← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تثبيت خديجة للرسول ﷺ إن الخبر ليستلزم أن نقف عند خديجة ﵂ تلك المؤمنة صاحبة الثراء، وصاحبة الجاه، وصاحبة المال، التي تزوجت رسول الله ﷺ ، وكانت أول مؤمنة به، وآزرته في محنته، وثبَّتته يوم خاف، ويوم عاصرت نزول القرآن من أول لحظاته، كانت أول مثبت للنبي ﷺ ، وهي التي جاء النبي ﷺ منها الولد، وكان يذكر ذلك لها بعد موتها، ﵂ وصلى الله عليه وسلم. جاء إليها يوماً من الأيام وهي تبكي بعد موت ابنها القاسم، فيقول: ما بك؟ قالت: دَرَّت لُبَينَة القاسم، فكان بودِّي لو عاش حتى يستكمل رضاعته، فقال ﷺ : ﴿إن له في الجنة مرضعاً تستكمل له رضاعته﴾ فهان عليها ما كان. وقامت معه عندما أنزل عليه الوحي، وجاء إليها يرتعش خائفاً مرتعداً؛ لما رأى جبريل وهو يقول له: اقرأ، وهو يقول لها: زملوني، دثِّروني، فيقول لها: والله يا خديجة! لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتحمل الكلَّ، وتُقْرِى الضَّيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. وقفت معه ﷺ فقاسمته شدَّته ومحنته، وما تراجعت عن ذلك مع أنها صاحبة الجاه، وصاحبة السؤدد، وصاحبة المال، فزادت بذلك سؤدداً ومالاً وجاهاً. واقتدي بتلك المرأة التي أتت تبحث عن جثة ابنها بين القتلى وهي مختمرة، فقال لها الصحابة: اكشفي خمارك حتى ترينه. فقالت: لأن أفقد ولدي خير لي من أن أفقد حيائي وديني، إن الله خاطب رسوله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] ووالله ما أنا بخير منهن. فتخلقي بأخلاق أهل الإسلام، وارجعي إلى سِيَر هؤلاء الأعلام، وادعي إلى الله فإنك مسئولة عن علمك، ماذا عملت به أيتها المؤمنة، فما عسى يكون الجواب؟

стр. 177

نموذج من ثبات داعية معاصرة المرأة المسلمة على ثغرة عظيمة، فاللهَ اللهَ أن تؤتى البيوت من قِبَلِك. واللهَ اللهَ أن يؤتى الإسلام من قِبَلِك. واللهَ اللهَ أن يؤتى أبناء المسلمين من قبلك. هاهي مَثَل لك؛ لأن الخير يستمر في الأمة إلى قيام الساعة والأمثلة كثيرة في هذا العصر والذي قبله. هاهي بنان الطنطاوي؛ ابنة الشيخ الوقور علي الطنطاوي غفر الله لنا وله، وتجاوز عنا وعنه؛ زوجة عصام العطار علمت مسئولية الزوجة في البيت، وآمنت بربها، ودعت بما تستطيع، وهيأت لذلك الداعية أن يدعو إلى الله . انطلق يرد الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الغواية إلى الهدى والهداية، فأغاظ ذلك المنافقين، والذين يَشْرَقُونَ بالنور، والذين ما يعيشون إلا في الظلام، فما كان منهم إلا أن سجنوه في سجن من السجون، فأرسلت إليه رسالة، فما فحوى هذه الرسالة يا أيتها الداعية، يا أيتها المعلِّمة، يا أيتها المتعلِّمة؟ اسمعي إلى هذه الرسالة ماذا تقول لزوجها وهو في سجنه. تقول له: لا تحزن ولا تفكِّر فيَّ، ولا في أهلك، ولا في مالك، ولا في ولدك، ولكن فكِّر في دينك وواجبك ودعوتك؛ فإننا -والله- لا نطلب منك شيئاً يخصُّنا، وإنما نطلبك بالموقف السليم الكريم الذي يبيِّض وجهك، ويرضي ربك الكريم يوم تقف بين يديْه حيثما كنت، وأينما كنت، أما نحن فالله معنا، ويكتب لنا الخير، وهو أعلم وأدرى سبحانه وأحكم. انظري إلى هذه الكلمات، كيف وقفت معه وهو بعيد عنها، وقفت معه لأنها تعلم أنها على ثغرة وأنَّ ثغرةً ذهبت فسدَّت تلك الثغرة. ثم يشاء الله أن يخرج من ذلك السجن ليُشرَّد في ديار الغرب، وما أُخرج وما نُقِم منه إلا أن قال: ربي الله، واعتز بدينه ومبادئه، شُرِّد في بلاد الغرب، ويبتليه الله هناك أيضاً ليرفع درجته بإذن الله ، ويوم ابتلاه الله هناك بكونه يعيش بين الكفار، وكونه مشرداً عن أهله وغيرهم، يُبتلى بالشلل، يُشلُّ في ديار الغرب، لا أهل، ولا صاحب، ولا صديق، لكن له الله الذي أُخْرِج من أجله، وله الله الذي سُجِنَ من أجله، وله الله الذي دعا من أجله، فماذا فعلت هذه الزوجة؟ بعيدة عنه، بعيدة بجسمها لكن قلبها معه، وروحها معه، هدفها وهدفه واحد؛ وهو نشر دين الله، ولقاء الله، والتعامل مع الله ، كتبت إليه رسالة هناك، وقالت: لا تحزن يا عصام! ولا تأس، يرفع الله من يبتليه، إن عجزت عن السير سرت بأقدامنا، وإن عجزت عن الكتابة كتبت بأيدينا، الله معك ولن يَتِرَك، ولن يضيع لك ما أنت فيه، ثم تنطلق بعد ذلك لتلحق به في ديار الغرب إلى هناك لا لتجلس بجانبه تندب حظَّها، ولا لتجلس بجانبه وتقول: جَنَت الدعوة عليه، وإنما لتجلس بجانبه هناك لتأخذ أفكاره، وتأخذ علمه، فيكتب هو بيدها، ويسير بقدمها، فتنشئ مركزاً إسلامياً في ديار الكفر، فلا إله إلا الله! كم من تائبة تابت على يديها هناك، وكم من ضالة كافرةٍ لا تعرف شيئاً إلا الحياة البهيمية ردها الله على يد بنان الطنطاوي، وهي هناك مع زوجها تستشيره ليعطيها المعلومات فتنطلق، ويأبى أولئك الذين يَشْرَقُون بهذا الدين أن يروا للخير قولة أو جولة، ويأتي ثلاثة رجال يبحثون عن ذلك المشلول في تلك البلاد، وما أن دلُّوا على شقته، حتى جاءوا فاقتحموها، وتقدموا إلى هذه الداعية المسكينة -امرأة في بيت غربة، وبعيدة، لكن معها الله الذي قدمت نفسها له- فإذا بها يُطلق عليها خمس رصاصات؛ في العنق، وفي الكتف، وفي الإبط، لتسقط مضرجة بدمائها. أسأل الله أن يجعلها من أهل الفردوس الأعلى. وأسأل الله أن يكتب لها ولمن بعدها من أهلها النعيم المقيم السرمدي الأبدي الذي لا يزول، وأسأل الله أن يوقظ في بنات المسلمين ومعلمات ومتعلمات المسلمين نماذج مثل تلك النماذج، وأَعْظَمَ من تلك النماذج. إن الأمة تنتظر منك الكثير والكثير.

стр. 178

طريق الجنة والنار اعلمي أخيراً أن طريق الجنة صعب، وأنه محفوف بالمكاره، لكن آخره السعادة الدائمة؛ أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم يوم يقول: ﴿إن الله لما خلق الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر ما أعددت لعبادي الصالحين فيها، فذهب؛ فإذا فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فرجع إلى ربه، وقال: يا رب! وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها -لِما فيها من النعيم- ثم حفَّها الله بالمكاره -بما تكره النفس من التكاليف؛ من الأوامر، من النواهي، من الضوابط الشرعية التي يتنقل الإنسان بينها وفيها، حفَّها بهذا كله- ثم قال: ارجع فانظر إليها، فنظر إليها، فإذا هي حفَّت بكل ما تكرهه النفس، فماذا قال؟ رجع إلى ربه، وقال: وعزتك وجلالك قد خشيت ألا يدخلها أحد﴾. يا أيها الأحبة: والله! لا يدخلها إلا من زكىَّ نفسه، اسمعوا إلى الله وهو يقسم، مرات بعد مرات، يقسم بالضحى، وله أن يقسم بما شاء: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢] ثم يقول هناك: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٨]. ثم الجواب يأتيك بعد هذه الأقسام المتعددة المغلظة العظيمة من الرب العظيم يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] فوالله لن يفلح إلا من زكَّى نفسه بالإيمان بالله، والدعوة إلى الله . وطريق النار سهل، ولكنه محفوف بالشهوات، وآخره الشقاء الأبدي السرمدي الذي لا يزول: ﴿لمَّا خلق الله النار -في نفس الحديث السابق- قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب إليها، فإذا هي سوداء مظلمة، يحطم بعضها بعضاً، ترمي بشرر كالقصر، كأنه جِمَالت صُفْر، فرجع إلى ربه وقال: وعزتك وجلالك ما يسمع بها أحد فيدخلها، ثم حفَّها الله بالشهوات -وبكل ما تشتهيه النفس، وبكل ما ترتاح له النفس، وبكل ما تهواه النفس- ثم قال: ارجع فانظر إليها، فرجع فنظر إليها، فإذا هي قد حفت بكل ما تشتهيه النفس، فرجع إلى ربه وقال: لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها﴾. إن التعامل مع الله عظيم، وإن المتعامل مع الله لا يخيبه الله رجلاً كان أو امرأة. فيا أيتها المؤمنة: انوِ الخير، واعملي الخير، فوالله! لن تزالي بخير ما نويت الخير، وما عملت الخير. اسمعي لقول النبي ﷺ : ﴿من همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن همَّ بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات، ومن همَّ بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، وإن عملها كتبت له سيئة واحدة﴾. فضلاً من الله ومِنَّة. فيا ويل ويا ويل ويا ثبور من غلبت آحاده عشراته! حسنة واحدة أو سيئة واحدة تغلب عشرات الحسنات، يا ويل من كان حاله على ذلك. فانتبهن وتقربن إلى الله بما يرضى الله. تقربن إليه بالفرائض؛ فإن أحب ما يتقرب به إلى الله الفرائض، ثم تقربن بالنوافل؛ فإنه لا تزال المرأة تتقرب، والرجل يتقرب بالنوافل حتى يحبه الله كما قال في الحديث القدسي: ﴿فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾. فالهِمَّة الهمة؛ فإنها طريق إلى القمة، أسرعي ولا تنظري إلى الخلف، لا تنظري إلى أي عائق، واعلمي أن شبراً بذراع، وأن ذراعاً بباع، وأن مشياً بهرولة، فضلا من الله ومِنَّة. اصبري، وجِدِّي، ولا تسأمي، ولا تملي بالنصح، بالدعوة، بالقيام بما أوجب الله عليكِ، فلا تنظري إلى لوم لائم، ولا إلى عتاب عاتب، ولا إلى هوى نفس أو شيطان. وإذا اجتمعت عليكِ هذه كلها، فانظري إلى منازل زاكية في جنان ورضوان، أدنى أهل الجنة فيها من يأتي بعد ما دخل أهل الجنة، فيقول الله له: ﴿ادخل الجنة، فيقول: يا رب! وقد أخذ الناس منازلهم وسكنوا مساكنهم - يخيَّل إليه أنها ملأى- فيقول الله: ألا ترضى أن يكون لك مثل مَلِك من ملوك الدنيا؟ قال: بلى رضيت يا رب، قال: فإن لك مثله ومثله ومثله ومثله، وفي الخامسة يقول: رضيت يا رب رضيت. فيقول: ولك عشرة أمثاله، وما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك وأنت فيها﴾ قولي خيراً، وادعي خيراً، وتكلمي خيراً أو اصمتي؛ فكم كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان: ﴿وإن المرء ليقول الكلمة من سخط الله يكتب الله له بها سخطه إلى أن يلقاه﴾. أخيراً: توبي إلى الله، واستغفري الله؛ فإن الشيطان قد قطع على نفسه عهداً، فقال: وعزتك وجلالك لأغوينهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، والله يقطع العهد على نفسه -ورغمت أنف إبليس- وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني. فاللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، وأقرَّ أعيننا بصلاح المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى أن تجعلنا من الصالحين، وأولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن تجعلنا ممن باع نفسه لله، فجعل همَّه الله والدار الآخرة. أسأل الله أن يرينا من بنات المسلمين، وأمهات المسلمين، وأخوات المسلمين ما تقَرُّ به الأعين، صالحات، قانتات، تائبات، عابدات. أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، من كان سبباً في هذا الاجتماع، ومن ساهم فيه بأي مساهمة صَغُرَت أو كَبُرَت أن تجعل له ذلك في ميزان الحسنات عظيماً عظيماً؛ فأنت أهل التقوى، وأهل المغفرة. وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

стр. 179

من منشورات العلماء الحديث عن العلماء لا يمل ولا ينبغي أن يمل، ففي حياتهم عبرة، وفي سيرهم ذكرى، وفي طلبهم للعلم والعمل به عظة لمن بعدهم، وفي هذا الدرس ينثر الشيخ طرفاً من أخبارهم وملحهم، فما أطيب ذكرهم!

