← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من وسائل كشف الكربة: العلم بأن الدنيا فانية ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: العلم بأن الدنيا فانية زائلة، كل ما فيها يتغير ويحول ويضمحل ويفنى ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، إنها ألم يخفيه أمل، وأمل يحققه -بإذن الله- عمل، وعمل يقطعه الأجل، وعندها يُجزى كل امرئٍ بما فعل. إنها الدنيا إن حَلَتْ أَوْحَلَتْ، وإن كَسَتْ أَوْكَسَتْ، وإن دَنَتْ أَوْدَنَتْ، وكم من ملكِ فيها رُفعت له علامات فلما علا مات. هي الأيام لا يبقى عزيز وساعات السرور بها قليله إذا نشر الضياء عليك نجم وأشرق فارتقب يوماً أُفُولُه إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرَّت يوماً أحزنت شهوراً، وإن متَّعت يسيراً منعت طويلاً. لا يبقى لها حبور ولا يدوم فيها ثبور اليوم عندك دلُّها وحديثها وغداً لغيرك كفُّها والمِعصمِ قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] ما أدقَّ التعبير القرآني! يوم يشير إلى أن الحياة الدنيا يوم تُوزن بموازين الدنيا تبدو أمراً عظيماً هائلاً ضخماً، لكنها حين تُقاس وتوزن بموازين الآخرة تبدو شيئاً تافهاً زهيداً حقيراً، بل هو لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة من جد تنتهي إليه المصائر بعد لعبة الحياة الدنيا، لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، ثم تأتي الصورة القرآنية المبدعة لتصور الدنيا كزرع يعجب الزُّراع نباته، ينمو شيئاً فشيئاً حتى يكتمل، ثم يهيج، فتراه مصفراً جاهزاً للحصاد؛ فهو موقوت الأجل ينتهي عاجلاً، ويبلغ أجله قريباً، ثم يكون حُطاماً، وينتهي شريط الحياة بمشهد الحُطام، ويا لها من نهاية! وأما الآخرة فلها شأن وأي شأن! يستحق شأنها أن يُحسب حسابه، ويُنظر إليه ويُستعد له: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] فهي لا تنتهي في لمحة كالحياة الدنيا، وهي لا تنتهي إلى حطام كالنبات البالغ أجله؛ بل حساب وجزاء ودوام يستحق الاهتمام. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] متاع يستمد قوامه من الغرور الخادع يُلهي وينسي، وينتهي بأهله إلى غرور خادع؛ فما أحوج المؤمن إلى الاستعلاء على هذا الغرور الخادع ليحقق عقيدته، ولو اقتضى أن يضحي بالحياة الدنيا جميعها؛ فما هي إلا حطام أو كظلٍ أو سراب. روى الترمذي وابن ماجة بإسناد حسن قال: قال ﷺ : ﴿مالي وللدنيا! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قَالَ في ظل شجرة، ثم راح وتركها﴾. أحلام نوم أو كظلٍ زائلٍ إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ يقول بعض أهل العلم: لَنِعَم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه منها فيما بسط لنا فيها؛ ذلك أن الله لم يرضَ لنبيِّه الدنيا؛ فلأن أكون فيما رضي الله لنبيه وأحبَّ له أحبُّ إليّ من أن أكون فيما كره له وسخط. وأجمل بقول ابن القيم -عليه رحمة الله- من قول، يوم قال يشبه الدنيا: أشبه الأشياء بالدنيا الظل تحسب له حقيقة ثابتة، وهو في تقلُّص وانقباض، تتبعه لتدركه؛ فلا تلحقه. وأشبه الأشياء بالدنيا السراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه والله سريع الحساب. وأشبه الأشياء بالدنيا المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره؛ فإذا استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له. ترجو البقاء بدار لا ثبات لها فهل سمعت بظل غير منتقل حياتها رصدٌ وشربها كدرٌ وعيشها نكد وملكها دُوَلُ من ذا الذي قد نال راحة فكره في عسره من عمره أو يُسره؟ يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره فيظل هذا ساخطاً في قُلِّه ويظل هذا ناصباً في كُثرهِ سُنَّ البلى ولكل شمل فرقة يُرمى بها في يومه أو شهره والجن مثل الإنس يجري فيهم حكم القضاء بحلوِه وبمرِّه أوَما ترى الرجل العزيز بجنده رهن الهموم على جلالة قدره فيسرُّه خير وفي أعقابه همٌّ تضيق به جوانب صدره وأخو التجارة لاهث متفكر مما يلاقي في خسارة سعره وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الـ رجل الوحيد كمينة في صدره ولرُبَّ طالب راحة في نومه جاءته أحلام فهام بأمره والطفل من بطن أمه يخرج إلى غُصَص الفطام تروعه في صُغره ولقد خبرت الطير في أوكارها فوجدت منها ما يُصاد بوكره والوحش يأتيه الردى في برِّه والحوت يأتي حتفه في بحره ولربما تأتي السباع لميت فاستخرجته من قرارة قبره تالله لو عاش الفتى في دهره ألفاً من الأعوام مالك أمره متلذذاً معه بكل لذيذةٍ متنعماً بالعيش مدة عمره لا يعتريه النقص في أحواله كلا ولا تجري الهموم بفكره ما كان ذلك كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره كيف الفعال أيا أخي فيما ترى صبراً على حُلوِ القضاء ومرِّه صبراً فغمسة في الجنة تُنسي كل شقاء وبؤس وبلاء، وغمسة في النار -عياذًا بالله- تنسي كل لذة ونعيم. لكل شيء إذا ما تمَّ نقصان فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول من سرَّه زمن ساءته أزمان كم من مؤملٍ أدركه الموت قبل تحقيق أمله! وكم من زرعٍ عاش ومات زارعه! فاسمع: لما حضرت الوفاة سيبويه النحوي ﵀ وضع رأسه في حجر أخيه، ثم أغمي عليه، فقطرت قطرة من دموع أخيه على خده، فأفاق من غشيته متمثلاً بقول القائل: يؤمِل دنيا لتبقى له فمات المؤمِل قبل الأمل وبات يروِّي أصول النخيل فعاش النخيل ومات الرجل ثم قال لأخيه: أخيين كنا، ففرق الله بيننا إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهر، ثم لقي الله . هذه هي الحياة الدنيا، والآخرة هي الحياة لو كانوا يعلمون. إنما الدنيا هبات وعَوارٍ مستردة شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة

стр. 107

من وسائل كشف الكربة: تذكر ما في البلاء من فوائد ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: تذكُّر ما في البلاء من لطائف وفوائد، منها على سبيل المثال: أولاً: تذكير العبد بذنوبه؛ فربما تاب إلى الله ، فلتوبته إلى الله أعظم عزاء له من كل شيء. يقول بعض السلف: [[إن العبد لَيُصاب بالمصيبة، فيذكر ذنوبه، فيخرج من عينه مثلُ رأس الذباب دمعاً من خشية الله، فيغفر الله له]]. ثانياً: زوال قسوة القلب مع حدوث رقة القلب وانكسار العبد لله ، وذلك ملاحظ في المصائب، وذلك -والله- خير من كثير من طاعات الطائعين؛ فانكسار المذنب خير وأعظم من صولة المطيع. ثالثاً: البلاء يوجب من العبد الرجوع إلى الله ، والوقوف ببابه، والتضرع له، والاستكانة والدعاء، وذلك من أعظم فوائد البلاء؛ ففي بعض الآثار: ﴿إن الله ليبتلي العبد -وهو يحبه- ليسمع تضرُّعَه ودعاءه﴾. رابعاً: البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده لا شريك له؛ فالمشركون -وهم مشركون- حكى الله عنهم إخلاص الدعاء له عند الشدائد: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] فكيف بالمؤمنين؟!. خامساً: رحمة أهل البلاء ومساعدتهم على بلواهم؛ فإن العبد إذا أحس بألم المصيبة رقَّ قلبه لأهل المصائب والبلايا ورحمهم. أخيراً: معرفة قدر نعمة العافية؛ فإن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فَقْدِها؛ فلا يعرف نعمة إلا من ذاق مرارة ضدها، وبضدها تتميز الأشياء.

стр. 108

من وسائل كشف الكربة: لطيف التعزية فمن تأمل هذه اللطائف زال ما به، وانشرح صدره، وانفرج همُّه بإذن ربه. ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: لطيف التعزية عند فقد الأعزة؛ فإن الكلمة الطيبة للمصاب يُثبَّت بها -بإذن الله- ويعان، ويغدو الصبر عليه سهلاً يسيراً؛ فإن المؤمن -كما تعلمون- قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، شديد بأعوانه؛ فإذا وجد هذا يُعزِّيه، وهذا يُسليه سهلت عليه الأمور العظام، وكُشِفَ ما به بإذن الله رب الأرض والسماء. ولذا فإن الشارع -بحكمته البالغة- شرع لنا التعزية لأهل المصيبة والدعاء لهم بالثبات والأجر والخلف، وللميت بالرحمة والمغفرة؛ فعزاء الله الذي نتعزَّى به دائماً وأبداً: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ورسول الله ﷺ هو الأسوة والقدوة عزَّى أصحابه عند نزول المصائب، وواساهم -كما في السُنة الصحيحة- والسلف اقتدوا به في ذلك؛ فلعلنا أن نقف على بعض ما في السنة الصحيحة وأقوال السلف في لطيف التعزية والدعاء بما هو خير، وفي السنة وأقوال السلف غُنيةٌ عن غيرهما، وخير الهدْيِ هديُه ﷺ : وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف في صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة -وقد شخص بصره- فأغمضه، ثم قال: ﴿إن الروح إذا قُبضت تبعها البصر، فضجَّ ناسٌ من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثم قال -واسمعوا إلى العزاء-: اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله -يا رب العالمين- وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه﴾. فدعاء رسول الله ﷺ أعظم عزاء ومواساة. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ قال: ﴿أرسلت إحدى بنات النبي ﷺ إلى النبي ﷺ تدعوه، وتخبره أن لها صبياً في الموت، فقال: ارجع إليها، فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ فلتصبر، ولتحتسب﴾. وفي الحديث الحسن بشواهده أن النبي ﷺ قال: ﴿ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلل الكرامة يوم القيامة﴾. وروي عن علي رضى الله عنه كما في التعازي أنه قال لمصاب: [[إنك إن صبرت جَرَتْ عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت موزور]] وروي البيهقي -بإسناده في مناقب الإمام الشافعي ﵀: أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن، فجزع عليه جزعاً شديداً، فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي! عزِّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أعظم المصائب فقد سرور، وحرمان أجر؛ فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ ألْهمك الله عند المصائب صبراً، وأحرز لنا ولك بالصبر أجراً، ثم أنشد قائلاً: إني معزيك لا أَنِّي على ثقة من الحياة ولكن سُنة الدين فلا المعُزَّى بباقٍ بعد ميته ولا المُعزِّى ولو عاشا إلى حين ويشاء الله فيموت بعدها ابن للشافعي -رحمه الله تعالى- الذي كان يُعزِّي أصبح يُعزَّى. جاءوا يعزونه، فأنشد قائلاً: وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له رزية مالٍ أو فراق حبيب ولما توفيت ياقوتة بنت المهدي جزع عليها جزعاً لم يُسمَع بمثله، فجلس وجاء الناس يعزونه، فأمر ألا يُحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة والفصاحة لكونه الخليفة، ثم أجمعوا بعد ذلك أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية ابن شبة ﵀ يوم قال: أعطاك الله -يا أمير المؤمنين- على ما رُزئت أجراً، وأعقبك خيراً، ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك، فكان مما سرَّى على أمير المؤمنين مثل هذه التعزية. ويقول أحد المعزِّين في لطائف التعازي لقاضٍ من قضاة بلخ -وقد توفيت أمه- قال له: إن كانت وفاتها عظةً لك؛ فعظَّم الله أجرك على موتها، وإن لم يكن عظة لك؛ فعظم الله أجرك على موت قلبك، ثم قال: أيها القاضي! أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سنة، ولم يرد عليك أحد حكماً؛ فكيف بحكمٍ واحدٍ عليك من الواحد الأحد ترده ولا ترضى به؟! فسري عنه، وكشف ما به، وقال: تعزَّيت، تعزَّيت. وعزَّى موسى بن المهدي سلمان بن أبي جعفر في ابنٍ له مات، فقال: أيسرُّك وهو بلية وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة وهدى؟! يشير إلى قول الله : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ويشير في الثانية إلى قول الله ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] فلله ما أعطى، ولله ما حوى. وليس لأيام الرزية كالصبرِ: فحسبك منهم موحشاً فَقْدُ برِّهمُ وحسبك منهم مُسْلياً طلب الأجرِ وروي أن سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب قال لـ عمر بن عبد العزيز ورجاء: إني لأجد في كبدي جمرة لا يُطفئها إلا عبرة، فقال عمر بن عبد العزيز: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر؛ فهو أقرب وسيلة إلى الله، وليس الجزع بمحيي من مات، وبالله العصمة؛ فلا تحبطنَّ أجرك. قال: فنظر إلى رجاء، فقال رجاء لأمير المؤمنين: اقضها يا أمير المؤمنين؛ فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم ولم يقل ما يُسخط ربه، فأرسل سليمان عينيه بالبكاء حتى ظنوا أن نياط قلبه ستتقطع. فقال عمر لـ رجاء -معاتبًا-: هذا ما فعلت بأمير المؤمنين، فقال رجاء: دعه -يا عمر - يقضي من بكائه وطراً؛ فلو لم يُخرج من صدره ما ترى لخفت عليه، ثم دعا بماء، فغسل وجهه، ثم قال لهما: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم انتهى إلى مجلسه فدخل عليه رجل فعزَّاه، فقال: عليكم نزل الكتاب، وأنتم أعرف به مِنَّا، وأنتم أعلم برسول الله ﷺ منا، ولسنا نعلمك شيئاً لا تعلمه، ولا نذكرك شيئاً قد تنساه، لكنا نعزيك ونواسيك ثم أنشد قائلاً: وهوَّن ما ألقى من الوجد أنني أجاوره في قبره اليوم أو غداً قال: أعد، فقال: وهوَّن ما ألقى من الوجد أنني أجاوره في قبره اليوم أو غداً فقال: يا غلام! هات الغداء فأكل وشرب، وحمد الله، وسُرَّي عنه. ومن لطيف التعزية ما قيل من بعض الأعراب عندما دخل على بعض ملوك بني العباس، وقد توفي له ولد اسمه العباس، فعزاه، ثم قال: اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس ومن ذلك أن أحدهم أصيب بمصيبة، فجزع، فجاء أخ له، فقال: عظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك: أخي ما بال قلبك ليس ينقى كأنك لا تظن الموت حقّاً ألا يا بن الذين مضوا وبادوا أما والله ما ذهبوا لتبقى فكُشف ما به. ومات لرجل من السلف ولد، فعزَّاه سفيان بن عيينة ﵀ وهو في كرب شديد، وعزاه آخرون؛ فلم يُكشف ما به حتى جاء الفضيل، فقال: يا هذا! أرأيت لو كنت وابنك في سجن، فأُفرج عن ابنك قبلك أوما كنت تفرح؟ قال: بلى. قال: فإن ابنك قد خرج من سجن الدنيا قبلك. قال: فسُرَّي عن الرجل، وانكشف همه، وقال: تعزيت. وأخيرًا: فإن من ألْطف وأقوى ما سمعت من تعزية غير كلام رسول البرية وسلف الأمة -رضوان الله عليهم- ما قاله ابن سناء الملك، وقد مات لأحد أقاربه ميت، فجزع عليه هذا جزعاً عظيماً، فكان مما قاله ابن سناء: إنا لله، إلى متى هذا الجزع الصبياني، والهلع النسواني، إلى متى هذا الحزن الذي لا يحيي دفينك، بل يميت دينك، ويسلب هدوءك، ويشمت فيك عدوك. أما على هذا مضى الزمان، وعلى هذا درج الثقلان، وللخراب بُني العمران، وللانتقال سكن السكان، وللموت ولد المولود، وللعدم خلق الوجود. أتحب أن تبقى ويبقى من تحب فذا خلود، إنا لله وإنا إليه راجعون، أفضل قول الصابر، وفي سبيل الله، وإلى رحمة الله من حُسب في أهل المقابر، أجزل الله أجرك، وأحيا على دفينك صبرك، ووسع لهذه النازلة صدرك، وأنزل على قلبك السكينة ربك، وخفَّف عن قلبك وطيئة كربك، لا جمع الله عليك فراق الأحباب وفراق الثواب، وجمع الله عليك النعمتين نعمة الجلد ونعمة الاحتساب، إني -والله- لشريكك في المصاب، ونصيبي منه لأكثر، ودمع عيني لأغزر: ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ولكنني في ساحة الصبر أجمل أخي المصاب: لعل فيما سمعته عزاء لك؛ فلست أول ولا آخر مصاب، جعل الله التعزية لك لا عنك، والخلف عليك لا منك، في الله -عز جل- عزاء من كل هالك، وخلف من كل فائت، وعوض من كل مصيبة، وشر من المصيبة حرمان الأجر فيها: لابد من فقد ومن فاقد هيهات ما في الناس من خالد ولا يفوتني هنا أن انبه بهذا الكاشف إلى ما يلي: أولاً: ينبغي تجنب الاجتماع والجلوس عند أهل الميت للتعزية؛ لأن في ذلك تجديداً للحزن وتكليفاً للمعزى، ومخالفة لهدي السلف الصالح -رضوان الله عليهم- ففي الحديث الصحيح أن جرير بن عبد الله البجلي قال: ﴿كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت بعد دفنه من النياحة﴾ فالذي ينبغي أن ينصرف الناس إلى شئونهم وحوائجهم، فمن صادفهم عزَّاهم في المسجد، في العمل، في الشارع، في السوق وهكذا. ثانياً: أن ما يُفعل اليوم في التعزية من نصب للخيام والجلوس فيها، من قيل وقال، وصرف للأموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة أمر مخالف للمشروع، وواجب علينا أن نتبع فقد كُفينا. يقول ابن القيم -عليه رحمة الله-: وكان من هديه ﷺ تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه الاجتماع للعزاء، ولا قراءة القرآن عند قبره، وكل هذه بدعة حادثة. ثالثاً: ألا يُحدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام -كما يفعل كثير من النساء- إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، فليُعلم كما في الصحيح: عليكم بهدي الرسول الكريم ومنهاج قرآنه المحكم رزقنا الله اتباع السنة، ورحمنا الله وموتانا بكرمه ومنِّه.

