو يحتضن دفاتره؛ لئلا تبتل بالماء، بعد رحلة سبع سنوات، ثم عاش طويلاً، ثم مات فرآه أحد الصالحين في الجنة، قال: ما فعل الله بك؟ قال: غفرَ لي بليلة المطر، يوم انحنيت على الدفاتر، يوم حضنت أوراقي، غفر الله لي بتلك الليلة.
وانظر إلى بعض الصالحين، يُرسل نشيداً إلى الواحد الأحد، لكن ينظمه بحبات قلبه، يقول أولاً نثراً:
يا رب! إن أحبَّ كُثَيِّرٌ عَزَّة، وأحبَّ غيلان مية، فاجعل حبي فيك.
يا رب! إن أحب عنترة عبلة، وأحب قيس ليلى، وأحب الآخر سلمى، فاجعل حُبي لك وحدك، ثم نظَمَها شعراً فقال:
إذا كان حُبَّ الهائمين من الورى بـ ليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا
فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى
أُفٍّ على الوتر أُفٍّ على الناي أُفٍّ على الغناء أُفٍّ على الضياع أُفٍّ على حياة اللهو والغرام والهيام، إن لم تكن المحبة للواحد العلام، الذي بنى دار السلام، فلما انتهى من بنائها قال: تكلمي وعزتي وجلالي، قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] قال: وعزتي وجلالي، لا يجاورني فيك بخيل.
هذه مسيرة الصالحين، ولكن ينحرف بعض الناس إلى هواه، إلى العيون السود، إلى الخدود، فيقول ابن زُريق في بغداد وهو هائم بامرأة:
لا تعذليه فإن العذل يوجعه قد قلت حقاً ولكن ليس يُسْمِعه
ثم يقول: آه، ثم يموت.
стр. 9885
سمو مسلم بن الحجاج
ولكن مسلم صاحب الصحيح -جمَّل الله حال مسلم وبيَّض وجهه- الذي قدَّم لنا ميراث محمد ﵊، أبو الحسين العالم الرباني، بحث في حديث رسول الله ﷺ في ليلة كاملة، يبحث عن حديث، فقلب المصنفات ولم ينم، فلمَّا صلَّى الفجر قال: آه، آه، آه، ثم مات، قالوا: شهيد الحديث.
стр. 9886
سمو النابلسي وموقفه تجاه الفاطميين
والنابلسي تقدم إليه طاعن يهودي ليطعنه بالخنجر، وهو المحدث العالم الزاهد، الذي أفتى بفتيا شجاعة في الفاطميين المنحرفين الكفرة عند كثير من أهل العلم فقال: من عنده عشرة سهام فليرمِ الفاطميين بتسعة والنصارى بسهم، فطُعن، قال الذهبي: كان دمه يصب في الأرض ويُسكب، وهو يقول: الله، الله، الله.
سؤال نُقدِّمه لأهل السمو، وأهل العزائم والهمم؟!
قالوا الهوى والحب هل تعنو له أم أنت في أرض الهوى متجلد
قلت المحبة للذي صنع الهدى فحبيب قلبي في الحياة محمد
اللهم اجعله حبيبنا، بعد حبك لنا وحبنا لك يا أرحم الراحمين!
قال : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
يقول ابن عمر وروحه تُسافر في مجمع من الناس، وقد حدَّثته بالخلافة وهو زاهد عابد، قال: [[قام فينا معاوية بن أبي سفيان ﵁ في المدينة على المنبر، ونحن جلوس أمامه وقد تولى الخلافة، قال: من أولى مني بالخلافة؟ قال: فحللت حبوتي لأرد عليه وأقول: أولى منك المهاجرون والأنصار، فتذكرتُ قوله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ [القصص:٨٣]]].
стр. 9887
التعالي عن الصغائر والترفع عن الرذائل
اسمع إلى الوحي يُخاطبك بأن ترتفع: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] لا يصيبنك إحباط ولا يأس ولا فشل، وأنت تسجد لله، ومعك القرآن، وأنت تُهدَى إلى تكبيرة الإحرام، ومعك إخوة صالحون، ومعك دعاة وعلماء قال ﵊: ﴿إن الله يحب معالي الأمور﴾ واسمع إلى علي بن عبد العزيز الجرجاني الفقيه المُحدِّث القاضي الواعظ، وهو يُخبرك بعصارة حياته، ترك الناس، أغلق على نفسه في البيت، يدعو في المسجد ويعود، لا يخالط كبيراً ولا صغيراً، ويقول:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي فدام لي الهنا ونما سرور
وأدبني الزمان فلا أبالي هُجِرت فلا أُزار ولا أزور
فلست بسائلٍ ما عشت يوماً أسار الجيش؟ أم ركب الأمير؟
هذا الذي يقول:
يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما
إلى أن يقول:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا مُحياه بالأطماع حتى تجهما
ممن سمو البخاري صاحب الصحيح ﵀، يقول: " رأيت الرسول ﵊ في المنام، وكأنه يرفع خطوة، وأضع قدمي مكان قدمه، فسألت أهل العلم وأنا شاب، فقالوا: أنت تحفظ سنة الرسول ﵊ ".
ويقول: " ما اغتبت مسلماً منذ احتلمت! "
منذ أن احتلم ما اغتاب مسلماً، فقل لي بالله، يا من أكثر من الغيبة والوشاية والنميمة واستحلال الأعراض: كيف نُقارن بينك وبين البخاري؟!
وقال الشافعي صاحب الهمة العالية: " ما كذبت منذ علمت أن الكذب يضر أهله ".
ما كذب في هزلٍ ولا جدٍ ولا ليلٍ ولا نهار.
ويقول: " ما حلفتُ بالله صادقاً ولا كاذباً ".
وقد كان على كسرة الخبز، وامتلأ بيته باللخاف والجريد والصحف حتى كاد هو وأمه يخرجون خارج البيت وهو يطلب العلم، يقول وقد عُرضت له القناطير من الذهب من هارون الرشيد.
أمطري لؤلؤاً سماء سرنديب وفيضي آبار تكرور تبرا
أنا إن عشت لست أعدم خبزاً وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرا
ما هو المجد إذاً؟
قال أهل العلم: المجد والسمو في ثلاث:
١/ أن تمرغ وجهك ساجداً لله.
٢/ وأن تأكل الحلال.
٣/ وأن تكون سليم الصدر، ثم لا يضرك ما فاتك من الدنيا، من دورها، وقصورها، وذهبها، وفضتها.
جلس مُحدِّث من المحدثين الكبار -ذكره الذهبي وغيره- فرأى ألف محبرة، وألف عمامة أمامه، كلهم يطلبون الحديث، مع كل عمامة قلم مع كل قلم محبرة مع كل محبرة كتاب مع كل كتاب دفتر؛ فدمعت عيناه، وقال: هذا والله الملك، لا ملك المأمون والأمين، ثم أنشد فرحاً:
إني إذا احتوشتني ألف محبرة يروون حدثني طوراً وأخبرني
ناديت في الجمع والأقلام مشرعة تلك المكارم لا قعبان من لبن
стр. 9888
السمو في مجابهة الأعداء
ز البيت الثاني تضمين رائع جميل ضمنه كثير من أهل العلم قصائدهم، وأذكر على سبيل سمو أهل الهمم: صلاح الدين، شب فلم يُمزح ولم يتبسم، قالوا: ما لك؟ قال: لا أمزح ولا أتبسم حتى أفتح بيت المقدس، وفتح بيت المقدس وصفَّ معه العلماء والأمراء والوزراء، وقام الخطيب شمس الدين الحلبي على المنبر، فافتتح خطبته وأشار بعد الحَمْدَله والحَوْقَلة لـ صلاح الدين، وقال:
تلك المكارم لا قعبان من لبنِ وهكذا السيف لا سيف بن ذي يزن
يقول: أنت السيف! أنت المنتصر بإذن الله، أنت فخر الإسلام! لا سيف بن ذي يزن الجاهلي المشرك.
стр. 9889
السمو في إيثار الآخرين
وهنا يأتيك السمو من أهل الجاهلية، لكن يُرشِّده الإسلام تحت مظلة التعالي عن الصغائر والترفع عن الرذائل، والرسول ﵊، يقول لابنة حاتم: ﴿لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه﴾.
