← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

هل الفخذ من العورة ؟ السؤال كيف يجمع العلماء بين الأحاديث التي ترى بأن الفخذ ليس بعورة وبين الأحاديث التي ترى بأن الفخذ عورة؟ الجواب عند الحاكم، عن عبد الله بن جعفر بسند صحيح، أن الرسول ﷺ قال: ﴿عورة المسلم من السرة إلى الركبة﴾ وله شاهد عند الدارقطني، وصح عنه ﵊ عند أحمد وغيره أنه قال: ﴿يا جرهد! غطِ فخذك فإن الفخذ عورة﴾ هذان الحديثان والأثران وغيرهما يدعوان إلى أن الفخذ عورة، ولكن ورد عن أنس أن الرسول ﷺ : أجرى فرسه في غزاة خيبر فانكشفت فخذه ﵊، جمع بينها أهل العلم فقالوا: القول يقدم على الفعل، لما قال ﷺ : ﴿الفخذ عورة﴾ يقدم على الفعل لأنه يأثم، وبعضهم يقول: خاص بالرسول ﵊ وهو جمع ضعيف، وبعضهم يقول أمر طارئ، ما أراد ﵊ أن يتكشف لكن انكشفت فخذه، والصحيح أن الفخذ عورة، وأن عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وعلى ذلك لا يجوز للإنسان عند السباحة، إذا نزل مع إخوانه وزملائه في البحر أو في المسبح، أو في بركة، ولا أن يلعب الكرة بلباس قصير، فلا بد من تغطية السرة إلى الركبة.

стр. 9977

حال حديث إن في جهنم لواد تتعوذ منه جهنم السؤال ما صحة هذا الحديث: ﴿إن في جهنم لواد تتعوذ منه جهنم في اليوم سبع مرات، وإن في الوادي لبركة يُتعوذ منه الوادي سبع مرات، وأن في البركة لحية يتعوذ منها الوادي والبركة سبع مرات، يقال: أعده الله لحملة القرآن﴾؟ الجواب هذا حديث موضوع وباطل، إذا سمعت السبع في السبع، أو السبعين في السبعين فهذه باطلة، مثل حديث يقول: يرزق الله الشهيد في الجنة سبعين قصراً في كل قصر سبعون حورية، على كل حورية سبعين حلة، ويبقى في سبعين ساعة، هذا حديث باطل.

стр. 9978

حكم من أفطر يوماً من رمضان السؤال لقد أفطرت يوماً من رمضان ودار عليّ عامان ولم أقض يوماً مكانه؟ الجواب عليك بالإطعام وقد ورد عن بعض السلف لكن لا أعرف فيه حديثاً مرفوعاً إليه ﷺ أنك مع القضاء تطعم، لكن نقول: اقض يوماً مكانه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 9979

أتاكم جبريل يعلمكم دينكم حديث جبريل الطويل؛ من أعظم الأحاديث بياناً لأصول الدين، وقد اعتنى العلماء بشرحه والاستنباط منه. والشيخ في هذا الدرس شرح لهذا الحديث العظيم، وهو من ضمن شروحه لأحاديث في صحيح البخاري.

стр. 9980

حديث البخاري في تعيين ليلة القدر إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ورفع راية لا إله إلا الله. إن البرية يوم مبعث أحمدٍ نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمةٍ جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها في الأثر: ﴿إن الله سبحانه نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب﴾. ثم أغاث الله الناس بمحمدٍ ﷺ ، فجاء إلى أهل البيوت التي بنيت من الشجر، وفي كهوف الجبال ومن الأعلاف، وجاء إلى أهل الثياب الممزقة من الأعراب والقبائل المتناحرة المتقاتلة، فجمعهم تحت راية لا إله إلا الله، فكان ﷺ يحفر الخندق في غزوة الأحزاب، ومعه المعول بيده الشريفة، وقد ربط على بطنه حجرين من الجوع ﷺ ، وأخذ المنافقون يتسللون لواذاً ويفرون، ويقولون: أيعدنا هذا أن نفتح قصور كسرى وقيصر، ولا يأمن أحدنا أن يبول في هذا المكان، ثم يتضاحكون كلما أخبرهم ﷺ ، فينزل عليه أفضل الصلاة والسلام، فيضرب بمعوله في الأرض، فإذا بنورٍ يلمع فيقول: ﴿أريت قصور كسرى، وقد أرانيها الله وسوف يفتحها على أمتي، ثم ضرب ضربة أخرى فإذا نورٌ يلمع فقال: وهذه قصور قيصر أرانيها الله وسوف يفتحها على أمتي﴾. ونفذ الله ما وعد، وصدق الله ورسوله، ففتحنا بلا إله إلا الله ثم بالسيوف المثلمة وبالرماح التي مضى عليها الأمد قصور الدنيا، وعبرنا المحيطات والبحار بلا إله إلا الله، وصار الأعراب أمراء على الأقاليم، حتى إن سعداً ﵁ لما دخل المدائن عاصمة كسرى بكى، ثم قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩]. مرت سحابة على بغداد، فذهبت ولم تمطر فقال هارون الرشيد: أمطري أنى شئتِ؛ فإن خراجك سوف يأتيني بإذن الله. فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني ونحن في مثل هذه الأوقات نجلس في رياض محمد ﷺ ، مع المعلم الأول، مع الذي رفع رءوسنا يوم كانت مخفوظة، والذي فتح قلوبنا بعد أن كانت غلفاً، وفتح أعيننا بعد أن كانت عمياً، وأسمع آذاننا بعد أن كانت صماً، فرفع رءوسنا على الأمم حتى قال الله فينا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] في تاريخ الإنسان وحياته هم خير أمةٍ أخرجت للناس وذلك إذا كانوا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وكما أسلفنا في بعض الأحاديث التي مرت، وهي من رياض محمد ﷺ نكتبها في كل درس، والمقصود هو اتصال القلوب بهذا النور الذي أنزله الله على رسوله ﷺ . فعن عبادة بن الصامت ﵁: ﴿أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم؛ التمسوها في السبع والتسع والخمس﴾ وقد أتى الإمام البخاري بهذا الحديث في باب الإيمان.

стр. 9981

من أخبار عبادة بن الصامت عبادة بن الصامت أحد الأصحاب الأخيار الأحباب؛ الذين رباهم ﷺ على عينٍ وبصرٍ وسمع، كان من العلماء بالله، وليس من علماء الدنيا الذين يحفظون المتون، ثم يبطلون مفعولها في الأرض، كان يعلم علماً للآخرة، ولذلك عده عمر ﵁ من الحفاظ، فأرسله إلى الشام معلماً ومربياً هناك، ورسولاً من رسل رسول الله ﷺ في الأقاليم، فكان يجلس من بعد صلاة الفجر حتى الضحى يعلمهم القرآن وسنة رسول الله ﷺ ، ثم كان يتعرض للأمراء ويمقتهم في مجلسه، وأمير الشام آنذاك معاوية بن أبي سفيان، فاشتكاه معاوية إلى عمر فاستدعاه عمر وقال: [[ما لك تنقم على معاوية؟ قال: إنه يأخذ المال وينفقه كيف يشاء، ويفعل ويفعل، قال: عد إلى الشام فقبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك]]. ذلك لأن الأرض التي لا تطلع عليها شمس الرسالة هي أرضٌ ملعونة، فقال عمر [[قبح الله أرضاً لست فيها أنت وأمثالك، فعد إلى الشام]]. وكتب إلى معاوية: [[لك إمرة على أهل الشام جميعاً إلا على عبادة، فليس لك إمرة عليه فهو أمير عليك وأنت لست بأمير عليه]]. فلما ذهب عبادة إلى هناك كان يقول ويفعل على نور من الله ، يتكلم معاوية وهو مسدد خال المؤمنين ﵁، ولكن الأنصار ربما لا تعجبهم بعض الكلمات التي تصدر فيتأولون، فيقوم عبادة ويقاطع كلام معاوية ويقول: لا سمع ولا طاعة، فيقول معاوية: ما لك يا عبادة؟ قال: [[إنك ما كنت معنا يوم بايعنا رسول ﷺ على أن نقول الحق لا نخشى لومة لائم]] فهو من أهل العقبة الذين بايعوا رسول الله ﷺ ، والتي كانت يد الله فوق أيديهم، فصدقوا ما عاهدوا عليه الله . ولذلك يقول عبد الله بن رواحة: ﴿لما بايعنا رسول ﷺ قمت من وسط القوم وكنت شاباً، فقلت: يا رسول الله ما لنا إذا بايعناك؟ وما علينا إذا بايعتنا؟ قال: فحصبني الأنصار -يعني: رجموه بالحجارة حياءً من الرسول ﷺ فقال لهم ﷺ : لي عليكم أن تمنعوني مما تمنعوا منه نسائكم وأولادكم وأموالكم؛ فإذا فعلتم ذلك فلكم الجنة، فقام ابن رواحة فقال: ربح البيع؛ لا نقيل ولا نستقيل﴾. فأخذها بيعة عند الله ، فوفى لله بما بايع: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].