стр. 109

من وسائل كشف الكربة: التأسي بأهل المصائب ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: برد التأسي بأهل المصائب؛ ففي ذلك إطفاء لنار المصيبة، وليعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت من أصيب؛ فمنهم من أصيب مرة، ومنهم من أصيب مراراً، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت، حتى نفس المصاب سيصاب بنفسه يوماً ما، أسوة بأمثاله ممن تقدمه؛ فإن نظر فلن يرى يمنة إلا محنة، ويسرة إلا حسرة. ذكر ابن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب: أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها، وبلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً، فعلم أنه مرض الموت، وأشفق على نفسه، فكتب إلى أمه معزِّياً في ذكاء قائلاً: يا أماه! إذا جاءكِ كتابي فاصنعي طعاماً، واجمعي من قدرت عليه من الناس، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، واعلمي هل وجدتِ لشيء قراراً. إني لأرجو أن يكون الذي أذهب إليه خيراً مما أنا فيه. فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً، وجمعت الناس، وقالت: لا يأكل هذا من أُصيب بمصيبة، فلم يتقدم أحد للأكل من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها، فقالت: بني! من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت؛ فعليك السلام حياً وميتاً. فما من مصيبة أصيب بها مصاب إلا وهناك ما هو أعظم منها عند غيره. قيل لرجل: كم لك من ولد؟ قال: تسعة. قيل له: إنما نعرف لك ابناً واحداً. فقال: الحمد لله، كان لي عشرة، فقدمت تسعة، أحتسبهم عند الباري الرحيم، وبقى لي واحد لا أدري أنا له أم هو لي؟ لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات قليل وإن افتقادي واحداً بعد واحد دليل على ألا يدوم خليل وهاهي أعرابية اسمها أم غسان -كما في عيون الأخبار - فقدت جميع أبنائها، وفوق ذلك كُفَّ بصرها. مصيبة وأي مصيبة! كانت تعيش بمِغْزَلِها، وتقول: الحمد لله على ما قضى، رضيت من الله ما رضي لي، وأستعين الله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء، ثم تُصاب مصيبة أخرى بموت جارة لها كانت تبثُّها أشجانها وأحزانها، فيقال لها: أين فلانة؟ فتقول: الحمد لله على قضاء الله، والرجعة إلى الله. تقسم جاراتها بيتها وسارت إلى بيتها الأدلج وفي العاقبة للإشبيلي يروي أن امرأة من الأعراب حجَّت، ومعها وحيدها، فمرض عليها في الطريق، ومات، فدفنته بمساعدة الركب الذين معها، ثم وقفت بعد دفنه، وقالت: يا بني! والله لقد غذوتك رضيعاً، وفقدتك سريعاً، وكأن لم يكن بين الحالتين مدة ألتذُّ بها بعيشك، وأتمتع فيها بالنظر إلى وجهك، ثم قالت: اللهم منك العدل، ومن خلقك الجور، اللهم وهبتني قرة عين، فلم تمتعني به كثيراً بل سلبتنيه وشيكاً، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فلك الحمد في السَّراء والضَّراء. اللهم ارحم غربته، واستر عورته يوم تُكشف العورات وتظهر السوءات، رحم الله من ترحَّم على من استودعته الردم، ووسدته الثرى. ثم لما أرادت الانصراف قالت: أي بني! لقد تزودت لسفري فيا ليت شعري ما زادُك لسفرك ويوم ميعادك؟! اللهم إني أسألك الرضا عنه برضائي عنه. اللهم إني أسألك الرضا عنه برضائي عنه. أستودعك بني من استودعني إياك جنيناً في الأحشاء، ومن يجازي من صبر في السراء والضراء. من شاء بعدك فليمُت فعليك كنت أحاذر كنت السواد لناظري فعمى عليك الناظر ليت المنازل والديار حفائرُ ومقابر إني وغيري لا محالة حيث صرت لصائر وأخرج ابن أبي الدنيا من الاعتبار عن الكندي قال: كانت امرأة من بني عامر لها تسعة من الأولاد دخلت بهم -ذات يوم- غاراً، ثم خرجت لحاجة، وتركتهم في الغار، ولما رجعت سقط الغار عليهم، وانطبق، فجعلت تسمع أنينهم وتتلظَّى بجحيم عويلهم، لا تملك لهم حولاً ولا طولاً، تَئنُّ وتزفر زفرات قطَّعت أحشاءها والذي عانا البلايا عرف، حتى فقدت أنينهم؛ فلم تسمع لهم أنيناً، فعلمت أنهم ماتوا جميعاً تحت هذا الغار، فرجعت وبها من الأسى ما الله به عليم، فكانت تردد وتقول: ربيتهم تسعة حتى إذا اتسقوا أُفردت منهم كقرن الأعضب الوحدِ وكل أم وإن سُرَّت بما ولدت يوماً ستفقد من ربَّت من الولدِ وأخيراً: فلقد حدثني من أثق به من الصالحين -كما أحسبه والله حسيبه- أن هناك رجلاً كان له ثلاثة أولاد صغار وزوجة في هناء وأمان وسعادة وسكينة واطمئنان، وذات يوم جاءهم أضياف، فقام الأب وذبح لأضيافه كبشاً، والأولاد ينظرون، ودخل للجلوس مع أضيافه في انتظار إعداد الطعام، وقامت الأم بتغسيل وتنظيف أصغرهم في وعاء كبير مليء بالماء، أخذ أكبر الأولاد السكين يقلد أباه في ذبح الشياه، وقام على أخيه الأوسط، فأضجعه، ثم ذبحه ذبح الشاه، وجاء لأمه يخبرها فصاحت ورمت بالصغير في ذهول في وعاء الماء، فغرق الصغير في وعاء الماء، وخرجت إلى الأوسط فإذا هو يتشحط في دمه! وهرب أكبرهم إلى الشارع، فاعترضته سيارة، فدهسته! ذُهلت الأم، وثكلت جميع أبنائها، وجاء الأب فإذا بها تترنح، وتخبره الخبر، ثم تسقط ميتة وجداً على أبنائها الثلاثة، ولا إله إلا الله! صُبَّت عليها مصائب لو أنها صُبت على الأيام عدن لياليا أما الأب فحمد الله وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ودخل إلى أضيافه، وطلب منهم أن يحفروا قبوراً، وأخبرهم الخبر، وياله من خبر! ويالها من ضيافة! حفروا القبور، وصلُّوا على الجميع، ودعوا للميت والحي، واستعدَّ كل ضيف منهم أن يقدم ابنته زوجة لذلك الأب الصابر المحتسب، ويختار ابنة واحد منهم ويتزوجها، فيذكر لي من نقل لي هذا أن له -الآن- ثلاثة عشراً ولداً من هذه الزوجة، حدث عظيم وخطب أليم؛ فهلا نظرت لمثل هذا المَصاب أيها المُصاب. فما مصابك مع مثل هذا المصاب؟ ستهون عليك مصيبتك ولا شك، واعلم أن هناك من هو أعظم منه مصاباً؛ فإذا علم المصاب علم اليقين أنه لو فتش العالم كله لم يرَ فيهم إلا مبتلى؛ إما بفوات محبوب، أو بحصول مكروه سُرِّي عنه؛ فسرور الدنيا أحلام نوم إن أضحكت أَبكتْ، وإن سرَّتْ ساءت، وما ملئت دار حبرة إلا مُلئت عبرة، وما حصل للشخص في يوم من سرور إلا وأعقبه شرور؛ فلكل فرحة ترحة، وما كان ضحك قط إلا وكان بعده بكاء. فلتعلم ولتتأمل أحوال المكروبين -أيها المصاب- فما مصيبتك بينهم إلا ذرة في فضاء المصائب، وقطرة في بحار الكروب. تأسَّ أطال الله عمرك بالأُلى مضَوْا ولهم ذكر جميل مُخلَّد فلو لم يكن في الموت خير لمن مضى لما مات خير الأنبياء محمد صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 110

من وسائل كشف الكربة: الدعاء واللجوء إلى الله وآخراً: فإن مما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: الدعاء والتضرُّع واللجأ إلى الله رب الأرض والسماء؛ فهو كاشف الضراء، وإن يصبك بسراء فلا راد للسراء. وفي السنة الغرَّاء من الأدعية النبوية الصحيحة ما يكشف الهم والكرب والضراء؛ ففي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ما أصاب عبداً همٌّ قط ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو علمته أحداً من خلقك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً﴾ رواه الإمام أحمد. فالدعاء الدعاء! فالله يقول ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. يا أيها المكروب خاصة! ويا أيها الناس عامة: ادعوا ربكم تضرُّعاً وخُفية، وأَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام فإليه المفزع، وفيه المطمع، لا إله إلا هو. من لكم غيره يجبر كسركم! من لكم غيره يبدِّد أحزانكم وأشجانكم! من لكم غيره يؤنسكم في كربكم ووحشتكم! من لكم إذا دُفِعْتم عن الأبواب إلا بابه! من لكم إذا صُرِفتم وخاب الرجاء فيمن سواه إلا رجاه! من لكم غيره أعز مطلوب وأشرف مرغوب! لا إله إلا هو! أيها المصابون: عليكم من الله الرحمات عدد ما سكبتم من العبرات، وكظمتم من الأنَّات، وجعل الله مصابكم من الباقيات الصالحات، وأمَّنكم من الفزع يوم تُنشر السِّجلات، وتقَبَّل منا ومنكم، وكتب لنا السعادة في الحياة والممات.

стр. 111

من وسائل كشف الكربة: العلم بأن الله لا يقدر شيئاً عبثاً وآخر ما يكشف الكرب: اعلم أن الذي قدَّر عليك الأقدار حكيم خبير عليم، لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقدر شيئاً سُدى؛ بل هو رحيم تنوَّعت رحمته -سبحانه وبحمده- يرحم العبد فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ثم يرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، ثم يرحمه فيكفر بالبلاء ذنوبه وآثامه، ثم ينمي حسناته ويرفع درجاته، ثم يرحمه فيخفف من مصيبته وطأتها ويهون مشقتها، ثم يتمم أجرها. فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة، ومتأخرة عنها و: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. أحبتي في الله: هذه الكلمات جمعتها من كتيبات ومن كتب، وصغتها لكم صياغة فقط -بعون من الله وتوفيق منه وتسديد- إن أكن أصبت فذاك الذي أردت، وإن تكن الأخرى فحسبي أن ذاك وسعي وجهدي وحسب معرفتي وقدرتي: لكن قدرة مثلي غير خافية والنمل يُعْذَر في القدر الذي حملا عظَّم الله أجر الجميع، وجبر الله كسرهم، وعوَّضهم خيرَيْ الدنيا والآخرة فيما فقدوا، وجعل هذه الكلمات في صحائف الحسنات في يوم تعز فيه الحسنات خالصة لوجه رب الأرض والسماوات. اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. يا الله! يا حي! يا قيوم! يا من لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم! يا بديع السماوات والأرض! يا فالق الحب والنوى! يا ذا الجلال والإكرام! يا عظيم العفو! يا واسع المغفرة! يا قريب الرحمة! نسألك بعزِّك الذي لا يُرام، وملكك الذي لا يُضام، يا هادي المضلين! ويا راحم المذنبين! يا من عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وخشعت له الأصوات، وفاضت له العَبَرَات، ورغمت له الأنوف! انقطع الرجاء إلا منك، وخابت الظنون إلا فيك، وضعف الاعتماد إلا عليك؛ نسألك أن تكفينا ما أهمَّنا وأغمَّنا، وأن تجبر كسرنا، وأن تعظم أجرنا، وأن تعيذنا من شرور أنفسنا، وأن ترحم موتانا، وأن تلطف بمبتلانا، وأن ترحم غربتنا في الدنيا، ومصرعنا عند الموت، ووقوفنا بين يديك، وأن تقينا من ميتة السوء، ومن يوم السوء، وساعة السوء، وليلة السوء، وجار السوء، وصاحب السوء، وأن تعيذنا من النفاق وسوء الأخلاق. اللهم إنا نسألك فرجاً عاجلاً للمسلمين مما هم فيه وملاقوه، اللهم إنا نسألك فرجاً عاجلاً للمسلمين مما هم فيه وملاقوه، اللهم إنا نسألك فرجاً عاجلاً للمسلمين مما هم فيه وملاقوه. اللهم اكشف كروبنا، ونفِّسْ همومنا واقضِ حاجاتنا. اللهم هبْنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، ورضِّنا بقضائك. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، وأخصُّ من أُوصيت فيه بالدعاء. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين وأخصُّ من أُوصيت فيه بالدعاء. اللهم اجعل قبورهم من الجنة رياضاً. اللهم اجعل قبورهم من الجنة رياضاً، اللهم اجعل قبورهم من الجنة رياضاً. اللهم إنهم عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، احتاجوا لرحمتك، وأنت غني عن عذابهم. اللهم زد في حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ اللهم زد في حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فأنت أرحم بهم من أمهاتهم. لا إله غيرك، ولا معبود سواك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم يا رب: ومن قد عاش في الدنيا على الأمر بالتقى وعن موبقات الإثم ما زال ناهيا تغمدْه يا رب عفواً بفضلك ولا زال هطَّالُ من العفو هاميا على قبره يهني عشياً وبكرة وبوِّأه قصراً من الخلد عاليا وصلِّ إلهي كلما هبَّت الصِّبَا وما انهلَّت لجُون الغدَاف العواديا على المصطفى والآل والصَّحْب كلهم وتابعهم والتابعين الهواديا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 112

كل منا ممتحن كل راع في هذه الدنيا مسئول أمام الله يوم القيامة عن رعيته، فمن نجح في ذلك الامتحان فهوالنجاح الأبدي ومن رسب فهوكذلك رسوب أبدي إلى جهنم وبئس المصير. وكما أن كل والد يهتم بامتحان ابنه في اختبارات الدنيا لابد أن يجعل الأساس لهذا الاهتمام هواهتمامه باختبار الآخرة، ومن فعل ذلك فله في من سلف خير قدوة.