стр. 180

فضل العلماء الربانيين وأهمية سيرهم الحمد لله رب العالمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، ولا حزن إلا ما جعلته حزناً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن دعوة لا تسمع، اللهم إنا نعوذ بك من هؤلاء الأربع، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وأنت على كل شيء قدير. أيها الإخوة في الله! إن موضوعنا في هذه الليلة حول أخبار ومنح ووصايا من أخبار العلماء وكلماتهم ومُلَحِهم وآثارهم، ولهذا الموضوع أهمية، فإن كلمات العلماء وآثارهم ومُلَحِهم ووصاياهم وأقوالهم نابعةٌ من مشكاة النبوة التي ينهلون منها، فإن الرسول ﵊ قال: ﴿إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾ وقال: ﴿إن العلماء ورثة الأنبياء﴾ فورثوا عنهم أقوالهم وأقوال الله ، ولذلك أصطبغت حياتهم وأقوالهم ومعيشتهم وكانت وصاياهم متأثرة أشد التأثر بما ارتووا منه؛ ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . أخص بكلامي هذا العلماء الربانيين الذين قال الله : ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] الذين يعلمون كتاب الله حفظاً، وفهماً، وتدبراً، وعملاً، ودعوةً وصبراً على الأذى فيه، والذين يعلمون سنة رسول الله ﷺ على النسق المذكور في كتاب الله؛ حفظاً، وفهماً، وتدبراً وعملاً، ودعوةً وصبراً على الأذى في سبيل ذلك كله، فإن الله أمرنا بأن نكون كذلك، فقال الله : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]. يقول ابن عباس ﵄: [[لا يكون العالم ربانياً حتى يعلم ويعمل ويدعو ويصبر على الأذى]] ونقل عنه ﵁ وأرضاه: [[العلماء الربانيون هم الذين يربون الناس على صغار العلم قبل كباره]] يعني: يأخذون الناس بالتدرج خطوة خطوة، لا يقفزون بهم إلى أمور كبار لا تدركها عقولهم، فقد روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: ﴿ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة﴾ ونقل أيضاً في الصحيح: ﴿خاطبوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله﴾. فهؤلاء العلماء الربانيون الذين أفنوا أعمارهم في تعلم كتاب الله، وفي تعلم سنة رسول الله ﷺ ، وكانوا بحق كما قال الله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. قال الإمام ابن الجوزي في زاد المسير: أشار جل وعلا بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، بعد قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] أشار بهذا إلى أن الذين يعلمون حقاً هم الذين اتصفوا بهذه الصفة: ﴿قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]. ونقل عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: [[يعرف حامل القرآن بليله إذا الناس راقدون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون]] أو كما قال ﵁ وأرضاه.

стр. 181

أهمية سير العلماء فأخبار هؤلاء القوم الذين أفنوا أعمارهم في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ علماً وعلماً وتدبراً ودعوةً وصبراً حقيقةٌ؛ بأن نعقد المجالس لنتدبرها ونتذاكرها، ونتناقل أخبارهم؛ علَّ الله أن يشحذ فينا الهمة، فنبلغ ولو جزءاً يسيراً مما بلغوا، وقديماً قيل: فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح ونقل عن أبي حنيفة ﵁: "سير الرجال أحب إليَّ من كثير من الفقه" وما ذاك إلا لأن سير الرجال، وأخبار القوم من العلماء الربانيين تشحذ الهمم حينما يستمع إليها الطالب فتعينه على مواصلة طريقه في طلب العلم، وتعينه على الاجتهاد وبذل التضحيات اقتداءً وتأسياً بأولئك السابقين الذين يقرءون ويتدبرون ويتناقلون أخبارهم. وقال الإمام ابن الجوزي رحمة الله عليه في كتاب المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: "واعلم أن في ذكر السير والتاريخ فوائد كثيرة، من أهمها أن يطلع بذلك على عجائب الأمور، وتقلبات الزمن، وتصاريف القدر، وسماع الأخبار، فالنفس تجد راحةً بسماع الأخبار، قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل من بكر بن وائل قد كبر وذهبت منه لذة المأكل والمشرب والنكاح؛ قيل له: أتحب أن تموت؟ قال: لا، قيل له: فما بقي لك من لذة الدنيا؟ قال: أستمع أخبار الرجال وأستمع العجائب" إذاً: فخير وسيلة لإشعال العزائم، وإثارة الروح الوثابة، وقدح المواهب، وإذكاء الهمم، وتقويم الأخلاق بصمت وهدوء دون أمر ونهي، والتسامي إلى معالي الأمور، والترفع عن سفسافها، والاحتذاء بسير الأجلاء الأسلاف؛ خير سبيل إلى ذلك كله هو قراءة سير لبعض العلماء الصلحاء، والوقوف على أخبار الرجال العظماء، والتملي من اجتلاء مناقب الصالحين الربانيين، والاقتراب من العلماء النبهاء العاملين المجدين. وبعد هذه المقدمة نبدأ في سرد بعض أخبارهم رحمة الله عليهم ورضي عنهم.

стр. 182

ضوابط في الجرح والتعديل عند أهل العلم فعن مالك بن أنس ﵁ وأرضاه، قال: " سألت سعيد بن المسيب: إنه ليس من شريف، ولا عالم، ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه فقال: [[من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله]]. وهذه درة عظيمة من سعيد بن المسيب وأما الرواية التي تنقل عنه أنه قال: [[سيبوني سيبهم الله]] فهي رواية غير ثابتة كما ذكر ذلك بعض المحققين، فالمقصود أن سعيد بن المسيب رحمة الله عليه، يقول: من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله. وهذه قاعدة عظيمة جليلة ينبغي لطلبة العلم أن يجعلوها نصب أعينهم دائماً، فهي قاعدة في الجرح والتعديل، إذ ينبغي للمسلم وخصوصاً طالب العلم المأمور بحفظ اللسان عن الوقيعة في العلماء، عن الوقيعة في الأخيار من العباد الصلحاء، فمن غلب جانب فضله تغوضي عن نقصه، ولم يشهر به، ولم ينكر عليه، ولم يحذر منه بسبب ما فيه من نقص وتقصير؛ لأن الفضل الكثير يغمر النقص القليل، وقديماً قيل مستدلين بحديث: ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾. وقال الذهبي رحمة الله عليه في ترجمته لـ قتادة بن دعامة السدوسي: وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع فإنه مدلس معروف بذلك وقيل كان يرى القدر- نسأل الله العفو والعافية- ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، قال الذهبي رحمة الله عليه مسترسلاً: ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه تغفر له زلاته، ولا نضلله ونصطرفه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك. وهذه في سابقتها نادرة عظيمة ينبغي أن يضعها طلبة العلم في أذهانهم، وأن يجعلوها نصب أعينهم عند تقويمهم للرجال. وعن ابن المديني سمعت سفيان يقول: [[كان ابن عياش يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر بن ذر، فقال: يا هذا لا تفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعاً، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه]]. وهكذا يجب أن يكون طالب العلم إذا بلغه عن أحد من الناس أنه يقع فيه، أو يشتمه، أو يتأو يتكلم فيه، أو يقدح؛ فإن الواجب عليه أن يلقاه ويتأكد من صحة الخبر، ثم بعد ذلك يقول له هذه المقالة: إنك إن عصيت الله فينا، فلن نعصي الله فيك، بل سنطيع الله فيك، ولا نقدح فيك، ولا نتكلم، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك﴾ وقال الله جل وعلا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦] وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: ادفع سيئة من أساء إليك بالحسنة التي هي أحسن، أي: الكلمة والخصلة التي هي أحسن ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: صديق عزيز شديد الصداقة لك بسبب أنك رددت إساءته بالإحسان. وروى عبدان بن عثمان عن عبد الله بن المبارك -وهذا أيضاً ضابط في الجرح والتعديل- قال: [[إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ عن المحاسن لم تذكر المحاسن]]. فالعبرة بأغلب حاله وبمجمله وأكثره، فإن كان أكثر أحواله المحاسن والصلاح، والخير والدعوة والنصح للأمة وللمسلمين، تغوضي عن سيئاته، ولم يشهر به، وأسر بها إسراراً إليه، وإن كان غالب حاله الضلال والفساد والإضلال والمساوئ، فإن جانب المساوئ يغلَّب، ويُحذَّر منه.

стр. 183

من أخبار أهل العلم في الطلب

стр. 184

من أخلاق الإمام الشافعي في الخلاف قال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي - ظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى؛ ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة. يعني: على الرغم من خلافي معك في مسألة من مسائل العلم، فإن الواجب أن تظل أخوتنا، ومودتنا، ولا يعادي بعضنا بعضاً بسبب اختلافنا في مسألة من مسائل العلم.

стр. 185

موقف عمر ممن يرد على ابن مسعود وقد كان السلف رحمة الله عليهم من طلبة العلم يُجلون العلماء ويرفعون قدرهم؛ أيما إجلال وأيما تقدير. مما نقل عن الصحابة في ذلك ما رواه أبو وائل أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه رأى رجلاً قد أسبل إزاره وقد صح عن النبي ﷺ : ﴿ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار﴾ وصح عنه ﷺ : ﴿إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه﴾ فالمقصود أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال للرجل المسبل: [[ارفع إزارك، فقال ذلك الرجل المسبل: وأنت يـ ابن مسعود فارفع إزارك. فقال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس]] فبين عذره في إنزال إزاره. فبلغ ذلك عمر ﵁ وأرضاه أن ذلك الرجل رد على عبد الله بن مسعود، وقال له: [[وأنت لماذا لم ترفع إزارك؟ - فجعل عمر يضرب الرجل، ويقول له: أهكذا ترد على ابن مسعود! أهكذا ترد على ابن مسعود!]]. وما ذاك من عمر إلا تأديباً لهذا الرجل وأمثاله لكي يستقيم أدبهم مع أهل العلم والإيمان والفضل.

стр. 186

أدب الطلب عند ابن عباس عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: [[أن ابن عباس ﵄ قام إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا بن عم رسول الله ﷺ فقال ابن عباس: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا]] وهذا من أدبه ﵁ وأرضاه، ولذلك حصل ذلك العلم الجم استجابة لدعاء رسول الله ﷺ : ﴿اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل﴾.