стр. 9982

كراهة الشجار ولو في أمر بمعروف أما مسائل الحديث فالأولى منها: كراهية التلاحي والشجار ولو أنه في أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكر، ولذلك خرج ﷺ على الصحابة وهم في المسجد مجتمعون ينتظرونه ﷺ ؛ فأراد أن يخبرهم بليلة القدر ويخبرهم بأن وقتها ليلة كذا، حتى لا يتعبوا ولا تصيبهم مشقة في البحث عن ليلة القدر، فتشاجر رجلان من المسلمين وهم جلوس، وهذان الرجلان هما كعب بن مالك ﵁، وابن أبي حدرد ﵁ وأرضاه من الأنصار، كان بينهم مسألة خفيفة، فارتفعت أصواتهم، فغضب ﷺ ، فعاد ولم يخبر الناس، ولم يحدثهم تلك الليلة، ثم قال لهم: ﴿إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلانٌ وفلان﴾. أخبر بأسمائهم ﷺ ، ولكن الراوي لم يخبرنا بأسمائهم تشريفاً لهم؛ لأنه موطن شجار لا يذكرون فيه، أما لو كان موطن مدح ورفعة وتقدير وفداء وتضحية، لكان أخبرنا بهما رضوان الله عليهم وأرضاهم. ﴿فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان -أي تشاجر فلان وفلان- فرفعت﴾. قال أهل العلم: كان يعرفها ﷺ فأنسيها من الله ، وقال بعضهم: إنه يعرفها ولا يزال يعرفها، ولكن رفع الأمر بتعريف الناس بها، والصحيح أنه كان يعرفها ﷺ ثم أنسيها، ولو كان يعرفها لأخبر بها الناس، فإنه يقول: ﴿فرفعت وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس﴾ السبع والتسع والخمس التي ذكرها ﷺ من ليالي رمضان، وإنما ذكر ﷺ السبع؛ لأنها الراجح، وعليه كلام أبي بن كعب سيد القراء ﵁ وأرضاه، وكلام ابن مسعود وعائشة، ولكن الظاهر من الأدلة أنها تتنقل، وأنها لا تثبت، ولكن أرجحها وأرجح ما تأتي في ليلة السبع.

стр. 9983

من أدب الجدال خفض الصوت الشجار مذمومٌ في كل شيء، وقد نهى الله عن المجادلة إلا بالتي هي أحسن، ومن أدب الجدال الحسن ألا ترفع الأصوات؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢]. قال أهل التفسير: نزلت في أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما عندما أتى وفد بني تميم، واختلفوا أيهم يؤمر على قومه، فقال أبو بكر: أرى أن يؤمر القعقاع بن معيد وقال عمر: أرى أن يؤمر الأقرع بن حابس. فلما سمع ذلك الرسول ﷺ سكت فقال أبو بكر: ما أردت يا عمر إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما على رسول ﷺ ، فلما أنزل الله ذلك، قال أبو بكر للرسول ﷺ : والله لا أكلمك إلا كأخي السرار، أي: أخفض صوتي لك، وكان ﷺ لا يسمع عمر حتى يستفهمه من لطافة صوته وأدبه مع رسول ﷺ . فالمقصود أن رفع الصوت ليس من الأدب في الأخذ والعطاء، ولذلك يقول في وصية لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] لأن صاحب الحق صوته متزنٌ ووقور. وإنما يرفع الصوت في مقامات وردت بها السنة، منها الخطابة، فإن الرسول ﷺ كان يرفع صوته، ويشتد غضبه، وتحمر عيناه الشريفتان كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. ومنها الصوت عند النداء في المعركة، إذا نادى بالإقبال على المعركة؛ فإنه يرفع الصوت كما فعل العباس في حنين ﵁ وأرضاه. فمسائل هذا الحديث أن الشجار قد يرفع البركة ولو كان في خير، وأن الاختلاف والتنازع مذموم، فلبركته ﷺ أتى ليخبر الناس، فلما تشاجروا رفعت هذه البركة، ولعل رفع الله خير من الزهد في العمل في التماس هذه الليلة، ومن أسرار هذا الدين أن بعض الأمور فيه مبهمة، لم يخبرنا الله بها، فساعة الجمعة لم يخبرنا بها نصاً؛ وإنما تلميحاً، وهي في آخر ساعة من ساعات الجمعة على الصحيح، فبقيت ساعة الجمعة مختفية ومبهمة، لنجتهد ونبذل وسعنا فيما يقربنا من الله .

стр. 9984

حديث البخاري في مراتب الدين الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿كان رسول يوماً بارزاً للناس فأتاه رجلٌ فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر، قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها؛ وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس فذلك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] ثم انصرف الرجل فقال: ردوه فذهبوا ليردوه فلم يروا شيئاً، فقال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم﴾.