стр. 113

بين امتحان الدنيا وامتحان الآخرة إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين؛ فشرح به الصدور وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: والأمة تمتحن امتحانات يصنع تاريخها من خلالها، غداً يخوض أبناؤنا وإخواننا ذكوراً وإناثاً غمار الامتحانات الدراسية، وبهذه المناسبة تجد القلوب وَجِلَة، والأذهان قلقة، والآذان تتلقف الأخبار عن الامتحان، قلَّمَا تجد منزلاً لم تعلن فيه حالة الطوارئ، كل أب ينتظر بصبر وعلى مضض نتيجة ابنه في هذا الامتحان؛ لأنه يرجو له النجاح، تراه يدعوالله بتوفيقه وتسديده وتثبيته، يعده ويمنِّيه إن نجح، ويتوعده ويحذره ويهدده إن رسب، وهذا إحساس من الأحاسيس التي فُطِر عليها البشر. لكن أيها الأب الحنون! وقد اهتممت بابنك هذا الاهتمام، فأنت به الآن مشغول، تسعى وتصول وتجول، تهتم به وترعى، وتحس أنك عنه مسئول؛ فهلا كان الاهتمام بآخرته كالاهتمام بدنياه، هلاَّ كان الاهتمام به بعد موته كالاهتمام براحته في حياته. علمك وما علمك؟! مسئوليتك وما مسئوليتك؟! أحاطت بعلوم الدنيا فأهملت الأخرى الباقية، شغلت به في حياته، وأهملته بعد مماته، بنيت له بيت الطين والإسمنت في دنياه، وحرمته بيت اللؤلؤ والياقوت والمرجان في أخراه. نظرتك وما نظرتك؟! طموحك، أمَلُك، غاية مُنَاكَ أن يكون طبيباً أومهندساً أوطياراً أوعسكرياً. ويا لله كل الأماني دنيوية! السعي والجد للفانية مع إهمال الباقية. هذه ليست حالة نادرة، بل قسم من الناس على ذلك. تأهبوا واستعدوا وعملوا على تربية أبنائهم أجساداً وعقولاً، وأهملوا تربية القلوب التي بها يحيون ويسعدون، أوبها يشقون. هذا هوالواقع، والأدلة على ما نقول هاكها أيها الأب الحنون: هب أن ابنك تأخر في نومه عن وقت الامتحان، ما حالتك؟ ما شعورك؟ ألا تسابق الزمن ليلحق الامتحان؟ ألا تنام بعدها بنصف عين لئلا يفوته الامتحان؟ كأن الجواب يقول: بلى. هل كان شعورك حين نام عن صلاة الفجر كشعورك حين نام عن امتحانه؟ ألا تسأله كل يوم عن امتحانه؟ ماذا عمل؟ وبماذا أجاب؟ وعسى أن يكون الجواب صحيحاً؟ فهل سألته عن أمر دينه يوماً ما؟ ألا يضيق صدرك ويعلو همُّك حين تعلم أن ابنك قصَّر في الإجابة؟ فهل ضاق صدرك حين قصَّر في سنن دينه وواجباته؟ ألا تأتيه بالمدرس الخصوصي إن لم يستطع تجاوز الامتحان، وتعطيه ما يريد؟ ألا تمنعه من الملاهي التي رحبت بها في بيتك من فيديو وتلفاز وصحف ومجلات لئلا تشغله عن المذاكرة والاستعداد للامتحان؟ فما عساك فاعل أيها الأب الحنون في امتحان ليس له دور ثان، ولا إعادة، ولا حمل للمواد؟ فقط نجاح أورسوب، والرسوب معناه الإقامة في النار أبد الآبدين، معناه الخسران المبين، والعذاب المهين؟ ماذا تغني عنه شهادته ومركزه وماله إذا أُوتيَ كتابه بشماله، ثم صاح بأعلى صوته: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٨]. ما أغنى عني مركزي، ما أغنى عني سلطاني، ما أغنى عني علمي الدنيوي وشهادتي، كل ذلك هَلَك واندَثَر: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٢٩ - ٣١]. خسارة ورسوب، وأي خسارة وأي رسوب؟ تكون في الدنيا طبيباً أومهندِساً أورسَّاماً أومُدرِّساً، أما الآخرة فمؤمن وكافر، فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير. لا نقول: اهملوا أبناءكم، ولا نقول: دعوهم، لا والله، بل نقول: إن الآخرة هي أولى بالاهتمام، وأجدر بالسعي، وأحق بالعمل.

стр. 114

تربية الأبناء على عبادة الله أيها الأحبة: مَن أب حرص على جلب مرب لابنه يعلمه القرآن ويدارسه السُّنَّة؟ قليل من فعل ذلك، وليت الذي لم يفعل إذ لم يفعل جَنَّب ابنه عوامل الفساد والإفساد، لكن البعض حَشَفاً وسوء كيل، جلب لابنه سائقاً وخادماً وسيارة، وهيأ له بيتاً ملأه بكل الملهيات عن ذكر الله وطاعته. من أب فيكم أعطى لابنه جائزة يوم حفظ جزءاً من القرآن، أوتعلَّم حديثاً لخير نبي الإنسان ﵊؟ قليل من فعل ذلك، ونسأل الله أن يبارك في القليل. لكنَّ البعض منا يَعِد ابنه إن نجح بقضاء أمتع الأوقات على الشواطئ في أي البلاد، وما وعد ابنه مرة إن نجح بزيارة مسجد رسول الأنام ﵊. فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة: أن نشأ نشء منا مِن أبنائنا يعرفون بلاد الكفر أكثر مما يعرفون مكة والمدينة النبوية. النتيجة: أن اتجه شبابنا إلى الملاعب يوم نادى المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح. النتيجة: أن حلّ محل المصحف مجلة، ومحل السواك سيجارة. النتيجة: أن نشأ فينا نشء كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون. إن ابناً بنيناه جسداً حَريٌ بنا أن نربي عقله وقلبه، ونهتم بحياته بعد موته، وأول خطوة إلى ذلك: أن نصلح أنفسنا؛ ففي صلاحنا وبصلاحنا تكون استقامتهم، ورعاية الله لهم، قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ [الكهف:٨٢]. وثانيها: أن نجعل التربية الإسلامية غاية وهدفاً، لا مانع من تعلُّم العلوم الدنيوية، ولكن ليس على حساب الاهتمام بالآخرة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]. فيا عبد الله: اتقِ الله في رعيَّتك؛ فأنت عنهم مسئول أمام الله. اتق الله أن يستأمنك الله عليهم فتشرع لهم أبواب الفتن؛ من أفلام وأجهزة خبيثة عديدة، ومجلات فاتنة صفيقة. يا عبد الله: يوم تهتم هذا الاهتمام المادي بابنك يصبح ابنك مركِّزاً كل همِّه في ثوبه وغترته ومسكنه ومأكله ومشربه وسيارته. جزاك الله خيراً على اهتمامك به مادياً، لكن ماذا فعلت لتؤنسه في وحدته إذا ما دفنته في التراب؟ ما أنت صانع بشهادته؟ قد يرسب الآن في مادة أومادتين، قد ينجح فيهما غداً أوبعد غد، والمجال مفتوح للتعويض، لكن لا تعويض في الآخرة. أعمال العمر كله تعرض للتصحيح في وقت واحد، عليها لِجَان دقيقة، وسجلات وثيقة، لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، لجنة كالمحْكَمَة؛ رئيس وأعضاء وشهود ومحام ومدعٍ عام، أما الرئيس - فسبحانه وبحمده - أحكم الحاكمين، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأما أعضاء المحكمة فملائكة الحساب، وأما الشهود فمنك وفيك؛ هم الأعضاء: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يكسبون﴾ [النور:٢٤]. وأما المدَّعي العام فهي الرسالة التي بلغتك من الله، عن طريق رسول الله ﷺ . وأما المحامي فهوالقرآن الذي يأتي يوم القيامة حجيجاً لك أوحجيجاً عليك. يا عبد الله: يوم غد ليس مضموناً، قد تسعى وتتعب وتزرع فلا تحصد، قد تدرس وتختبر فلا تدرك النتيجة، أما وقد بلغتك الرسالة فقد وجب الامتحان ووجبت النتيجة.

стр. 115

وصية لقمان لابنه يا أيها الأب الحنون: أدعوك إلى التأمل في وصية لقمان لابنه الذي يحبه، ويفتديه بالغالي والنفيس. هل أوصاه بدنيا؟ هل أوصاه بزخرف؟ لا. بل دعاه لما يحييه حياة طيبة، وينجيه من العذاب الأليم، نهاه أن يشرك بالله: ﴿إنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] وأخبره أن الله محيط بكل شيء، فلا يعجزه شيء، ودلَّه على ما ينجيه من الله؛ ألا هوالهرب منه إليه ﵎ بإقامة الصلاة، بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، بصبر على ما يصيبه من جرَّاء ذلك، ثم يدلَّه على مكارم الأخلاق التي تسمو بها نفسه، ويعلو بها مركزه. فلا تكبُّر على الخلق، ولا ذلة مع قصد في المشية، وخفض في الصوت: ﴿إنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]. تلك -يا عبد الله- جملة وصية الأب الحنون حقاً، فهل رجعت إلى القرآن فقرأت هذه الوصايا، فعملت بهذه الوصية مع ابنك؟ هل أوصيته ببعضها أوبها جميعها؟ لا إله إلا الله! إن ديدن بعض الأباء تثبيط هِمَم أبنائهم، وتكسير مجاديفهم -أقول ذلك ونحن نعيش التدريس عن كثب- إذا ما هدى الله ابن بعضهم ذعروا وهبُّوا ووصفوه بالوساوس، ووسموه بالعُقَدِ النَّفسية، سخروا منه وهزئوا به، ولا أدري أيسخرون من شخصه أم من دينه الذي يحمله ويمثله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللهُ عليهم﴾ [النور:٥٠]. أهذه هي الأمانة أيها الأب؟ ﴿ما من راعٍ استرعاه الله رعية فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة﴾. عباد الله: ولنا في سِيَر الأخيار عظات وعِبَر، لقد امتحنوا فنجحوا وتفوَّقوا: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبُّه بالكرام فلاح

стр. 116

وصية عمر لأبنائه هاهو عمر بن عبد العزيز -عليه رحمات رب الجليل- يعود يوماً بعد صلاة العشاء إلى داره -وهوخليفة المسلمين، مقدرات الأمة بين يديه- فيلمح بناته الصغار، فيسلم عليهن كعادته، وكنّ يسارعن إلى تقبيله، لكنهن هَرَبْنَ هذه المرة، وهنَّ يغطين أفواههن، فقال لزوجه: ما شأنهن؟ قالت: لم يكن لديهن ما يتعشين به سوى عدس وبصل، فكرهن أن تشم من أفواههن رائحة البصل، فبكى وأجهش بالبكاء وهو يئن تحت وطأة المسئولية، فميزانية الأمَّة تحت يديه، يقول: [[يا بنياتي! أينفعكن أن تتعشين أطيب الطعام والشراب، وتكتسين أجمل الثياب من مال الأمة، ثم يُأمر بأبيكن إلى النار؟]] قلن: لا. لا. ثم اندفعن يبكين. فلا والله لا تسمع في البيت إلا الخنين والأنين. لما حلَّت به سكرات الموت -عليه رحمة الله- دخل عليه مسلمة وقال: لقد تركت أبناءك فقراء جوعى فأوصِ بهم إليَّ أوإلى أحد من أهل بيتك، وكان مضطجعاً قال: أسندوني، ثم صرخ: [[والله! ما منعت أبنائي حقاً لهم، والله لن أعطيهم ما ليس لهم، أما أن أوصي بهم إليك أوإلى غيرك فلا، إن وصيَّ ووليَّ فيهم الله الذي نزل الكتاب وهويتولى الصالحين، إن بنيَّ أحد رجلين؛ إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وإما رجل مكبٌّ على المعاصي فوالله لم أكن لأقويه على معصية الله]]. ثم طلب جميع أولاده -وهم بضعة عشر- فاجتمعوا، فنظر إليهم، ثم ذرفت عيناه دموعاً حارةً، وقال: [[أفديكم بنفسي أيها الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم، يا بني! إن أباكم خُيِّر بين أن تستغنوا ويدخل النار، أوتفتقروا ويدخل الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، إن وليَّي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهويتولى الصالحين، ثم تلا قوله تعالي: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]]].

стр. 117

امتحان صلاح الدين عباد الله: كلنا في امتحان، فبين راسب وناجح، والمادة هي لا إله إلا الله محمد رسول الله، بين عامل بمقتضاها قائم بأركانها وشروطها وواجباتها، قالها موقناً محباً منقاداً مستسلماً، صدق بها قلبه، وعملت جوارحه بها، فهو الناجح، وأي نجاح! وآخر قالها بلسانه وما صدقها بالعمل، فهو الراسب المنافق، وآخر لم ينطقها، فإلى جهنم وبئس القرار. هاهي رسالة امتحان تأتي لـ صلاح الدين من أحد المسلمين على لسان المسجد الأقصى الأسير في يد الصليبيين يوم ذاك -واليهود اليوم مع الصليبيين- تقول الرسالة وهي امتحان واختبار لـ صلاح الدين: يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكَّس جاءت إليك ظِلامَةٌ تسعى من البيت المقدس كل المساجد طهِّرت وأنا على شرفي منجَّس فقام صلاح الدين يصوم نهاره، ويقوم ليله، ويشحذ هِمَمَ الأمة الإسلامية، ويصدر أوامره ألا يضحك أحد، ولا يمزح أحد، ولا يفكر أحد إلا باسترداد بيت المقدس، ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر، بعد استعداد جيد للامتحان، فيدمر الصليب، ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى؛ ليكون قدوة لمن يريد استعادة الأقصى السليب. ثم ماذا بعد صلاح الدين أيها الإخوة؟ استيقظ اليهود يوم نمنا فدنَّسوه، ودخلوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه، وقالوا: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فيا ليت صلاح الدين يرى المؤامرات على أقصانا، وما هدم العدو وما استباح، ليته يرى كيف بغى اليهود، وكيف أحسنَّا الصياح. إن أسئلة الامتحان التي قُدِّمت لـ صلاح الدين، أسئلة الآن تُقدَّم لنا، لكن صلاح الدين حلَّ الأسئلة بنفسه، ونحن أحلنا حلَّ الأسئلة إلى غيرنا، فكان ما كان. سقوا فلسطين أحلاماً منوِّمَة وأطعموها سخيف القول والخُطَب لكني أقول: يا عباد الله! لا يأس، لا قنوط، سَتُحلُّ الأسئلة، وستبقى طائفة على الحق؛ لتقود الأمة ليعود الأقصى، وتعود فلسطين والعاقبة للمتقين: لا يأس يسكننا فإن كبر الأسى وطغى فإن يقين قلبي أكبر في منهج الرحمن أمن مخاوفي وإليه في ليل الشدائد نجأر وإن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلِلَّه أوس قادمون وخزرج أيها الآباء: وأنتم تعدون أبناءكم للامتحان اتقوا الله فيهم، اعلموا وعلموهم أن سلعة الله أغلى وأعلى، علِّموهم أن الامتحان والنجاح بقَصْر النفس على ما يرضي الله، علموهم أن السعادة في تقوى الله، واعلموا أنتم أنه لن ينصرف أحد من الموقف وله عند أحد مَظْلَمَة. يفرح ابنك أن يجد عندك مظلمة، تفرح زوجتك أن تجد عندك مظلمة، يأتي ابنك يقف يحاجّك بين يدي الله قائلاً: يا رب! سل أبي لِمَ ضيعني عن العمل لما يرضيك، ورباني كالبهيمة، ما يكون جوابك أيها الأب الحنون؟ أَعِدَّ للسؤالِ جواباً. يا أيها الابن تيقَّظ وانتبه وأقبل بقلب على مولاك تظفر باهتدا وقف بالباب واطلب منه فتحاً عسى تحظى به صبح امتحان اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا من الفائزين الناجين يوم القُدُوم عليك يا أكرم الأكرمين! اللهم إنا نسألك التوفيق لأبنائنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا. اللهم لا تضيِّع تعبهم، ولا تبدِّد جهدهم. اللهم ذكِّرهم ما نسوا، وعلِّمهم ما جهلوا، ووفِّقهم لخَيرَي الدنيا والآخرة يا أكرم الأكرمين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 118