حاتم قصة من البذل قصة من السمو قصة من الجود حاتم تهب الرياح النجدية فتلعب بالبيوت، وينضوي البخيل كالكلب في بيته؛ ويخرج حاتم، ويقول لغلامه: التمس لي ضيفاً، فإن أتيت هذه الليلة الشاتية -ليلة الجوع والفقر والجدب والقحط والسنة- إن أتيت بضيف فأنت حر وأنت طليق، ثم يقول له:
أوقد فإن الليل ليل قرُّ
والبرد يا غلام برد صِرُّ
إذا أتى ضيف فأنت حُرُّ
يقول:
أمَا والذي لا يعلم الغيب غيره ويُحيي العظام البيض وهي رميمُ
من هو؟
إنه الواحد الأحد.
لقد كنت أطوي البطن والزاد يُشْتَهى مخافة يومٍ أن يقال: لئيم
فهل طوينا بطوننا لآلاف الجائعين في أفغانستان وفلسطين وفي كشمير وفي البوسنة؟
هل اقتصدنا في نفقاتنا؟
وهذا حاتم في الجاهلية يقول: والله إني أطوي بطني وأنام جائعاً، وأترك الخبز، وأترك اللحم؛ لئلا يُقال: بخيل، وهو لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً، فكيف بمن صلَّى الخمس، وصام الشهر، وحج البيت؟!
هذه من مدرسة حاتم.
يقول في أخلاقياته الشريفة التي ذكره بها ﷺ : أنا من صفاتي أني لا أُسابق حتى بالبغلة، أُعلِّمها الإيثار، بغلتي لا أُقدمها تشرب الماء من الحوض قبل أصحابي، بل أعلمها الأدب، لئلا تشرب قبل بغال الناس، فقل لي عن نفسي ونفسك ونحن في دائرة الإسلام ودائرة السنة: هل آثرنا جيراننا والفقراء والمساكين؟!
واسمعوها نظماً من نظم حاتم:
وما أنا بالساعي بفضل لجامها لتشرب ماء القوم قبل الركائبِ
ثم يقول في أدب آخر، أنثره ثم أنظمه، يقول: إذا مشيتَ مع قوم وأنت على ناقة، ومعك زميل يمشي على الأرض فاحذر! أرْكِبْه أو انزل معه، لا تركب وهو يمشي، أين الأخلاقيات؟! أين السمو؟! قال:
إذا كنت رباً للقلوص فلا تدَعْ رفيقَك يمشي خلفها غير راكبِ
أنخها فأركبه فإن حملتكما فذاك وإن كان العقاب فعاقبِ
وأنخها: أي: الناقة.
وقد جاء محمدٌ ﷺ بالأخلاق ناصعة مشرقة طاهرة زكية لوجه الله، فقال في صحيح مسلم: ﴿من كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له﴾.
حدثني دكتور البارحة في مكة قال: وجدتُ أن الثراء الفاحش مع قلة الدين والفسق، إنما هو طغيان على الأمة.
ثم قال: كان طالب في مكة من تشاد معه سيارة مهلهلة مفلفلة، كأنها من الحرب العالمية الأولى، ولا تساوي خمسة آلاف، وكان من حسن أدبه وسلامة صدره، يوصل إخوانه وزملاءه إلى حاراتهم بهذه السيارة، فأين أهل الشبع وأهل الغنى والثراء؟ الذين يعيشون فحشاً وظلماً وفسقاً في الضمائر، إنها القلة مع الجود، وليست الكثرة مع البخل، والرسول ﵊ يقول فيما يُروى عنه: ﴿لا يُؤمن من بات شبعان وجاره جائع﴾.
أما عروة بن الورد، وقد ذكر قصته وأبياته عالمنا وشيخنا الإمام المجدد عبد العزيز بن باز ﵀ في كتاب القومية العربية ويضربها لنا -مثلاً- فيقول عن عروة: هذا جاهلي وأنت طالبُ حديثٍ ويُقرأ عليك صحيح البخاري وصحيح مسلم صباح مساء، فاستشْهِد بهذا وانظر إلى هذه المُثُل- فيقول عروة:
أُوَزِّع جسمي في جسومٍ كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماءُ باردُ
أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى بوجهي شحوبَ الحق والحق جاحدُ
يقول: أتهزأ مني لأنك سمين وأنا نحيف؟
نعم! أنا نحيف وأنت سمين، لكن -والله- طعامي يحضره سبعة وثمانية وأنت تأكل الكبسة وحدك، والكبش المُضَبَّى وحدك، فيقول:
أُوَزِّع جسمي في جسومٍ كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماءُ باردُ
صُنِعَ للربيع بن خثيم طعاماً خبيصاً، والخبيص إذا أكلته رأيت مصر، فهو شيء مذهل، معه فستقٌ وزبيبٌ وعسلٌ ولبابُ البُرِّ ولحمُ الماعزِ الفاخرِ يُقَدَّم لك في جفنة، بعد أن تجوع ثلاثة أيام، فإذا أكلت قلت: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل!
قُدِّم للربيع بن خثيم العابد الزاهد وهو جائع، تكاد أضلاعه تختلف، فلما قدموا له الجفنة، وإذا بمسكين يطرق على الباب، وهذا امتحان وابتلاء من الله، إما أن يُقدمه للمسكين أو لنفسه، فقال: تفضَّل كُلْ! فقدم المسكين، فأكل أكل والي اليتيم ولاية السوء، قال: فصنع له أهله مرة ثانية خبيصاً وتعبوا، ولما قدموه ليأكل إذا بمسكين يطرق الباب، والربيع بن خثيم آية في الصدق والصلاح والطهارة والزهد، فقال: أدخلوه، فأكل، فلما أكل الثاني وقد كان أعمى، قال له أهله: والله ما يعلم هل هو خبيص أو لا؟ -أي: الأعمى- قال: لكنَّ الله سبحانه يعلم، فقالوا له: كيف؟
قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] ثم قال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢].
يقول أحد الخطباء في العصر العباسي: إذا أعجبتك وجبة شهية، فقدمها للفقير فإنك سوف تأكلها في الجنة، ولا تأكلها أنت، فإنك سوف تُلقيها في بيت الخلاء، وهذا من فقهيات سمو الهمم.
стр. 9890
تحدي المصاعب والانتصار على الأزمات
بعض العلماء قُيَّد كـ المظفر الأبيوردي على روايته للحديث، وصدعه بكلمة الحق، لكنه صَبَر واحتسب في ذات الله ، وعُدَّ ذلك مكسباً عظيماً، قال:
تنكر لي خصمي ولم يدرِ أنني أَعُّز وأحداث الزمان تهونُ
فبات يريني الخصم كيف اعتداؤه وبت أُريهِ الصبر كيف يكونُ
تلوت هذين البيتين على فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، فصحح لي مساراً في البيتين، لأن فيها خطأ فقلت:
تَنكَّر لي دهري ولم يدرِ أنني أعز وأحداث الزمان تهون
وصدق ابن عثيمين وأنا معه، وأنسخ من الآن البيتين، وأرد كلمة (دهري) والبيتان في ديوانه، وأقول:
تنكر لي خصمي ولم يدرِ أنني أعز وأحداث الزمان تهونُ
فرحم الله ابن عثيمين، ورحم الله المظفر الأبيوردي الشاعر الكبير المطبق.
وابن رشيد الأندلسي وعَظَ النصارى في الأندلس، فقيدوه فلطموه وجلدوه وحبسوه، فقال:
إن كان عندك يا زمان بقية مما يهان بها الكرام فهاتِها
يقول: بقي القتل تعال بالقتل، حيَّا الله القتل في سبيل الله ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦].
стр. 9891
سؤال لأصحاب السمو والمعالي
أما السؤال الذي يُوجه لأصحاب السمو والمعالي من أهل الهمم العالية، والعُبَّاد، والزُّهَّاد، وأهل الجهاد، فهذا هو:
قيل لـ ابن عباس: كيف حصلت على هذا العلم؟
قال: [[بتوسد ردائي في القيلولة، والريح تَسُفُّ على وجهي، وتهب عليه من الرمل ومن وهج الصحراء ثلاثين سنة]].
وقيل لـ عطاء -وقد ذكر هذا الذهبي -: [[كيف حصلت على هذا العلم؟ قال: بتوسدي فراشي في المسجد الحرام ثلاثين سنة]].
لا يعرف بيته ثلاثين سنة، وهو يطلب العلم.