стр. 9985

سبب ورود الحديث وتعامل النبي ﷺ مع البدو كان سبب هذا النزول من جبريل ﵇ أن الصحابة تشوقوا لرجلٍ عاقل يسأل الرسول ﷺ وهم يستمعون ليستفيدوا من الإجابة؛ لأن الناس في عهده ﷺ أمروا بالتقليل من الأسئلة، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة:١٠١] فالسبب: أن الله منع الصحابة أن يسألوا الرسول ﷺ ؛ لأن الوقت وقت تشريع، فكلما سألوا عن شيء أحرامٌ ذاك؟ يمكن أن يقول: حرام؛ لأن وقت التشريع ووقت النزول ليس من المصلحة فيه كثرة الأسئلة، حتى لا تقع الأمة فيما وقع فيه بنو إسرائيل، فإن الله أمرهم على لسان موسى ﵇ أن يذبحوا بقرة، قال ابن عباس ﵄: [[لو أخذوا بقرة فذبحوها لأجزأتهم، لكن قالوا: ما هي؟ فأخبرهم، فلو أخذوا على هذا الخبر لأجزأتهم، فقالوا: ما لونها؟ فلما أخبرهم باللون عادوا مرة ثالثة فقالوا: ما هي؟ فشددوا فشدد الله عليهم، حتى ما وجدوها إلا بملء جلدها ذهباً؛ لأنها كانت فريدة في زمانها]] هذه البقرة أوصافها فريدة فما وجدوها إلا بعد كلفة. قال أنس ﵁ وأرضاه: ﴿كان يعجبنا الرجل العاقل يأتي من البادية، فيسأل الرسول ﷺ ونحن نسمع﴾. وقال أنس: الرجل العاقل: يخرج غيره، لأن بعض الأعراب سألوا أسئلة ضيعت الوقت على الرسول ﷺ ، وضيعت كذلك أوقات الصحابة، جاء رجلٌ من الأعراب -كما يروي أهل السير وأهل الحديث- إلى الرسول ﷺ قال: إن كان هذا الرسول ﷺ يعلم الغيب فسوف يخبرني أين ناقتي، فربط ناقته في وادٍ من الوديان، وأتى فقال: يا رسول الله! أين ناقتي؟ فقال عمر: ثكلتك أمك وما دخل رسول ﷺ بناقتك، فأجلسه ﷺ واستحيا منه. وجاء رجل من الأعراب فقال: يا رسول الله! ما هذا الدجال الذي تذكره في صلاة الجمعة؟ قال: ﴿رجل يفتن الله به الناس به، وعنده جنةٌ ونار، وعنده ثريد -والثريد هذا لحمٌ وخبز يغر الناس به فيأكلون منه- قال الأعرابي: فماذا يفعل إذا أكلنا من ثريده؟ قال: يغريكم يقول: هذه جنة وهذه نار، فناره الجنة، وجنته نار قال الأعرابي: والله لآكلن من ثريده حتى أشبع وأتضلع ثم أكفر بجنته وبناره، فضحك ﷺ ﴾. يقول ﵊ لأحدهم: ﴿ماذا تقول يا فلان في آخر التحيات قبل أن تسلم؟ قال: أسأل الله الجنة وأستعيذ بالله من النار، وأما دندنتك ودندنة معاذ فلا أعرفها، فقال ﷺ : إنا حولها ندندن﴾. وأنتم تعرفون أن أهل العلم يوردون في باب سماحته ﷺ ، وتحمله للسائل حديث أنس قال: ﴿كنا جلوسٌ معه ﷺ في المسجد، فأتى رجل فدخل، فتخطى رقاب الناس حتى جلس بجانب الرسول ﷺ ، ثم ما لبث أن قام، فاستعرض المسجد، فبال في طرف المسجد، فقمنا عليه لنضربه، فقال ﷺ : اتركوه ولا تزرموه، فلما انتهى قال ﷺ : علي بدلو من ماء، فأتي بدلو من ماء، ودعا ﷺ الرجل، فأجلسه بجانبه، ووضع ﷺ يده على كتفيه ليستأنس، ولئلا يخاف ويستوحش منه ﷺ ، ثم قال ﷺ : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن﴾ فتوضأ الرجل كما أمره ﷺ ، ثم قام يصلي، فقام في الصف الأول وراء النبي ﷺ مباشرة، فلما أوشك ﷺ أن يسلم رفع هذا الدعاء وقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً أبداً، فسلم ﷺ ثم التفت إلى الناس يتبسم عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو يدري أنه هذا؛ لكن الرسول ﷺ ما كان يبهت الناس ويقول: يا فلان! لماذا قلت كذا؟ بل يقول ﷺ : من القائل آنفاً كذا وكذا؟ فسكت الناس، فأعادها ﷺ فقال: أنا يا رسول الله! -ظن أن الرسول ﷺ سوف يعطيه جائزة- فقال: لقد حجرت واسعاً، أو تحجرت واسعاً، أو ضيقت واسعاً، فرحمة الله وسعت السماوات والأرض، وأنت ضيقتها لي ولك، ثم قام هذا الرجل بعد أن علمه ﷺ . فتحمله ﷺ مطلوبٌ منه، والسؤال هو: لماذا لم يرد ﷺ هذه الأسئلة التافهة ويرفضها من أول الطريق؟ لأنه لو رفضها عليه أفضل الصلاة والسلام لارتد هؤلاء؛ فكان يريد أن يتألف قلوبهم، والله يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] لو قال ﷺ : أنا لا أجيب على هذا السؤال، أو ما هذا السؤال التافه؟ يمكن أن يرتد الإعرابي، ولا يسلم أبداً. ولذلك أتى إعرابي إلى الرسول ﷺ يتحدث مع الصحابة، فقال: ﴿يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك؛ لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فتبسم ﷺ وتغيرت وجوه الصحابة، فأرادوا أن يبطشوا به، فقال ﷺ : دعوه، ثم أخذه ﷺ بيده الشريفة وأدخله بيتاً فيه تمر وزبيب وقال: خذ من هذا ما أردت، قال: جزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً، قال: أوما أجملت معك؟ قال: جزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيرا، قال إذا خرجت أنا وأنت عند أصحابي فقل لهم هذا الكلام حتى يرضوا عنك؛ فإنهم وجدوا عليك في أنفسهم، فلما خرج به ﷺ قال: يا فلان أأجملت معك وأحسنت؟ قال: نعم. فجزاك الله عن أهلٍ وعشيرة خيراً، فتبسم ﷺ وقال: إن مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي كرجلٍ كانت له دابة فنفرت، فأتى الناس يلحقونها، فما يزيدونها إلا نفاراً، فقال صاحبها: خلوا بيني وبين دابتي، ثم أخذ من حشائش الأرض -يعني من برسيم الأرض أو من خضرة الأرض- فأخذ يلوح للدابة حتى جاءت فأمسكها، فلو تركتكم وهذا لطردتموه، ثم عاد كافراً، ودخل النار﴾ فأعطاه ﷺ وأدخله في هذا الدين.

стр. 9986

رؤية الملائكة كرامة للصالحين الصحابة يحبون أن يأتي رجلٌ عاقل يسأل الرسول ﷺ عن أسئلة وجيهة طيبة مفيدة. فأتى جبريل ﵇ ولم يعلم الناس حتى الرسول ﷺ أنه هو الذي دخل، أولاً: لأن الله لم يوح إلى الرسول ﷺ أن جبريل سوف يأتيك ليسألك أسئلة، والرسول ﷺ لم يتجهز بالإجابة، ولم يذاكر ولم يراجع معلوماته في هذه الأسئلة العظيمة، إنما كان ذلك مع الصحابة، وجبريل أتى الرسول ﷺ في المسجد؛ لأنها أشرف بقعة يتناول فيها العلم؛ لأن في المسجد نوراً وبركة وهداية، فمن أراد الفائدة والعلم فعليه بالمسجد. ثانياً: لأنه أتاه في صورة رجل؛ لأنه لو أتى في صورته التي خلقه الله عليه لخرج الصحابة من العوام من المسجد فراراً؛ يقول ﷺ : ﴿أريت جبريل مرتين على صورته التي خلقه الله عليها﴾ ولما رآه الرسول ﷺ في حراء ارتعد خوفاً، وقفل يقول: زملوني زملوني، وهو ﷺ من أولي العزم، فما بالك لو رآه أحد الصحابة على هذه الصورة، أين ستكون قلوبهم آنذاك وعقولهم؟! ودخل جبريل في صورة إنسان جميل، وكان يأتي في صورة دحية الكلبي، وهو رجلٌ من أصحاب الرسول ﷺ كان من أجمل الناس، وقد كان ﷺ يرسله إلى الملوك وفداً بالرسائل؛ لأنه يختار السمة والشارة الطيبة، فيختار دحية بن خليفة الكلبي من بني كلب، حتى قال بعض الصحابة: رأيت دحية مر اليوم عليه عمامة، وهو جبريل ﵇، وجبريل لا يراه إلا أهل الكرامة من الصحابة رضوان الله عليهم. حتى إن العباس بن عبد المطلب دخل هو وابنه عبد الله على الرسول ﷺ ، فسلم العباس وسلم ابنه عبد الله، فرد ﷺ فأتى العباس يكلم الرسول ﷺ فما كلمه رسول الله ﷺ ، فأخذ ابنه عبد الله وخرج، وقال: كيف أكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمني؟ قال: أما ترى الرجل الذي يكلمه؟! قال: ما عنده رجل، قال: والذي نفسي بيده إن عنده رجلاً جالساً، فعادا إلى الرسول ﷺ فلم يجدا رجلاً، فقال: يا رسول الله إن عبد الله يقول: إن عندك رجلاً ولم أر عندك أحداً، قال: يا عبد الله! أرأيته؟ قال: نعم رأيته بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال: هذا جبريل، وهذه كرامة لـ عبد الله لما علم الله في قلبه من اليقين والإيمان، ولم يرها أبوه لأمرٍ علمه الله . ويقول سعد بن أبي وقاص: [[رأيت الملائكة يوم أحد]] ورئيت كذلك يوم بدر، أما سعد فرآها يوم أحد نزلت وعليها الثياب البيض والعمائم البيض مسومة، وقاتلت مع الناس. إنما أتى جبريل ﵇ فدخل المسجد والناس جلوس مع الرسول ﷺ ، قال عمر: ﴿ولا يعرفه منا أحد﴾ لماذا؟ يقول: ﴿شديد بياض الثياب﴾. والمسافر الذي يمضي على رجله لا بد أن تتسخ ثيابه وتغبر؛ لكن هذا ما اتسخت ثيابه، وثيابه بيضاء؛ لأنه نزل من السماء للتو؛ لكن لم يدر الناس أنه نزل من السماء. ﴿شديد سواد الشعر﴾: أي أنه ليس فيه غبار السفر ولا شعثه، فدخل حتى جلس عند الرسول ﷺ ، فجلس على ركبتيه كما نجلس في التحيات، وهي من أحسن الجلسات كما أنها جلسة المتواضعين، فلذلك جعلها الله من سنن الصلاة كما سنها ﷺ ، وهي جلسة طالب العلم عند المعلم إذا كانوا جلوساً على أرضٍ سواء. ﴿فجلس فأدنى ركبتيه من ركبة الرسول ﷺ ، ووضع يديه على فخذيه﴾ قال بعض أهل العلم: هما يدا جبريل على فخذ الرسول ﷺ ، وقال بعضهم: بل يدا جبريل على فخذيه، والصحيح أنه على فخذ الرسول ﷺ قالوا: ذلك ليبعد الشبهة عن نفسه، وليظهر بعض الجفاء، فإنه وضع يديه على ركبة الرسول ﷺ ؛ لئلا يظن الرسول ﷺ أنه ملك من السماء، فيظن أنه من الناس، ثم بدأ بالأسئلة، وهذه الأسئلة عرضها البخاري، ولكنها معروضة في مسلم وسوف أذكر اختلاف الرواية.