الاستعداد لامتحان الآخرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: إن يوم القيامة هو الامتحان الأكبر، وعندها يتبين الصادق من غيره. هل صليت وصمت لله يا عبد الله؟ هل أطعت الله ورسوله؟ هل تحب الخير وأهله؟ هذه أسئلة تتردد على مسامعكم، هل تبغض الشر وأهله؟ هل تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ هل تحب للناس ما تحب لنفسك؟ هل سلمت أعراض المسلمين من لسانك؟ هل يطمئن قلبك بذكر الله؟ هل يتعلق قلبك بالله في الشدة والرَّخاء؟ هل نزّهت أذنك عن سماع ما يغضب الله؟ هل غضضت بصرك عن محارم الله؟ هل غضبت لله؟ هل أحببت في الله؟ هل أبغضت في الله؟ هل أعطيت ومنعت لله؟ هل استسلمت لأمر الله؟ هل استسلمت لأمره يوم يأمرك بالحجاب فحجبت أهل بيتك امتثالاً لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]؟ الأسئلة كثيرة تتردد عليك صباح مساء، إن كان الجواب بنعم: فأنت من الناجحين الفائزين بإذن رب العالمين، وإن كان الجواب بلا. فعُدْ إلى الله ما دمت في زمن الإمهال، واندم وأقلع وردّ المظالم لأهلها قبل وضع الميزان، وتطاير الصحف، وعبور الصراط يوم ينسى الخليل خليله، والصاحب صاحبه، وكلٌ يقول: نفسي نفسي، والرسل تقول: اللهم سلِّم سلِّم. أيها المُمْتَحِن -وكلنا مُمْتحَن-: تذكر وقوفك لاستلام النتيجة؛ يوم يوقف العبد بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق: لقد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً. ذاك هوالنجاح، عندها يطرب ويفرح ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَه﴾ [الحاقة:١٩]. وإن خفَّ ميزانه نادى المَلك بصوت يُسْمع الخلائق: لقد شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً. فذاك هوالرسوب، عندها يقول: ﴿يَا لَيتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه﴾ [الحاقة:٢٥]. لا إله إلا الله! ما عساك فاعل يوم ينادى باسمك يا فلان بن فلان هلم إلى العرض على الله؟ قمت ولم يقم غيرك يا لضعفك! يا لشدة خوفك! يا لخفقان قلبك! يوم تقف بين يدي الملك الحق المبين، وبيدك صحيفة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة. يا لله لك! يوم تقرأ صحيفتك بلسانٍ كليل وقلبٍ كسير وحياءٍ من الله عظيم، بأي لسان تجيبه حين يسألك عن عملك القبيح؟ بأي لسان تجيب يوم يسألك -يا أيها الممتحن- عن عمرك فيما أفنيته، وشبابك فيما أبليته، ومالك -يا من جعلت الربا والفوائد عنواناً له- من أين اكتسبته، وفيما أنفقته؟ وعن علمك ماذا عملت فيه؟ بأي قدمٍ تقف غداً بين يديه؟ بأي عين تنظر إليه؟ بأي قلب تجيب عليه؟ ما تقول له إذا قال لك: يا عبدي ما أجللتني؟ أما استحييت مني؟ أما راقبتني؟ أستخففت نظري إليك؟ ألم أحسن إليك؟ ألم أنعم عليك؟ عندها تكاد تسقط فروة وجهك حياء من الله، فكيف بك إن شقيت؟ فيا أيها الممتحنون غداً -وكلنا ممتحن-: لمثل هذه المواقف فأعدوا، وتذكروا بامتحان الدنيا وقوفكم بين يدي المولى، استعدوا وأعدوا وتزودوا وخير الزاد التقوى. جد واتعب -أيها الطالب- وانصب، فوالذي نفسي بيده! لن تجد طعم الراحة إلا عند أول قدم تضعها في الجنة: فانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل أفق قد بنى الموت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك على فِيهِ المهيمن يختم فاتق الله وقًصِّر أملاً ليس في الدنيا خلود للملا ألا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد فقد أمرتم بالصلاة عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وأهله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين. اللهم انصر عبادك الموحدين. اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين. اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره تدميره، واجعل الدائرة عليه، واجعل كيده في نحره، وزلزل الأرض من تحت قدميه، اللهم لا ترفع له راية واجعله لمن خلفه آية، يا كريم! يا قوي! يا جبار! اللهم برحمتك اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك. اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم واغسلهم بالثلج والماء والبرد. اللهم ارحمنا برحمتك إذا ما صرنا إلى ما صاروا إليه، اللهم آنس وحشتنا في القبور، وآمن فزعنا يوم البعث والنشور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 119

كل يغدو الناس في مسيرهم إلى الله منقسمون إلى فريقين اثنين: إما غاد لإيباق نفسه وإما غاد لإعتاق نفسه. وفي هذه المحاضرة المباركة توضيح لهذين الطريقين، وتبيين لبعض معالمها. فانظر -أيها القارئ الكريم- أي الغاديين أنت، واتبع سبيل النجاة تسعد في دنياك وأخراك.

стр. 120

بعض معجزات النبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يقول المولى ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ويقول ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وأسأل الله الذي جمعني وإياكم في هذه الروضة، أن يجمعنا وإياكم في روضات الجنان، إنه سميع مجيب وعلى كل شيء قدير. إني مُسَائِل مساءلة: إلى كم ذا التراخي والتمادي وحادي الموتِ بالأَرْوَاح حادي فلو كنا جماداً لاتعظنا ولكنا أشد من الجمادِ تنادينا المنيةُ كلَ وقتٍ وما نصغي إلى قولِ المُنادِي وأنفاسُ النفوسِ إلى انتقاصٍ ولكن الذنوبَ إلى ازديادِ إذا ما الزرعُ قارنه اصفرار فليس دواؤه غير الحصادِ كأنك بالمَشِيبِ وقد تَبَّدى وبالأُخرى مُناديها ينادي وقالوا قد قضى فاقْرُوا عليه سلامَكم إلى يومِ التَنَادي إخوة الدين والعقيدة: لم خلقنا؟ لم أُوجدنا؟ ما الهدف وما الغاية؟ آلهدف أن نأكل؟ آلهدف أن نشرب، أن نلبس، أن نتمتع؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد ما خُلِقنا إلا لعبادة الله جل وعلا القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨]، والقائل ﵎: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. أما والله لو عَلِمَ الأنامُ لما خُلِقوا لما هَجَعُوا وناموا مماتٌ ثم حشرٌ ثم نشرُ وتوبيخٌ وأهوالٌ عظامُ ليومِ الحشرِ قد عملت أناسٌ فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا أُمِرنا أو نُهِينا كأهلِ الكهفِ أيقاظٌ نِيامُ جعل الله لنا طريقًا مستقيماً فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] وأنزل لنا القرآن، حجة لنا أو علينا، وأرسل إلينا رسولا شاهداً علينا ومبشراً ونذيراً ﷺ جاءنا بالآيات الباهرات، وبالآيات البينات، وبالمعجزات الظاهرات، هاكم بعض هذه المعجزات قبل أن نبدأ فيما نحن نريد أن نبدأ فيه.

стр. 121

أعظم معجزة للرسول ﷺ القرآن الكريم أول معجزة جاءنا بها المصطفى ﷺ هذا القرآن الذي بين أيدينا، والذي هجرناه وتركناه؛ فكان لنا ما كان، حبل الله المتين، من تمسك به هُدِي، ومن ابتعدَ عنه ضلَّ وانحرف وإلى النار وبئس القرار، وجاءت معه الآيات الأخرى؛ لتقيم الحُجَج على الذين يريدون أن يتنكبوا الطريق.

стр. 122

الذئب يشهد بالرسالة روى الإمام أحمد ﵀ في مسنده: أن أعرابياً خرج بغنمه على عهد المصطفى ﷺ ليرعى الغنم، وبينما هو مع غنمه إذ بذئب يعدو على شاة، فيتقدم فيأخذ الشاة من فم هذا الذئب، فيكون من هذا الذئب أن يُقعِي عنه بعيداً، ويقول له -ويتكلم كلام الإنس-: أما تتق الله؟! تأخذ رزقًا ساقه الله إليَّ. فقال: يا عجبي! ذئب يتكلم كلام الإنس. قال الذئب: وأعجب من ذلك رسول الله محمد ﷺ بشر يخبركم بأنباء من سبق. فلم يملك الأعرابي نفسه، وأخذ غنمه وسار بها إلى المصطفى ﷺ فيدخل بها المسجد، ويضعها في زاوية من زوايا المسجد؛ ليدخل إلى المصطفى ﷺ ويخبره الخبر، فما كان منه ﷺ إلا أن نادى في الناس: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس كلهم، فقال للراعي: قل لهم ما رأيت، وما سمعت، فقام فذكر قصته مع الذئب، فقال المصطفى ﷺ : ﴿صدق والذي نفسي بيده! لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس﴾ ولقد حصل هذا على عهد المصطفى ﷺ . هذه آية حصلت على عهد المصطفى ﷺ ، فانقسم الناس أمامها إلى فريقين؛ فريق آمن وصدق، وفريق آخر تنكب الطريق، والفريقان مقتسمان إلى قيام الساعة.

стр. 123

حادثة انشقاق القمر روى مسلم: أن أهل مكة سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية ليؤمنوا به، فطلب من الله جل وعلا أن يريهم آية، فانفلق القمر في تمامه نصفين، نصف على جبل أبي قبيص ونصف على الجبل المقابل له، فماذا كان منهم؟ هل صدقوا وآمنوا كما وعدوا؟ ما كان منهم إلا أن تنكبوا، وقالوا: هذا سحر، سحر أعيننا محمد. وقال المنصف منهم: نذهب إلى أهل البادية، ونرى هل رأوه في تلك الليلة قد انفلق فلقتين على الجبلين؟ فذهبوا إلى أهل البادية وسألوهم، فأخبروهم بأنهم قد رأوه قد انفلق فلقتين على الجبلين في تلك الليلة، فقالوا: سحر مستمر، عم الحاضرة والبادية! نسأل الله العافية! إذا طمست البصيرة فلا تنفع آية، ولكنها حجج تقذف عليهم لتقام عليهم أمام الله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢] سحر عمَّ الحاضرة والبادية.

стр. 124

مخاطبة الحجر والشجر للرسول ﷺ ومن معجزاته ﷺ قبل أن يبعث: أنه كان يمر على الشجر فيقول: السلام عليك يا رسول الله! ويمر على الحجر فيقول: السلام عليك يا رسول الله! روى مسلم في صحيحه: أن النبي ﷺ قال: ﴿والله! إني لأعلم حجراً كان يسلِّم عليَّ بـ مكة قبل أن أبعث﴾ أو كما قال ﷺ .

стр. 125

شكوى الظبية إلى الرسول ﷺ والآيات كثيرة، وأكتفي بآية أخيرة ذكرها أبو نعيم في دلائل النبوة، يقول: بينما النبي ﷺ يخرج ذات يوم خارج المدينة، وإذ بفسطاط -خيمة- ومشدود بهذا الفسطاط ظبية -غزالة- وإذ بها لما رأت المصطفى ﷺ ذرفت عيونها الدموع، فتقدم إليها المصطفى ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن لي خشفين صغيرين -وليدين صغيرين- وأمسكوا بي ولم أرضعهما منذ الصباح، فأذن لي لأذهب لأرضعهما وأعود. فقال: من صاحب الظبية؟ من صاحب الغزالة؟ قالوا: نحن يا رسول الله! قال: ائذنوا لها لتذهب وتعود. قالوا: من يضمن ذلك يا رسول الله؟ قال: أنا. فأطلقوها، فذهبت وأرضعت خشفيها، وعادت إليهم؛ وفاءً بالعهد -يوم ضاع الوفاء بين كثير من الناس- فيقول النبي ﷺ : أتبيعونها؟ قالوا: هي لك يا رسول الله! بلا بيع؛ فأطلقها رسول الله ﷺ .

стр. 126

الضب يشهد للرسول ﷺ بالرسالة آيات وآيات الضب يأتي به الأعرابي، ويرفعه في يده، ويقول: لا أومن حتى يشهد أنك رسول الله. فيقول النبي ﷺ للضب: ﴿أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: أشهد أنك رسول الله﴾. والآيات كثيرة وكثيرة. لكن مع هذه الآيات، ومع أعظمها؛ وهو القرآن وجدت عقول جامدة، وقلوب فارغة ساهية لاهية غافلة، لا تقبل الحق ولا تؤمن به، كالكوز مُجَخِّياً، لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً. أرأيتم لو أن كوباً وضع على وجهه، وأدخلنا فيه من المياه، وهو منصوب على ظهره لن يدخل فيه قطرة واحدة، وهم يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].

стр. 127

أحوال الناس في مسيرهم إلى الله هل اكتفى النبي ﷺ بهذه الآيات؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد، بل وقف يوم نزل عليه قول الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فنادى، وعمَّ وخصَّ، وقال: ﴿يا بني كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، لا أغني عنكم من الله شيئاً، لا يغني أحد عن أحد﴾. فغدا البعض بعد هذا وانقسموا إلى قسمين، غدا البعض منهم لإعتاق نفسه من النار؛ فهو الفائز، وغدا البعض الآخر ليوبق نفسه، ويهلك نفسه، فهو الخاسر. وكل يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها، وهذا هو عنوان المحاضرة. انظر من أي الفريقين أنت؟ وصنف نفسك مع أي الصنفين تكون، وانظر أي الغاديين أنت، حدد موقعك، واعرف مصيرك، فأنت أحد غاديين لا محالة.