وأحدنا يدخل في الكلية سنتين أو ثلاثاً ثم يخرج وهو جاهل، ثم يرى أنه إمام الدنيا، وحافظ العصر، وخاتمة المجددين!! حتى يقول أحدهم:
ودخلت فيها جاهلاً متواضعاً وخرجت منها جاهلاً دكتورا
يقول: كنت في الأول جاهلاً متواضعاً، أُسلِّم على رأس أبي، وأُقبِّل كف أمي، وأجلس مع زملائي، فلما درستُ أربع سنوات، تكبرت مع جهلي فصرت جاهلاً متكبراً أحمل شهادة الدكتوراه.
حتى إن أحدهم هنَّأ أحد الدكاترة وهو يمزح معه فقال:
يا شيخ قد سُمِّيت دكتورا والثور يبقى وإن ألبسته ثَورا
وسامحونا على هذا اللغط الخطابي، فلا بد فيه من المسيرة، وأنا أحترم هذا اللفظ خاصة بعدما أعطيناه وإلا فقد كنا نهاجمه قبل، ونقول عنه: إنه لا يصلح، ويقولون: حامض يا عنب، فلما حصلوا عليه مدحوه.
وقيل للشعبي: بِمَ حصلت على هذا العلم؟
قال: بسهرٍ طَيَّر النوم من عيني، وبسهاد، وبتبكير كتبكير الغراب.
стр. 9892
كيف تطاعن خيلاً كخيل المتنبي
ظمة جهاد وسهاد وجلاد، دموع ودماء وأشلاء، قال المتنبي وهو على دنيا رخيصة، ليس على تكبيرة إحرام، ولا على عبادة:
أطاعن خيلاً من فوارسها الدهرُ وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبرُ؟!
إلى أن يقول:
فلا تحسبن المجد دُفَّاً وقَينة فما المجد إلا السيف والفَتْكة البكرُ
إلى أن يقول:
وتركك في الدنيا دوياً كأنما تداول سمع المرء أنمله العَشْرُ
لكنَّ الموحدين لهم نظام في الأمنية غير نظام المتنبي وأبي مسلم الخرساني والحجاج قاتلهم الله، أنت أمنيتك أن تموت على (لا إله إلا الله) ولو كنت غريباً وحيداً معزولاً كما في دفتر الزبيري:
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
стр. 9893
لا يُدْرَكُ المجد إلا بالمشقة
وأنا قلت لكم لولا أنني قدمت محاضرة السمو بسلسلة القمم لأهل الهمم لأكثرتُ من الأدب؛ لكن كلا الطريقين تُوصِل بإذن الله إلى رضوان الله متى حسنت النية، يقول المتنبي:
لا يدرك المجد إلا سيدٌ فطنٌ لما يشق على السادات فعَّالُ
لولا المشقة ساد الناسُ كلهمُ الجود يفقر والإقدام قتاَّلُ
إن طريق السمو فيه مشقة وأول السمو يبدأ عندنا بصلاة الفجر، فمن لا يحضر صلاة الفجر فليس من أهل السمو ولا المعالي ولو زُفَّت له الدنيا، وصفقت له البنود، وهتفت له الجنود، وارتفعت عليه الأعلام، وسُدِّدت أمامه السهام.
أبداً أبداً تبدأ رحلتنا من صلاة الفجر، انطلاقتنا الكبرى من صلاة الفجر من تكبيرة الإحرام، من حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم: ﴿من صلَّى الفجر فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبَّه على وجهه في النار﴾.
مِن المحراب ننطلقُ وللخيرات نستبق
مِن صلاة الفجر، مَن لا يصلي الفجر جماعة بلا عذر شرعي فلا تظنه من أهل السعادة والسمو إلا أن يشاء الله.
стр. 9894
تحدي المصاعب في طلب العلم
هنا سمو في طلب العلم: سافر جابر بن عبد الله شهراً كاملاً بِجَمَل إلى العريش، مدينة بـ مصر، فلما وصل هناك طرق على عبد الله بن أنيس الباب، وعبد الله بن أنيس هو الذي قتل خالد بن سفيان المشرك، فأعطاه ﷺ عصاً، وقال له: ﴿توكأ بها في الجنة، فالمتوكئون بالعصي في الجنة قليل﴾ وأُدْخِلَت عصاه معه في قبره وسوف يُبعث في العرصات وعصاته معه، يقول: لبيك اللهم لبيك، وسوف يحضر الزحام عند الصحف والميزان والصراط وعصاته معه، ويدخل بها الجنة يتوكأ بها.
طرق عليه جابر بيتَه في مصر فخرج الصحابي لـ جابر بن عبد الله فسأله عن حديث الحوض؟ فأخبره، وقال: ادخل، وتفضل، حيهلاً بك وسهلاً، قال جابر: رحلتي إلى الله، والله لا أجلس أبداً وأعود، فمشى شهراً وعاد شهراً، غدوُّه شهر، ورواحُه شهر.
وموسى ضرب أروع الأمثلة في طلب العلم وهو نبي معصوم يُوحى إليه ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف:٦٠].
يقول الزمخشري المعتزلي، لكن أنت حوِّلها إلى سُنِّية سلفية هادية، يقول:
سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي من وصل غانية وطيب عناقِ
في قصيدة ماتعة، يقول: لأن أسهر مع الأوراق ومع الكتب أحسن عندي من أن أُعانق امرأة جميلة، أو أخلو بجارية جميلة حلَّت، وإن تاقت نفسي.
فالسني خلوته مع صحيح البخاري وصحيح مسلم أحسن من ملك الدنيا جميعاً.
طلب شريك العلمَ أربعين سنة، قال: طلبتُ العلم والله ما كان زادي في اليوم إلا كسرة خبز، فحضر في مجلس فيه وزير عباسي، والوزير قد غاص في الركايا والكنبات والطنافس، فأتى شريك بحديث عن الرسول ﵊، فقال الوزير: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤] قال له شريك وكان سريع البديهة: من أين تسمع بهذا وأنت تأكل الخبيص، وتجلس على الطنافس، وتغنيك الجواري؟!
وهذا ليس من طريق أهل المعالي.
وشريك سريع البديهة! يقول لأحد خلفاء بني العباس، وقد عرَّض به الخليفة بقوله: أنت تحب علياً؟ قال: أُحبه حتى النخاع أو الدماغ أو كما قال.
قال: أُوَّاه من يوم عليك، أظنك زنديقاً؛ لأن المهدي إذا أراد نسف رأس رجل، أو جعله كأنه مخلوق بلا رأس، أو إعدامه بالمقصلة، قال: أنت زنديق.
قال: الزنديق له ثلاث علامات قال: ما هي؟
قال:
-يترك صلاة الجماعة.
-ويشرب النبيذ.
-ويستمع الجواري.
يقصده، قال: كأنك تعرِّض بي! أي: تلمِّح، قال: لا أُعرِّض بك بل أقصدك.
هذا من فقهيات شريك ﵀.
يقول ابن عبد البر عن نفسه: "مكثت مع كتاب التمهيد ثلاثين سنة".
اسمعوا الصبر يا أهل الصبر! ثلاثون سنة مع الكتاب، يكتبه ينسخه، يشرحه، ثم يقول:
سميرُ فؤادي من ثلاثين حِجة وصيقل ذهني والمفرج عن همي
إلى آخر ما قال.
وقد نظَمت أربعة أبيات من باب التشبه كما يفعل الكتكوت أو الفرُّوخ الصغير من الدِّيَكة، إذا سمع ديكاً كبيراً يصيح فيقلده، فسامحونا على جهدنا وطاقتنا وضعفنا، فقد قلت قصيدة أكثر من مائتي بيت، هي مذكرة للحياة اسمها: (يوم يغني الدمع) قلت:
ثلاثون عاماً والكتاب مرافقي وقد صانني عن كل لهو وغفلةِ
طبعاً كلكم يقرأ مثلما أقرأ، لكن الشاعر لا بد أن يقول كلاماً:
ثلاثون عاماً والكتاب مرافقي وقد صانني عن كل لهو وغفلةِ
ثلاثون عاماًَ والدفاتر صحبتي وأُنسي دواتي واليراع مطيتي
ثلاثون عاماً كلما قلتُ قد كفى لأرتاح في داري وأحصو معيشتي
أبت همتي إلا صعوداً إلى العُلا إذا انهد جسمي صار في القلب قوتي
فاحسبوها مزاحاً إن شئتم، ومَن أحْسَنَ بنا الظن فليَعُدَّها جِدَّاً.
стр. 9895
صعودٌ أبداً وتفوقٌ دائماً
دُريد بن الصمة جاهلي من أهل الطائف، خرج مع أخيه عبد الله، ونصحه ألا يواجه العدو، فلمَّا حضرت المعركة اجتمع العدو على أخيه عبد الله فقتلوه، فسمع دُريد الشاعر أخاه عبد الله في النَّفَس الأخير، وهو يقول: يا دُريد، يا دُريد، يا دُريد! فتنبعث هذه الصرخات إلى دُريد وهو في آخر المعسكر، وبينه وبين أخيه سيوف ورماح، فأخذ دريد في يمينه سيفاً وفي يساره رمحاً، فشق الصفوف، ووصل إلى أخيه، وطعن عنه الخيل، وضارب الأبطال حتى جرح ثم حُمل، فإذا أخوه ميت وهو حي، فقال في قصيدةٍ وهو يبكي عند أمه يخبرها بخبره وبخبر أخيه:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بقعدد
فطاعنتُ عنه الخيل حتى تبددت وحتى علاني حالك اللون أسود
حالك اللون أسود: أي: الدم.
وهذه من أرقى وأجمل القصائد، حتى أن أبا تمام جعلها في الحماسة.
طعان امرئ آسى أخاه بنفسه ويعلم أن المرء ليس بمخلدِ
وخفف وجدي أنني لم أقل له كذبتَ ولم أبخل بما ملكَت يدي
وجدي: أي حُزني على أخي.
فبكى هو وأمه حتى كادت روحه تذهب.
هذه من قيم الجاهلية؛ أما قيم أهل الإسلام فإنها متمثلة في سير الصالحين رضوان الله عليهم، في سبعة أسياف تُكسَّر في يد من؟
في يد خالد بن الوليد، وفي تسعة أسياف يُطعن بها محمد بن حميد الطوسي، فيقول له أبو تمام:
تردَّى ثياب الموت حُمراً فما دجا لها الليل إلا وهي من سندس خضرُ
فتى كلما فاضت عيون قبيله دماً ضَحِكَت عنه الأحاديث والذكرُ
أختم كلامي بقصة قصيرة في سمو الهمم عند بعض الناس:
عمر بن أبي ربيعة: شاعر غزل، يظن أن الدنيا اختُصِرت في امرأة، ويظن أن العالم يقف معه، ويبكي من أجل العيون السود، يظن أن الكون بأجمعه مُوَلَّه معه بفتنة النساء، ولم يدرِ بجنات ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
حورٌ، وأرائكُ، ولباسٌ، ونعيمٌ، وأجلُّه النظر إلى وجه الله في دار الكرامة.
وابن أبي لهب: أيضاً شاعر في صدر الإسلام.
وابن عمر: من مدرسة محمد ﵊.
هؤلاء ثلاثة.
يقول ابن عبد البر: مر الثلاثة بالشيب، وقد أمر معاوية ألا يدخل أحد إلى الحرم إلا بإذنه، والجنود حرَّاسٌ على الأبواب، عندهم أمر من الخليفة معاوية ألا يدخل أحدٌ إلى الحرم؛ لأنه يريد أن يطوف هو قبل الناس؛ لأنه خليفة وملك، فمرَّ ابن أبي ربيعة في ظلام الليل، قال الحراس: من أنت؟
قال بجواب يحوي بطاقته الشخصية في بيتين:
بينما يذُكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر
قال تعرفن الفتى، قُلن نعمْ قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟!
قالوا: تفضل ادخل! فدخل.
فأتى ابن أبي لهب، وهو شاعر ثانٍ، فقالوا: من أنت؟ قال، وهو أسمر:
وأنا الأخضر من يعرفني أخضر الجلدة من نسل العربْ
من يساجلْني يساجلْ ماجداً يملأ الدلو إلى عقب القرَبْ
يقول: أنا إن ترد كرماً فكرمٌ، وإن ترد لهواً فلهوٌ، وإن ترد طرباً فطربٌ، فأنا حر.
فأتى ابن عمر، قيل: وإذا الناس كنَفَتَيْه كالغمامتين، وإذا هو يُسأل فيقال له: نحرتُ قبل أن أرمي، فيقول: ارم ولا حرج، ويقال: حلقتُ قبل أن أنحر، فيقول: انحر ولا حرج، والناس يسألونه، قال معاوية: هذا -والله- هو الملك لا ملكي، اتركوه يمر، فمرَّ ابن عمر.
فهذه مدرسة محمدية سنية سلفية هادية، تعتمد على (قال الله وقال رسوله ﵊ وتلك مدرسة لاغية لاهية، تعتمد على أدب المسرح، والفن، والهيام والغرام، والقنوات، والأغنيات، والآهات والزفرات، وكل شيء يضيع عن الآيات البينات والأحاديث الثابتات.
ربنا اسلك بنا طريق محمد.
ربنا اهدنا لسبيل الخلفاء الراشدين.
ربنا احشرنا مع الصادقين.
ربنا اجعلنا مع الخالدين.
ربنا نريد جوارك.
ربنا ارحمنا.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران:١٤٧].
أخطأنا أسأنا تجاوزنا؛ لكنك رحيم، لكنك كريم، لكنك عفو، لكنك منان، لكنك رحمان، لكنك ديَّان، فعفواً منك يا ألله، ورحماك يا رب.
اللهم أكرم هذه الوجوه برحمةٍ منك، ومغفرةٍ منك، ونوائل طيبةٍ منك.
لكل وافد ضيافة، ولكل زائر رَفادة، ضيافتنا منك يا رب غفرانك، ورفادتنا رضوانك، وأنت الرحمان.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 9896
من أعذب الشعر
بعد حديث مقتضب عن قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) يذكر الشيخ بعض الفوائد للشعر، وكيف أن الرسول ﷺ لم يكن يتقن صنعته ولا إنشاده.
وتتنوع المختارات الشعرية في هذه المادة في الموضوع والزمان؛ فهي تشمل المدح والوصف والرثاء وغير ذلك من الأغراض الشعرية، كما أنها منتقاة من مختلف العصور، في الجاهلية، وفي الإسلام، وفي عصر الدولة الأموية والعباسية، وفي العصر الحديث.
стр. 9897
أهمية الشعر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
هذه المحاضرة بعنوان "من أعذب الشعر" في (١٠/ ٣/١٤١١هـ) مساء السبت في مدينة أبها.
أرجو من أصحاب التسجيلات، أن يراعوا أرقام المحاضرات، لأن معرفة التسلسل ينفع السامع، فهذه المحاضرة تأخذ رقم (٣٠١) في المحاضرات.
إن الله ذكر الشعراء في القرآن، فقال : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٧].
لما أنزل الله هذه الآيات، أتى حسان بن ثابت وابن رواحة وأمثالهم من الصحابة الشعراء يبكون عند الرسول ﷺ ، فقال: مالكم؟ قالوا: يا رسول الله! ربنا يقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] ونحن شعراء، فأنزل الله قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
وأسباب هذه المحاضرة ثلاثة:
الأمر الأول: ينبغي للواعظ والخطيب وطالب العلم أن يكون عنده أبيات يتمثل بها، والشعر فيه كمال وارتياح، وفيه حكمة، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة﴾.
الأمر الثاني: الشعر ترويح عن النفوس، فإن المحاضرات إذا كانت كلها جدية وكلها صارمة؛ ملت النفوس، فلا بد من التنويع خوف الملل والسأم.
الأمر الثالث: حتى يكون هذا الشريط لمن أراد أن يحفظ بعض الأبيات، فإنكم سوف تسمعون أكثر من مائة بيت في هذه الليلة إن شاء الله، تكون للخطيب والواعظ والمعلم والمربي على طرف لسانه، فقد كان ﵊ يستشهد أحياناً بالأبيات.
نعم.
لم يكن ﷺ شاعراً، والله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] ولماذا؟
لأنه لو كان ينظم الشعر لقالت سادات قريش: إنه نظم القرآن شعراً، لقد قالوا: هو الذي افترى القرآن، جل كتاب الله عن الافتراء، كما حكى عنهم ربنا في كتابه فقال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] فكيف لو كان ينظم الشعر؟!
وكذلك كان إذا استشهد بالأبيات أحياناً يكسرها، ولا يأتي بها مستقيمة ﷺ ، مع أنه أفصح الناس، فقد ذكر أنه ﷺ قسم بعض الغنائم بين شيوخ ورؤساء العرب، فأعطى عيينة بن حصن سيد غطفان مائة ناقة، وأعطى سيد بني تميم مائة ناقة، وأعطى عباس بن مرداس خمسين ناقة، وهو شيخ مثل المشايخ، ولكن لماذا أنقصه خمسين ناقة، لأنه انتهى العدد عند النبي ﷺ ، فوجد هذا الرجل في نفسه، فعمل أبياتاً وقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
العبيد: يقصد فرسه لأن فرسه اسمه العبيد.
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع.
يقول: لماذا أعطيتني أقل منهم وأبوهم ما كان يفوق أبي في المجامع العامة؟ فتبسم ﵊ وجعل يردد الأبيات ويقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة، والبيت: بين عيينة والأقرع حتى يستقيم، فتبسم أبو بكر وكان رجلاً أديباً فصيحاً، وقال: صدق الله حيث قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩].
وما كان يحفظ الأبيات، إذ هو لا يكتب ولا يقرأ ولا يخط حرفاً، وكان في صدره مع ذلك كل القرآن، يقول : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة:٢]
ما كان يعرف أن يكتب حتى محمد بن عبد الله، وإذا قلت له: اكتب (باسم الله) لا يعرف، وقد أتى بهذه الحكمة وهذه الشريعة وهذا الدستور وهذا الحديث كله ﷺ ، ولم يسقط حرفاً من القرآن، ومع ذلك ما كان يحفظ الشعر.
стр. 9898
قصيدة حسان في الدفاع عن الرسول ﷺ والإسلام
حسان بن ثابت توعد المشركين بقصيدة رنانة طنانة قوية ساحقة، توعدهم قبل غزوة الفتح، يقول حسان في قصيدته البديعة جمل الله حياته، وقد فعل وبيض الله وجهه، يقول:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
وكداء: جبل في مكة، يقول: اللهم لا تجعل خيلنا تعود علينا إذا لم تنثر الغبار على رءوس المشركين.
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
ثم التفت إلى أبي سفيان وقال:
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء
هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
وقد كان جزاؤه الجنة.
وكان ﵊ يقرب المنبر لـ حسان في المسجد، ويقول: ﴿اهجهم وروح القدس معك﴾ يقول: اهجُ المشركين ومعك جبريل يؤيدك، فكان حسان لا يحضر القصائد في البيت، ولا يتذكر، وإنما يجلس على المنبر، فيأتيه الشعر مثل السيل، فلما قال قصيدته القوية ضد المشركين، أتى بعد سنة ففتح الرسول ﷺ مكة، وأسقطها في يديه من أربعة أماكن، خالد بن الوليد من جهة، والزبير من جهة، وسعد بن عبادة من جهة، والرسول ﷺ من جهة، وإذا بخيل خالد تدخل وتخترق مكة، وتخرج النساء مثل الصورة التي ذكرها حسان في الأبيات:
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
فخرجت نساء مكة، يضربن الخيول بالأقنعة والخمر فتبسم ﷺ لما رأى هذا الحادث فيقول لـ أبي بكر وهو حوله: كيف يقول حسان؟ قال: يقول يا رسول الله:
تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخمر النساء
قال: صدق.
стр. 9899
دعاء الرسول ﷺ لابن رواحة
وأتى عبد الله بن رواحة إلى الرسول ﷺ قال: ﴿يا رسول الله اسمع مني أبياتاً قلتها فيك، قال: قل، قال:
فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصراً كالذي نصروا
قال: وإياك فثبت﴾.
يقول: أسأل الله أن يثبت ما آتاك من حسن مثلما ثبت موسى ﵇، ونصرك مثلما نصر موسى، قال ﷺ : ﴿وإياك فثبت﴾ فثبته الله حتى مات شهيداً.
стр. 9900
الرسول ﷺ والنابغة الجعدي
ثم استقبل ﵊ قبائل العرب، فدخل النابغة الجعدي وكنيته أبو ليلى، وجلس عند النبي ﷺ وهو في الثمانين من عمره، فقال: يا رسول الله عندي أبيات نظمتها فيك، قال: قل.
إن الرسول ﷺ واسع الصدر حليم، بعض الناس تجده ضيقاً لا يسمع الدعابة، ولا يسمع القصائد، ولا يسمع سوالف الناس، ولا قصص الناس، ولكن هذا البحر الحليم الذي بعثه الله رحمة للناس يسمع أخبار الناس، لأن الإنسان يتأثر؛ ولذلك الدعوة تستمع للناس ولأخبارهم وقصصهم وأعلامهم، وهذا من اللطائف، يقول جابر بن سمرة: كان ﵊ يجلس معنا بعد الفجر في المسجد، فنتحدث في أخبار الجاهلية، فيستمع، ونضحك ويتبسم، وروي عنه ﷺ أن الناس إذا تحدثوا في الدنيا تحدث معهم، وإذا تحدثوا في المال تحدث معهم، حتى تأتي الغيبة فيسكت ويأمر الناس بالسكوت، وهذا هو أدبه ﷺ ، قال النابغة: قلت يا رسول الله أبياتاً، قال: قل، قال:
تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ومن عادة المحزون أن يتذكرا
قال: هيه -أي زد-.
قال:
فلما قرعنا النبع بالنبع لم تكن على البعد في عيدانه أن تكسرا
يمدح قومه، ثم يقول:
سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا
وننكر يوم الروع ألوان خيلنا من الضرب حتى نحسب الجو أشقرا
يقول: يوم الهول نضارب الأعداء حتى تتلطخ خيولنا بالدم، حتى نظن أن الجون -وهو الأبيض- أحمر، ثم يقول في قومه:
بلغنا السما جوداً ومجداً وسؤددا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
يقول: يا رسول الله أنا وقومي بلغنا السماء من الكرم، وعسانا نبلغ فوق السماء، فتبسم ﷺ وضحك وقال: ﴿أين المظهر يا أبا ليلى؟! قال: إلى الجنة يا رسول الله، قال: لا يفضض الله فاك﴾ والجنة فوق السماء، وسقفها عرش الرحمن، وعسى الله أن يدخلنا وإياكم الجنة.
ومعنى (لا يفضض الله فاك) أبقى الله أسنانك، وهذه دعوة تقال للشاعر إذا أجاد، فبقي مائة وعشرين سنة ما سقط له ضرس ولا سن، بدعوة المصطفى ﷺ .
стр. 9901
حديث عمرو بن الشريد
وعند مسلم في صحيحه عن عمرو بن الشريد قال: ركبت خلف الرسول ﷺ على بغلته ردفه وراءه مباشرة، يلاصق جسمي جسمه، فلما مشى قليلاً -انظر من هو هذا الراكب رسول الهدى ﷺ معلم البشر سيد الخلق شفيع الناس يوم القيامة الذي ما خلق الله أطهر منه- قال لي: يا عمرو تحفظ لـ أمية بن أبي الصلت شعراً؟
وأمية بن أبي الصلت من أهل الطائف مات كافراً، آمن شعره وكفر قلبه، لأنه كان يرجو أن ينزل الله عليه النبوة، فلما جعل الله النبوة في الرسول ﷺ حسده وكذب دعوته ومات كافراً، قال: تحفظ له شعراً؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: هيه، أنشدني، قال: فأنشدته بيتاً فقال: هيه، فزدته بيتاً، فقال: هيه، فزدته؛ قال: حتى أنشدته مائة بيت.
стр. 9902
الشعر وأثره
فالشعر الجميل لا بأس أن ينشد ويستشهد به، فإنه يدعو الكريم إلى الكرم، ويحجز البخيل عن البخل، ويدعو الذليل أو الجبان إلى أن يعود إلى المعركة، يقول معاوية بن أبي سفيان: [[والله لقد كدت أفر يوم صفين ما حبستني إلا بعض الأبيات]] التقى هو وعلي بن أبي طالب يوم صفين، وفارس الصف الأيمن علي بن أبي طالب، وفارس الصف الأيسر علي بن أبي طالب ﵃ وأرضاهم، وجمعنا بهم في الجنة، فلما التقوا خرج علي ﵁، -وأنتم تعرفون من هو علي بن أبي طالب - خرج بالسيف، وخلع درعه من على جنبه وقال: من يبارز؟! وهذه هي علامة الشجاعة أقصى الشجاعة، إذا خلع البطل درعه فليس هناك أشجع منه، فهابه الناس كان أهل الشام ثمانين ألفاً ما استطاع أحد أن يبارزه، قال: من يبارز؟ قال الناس لـ معاوية: نسألك بالله أن تبارزه، قال: لا أستطيع، كأنه يقول: لو كان غيره لبارزته، لكن من يبارز أبا الحسن؟! قال: معاوية: يا عمرو بن العاص، قم بارزه، قال: أبارز علياً؟! قال: عزمت عليك أن تبارزه، والمبارزة هي المصارعة قبل المعركة أمام الناس، فقام عمرو بن العاص فلما رأى علي بن أبي طالب ألقى سيفه في الأرض، وقال: مكره أخاك لا بطل، وهو أول من قال هذا المثل، كأنه يقول: ما جئت نداً لك ولا قرناً، ولكن أكرهوني حتى أخرج، فتبسم علي ورجع، فلما بدأت المعركة انهزم معاوية في أول اليوم وفر ببغلته، فلما أصبح وحده في الصحراء تذكر أبياتاً لـ ابن الإطنابة الحجازي يقول:
أبت لي عفتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقحامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
قال: فتذكرت هذه الأبيات، فرجعت إلى المعركة، وتم ما تم.
فالمقصود أن الشعر له تأثير، وأنا سوف أختار لكم ما يسهل الله ، وقد روى أهل التفسير أن عمر رضي وأرضاه ولى أحد الصحابة، واسمه النعمان بن عدي بن نضلة ولاه في ميسان قريباً من البصرة، قال: أنت أمير عليها فاذهب، فذهب، وعمر كان يتفقد أمراءه وولاته، وكان يرسل عيونه، وينظر هل يغدرون هل يخونون، هل يظلمون، وكان يحاسبهم يوم عرفات يوم الحج الأكبر، يجمع الحجاج ويأتي بالأمراء، ويقول: يا أهل العراق ماذا ترون في أميركم؟ والدرة في يد عمر، المحاسبة والجلد، إن جلدوا أناساً جلدهم، وإن أخذوا الأموال ردها، حتى جاء رجل مصري من ضمن الناس قال: يا أمير المؤمنين! أشكو إليك ابن أميرك في مصر، محمد بن عمرو بن العاص، وكان أمير مصر عمرو بن العاص، قال: ماذا فعل؟ قال: سابقته بفرسي وهو على فرسه، فسبقته، فضربني وقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! قال عمر: أوَّه! كأنه يقول: من أجل أن فرسك سبق فرسه يضربك، علي به، فأتو به وقال له: قف هنا فوقف، وأتى بـ عمرو بن العاص ثم قال للصحابة والذي لا إله إلا هو لا يحول بيني وبينهم أحد.
وإذا حلف عمر حلف.
حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقماتٍ قوله قيل
فأخذ العصا، ثم أخذ عمرو بن العاص وقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!]] ثم دعا بابنه وقال: تعال يا بن الأكرمين، وأمر المصري أن يضربه، ثم قال للمصري: هل رضيت؟ قال: نعم رضيت يا أمير المؤمنين.
فأرسل عمر هذا الأمير، واسمه النعمان بن عدي بن نضلة، فذهب إلى القرية، وسمر ليلة من الليالي، وهو رجل صالح ولكن فلتت منه أبيات، وما كان يدري أن هذه الأبيات سوف تبلغ عمر في المدينة ويحاسبه، يقول هو وهو يريد أن يروح عن نفسه، يقول:
فمن مبلغ الحسناء أن حليلها بـ ميسان يسقى في زجاج وحنتم
لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم
والحسناء زوجته، وكانت في المدينة، يقول: من يخبر زوجتي أني أشرب الخمر في الحنتم، وقد أصبحت أميراً، وبعد أن كنت أشرب اللبن والماء، منَّ الله علي بالإمارة، حتى أصبحت أشرب في الزجاج الخمر.
قد قال هكذا، وهو لم يفعل:
ثم قال:
لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم
يقول: ربما لو بلغت هذه الأبيات عمر، لغضب علينا، حين نتنادم في الجوسق أي في الخيمة المتهدمة الأطراف ونسمر، وفي الصباح بلغت الأبيات عمر، وقيل بعد أيام، فقال عمر: علي به، فوفد، قال عمر وقد أخذ العصا، من الذي يقول:
فمن مبلغ الحسناء أن حليلها بـ ميسان يسقى في زجاج وحنتم
لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم
قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال عمر: والله لقد ساءني، فكيف تقول هذا؟! عليك الحد، والحد ثمانون جلدة لمن يشرب الخمر، قال: يا أمير المؤمنين والله ما شربتها، ووالله لا تدخل لي بطناً، وأسأل الله أن يقتلني شهيداً، ولكن الله يقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦] قال عمر: أما هذه فقد أسقطت الحد عنك -أي بهذه الآية أسقطت الحد- ولكن والله لا تلي لي إمرة بعدها أبداً، فعزله فذهب فقتل في تستر شهيداً في سبيل الله.
стр. 9903
أبو بكر ينشد شعراً في سقيفة بني ساعدة
اجتمع الأنصار في مجلس في سقيفة بني ساعدة بعد موت النبي ﷺ ، فلما اجتمع الأوس والخزرج ورسول الله ﷺ لم يدفن، ويظنون أن الخلافة في الأنصار، لأنهم هم الذين نصروا الرسول ﷺ ، بينما الخلافة لا تكون إلا في قريش، ولو تأخر أبو بكر وعمر ساعة، لكانوا ولَّوا خليفة منهم، وانتهى القرار بالإجماع على الخليفة، ثم ضاع الأمر وتقاتلت الأمة، فأتى عمر قال: يا خليفة رسول الله أدرك الأنصار في سقيفة بني ساعدة يجتمعون، فذهب أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فدخلوا عليهم، وهم مجتمعون، فحاول عمر أن يتكلم فما سمعوا، فقام أبو بكر يتكلم، وكان فصيحاً نسيباً لين القول، فقال: آويتمونا، ونصرتمونا، وأكرمتمونا، وواسيتمونا، والله ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي في قبيلة بني جعفر -وهو يستشهد بأبيات عل الله أن يهديهم، وانظر ما أحسن الأبيات-:
جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت
فلما سمعوا الأبيات دعوا لـ أبي بكر واستمعوا كلامه، ثم بايعوه بالخلافة.
القول اللين، يقول عمر: يعجبني من الرجل أن يقدم أبياتاً بين يدي حاجته، ولذلك فإن الشحاذين الآن عند السلاطين إذا أراد أحدهم شيئاً من الدنيا ينظم ستين بيتاً، أنت يا بركة العصر، ويا فاتح الدنيا، فيعطيه، وأهل الحق أولى، ولهذا لما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون قال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] والشعر هذا سحر، يقلب المعايير، أحياناً يجعل الظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً، بسبب الأبيات والبيان والشعر.
стр. 9904
المتنبي مع سيف الدولة
وعلى ذكر الأحداث التي نجري فيها الآن، والتهيؤ للجهاد في سبيل الله، وأحداث هذه المنطقة أذكر لكم بعض الأبيات، يقولون: سيف الدولة بن حمدان بطل من أبطال المسلمين، كان في حلب، قاتل الروم ما يقارب ستين معركة ودائماً ينتصر، وهذا الذي يقول فيه المتنبي:
وقفت وما في الموت شكٌ لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
يقول: سبحان الله، والله كأن الموت نائم، وكأنك في جفنه، لأنك شجاع، وأول من يموت الجبان، ولذلك لو بدأت المعركة لمات كثير من الناس بسقطات قلبية، وحملوا إلى المستشفيات، وبعضهم يفر وبينه وبين المعركة ألف ميل ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢] فالجبناء يموتون؛ يقول أبو بكر الصديق لـ خالد: [[اطلب الموت توهب لك الحياة]] يقول: دائماً حاول أن تلقي بنفسك في المعارك فلن تموت، بل توهب لك الحياة، خالد بن الوليد خاض مائة معركة وما قتل، مات على فراشه، يقول: يا ليتني مت شهيداً! والله ما في جسمي موطن شبر إلا فيه طعنة برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم في سبيل الله:
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
يقول المتنبي في هذا البطل المسلم:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
يقول: تتبسم في المعركة والأبطال أسارى أمامك وأنت تتبسم، ثم يقول:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة كما نثرت فوق العروس الدراهم
يقول: نثرت الأبطال فوق الصحراء مثلما تنثر الدراهم على العروس، فدعا المتنبي وقال: نريد أن نخرج لغزوة، فأخذ فرسه وقال:
أصرف نفسي كما أشتهي وأملكها والقنا أحمر
أتاني رسولك مستعجلاً فلباه شعري الذي أذخر
ولو كان يوم وغى قاتماً للباه سيفي والأشقر
اسمع إلى الأبيات يقول: أصرف نفسي كما أشتهي، أي: أنا أصرف نفسي مرة في الرخاء ومرة في الشدة، وأملكها والقنا أحمر، السيوف تقطر من الدم، ولا أفر في المعركة.
أتاني رسولك مستعجلا: أتاني رسولك يدعوني إلى القتال معك، فلباه أولاً شعري الذي أذخر (ولو كان يوم وغى قاتماً) أي يوم معركة (للباه سيفي والأشقر) السيف والفرس.
стр. 9905
قصيدة لتحريض اليمنيين على قتال بريطانيا
ر جميل، وهو يحيي الأمة، مثلاً: اليمن هذا الشعب المسلم هاجمته بريطانيا قبل سنوات، وهاجمته من عدن، وتريد احتلال اليمن، وقد ذكرت هذا، ولكن أعيده اليوم لهذه الأحداث، فدخلت الدبابات، وأتت بالطائرات ترشق هذه المدن المسلمة، وتضرب صنعاء، فأتى أحد العلماء وقال لخطيب الجامع في صنعاء: أريد منك خطبة هذا اليوم، وقد أعددت قصيدة ألقيها على الناس، قال: اخطب أنت، فجعل الخطبة كلها قصيدة طنانة رنانة رائعة، يقول فيها يخاطب اليمنيين كي يقاتلوا بريطانيا واسمع، وكانت الطائرات في أثناء الخطبة ترمي القصور وترمي الشوارع، يقول:
يا بريطانيا رويدا رويدا إن بطش الإله كان شديدا
وانظر إلى الصلة مع الله والاتصال به ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠]:
يا بريطانيا رويدا رويدا إن بطش الإله كان شديدا
إن بطش الإله أهلك فرعون وعادا من قبلكم وثمودا
لا تظنوا هدم المدائن يوهي عزمنا أو يلين بأساً صلودا
لا تحسبوا إذا هدمتم المدائن أننا نموت:
إن تبيدوا من البيوت بطيا راتكم ما غدا لدينا مشيدا
فلنا في الجبال تلك بيوت صنعتها أجدادنا لن تبيدا
فالنزال النزال إن كنتم ممن لدى الحرب لا يخاف البنودا
يقول للطيارين: إن كنتم رجالاً وشجعاناً، فانزلوا لنا في الأرض، لأن في المثل العربي: مر ذئب من سكة، وتيس على سطح البيت، فأخذ التيس يتوعد الذئب، ويقول: إما أن تتأدب وإلا نزلت إليك، فيقول الذئب للتيس: والله ما أعانتك شجاعتك فأنا أعرفك، ولكن مكانك هو الذي شجعك، لأنك عالٍ وأنا في الشارع، ولذلك بعض الناس إذا تربع على الكرسي أصبح شجاعاً، وإذا كنت أنت وهو متجردين في الساحة كان جباناً، يقول أحدهم:
سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار
فالمقصود يقول هذا الشاعر اليمني انزلوا من الطائرات، لأنا نحن ما نعرف نصعد الطائرات ولكن نعرف كيف نقاتل في الأرض:
لتروا من يبيت منا ومنكم موثقا عند خصمه مصفودا
ما خضعنا للترك مع قربهم في الدين منا فكيف نرضى البعيدا
فـ تركيا الدولة العثمانية حكمت البلاد إلا اليمن:
وهم في الأنام أشجع جيش فاسألوهم هل صادفونا فهودا
أفترجو إنجلترا في بلاد الله تباً لسعيها أن نبيدا
واسمع إلى النداء الخالد، كأنه نداء إلى الجنة:
يا بني قومنا سراعاً إلى الله فقد فاز من يموت شهيدا
سارعوا سارعوا إلى جنة قد فاز من جاءها شهيداً سعيدا
والبسوا حلة من الكفن الغا لي وبيعوا الحياة بيعاً مجيدا
بعد قصيدته هذه، خرج ما يقارب مائة ألف مقاتل، وسحقوا قوات بريطانيا ولم تدخل اليمن، وهكذا تكون الأمة إذا اعتصمت بالله ، وإنما ذكرت هذا بمناسبة الأحداث، لكن مقصودي أن أختار لكم مقطوعات جميلة.
стр. 9906
في مدح علي بن موسى
علي الرضا بن موسى من أولاد أولاد علي بن أبي طالب، كان ولي العهد للمأمون في الدولة العباسية، وكان رجلاً فيه خير كثير، وكان رجلاً رئيسا سلطاناً مطاعاً، فقيل للحسن بن هانئ أحد الشعراء، مدحت الوزراء كلهم إلا ابن علي بن أبي طالب، وهو الذي يستحق المدح، فقال فيه مقطوعة، يقولون: هي من أمدح ما قيل، يقول الشاعر:
قيل لي أنت واحد الناس في كل كلام من المقال بديهي
لك في جوهر الكلام بديع يثمر الدر في يدي مشتريه
فعلام تركت مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل صاحباً لأبيه
هل سمعتم بأحسن من هذا، يقول أنا أعرف مدح الناس من مثلي وأشكالي، أما أنت فلا أستطيع، أنت أبوك صاحب جبريل، يعني الرسول ﷺ ، قال:
قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل صاحباً لأبيه
والشاعر قد قال في القصيدة:
قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل (خادماً) لأبيه
وقد قال الذهبي: ما كان جبريل خادماً؛ بل كان صاحباً ومعلماً، ولذلك عدلتها.
стр. 9907
الحياة الذميمة عند المعري
تعرفون أنه في آخر الزمان يتكلم الرويبضة، وهو الذي لم يكن له قدر في الناس، أي يسود غير المسود، ويوسد الأمر إلى غير أهله، وقد جاء أبو العلاء المعري بأبيات يتكلم فيها عن هذا، يوم يقدم اللئيم، ويؤخر الكريم، ويصعد الذنب إلى الرأس، ويتأخر الرأس إلى الذنب، وهذا في الناس اليوم موجود، وهو من علامات الساعة، حتى تجد البيوت في القبائل المعروفة بالكرم والسماحة والندى والمجد، أصبحت الآن متأخرة، وتجد الرويبضة، والذين ليس لهم أثر، أصبحوا الآن يتكلمون ويشار إليهم، يقول أبو العلاء عن هذا:
إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
أشرح الأبيات:
حاتم الطائي أكرم العرب، ومادر أبخل العرب، يقولون: كان مادر هذا من بخله إذا أراد أن يحتلب شاة يمصها من ثديها حتى لا يسمع الناس صوت الثدي في الإناء فيأتون، فـ مادر هذا يسب حاتم الطائي بالبخل كما يقول أبو العلاء:
إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل
قس بن ساعدة أخطب العرب، وعير قساً بالفهاهة باقل، وباقل أعيا العرب لا يتكلم، يقولون: كانت أمه تلقنه اسمه في أول النهار فينساه مع الظهر، فتخليوا باقلاً يسب قساً ويقول: ما كان فصيحاً، فهل أنت يا باقل فصيح؟! يقولون: إنه من حمقه كان فيه قلادة وضعتها أمه عليه حتى لا يختلط بالصبية، تعرفه إذا خرج الشارع فتأتي به، فأتى أخوه في الليل، فأخذ القلادة فلبسها، فأتى في الصباح، فقال: يا أخي أنت أنا فمن أنا؟!
(وقال السها للشمس أنت كسيفة) يقول الليل للشمس: أنت كسيفة، (وقال السهى) وهو نجم خافت (للبدر وجهك حائل).
فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل
стр. 9908
نموذج على محبة الخلفاء للشعر
كان الخلفاء يحبون الشعر ويتذوقون الشعر، وكان الناس خطباء، وكان خلفاء الأمة خطباء وعلماء، يتذوقون هذا الأدب.
خرج أبو جعفر المنصور هذا الملك الجبار، ملك جبار، يقول فيه الإمام أحمد: رحم الله ابن أبي ذئب قال كلمة حق عند أبي جعفر، وأبو جعفر أبو جعفر!
كأنه يقول: من يستطيع أن يقول كلمة الحق عند هذا الجبار؟!
قتل من الملوك أكثر من ثلاثين، وقتل الوزراء وقتل أعمامه الذين هم إخوان أبيه، ولذلك دخل عليه ابن أبي ذئب، قال أبو جعفر: أسألك بالله يا ابن أبي ذئب، أنا عادل؟ قال: اعفني يا أمير المؤمنين، أي سامحني هذه المرة، قال: لا والله، قال: أسألك بالله أنا عادل؟ قال: والذي لا إله إلا هو إنك ظالم، ثم خرج.
ودخل عليه ابن السماك الواعظ، فقال: ناولني الدواة، أي دواة الحبر، يقول أبو جعفر لـ ابن السماك: ناولني، قال: لا أناولك، إن كنت تكتب ظلماً أشترك معك في الظلم، وإن كنت تكتب حقاً فلست بخادم لك، فأراد أن يستهزئ به، فوقع ذباب على أنف أبي جعفر، ففعل بالذباب هكذا، فاختفى ثم عاد، قال: يا ابن السماك لماذا خلق الله الذباب؟
يعني: ما الفائدة من الذباب؟
هل منه فائدة؟
هل يحلب أو يذبح أو يؤكل أو يطبخ؟
ما الفائدة من الذباب؟
قال: يا أمير المؤمنين! خلق الله الذباب ليذل به أنوف الطغاة.
فهو لا يقع إلا على أنف الطاغية، قالوا: فخجل أبو جعفر واحمر وجهه.
وخرج مع الشعراء، فقال: من يكمل لي بيتاً أعطيه بردة الرسول ﷺ التي علي، وبردة الرسول ﷺ تشترى بالدماء لا يلبسها إلا الخلفاء، قال الشعراء: ما هو البيت؟ قال:
وهاجرة وقفت بها قلوصي يقطع حرها ظهر المطايا
معنى البيت: يقول: هاجرة -شدة حر- وقفت بها ناقتي، وحرها يقطع ظهور الإبل، فقام الشعراء على ركبهم أيهم يسبق لأخذ الجائزة، فقال بشار بن برد الشاعر العجيب قال:
وقفت بها القلوص ففاض دمعي على خدي وأبصر واعظايا
فرمى بالبردة عليه، فاشتراها الناس منه، وبشار هذا كان أعمى، وهو الذي يقول:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
يا ليتني كنت تفاحاً مثلجة أو كنت من ثمر الريحان ريحاناً
وهو الذي يقول:
إن في بردي جسماً ناحلاً لو توكأت عليه لانهدم
فأتاه رجل فوجده كالثور من ضخامة جسمه، فقال: أنت الذي تقول:
إن في بردي جسماً ناحلاً لو توكأت عليه لانهدم
قال أما يقول الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦].
стр. 9909
نماذج مختارة من شعر العصر
في اليمن الآن شاعر ما زال حياً، وعمره يقارب سبعين سنة، اسمه البردوني من أشعر الناس، وأظن أنه ليس في الأرض أشعر منه في الأحياء، لكن أعمى الله قلبه وبصره، فهو بعثي أعمى، (حشفاً وسوء كيلة) نظم قصيدة في الرسول ﷺ من أعجب ما سمعت في حياتي، يقول من ضمن أبياتها:
بشرى من الغيب ألقت في فم الغار وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرار
بشرى النبوة طافت كالشذا سحراً وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ
نحن اليمانين يا طه تطير بنا إلى روابي العلا أرواح أنصار
أنا ابن أنصارك الغر الألى سحقوا جيش الطغاة بجيش منك جرار
إذا تذكرت عماراً وسيرته فافخر بنا إننا أحفاد عمار
هي طويلة ما يقارب ثمانين بيتاً، لكنها بديعة، وقد عارضتها بأبيات ما يقارب أربعين منها أبيات منها قلت في قصيدة:
صوت من الغور أم نور من الغار أم ومضة الفكر أم تاريخ أسرار
يا عيد عمري ويا فجري ويا أملي ويا محبة أوطار وأعمار
تطوي الدياجير مثل الفجر في ألق تروي الفيافي كمثل السلسل الجاري
الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار
أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبارِ
فما لقومي بلا وعي قد انتكسوا أصغوا لصيحات عربيد وخمار
يبيع ذمته المعهود في وثنٍ والدين ينهار منه في شفا هار
لو بيع في السوق ما حازوا له ثمناً ولو شروه لكان الغبن للشاري
شادوا الدنانير هالات مزخرفة جماعها لا يساوي ربع دينار
نزار قباني: تسمعون عنه، وأنصحكم ألا تقرءوا له، ومن اضطر منكم أن يقرأ له، فليتعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق ثلاث مرات، ويتوضأ، وهو رجل شاعر، لكن إبليس ركبه، وعليه شيطان، ونسأل الله أن يريحنا منه، وله أبيات جميلة لا ننكر جمالها، يقول:
دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا
أدمت سياط حزيران ظهورهم فقبلوها وباسوا كف من ضربا
وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا
يقول: هؤلاء العرب ما عندهم إلا حزيران، درسوا القومية العربية، وليس للقوميين إلا نكسات مع جولدا مائير وموشي ديان، أما بدر وحطين وأحد واليرموك وعين جالوت، فهي معارك الإسلام الخالدة، ومعارك لا إله إلا الله، يوم اتصلنا بالله، يوم كنا عباداً لله، لكن هؤلاء لما خرقوا منهج الله وكتاب الله ، وسنة الرسول ﷺ ، هزمتهم امرأة عجوز، اسمها جولدا مائير، وطاردتهم من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، كل مرة تضرب في جهة، حتى يقول موشي ديان: من أراد أن ينتصر فليحارب العرب.
قلنا: حاربت عرباً ولم تحارب أناساً يحملون لا إله إلا الله، لو كان خالد وصلاح الدين أحياءً، لما قلت هذا الكلام.
ويقول: نزار قباني في قصيدة له يرثي جمالاً، وهو مجرم يرثي مجرماً، يقول:
زمانك بستان وروضك أخضر وذكراك عصفور من القلب ينفر
نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر
وليمون يافا يابس في أصوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر
ثم يقول:
رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر
وانظر إلى جمال الأبيات:
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ
ثم يقول:
تناديك من شوق مآذن مكة وتبكيك بدر يا حبيب وخيبر
تعال إلينا فالمروءات أقفرت وموطن آبائي زجاج مكسر
يطاردنا بالموت ألف خليفة ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر
стр. 9910
أثر الشعر في نفس الحجاج
استدعى الحجاج بن يوسف -وتعرفون من هو الحجاج - شاعراً من العرب، وكان هذا الشاعر من اليمامة، لكنه قال أبياتاً يسب فيها الحجاج، فسمعها الحجاج، وقال: والله لأقتلنه، وقتل الرجال عند الحجاج مثل ذبح الدجاج، وما للرجال ميزان عنده، فأركبوا هذا الشاعر المسكين، وقيدوه على الجمل، وقالوا له: ما عليك بأس، وكأنهم يقولون: الحجاج رجل رحيم وحليم، ولا تخف، قال: والله أعرف، ثم بكى ونظر إلى شجرتين في اليمامة وقال:
لقدماً شاقني فازددت شوقاً بكاء حمامتين تجاوبان
كان قد ترك أطفاله وزوجه في اليمامة يبكون عليه، وعرف أنه لا يعود إلا مقتولاً، قال:
لقدماً شاقني فازددت شوقاً بكاء حمامتين تجاوبان
الحمامة على شجرة هنا والثانية هنا:
تجاوبتا بصوت أعجمي على غصنين من غرب وبان
هذه حمامة تبكي على شجر الغرب، والثانية تبكي على البان، واسمع ماذا يقول:
لقدماً شاقني فازددت شوقاً بكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبتا بصوت أعجمي على غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير دان
يقول: معنى البان أنها تبين مني سليمى، ولن ألقاها إلا يوم القيامة، وأما الغرب فهو اغتراب عن الأهل والأوطان، ووصل إلى الحجاج فقتله، فاستمع الحجاج بعد ما قتله إلى مقولته في الشعر، قال: لو أخبرتموني ما قتلته، لكن جلساء السوء لا يذكرون إلا بعد أن تقع الحادثة.
следующие страницы →