стр. 9987

شرح حديث جبريل قال: ﴿ما الإيمان؟﴾ هذا السؤال أول سؤال، والصحيح أنه سأل السؤال الأول عن الإسلام؟ وقد سكت الناس في المسجد، قال عمر: وكان بعضنا ينظر إلى بعضٍ في المسجد وما عرفه منا أحد، فقال: ﴿ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر﴾ وفي بعض الروايات: ﴿وبالقدر خيره وشره﴾ لكن في غير البخاري؛ لأن البخاري يلتزم بشرطه، وشرط الرواية التي وصلت إليه، قال: ﴿أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث﴾ ما الفرق بين لقائه والبعث؟ قالوا: تؤمن بالبعث أن الله يبعث من في القبور، وتؤمن باللقاء أنك بعد أن تبعث من القبر أنك تلاقي الله ، فيضع كنفه على عبده، ويناديه كما ينادي أحدنا أخاه في الدنيا، ولله المثل الأعلى، يقول ابن عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿يدني ربكم أحدكم يوم القيامة فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان﴾ وفي حديث عدي بن حاتم الطائي: ﴿ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيسر منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة﴾.

стр. 9988

الإيمان بالقدر قال: ﴿الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث -وهناك- وتؤمن بالقدر خيره وشره﴾ يقول عبادة بن الصامت ﵁ لما حضرته الوفاة لابنه: [[يا بني! اعلم أنك لو أنفقت مثل أحد ذهباً أو فضة ما نفعك عند الله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره]] ويقول ابن عمر في صحيح مسلم لما أتاه الرجل العراقي وأخبره أن قوماً يقولون بالقدر قال: [[والله لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما نفعه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، أخبرهم أني بريءٌ منهم وأنهم براء مني]] ثم ساق ابن عمر هذا الحديث. ﴿فلما أخبره بالإسلام قال: صدقت﴾ فتعجب الناس كيف يسأله ويصدقه، ولكنه ﷺ ما أنكر عليه؛ لأن السائل لا يقول للعالم: صدقت؛ لأن من يقول: صدقت هو أعلم منه، كأن تسأل العالم في مسألة وأنت لا تعرفها، فإذا أفتاك قلت: صدقت، من علمك أنه صدق أو كذب أو أنه أصاب وأخطأ؟ إذاً فأنت أعلم منه، فمادمت أنك تصدقه فأنت أعلم منه، قال عمر: ﴿فعجبنا له يسأله ويصدقه﴾. قال أحد العلماء المالكية: إن السبب في إنكار ذلك (يسأله ويصدقه) أن هذه أمورٌ غيبية لا يعلمها إلا الله ، فهي لا تأتي إلا من مشكاة النبوة، فلما قال: صدقت كأنه يعرفها فأنكروا عليه، قال: ﴿ثم قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: صدقت﴾ هنا لم يذكر الحج، وذكره في بعض الروايات، وعدم ذكره في بعض الروايات تصرف من بعض الرواة؛ لأنه علم أنه لما ذكر عليه الصلاة هذه الأركان علم أنه سوف يكمل الحج، وأنه من الأركان فاستفادوا ذلك، وهذا من باب الاختصار والإشارة، وقيل: لا، بل كان هذا النزول قبل أن يفرض الحج وهذا كأنه بعيد؛ لأن بعض أهل العلم كما يقول الحفاظ إذا لم يجد مخرجاً للرواية، ولم يجد رواية ثابتة قال: يمكن أن تكون متقدمة، ويمكن أن تكون هذه ناسخة لها وهذه منسوخة، وهذا لا دليل لهم عليه، بل ذكر ﷺ الحج.

стр. 9989

الإحسان ﴿قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت﴾ أولاً: اعلموا أن هذا الحديث مقامه من أحاديث الرسول ﷺ كمقام الفاتحة من سور القرآن، فإنه حوى أحكام الإسلام وآداب الإسلام، وكل دقيقة وجليلة في الإسلام، فالفاتحه موجز القرآن، وتفصيل هذا الموجز كله في القرآن، وهذا موجز لأحاديث رسول الله ﷺ ، وتفصيل موجز كلامه ﷺ في هذا الحديث بكل حديثٍ له، فهو من أعظم الأحاديث في الإسلام، وهو قاعدة من قواعد هذا الدين، ومن أتم الأصول عند المسلمين، ولذلك لما أراد الله أن يوقظ الناس ويعلمهم ويفهمهم أنزل جبريل، فسأل هذه الأسئلة العظيمة الجامعة التي يحفظها جميع الناس.