стр. 128

أحوال الناس مع التوحيد أما غاد فيغدو من بيته ليهلك نفسه، وليوبق نفسه؛ بالإشراك بالله -الذي لا إله إلا هو، إن تكلم فلا تسمع إلا ألفاظ الشرك تفوح من فمه، وألفاظ الشرك ما أكثرها، متعددة بين الخلق الآن وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، يخرج الرجل من بيته، وفي أدنى المواقف لا تسمعه إلا يستعين بغير الله جل وعلا: خذوه واعملوا به وافعلوا به وفي صلاته يردد بعد ذلك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أين الاستعانة التي قصرتها على الله جل وعلا أتقولها في المسجد، فتخرج من المسجد فتخالف هذه الكلمة، فتوبق نفسك وتهلك نفسك؟ اتق الله يا عبد الله في هذه الألفاظ، وإياك أن تكررها فإنها شرك: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] فاعصم لسانك من هذه الكلمة، فإن زللت ووقعت منك فعد إلى الله، وقل بعدها: لا إله إلا الله. إن أصيب أحدهم بمصيبة، بمرض في نفسه، أو أهل بيته، أو في أبنائه، لم يعد إلى الله لم يعد إلى من يشفي، لم يعد إلى من بيده الشفاء، وإنما يذهب إلى السحرة، والكهنة، والمشعوذين، فيبيع دينه ودنياه، ناسيًا قول النبي ﷺ : ﴿من أتى كاهنا أو عرَّافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ﴾. يغدو الغادي من هؤلاء فيحلف بكل شئ إلا بالله، يحلف بالطلاق، يحلف بالحياة، يحلف بالأمانة، يحلف بالذمة، يحلف بالحرام، لكنه لا يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يحلف بالله العظيم الذي يستحق أن يعظم، والحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، ناسياً أو متناسياً قول مصطفاه ﷺ يوم يقول: ﴿من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك﴾ ﴿من حُلِف له بالله فليرض، ومن لم يرضَ فليس من الله﴾ ﴿من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت﴾، وإذا حلف لك بالله -يا عبد الله- فإياك أن توبق نفسك، وارض بهذه اليمين، وكِلْ السرائر إلى الله جل وعلا. هاهو كما في البخاري: إسرائيلي يحتاج إلى دنانير، فيذهب إلى آخر فيطلب منه قرض مائة دينار، فيقول له: هل لك من كفيل؟ قال: والله ما لي من كفيل إلا الله، قال: كفى بالله كفيلاً، فهل لك من شاهد؟ قال: ما لي من شهيد إلا الله، قال: كفى بالله شهيداً. فدفع له المائة دينار، وأخذها وواعده على أن يفي بهذا الوعد، وأن يرد له هذه القرضة في يوم معين، وعبر البحر إلى الشاطئ الآخر، وذهب إلى أهله وجمع هذه المائة دينار، وجاء ليرجع بها ليوصلها إلى من أقرضه إياها، ورضي بالله كفيلاً وشهيداً، جاء إلى ساحل البحر فلم يجد سفينة توصله إلى هناك، فبقي اليوم الأول، ثم اليوم الثاني، ثم في اليوم الثالث أخذ خشبة؛ عوداً من حطب، وحفر فيه حفرة، ثم أخذ المائة الدينار وأدخلها فيه، وذاك ينتظر على الشاطئ الآخر ثلاثة أيام، يريد أن تعاد له قرضته، ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل. ظن أنه خانه، ظن أنه غدر به، وما كان من هذا إلا أن أخذ الدراهم والدنانير ووضعها في الخشبة، ثم قال: يا رب؛ اللهم إني استقرضته فأقرضني، فلم أجد كفيلاً إلا أنت فرضي بك، ولم أجد شهيداً إلا أنت فرضي بك، اللهم فبلغه هذه الدنانير، ثم رمى بالخشبة في البحر. ويرسل الله الريح، وتأخذ الخشبة إلى الشاطئ الثاني، ويقابلها هذا هناك وهو ينتظر السفينة فلم يجد، قال: أعود بهذا العود حطباً لأهلي خير من أن أعود بلا شيء، فأخذ هذا العود، وهو لا يعلم ما بداخله، وذهب به إلى أهله يريد أن يجعله حطباً، وجاء ليكسر العود وإذ بالمائة دينار في وسطه، فقال: لا إله إلا الله، من رضي بالله كفاه الله، من توكل على الله كفاه الله. فهل رضينا بالله؟! غادٍ يغدو ويُحْلف له بالله فلا يرضى بالله، ويحلف له بغير الله فيرضى بذلك: ﴿وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها﴾. وذاك غاد آخر يغدو لإعتاق نفسه، إن تكلم فبذكر الله، وإن استعان فبالله القادر، وإن سأل فبالله المعطي. لا تسألنَّ بُنَيَّ آدمَ حاجةً وسل الذي أبوابه لا تحجبُ الله يغضب إن تركت سؤالَه وبُنَي آدمَ حين يُسْألُ يغضبُ إن أصيب بأمر من الأمور بمرض من الأمراض بمصيبة، لجأ إلى الله الذي يجبر كسر المصابين، ثم طلب الأسباب الشرعية، لا الأسباب الشركية، إن حلف فبالله، وإن حُلِفَ له بالله رضي، فهو غاد في حفظ الله، وعائد في عناية الله، وكل يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 129

أحوال الناس مع الصلاة وغاد آخر يغدو ليترك الصلوات، ويتبع الشهوات، فيوبق نفسه، كأنه لم يسمع قول ربه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] وقال في الآية الأخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] وويل وغي أودية في جهنم، تستعيذ جهنم من حرها، لو سيِّرت فيها جبال الدنيا لذابت من شدة حرها: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣]. ويغدو بعض الناس إلى الملاعب ويترك المساجد، يغدو إلى كل مكان إلا هذه البقعة التي فيها الصلة بالله جل وعلا. الصلاة ركن مهم، ومن أهميته فرضه الله من فوق سبع سماوات، يُسرى بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السماوات العلى، لتفرض عليه خمسين صلاة، ثم تخفف إلى خمس بأجر خمسين، فضلا من الله ونعمة، فله الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. ومع ذلك يغدو الغادي فيتركها، ألا إن من تركها فقد كفر. ذاك قول نبينا ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر﴾. والكفر يترتب عليه أمور -الذي يترك الصلاة وينصح فلا يعود- لا يزوج، وإن كان متزوجاً بطل نكاحه، ويفسخ العقد ولا تطلق؛ لأنها اختلفت الملة هاهنا، وإذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث، ولا يستغفر له: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] وهناك غاد آخر ما ترك الصلاة، لكنه غدا ليصليها في بيته، وقد فوت على نفسه أجراً عظيماً، وارتكب إثماً كبيراً، إن الله جل وعلا يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ويقول أيضًا: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. تقول عائشة ﵂ كما في الصحيح: ﴿يكون النبي ﷺ في مهنة أهله؛ يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويعجن عجينه، فإذا سمع الله أكبر، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه﴾، ناداه منادي الله جل وعلا فترك كل شيء وذهب إلى المسجد، وهو رسول الله ﷺ . هو القائل -كما في البخاري - روى سمرة بن جندب في رؤيا النبي- ﷺ ورؤيا الأنبياء حق ووحي- يقول: ﴿أتاني الليلة آتيان فانطلقا بي حتى أتينا على رجل مضطجع -ممدود- وآخر قائم عليه بصخرة، فإذا هو يثلغ رأسه بالصخرة، فيتدهده الحجر، ويشدخ رأسه، ثم يصحُّ رأسه ويعود كما كان، ثم يأخذ الحجر مرة أخرى ويفعل به مثلما فعل في المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله! ما هذا؟ قال: هذا الرجل يقرأ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة﴾. أما إن الذي لا يصلي مع المسلمين والذي يترك الصلاة قد رفض القرآن أولاً، ونام عن الصلاة المكتوبة ثانياً، وكفاه عقاباً مثل هذا الحديث، كفاه تهديداً مثل هذا الحديث إن كان له قلب: ﴿ثلاثة لعنهم الله: رجل أَمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأةٌ باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لم يجب﴾. يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: [[لأن تمتلئ أذنا ابن آدم رصاصاً مذاباً، خير له من أن يسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا يجب]]. وكانت علامة المنافقين: أنهم إذا سمعوا حي على الصلاة تأخروا وأعرضوا، لذلك يقول المصطفى ﷺ : ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أنطلق برجال معي معهم حزم من حطب فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾. وفي رواية أخرى: ﴿ولولا ما فيها من النساء والذرية لفعلت ذلك﴾ أو كما قال ﷺ . أفيغدو الغادي فيترك الصلاة؟! أفيغدو الغادي فيترك الجماعة؟! والله! لو لم يكن في الجماعة إلا يوم أن تخرج من بيتك، فما من خطوة تخطوها إلى المسجد إلا كان لك بهذه الخطوة حسنة، ومُحِي عنك سيئة، ورفعت لك بها درجة، والله من فرط في هذا الأجر فهو لما سواه أكثر تفريطاً، وهو لما سواه أكثر غفلة وسهواً -يا أيها الإخوة- فهذا غاد وكلكم غاد، فمنكم من يوبق النفس، ومنكم من ينجيها ويعتقها. أما الآخر: وهو الذي عرف الله جل وعلا، وعلم أن الله عليه رقيب، وأنه له حسيب، فيغدو إلى المسجد ليصلي مع جماعة المسلمين، فيعد الله له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح، ويا لها من منقبة عظيمة -ناهيك عما ذكرت قبل قليل- ساهم فيها المسلمون، وركض إليها صحابة رسول الله، ولا زال يركض الراكضون لهذه الفضيلة، أن يعد لك في الجنة منزلاً كلما غدوت وكلما رحت. هاهو ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير كان كثيرًا ما يقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. فيقول أبناؤه: أبتاه! تكثر من هذه الدعوة، فما الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد. وتحل به سكرات الموت قبل صلاة المغرب، فيقول لأبنائه -وقد سمع المنادي ينادي: الله أكبر الله أكبر-: احملوني إلى المسجد، قالوا: قد عذرك الله من فوق سبع سماوات، أنت مريض، أنت معذور، قال: لا أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ثم لا أجيب، احملوني إلى المسجد، فأخذوه بينهم حتى وضعوه وأقاموه بالصف وهو في سكرات الموت، فأدخلوه في الصف، فصلى وعندما سجد كانت السجدة الأخيرة؛ ليلقى الله وهو ساجد: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]؟ وهاهو حاتم الأصم -عليه رحمة الله- يتخلف مرة واحدة عن الجماعة، فيأتيه بعض أصحابه يعزونه في تخلفه عن الجماعة -وكان يعزي بعضهم بعضاً في تخلفهم عن الجماعة- قالوا: أحسن الله عزاءك في جماعة قد فاتتك، وكانوا قلة، فبكى ﵀ قالوا: ما يبكيك؟ قال: فاتتني جماعة فلم يأتني إلا بعض أهل هذه المدينة، ولو مات أحد أبنائي لعزاني أهل المدينة كلها، ووالله لفوات أبنائي جميعا أهون عليَّ من فوات هذه الجماعة؛ لأنه يعلم أن هذه تنفعه، أما الولد فالله أعلم، هل ينفعه أم لا ينفعه؟ وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 130

أحوال الناس مع الدعوة إلى الله غاد آخر يغدو لإهلاك نفسه، فيسلط قلمه، ويسلط لسانه، ويسلط سنانه -أعلى المجوس؟ أعلى اليهود؟ أعلى النصارى؟ ليس على هؤلاء كلهم وإنما يسلطها- على إخوانه المسلمين، ويا له من غاد أوبق نفسه، يسخر بالمسلمين، ويستهزئ بدين الله، ويستهزئ بآيات الله؛ ليرتكب جريمة هي أعظم جريمة، ويا ليتها تكفي لوحدها! لكن هي دعوة إلى ضلال، قد يتبعه غيره، فيكون عليه هذا الوزر، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وما أكثر دعوات الضلال! -يا أيها الإخوة- ما أكثر الذين يسخرون بدين الله في هذا الوقت، ويحاولون إنقاص رجال العلم والتقوى في نظر الناس، ليفقدوا أهميتهم عند الناس، فيضل الناس، ما أكثر هؤلاء! لكن نقول لهم: ليبوءوا بالكفر، من مات بغيظه منهم له كفن. يطالعنا أحدهم ويغدو ليخرج ما في جعبته من السموم التي أبت إلا أن تخرج، أبى النفاق إلا أن يلقي براقعه إذ حان حين الواقعة، يخرج أحدهم ليكتب ما سمعتم وما تسمعون، ويخرج الآخر ليقول: لم يبق من كتبِ السَّماءِ كتابُ مات الإله وعاشت الأنصابُ جل الله ﵎، هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. ويغدو الآخر ليسخر بدين الله، ويسود الصفحات بالسخرية بدين الله - جل وعلا- ممثلاً في رجال الحسبة، رجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذين لا زالوا يرقعون ويسدون في سفينة نجاة الأمة، وهؤلاء يخرقون كل يوم خرقاً. نقول لهؤلاء: اتقوا الله جل وعلا إن كنتم تعلمون أنكم ستعودون إلى الله، عودوا إلى الله جل وعلا ويا ليت هذا الكلام كان من غيرهم، لكن نقول -يا أيها الإخوة- ما قال القائل: ولو أني بُلِيتُ بهاشمي خؤولته بنو عبد المدانِ لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني إذا عيَّر الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل وقال السُّها للشمس أنت كسيفة وقال الدجا للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل إن الاستهزاء بآيات الله كفر وأي كفر. تعلمون وقعة تبوك، وماذا كان موقعها؟ وماذا كانت المسافة فيها؟ وماذا كان الجو في تلك الموقعة؟ يخرجون من المدينة في شدة الحر، وفي مفاوز في صحاري يبيد فيها البيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، يقطعون الفيافي والقفار تحت حرارة الشمس، ما معهم إلا الدواب التي تعرفون، أصابهم الجوع حتى إن أحدهم في ليلة من الليالي، قام ليبول فبال على جلد فأحس أنه جلد، فنفضه من البول، وأحرقه وأكله من شدة الجوع، سبعمائة كيلو متر يقطعونها في تلك الفيافي والقفار. وبعد هذا كله تقوم مجموعة منهم فتقول: تعالوا نقطع الطريق بالحديث، نتكلم ونتسلى، نخوض ونلعب كما يقولون، فماذا قالوا؟ قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن عند اللقاء، يعنون النبي ﷺ وصحابته، والكلام يتجدد ويتجدد، وسودت به الصفحات في هذه الأيام: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣] ماذا كان منهم؟ كان منهم أن جاء الخبر من السماء إلى النبي ﷺ وأخبره بالوقعة، وأعلن كفرهم من فوق سبع سماوات: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. وآخر يغدو ليعتق نفسه، فيدعو الناس إلى توحيد الله، يدعو بقلمه، ويدعو بلسانه، ويدعو بهيئته، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يهدي الله به الضال، فيكون له مثل أجره لا ينقص من أجر ذلك شيء: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] أعتقوا أنفسهم، وغدوا في عتق أنفسهم. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 131