стр. 187

الخليفة بين يدي عطاء وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء، فجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إلى عطاء في مكة، وكان مفتيها في زمانه ﵁ وأرضاه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم -أي: لا تقصرا ولا تتعبا في طلب العلم- فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد. يعني: أن أمير المؤمنين وخليفة الناس الذي ملك الناس في زمانه، بل كل الدولة الإسلامية جاء عند عطاء بن أبي رباح وكان مولى لامرأة، ثم أعتق، فجلس إليه يسأله عن العلم، وعطاء لا يلتفت إليه مستقبلاً القبلة يجيبهم على أسئلتهم وهم قريب من قفاه رضي الله عن عطاء وأرضاه، فالمقصود أن سليمان أخذ من هذا درساً، وقال لبنيه: لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد، وسماه العبد باعتبار ما كان. وقيل في عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه من شدة علمه: كان أشل، وكان أعور، وكان أفطس، وكان بحراً بالعلوم، ولذلك قال بعضهم: أشل أعور أفطس ومن بحوره العلوم تقتبس رحمة الله عليه. وعن عمر بن المدرك، قال: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا أشعث بن شعبة النشيطي، قال: قدم الرشيد - يعني: هارون الرشيد - الرقة؛ فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، صادف أن عبد الله بن المبارك قدم في نفس الوقت الذي قدم فيه أمير المؤمنين، فـ عبد الله بن المبارك أمير المؤمنين بالحديث، وهارون الرشيد أمير المؤمنين في زمانه، فقدما الرقة في وقت واحد، قال: فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال من الزحام، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج القصر، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: هذا عالم من أهل خراسان، يقال له عبد الله بن المبارك قدم، قالت: والله هذا الملك لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.

стр. 188

نصيحة لابن مهدي في الحث على الطلب قال عبد الرحمن بن مهدي: كان يقال: إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، وإذا لقي من هو مثله في العلم، دراسه، أي: تدارس معه العلم. وبهذه المناسبة أيها الأحبة، فإنني أذكر إخوتي طلبة العلم بأن هناك دورة علمية، أو أكثر من دورة علمية ستقام في إجازة الربيع إن شاء الله لبعض العلماء الأجلاء من الذين قدموا من الرياض ومن غيرها لإقامة دورات علمية في الفقه، وفي الحديث، وفي العقيدة، وفي اللغة، وفي الأصول، فأنصح بملازمة هذه الحلقات، ثم إنني أنصح بأمر آخر، وهو أن طالب العلم ينبغي له أن يحرص على مجالسة أهل العلم ويتلقى العلم عنهم، فإن فاته ذلك، فهناك ما يسمى بالتجارب كما يقول عبد الرحمن بن مهدي رحمة الله عليه، يقول: كان يقال إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم، فهو يوم غنيمته، أي: فليغتنم هذا اليوم، وليتعلم منه تعلماً عظيماً، وإذا لقي من هو مثله -أي من مثله في العلم- دراسه، ولذلك فإنني أنصح إخواني بالمدارسة؛ كأن تخصص لنفسك وقتاً بعد صلاة الفجر تلتقي فيه مع من هو مثلك في العلم قد لا يزيد عليك، فتلتقي أنت وهو فتحفظون مثلاً عمدة الأحكام في الحديث، أو بلوغ المرام، أو الأربعين النووية إن لم تكونوا حفظتموها، أو كتاب الله أولاً وقبل كل شيء إن لم تكونوا قد حفظتموه، وهكذا يكون لكم ورد يومي بعد صلاة الفجر أنت وأحد أقرانك يعلم بعضكم بعضاً، وينفع بعضكم بعضاً، ويخبر بعضهم الآخر بما فاته من العلم، وبما سمعه من العلماء، فإن هذا باب عظيم كان السلف يتبعونه كما يقول ابن مهدي: وإذا لقي من هو مثله، دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إماماً في العلم من حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً من حدث عن كل أحد، ولا من يحدث بالشاذ. هذه بعض أخبارهم في طلب العلم، ومن ذلك ما نقل عن إبراهيم الحربي -وهو أحد علماء السلف الكبار رحمة الله عليه- قال: كان إبراهيم الحربي رجلاً صالحاً من أهل العلم، بلغه أن قوماً من الذين كانوا يدالفونه -يفضلونه على أحمد بن حنبل - فوقفهم على ذلك، فأقروا به، يعني: سألهم هل تفضلوني على أحمد بن حنبل؟ قالوا: نعم، فعاقبهم إبراهيم عقوبة شديدة، فقال: ظلمتموني بتفضيلكم لي على رجل لم أشبهه، ولم ألحق به في حال من أحواله، فأقسم بالله لا أسمعكم شيئاً من العلم أبداً، فلا تأتوني بعد يومكم، والسبب أنهم قدموه وأنزلوه فوق منزلته حسب نظره رحمة الله عليه. ومن أخبار السلف رحمة الله عليهم ورضي الله عنهم ما ذكره ابن جريج ﵀، قال: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح عشرين سنةً، أي: وهو منقطع عن العلم ينام في المسجد، ويتدبر العلم ليله ونهاره. وقال إسماعيل بن أمية: كان عطاء يجيد الصمت، فإذا تكلم خيل إلينا أنه مؤيد، يعني: كأنما تمده الملائكة بما يقول، وكان أسود أفطس أعور أشل أعرج ثم عمي، يعني: اجتمعت فيه خمسة عاهات، ففي جسمه خمسة عيوب منها: أنه أسود، وأفطس، وأعور، وأشل، وأعرج، وفي النهاية صار أعمى، فهذه خمسة عيوب كانت في جسمه رحمة الله عليه، ولكنه كان ركناً من أركان العلم والدين والصلاح والقدوة، وكان ثقةً فقيهاً حج نيفاً وسبعين حجة.

стр. 189

الزهري لا ينام الليل يبحث عن حديث قال الليث بن سعد: تذاكر محمد بن شهاب الزهري -الحافظ المحدث الفقيه، التابعي الجليل عالم الحجاز ﵀ -ليلة بعد العشاء حديثاً وهو جالس متوضئ، فما زال ذلك مجلسه وهو يبحث في الحديث حتى طلع الصبح، قال مروان: جعل يتذاكر الحديث، وهو في مجلسه يذكر الحديث ويبحث في كتب العلم بعد صلاة العشاء وهو على الوضوء حتى طلع الفجر وهو كذلك رحمة الله عليه.

стр. 190

الشنقيطي يبحث في مسألة فقهية وقريباً من هذه القصة نقل عن الشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان الذي توفي بـ مكة عام ١٣٩٢ للهجرة حيث نقل عن نفسه رحمة الله عليه أنه لما كان في بلاده يطلب العلم عن مشايخه شرحت له مسألة في الفقه، فلم يفهمها، فسأل شيخه عنها، فلم يستطع أن يفهمها إياه، قال: فلما انصرفت في الضحى من عند شيخي، ذهبت إلى الكتب والشروحات والمطولات، فأخذت أفتشها وأقرأ فيها، وأبحث عن شرح هذه المسألة حتى أدركتني صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقال: فلما صار المغرب وأظلم الليل، أمرت خادمي أن يوقد لي النار لأستضيء بها -وكنت في الصحراء- قال: فجلست أقرأ على ضوء النار حتى طلع الفجر، فقمت فصليت الفجر، ثم جلست أقرأ حتى طلعت الشمس، ثم إنني ما طلعت الشمس حتى كانت المسألة عندي واضحة كل الوضوح، وفهمتها وعقلتها وتبينتها. فهو رحمة الله عليه بدأ بالبحث قبل صلاة العصر وأدركته صلاة العصر والمغرب والعشاء والفجر وهو في جلسة واحدة لا يقوم منها إلا لصلاة، أو لطعام رحمة الله عليه، ولم يرقد طوال ليله، وهكذا كان السلف يشغلهم العلم حتى ينسيهم أنفسهم رحمة الله عليهم. وقال فضيل بن غزوان: كنا نجلس أنا والمغيرة، -وعدد أناساً- نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. يجلسون بعد العشاء يتذاكرون الفقه والعلم، فربما لا يقومون من مجلسهم حتى يؤذن، أو يسمعون نداء صلاة الفجر، فيتفرقون رحمة الله عليهم.

стр. 191

همة حبر الأمة في الطلب عن عكرمة ﵁ وأرضاه، قال: قال ابن عباس: [[لما قبض رسول الله ﷺ وأنا شاب قلت لشاب آخر معي من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ ، ولنتعلم منهم، فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجباً لك يا ابن عباس! أترى أن الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم]] يعني: أن العلماء موجودون، وصحابة رسول الله ﷺ كثير، أتظن يا ابن عباس أن الناس يحتاجون إليك، وأنت شاب صغير في الثالثة عشرة من عمرك؟ وهذه في الحقيقة كلمة فيها تثبيط، وكثيراً ما نسمعها من طلبة العلم اليوم، فنجد بعض طلبة العلم لا يجتهد في الطلب، ولا يترك أحداً يجتهد، ولا يعين مجتهداً، بل يكون همه التثبيط، فإذا رأى طالب علم شمر عن ساعد الجد واجتهد في طلبه للعلم لينال فيه القدح المعلا، تجده يفتنه فيه في الغالب حتى يصرفه عن حلقات العلم، وحتى يصرفه عن تحصيل العلم، فلا هو بالذي حصَّل بنفسه ولا هو الذي حث غيره، وهذا لم يكف المسلمين من شره ولم يجتهد هو في الخير، وهذه من شر الخصال، والواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يطلب العلم بنفسه ويحث غيره، فإن عجز فلا أقل من أن يطلب العلم، فإن عجز فلا أقل من أن يكف الناس من شره، ولا يثبط طالب علم مشمر عن ساعد الجد سالك السبيل. والعبرة في قصة ابن عباس أنه لم ينثنِ، ولم ينفتل، ولم يتراجع عن عزيمته القوية على طلب العلم، ولم يصغ إلى كلام هذا الشاب الأنصاري الذي أراد أن يصرفه عن ذلك، ويقول له: اقعد، فالعلماء كثير وأبو بكر موجود وعمر وعثمان وعلي، والعلماء كثر، ولن يحتاج الناس إليك، لم يسمع لكلامه، بل شمر ابن عباس عن ساعد الجد وطلب العلم. يقول ابن عباس: [[فترك ذاك -يعني: ترك العلم- وأقبلت أنا على المسألة -يعني: أقبل يسأل العلماء من الصحابة من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من علماء الصحابة؛ يجمع منهم ويروي عنهم أحاديث رسول الله ﷺ قال: فإن كنت لآتي الرجل في الحديث الواحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ ]]. في أيامهم ﵃ لم يكن العلم ميسراً كما هو الآن، فتجد الواحد منا يمسك صحيح البخاري ويجد فيه خمسة آلاف حديث، وصحيح مسلم، وغيرها من كتب الحديث، كلها موجودة بين أيدينا في ورق، في مكان صغير يجتمع عشرات الألوف من أحاديث رسول الله ﷺ يصل إليها الإنسان بكل سهولة، أما الصحابة فلم تكن عندهم كتب، ولم تكتب أحاديث رسول الله ﷺ ، إنما الذي كتب القرآن الكريم فقط، فكان الواحد منهم يسمع أن فلان بن فلان من الصحابة عنده حديث، فيسافر إليه سفراً طويلاً من أجل أن يأخذ عنه هذا الحديث، يقول ابن عباس: [[فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فأجده قائلاً -يعني: نائماً وقت القيلولة في منتصف النهار- فأتوسد ردائي على بابه -فلا يطرق عليه بابه في وقت من أوقات العورات التي قال الله فيها: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] قال: فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، فأجده قد قال: فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح على وجهي التراب]] ﵁ وأرضاه، وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، ينام ويتوسد رداءه على بيت عالم من علماء الصحابة من أجل ألا يطرق عليه الباب فيزعجه ويوقظه من نومه، بل ينتظره عند بابه ويتوسد رداءه، فتأتي الريح فتسفي عليه التراب وهو ينتظر أن يخرج الرجل من بيته حتى يسأله عن حديث واحد ﵁ وأرضاه. ولذلك كان ابن عباس كما قال رسول الله ﷺ : ﴿اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل﴾ كان عالماً جليلاً من علماء الصحابة ﵃، بل هو من أكابر العلماء في الفقه والتفسير، وفي فهم كتاب الله، وتعلمون قصته التي رد بها على الخوارج، وكانوا ثمانية آلاف، أو عشرة آلاف كما نقل في السير والأخبار، فناقشهم ابن عباس في العلم فرجع منهم أربعة آلاف هداهم الله بسبب علم ابن عباس واطلاعه. فقد جاءهم وعليه ثوب غالي الثمن، ثوب جميل لبسه ابن عباس لما ذهب ليناظرهم، فقالوا: تلبس هذا الثوب بهذا الثمن الغالي وبهذا الثمن الباهظ، فرد عليهم ابن عباس بكتاب الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] فأفحمهم بكتاب الله. ثم إنه ناظرهم في مسألة الحكم لما قالوا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٧] وعلي حكم الرجال، فقال لهم ابن عباس: لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون عن قولكم؟ لأن الخوارج يحتجون بأن علياً حكم الرجال، يعني: حكم أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، مع أن الله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٧] ويقول: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] فالحكم له وحده وعلي حكَّم الرجال هكذا كانوا يقولون. فقال: أرأيتكم لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون؟ قالوا: نعم، فذكر لهم قول الله : ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] وقال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] قال: ألم تروا أن الله نصب حكاماً من الخلق في مسائل في طير يقتل بالحرم، قالوا: بلى. فالشاهد: أنه ناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وهداهم الله على يدي ابن عباس ذلك العالم الرباني الذي طلب العلم، وبذل جهده الواسع في سبيل تحصيله حتى كان إماماً في الدين، وهدى الله على يديه هذه الأمة الكبيرة، ويناله أجرهم بإذن الله، لأن الرسول ﷺ يقول: من دل على هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً﴾ ويقول: ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم﴾ ويقول: ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ من الدنيا وما فيها﴾ ويقول ابن عباس: [[فكانت الريح تسفي التراب على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج، قال: يا بن عم رسول الله ﷺ ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك -الصحابي يقول لـ ابن عباس: لو أرسلت إليَّ حتى آتيك أنا بدل أن تأتي إلى بيتي وتتوسد ردائك وتسفي الريح التراب على وجهك- فيقول ابن عباس: لا، أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ ، فأحببت أن أسمعه منك]]. وهذه الواقعة تعددت وحصلت عدة مرات من ابن عباس ﵄، يقول ابن عباس: [[فكان الرجل -يعني: الشاب الأنصاري الذي اقترح عليه أن يجتهد في طلب العلم في أول أيام شبابهما- بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله ﷺ يعني: العلماء الكبار من الصحابة- واجتمع الناس حولي يسألونني عن العلم، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني]] أي: الصحابي الشاب الذي اقترح على ابن عباس أن يجمع العلم من الصحابة فرفض، ورأى ابن عباس بعد سنين طويلة أكثر من عشرين أو ثلاثين أو أكثر من ذلك من السنين رآه وقد مات علماء الصحابة الكبار وبقي ابن عباس، والتف الناس حوله يسألونه عن العلم، فرآه ذلك الشاب الذي كان شاباً، فيقول: كان هذا الفتى أعقل مني. قال الحاكم عقب هذا الخبر: هذا الحديث أصلٌ في طلب الحديث وتوقير المحدث. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري بسنده عن ابن عباس قال: [[وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم-أقيل: أقضي وقت القائلة -ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأُذن لي، يعني: وأنا أعلم أني لو طرقت الباب، لأذنوا لي وفتحوا الباب، لكني ما كنت أفعل ذلك حتى لا أزعجه، وحتى لا يتذمر مني، وحتى يقبل عليَّ بنفس منشرحة وقد ارتاح واطمأن]] وهذا من توقير ابن عباس ﵄ للعلم وأهله، فلم يكن يسعى لإزعاج من عنده العلم، ومن عنده الفهم والأحاديث عن رسول الله ﷺ ، لم يكن يسعى لإزعاجه، بل كان يتلطف تلطفاً؛ مع أنه لو طرق عليه الباب لخرج له، يقول: ولو شئت أن يؤذن لي عليه، لأُذن لي، ولكني أبتغي بذلك طيب نفسه، يعني: لا يريد أن يعكر مزاجه ويحدثه وهو سيء المزاج وهو متعب متكدر.

стр. 192

العلماء وإنكار المنكر ومما نقل عن الصحابة ﵃، وعن السلف من العلماء الأجلاء إنكار المنكر وصدعهم بالحق، لأن هذا هو ضريبة العلم، لأن كل إنسان أعطاه الله العلم، فعليه أن يصدع به، قال الله : ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [الأحزاب:٣٩] وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]. الشاهد: أن الواجب على من علمه الله العلم، وآتاه الكتاب أن يبينه للناس، ولا يكتمه.

стр. 193

عبادة بن الصامت ينكر على مادح معاوية فمما نقل في ذلك عن السلف ما ذكره أحد السلف عن عبادة، قال: كان عبادة بن الصامت مع معاوية بن أبي سفيان ﵃ جميعاً، فأذن يوماً، فقام خطيبٌ من الخطباء يمدح معاوية ويثني عليه، وكان معاوية في ذلك الوقت هو خليفة المسلمين، فقام عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه بتراب في يده، فحثاه في فم الخطيب، فغضب معاوية ﵁ وأرضاه. فقال له عبادة: [[إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله ﷺ بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا وعلى أثرةٍ علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا رأيتم المداحين، فحثوا في أفواههم التراب﴾ فأنا أفعل ذلك طاعة لرسول الله ﷺ وإن غضبت]]. ومما نقل عن السلف في هذا الباب: عن الأوزاعي قال: حدثني أبو كثير عن أبيه، قال: أتيت أبا ذر ﵁ وأرضاه وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجلٌ، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع أبو ذر رأسه، ثم قال: أرقيب أنت عليَّ؟ لو وضعتم السماطة على هذه، وأشار بيده على قفاه، ثم ظننت أني أنفذ كلمةً سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجهزوا عليَّ لأنفذتها.

стр. 194

العمري يعظ الرشيد على الصفا ومن ذلك ما ذكر عن سعيد بن سليمان، قال: كنت في مكة في زقاق، وإذا جنبي عبد الله بن عبد العزيز العمري، وقد حج هارون الرشيد، فقال له إنسان: يا أبا عبد الرحمن! هو ذا أمير المؤمنين يسعى، وقد أخلي له المسعى، فقال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرا؛ ً كلفتني أمراً كنت عنه غنياً، يعني: ما دام أخبرتني أن أمير المؤمنين في المسعى، فقد كلفتني بأمر عظيم كنت في سعة منه، وكنت غنياً عنه، وهو أن أقوم إلى أمير المؤمنين، فآمره بالمعروف وأنهاه عن المنكر. ثم تعلق نعليه -يعني: أخذ نعليه معه- وقام، قال: فتبعته، وأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا، فصاح فيه العمري ﵀: يا هارون، فلما نظر إليه هارون. قال: لبيك يا عمي. قال: ارق الصفا، فرقي هارون الرشيد، فلما رقيه، قال له العمري: ارم بطرفك إلى الكعبة -يعني: انظر إلى الكعبة- قال: قد فعلت، قال: كم هم؟ يعني: كم الذين يطوفون حول الكعبة؟ قال هارون: ومن يحصيهم؟ قال: فكم من الناس مثلهم غيرهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلا الله. قال العمري: اعلم يا هارون الرشيد! أن كل واحد من هؤلاء يُسأل عن خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم يوم القيامة، فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون الرشيد وجلس، وجعلوا يعطونه منديلاً للدموع. قال العمري: وأخرى أقولها لك يا هارون. قال: قل يا عمي. قال: والله إن الرجل ليسرف في ماله، فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في بيت مال المسلمين. ثم مضى وهارون يبكي. فرحمة الله على هارون الرشيد، ورحمة الله على من نصحه، وبهذه القصة العطرة أختم هذه الجلسة المباركة إن شاء الله، والتي طفنا فيها في بعض أخبار العلماء وآثارهم وملحهم رحمة الله عليهم. وفي الختام أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا جميعاً من العلماء الربانيين الذين يعملون بالكتاب ويدرِّسون كما قال الله جل وعلا: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [الأحزاب:٣٩]. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وقلباً خاشعاَ ولساناً ذاكراً، ربنا زدنا علماً، ربنا زدنا علماً، ربنا زدنا وقاراً، ربنا زدنا هدى، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 195

مواقف من الصدق إن البلايا والمحن محك يكشف عما في القلوب، ويظهر مكنونات الصدور، فينتفي بالابتلاء الزيف والرياء، وقصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك تكشف صدقهم وإخلاصهم، فقد صدقوا مع رسول الله ﷺ فكان جزاؤهم نزول قرآن كريم يجلي قصتهم يتلوها المؤمنون إلى قيام الساعة، لقد صبروا على مقاطعة النبي ﷺ والصحابة لهم، فلم ينتكسوا ولم يرتدوا، بل صبروا ففازوا.

стр. 196

قصة الثلاثة الذين خلِّفوا الحمد لله العزيز الغفار، مقلب القلوب والأبصار، أحمده سبحانه وأشكره، ومن مساوئ عملي أستغفره، نعمه تترى، وفضله مدرار. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رفع الأغلال والآصار، وكشف -بإذن ربه- الغشاوة عن البصائر والأبصار، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه المصطفَيْن الأخيار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار. أما بعد: يقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِه وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١]. عباد الله: إن البلايا والمِحَن محكٌّ يكشف عما في القلوب، ويُظهر مكنونات الصدور، ينتفي بالابتلاء الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة والصدق معه بجلاء. إنها تطهير ليس معه زيف ولا دَخَل، وتصحيح لا يبقى فيه غبَش ولا خلل. إنها تفتح في القلوب منافذَ ما كان ليعلمها المؤمن من نفسه إلا حين تتعرض للابتلاء، وعند الابتلاء يتميز الغبش من الصفاء، والهلع من الصبر، والصدق من الكذب، والثقة من القنوط. إن الابتلاء محكٌّ لا يخطئ، وميزان لا يظلم، والرخاء في ذلك كالشدة، والمؤمن الصادق ثابت في السراء والضراء. قد يظن الإنسان في نفسه قبل البلاء القدرة والتجرد والنزاهة؛ فإذا نزل البلاء، ووقعت الواقعة تبيَّن من بكى ممن تباكى، وأدرك المرء أنه بحاجة إلى تمحيص ومراجعة، ومن الخير له أن يعتبر ويتَّعِظ، ويستدرك قبل أن يكون عبرة، ويقع ضحية: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٥]. بالابتلاء تستيقظ النفوس، وترقُّ القلوب بعد طول غفلة؛ فيتوجَّهُ العبد لربه، ويتضرع إليه، ويطلب رحمته وعفْوَه، ويُعلن تمام العبودية له وحده، والتسليم الكامل لله رب العالمين لا سواه، وكفى بالتضرُّع دليلاً على الرجوع إلى الله ولجوءاً إليه وأملاً في الفرج من عنده، وحِرْزاً واقياً من الغفلة. فلا يُرجَى في الشدائد إلا الله، ولا يُقصَد في المُلمِّات سواه، لا ملاذ إلا بجانبه، ولا تُطلَب الحوائج إلا من بابه؛ المَفْزَع إليه، لا سند إلا سنده، ولا حول ولا قوة إلا به، لا ملجأ منه إلا إليه، ما شاء كان، وما لم يَشَأْ لم يكن، هو المتصرف في الملك، لا معقِّب لحكمه، لا إله إلا هو. ومن تصفَّح الكتب وجد فيها من الابتلاءات وصدق الصادقين خبراً، ووجد من تدليس المنافقين والمُلْتَوِين في السِيَر عِبَراً. اقرءوا التاريخ إذ فيه العِبَر ضلَّ قوم ليس يدرون الخبر عباد الله: ما أجمل الحديث عن القِيَم! وما أعظم الكلام عن المُثُل! وأروع من ذلك أن ترى المُثُل رجالاً، والأخلاق فعالاً. ألا فلنقف معكم دقائق موقف صدق من مواقف الصحب البرَرَة. إن قلم الكاتب ولسان الخطيب -مهما أوتيَ من براعة وبلاغة- عاجزان عن وصف تلك الحادثة، عن وصفها في مِحنتها وابتلاءاتها، عن وصفها في صدق رجالها وإيمان أصحابها. فيها ابتلاء بهجر الأقربين، وبلاء بتزلُّف المناوئين والكافرين. قصة كلها عِبَر وعَبَرات، وفكر ونظرات، ودموع حرَّاء وحسرات. قصة تحكي مواقف الصدق والصبر في صحب محمد ﷺ الذين هم مثال المتانة في البناء، وأنموذج الصدق في اللهجة، والإخلاص في الطاعة، والقدوة في الصبر على البلاء، والشكر على السراء. إنها قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، يوم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم. فلا إله إلا الله! من آيات وأحداث تذرف منها الدموع، وتخشع لها القلوب. هاهو الإمام أحمد شيخ أهل السنة، وإمام هذه الأمة، كان لا يبكيه شيء من القرآن كما تبكيه هذه الآيات. وحديث كعب في تفصيل أخبارها وأحداثها مُبكٍ مُحزِن مُوجِد لمن كان له قلب. هاهو ﷺ يستنفر المسلمين لملاقاة الروم يوم بلغه إعدادهم للعدوان على أهل الإسلام، يوم أحسُّوا بعلوِّ شأن الإسلام في الجزيرة منبثقاً من بين جبالها، منطلقاً من صحاريها. يوم فُتِحَت مكة فأخذت الأفواج تِلْوَ الأفواج تدخل في دين الله، فتحرك الروم بعسكرهم وفكرهم ودسائسهم، وعندها استنفر ﷺ أصحابه؛ فكان التهيؤ في أيام قائظة، وظروف قاسية، وجهد مضنٍ، ونفقات باهظة؛ إنه جيش العسرة، وإنها لغزوة العسرة. وما أدراكم ما ذاك الجيش، وما تلك الغزوة! وصْفُها في كتاب الله استغرق آيات طوالاً، استغرق في أنباء الطائعين والمثبِّطين، والمخلصين والقاعدين. يجيء فيها المُعذِّرون ليؤذَن لهم، ويتولى البكاءون بفيض دموعهم حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون.

стр. 197

تخلف كعب عن غزوة تبوك ألا فاسمعوا -رحمكم الله- إلى وصفٍ صادقٍ لقصة الخطيئة والتوبة من كعب. اسمعوا لوصفٍ صادقٍ لقصة الخطيئة من كعب أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا -رضوان الله عليهم وعلى الصحابة أجمعين-: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]. والقصة في الصحيحين مثبتة، وراويها كعب بنفسه؛ فها هو كعب يقول: ﴿وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن -قط- أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله! ما جمعت قبلها راحلتيْن -قط- حتى جمعتهما في تلك الغزاة، ولم يكن ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، واستقبل عدداً كثيراً، فجلى عندها للمسلمين أمرهم؛ ليتأهبوا أُهبة غزوهم، أخبرهم بوجهتهم التي يريد، والمسلمون يومها مع رسول الله كثير، فقلما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله. غزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة يوم طابت الثمار، ويوم طاب الظلال. فها هو يتجهز والمسلمون معه. يقول كعب: وطفقت أغدو لكي أتجهَّز معه، فأرجع، ولم أقضِ شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرع الجيش، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل، فأُدركُهم فيا ليتني فعلت﴾. ويأخذ ذلك من كعب مأخذه، ويبلغ الحزن مبلغه، وتبلغ المحاسبة مبلغها. لسان حاله يقول: ندمت ندامة لو أن نفسي تُطاوِعني إذاً لقطعت خمسي ولسان مقاله يقول: ﴿فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ أحزنني وآلَمني ألا أرى أسوة لي إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذره الله من الضعفاء والذين لا يجدون ما ينفقون، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال -وهو جالس بين صحبه-: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة -من عشيرة كعب -: يا رسول الله! حبسه برداه، ونظرُه في عِطفيْه، ويذبُّ عن عرضه معاذ ﵁ فيقول: بئس ما قلت، والله يا رسول الله! ما علمنا عنه إلا خيراً؛ فسكت ﷺ . يقول كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً من تبوك، حضرني بثِّي وحزني وغمي وهمي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بِمَ أخرج من سخط رسول الله ﷺ عليَّ غداً؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي؛ فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً راح عني الباطل وانزاح، حتى عرفت أني لن أنجوَ منه بشيء إلا بالصدق، فأجمعت صدقه ﷺ ، وجاء المُخلَّفون بأعذارهم، فقبل منهم ﷺ ظاهرهم، ووكَل سرائرهم إلى من لا تخفى عليه خافية﴾.

стр. 198

سبب تخلف كعب عن غزوة تبوك يقول كعب: ﴿فجئت وسلمت على رسول الله ﷺ ؛ فتبسم تبسُّم المغضب، ثم قال: تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلَّفك يا كعب؟ ألم تكن قد ابتعت ظهراً؟ -أي اشتريت مركوباً- قال: قلت: يا رسول الله! والله! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أُعْطيتُ -والله- جدلاً، لكني -والله- قد علمت لَئِنَّ حدثتك -اليوم- حديث كذب ترضى به عني ليوشكنَّ الله أن يُسخطَك عليَّ، وإن حدثتك حديث صدق تَجِد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله ، والله! ما كان لي من عذر، والله! ما كنت -قط- أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك، فقال ﷺ : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك﴾. فلا إله إلا الله! صِدْقٌ ووضوحٌ وصراحةٌ، وهكذا كان صحب محمد ﷺ ، وهكذا يجب أن يكون المؤمنون: والمؤمنون على عناية ربهم يتوكلون لا خوف يرهبهم ولا هم في الحوادث ييئسون عندها جاء إليه رجال من بني قومه يريدون منه الاعتذار كما اعتذر المخلفون. يقول كعب: ﴿فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع، فأُكذِّب نفسي عند رسول الله ﷺ حتى علمت بخبر الرجليْن الصالحيْن من أهل بدر، واللذيْن صدقَا، فقلت: لي فيهما أسوة وهما هلال الواقفي، ومرارة بن الربيع﴾.

стр. 199

مقاطعة الصحابة للذين خلفوا وأُعلِنَت المقاطعة؛ بل أُعلِنت التربية المحمدية؛ وأعلن الهجر والتأديب من مربي البشرية ﷺ . يقول كعب: ﴿فنهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثةَ من بين كل من تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض؛ فما هي بالأرض التي أعرف، لبثنا على ذلك خمسين ليلة، أما صاحبايَ فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان. وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف الأسواق -فلا والله ما يكلمني أحد- وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فلا والله لا أدري هل حرَّكَ شفتيْه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه ﷺ وأسارقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا الْتفتُّ نحوه أعرض عني﴾. طالت على كعب الجفوة، وعظم الابتلاء، وضاقت عليه المسالك، فقصد ابن عم له اسمه أبو قتادة في بستان له، يقول: ﴿وتسوَّرْت جدار حائط أبي قتادة -وهو من أحب الناس إليَّ- فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام. قال: قلت: يا أبا قتادة أنشدُك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، قال: فكررت المناشدة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فقال: الله ورسوله أعلم. عندها فاضت عيناي، وولَّيت حتى تسورْتُ الجدار، وجعلت أهيم على وجهي حتى دخلت السوق. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذ بنبطي من أنباط أهل الشام يسأل أهل السوق: من يدل على كعب؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني فدفع إليَّ كتاباً من مَلِك غسَّان؛ فإذا فيه: قد بلغني أن صاحبك قد جَفَاك، ولم يجعلك الله بدار هوان؛ فَالْحَقْ بنا نُواسِك. قال: فلما قرأتُها قلت: هذا أيضاً والله من البلاء والامتحان والاختبار، فقصدت التَّنور، فأوقدته بها﴾. يا أيها المسلمون: هذا هو ديدن أعداء الله في الغابر والحاضر، يتحسسون الأنباء ويترصدون المداخل، وكم من أقدام في مثل هذا زلَّت، وكم من أرجل في مثل هذه الأوحال قد انزلقت. أما كعب فَيَمَّمَ بها التنور، فأوقده بها. ولا يزال البلاء به ﵁ حتى جاءه رسول من عند رسول الله ﷺ يأمره باعتزال امرأته. يقول كعب: ﴿فقلت: أُطلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها فلا تقربها. فقلت لها: الْحقي بأَهلِك حتى يقضي الله في هذا الأمر﴾.

стр. 200

نزول التوبة على الثلاثة الذين خلفوا وبعد خمسين ليلة من الهجر والمقاطعة يقول كعب: ﴿بينا أنا أجلس على الحالة التي ذكر الله تعالى في كتابه قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رَحُبَتْ حتى لا أجد من يُكلمني، بل ولا من يردُّ عليَّ السلام، قد صليت صلاة الفجر، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، وإذا بي أسمع صوت صارخ بأعلى صوته على جبل سِلْع: يا كعب بن مالك! أبشر. يا كعب بن مالك! أبشر. قال: فوالله ما ملكت إلا أن أخرَّ ساجداً باكياً شكراً لله تعالى، وقلت: قد جاء فرج﴾. فَلرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المَخْرَجُ ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجَت وكنت أظنُّها لا تُفرج وتتنزل التوبة على كعب وعلى صاحبيْه، وتأتي البشرى، وأيُّ بشرى يا عباد الله؟ بشرى بحسن العقبى، بشرى بالعودة إلى صفِّ المسلمين، بشرى يركض بها الفارس، ويهتف بها الراكب، على مثلها تكون التهاني، ولمثلها تكون الأوسمة والجوائز. يقول كعب: ﴿فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبَيَّ فكَسَوْتُهما إياه لبشراه لي، والله ما أملك غير هذيْن الثوبيْن، فاستعرت ثوبيْن ولبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك. قال كعب: فدخلت المسجد وإذا رسول الله ﷺ جالس، وحوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، والله! ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، والله! ما أنساها لـ طلحة بن عبيد الله. قال: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور، كأنه فلقة قمر: أبشرْ يا كعب، أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك. فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله ، ثم تلا قول الله: ﴿لَقَد تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ منْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٧ - ١١٨]﴾. وفاز الصادقون بصدقهم، وحبط عمل الكاذبين، واللهُ لا يهدي القوم الفاسقين. يا أمة الإسلام: هؤلاء هم رجال الصدق، رجال محمد ﷺ ، رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، خُرِّجُوا من مدرسة النبوَّة، صِدْق في الحديث، وصدق في المواقف، وصٌبر عند اللقاء، واعتراف بالخطيئة، قبول في حال الرضا والغضب من غير تنميق عبارات من أجل تلفيق اعتذارات؛ فهل عقمت النساء أن يلدْن في هذا العصر آلافاً من مثل أولئك الصادقين؟ لا. لم تعقُم النساء، لكن الشباب والشيب والنساء في حاجة إلى تربية إسلامية تغرس في نفوسهم الصدق والإخلاص، وتُبعد عنهم النفاق والرياء والالْتواء، وتقول لهم بكل عزة: قد اختارنا الله في دعوته وإنا سنمضي على سنته فمنَّا الذين قضوا نحبهم ومنا الحفيظ على ذمته. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح اللهم أخرج من أصلاب هذه الأمة رجالاً صادقين مخلصين يقولون الحق وبه يعدلون. اللهم انصر من نصر الدين، واجعلنا من أنصاره. اللهم أقِم دولة الإسلام في كل مكان، وارزقنا اللهم فيها العزة والقوة والمنعة تحت لا إله إلا الله محمد رسول الله. اللهم انصر دينك وكتابك وأولياءك، إنك سميع مجيب الدعوات. أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 201

ربح كعب وأصحابه وخسارة الكاذبين الحمد لله؛ وعد بحسن العاقبة للصادقين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. واعلموا أن الصدق من أكرم الصفات الإنسانية، وأعظم الفضائل الخلقية؛ فهو أهم الأسس في بناء الأمة وسعادة المجتمع؛ إذ به يرتبط كل شأن من شئون الحياة، وتتعلق به كل مصلحة من مصالح الناس، ولذلك أمر الله به، وجعله خُلُقاً لحَمَلَة وحْيِه ومبلِّغي رسالاته؛ فكان النبي ﷺ قدوة حسنة ومثلاً أعلى للصدق في القول والعمل منذ نشأته حتى لحق بربه ﷺ ، وكذلك كان الأنبياء والمرسلون. وما عاش المجتمع الإسلامي الأول في ظل الأمن والاستقرار والسعادة إلا لأن أفراده كانوا يتحرَّوْن الحقَّ، ويتصفون بالصدق في علاقاتهم وعباداتهم ومعاملاتهم؛ بل في كل حياتهم الخاصة والعامة، والمؤمنون كذلك صُدُق في كل زمان ومكان. ولنرجع معك أخي المسلم إلى قصة كعب؛ فلم تنتهِ بعدُ، لم تقف القصة عند البشارة بالتوبة والتهنئة بالقبول، إنما جلس كعب بين يدَيْ رسول الله ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال ﵊: أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك، ثم قال: يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدِّث إلا صدقاً ما حييت، فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمَّدْتُ كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة -قط- بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أخشى أن أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا﴾. إن الله قال للذين كذبوا شرَّ ما قاله لأحد يوم قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥ - ٩٦]. فيا عبد الله: الصدق فضيلة وطمأنينة بل صفة من صفات المؤمنين؛ فلتكن متعلقاً به، وليكن قدوتك كعباً وصحبه -رضوان الله عليهم- فليس بينك وبينهم حاجب يحجبك عن التشبُّهِ بهم، اقتدِ بهم تكن بعضهم. إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك فليس على الصدق والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك ليكن قدوتَك الإمام ابن شهاب الزهري يوم يقول: [[والله! لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت]]. ألا عباد الله: تحرَّوْا الصدق، وإن رأيتم الهلكة فيه؛ فإن النجاة فيه، وتجنبوا الكذب، وإن رأيتم النجاة فيه؛ فإن الهلكة فيه، ألا واتقوا الله، وكونوا مع الصادقين، وتوبوا إلى ربكم واصدقوا، وقولوا قولاً سديداً تفوزوا فوزاً عظيماً؛ فالصدق أبلج، والكذب لجلج. والكذب ساعة، والصدق إلى قيام الساعة. والحق يعلو والأباطل تسفل والحق عن أحكامه لا يُسألُ وإذا استحالت حالة وتبدلت فالله لا يتبدلُ ألا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد فقد أمرتم بالصلاة عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى أهله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وانصر عبادك الموحدين. اللهم أصلح من بصلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين. رباه! إن حالنا لا يخفى عليك، وذلنا ظاهر بين يديك، والمسلمون عبيدك وبنو عبيدك، وحملة كتابك وأتباع رسولك وحبيبك؛ قد تمزق شملهم، وتفرق جمعهم، وذهبت هيبتهم، ونال منهم عدوهم، وطمع فيهم الأذلاء، وسلط عليهم بذنوبهم من لا يخافك ولا يرحمهم. اللهم فالطف بهم بلطفك الخفي والجلي، اللهم الطف بهم بلطفك الخفي والجلي، اللهم لا تعاملهم بما فعل السفهاء والكبراء منهم يا رحيم يا منان. اللهم ارحم أمة محمد ﷺ رحمة عامة شاملة يعز فيها أولياؤك، وينصر جندك، ويذل فيها أعداؤك وأعداء دينك وشريعتك وكتابك العظيم. اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الطيب الطاهر المبارك الأحب إليك الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت وإذا استرحمت به رحمت نسألك فرجاً عاجلاً للمضطهدين والمستضعفين من المسلمين، وهلاكاً للطغاة والظلمة المجرمين، تباركت أسماؤك وتقدست صفاتك ولا إله غيرك. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا على من بغى علينا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا. اللهم احفظ شباب هذه الأمة الذي آمن بك رباً وبنبيك قائداً وبدينك منهاجاً وطريقاً. اللهم احفظهم من كيد الكائدين وحقد الحاقدين من أعداء دينك وصراطك المستقيم. اللهم ثبتهم على الحق، وانصر بهم دينك، واجعلنا وهم من الصادقين والصابرين والمجاهدين في سبيلك يا أرحم الراحمين! اللهم وأقم دولة القرآن في كل مكان، وأحينا بها سعداء كرماء أو أمتنا دونها شهداء، واجعلنا من أهل الصلاح والفلاح والنجاح يا سميع الدعاء. اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، اللهم وأهلك الكفرة الفجرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك وعبادك الصالحين. اللهم أنزل عليهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم يا قريباً لمن دعاك! يا مغيثاً لمن لاذ بحماك! يا معيذاً من استعاذ بك، نسألك أن تعيذنا من النار ومن دار الخزي والبوار. اللهم حقق رجاءنا، واقبل دعاءنا فإنك أنت القائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، وأنت الرحيم الرحمن الحليم المنان يا ذا الجلال والإكرام! اللهم فلا تردنا خائبين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 202

هلموا إلى القرآن القرآن إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه. القرآن سبب لكل خير في هذه الأمة، وتركه والابتعاد عنه سبب لكل عقوبة تقع في هذه الأمة. والرسول ﷺ قد بين لنا فضله، وكان يسمعه من غيره، وإذا سمع آيات من كلام الله دمعت عيناه. القرآن في عهد الصحابة جعلوه في صدورهم، فرفعوا، وتركه غيرهم فوضغوا.

стр. 203

القرآن معجزة الرسول ﷺ الخالدة الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: ﴿الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة﴾ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان عباد الله: وأنتم تعيشون شهر القرآن اتقوا الله، واعلموا أن لكل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام معجزة اِختُصَّ بها بين الرسل؛ ليصدقه قومه وليعلن التوحيد فيهم بالبراهين. فكان لموسى ﵇ معجزة العصا، يوم خرج في قومٍ بلغوا في السحر ذروته ومنتهاه، فأتت عصاه تلقف ما صنعوا: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١١٨]. وبلغ قوم عيسى مبلغاً عظيماً في الطب، فأتى إليهم عيسى بطب من الواحد الأحد، يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فوقع الحق واندحر الباطل. وأما رسولنا ﷺ فبعث في أمةٍ فصيحة في لغتها، مجيدة في بيانها، خطيبها أخطب الخطباء، وشاعرها أرقى الشعراء، فأتى إليهم ﷺ بالقرآن، سمعوه فدهشوا من بيانه، وبهتوا من بلاغته وفصاحته، فما استطاعوا أن ينكروا ذلك رغم جحودهم، حتى يقول كبيرهم الوليد بن المغيرة - وقد سمع القرآن فدهش:- واللات والعزى، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يُعلى عليه. لا إله إلا الله! الحق يعلو والأباطل تسفل والحق عن أحكامه لا يُسأل وإذا استحالت حالة وتبدلت فالله لا يتبدل ما زال به قومه -بـ الوليد - حتى رجع عن مقالته، وكذب نفسه فيما قاله عن القرآن، فقال منتكساً كما حكى الله عنه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤] ويتولى الله الرد عليه ويعنفه ويتهدده: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٦ - ٢٨]. ويأتي الرسول ﷺ لِيُرَبِّي هذه الأمة على هذا الكتاب العظيم الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] فتربت الأمة وتهذبت. وأصبح عابد والأصنام قُدماً حماة البيت والركن اليماني تربت على كتاب ما قرأه قارئ إلا آجره الله، وما تدبره متدبر إلا وفقه الله. كتابٌ مَن حكم به عدل، ومن استمع إليه استفاد، ومَن اتعظ بمواعظه انتفع. كتاب من قرأه علَّمه الله علم الأولين والآخرين. كتاب من استنار بنوره دخل الجنة، ومن تقفاه وجعله خلف ظهره قذفه على وجهه في النار. كتاب من تدبره أخرج النفاق والشك والريبة من قلبه، هو شفاء لما في الصدور، مَن التمس الهداية فيه هداه الله وسدده، ومن التمس الهدى من غيره أضله الله وأهانه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " من اعتقد أنه سيهتدي بهدى غير هدى الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ويقول جل ذكره: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] والمعنى: ما بهم لا يتدبرون ما فيه من العظات؟ ما بهم لا يعيشون مع الآيات البينات؟ و الجواب رانَ على قلوبهم؛ فأقفلت فلا تسمع، وأوصدت فلا تنتفع، ولو أنها تدَّبرت لفهمت كلام ربها فاهتدت بهدي باريها. ويقول تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] والاختلاف الكثير تجده في الكتب غير كتاب الله ، أما كتابه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] من قرأه بارك الله في عمره، وبارك في ولده، وبارك في ماله، ومن أعرض عنه محق الله عمره، وأزال هيبته، وأفنى كابره وصاغره، وجعل معيشته ضنكاً، وحشر يوم القيامة أعمى.

стр. 204

حث النبي ﷺ على قراءة القرآن كان ﵊ ينادي الناس -جميعاً- لقراءة القرآن، والتلذذ بتلاوته وألا يهجروه، فيقول ﷺ : ﴿اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ يأتيك القرآن يوم القيامة فيشفع لك عند من أنزله، وعند من تكلم به في يوم لا بيعٌ فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ، فيدخلك الجنة بإذن الله تعالى. ويقول ﷺ : ﴿يؤتى بالقرآن وبأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة﴾ متفق عليه. ويقول النبي ﷺ : ﴿اقرءا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فأنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما فِرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما﴾ ﴿اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة﴾ يعني السحرة. رواه مسلم ﴿إن في سورة البقرة آية الكرسي مَن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظاً ولا يقربه شيطان حتى يصبح﴾ ويقول ﷺ وهو يفاضل بين الناس: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾. علامة الصدق والإيمان: كثرة قراءة القرآن، وعلامة القبول: تدبر القرآن، ولذلك يقول ﷺ : ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾ قال عمر بن الخطاب ﵁ لأحد ولاته على مكة وقد ترك مكة ولقيه في الطريق: كيف تركت مكة وأتيتني؟! قال: وليت عليها فلاناً يا أمير المؤمنين! قال: ومن هو ذا؟ قال: مولى لنا، وعبد من عبيدنا، قال عمر: ثكلتك أمك تولي على مكة مولى! قال: يا أمير المؤمنين! إنه حافظ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فدمعت عينا عمر وقال: صدق رسول الله: ﴿إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾. يرفع الله به من اتبعوه وتدبروه، ويضع به من أعرضوا عنه فلم يقرءوه ولم يتدبروه ولم يعملوا به، والعجيب! أن تسمع من بعض هذه الأمة من يقول لأخيه وهو يحاوره: والله ما قرأت القرآن ستة أشهر! لا إله إلا الله! أي قلب يعيش وهو لم يمر على كتاب الله ستة أشهر، وهو يمر بالصحف اليومية والمجلات والقيل والقال والخزعبلات وآراء الماجنين والماجنات: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٤ - ٦].

стр. 205

هجر القرآن يقول الله على لسان رسوله ﷺ : ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠]. يقول ابن عباس رضى الله عنه وأرضاه: [[مَن لم يختم القرآن في شهر فقد هجره]] وهَجْرِ القرآن على أضرب: مِن الناس مَن يهجر العمل به، وتلك -والله- هي الطامة، ومنهم من يهجر تلاوته؛ فيقدم صحف ومؤلفات البشر على كلام رب البشر، يسهر على المذكرات يُعللها ويلخص فوائدها وليس بها فوائد، لكنَّ كتاب الله يشكوه إلى الله، كتاب الله يشكونا، هجرناه وأهملناه وضيعناه وخالفنا أوامره ونواهيه، قرآننا صار يشكو ما قرأناه: عميٌ عن الذكر والآيات تندبنا لو كلم الذكر جلموداً لأحياه يقول ﷺ يستثير الهمم لتطلب الأجر والثواب من عند باريها: ﴿اتلوا القرآن! فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف﴾ فعُد -يا عبد الله- واقرأ واحتسب الأجر عند الله؛ فإنك تأتي يوم القيامة وقد نصب لك في الجنة سلماً بدرجات، يقول الله لك بلا ترجمان: ﴿اقرأ وارق ورتل؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها﴾ فمن كان يقرأ في القرآن كثيراً رقى حتى يصبح كالكوكب الدُّري في سماء الجنة، ثم هم على منازل: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٦٣]. عباد الله: من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يُوحى إليه، لا حسد في الدنيا ولا في مناصبها ولا في أموالها، لا حسد إلا في تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، بيتٌ لا يقرأ فيه القرآن عششت فيه الهموم والغموم والنفاق، بيتٌ سكنته المعاصي والله لا يخرجها إلا القرآن، وليس كل المؤمنين يجب عليهم قراءة كل القرآن كاملاً، فمنهم من لا يقرأ القرآن وهو تقي عابد بار صالح خير؛ لأنه لا يقرأ أصلاً، فواجب مثل هؤلاء الذين فاتتهم القراءة أن يرددوا ما تيسر من سورٍ يحفظونها، وأن يسبحوا الله، ويحمدوا الله، ويهللوا ويكبروا ويصلوا على رسول الله ﷺ ، ويتعلموا القرآن، وإن شق عليهم فإن لهم أجرين عند الله، وقد كان ﷺ يعيش مع القرآن بل كتابه الذي تربَّى عليه القرآن. ولم يكن عند الصحابة مؤلفات ولا صحف ولا مجلات، معهم القرآن مُعلَّق في طرف البيت والسيف معلق في الطرف الأخر، كانوا يمشون على الأرض وكل واحد منهم قرآن، فتحوا الدنيا بآيات الله البينات، وهذه معجزة رسولنا ﷺ أن يأتي بكتاب فيتوارث منه العلماء مجلدات ومجلدات تملأ البيوت والمكتبات في كل الدهور والعصور. أتى النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بعظيمٍ غير مُنْصَرِمِ آياته كلما طال المدى جُددُ يَزِيِنُهُنَّ جلالِ العِتْقِ والقِدَمِ فيا أمة القرآن! ويا حفظة كتاب الله! من يقرأ القرآن إن لم تقرءوه؟ مَن يتدبره إن لم تتدبروه؟ من يعمل به إن لم تعملوا به؟ أما سمعتم أساطين الكفر في كل مكان بدءوا -الآن- في الدخول في دين الله زرافات ووحداناً، بعد أن قال القرآن فيهم: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] في وقت يخرج منه أبناء هذا الدين. الموازين عطلت وغدا القرد ليثاً وأفلتت الغنم

стр. 206

حال السلف مع القرآن عباد الله: إن النبي ﷺ قد كان يحب سماع القرآن، كيف لا وهو كلام الله ؟

стр. 207

حال الرسول ﷺ مع القرآن ولذلك يقول لـ ابن مسعود كما في الصحيحين: ﴿يا عبد الله! اقرأ عليّ القرآن -فيخجل عبد الله ويستحي من شيخه ﷺ فيقول ابن مسعود: كيف أقرأ القرآن عليك وعليك أنزل؟! قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فاندفعت أقرأ في سورة النساء، فلما بلغت قول الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك حسبك، فنظرت فإذا عيناه ﷺ تذرفان﴾ تأثر من كلام الله الذي يقود النفوس إلى باريها، وتذكر ذلك اليوم الذي يكون فيه شهيداً على العالمين.

стр. 208

أبو موسى وتحبيره القرآن وهاهو ﷺ يخرج بعد أن أظلم الليل يمر ببيوت الأنصار يستمع لحالهم في الليل، يوم كانت بيوتهم حية بكتاب الله، يوم لم تمت بالأغاني والتمثيليات والمسلسلات والأفلام، يوم كان ليلهم تعبداً هم فيه سجداً، يمر ببيت أبي موسى فينصت لـ أبي موسى وهو يقرأ القرآن، فلمَّا جاء اليوم الثاني قال: ﴿يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لك، لقد أُوتيت مزماراً من مزامير آل داود. فيقول: يا رسول الله! أإنك كنت تستمع لي البارحة؟ قال: إي والذي نفسي بيده﴾ وفى بعض الروايات: ﴿أنه استمع ﷺ له من صلاة العشاء حتى صلاة الفجر يقول أبو موسى: يا رسول الله! والذي نفسي بيدي لو أعلم أنك تستمع لي لَحَبَّرْتُهَ لك تَحْبِيِراً﴾ أي: جودته وحسنته تحسيناً؛ فانظروا كيف كان ﷺ يعيش مع القرآن وللقرآن، وكيف كان صحابته رضوان الله عليهم.

стр. 209

عثمان وتلاوته وتدبره للقرآن هاهو عثمان ﵁ كان ينشر المصحف من بعد الفجر إلى صلاة الظهر، يقرأ ودموعه تنهمر على كتاب الله، فيقول له الناس: لو خففت عن نفسك، قال: [[أما والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن]].

стр. 210

حال أمة الإسلام اليوم مع القرآن والذي نلاحظه -يا عباد الله- في أنفسنا وإخواننا المسلمين عامة هو قلة الاهتمام بكتاب الله، والإعراض عن كتاب الله، والاستغناء بكتب البشر، والصدود والإعراض إلا ممن رحم الله، وقلة التجويد حتى من بعض أئمة المساجد، وقلة الحفظ والتدبر، وكثرة المشاغل حتى بين طلبة العلم، لا تجد إلا القليل النادر ممن يحفظ القرآن أو يحفظ بعضه، وإذا كُلِّفَ أحدنا بحفظ شيء من القرآن استصعب ذلك حتى كأن جبال الدنيا على كاهله. ومعنى ذلك: هزيمة الإسلام والمسلمين وذهاب الإيمان، فوالله لا نصر ولا تمكين ولا عزة إلا بهذا القرآن، والله متى تركناه ونسيناه ابتلينا بكل خزيٍ وفضيحةٍ في الدنيا والآخرة. يقول أحد أعداء الإسلام: من لي بمن يخرج القرآن من صدور أبناء الإسلام؟ فيرد أحد الأشقياء ويقول: نأتي إلى المصحف فنمزقه، قال: لا. لا ينفع، نريد أن نُمزَّقه من قلوبهم وقلوب أبنائهم. ويقول عدو آخر للإسلام: ثلاث ما دامت عند المسلمين فلن تستطيعوا إخراجهم من دينهم؛ القرآن في صدورهم، والمنبر يوم الجمعة، والكعبة التي يرتادها الملايين من المسلمين، فإذا قضي على هذه قُضَي على الإسلام والمسلمين. ولذلك جاء أعداء الإسلام من اليهود وأذنابهم من شيعة وباطنيين ورافضة جاءوا إلى القرآن فهونوا من شأنه، وقالوا: إنه مختلق، بل اِدَّعُوا نقصه، فعلماؤهم لا يحفظون من كتاب الله إلا القليل، وعالمهم -أقصد عالم الرافضة - لا يعرف قراءة القرآن: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] وأتوا إلى منبر الجمعة فأرادوا تعطيله ليتحول إلى مناقشة قضايا تافهة لا تمت إلى الإيمان بصلة: (وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) [غافر:٢٥].

стр. 211

عودة عودة إلى القرآن فيا أيتها الأمة المسلمة! يا من أخرجها الله من الظلمات إلى النور! أقبلوا على بيوتكم وقلوبكم وأبنائكم، أقبلوا عليها بتغذيتها بكتاب الله، استرشدوه يرشدكم، تدبروه يعنكم بإذن الله، استهدوه يهدكم من أنزله، يغفر الله لكم ذنوبكم ما تقدم منها وما تأخر، يُحيي بيوتكم على الإيمان، يردَّكم إليه رداً جميلاً. هذا شهر القرآن، هذا شهر التلاوة، هذا شهر مضاعفة الأجور، أقرءوا فيه القرآن فإن الله يأجركم على تدَّبره وتلاوته والنظر فيه، ملأ الله بيوتكم وقلوبكم رحمة وبركة وهداية ونوراً، وملأ صدوركم إيماناً ويقيناً وخيراً وبراً، عاشروا القرآن، جالسوا القرآن؛ ليعظم في قلوبكم القرآن. اللهم أعنا على تلاوة كتابك آناء الليل وأطراف النهار، اللهم اجعلنا ممن يقرءوه فيقودهم إلى جنات النعيم، اللهم وتقَّبل منا رمضان صيامه وقيامه، وتلاوته وصدقته، وكل عمل صالح فيه إنك على كل شيء قدير. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 212

بعض آداب قراءة القرآن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: شهر رمضان هو شهر القرآن، وأنتم أمة القرآن وحملة القرآن، ينبغي أن تُعْرَفوا بليلكم إذا الناس ينامون، وبنهاركم إذا الناس يكدون ويلهون ويلعبون، وببكائكم إذا الناس يضحكون، وبورعكم إذ الناس يخلطون، وبتواضعكم إذ الناس يختالون، وبصمتكم إذ الناس يخوضون، وبحزنكم إذ الناس يفرحون، لسان حال الواحد منكم يخاطب نفسه ويقول: وَيْحُكِ يا نَفْسُ أَلاَ تَيَقَّظِي للنفع قبل أن تزل قدمي مضى الزمان في ثوانٍ وهوى فاستدركي ما قد بقي واغتنمي أُمَّة القرآن: لتلاوة القرآن آداب نقف عندها وقفات قصيرة علَّ الله أن ينفع بها. وأولها بل جماعها: الإخلاص لله، فمن قرأه رياءً أو سمعة كبه الله على وجهه في النار. ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: ﴿يؤتى بحامل القرآن رياءً فيقول الله له: ماذا عملت؟ قال: تعلَّمت فيك القرآن وعلَّمته، قال: كذبت وإنما تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ، فقد قيل ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار﴾ فلا إله إلا الله! لا يُقْرَأ القرآن إلا لوجه الله، فأخلصوا النية في قراءته تؤجروا وتثابوا وتكونوا مع السفرة الكرام البررة ويشفع لكم يوم القيامة، فيقول: يا رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفع فيه القرآن. ومن آداب التلاوة: أن يقرأ على طهارة؛ لأن ذلك من تعظيم كلام الله ، فإذا تطهر العبد فليُرتل وليتدبر القرآن، ولا يقرأه في أماكن مستقذرة، أو في جمع لا ينصت فيه له؛ لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له، والقرآن مُنَّزه عن ذلك؛ لأنه كلام الله. وليستعذ القارئ بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة، يقول : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] ولتحضر قلبك عند تلاوة القرآن، ولتعلم أن الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الإنس والجان، فامتثل أمره واجتنب نهيه. ولا ترفع صوتك إن كان حولك من يُصلي أو يتلو فتشوش عليهم، وهذا ما يقع فيه البعض وهو من علامة الجهل وعدم الفقه في الدين، يأتي أحدهم ليقرأ فيرفع صوته ليشوش على المصلي في صلاته، وعلى التالي في تلاوته، وعلى الذاكر في ذكره، وكأن ليس في المسجد سواه، أَلاَ إن كان بجانبك من يستمع منك فلا بأس أن تسمعه، وإن كان بجانبك مصلي فإياك أن ترفع صوتك لئلا تُشَوِّشْ عليه واسمع للمصطفى ﷺ يوم يخرج على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فيقول: ﴿كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض، لا يؤذي بعضكم بعضا﴾ أو كما قال ﷺ . واسمع إلى الإمام مالك ﵀ يوم يقول: أرى في من يرفع صوته ويُشوش على المصلين أن يُضْرَْب ويُخْرَج من المسجد. ومن آداب التلاوة: أن يكون للعبد المسلم حزب من القرآن فأكثر، لا يَفْتُرْ عنه يومياً لو تغير كل شيء في الكون ما تغير عن حزبه، فهو علامة الإيمان، ألا فليكن لكل واحدٍ منا في كل يوم حزب لا يتركه أبداً، لتعظم الصلة بالقرآن وبرب القرآن والإنس والجان. ومِن آدابه: أن يُعَلَّم الناس ما تعلمناه منه، وحظنا من تعليمه الأجر والمثوبة، ولنبدأ بتعليم أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأمهاتنا وآبائنا فهم رعايانا، ونحن عنهم مسئولون وأمام الله محاسبون. يقول ﷺ : ﴿وما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة﴾ ومن أعظم الغش ألا تعلِّم من استرعاك الله عليه القرآن. ويا من حمل القرآن: إياك إياك أن تخالف أمره، فإن رسول الله ﷺ يقول: ﴿يُمَثَّلُ القرآن يوم القيامة رجلاً، فيُؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيُمَثَّل له خَصْماً -ومن ذا يُخاصِمُ القرآن؟! - فيقول القرآن: يا رب! حَمَّلْتَه إياي فبئس الحامل، تعدَّى حدودي، وضيَّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يخلف عليه بالحُجَجِ حتى يقال شأنك به، فيأخذه بيده فما يُرسله حتى يُكِّبه على وجهه في النار﴾ نعوذ بالله من النار. يا أمة القرآن: في شهر القرآن: قفوا عند أحكام القرآن واتلوه في كل حين وآن، فهو شافع مشفع مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار وبئس القرار.

стр. 213

حث القرآن على الإنفاق في سبيل الله يا أمة القرآن: إن مما دعاكم له القرآن: أن تُنفقوا في سبيل الله مما رزقكم وجعلكم مستخلفين فيه، وأنتم في شهر الإنفاق، وفي شهر الصدقة، وقد قال ﷺ : ﴿أفضل الصدقة صدقة في رمضان﴾. فيا أخي الصائم: للصدقة في رمضان مزية وخصوصية ليست في غيره، فبادر إليها فلعلك لا تدرك رمضان آخر، أطعم الطعام لتكن ممن امتدحهم القرآن: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ [الإنسان:٨]. واسمع إلى المصطفى ﷺ يوم يقول: ﴿أيما عبد مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم﴾. فلا إله إلا الله ما أعظم الأجر! وما أيسر العمل على من يسره الله عليه! ويقول ﷺ : ﴿ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة﴾ ويقول ﷺ : ﴿من فطَّر صائماً كان له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء، ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة﴾ لا إله إلا الله! هبت رياح الجنة في رمضان فاغتنموها يا عباد الله! ألا لا يخرج أحد من بيت الله هذا إلاَّ وقد فَطَّرَ -في أقل القليل- عشرة من الصوَّام أو أقل أو أكثر، وكل صائم بعشرة ريالات، والجزاء من أكرم الأكرمين، توضع هذه في صناديق موجودة على يمينك ويسارك وأنت خارج من هذا المسجد، وستقوم الهيئة بجمعها وإرسالها فوراً، فبادر أيها الصائم إلى الغنيمة الباردة، ضيوفك اليوم عشرة صائمين أو أقل أو أكثر، والأجر من أكرم الأكرمين، لك مثل أجرهم لا ينقص من أجرهم شيئاً، وكلٌ على قدر استطاعته. الله أعطاك فابذل من عطاياه فالمال عارية والعمر رحال ويا أهل الخير في هذا المسجد وكلكم أهل خير: أطفال أيتام توجد استماراتهم في مكاتب الهيئة هنا، كفالة الواحد منهم في العام ألف ومائتا ريال ينتظرون من يكفلهم، بادروا إلى كفالتهم، ولكم الجنة من أكرم الأكرمين، والضمين رسول الله ﷺ القائل: ﴿أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة﴾ ألا لا يأتين أحدكم يوم القيامة وخصمه أحد هؤلاء يقول: يا رب! عُرِضت عليهم في يوم كذا في مسجد كذا، فتركوني فخذ لي بحقي منهم. عباد الله: اقرءوا القرآن وتصدقوا قبل ألا تتصدقوا، وكل يوم جمعة في رمضان سيكون لفقراء المسلمين معكم لقاء، لقاء ضيافة والجزاء من أكرم الأكرمين، فاحتسبوا الأجر والثواب ممن يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً، أطعمكم الله من ثمار الجنة وسقاكم من الرحيق المختوم. ألا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد فقد أُمِرتم بالصلاة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم شَفِّع فينا القرآن، اللهم ارفعنا بالقرآن، اللهم أحينا على الإسلام والإيمان والقرآن وتوفنا على الإسلام والإيمان والقرآن. اللهم اجعلنا ممن يأخذ بيده القرآن إلى رضوانك والجنة، ونعوذ بك أن يكون القرآن خصماً علينا يوم الوقوف بين يديك. اللهم اجعلنا ممن يقيم حدوده ويعمل بأوامره ويتلوه على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم اجعلنا لكتابك من التالين ولك به من العاملين، وإلى لذيذ خطابه مستمعين، وبما فيه من الحكم معتبرين. اللهم انفعنا بما فرجت به من الآيات وكفر عنا به السيئات، وارفع لنا به الدرجات، وهون علينا به السكرات عند الممات. اللهم وأوجب لنا به الشرف والمزيد وألحقنا بكل بر سعيد ووفقنا جميعاً للعمل الصالح الرشيد. اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك، بنو إمائك نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا وهمومنا. وسابِقَنَا ودليلنا إليك وإلى جنانك جنات النعيم، اللهم ألبسنا به الحلل وأَسْكِنَّا به الظلل وادفع به عنا النقم واجعلنا به عند الجزاء من الفائزين وعند النعماء من الشاكرين، وعند البلاء من الصابرين ولا تجعلنا ممن استهوته الشياطين فشغلته بالدنيا عن الدين فأصبح من الخاسرين وفى الآخرة من النادمين، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم واجعلنا من المنفقين المبتغين جنة عدن بحورها العين. اللهم تقَّبل منا صيامنا وقيامنا وسائر عملنا، اللهم لا تصرف هذا الجمع إلا بذنب مغفور، وعيب مستور وعمل مقبول، وتجارة لن تبور، اللهم لا ترُدَّ هذا الجمع خائبين، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم بما تصنعون.

стр. 214

بلسم الحياة الإنسان بطبيعة الحال يسعى وراء الحياة الطيبة، ولكن الناس في سعيهم لهذه الحياة يختلفون في الطرق الموصلة لها. وفي هذه المادة -أيها القارئ الكريم- تجد حقيقة الطريق المؤدية إلى الحياة الطيبة، وصوراً من واقع من سار في هذا الطريق، وما وجد فيه من السعادة.

стр. 215

أثر فقد الإيمان في الحياة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل قدير، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً. فصلِّ يا رب على خير الورى ما صدحت قُمْرية على الذرا والآل والأزواج والأصحاب والتابعين من أولي الألباب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أما بعد: فيا عباد الله: لم يزل كثير من الخلق يلهثون وينصبون، ويسعون ويكدون، فمنهم: من يسعى لجمع المال من أي القنوات. ومنهم: من يلهث في بهيمية خلف الشهوات وأوضار القنوات. ومنهم: من يهرول وراء الشهرة والجاه والسلطان في سبات التيه قد أمضى رحلات. ومنهم: من يعدو وراء الأماني والأحلام، يسبح في غير ماء، ويطير من غير جناح. كمهمهٍ فيه السراب يلمح يدأب فيه القوم حتى يطلحوا ثم يظلون كأن لم يبرحوا كأنما أمسوا بحيث أصبحوا ضياع أعمار نفيسة في طلب أغراض خسيسة، أَمَا إنك لو سألتهم جميعاً من وراء ذلك السعي واللهث ما تريدون؟ لأي شيء تهدفون؟ لأجابوك: الحياة الطيبة نريد، إلى السعادة نهدف، نركض ونعدو إلى سرور النفس ولذة القلب، ونعيم الروح وغذائها ودوائها وحياتها وقرة عينها نتوق. أرادوها فأخطئوا طريقها، وتاهوا فعطشوا وجاعوا، وعلى الوهم عاشوا؛ فصار حالهم كمن سقي على الظمأ بالسراب والآل، وكانوا كمن تغدى في المنام، وفي تيههم فقدوا حاسة الشم والذوق فلم يفرقوا بين الروائح العطرة من الكدرة، ولا العذب في الفرات؛ فشقوا وتعسوا ويظنون أنهم سيسعدون. غفلوا في تيههم عن داعي الحق على الطريق وهو يندبهم ويقول: مهلاً مهلاً. والله لا يُسعد النفس ولا يزكيها ولا يطهرها، ولا يُذهب غمها وهمَّها وقلقها، ويسد جوعتها وظمأها، ويعيد لها شمها وذوقها، إلا الإيمان بالله رب العالمين بلسم الحياة ومفتاح السعادة، قال الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. هذا خبر من أيها المؤمنون؟ ينبيك عنه ابن القيم بما ملخصه -في تصرف-: إنه خبر أصدق الصادقين، وأحكم الحاكمين، الله رب العالمين، وهو خبر يقين، وعلم يقين بل عين يقين، فحوى الخبر: أنه لابد لكل من عمل صالحاً مؤمناً أنه يحييه الله حياة طيبة، بحسب إيمانه وعمله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦]. وأما الجفاة الأغلاظ لا يعلمون، غلطوا في مسمى هذه الحياة؛ فظنوها التنعم في أنواع المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمناكح، ولذة الرياسة والمال وقهر الأعداء، والتفنُّن بأنواع الشهوات والملذَّات، حال أحدهم: إذا تغديت وطابت نفسي فليس في الحي غلام مثلي إلا غلام قد تغدى قبلي فنصف النهار لترياسه، ونصف لمأكله أجمع. لا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم، بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان، فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والأنعام والبهائم فذلك مسكين ينادى عليه من مكان بعيد، هِمَّتُه هِمَّةٌ خسيسةٌ دنيئةٌ، همة حُشّ. كل داءٍ في سقوط الهمم يجعل الأحياء مثل الرمم نامت الأُسْد بسحر الغنم سمت العجز ارتقاء الأمم
следующие страницы →