стр. 9990

أشراط الساعة ثم قال جبريل ﵇: ﴿متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها﴾ معناه: أنا لست أعلم منك، وأنت تجهلها، ونحن في الجهل سواء، فإذا لم أعلمها وأنا المسئول فأنت من باب أولى ألا تعلمها وأنت تسأل، قال جبريل: ﴿وما علاماتها؟ -وفي لفظٍ- ما أشراطها؟﴾ جمع شرط، وهو العلامة، وفي رواية قال ﷺ : ﴿وسأخبرك عن أشراطها﴾ ومن فائدة عرض العلامات أن يتدبر الناس. ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] قال بعض أهل العلم: معنى أكاد أخفيها: أكاد أظهرها؛ من باب التضاد. قال: سأنبئك عن أشراطها، ولم يذكر هنا إلا علامتين، فكيف يقول: أشراطها ولم يذكر إلا علامتين؟ قالوا: إن أقل الجمع اثنان، أو أنه ذكر شرطاً آخر لم يذكره الراوي هنا. قال: ﴿إذا ولدت الأمة ربتها﴾ وهنا: ﴿إذا ولدت الأمة ربها﴾ ولا خلاف بين ربتها وربها، والمعنى: أن الرسول ﷺ يخبر أنه في آخر الزمان سوف ينشر الله هذا الدين، وينتصر المسلمون، ويسبون السبي، فيأخذ المسلم أمة، فتنجب له ولداً، يصبح هذا الولد سيداً لها؛ لأنه ابن سيدها، وهذا المعنى هو الذي تميل إليه النفس من أربعة معاني ذكرها أهل العلم. والمعنى الثاني: أن العرب تكون سادة لغيرهم من الأمم، وهو بعيد. والمعنى الثالث: أنها تختلط الأنساب في آخر الزمان حتى تلد الأمة ربها، أي: أنها تصبح عنده الأم يتزوجها، وهذا بعيد ونسأل الله العافية؛ لأن اختلاط الأنساب من المفاسد التي لا يقرها الدين، لكن الصحيح أنه يتسرى المسلمون في آخر الزمن إذا انتصروا على الأعداء، فإذا ولدت الأمة ابناً أصبح هذا الابن ابن سيدها، فأصبح سيداً لها. ﴿وإذا تطاول رعاة الإبل البهم﴾ قال أهل العلم: البهم: إما صفة للإبل أي أن لونها أبهم، أو أنها صفة لرعاة الإبل أنهم بهم عميٌ صم، أي لا يفقهون في الدين شيئاً، يبنون القصور وهم لا يعرفون كيف يصلون، فهذا من علامات الساعة إذا تحضر البدو وبنوا القصور، وتزاحموا في بناء البيوت، فهذه من علامات الساعة التي أخبر بها ﷺ . ﴿وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان﴾ (رعاةُ الإبلِ البهمُ) بالرفع على أنها صفة للرعاة، و (رعاةُ الإبلِ البهمِ) بالكسر على أنها صفة للإبل. ﴿في خمسٍ لا يعلمهن إلا الله﴾ أي أن هذه الخمس استأثر الله بعلمها: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] والسر في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] أن الدراية غير العلم؛ لأنه لو قال : وما تعلم لاقتضى أنها تدري بعض الشيء، لكن لما قال: ولا تدري فهو يحوط كل العلم أي أن الدراية علمٌ وزيادة. ثم خرج جبريل وقام من بين الناس ﵁ وأرضاه فأدبر، فقال ﷺ : ﴿ردوه﴾ لأنه يظن ﷺ أنه رجل وأراد ﷺ أن يسأله: من أين أتيت؟ وماذا تريد؟ فخرج هذا الرجل فالتمسوه في سكك المدينة فلم يجدوه، فرجعوا فأخبروا ﷺ قالوا: ما وجدناه، فتبسم ﷺ وقال: ﴿هذا جبريل جاء الناس يعلمهم أمر دينهم﴾ قال أهل العلم: يمكن أن الرسول ﷺ عرف في تلك الساعة من الله أنه جبريل، أو يمكن أنه عرف بالقرائن والأسباب أنه جبريل ﵇، فجعل ذلك ﷺ كله ديناً، وأخبر الناس أن هذا هو الدين الذي أتى به جبريل من عند الله ، والذي أجاب عليه محمد ﷺ . وهذا الحديث هو الإسلام وهو الإيمان وهو الإحسان، وهو درجات أهل اليقين، فأول ما يبدأ الإنسان المرحلة الأولى في هذا الدين لا بد أن يتقيد بفرائض الإسلام التي ذكرها ﷺ أولاً، ثم عليه بالإيمان، وقد قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] يعني أنهم تعدوا مرحلة، فردهم الله في المرحلة الأولى، يقول: ما نجحتم إلى الآن، فلا تدعوا درجة ليست لكم، وأما الإحسان فهي درجة المقربين، وهي أرفع درجة، وهي درجة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال بعض أهل العلم: وهي رسوخ العلم القلبي بالعيان بالإيمان حتى يكون الغيب كالعيان، وورد في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ يقول: ﴿اعبد الله كأنك تنظر إليه، واستحي من الله كأحيا رجلٍ من قبيلتك﴾ كما ترى أحياناً رجل تستحيي منه، فاستحي من الله أكثر وأكثر؛ لأن بيديه مقاليد القلوب، واعلم أن الله مطلع، وأن له معية -كما يقول أهل السنة والجماعة - خاصة في كل إنسان: فما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم، فهو مع كل فردٍ منا في الليل والنهار. وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

стр. 9991

حديث النعمان بن بشير في اتقاء الشبهات الحديث الثالث: عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات -وعند البخاري - مشبهاتٌ، لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ هذا الحديث نرجعه بعد الحديث التالي؛ لأن حديث ابن عباس الرابع أليق بحديث جبريل.

стр. 9992

الوفود التي وفدت إلى النبي ﷺ

стр. 9993

وفد عبد القيس وعن ابن عباس ﵄: ﴿أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي ﷺ قال: من القوم؟ أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من مضر، فمرنا بأمرٍ فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم، ونهاهم عن أربع؛ عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفت، وربما قال المقبر، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم﴾. يقول ابن عباس ﵄: أتى وفد عبد القيس، وهم من وفود العرب، وقد وفد على الرسول ﷺ أكثر من اثني عشر وفداً عام الوفود، فما كان ﷺ يستقبل وفداً ويودعه إلا والوفد الآخر قد نزل، وأتى هؤلاء الوفود في سنة تسع من الهجرة، يقول : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] وخصص ﷺ بلالاً لضيافة هؤلاء الوفد، فكان ينزلهم في دار الضيافة، فيجلسون ويغيرون ملابسهم، ويقابلون الرسول ﷺ أوقات الصلاة، فيسمعون منه من الحكمة ويتعلمون ويتأدبون. ووفد عبد القيس هؤلاء من ربيعة، وكانوا يسكنون في الأحساء، وهي البحرين في كتب التاريخ وفي كلام العرب، وليس البحرين التي عاصمتها المنامة، إنما هي الأحساء التي فيها مسجد جواثى. يقول ابن عباس في صحيح البخاري: ثاني مسجد في الإسلام جُمّع فيه مسجد جواثى، فهو مسجد عبد القيس، اجتمعوا هذا اليوم، وكانوا ثلاثة عشر، وأورد ابن حجر في رواية أنهم كانوا أربعين، قال: ربما يحمل على أن الثلاثة عشر هم رؤساؤهم وأعيانهم، والبقية من الذين مضوا معهم ورافقوهم، فلما نزلوا في المدينة، وعمدوا إلى المسجد مباشرة، وهم بلباس السفر وغباره، فتخطوا رقاب الناس، وأتوا إلى الرسول ﷺ ؛ إلا أشج عبد القيس وهو سيدهم؛ فإنه نزل فربط جمالهم جميعاً بعد أن ذهبوا إلى المسجد، وأعلفها، ثم ذهب إلى النهر فاغتسل، ثم غير ثيابه، ولبس أحسن الثياب وتعمم، ثم تطيب، ثم أخذ عصا بيده، ثم دخل بهدوء وسكينة من المسجد، والرسول ﷺ يلاحظه، فلم يتخط رقاب الناس، فجلس بأدبٍ وسكينة عند الرسول ﷺ ، فالتفت ﷺ إليهم قبل أن يتكلموا، وتبسم لهم جميعاً ﷺ ، ثم قال لـ أشج عبد القيس: ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة﴾ أي: العقل والوقار والسكينة، والأناة: هي التثبت وعدم العجلة. قال ابن القيم في زاد المعاد في كتاب الوفود: فيه ذم الطيش والعجلة، وأنها تورث صاحبها مضرة أكثر من المنفعة، وفيها أن الله يجبل العبد على أخلاقٍ يرضاها ﵎؛ لأن الجبل غير الجبر، فالجبر ليس في عقيدة أهل السنة والجماعة. والجبل: هو أن يجبلك الله على أخلاق معينة، ومعظم الأخلاق تكون على الفطرة؛ ومنها الكرم والشجاعة.