أحوال الناس مع الرضا بقدر الله وذاك غاد آخر في دنياه، ويصاب بمصيبة فيوبق نفسه، ويهلكها، يتسخط من قضاء الله، ويعترض على قدر الله، ما علم أن المصائب متى ما احتسبت رفعت الدرجات، ليلقى المؤمن ربه وما عليه خطيئة من الخطايا، وما علم أن الله مع الصابرين، يصاب ذلك في دنياه، فيجعل الإصابة في دينه. وكلُّ كسرٍ لعل اللهَ جابِره وما لكسر قناة الدين جُبْران يقول عندما يصدم الصدمة الأولى، يوم يفقد حبيباً، يوم يصاب بمصيبة يقول: لم يا رب؟ يعترض على الله جل وعلا، ويتسخط من قضاء الله، يشق الجيب، ويلطم الخد، ويدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، والملائكة تؤمن على ما يقول، فإذا به قد خسر حبيبه، وإذا به قد خسر دينه مع حبيبه -نسأل الله العافية والسلامة- فإذا المصيبة مصيبتان. يا أيها الإخوة: هل سيعود ميت إن ذهب؟ هل سمعتم بميت دُفن ثم عاد إليكم؟ ما سمعنا بذلك، الذي ذهب لا يعود، مرتهنون في القبور، قد حيل بينهم وبين ما يشتهون. هاهو شاب من شباب السلف، كانت له زوجة تحبه حباً جماً، ويقضي الله عليه بالموت الذي لابد أن يقضى على كل نفس في هذه الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فجزعت عليه، ولم تصبر، وإنما بكت، وتأثرت، وأقسمت لتبكين عليه عاماً كاملاً، وهذا ليس من الإسلام في شيء، فالإسلام يأمر بالصبر، ويأمر بأن يثبت الإنسان عند المصيبة، ويُرْجع الأمور إلى الله جل وعلا. ما كان منها؟ أقسمت لتضعن خيمة عند قبره، وتجلس عنده عاماً كاملاً، تبكيه هذا العام الكامل كله، وذهبت بأولاده وجلست عاماً كاملاً تبكي، فما خرج إليها في يوم من الأيام يقول لها: أحسنت، أو ما قصرت، لم يخرج إلى أولاده يوماً من الأيام، ليمسح دمعة أحدهم عن خده، لم يخرج إليهم، ووالله لو خرج إليهم ما قبلهم، ولا نظر إليهم، وإنما اغتنم الفرصة في ركعة، أو سجدة، أو تسبيحة، أو قول لا إله إلا الله التي هم بحاجة إليها وحيل بينهم وبينها. وبعد العام الكامل، بعد ما انتهى هذا العام أخذت أطناب خيمتها، وعادت إلى بيتها، لم تستفد إلا أنها جزعت، ولها جزاء الجازعين، وحينما جمعت أطناب الخيمة، إذ بهاتف يهتف ويقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ وإذا بهاتف آخر يرد: ما وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا. يئسوا فرجعوا إلى بيوتهم، الذي يذهب -يا أيها الإخوة- لا يعود، فما عليك يا أيها المؤمن المصاب إلا الصبر. رسول الله ﷺ أسوتنا وقدوتنا وحبيبنا وإمامنا، ماذا كان منه ﷺ ؟ ابنه إبراهيم يوم يبلغ السنتين يموت بين يديه، فتدمع عيناه ﷺ رحمة بهذا الطفل، فماذا يقول؟ يقول: ﴿القلب يحزن، والعين تبكي، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾، لا نقول إلا ما يرضي الرب وهو قدوتنا. ترسل إليه إحدى بناته بأن ابنها في النزع الأخير، في حالة الاحتضار، ترسل إليه ليحضر، فيقول لرسولها الذي أرسلته: ﴿مرها فلتصبر ولتحتسب، لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شئ عنده بأجل مسمى﴾ تسليم لله، له ما أخذ وله ما أبقى ﵎. ويعقوب ﵇ يفقد ابنه وفلذة كبده؛ يوسف حبيبه يفقده أربعين عاماً حتى إن الملائكة جاءت إليه تعرض الخدمات عليه، وتقول: ألا تشكو؟ ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٨٦] مرد الأمور إلى الله. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. أما الآخر فيغدو ليعتق نفسه، يصاب بالمصيبة فيحتسبها عند الله، فيعوضه الله ويبشره الله ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يقول الله : ما لعبدي المؤمن من جزاء عندي إذا قبضت صفيه -أو خليله- من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة﴾ ما له من جزاء إلا الجنة، ونعم الجزاء الجنة يا أيها الإخوة. وعند الترمذي: ﴿أن الله يقول للملائكة: قبضتم ابن عبدي؟ -والله أعلم بذلك- قالوا: نعم. قال: أقبضتم فلذة كبده؟ قالوا: نعم. قال: فماذا قال؟ -وهو أعلم ﵎ قالوا: حمدك واسترجع -قال: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون- قال: ابنوا له بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد؛ فهو كالكوكب الدري الغابر في الأفق في سماء الجنة﴾ هذا هو جزاء الصابرين. ولقد ذكر لنا التاريخ: أناساً كان منهم أن أصيبوا بمصائب فتحملوا، واحتسبوا، فمنهم: عروة بن الزبير، ذلك المثل الحي للصبر، عروة يوم تأتي الآكلة فتصيبه في قدمه، فيقول الأطباء: نقطع القدم، قال: أصبر وأحتسب. قالوا: نقطعها من الركبة. قال: أصبر وأحتسب، وعندما زادت ورأى أنها ستسري إلى جسده كله، قال: الله المستعان، جاء الأطباء وتجمعوا يريدون قطع رجله، جاءوا بمناشيرهم -ما كان هناك مخدر- وقالوا له: تناول كأساً من خمر عله أن يذهب عقلك، فلا تجد ألم القطع، قال: كأس من خمر أشربه! عقل منحنيه ربي أذهبه بكأس من خمر؟ لا والله! ولكن إذا توضأت، ودخلت في صلاتي، وسبحت مع آيات الله البينات، فافعلوا برجلي ما تشاءون. تركوه حتى وقف بين يدي الله، وتعلق قلبه بالله - يوم كانوا يصلون فيخشعون لله، ويعلمون أن الله قِبَل وجوههم- فيأتون عليه بالمناشير، فيقطعوا رجله، وتنزف الدماء، ويسقط مغشياً عليه، وفي هذه اللحظة ترفس دابة ابنه محمد فيموت، مصيبتان في آن واحد، رجله تذهب، وابنه يذهب، ويفيق من غشيته، فيقول له أصحابه: أحسن الله عزاءك في رجلك، وأحسن الله عزاءك في ابنك محمد، قال: الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، رب إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة من الأطراف وأخذت واحداً، فلك الحمد أولاً وآخراً، وأعطيتني أربعة من الأولاد وأخذت واحداً، فلك الحمد أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. ويذهب ليدخل مجلس الوليد بن عبد الملك، ويوم دخل المجلس كان هناك طفل، فقال طفل الوليد للوليد: ما أظن أصاب عروة ما أصابه إلا بذنب قد ارتكبه، فسمع ذلك، فقال: وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي فقال الوليد: ابحثوا لنا عن أهل مصائب في هذا العام، عله يتسلى بهم، فإن مصيبته عظيمة. وما علموا أنه فوض أمره إلى الله جل وعلا. فخرجوا فوجدوا رجلاً عبدياً أعمى وراء قصر الوليد، فأخذوه وأدخلوه على الخليفة، قال: ما مصيبتك وما خبرك؟ قال: والله! ما كان في بني عبد رجل أغنى وأكثر مالاً وولداً مني، وجئت يومًا من الأيام فعزب لي قطيع من الإبل، فذهبت وراءه أتلمسه، وتركت أهلي، ومالي، وولدي في هذا الوادي، وبقيت ليلتين، وعدت بالقطيع، فإذا الديار خراب بلقع ليس بها داع ولا مجيب، جاء سيل فاقتشعهم كلهم؛ بقره، وغنمه، وكل ما يملك، ولم يبق إلا طفل صغير معلق في شجرة، لا زال في مهده، قال: فذهبت إليه وضممته إلى صدري، وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال: ثم ندَّ بعير من الأبعرة، فلحقت به -لم يبق له إلا هذا القطيع الذي عزب- وإذ بصوت الطفل يصيح، فنظرت فإذا الذئب قد أخذه، وإذا به في فمه، فلم يبق له لا مال ولا أهل ولا ولد ولا أنيس، ما بقي إلا هذه المجموعة من الإبل، لكن من كان الله معه فلا يخاف، قال: فبقيت وراء هذا البعير أطرده لأرده، فرفسني برجله فأعمى بصري فبقيت في الصحراء أتلمس، لا مال، ولا أهل، ولا ولد، ولا بصر، ولا أنيس، ولا حبيب، وجئت إليك هنا، ووالله! ما جئت شاكياً، لكن جئت إليك لأخبرك أن من عباد الله أناساً يرضون بقضاء الله، ويسلمون إذا قضى الله أمراً: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. ولا بأس بأن نذكر -أيضًا- حادثة أخرى، أبو ذؤيب الهذلي: ثمانية من أبنائه يصابون بالطاعون في يوم واحد، ويموتون كلهم في يوم واحد، فيسترجع ويحمد الله ثم يتنفس بأبيات بعد ذلك، كانت من أم المراثي في الأدب العربي، يقول: ولقد حرصتُ بأن أدافعَ عنهم وإذا المنيةُ أقبلت لا تُدْفعُ وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفعُ وتجلدي للشامتين أُرِيهمُ أني لِرِيَبِ الدهر لا أَتَضَعْضَعُ وكل يغدو!

стр. 132

أحوال الناس مع ظلم العباد وذاك غاد آخر ليهلك نفسه، ويهلك نفسه بأي شئ؟ بظلم عباد الله، ناسياً قول الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] متناسياً أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، متناسياً أن الله يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام، ويقول: ﴿وعزتي وجلالي! لأنصرنك ولو بعد حين﴾. قطع من الله وعهد من الله، يوم يجمع الأولين والآخرين، يقول: ﴿أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ وعزتي وجلالي! لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم﴾ لن يجاوز جسر جهنم أحد وهو ظالم، حتى يقتص الله ﵎ منه وهو العدل ويأبى الظلم حتى لو كان على كافر. هاهو سعيد بن زيد تأتيه امرأة فتشكوه إلى معاوية ﵁ بأنه غصبها أرضها -وما كان لمثل سعيد أن يغصبها أرضها- فيقول: لقد ادعت عليك بأنك اغتصبت أرضها، فتدمع عيونه، ويقول: والله! ما كنت لأفعل ذلك، فلقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين﴾. أو كما قال، فلتضم أرضي إلى أرضها، وبئري إلى بئرها، ونخلي إلى نخلها، فإن كانت صادقة فذاك، وإن كانت كاذبة فأعمى الله بصرها، وأرداها في أرضها. ويشاء الله ويعمي بصرها، وتذهب في هذه الأرض لا ترى، فتسقط في البئر متردية بدعوة المظلوم التي سرت في جوف الليل. والبرامكة في عهد هارون الرشيد ماذا كان منهم؟ ما كان منهم إلا أن طغوا، وتجبروا، وظلموا، وتكبروا، حتى إنهم طلوا قصورهم بالذهب والفضة، ويوم يشاء الله أن يقتص للمظلومين في هذه الحياة، وينتقم للمظلومين في هذه الحياة، فيسلط الله عليهم الخليفة، فيسجنوا ويقتل منهم من يقتل، ويسجن كبيرهم، ويدخل عليه أحد أبنائه في يوم عيد ويقول: أبتاه! بعد العز والغنى أصبحت في السجن وعلى التراب، قال: ألا تدري؟ قال: لا. قال: يا بني! دعوة مظلوم سرت في جوف الليل، نمنا عنها وليس الله عنها بنائم. لكن المظلوم لا ينام، لا تنام له عين، وإنما يناجي الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وبعض الناس -يا أيها الإخوة- جنَّد ظلمه على عباد الله، على الذين يريدون أن ينشروا النور بين عباد الله، فله عند الله -إذ هو من الصادين عن سبيله- النار وبئس القرار إن لم يعد إلى الله جل وعلا. أما صنف آخر: دنيء سلط ظلمه على الحيوانات، شجاع لكن على القطط، جريء لكن على الكلاب، تجده يعبث فيها، يدوسها بسيارته، يقتلها، يتفنن في قتلها، وسأذكر لكم حادثة لهذه الحيوانات: في صحيح مسلم: ﴿أن النبي ﷺ دخل حائطًا من حيطان الأنصار -بستان- وإذ ببعير يأتي يجرجر وتذرف دموعه من عيونه - دموع البعير- فيقترب من النبي ﷺ فيقول النبي ﷺ : لمن هذا البعير؟ قال فتى من الأنصار: لي أنا يا رسول الله، قال: أما تتق الله في هذه الدابة التي ملككها الله؟! تجيعها وتتعبها، لقد شكا إلي مما يلاقي منك﴾. بهيمة سخرها الله لك، أفتظلمها وهي لا تستطيع أن تمتنع منك؟! ورجل آخر أعرفه في قرية من قرى الجنوب، هذا الرجل جاء يوماً من الأيام فجاءه حمار على برسيم له، وتقدم على هذا البرسيم فأكل منه، فطرده، فجاءه في اليوم التالي، وكل يوم يذهب ويعود إلى هذا البستان ليأكل من هذا البرسيم، فأخذه في ليلة من الليالي -يوم قلَّت مراقبة الله في قلبه- وربطه بسيارته وهو حي، ومشى به على الأسفلت حتى قطعه قطعاً، ويوم عاد ليدخل بيته، فإذا بيته مليء بالبعوض، فأخذ المبيد الحشري، ثم قام يرشه في هذه الغرفة، ويرشه حتى امتلأت بهذا المبيد، ثم أراد أن يضيء المصباح، ومع إضاءة المصباح قدحت هناك شرارة، فاشتعلت الغرفة عليه فأحرقته، وبعد ثلاثة أيام يلقى الله جل وعلا. نسأل الله أن يعاملنا وإياكم برحمته، وأن يختم لنا بحسن الختام. يا أيها الإخوة: ظلم الحيوانات ظلم كبير يا أيها الإخوة! فما بالكم بمن يظلم الإنسان الذي كرمه الله ؟ والأمثلة كثيرة: طاغية كان له قصر- ذكر ذلك وهب بن منبه، ذكره الذهبي في كتاب الكبائر - وجاءت عجوز ليس لها إلا الله فبنت كوخاً خلف القصر، وخرجت يوماً من الأيام تبحث عن رزقها، فنزل هذا الرجل يتفرج في قصره، وإذ بهذا الكوخ يشوه منظر القصر، فما كان منه إلا أن قال: لمن هذا الكوخ؟ قالوا: لعجوز لا تملك إلا هذا، قال: اهدموه، فهدموه، فجاءت -ويوم جاءت- فإذا هو مهدوم، قالت: من هدم كوخي؟ قالوا: هذا الطاغية. فرفعت يديها إلى الله، وقالت: يا رب! إن كنت أنا غائبة فأين أنت؟ فقلب الله القصر على من فيه: ﴿وعزتي وجلالي! لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم﴾. يا ليت الظلمة يعلمون ذلك: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا﴾. يأتي رجل من الدعاة إلى الله ينصح وزيراً من الوزراء، يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، يريد حياته، وذاك يريد موته، فيلطمه لطمة على خده، فيرفع يديه، ويقول: اللهم إنه لا ناصر لي إلا أنت، أسألك يا رب أن تقطع يده كما لطم خدي، وبعد أيام يؤخذ من قصره، وتقطع يده، وتؤخذ أمواله، ويوضع في السجن طريداً وحيداً فريداً، فقام يكتب على الحيطان: ليس بعد الحياةِ لذةُ عيشٍ يا يميني بانت يميني فبِيْنِي ويكتب على الحيطان ويبكي: إذا ما مات بعضك فابك بعضاً فإنَّ البعضَ من بعضٍ قريبُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]. آخر يغدو: ليعتق نفسه، لا يظلم أحداً، إن تكلم فبالعدل، إن حكم فبالعدل، إن خاصم فبالعدل، إن عاهد فبالعدل: ﴿والمقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 133

أحوال الناس مع صلة الأرحام وبر الوالدين وذاك يغدو: فإلى أين يغدو؟ يغدو ليقطع رحمه، يغدو ليوبق نفسه، يغدو لتحل به اللعنة: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] ﴿لما خلق الله الرحم -كما ثبت- تعلقت بالعرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال الله : ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى رضيت﴾. فمن وصل الرحم وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، وبعضهم يغدو: ليعق والديه؛ والداه اللذان كانا في يوم من الأيام يجوعان ليشبع، ويظمآن ليروى، ويعريان ليكسى، ثم يأتي جزاء الإحسان عكسياً، أتعق والديك والله يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣]؟! قرنها مع عبادة الله جل وعلا، ويوم يجيل المسلم سمعه وبصره، يوم يجيل هذا يسمع ويرى، ويا ليته لا يسمع ولا يرى، غُيِّر اسم الأب عند بعض الناس، وأُهِينت الأم في بيوت كثير من شباب الإسلام، فما تسمع إلا شيبة النحس، وعجوز الشؤم، والدعاء بالراحة منهما، يوم كانا سبباً في وجوده بعد الله جل وعلا. إن رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين. يقول المصطفى ﷺ : ﴿ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين﴾. دعوة الوالدين -يا أيها الإخوة- لا ترد، دعوة الوالدين مستجابة، كم من دعوة من والدٍ أوبقت دنيا الولد وأخراه، وكم دعوة أخرى أسعدت دنيا هذا الولد وأخراه. يقول أبان بن عياش: خرجت من عند أنس بن مالك بـ البصرة، قال: وإذ بجنازة يحملها أربعة نفر، قال: فقلت: مسلم يموت يمر بسوق البصرة، لا يشهد جنازته إلا أربعة نفر، والله لأشهدن هذه الجنازة، وإذ بامرأة وراء هؤلاء الأربعة، ويذهبون ويدفنونه وعندما انتهوا قال: ما هذا الرجل؟ وما حكاية هذا الرجل لا يدفنه إلا أربعة؟ أين المسلمون؟ قالوا: سل تلك المرأة، استأجرتنا لدفن هذا الرجل. قال: فذهبت وراء المرأة حتى دخلت بيتها، وطرقت عليها الباب فخرجت، وقلت لها: يا أمة الله! ما هذا الرجل الذي دفنتموه اليوم؟ قالت: إنه ابني، كان مسرفًا على نفسه، عصى الله، وارتكب الموبقات، ويوم حلت به سكرات الموت، قال: أماه! أتريدين لي السعادة؟ قلت: نعم، قال: إذا حضرتني الوفاة فلقنيني كلمة التوحيد، ثم ضعي قدمك على خدي بعد أن أموت، ثم ارفعي يديك إلى الله، وقولي: اللهم إني أمسيت راضية عنه، فارض عنه، قالت: وكان منه ما كان، ثم قال: ولا تخبري أحداً بموتي، فإنهم يعلمون عصياني، فلن يشهدوا جنازتي، ففعلت الفعلة، قال: فماذا حدث؟ قال: فضحكت، قال: قلت: ما يضحكك؟ قالت: والله بعد أن دفنته، سمعت صوته يهتف ويقول: يا أماه! بدعوتك قدمت على رب رحيم، غير غضبان عليَّ ولا ساخط. دعوة الوالدين مستجابة، دعوة الوالدين تحتاج إلى أن نكسبها ولو بذلنا في ذلك كل شيء، ولو بذلنا الأبناء، ولو بذلنا الزوجات، ولو بذلنا كل شئ في سبيل هذه الدعوة لهان ذلك. منازل! مثل للعقوق عند العرب، شاب منهمك في اللهو والمعاصي، لا يفيق من سكرة إلا ويطيح بسكرة شهوة أخرى، من لذة إلى لذة، وأبوه يدعوه إلى الله، ويطلب منه أن يكف عن هذه المعاصي، وأن يرعوي فيلطمه يومًا من الأيام، فيحلف بالله ليحجن البيت، وليتعلقن بأستار الكعبة يدعو عليه، ويحج إلى البيت، ويتعلق بأستار الكعبة، ويقول: يا من إليه أتى الحجاجُ قد قطعوا أرضَ المَهَامِه من قربٍ ومن بُعدِ هذا منازل لا يرتد عن عَقَقِي فخذُْ بحقي يا رحمنُ من ولدي وشلَّ منه بحولٍ منك جانِبَه يا من تقدَّس لم يُولد ولم يَلِد فشل جانبه الأيمن. دعوة الوالد مستجابة، دعوة الوالد لا ترد، والأمثلة على ذلك كثيرة. وأذكر لكم مثلاً من الواقع، حكاه لي أحد الإخوة الذين أثق بهم، يقول: كان له جد لا ترد له دعوة، وكان أبوه راعياً للغنم في فترة مضت، قال: وكان هذا الأب قد سمع في تلك الأيام بأن السلك العسكري فتح أبوابه ليتوظف الناس، وهو في قرية، فقال: أترك الغنم، وأذهب لأتوظف، وذهب إلى أبيه وقال: يا أبتاه! أريد أن أذهب وأتوظف، وأصرف عليكم، خير لي من أن أبقى وراء هذه الغنم، ابحث عمن يرعاها، قال: لا آذن لك. قال إذاً أذهب. قال: والله لا أستطيع منعك، ولكن ما لي عليك إلا سهم أوجهه في وسط الليل إلى الله جل وعلا قال: فذهب وخاف ولم يستطع أن يذهب، وبقي أياماً وإذا الناس يتوافدون للدخول في السلك العسكري. قال: وجئت في يوم من الأيام فأعطيت الغنم أحد جيراني، وذهبت مع مجموعة من الشباب، ولم أستأذنه في هذه المرة، فذهبت ولم يخبروا أبي إلا في اليوم الثاني أنني قد ذهبت، قال: فرفع يديه إلى الله جل وعلا وبينما هم في الطريق لم يصلوا إلى الطائف بعد، وإذ به يعمى وهو بينهم، فذهبوا به إلى الطائف، فقالوا: هذا لا يسجل، هذا أعمى أعيدوه إلى أهله، فأخذوه ودخلوا به على والده، ويوم دخل في فناء البيت، وإذ بأبيه يسمعه ويعرفه -ولا أريد أن أذكر اسمه- وإذ به يقول: أأصاب السهم يا بني أم لم يصب؟ قال: إي -والله- دخلت عليك أعمى. فأدخلوه عليه فتأثر، وندم، وود أنه لم يدع عليه هذه الدعوة، وقام ليله كله -يقول هذا الأخ- وهو يبكي، ويضرع إلى الله أن يرد بصر ولده، قال: يبكي ومن كثرة تأثره بما أصاب ولده، يأتي إليه فيلحس عينه بلسانه، ثم يعود يصلي، ويدعو الله . يقول: وما طلع الفجر إلا وقد عاد بصيراً كما كان. وهو رجل وداعية معروف، ووالده داعية معروف، وجده داعية معروف، لا أريد ذكر اسمه. المهم أن دعوة الوالدين يجب أن نكسبها، ويجب أن نجعلها في أيدينا دائماً؛ لتنير لنا الطريق - بإذن الله- إلى الجنة، لكن الصور السيئة أكثر وأكثر، وهي صور -أيضًا- من الواقع، صورة بسيطة حدثت في منطقة الجنوب أيضاً: بائع مجوهرات يحكي لي ويقول: جاءتني مجموعة في آخر رمضان، رجل وزوجته، وأمه، وابن هذا الرجل، قال: فجاءوا ودخلوا علي، قال: وكانت الأم على حياء واستحياء، معها ابن هذا الرجل -ابن ولدها، وابن الابن عند الأم كالابن- فأخذته ووقفت في الجانب، وجاءت زوجته، وأخذت من الذهب ما يساوي عشرين ألفاً، قال: وتقدمت الأم وأخذت خاتماً واحداً من ذهب قيمته تساوي مائة ريال. قال: وعندما جاء ليدفع الحساب دفع العشرين ألفاً، ويوم دفع العشرين ألفاً قال صاحب المحل: بقي مائة ريال، قال: لأي شيء؟ قال: لهذا الخاتم الذي أخذته أمك -أخذته العجوز- قال: العجائز ليس لهن ذهب، وأخذه من يدها ورماه على الطاولة. فما كان من الأم إلا أن تجرعت غصصها، وأخذت ابنه بين يديها وخرجت إلى السيارة، فأنبته زوجته، قالت: إنها ستخرج من عندنا، والزوجة لم تكن حريصة إلا على أن تمسك ابنها لها، لكن الأم ذاقت من المرارة ما ذاقت، ابنها يبخل عليها بمائة، ويعطي زوجته بعشرين ألفاً. أي ظلم هذا يا أيها الإخوة؟! قال: وعندما أنبته زوجته أخذ الخاتم، وذهب به إليها، قالت: والله لا لبست ذهبا ما حييت أبداً، ما كنت أريد سوى أن أفرح به يوم العيد مع الناس، فقتلت هذه الفرحة في نفسي، فسامحك الله. إلى أين يذهب هؤلاء يا أيها الإخوة؟! هذه صور من الواقع، وهذا جزء مما أعرف، وهذا يدل على أن هناك خلل في التربية، وخلل في البيوت، فلابد من إصلاح هذا الخلل، يصبح الابن مطواعاً، والله ما أطاع الله عبد إلا سهل له ولداً صالحاً يدعو له ويقوم على خدمته بإذنه تعالى، فضلاً من الله ومنَّة. حق الوالدين عظيم يا أيها الإخوة: يطوف أحد الطائفين في أيام الحج، وعلى ظهره أمه، ويراه عبد الله بن عمر ﵄ فيقول لـ عبد الله: يا عبد الله! أتراني أوفيتها حقها؟ هي أمي، قال: ولا طلقة من طلقات الولادة، ما أوفيتها حقها. طلقة واحدة من طلقات الولادة، ما أوفيتها حقها. بروا تبروا، البر دين، البر قرضة متى ما أعطيت اليوم براً وجدت براً بإذن الله جل وعلا والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً. يذكر أهل السير أن رجلا بلغ من الكبر عتياً، فوقف عليه ابنه يخدمه حتى ملَّ منه، ثم أخذه يوماً من الأيام على ظهر دابة، وخرج به إلى الصحراء، وجاء به إلى صخرة، قال: ما بك يا بني؟ قال: أريد أن أذبحك، مللت منك، ولا أستطيع القيام بخدمتك، قال: أهذا جزاء الإحسان يا بني؟ قال: لابد من قتلك، قال: إن أبيت إلا قتلي فاذبحني عند تلك الصخرة، قال: فما ضرك أن تكون هذه أو تلك؟ سأذبحك، قال: لقد ذبحت أبي عند تلك الصخرة. فإن كان الجزاء من جنس العمل فاذبحني عند تلك الصخرة، ولك يا بني مثلها، يقول: سيمتد بك الزمان، وسيهيئ الله لك من يذبحك عند تلك الصخرة وكل يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها. والآخر يغدو ليبر والديه، ويصل رحمه، فيبره الله جل وعلا، ويصله الله ، ويدخله فوق ذلك الجنة. شعاره: ﴿ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها﴾. هاهي الشيماء بنت الحارث أخت النبي ﷺ من الرضاعة، رضعت معه في بادية بني سعد في الطائف، رضعت معه وهي لا زالت في المهد هي وإياه، وبعد أربعين عاماً تسمع بأن المصطفى ﷺ قد انتصب وأصبح رسولاً نبياً وهو في المدينة، فما كان منها إلا أن جهزت رواحلها، وجهزت كل ما تأخذه من متاع من بادية بني سعد بـ الطائف، تريد أن تذهب إلى أخيها المصطفى ﷺ ، تقطع الفيافي والقفار، وتذهب إلى هناك. ويوم وصلت وإذا النبي ﷺ خارج المدينة يجيش الجيوش، ويدبر أمر الأمة، وإذ بـ عمر يلتقي بها فتقول: ائذن لي بالدخول على رسول الله ﷺ قال: من أنت؟ قالت: أنا الشيماء بنت الحارث أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، أرضعتني وإياه حليمة السعدية. فما كان منه إلا أن أخبر المصطفى ﷺ ، فترقرقت عيونه بالدموع وترك مجلسه، وقام ليقابلها، تذكر الوشيجة، وتذكر تلك الرضعات، وتذكر القرابة، وتذكر صلة الرحم، وقام ليلقاها، ويعانقها عناقاً حاراً، عناق الأخ لأخته بعد أربعين عاماً، ثم يقول لها: أهلاً بك يا شيماء! -أو كما يقول- ويرحب بها، ثم يجلسها ﷺ في مكانه، ثم يظللها من الشمس، ثم يسألها عن أهلها، وعن أهل بلدها، وعن ربعها هناك. ثم يخيرها فيما بعد ويقول يا شيماء: إن شئت الحياة حياتي، والموت موتي، وإلا إن شئت أن ترجعي لأهلك، فأنت بالخيار-أو كما قال ﷺ فاختارت أن ترجع إلى أهلها، فجهز لها ما جهز، وعادت إلى أهلها؛ ليضرب النبي ﷺ مثلاً في صلة الرحم لرضعات بينه وبين الشيماء، ماذا كان منه؟ كان منه أن أجلسها في مكانه، وظللها، وجعل الحياة حياته، والموت موته، خيرها بين كل شيء، برضعات بينه وبينها. فأين الذين قطعوا أمهاتهم، وقطعوا خالاتهم، وقطعوا عماتهم؟ بِمَ يلقون الله جل وعلا؟ كل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 134

أحوال الناس مع الذكر والناس رجلان غاديان؛ غاد إلى حلقات الذكر، يذكر الله، تحفه الملائكة، وتتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، ويذكره الله فيمن عنده، وآخر معرض عن ذكر الله فما مثل هذا إلا كما قال الله : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].

стр. 135

أحوال الناس مع الشهادة غاد يغدو ليهلك نفسه، فيشهد شهادة الزور- يوم أصبحت شهادة الزور قرضة يتبادلها الناس- اشهد لي زوراً وأشهد لك زوراً، هذه عنوان غالب الناس، وما علموا أن النبي ﷺ قال: ﴿لا يقوم شاهد الزور من مكانه حتى تجب له النار﴾.

стр. 136

أحوال الناس مع الرزق وآخر يغدو: ليهلك نفسه في البحث عن الرزق الحرام، فمطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، بيعه حرام، وماله كله حرام، إن تصدق من هذا المال لم يقبل منه، وإن خلَّفه وراء ظهره كان زاداً له إلى النار: ﴿إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً﴾ ومع ذلك ولغ البعض من الناس، في الربا، واستحلوه وسموه بغير اسمه، وما علموا أن: ﴿الربا بضع وسبعون شعبة: أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه﴾ كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ وأخبر: ﴿أن درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية﴾ والربا عمَّ وطمَّ، وسمي بغير اسمه، وتدول بين الناس، وما كأنَّا سمعنا قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] ومن ذا يحارب الله ورسوله؟! تداوله من أوبقوا أنفسهم، ولو لم يكن في التعامل بالربا إلا أنه لا ترفع لهذا العبد دعوة لكفى بذلك زاجراً. والآخر يغدو ليعتق نفسه، يبحث عن اللقمة الحلال- وهي نادرة- فمطعمه حلال، ومشربه حلال، وغذي بالحلال، ذاك يغدو ليهلك نفسه، وهذا يغدو ليعتق نفسه. هاهو أبو بكر-﵁ يأتيه غلام بطعام فيأكل منه لقمة واحدة، ثم يسأله: من أين لك هذا الطعام؟ قال: من كهانة كنت قد تكهنتها في الجاهلية. ثمن لكهانة! فما كان منه إلا أن وضع إصبعيه في فمه يريد أن يخرج ما أكل، وكادت تخرج روحه وما خرجت، فلاموه، فقال: والله! إن لم تخرج إلا وروحي معها لأخرجتها؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿أيما لحم نبت من سحت فالنار أولى به﴾. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.

стр. 137

أحوال الناس مع أعراض المسلمين وذاك يغدو: ليهلك نفسه فيسلط لسانه على عباد الله؛ يغتابهم ويبهتهم في غيابهم، ناسياً قول الله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] وقول المصطفى ﷺ : ﴿يوم عرج بي مررت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يقعون في لحوم الناس، ويأكلون أعراضهم﴾ أو كما قال ﷺ . والآخر يغدو ليدافع عن أعراض المسلمين، ليرد عن أعراض المسلمين فيرد الله عن وجهه النار يوم القيامة. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. وذاك يغدو ليهلك نفسه بالإفساد بين الناس بالنميمة، والوشاية، ناسياً قول المصطفى ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾. والآخر يغدو للإصلاح بين الناس فأجره على أكرم الأكرمين سبحانه وبحمده.

стр. 138

أحوال الناس مع الغناء وذاك يغدو ليهلك نفسه، ويقسي قلبه بسماع الغناء الماجن، الذي حرمه الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] وكأنه لم يسمع قول المصطفى ﷺ : ﴿ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾. والمعازف جميع آلات اللهو بأنواعها، ومع ذلك نشتري الخنا بدراهمنا وأموالنا، وندخله إلى بيوتنا لتتفسخ الأسر، ولتتحلل الأسر، وبأموالنا نضعه في بيوتنا، فيخرج الأبناء منها عققة، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام. والآخر يغدو ليسمع آيات الله، ليسمع كلام الله يقرع قلبه، فيلين قلبه، وتدمع عينه، ويطيع ربه، ويدخر الله له غناء ليس كهذا الغناء، غناء الحور العين في جنة عدن، عند مليك مقتدر. وكل يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها. والكلام يطول في هذه العبارة. فيا من غدا لإعتاق نفسه! جِد واجتهد، واغتنم، ولا تأمن، وسل الله الثبات حتى الممات، وأكثر من قول: يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك. ويا من غدا لإهلاك نفسه وإيباقها! وأمهله الله دعوة لك، ودعوة إلى كل من أمهله الله : عد إلى الله، بادر في فكاك نفسك ورقبتك من النار في زمن الإمكان، عد إلى الله تجد الله تواباً رحيماً، هو القائل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] هو القائل ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] ونعم الجزاء جزاؤهم، هو القائل: ﴿يا بن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم: لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ ﴿يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها﴾. هو القائل: ﴿يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم﴾. هو الرحيم ﵎، هو من سبقت رحمته غضبه ﵎ وإليكم هذا الحديث: جاء سبي إلى المصطفى ﷺ وبين السبي امرأة والهة على ولدها، ضيعت ولدها، رسول الله يراقبها، تبحث بين الأولاد عن ولدها، تأخذ هذا وترمي هذا، وعندما وجدت ولدها أخذته وضمته على صدرها، فيقول ﷺ لأصحابه: ﴿أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا والله، وهي تستطيع ألا تطرحه، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾. فيا من رحمته وسعت كل شيء: ارحمنا برحمتك.

стр. 139

صورة لغاد في إعتاق نفسه أخيراً أيها الإخوة قد غدا الغادون، فمن غدا لإيباق نفسه؛ ومن غدا لإنقاذها. وهذه صورة أختم بها هذه المحاضرة، أسأل الله أن ينفعني وإياكم بها. شاب من الشباب -ذكر أحداث هذه الحادثة الشيخ أحمد الطويل حفظه الله- كانت أحداثها في مدينة الرياض شاب بين الثلاثين والأربعين، ما عرف قدر نعمة الله عليه، هذا الشباب ما ينام ليلة إلا على كأس خمر، أو على زنا، ويشاء الله أن يتزوج، وتكون له ابنة، وظنوا أنه يوم تزوج أنه سيعود إلى الله وسيرجع إلى الله وسيكتفي بالحلال الذي بين يديه عن الحرام، لكنه كان يترك زوجته ويذهب يبحث عن الحرام، يقول: لا أنام ليلة من الليالي إلا على زنا، أو على كأس خمر، وكان أن تواعد مع أصحابه بعد أن جاءت له طفلة، فما كانت تراه أبداً، ترعرعت وهي لا تراه أبداً، بالليل مع قرناء السوء، وفي النهار في عمله، فلا تكاد تراه إلا قليلاً، وبلغت الخامسة من عمرها لا تعرف أباها إلا نادراً. وما كان منه في ليلة من الليالي إلا أن تواعد مع قرناء السوء- الذين أفسدوا شباب الإسلام- تواعدوا على أن يجتمعوا على شرب الخمر، ويشاء الله أن يتخلف عنهم، يوم أراد الله أن يعتق نفسه، فتخلف عنهم قال: فذهبت أبحث عنهم يمنة ويسرة فما وجدتهم، ووالله ما كان ذلك حباً فيهم، ولكني أقول: كيف أبات ليلة من الليالي لا أشرب كأس خمر؟ ولمَّا لم يجدهم ذهب إلى قرين سوء آخر، لديه بضاعة من نوع آخر؛ وهي الأفلام الخليعة، ذهب وأخذ فيلماُ خليعاُ، يقول: يستحي إبليس من رؤية هذا الفيلم، قال: ورجعت إلى بيتي في الساعة الثانية ليلاً في ساعة يتنزل فيها الرب ﵎ فيقول: ﴿هل من مستغفر فأغفر له؟﴾ دموع الطائعين الذين يريدون إعتاق أنفسهم تهراق على وجوههم من خشية الله في تلك الساعة، والعاصون الموبقون لأنفسهم يرضعون المعاصي في تلك الساعة. قال: دخلت البيت ونظرت لزوجتي وابنتي فإذا هما نائمتان، قال: فدخلت غرفة فيها هذا الجهاز جهاز الفيديو الذي لطالما أفسد بيوت المسلمين، ومع ذلك نشتريه بأموالنا ونجعله قنبلة موقوتة في بيوتنا، الله أعلم متى تنفجر قال: وأدخل وأضعه في الجهاز، وأبقى لأستمع وأرى، قال: وإذ بالباب يُفْتح، قال: دهشت وخفت، وقلت: من يدخل عليَّ في هذه الساعة؟ قال: ونظرت فإذا هي ابنتي الصغيرة، تنظر إليَّ بنظرات حادة، نظرات قاسية، وتقول: عيب عليك يا والدي اتق الله! قال: ثم رجعت، فدهشت وتحيرت وقلت: من أنطقها؟ من علمها؟ بقيت في حيرتي، قال: فقمت ونظرت إليها فإذا هي نائمة، وأمها نائمة. قال: ورجعت وأقفلت هذا الجهاز، وخرجت أهيم في الشارع، وإذ بمنادي ينادي: الله أكبر الله أكبر - نداء يحرمه كثير من الغافلين في تلك اللحظة، نداء صلاة الفجر- يوم سمع هذا النداء قال: فاستجابت نفسي للذهاب إلى المسجد، قال: فذهبت، ودخلت دورات المياه، وتوضأت واغتسلت، ودخلت مع الإمام، وعندما سجدت انفجرت بالبكاء، قال: وانتهت الصلاة، فقال صاحبي الذي بجانبي: ما يبكيك يا أخي؟ قال: سبع سنوات ما سجدت فيها لله سجدة، بأي وجه ألاقي ربي - لا إله إلا الله! سبع سنوات لم يسجد فيها لله سجدة، بأي وجه يلاقي ربه- فعزاه هذا، وقال: الله تواب رحيم، عد إليه تجده تواباً رحيماً، خرج الناس من المسجد، وبقي في مكانه لم يخرج، تذكر ذنوبه، وتذكر فضائحه، وتذكر جرائمه. وحان وقت الدوام، وذهب إلى دوامه، فدخل على زميل له صالح لطالما نصحه، ولطالما حاول أن يعيده إلى الله فما أفلح، وإذ به يدخل عليه قال: والله! إنك بوجه غير الذي أعرفه منك، قال: إن نبأي عظيم، وخبري عجيب، وأخبره بقصته مع ابنته، ثم قال له: احمد الله الذي أرسل إليك ابنتك وأنطقها، فوالله ما أنطقها إلا رب الأرباب، ولم يرسل إليك ملك الموت ليقبض روحك، وأنت على الحالة التي تعرف. ثم استأذن وذهب، وأراد أن يذهب إلى البيت لكنه ما ذهب إلى البيت، بل ذهب إلى مصلى الدائرة التي يعمل فيها، وبقي يصلي، به شوق عظيم إلى الصلاة، ونزل هذا الزميل في وقت صلاة الظهر، وإذ به أمامه يصلي، قال: ما بك؟ ألم تذهب لترتاح؟ قال: يا أخي! إن بي شوقاً عظيماً للصلاة، سبع سنوات ما ركعت فيها لله ركعة، بأي وجه ألاقي ربي؟! ويذهب إلى بيته، ويتواعد مع زميله على أن يتجاذبا أطراف الحديث بعد صلاة العشاء، ويذهب إلى البيت، فما رأى ابنته أبداً، دخل إلى البيت وإذ بزوجته تصرخ وتبكي وتقول: ابنتك ماتت، فينفجر من البكاء، ويتردد وينهار ويردد مقالتها: عيب عليك يا والدي اتقِ الله! ثم يتصل بزميله، ويأتي ويغسلونها، ويذهبون بها إلى المقبرة، بعد أن صلوا عليها صلاة العصر قال: وعندما وصلنا إلى المقبرة قال زميله: خذ ابنتك وضعها في لحدها، وكأنه يقول له: موعدك أيضًا هذا اللحد، فأخذ ابنته بين يديه، ثم دخل ليضعها في اللحد ودموعه تقطر على وجنتيه: وليس الذي يجري من العين ماؤها ولكنها روحٌ تسيلُ فتقطرُ روحه تسيل من دمعه، قال بصوت حزين أبكى جميع من حضر الدفن: أنا والله لا أدفن ابنتي، ولكني أدفن النور الذي أراني النور. هذه البنت ردته إلى الله جل وعلا بإذن ربه، أرته نور الهداية بعد أن كان في الضلالة والغواية. فيا من أخطأ! ويا من أسرف! -وكلنا ذلك المخطئ، وكلنا ذلك المسرف-: لنعد إلى الله فنعتق أنفسنا. اللهم إنا نسألك أن تيسر الهدى لنا، وأن تهدي بنا، وأن تهدينا. يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 140

كلنا ذوو خطأ إن استشعار معية الله وعظمته لها أثرها الجلي في حياة الفرد والمجتمع، إذ أن الإنسان مجبولٌ على الخطأ والزلل والتقصير، فكلما مسه طائف من الشيطان أو انتابته غفلة أو تقصير تذكر عظمة الله فأقبل على مولاه، فتجده لا يفتر عن صلاة وصيام وقيام، ولنا في سلفنا الصالح قدوة ونموذج في التوبة والإقبال على الله، وفي هذا العصر أيضاً مبشرات ونماذج مشرقة في العودة إلى الله.

стр. 141

أهمية استشعار عظمة الله في حياة المسلم الحمد لله الواحد الأحد الكريم الوهاب، الرحيم التواب، غافر الذنب وقابل التَّوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو، يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويغفر للمخطئين المستغفرين، ويقيل عثرات العاثرين، ويمحو بحلمه إساءة المذنبين، ويقبل اعتذار المعتذرين، لا إله إلا هو إله الأولين والآخرين، وديَّان يوم الدين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، يوم لا ينفع مال ولا بنون. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يُرجع الأمر كله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأسأل الله الكريم، رب العرش العظيم أن يجمعنا وإياكم في هذه الحياة على الإيمان والذكر والقرآن، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، ثم يجمعنا بكم سرمدية أبدية في جنات ونهر بحبكم فيه. واسأله أن يظلنا وإياكم تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم لا تعذب جمعاً التقى فيك ولك، اللهم لا تعذب ألسنة تخبر عنك، اللهم لا تعذب قلوباً تشتاق إلى لقاك، اللهم لا تعذب أعيناً ترجو لذة النظر إلى وجهك، يا أرحم الراحمين! ويا أكرم الأكرمين! اللهم كلنا ذوو خطأ، وما لنا إلا عفوك وحسن الظن بك، وحب من تحب، فأقل عثراتنا، وتجاوز عن أخطائنا، وأنت أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني ومالي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني ولأعرضوا عني وملُّوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوارحي ولساني اللهم اجعلني خيراً مما يظن الظانُّون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤآخذني بما يقولون. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن سهلاً إذا شئت. أحبتي في الله: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله في السر والعلانية؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. راقبوا الله جل وعلا فما راقبه عبد وزل وأخطأ إلا آب وعاد وحاله: رحماك يا رب رحماك رب يا رب ويا رب الورى ما ترى في عبد سوء ما ترى خلق الله السماوات سبعاً، وخلق الأرضين سبعاً، وفي مجموع أحاديث النبي ﷺ الصحاح: أن ما بين الأرض وما بين السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق ذلك عرش الرحمن، ومن فوقه ربنا سبحانه وبحمده بائن من خلقه، مستو على عرشه ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] متى ما علمت هذا واستشعرته فأنت من المتقين. إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

стр. 142

صور من أحوال السلف مع الله

стр. 143

خوف عمر بن الخطاب من الله ومراقبته له ها هو عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في بستان من بساتين الأنصار، وأنس بن مالك ﵁ وأرضاه يراقبه وهو لا يراه، وإذا بـ عمر يقف وقفة محاسبة، ووقفة مراقبة مع نفسه ويقول: [[عمر أمير المؤمنين! بخ بخ، والله لتتقيّن الله يا عمر! أو ليعذبنك الله، والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله]]. عمر الذي يأتيه أعرابي قد قرص الجوع بطنه، وبه من الفقر ما به، ويقف على رأسه ويقول: يا عمر الخير جزيت الجنه اكس بنياتي وأمهنه وكن لنا في ذا الزمان جنه أقسم بالله لتفعلن قال: وإن لم أفعل يكون ماذا؟ قال: إذاً أبا حفص لأمضين قال: وإذا مضيت يكون ماذا؟ قال: والله عنهن لتسألن يوم تكون الأعطيات منه وموقف المسئول بينهن إما إلى نار وإما إلى جنه فلم يملك عمر ﵁ وأرضاه إلا أن ذرفت دموعه على لحيته ﵁ وأرضاه، ودخل ولم يجد شيئاً في بيته، فما كان إلا أن خلع رداءه وقال: خذ هذه يوم تكون الأعطيات منة، وموقف قف المسئول بينهن، إما إلى نار وإما جنة. هكذا تكون مراقبة الله وهكذا تكون تقوى الله .

стр. 144

خوف عمر بن عبد العزيز من الله وعمر الثاني عمر بن عبد العزيز وهو يلي أمر أمة محمد ﷺ في يوم من الأيام، ويفيء الله على المسلمين فيئاً وهذا الفيء تفاح، فأراد أن يقسمه على الرعية، وبينما هو يقسم هذا التفاح إذ امتدت يد صبي من صبيانه -طفل صغير- فأخذ تفاحة ووضعها في فمه، فما كان من عمر إلا أن أمسك بفيه وأوجع فكيه، واستخرج التفاحة من فمه وردها بين التفاح، والطفل يبكي -ابن عمر يبكي- ويخرج ويذهب إلى أمه يذكر لها الحادثة. فترسل غلاماً من البيت ليشتري لهم تفاحاً وعمر بن عبد العزيز يقسم الفيء على المسلمين وينسى نفسه فلم يأخذ تفاحة واحدة، ويذهب إلى البيت فيشم رائحة التفاح في بيته، فيقول: [[من أين لكم هذا ووالله ما جئتكم بتفاحة واحدة؟]] فأخبرته الخبر، قالت: جاء ابنك يبكي، فأرسلت الغلام وجاء له بهذا التفاح، قال: [[يا فاطمة! والله لقد انتزعت التفاحة من فمه وكأنما أنتزعها من قلبي، لكني والله كرهت أن أضيع نفسي بتفاحة من فيْء المسلمين يأكلها قبل أن يقسم الفيء]]. هكذا تكون مراقبة الله جل وعلا، وهكذا تكون تقوى الله جل وعلا، وبها النجاة: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُون﴾ [الزمر:٦١]. ما راقب عبد ربه إلا أفلح وفاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع، ما راقب عبد ربه فزلت به قدمه فأخطأ، فارتكب فاحشة إلا عاد نادماً حسيراً كسيراً؛ فيتقبله ربه وهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين بمنه وكرمه.

стр. 145

بيان عظم رحمة الله بعباده الله رحيم بل هو رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، رحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه سبحانه وبحمده، له مائة رحمة، أنزل لنا في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق كلهم ناطقهم والأعجم، صغيرهم والكبير، حتى إن الدابة لترفع رجلها لوليدها ليرضع منها ثم يذهب بهذه الرحمة، فإذا كان يوم القيامة رفع الله هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة عنده سبحانه وبحمده، فيتطاول إبليس ويظن أن رحمة الله ستسعه في ذلك اليوم، فيا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك. اسمع لنبيك ﷺ كما في صحيح البخاري يوم يأتيه سبي وإذا بامرأة من بين هذا السبي تبحث عن صبي لها فقدته، لا تلوي على شيء، كلما وجدت طفلاً قلبته ونظرت فيه فإذا به ليس طفلها، ثم تجد ابنها بعد مشقة وعناء فتلصقه ببطنها وترضعه، ورسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم يرقبون الموقف، وإذا بها تذرف الدموع -دموع الفرح- على ابنها وهو على ثديها، فيقول ﷺ : ﴿أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قال الصحابة: لا والله يا رسول الله. فقال رسول الله: لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾. يا كثير العفو عمن كثر الذنب لديه جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرم لديه أنا ضيف وجزاء الضيف إحسان إليه ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٥٠]. أحبتي في الله: كثيراً ما يضل الإنسان في الطريق، وينحرف عن الجادة، بوازع الجهل والهوى أحياناً واستجابة لإغراء عابث أحياناً، أو لشهوة جامحة قوية، الأمر الذي يهبط بمستواه الإنساني ويحول بينه وبين الطهر والتسامي؛ فتسقط قيمته، وينحط إلى الدرك الأسفل من الرذيلة والعار، تتجه قواه كلها إلى إشباع غرائزه وإيثار لذائذه؛ فيسقط إلى منزلة البهيمة، حتى إنك لتجده بأذن لا تسمع، وبعين لا تبصر، وبقلب لا يفقه، تجده بهيمة في مسلاخ بشر، والإنسان قد تمر به ساعة تنام فيها قواه، ويغفو فيها ضميره، وتستيقظ غرائزه؛ فيسقط صريع الهوى والشهوة والشبهة، فيا له من سقوط، ويا لحقارتها من لذة مؤقتة تورث النار. تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار وكلنا ذوو خطأ! والمعصوم من عصمه الله جل وعلا، على كل واحد منا أن يذكر فلا ينسى أنه لم يخلق ملكاً كريماً، ولم يخلق بشراً معصوماً، وإنما هو إنسان تتنازعه قوى الخير والشر، فتارة يغلب خيره شره فهو خير من الملائكة، وتارة يغلب شره خيره فهو شر من البهائم -كما قال ابن القيم -عليه رحمة الله- و ﴿كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾. كلنا ذوو خطأ! في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾، فلابد من الخطأ، ولابد من التقصير، وكلنا ذوو خطأ! من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط تريد مبرأً لا عيب فيه وهل نار تفوح بلا دخان لكن إياك أن تبقى على الخطأ! إياك أن تدوم على المعصية! فإن المعصية شؤم، وإن المعصية عذاب، وإن المعصية وحشة، وإن المعصية غضب من الله الواحد الديان، وقد يحبس عن أمة خير بمعصية من فرد واحد لم يأمروه ولم ينهوه، نسأل الله ألا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.
следующие страницы →