стр. 9994

وفد الطائف أتى أناس من الطائف في وفد فقال لهم ﷺ : ﴿أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن تتركوا ما كنتم تعملون من الفواحش في الجاهلية، فقام كنانة وكان سيدهم فقال: ماذا تأمرنا أن نترك؟ فتبسم ﷺ قال: اتركوا الزنا، قال: نسافر الأشهر ولا نزني؟ قال: ﷺ : نعم، قال: ونترك ماذا؟ قال: لا ترابون، قال: فمن أين لنا ربحٌ؟ أنأخذ رأس مالنا ونخسر؟ قال ﷺ : لا ترابون، ثم ذكر ﷺ الخمر، قال: لا نشرب؟ قال: لا تشربون، قال: لا نستطيع ولكن اكتب كتاب أمان؛ فتبسم ﷺ ﴾ ما آمنوا بالله ولا برسوله ولا بهذا الدين، ويقولون: اكتب لنا كتاب أمان، فقال ﷺ : ﴿لا أمان لكم عندي، وإنما هي المصارمة والمقاتلة، وانتظروا يوماً كيوم أهل مكة﴾ فاجتمعوا في بيت المغيرة وقالوا: ماذا ترون؟ قال المغيرة: أرى أنكم إن لم تفعلوا فإن الرسول ﷺ سوف يهدم بيوتكم على رءوسكم، فتعالوا فأسلموا وأطيعوا وآمنوا بما جاء به، فأتوا وأطاعوا فقال كنانة وكان عاقلاً من عقلائهم: إذا رجعنا إلى قومنا في الطائف قالوا: إنا قد أعطينا الدنية وربما قتلونا، فإذا أتينا ودخلنا عليهم في الطائف فسنظهر الغضب، وكلٌ منا لا يحدث الآخر، ونتشاتم ونحن في الطريق أمامهم، ثم لا نسلم عليهم، وندخل في بيوتنا مغضبين، فإذا سألونا ما لكم؟ قلنا: سوف يحاربنا محمد ﷺ ويشن علينا الغارة؛ لأنا أبينا أن نترك الزنا والربا ونترك الخمر، فإنهم سوف يقولون لنا: اذهبوا إليه وقولوا: سوف نترك هذا وهذا؛ لأنه سوف يقاتلنا كما قاتل قريشاً، فلما قربوا من الطائف خرج أهل الطائف رجالاً ونساءً وأطفالاً، فتفرق هذا الوفد كل واحد على حدته، وأخذوا يتشاتمون ويتحاثون بالتراب على وجوههم، فقال لهم القوم: ما لكم ذهبتم جميعاً ورجعتم فرادى؟! ادخلوا معنا، فما كلموهم، ودخل كل واحد بيته، فاجتمع أهل الطائف جميعاً وقالوا: نرى أن تذهبوا إلى هذا الرجل وأن تعطوه ما أراد، وأن تكتبوا بينكم وبينه كتاباً؛ فإنا نخاف أن يوقع علينا الدائرة، فقال كنانة: هذا ما أردنا وقد فعلنا ما أردتم، فاجتمعوا جميعاً فأسلموا. فرجع المغيرة إلى رسول ﷺ فقال: يا رسول الله! أرسل معي رجلاً يهدم اللات التي كانوا يعبدون، فقال: قم يا خالد، وهو رجل المهمات والطوارئ، فقام ﵁ مع المغيرة، فلما ذهبوا قال المغيرة لـ خالد وكان مزاحاً، سوف أضحكك وأضحك أهل ثقيف اليوم، قال: ماذا تفعل؟ قال: اتركني ولا تقرب هذه اللات؛ فإنهم يظنون أنها تقتل، وأنها تحيي وتميت، وأنها تنفع وتضر، فسوف أقعد عليها، ثم أصيح وكأنني مقتول، ثم أتقلب عليها، فقام بالفرس فضربها ضربة ثم شهق شهقة حتى سمع أهل ثقيف، فإذا هو ملقى على ظهره كأنه مقتول، فقال أهل ثقيف: لقد حذرناك يابن فلانة -يقصدون المغيرة - وقلنا لك: إنها تقتل الناس، فذق ما أتاك، وخذ يابن بني مخزوم -يقصدون خالداً - مثلما فعل صاحبك؛ تقدم إن كان فيك خير، فسكتوا، وأقبلوا يقلبون المغيرة ظانين أنه قد مات، فانتفض حتى وقف يضحك قال: قاتلكم الله يا ثقيف! أما عرفتم أن هذه حجارة لا تنفع ولا تضر، فقام خالد فهدمها من أساسها ﵁ وأرضاه. وكان منهم عروة بن مسعود قتله قومه قال ﷺ : ﴿إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه﴾ يقول ﷺ : ﴿ورأيت عيسى كأنه عروة بن مسعود الثقفي﴾ أي في جسمه وهيئته.

стр. 9995

وفد الأزد وكل فتاةٍ بأبيها معجبة ولو أن وفد الأزد ضعيف سنده، لكن نقويه إن شاء الله. قدم وفد الأزد على الرسول ﷺ ، فيقول الحارث وهو سابع سبعة أو ثامن ثمانية منهم: وفدنا على الرسول ﷺ من الأزد -من قبائل الجنوب (من هنا) لأن الأزد ينتسبون إلى قحطان كما تعرفون ذلك- فهم أزد شنوءة، وقد تفرقوا قسمين، قسم سكن السراة وقسم سكن عمان، ولا يهمنا هذا العمة والخالة والجدة؛ لأننا لا نرث عمان ولا يرثوننا؛ لكن من باب معرفة الشيء. فأتى هذا الوفد، فقدم على الرسول ﷺ ، فنزلوا وكانوا طوالاً في أجسامهم، وفيهم قوة كما صح، فلبسوا لباساً جميلاً، فلما نزلوا عند الرسول ﷺ قال عمر بن الخطاب كما في بعض الروايات عند ابن عساكر وغيره: [[يا رسول الله! هنا قومٌ كأنهم من الهنود]] لأنهم كانوا يوفرون لحاهم لا بقصد السنة فهم لا يعرفون السنة؛ لأنهم جاهليون، لكنهم يعدون من المروءة والشهامة ألا يأخذ الإنسان من لحيته شيئاً، وإذا قامت بينهم الحرب وعقد أحدهم لحيته فلا يفكها حتى يأخذ حقه، وينتقم ممن يقاتله، أو يأخذ بثأره، فقال ﷺ : ترجموهم، فتقدموا إلى الرسول ﷺ فسألهم: ﴿ممن القوم؟﴾ لأن الرسول ﷺ يريد أن ينتسبوا إليه عليه أفضل الصلاة والسلام، فقالوا: مؤمنون، فتبسم ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿إن لكل قومٍ حقيقة؛ فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا: خمس عشرة خصلة، خمسٌ أمرنا الله بها، وخمسٌ أمرتنا أنت بها، وخمسٌ تخلقنا بها من أخلاق الجاهلية، فتبسم ﷺ أكثر وأكثر، وقال: ما هي الخمس التي أمركم الله بها؟ قالوا: أمرنا أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، وأن نقيم الصلاة، وأن نؤتي الزكاة، وأن نصوم رمضان، ونحج البيت، فقال ﷺ : وما الخمس التي أمرتكم أنا بها؟ قال: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ونؤمن بالقضاء والقدر، فقال: وما الخمس التي تخلقتم بها من أخلاق الجاهلية؟ قالوا: الصدق في مواطن النفاق، والصبر على مر القضاء، وترك شماتة الأعداء، وشكر الله في الرخاء، وزادوا خامسة نسيتها، فتبسم ﷺ ونظر إلى الناس وقال: علماء علماء، كادوا من علمهم أن يكونوا أنبياء، ثم زادهم ﷺ قال: وأنا أزيدكم خمساً فتصبح عشرين لا تردوا ما لا تسكنون، ولا تدخروا ما لا تأكلون، واتقوا ربكم الذي عليه تعرضون وإليه تحشرون، وعنده تحاسبون﴾ أو كما قال ﷺ . فذهب الوفد وأجازهم ﷺ بمثل ما يجيز الوفود، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه، هذا وفد الأزد والجنوب الذي وفد على الرسول ﷺ .

стр. 9996

وفد غامد وفد غامد يدخلون في الأزد لكن لهم وفدٌ خاص، فوفدوا عليه ﷺ وتركوا أحدهم عند متاعهم، لأنهم يحبون التجارة، فمكث هذا الرجل هناك، فلما أتى الوفد قال ﷺ : ﴿من تركتم عند رحالكم قالوا: تركنا فلاناً منا، فقال ﷺ : لقد نام فلان وسرقت رحالكم﴾. والرسول ﷺ يريد أن يدخل المعجزات في مثل هذا الموقف حتى يزيد الإيمان، فعادوا فوجدوا هذا البطل قد نام، ووجدوا الرحال قد سرقت، فأتوا يلتمسون فعادوا إلى الرسول ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله علمت أنها سرقت فأخبرنا: من سرقها؟ قال: ﴿لقد أخذها قومٌ من الأعراب، وقد أخفوها تحت البطحاء في وادي كذا وكذا﴾ فذهبوا فنقبوا فوجدوها، ثم عادوا إلى الرسول ﷺ فأوصاهم، وكان منهم أبو صخر الذي له حديث في مسند أحمد وهو صحيح: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ قال في الرواي: كان أبو صخر تاجراً فكان يغدو ويصبح، فكثرت تجارته حتى ما كان يدري أين وهطها.

стр. 9997

وفد بني حنيفة وهناك وفود أخرى ردها ﷺ كوفد بني حنيفة مع مسيلمة، أتى إلى الرسول ﷺ فجلس في الرحال، ولم يدخل على الرسول ﷺ ، فأتى بنو حنيفة فدخلوا، فقال: من تركتم في رحالكم؟ قالوا: تركنا رجلاً هو مسيلمة، فقام ﷺ ومعه عصا ومعه ثابت قيس بن شماس إلى مسيلمة، فقرع رأسه بالعصا وقال: ﴿والله إن سألتني هذا السوط لا أعطيك إياه، والله إن خرجت ليهلكنك الله، وإن أدبرت ليتلونك الله -أي ليكشفنك الله- ثم قال ﷺ : ألا إنه شركم مكانة﴾ فعاد مسيلمة، فلما كان في الطريق قال: أتدرون ما له يتكلم علي ويسبني؟ -يقصد الرسول ﷺ قالوا: لا. قال: لأنني سوف أنبأ ويرسلني الله فيكم كما أرسله؛ فحسدني، فلما رجعوا بلادهم ادعى النبوة، قال له بنو حنيفة: وما بال الرسول ﷺ ؟ قال: نبيٌ مثلي له نصف الأرض ولي نصف الأرض. سمع من القرآن النازعات إلى قوله تعالى: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:٢] فقال: والخابزات خبزاً، والعاجنات عجناً، وهذه أوردها ابن كثير والذهبي والأئمة وغيرهما. فصدقه قومه بخرافته، فكتب رسالة للرسول ﷺ : من مسيلمة رسول الله -قاتله الله- إلى محمد رسول الله؛ أما بعد: فلي نصف الأرض، ولك نصفها، لك المدر ولي الوبر، ولكن الناس أكثرهم لا يعدلون، وجعلها مثل آخر الآية! فوصلت إلى رسول الله ﷺ ، فلما قرأها مزقها ﷺ ودعا عليه، ثم أرسل إليه ﷺ حبيب بن زيد فقتله، وظل دجالاً حتى صفى حسابه أبو سليمان خالد بن الوليد في عهد أبي بكر فقاتله؛ فما علم أين القبلة هل هي في الشمال أو في الجنوب، ودخل عليه في حديقته، فقتله قتل عاد وثمود.

стр. 9998

الأسئلة

стр. 9999

من أحكام العقيقة السؤال إذا مات المولود هل تذبح عنه العقيقة؟ الجواب لا تذبح عنه، إذا مات قبل الأيام السبعة؛ لأنه خسارتين يخسر الولد ويخسر الذبائح، فيتأكد حتى يعيش الولد، يقول ابن الجوزي: كان أحد الحمقى عنده حمار فمرض هذا الحمار وهو رأس ماله وميزانيته، ولا يملك من الدنيا إلا هذا الحمار، فنذر لله نذراً إن شفى الله الحمار أن يصوم سبعة أيام، فشافى الله حماره، فصام سبعة أيام، فلما انتهى من السبعة مات الحمار، فقال: ما سلمت من الصيام، ولا سلمت من بقاء الحمار، والله لأحتسبنها من رمضان، فلما أتى رمضان صام ثلاثة وعشرين يوماً، وخصم سبعة أيام، فهذا صاحب العقيقة يتأكد؛ لأنه قد يذبح ويعق، ثم يموت الولد بعدما يتعشى الناس.

стр. 10000

حكم البول واقفاً السؤال ما حكم البول واقفاً؟ الجواب مكروه والأولى أن يبول المسلم جالساً، وفي صحيح البخاري يقول حذيفة: ﴿ذهبت مع الرسول ﷺ ، فلما أتى بساط قوم، بال واقفاً عليه أفضل الصلاة والسلام﴾ قال بعض أهل العلم: لمرض في مأبضه ﷺ ، أي: عند الركبة، وقيل: كانت العرب تستشفي بذلك من وجع الظهر، فالصحيح الذي دل عليه كلام أهل العلم أن البول واقفاً مكروه، لكن إذا اضطر الإنسان فلا حرج.

стр. 10001

نسبة أبي هريرة السؤال ما هو البلد الذي ينتسب إليه أبو هريرة في الوقت الحاضر؟ الجواب هذا السائل كأنه زهراني، فإن أبا هريرة ﵁ زهراني دوسي، من قبيلة دوس، وهي معروفة في شعب زهران، وهو حسنة من حسنات الطفيل بن عمرو الدوسي ودوس من الأزد الذين منهم الخليل بن أحمد الفراهيدي أكبر عروبي في تاريخ الإسلام، ومنهم مؤرز السدوسي العابد الشهير والعالم، ومنهم كثير من أهل العلم، والله يوزع الفضل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].

стр. 10002

قاتل مسيلمة السؤال ذكرت أن خالداً قتل مسيلمة، والذي قتله هو وحشي قاتل حمزة! الجواب الذي قتل مسيلمة هو وحشي، لكن الذي قاد عملية القتال وأدارها هو خالد، وأنا ما قلت: إنه باشر قتله؛ لكنه هو الذي اقتحم الحديقة عليه، فإن الله يقول لفرعون: يقتل أبناءهم، وهو لم يقتلهم بيده، فجنوده هم الذين قتلوهم لكنه هو الذي أمر.

стр. 10003

رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة السؤال ما حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الفريضة؟ الجواب بعد الفريضة من اتخذه دائماً وداوم عليه فقد ابتدع، أما من دعا بعض الأوقات فلا عليه؛ لأن البدعة ما استمر عليها؛ لأنه ليس من هديه ﷺ أن يرفع يديه دائماً بعد الفريضة ولا أصحابه الكرام.

стр. 10004

الرد على من يقول بأن نزول الملائكة معنوي السؤال ماذا ترد على من يقول: إن نزول الملائكة يوم بدر نزول معنوي، وليس بنزول حسي؟ الجواب لا نعرف هذا النزول المعنوي؛ وكأنه يرد على القرآن، ويرد على السنة؛ فإنها تذكر أنهم نزلوا، ورآهم الصحابة، فيقول هذا: ما نزلوا، ولا رآهم الصحابة؛ إنما هو نزول معنوي، وهذا أتى من بعض أهل التفسير من المتأخرين، منهم محمد عبده في تفسيره يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ﴾ [الفيل:١ - ٣] قال: هذا الطير هو الجدري! ما شاء الله، يخفى هذا التفسير عن ابن عباس، وعن علي، وعن ابن مسعود، ويأتي هذا في القرن الخامس عشر يفسره بالجدري، وهذا مما أخطأ فيه؛ لأنه فسر الغيبيات التي أتى بها والمعجزات والكرامات بأمورٍ معنوية، وهذا خطأ في فهم كتاب الله .

стр. 10005

كفارة الرشوة السؤال ما هي كفارة الرشوة؟ الجواب كفارة الرشوة أن يتوب المرتشي إلى الله ، وأن يأخذ هذا المال لينفقه في إحدى الوجوه، ولا يدخله عليه، ثم لا يعود مرة ثانية، وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان:٧٠ - ٧١].

стр. 10006

من دخل المسجد والإمام في آخر الصلاة السؤال دخلت المسجد والإمام في الجلسة الأخيرة ومعي جماعة هل ندخل في الجماعة الأولى التي لم يبق منها إلا الجلسة الأخيرة أم ننتظر حتى يسلم ونصلي في جماعة ثانية؟ الجواب الأولى إذا علمت أنه قد انتهى أن تقف حتى يسلم الإمام، ثم تصلي جماعة؛ ليكون هناك إمام، ويكون لكم جماعة، وتتمون كلكم جماعة، فإنكم لو دخلتم لأصبحتم تصلون فرادى بعد أن يسلم بلا إمام.

стр. 10007

السواك وقت الخطبة السؤال أرى بعض الناس في صلاة الجمعة يستعمل السواك عندما تقام الخطبة؟ الجواب الاستياك وقت الخطبة لا يجوز، وهو معصية، وقد يبطل أجر حضور الجمعة؛ لأن بعض أهل العلم شبهه باللعب بالحصى، ومن مس الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، بل لا يتشاغل أبداً ولينصت، وأما من قام يصلي ركعتين بين الخطبتين، فهو مبتدع بدعة ما فعلها السلف، بل يصلي قبل دخول الإمام، أما وقت الخطبة فينصت، لأن هذا الوقت من حظ الإمام، وليس من حظ المأموم، وللمأموم أن يتكلم مع الإمام، وللإمام أن يتكلم مع المأموم.

стр. 10008

معنى: أن تلد الأمة ربتها السؤال ﴿ أن تلد الأمة ربتها﴾ بعض أهل العلم يفسره بعقوق الوالدين؟ الجواب صحيح، وأورده ابن حجر في فتح الباري، وضعفه واستبعده، وهو بعيدٌ كل البعد.

стр. 10009

حكم الإجابة بـ (الله ورسوله أعلم) السؤال هل يجوز للإنسان في سؤال أن يقول: الله ورسوله أعلم؟ الجواب نعم يجوز أن يقول: الله ورسوله أعلم، فإن في صحيح البخاري قال ﷺ لـ أبي بن كعب: ﴿يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم﴾ فهي سنة، وهي من الكلمات المشرقة. أما بعد وفاة الرسول ﷺ ، فإن كانت المسألة من مسائل الدين التي يدري بها ﷺ ، وليست من مسائل الغيب، مثلاً سألت إنساناً عن الوضوء، فما عرف يجيبك، فقال: الله ورسوله أعلم، فيصح ذلك؛ لأن الرسول ﷺ يعلم بهذه المسائل في الدين، أما مسائل الغيب فلا، بل يقول: الله أعلم، لأن مسائل الفقه والتكليف التي بلغها ﷺ يعلمها ﷺ ، ويكفر من يقول: إن الرسول ﷺ لا يعلمها، وأما مسائل الغيب التي اختص الله بها فلا يعلمها إلا الله .

стр. 10010

مقدار انتظار الصلاة بعد الأذان اجتهادي السؤال هل الوقت بين الأذان والإقامة مرتبط بأدلة شرعية عملية اجتهادية؟ الجواب يقصد السائل مقدار الوقت، هل هو اجتهاد أن يكون عشر دقائق أو ربع ساعة، فأقول: نعم؛ فإنه يجوز للناس إذا اجتمعوا وأذن المؤذن أن يقيم فيهم مباشرة بدون أن ينتظروا أحداً، إذا لم يكن هناك أحدٌ ينتظرونه؛ لأن الرسول ﷺ ربما في بعض الأوقات أو الأحيان إذا كان يسافر أذن للصلاة وأقيمت، وما كان ﷺ ينتظر وقتاً محدوداً، بعض الأوقات يؤذن لصلاة العشاء، وإذا بـ بلال يقيم، وفي بعض الأحيان يمكث ﷺ فيأتيه وفدٌ فيبقى معهم في البيت حتى ينام الناس في المسجد، يقول عمر: ﴿كنا مع الرسول ﷺ ، فنام النساء والصبيان ونظرت إلى الليل، فإذا هو قد ذهب، فقلت: يا رسول الله! نام النساء والصبيان، فخرج ﷺ قال أنس: وهو يمسح رأسه ﵊، ووجهه كالقمر ليلة البدر، فلما رأى أبا بكر وعمر التفت إليهم في الناس، فابتسم إليهم وابتسموا إليه ﷺ ، فأقام بلال فصلى ﷺ بالناس وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي﴾.

стр. 10011

صحة قيام الساعة على فجار الخلق السؤال هل أنه لا تقوم الساعة حتى لا يُذكر الله ؟ الجواب نعم. صح عنه ﷺ أنه: ﴿لا تقوم الساعة حتى لا يوجد في الأرض أحد يقول: الله الله﴾.

стр. 10012

من أحكاع الرضاع السؤال هل يجوز أن تكشف علي بنت خالتي الكبرى، حيث أن أختها الصغرى أختٌ لي من الرضاعة؟ الجواب لا، لا تكشف عليك؛ فإن الرضاعة لا تسري إلا في المرتضع والراضع وفي فروعهما أصولاً وفروعاً، وأما أنت فهي أجنبية عنك، سواء كانت كبرى أو صغرى.

стр. 10013

مناسبة ذكر ليلة القدر في كتاب الإيمان من البخاري السؤال لماذا ذكر البخاري حديث قيام ليلة القدر في باب الإيمان؟ الجواب ذكره ﵀؛ لأن فيه مسائل الإيمان، ولأن العمل من الإيمان، فـ البخاري يرد على من أنكر أن العمل من الإيمان، وقد عقد باباً في الصحيح أن العمل من الإيمان، فأورد أن قيام ليلة رمضان من الإيمان رداً على المرجئة الذين يقولون: يكفي أن نقول: لا إله إلا الله ثم لا نعمل.

стр. 10014

حكم دفن جنازتين في قبر السؤال هل يجوز دفن جنازتين في قبرٍ واحد؟ الجواب يجوز دفن جنازتين وثلاث في قبرٍ واحد، قال جابر فيما صح في الصحيحين: ﴿لما قتل الصحابة يوم أحد كان أبي مع من قتل، فضاقت بالناس الضائقة، فقلنا: يا رسول الله إن علينا مشقة من الحفر، فقال: احفروا وأوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة معاً﴾ ويقول ﷺ في رواية: ﴿ادفنوا المتحابين سوياً، وقدموا أكثرهم أخذاً للقرآن إلى القبلة﴾ فكانوا يقدمون من كان أحفظ لكتاب الله تجاه القبلة، فيدفن الاثنين والثلاثة سوياً، لكن ينتبه لا يدفن منافق أو فاجر أو كافر مع مؤمن، نسأل الله السلامة؛ لأن الكافر كلب لا يدفن ولا يقرب من مقابر المسلمين وذلك مثل من ماتوا في جاهلية جهلاء، أو على إلحاد، أو على كبائر.

стр. 10015

من غزوة مؤتة السؤال ما مدى صحة الأحاديث عن شهداء مؤتة، وأقصد في ذلك ما جاء عن عبد الله بن رواحة؟ الجواب لا أدري ماذا يقصد السائل، لكنه ورد عن شهداء مؤتة أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم وفي غيرهما من دواوين الإسلام، منها أن الرسول ﷺ يقول: ﴿دخلت الجنة وفي سرير ابن رواحة ازورار﴾ ومنها أن الرسول ﷺ رأى جعفر الطيار يطير بجناحين في الجنة، هذه الأحاديث التي صحت، أما غيرها فلا أدري مقصود السائل. ورد أن في سريره ازوراراً، وهو حديث حسن، وليس من الصحيح؛ ولم يرد في البخاري ومسلم، يقولون: لأنه تأخر، وكان الأمير الثالث، وهذا يسمى عند أهل السنة والجماعة من باب تنزيل الناس منازلهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٦٣] فبعضهم على بعض أرفع من مائة درجة. في ختام هذا الدرس نتوجه إلى الله العليم أن يغفر لنا ولكم ذنوبنا وخطايانا، وأن يتغمدنا بواسع فضله ورحمته، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →