← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ضرورة الصدق في التوبة إن أول قدم في الطريق بَذْل الروح، فإن كنت تستطيع على بذل الروح فتعال وبادر، وإلا فاذهب والْعب مع اللاعبين حتى يأتيك اليقين. بادر قبل أن تبادر! واصدق الله في توبتك، واجعلها نصوحاً خالصة؛ فإن الله يدعوك في عداد المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ [التحريم:٨] ويَعِد بالفلاح على ذلك فيقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] فلو داواك كل طبيب داء بغير كلام ربي ما شفاك الصادق في توبته لا يزال ذنبه نصب عينيه، خائفاً منه، مُشْفِقاً، وَجِلاً، باكياً، نادِماً مستحياً من ربه، نَاكِساً الرأس بين يديه، دائم التَّضَرُّع إليه، واللجوء إليه، حتى يقول عدو الله إبليس: ليتني تركتُه فلم أوقعه في ذلك الذنب. روى مسلم في صحيحه: أن امرأة وقعت في كبيرة الزنا في لحظة من لحظات ضعفها، فتذكرت عظمة الله وعقابه ووعيده، فأنابت، بشعور عظيم بمرارة المعصية، وعِظَم الكبيرة، وأرادت البراءة بطريق مُتَيَقَّن لا يتطرق له أدنى احتمال، فجاءت رسول الله ﷺ وقالت: ﴿يا رسول الله! طهرني، فقال ويحك: ارجعي واستغفري الله، وتوبي إليه -كان يكفيها ذلك- لكنها قالت: يا رسول الله، أراك تريد أن تردني كما رددتَّ ماعز بن مالك، والله! إني لحُبْلَى من الزنا، فطهرني يا رسول الله! قال: أأنت؟ قالت: نعم، فقال لها: ارجعي حتى تضعي ما في بطنك. وبضعة أشهر تمرُّ وهي على خوفها ووَجَلِها وإشفاقها، ثم تضع، وتأتي بالصبي في خِرْقة، وتقول: هو ذا قد وَضَعْتُه فطهرني يا رسول الله! قال: اذهبي فأرضِعِيه حتى تفطميه -وحولان كاملان على خوفها وإشفاقها وعزمها على تطهير نفسها بالحدِّ، والحد كفَّارة كما أخبر رسول الله ﷺ فطمتْه، وأتت النبي ﷺ بالصبي وفي يده كسرة الخبز، فقالت: هو ذا يا نبي الله، قد فطمته، وأكل الطعام، فطهرني يا رسول الله! -قلبها: كأنه مهجة نِضْو ببلقعةٍ يعتادها الضاريان الذئب والأسد - دفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أُمِر بها فَحُفِر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فكان في من رجمها خالد ﵁ وأرضاه، فتنضَّخ الدم على وجه خالد، فسبَّها وشتمها، فسمعه النبي ﷺ فقال: مهلاً يا خالد! فو الذي نفس محمد بيده! لقد تابت توبة لو قُسِّمت على أمة لوسعتهم، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكسٍ لغُفِرَ له﴾. ما ضرها، وكأن الذنب لم يكن، وقد بقيَ لها صدقها، وثناء رسول الله ﷺ عليها وعلى توبتها وعملها الصالح، وبقي لها شرف الصحبة، والذي لا إله إلا هو لو سجد أحدنا حتى ينكسر صلبه ما بلغ منزلتها؛ إذ هي منزلة الصحبة وكفى بها من منزلة، بقي لها فوق ذلك صلاة رسول الله ﷺ عليها، ودفنه لها، فرضي الله عنها وأرضاها. بالصدق زكا الأصل فطاب الفرع وطاب المولد فزكا المَحْتِد. فنبِّه فؤاداك من رقدة فإن الموفَّق مَن ينتبه وإن كنتُ لم أنتبه بالذي وُعِظْتُ به فانتبه أنت به

стр. 37

عدم اليأس والقنوط بادر قبل أن تُبَادَر! ولا تيئس ولا تقنط وإن عَظُم الذَّنْب: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إِن اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. في صحيح مسلم قال ﷺ : ﴿إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن الإنس، والبهائم والهَوَام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، حتى ترفع الدَّابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه، فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة، حتى إن الشيطان ليتطاول، يظن أن رحمة الله ستسعه في ذلك اليوم﴾ فيارب! ارأف بعين حرمت طِيب الكَرَى تشكو ودمع المقلتين قد جرى في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: ﴿قدم على رسول الله ﷺ سَبيٌ، فإذا امرأة من السبي تبتغي وليداً لها، وتسعى، حتى إذا وجدت صبياً أخذته، ألصقته ببطنها -أرضعته- فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه طارحة ولدها في النار؟! قلنا: لا والله، وهي تقدر على ألاَّ تطرحه يا رسول الله! فقال ﷺ : لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾. لا إله إلا هو! هو الغني بذاته سبحانه، جلَّ ثناؤه وتعالى شأنه! العفو أحب إليه من الانتقام، والرَّحمة أحب إليه من العقوبة، سبقت رحمته غضبه، وحلمه عقوبته، الفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع، لا إله إلا هو! يورد ابن القيم ﵀ عن بعض العارفين: أنه رأى في بعض السكك باباً قد فتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج، فأغلقت الباب في وجهه ودخلت. فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكِّراً، فلم يجد مأوى غير البيت الذي أُخْرِج منه، ولا مَنْ يئويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مُرْتَجاً مُغْلَقاً، فتوسَّدَه ووضع خدَّه على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلمَّا رأته على تلك الحال لم تملك أن رَمَت بنفسها عليه والْتزمته تُقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي! أين تذهب عني؟ من يؤويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني؟ ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك؟ ثم ضمَّتْه إلى صدرها، ودخلت به بيتها. فتأمل قولها: لا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبِلتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وتأملْ قوله ﷺ : ﴿لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها﴾ فأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ رحمة الله هل تُنال بالتواني والكسل، أم بالجدِّ والعمل؟ لمن كتبها الله؟ اسمعوا معشر المؤمنين إلى قول الله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧] إنها للعاملين. كتبها الله للعاملين لا للخاملين البطَّالين. أتخطب الحور لم تهد الصَدَاق لها ولم تقدم لها عقداً ولا قُرْطاً أم تشتري الخلد بالمغشوش من عملٍ وسلعة الله لا تُشرى بما خُلِطَا

стр. 38

ضرورة معرفة فضل الله على العبد فيا عبد الله! اعرف عزة الله في قضائه، وبرِّه في ستره، وحلمه في إمهالك، وفضله في مغفرته، فلله عليك أفضال وأفضال: أولها: ستره عليك حال ارتكابك للذنب، أما -والله- لو شاء الله لفضحك على رءوس الخلائق، فما جلست مجلساً، ولا حضرت مَجْمَعاً إلا وعُيِّرت بذلك الذنب؛ فكم من عاصٍ نفس معصيتك فُضِحَ وسترك الله الذي لا إله إلا هو! ويا عجباً! لأقوام باتوا يسترهم الله، فأصبحوا يتحدثون بذنوبهم، قد هتكوا ستر الله عليهم! أولئك غير معافين، إنهم المجاهرون، وكل أمة محمد ﷺ معافى إلا المجاهرين، فاشكر ربك أنْ سترك، وتب إليه قبل أن يفعل بك ما فعل بغيرك، وقل: اللهم استر واجعل تحت الستر ما تحب، اللهم استر واجعل تحت الستر ما تحب. ثانيها: حلم الله عليك. حلم الله عليك في إمهالك، ولو شاء الله لعاجلك بالعقوبة، فما كنت ممن يسمع الآن سعة رحمته. ثالثها -وهو من أعظمها-: فرح الله بتوبتك، فرح إحسان وبرّ ولطف، لا فرحة محتاج إلى توبة عبده، فلن يَتَكثَّر بك من قِلَّة، ولن يتعزز بك من ذلَّة، ولن ينتصر بك من غَلَبَة، تبارك الله وجل الله، قال رسول الله ﷺ ، كما ثبت في صحيح مسلم: ﴿لَلهُ أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَوِّيَّة مهلكة قَفْر خالية، معه راحلة عليها طعامه وشرابه، فنام، ثم استيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، توسَّد ساعده ينتظر موته؛ فإذا براحلته عنده عليها طعامه وشرابه وزاده، فأخطأ من شدة الفرح، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك﴾ لا إله إلا الله! كيف بلغ به الفرح حتى أخطأ فقال: أنت عبدي وأنا ربك؟! فرح لا تنقله الألفاظ، وحب الله للعبد أشد من حب العبد لله. فيفرح بتوبته، ويجازيه بأن يجعل في قلبه من اللذة والفرح والسعادة والسرور ما يُرى بادياً على قسمات وجهه إن صدق ونصح وأخلص، والله ما هو إلا كرجل برز للقتل، ثم عفي عنه، والجزاء من جنس العمل. رابعها: تبديل السيئات إلى حسنات. قال الله: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] فما النتيجة؟ ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. فإن هوى بك إبليسُ لمعصية فأَهْلِكَنْه بالاستغفار يَنْتَحِبِ بسجدة لك في الأسحار خاشعة سجود مُعْترف لله مُغْتَرب روى المنذري بسند جيد عن عبد الرحمن بن جبير قال: ﴿أتى النبي ﷺ شيخ كبير هَرِم، سقط حاجباه على عينيه، وهو مدَّعمُ على عصا -أي: متكئاً على عصا- حتى قام بين يديْ النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، لم يترك داجَّة ولا حاجَّة إلا أتاها، لو قُسِّمت خطيئته على أهل الأرض لأوبقتهم -لأهلكتهم- أله من توبة؟ فقال ﷺ : هل أسلمت؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك كلهن خيرات، قال: وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟! قال: نعم. وغدراتك وفجراتك، فقال: الله أكبر! الله أكبر! ثم ادَّعم على عصاه، فلم يزل يردد: الله أكبر! حتى توارى عن الأنظار﴾. فضل الله واسع، لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر إليه الإشارة، لا يهلك إلا هالك، ولا يشقى إلا شقي، فلا تيئس من رحمة الله، ولا تجترئ على معصية الله، وتب كلما أذنبت. قال بعضهم لشيخه: إني أذنب. قال: تب. قال: ثم أعود. قال: تب. قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تحزن الشيطان، ودَّ لو ظفر منك باليأس والقنوط. دعاكم رب بالندى يعرف يا من على أنفسهم أسرفوا لا تقنطوا من رحمتي واعرفوا إني لغفار الذنوب العظام يا من وسِعْتَ برحمةٍ كل الورى من قد أطاع ومن غدا يتأثَّمُ إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فبمن يلوذ ويستجير المُجْرمُ

стр. 39

عدم النظر إلى صغر الخطيئة بل النظر إلى عظمة من عصيت بادر قبل أن تُبَادر! بادر ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت: إنه الله الجليل الأكبر الخالق البارئ والمصوِّر باري البرايا منشئ الخلائق مبدعهم بلا مثالٍ سابق الأول المبدي بلا ابتداءٍ والآخر الباقي بلا انتهاءٍ الأحد الفرد القدير الأزلي الصَّمد البرُّ المهيمن العلي علو قَهْر وعلو الشان جلَّ عن الأضداد والأعوان من نظر إلى عظمة الله وجلاله؛ عظَّم حُرُماته، وَقَدَره قَدْرَه، وأجَلَّ أمره ونهيه، وعَظُم عليه ذنبه ولو كان صغيراً، لكأنه الجبل هو في أصله يخشى أن يقع عليه فيهلكه، فقلبه كأنه بين جناحيْ طائر، تجده منكسر القلب، غزير الدمع، قلق الأحشاء، له في كل واقعة عبْرَة، إذا هدل الحمام بكى، وإذا صاح الطير ناح، وإذا شدا البلبل تذكَّر، وإذا لمع البرق اهتزَّ قلبه خوفاً ممن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، الذلُّ قد علاه، والحزن قد وَهَّاه، يذم نفسه على هواه، ويصدع بأوَّاه. أواه من غفلاتي ومن عسى ولعلا يا من عليه اعتمادي بك اهتديت ومن لم يَرْجُ الهدى منك ضلا بادر وإياك ومحقِّرات الذّنوب! فإن لها من الله طالباً، بادر وردَّ المظالم إلى أهلها، أو تحلَّلْ منهم واطلب المسامحة؛ فإنها لا تتم التوبة إلا بذلك. صحَّ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لتُؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجَلْحَاء من الشاة القَرْنَاء﴾. وقال ﷺ : ﴿من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها اليوم، قبل ألا يكون درهمٌ ولا دينار، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مَظْلَمَتِه، وإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه، فطرحت عليه﴾. وفي حديث ابن أنيس: ﴿يقول الله يوم القيامة: أنا الملك، أنا الدَّيَّان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد عنده مظلمة حتى اللطمة﴾ قال الله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١]. لما حضرت عبادة بن الصامت ﵁ الوفاة قال: [[أخرجوا فراشي إلى صحن الدار، فأخرجوه، قال: اجمعوا لي مواليَّ وخدمي وجيراني ومن كان يدخل عليَّ. فجمعوهم له، فقال: إني لأرى يومي هذا آخر يوم يأتي عليَّ من الدنيا، وليلتي هذه أول ليلة من الآخرة، وإني لا أدري لعلّه فَرَطَ مني إليكم شيء بيدي أو بلساني هو والذي نفس عبادة بيده القصاص يوم القيامة، أحرِّج على أحد منكم في نفسه عليَّ شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج روحي، فبكوا جميعاً وضجُّوا وقالوا: بل كنت والداً، وكنت مربياً، وكنت مؤدباً، ولم يكن قال لخادم قط سوءاً، قال: تجودون لي بالدمع، وما يغني الدمع. أغفرتم لي؟ فضجُّوا وقالوا: أن نعم، قال: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد أشهد أن لا إله إلا الله]] ثم لقيَ الله. الخلد تدعو فهل من مجيب والحور تهفو للقاء الحبيب وآفرحتاه لكل عبد منيب لبَّى ندا الداعي لدار السلام فبادر بردِّ المظالم أو التحلل منها؛ فلن يجاوز جسر جهنم إلى الجنة ظالم حتى يؤدي مظلمته. خفف عن ظهرك؛ فظهرك لا يطيق كل ما تجني؛ ظلم هذا، وأكل مال هذا، والوقوع في عرض ذاك، وشتم ذا، خفِّفْ قد خاب من حمل ظلماً، قال الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].

стр. 40

مجالسة الصالحين والابتعاد عن الفجار بادرْ قبل أن تُبادَر! ولا تصحب الفاجر؛ فإنه يزين لك فعله، ويود لو أنك مثله، وطبعك يسرق منه، والمرء على دين خليله. لا تسكن أرضاً موبوءة؛ فإن جرثومة المرض تسري فتفري، اهجر المعصية ومكانها، وعليك بقوم يعبدون الله بأي أرض، فاحبس نفسك معهم؛ فإن بيئة المعصية بيئة سوء، والله الذي لا إله إلا هو، لأن تنقل الحجارة، وتأكل الحجارة، وتنام على الحجارة مع الأبرار، خير لك من أكل الحلوى، والجلوس على الحرير، والنوم على الحرير مع الفجار؛ أولئك يدعون إلى الجنة، وأولاء يدعون إلى النار. فما ينفع الجرباء قُرْبُ صحيحة إليها ولكن الصحيحة تجربُ قال الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. اهجر مكان المعصية، وأطِلْ الصمت، وأَدْمِن السُّكوت، ولا تخُض مع الخائضين، وقف على أحوال التائبين، وإذا رأيت العصاة فلا تشمخ بأنفك، واحمد ربك، ودُلَّهم على ما أنت فيه، وقل: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] ففي ذلك ذكرى للمؤمنين. هاهو أبو لبابة ﵁ وأرضاه لما أرسله رسول الله ﷺ إلى بني قريظة، وقد أجهدهم الحصار، وقد غدروا برسول الله ﷺ ونقضوا العهد، فقام إليه الرجال والنساء والأطفال يبكون، فرقَّ لهم، فقالوا: [[أننزل على حكم محمد؟ صلى الله وسلم على نبينا محمد، قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، يقول: فوالذي لا إله إلا هو! ما زالت قدماي من مكانها حتى علمت أني خنت الله ورسوله]] ورجع نادماً أسيفاً، عظَّم الله فلم يرجع إلى رسول الله ﷺ ، وإنما رجع فارتبط بجذع في المسجد، لا يُطلق منه إلا ليصلي، ثم يعود إلى ذلك الجذع، يتلمس عفو الله، ولطف الله، ورحمة الله، وتوبة الله، حتى إذا ما نزلت توبته، أَبْشِرْ بخير يوم مرَّ عليك يا أبا لبابة؛ لقد تِيبَ عليك. خرَّ ساجداً لله ، ثم قام إليه رسول الله ﷺ فأطلقه، فقال -وهو يرسم منهجاً لهجر المعصية، ومكان المعصية، وبيئة المعصية-: ﴿يا رسول الله! والذي لا إله إلا هو! ما وطئت قدمايَ أرض بني قريظة ما حييت، والله لا أُرَى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً﴾.

стр. 41

أتبع السيئة الحسنة تمحها بادر قبل أن تُبَادر! وأتبع السيئة الحسنة تمحها، قال الله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] لما راجع عمر ﵁ رسول الله ﷺ يوم الحديبية، فقال: ﴿ألست نبي الله حقّاً؟! أو لسنا المؤمنين؟! أو لسنا على الحق وهم على الباطل؟! فعلام نعطي الدَّنيَّة في ديننا ولمَّا يحكم الله بيننا؟! فقال ﷺ : إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري﴾. وقال أبو بكر: [[الزم غرزه يـ ابن الخطاب! فوالذي نفسي بيده إنه لعلى الحق]]. يقول عمر: [[فعملت لذلك أعمالاً، يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق؛ مخافة مراجعتي رسول الله ﷺ يوم الحديبية]]. بادر ولا تعجز إذا فرطت منك سيئة أن تتبعها حسنة. واذكر مسير العمر ما أسرعه وارقب هجوم الموت ما أفظعه وبادر قبل أن تبادر! دع المحدثات والبدع؛ فإن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته﴾ صحَّحه الألباني ﵀ في صحيح الترغيب والترهيب، تدري أخي أين طريق الجنة؟! طريقها القرآن، ثم السُّنة. وخير أمور الدين ما كان سُنَّة وشر الأمور المحدثاتُ البدائع

стр. 42

الوقوف على أحوال التائبين بادر وقف معي على أحوال التائبين؛ فإنها ذكريات متألِّمين، وذكرى المتألم تنفع المؤمنين بإذن رب العالمين، يقول صاحب رسالة: أخي الشاب إلى أين تسير: قال صاحب القصة: كنَّا ثلاثة من الأصدقاء يجمعنا الطَّيش والعبث، لا بل أربعة؛ فقد كان الشيطان رابعنا، نذهب لاصطياد أعراض المسلمين بالكلام المعسول، نستدرجهن إلى الاستراحات في المزارع البعيدة بعد موت قلوبنا وأحاسيسنا ومشاعرنا. يقول: هكذا كانت حياتنا، يقول: أيامنا ليالينا في المزارع والمخيَّمات في السيارات على الشواطئ، إلى أن جاء يوم وذاك اليوم لا يُنسى. ذهبت إلى المزرعة مع أصحابي، كل شيء جاهز، الشراب جاهز -ونعوذ بالله- الفريسة جاهزة -ونعوذ بالله- نسينا الطعام، ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته في حوالي السادسة تقريباً، مرت الساعات تلو الساعات دون أن يعود. وفي العاشرة شعرت بالقلق، شعرت بالضيق، انطلقت بسيارتي أبحث عنه، وفي الطريق شاهدت ألسنة النيران تندلع على جانبي الطريق، يا للهول! فوجئت بأنها سيارة صديقي، النار تلتهمها، مقلوبة على أحد جانبيها، كالمجنون أسرعت أحاول إخراجه من السيارة، وجدت نصف جسده قد تفحَّم، لم يزل على قيد الحياة، سحبته إلى الأرض، فتح عينيه وأخذ يهذي: النار، النار، النار، قررت حمله بسيارتي إلى المستشفى. فقال بصوت باكٍ حزين: لا فائدة، لن أصل، (ما عسى يُغني غريق عن غريق) خنقتني الدموع، أراه يموت أمامي، ثم فوجئت به يصرخ بأعلى صوته: ماذا أقول له؟! ماذا أقول له؟! ماذا أقول له؟! دُهشت وقلت له: من هو؟ قال: الله، الله، ماذا أقول له؟ ثم صرخ صرخة مدوِّية، ولفظ آخر أنفاسه. اجتاح الرعب جسدي ومشاعري، صورته لم تفارقني، يصرخ: النار، النار. والنار تلتهمه، وهو يقول: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ تساءلت، وقلت: وأنا ماذا أقول له؟ لا إله إلا الله! فاضت عيناي، اقشعرَّ جسدي، وإذا بالمنادي ينادي: الله أكبر، الله أكبر، نداء صلاة الفجر، أحيا فيَّ كل جارحة، أحسست لأول مرة أنه نداء خاص بي، يهز أعماقي، يدعوني لإسدال الستار على فترة مظلمة من حياتي، يدعوني إلى الهداية، إلى السعادة، اغتسلت، تطهرت، أسقطت عن جسدي وروحي ثقل رذائل غرقت فيها سنوات وسنوات، أدَّيت صلاة الفجر، ومن يومها لم تَفُتْنِي فريضة، والحمد لله رب العالمين! واأسفاه من حياة على غرور، وموت على غفلة، ومنقلب إلى حسرة، ووقوف يوم الحساب بلا حجَّة! ازرع لكي تحصد يوم الزحام يا ويل من يلهيه عنه الحطام يا عبد الله! أيها الشاب! مثِّل نفسك -أجارك الله- صاحب الحادث، ثم لا تسوِّف، عجِّل عجِّل، هيا هيا، إلى الله لا طاقة لقذارة الوسخ مع بياض الصابون، قل قلباً وقالباً: أيا ملك الملوك أقل عثاري فإني عنك أنأتني الذنوب وأمرضني الهوى لهوانِ نفسي ولكن ليس غيرك لي طبيب أيا ديان يوم الدين فرِّجْ هموماً في الفؤاد لها دبيبُ

стр. 43

عدم الاغترار بكثرة العمل وبادر قبل أن تُبَادَر! بادر قبل أن تُبادَر ولا تغترَّ بكثير عملك؛ فأعمالك الصالحة من توفيق الله وفضله ومَنِّه عليك، ومع هذا فليست ثمناً لجزائه وثوابه، بل غايتها أنها بعد النصح والوقوع على أكمل وجه شُكْرٌ له على بعض نِعَمِه سبحانه وبحمده، فلذلك لو عذَّب الله أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. في الحديث المتفق عليه: أن النبي ﷺ قال: ﴿لن يُدخل أحد منكم الجنة عملُه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل﴾ ألا إن المنفي هنا استحقاق الجنة بمجرد العمل، وكون العمل ثمناً وعوضاً لها. فما العمل ولو عظم يساوي نعمة البصر؟! فادرِ وانتبه، وليكن حالك ومقالك: إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رِقِّهم عَتَقُوهُم عتقَ أبرارِ وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرِّقِّ فاعتقني من النَّار أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن أبي مليكة، عن ذكوان مولى عائشة ﵂ أنه استأذن لـ ابن عباس ﵄ على عائشة وهي تموت، وهي في سكرات الموت، وعندها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن، فقال لها: هذا ابن عباس يستأذن عليك، وهو من خير بنيك، فقالت: دعني من ابن عباس ومن تزكيته! فقال لها عبد الله: يا أماه! إنه قارئ لكتاب الله، فقيه في دين الله، حبيب إلى رسول الله ﷺ ؛ فأذني له فليسلم عليك وليودعكِ، قالت: فَأْذَن له إن شئت. فأذن له فدخل وسلَّم وجلس، ثم قال: أبشري يا أمَّ المؤمنين، والله ما بينك وبين أن يذهب عنكِ كل أذى ونَصَب وَوَصَب، وتلقي الأحبة؛ محمداً ﷺ وحزبه إلا أن تفارق الروح الجسد، قالت: إيه وأيضاً، فقال: إن كنتِ لأحب أزواج رسول الله ﷺ إليه، ولم يكن يحب إلا طيباً. قالت: وأيضاً، قال: وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، فليس مسجدٌ في الأرض إلا وهو يتلى فيه آناء الليل، وآناء النهار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ منْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور:١١] قالت: وأيضاً، قال: وسقطت قلادتك بـ الأبواء، فَاحْتبِس النبي ﷺ والناس معه في ابتغائها وطلبها، حتى أصبح القوم على غير ماء، فأنزل الله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء:٤٣] فكانت رخصة عامة للناس بسببك إلى يوم القيامة. فوالذي لا إله إلا هو! إنك لمباركة، فأجهشت وقالت: دعني مِن هذا يـ ابن عباس! والذي لا إله إلا هو! لوددتُ أني كنت نسياً منسياً، لوددت أني كنت نسياً منسياً. تناست كل فضائلها أمام قوة استحضار الحياة الآخرة في قلبها، وخشيتها لله تعالى، وكذلك يكون رسوخ اليقين، وقوة الإيمان برب العالمين. وهذا ابن مسعود الذي قال فيه النبي ﷺ : ﴿الغُليِّم المعلَّم﴾: يقول: [[والذي لا إله إلا هو! لوددت أني انقلب روثة، ثم أُدعى عبد الله روثة، وأن الله غفر لي ذنباً واحداً]]. فبادر ولا تغتر، واحمد الله؛ فله المنَّة: ﴿لَمَغْفِرَةٌ منَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران:١٥٧] يا رب أنت المرجَّى، أنت العزيز القدير. يا رب أنت المجير قد مسَّنا ما يضير فلا تكلنا لنفسٍ فيها تمادى الغرور

стр. 44

ضرورة الاستعانة بالله للثبات على الطريق بادر -أخيراً- قبل أن تُبَادَر! واستعن بمولاك يُعنك مولاك، قال أحد السلف لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إن سوَّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: الأمر بك يطول، أرأيت إن مررت بغنم، فنبحك كلبها، ومنعك العبور، ما تصنع؟ قال: أجاهده على العبور، قال: فإن لم تستطع العبور؟ قال: أجاهده، قال: فإن لم تستطع؟ قال: أجاهده، قال: الأمر بك يطول، استعن بصاحب الغنم يكفَّ وعنك كلبه: ﴿وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هو السَمِيعٌ العَلِيمٌ﴾ [فصلت:٣٦]. أقسم الشيطان قال سوف لا أترككم إلا شقياً أو تقياً يقول أحد السلف: [[رأيت كل أحد له عدو، من اغتابني فليس بعدوي، ومن أخذ مني شيئاً فليس بعدوي، عدوي مَن إذا كنت في طاعة الله أمرني بمعصية الله، حتى إذا ما زلَلْت في معصية الله آيسني من رحمة الله]] إنه إبليس وأعوانه من شياطين الجن والإنس، قد قطع العهد: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُم من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٦ - ١٧] فالْبس لأمَةَ الحرب، وجرِّد السيف من الغِمْد، وأخرج سهامك من كنانتها، واتَّخذ موقفاً في صف جند الرحمن، وابدأ المعركة مع إبليس وأعوانه، واستعن بمولاك يعنك مولاك. ذهب الزمان وأنت تقول عسى وأرجُو ربما الماء عندك قد طمى ولم تزل تشكو الظَمَا بادر قبل أن تُبَادَر! وقِفْ بالباب وأنت الذليل الحقير، واضرع إلى العلي الكبير تضرُّع الأسير بقلب كسير. وقل: يا إله العالمين! يا أكرم الأكرمين! عبدك أسير الخطايا، صاحب الهفوات والرزايا، واقفٌ ببابك ينتظر رحمتك، الخير دأبك، والحكم حكمك، وأنت أرحم الراحمين، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأسألك سؤال الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه. اللهم اغفر لنا قبل أن تشهد الأعضاء والجوارح، اللهم اغفر لنا قبل أن تشهد الأعضاء والجوارح، وتبدو السوءات والفضائح. يا رب من للبائس الفقير غير الكريم المالك القدير فحسبنا الله ونعم الملتجى وحسبنا الله ونعم المرتجى ثم الصلاة ما تغنى الشادي على محمد النبي الهادي ما هتفت وَرْقَاء بالنِّياح وغرَّد القُمْرِيُ بالصباح سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 45

رسالة إلى شاب إن الله خلقنا لغاية نبيلة، ولحكمة جليلة ألا وهي عبادته ، فحثنا على التفكر في مخلوقاته، وبين لنا صراطه المستقيم، ورغبنا في جنته ورهبنا من ناره، وجعل باب التوبة مفتوح، فهل من مبادرة ورجوع إلى الله؟

стр. 46

الحث على التفكر في مخلوقات الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنىً له طرفة عين عن رحمته، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الأحبة: شكر الله لكم هذا الترحيب الحار، ونسأل الله أن يجعل جمعنا وإياكم على الخير دائماً وأبداً، نسأله أن يجعل جمعنا حباً فيه، فهو الرباط الذي لا ينفصم، وإذا كان الحب في الله ثبت ونبت وآتى ثماره، وإذا كان الحب لغرض آخر -وحاشاه أن يكون بيننا- فسرعان ما يذهب وكأن لم يكن، ما كان لله يبقى دائماً وما كان لغير الله يذهب سريعاً. يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[والذي لا إله غيره لو أنفقت مالي كله في سبيل الله، ثم صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، ثم أصبحت لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار ولا يبالي]]. أي رباط نرتبط به أيها الأحبة؟! نحن نرتبط بلا إله إلا الله، ولاؤنا فيها، وعداؤنا لمن لم يقم بها. أيها الأحبة: أسأل الله الذي جمعنا وإياكم في هذه الروضة أن يجمعنا وإياكم في روضة الخير في جنات ونهر، في معقد صدق عند مليك مقتدر. ما أريد أن أتحدث به إليكم أيها الأحبة، هو حديث الأخ لإخوته، وحديث الأب لأبنائه، حديث ربما سمعتموه وعرفتموه ولكننا نكرره ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. يا أيها الأحبة: ألا كم ذا التراخي والتمادي وحادي الموت بالأرواح حادي تنادينا من المنية كل وقت فما نصغي إلى قول المنادي فلو كنا جماداً لاتعضنا ولكنا أشد من الجمادي وأنفاس النفوس إلى انتقاص ولكن الذنوب إلى ازديادي إذا ما الشرع قارنه اضطرار فليس دواؤه غير الحصادي كأنك بالمشيب وقد تبدى وبالأخرى مناديها ينادي وقالوا قد قضى فاقضوا عليه سلامكم إلى يوم التنادي قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. سؤال يا أيها الأحبة! من القائل لهاتين الآيتين؟ من المتكلم بهاتين الآيتين؟ ومن المتكلم بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [يونس:١٠١] كأني بكل واحد منكم يقول: إنه الله الذي لا إله إلا هو. الكواكب من كوكبها؟ السماء من رفعها؟ الجبال من نصبها؟ الأرض من سطحها؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو الذي قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ما صفاتهم؟ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]. يا أيها الأحبة: تساؤل أتساءله وأقول لكم قبل هذا التساؤل: يا أيها الأحبة! كل شيء في هذا الوجود ينطق بوحدانية الله ، وسأضرب لكم على ذلك أمثلة ولستم في حاجة إلى أن تضرب الأمثلة، لكن من باب التأكيد على ذلك، ومن باب طرح الأنظار، ومن باب التفكر والنظر في ملكوت السماوات والأرض. ورقة التوت -يا أيها الأحبة- هذه الورقة إذا أكلتها النحلة تخرج عسلاً، فإذا أكلتها الشاة أخرجت روثاً، فإذا أكلتها دودة القز تخرج حريراً! ورقة واحدة تأكلها ثلاثة مخلوقات فيكون الإخراج مختلفاً ما بين طيب ونافع وخبيث!! إن ورقة التوت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لسان حالها ينطق بذلك، ولسان مقالها ينطق بذلك. أيها الأحبة: هي ورقة تشهد أن لا إله إلا الله، وإن بشراً أنعم الله عليه بقلب وعقل وعين وأذن ونعم لا تعد ولا تحصى ثم لا يعرف أن الله هو الذي لا إله إلا هو! فإن ورقة التوت في هذه أعلى منه وأعظم منه وأعلى وأحب عند الله من هذا الذي انتكس فهمه، فلم يعرف مَنْ خلقه، ولم يعرف من يجرد نفسه له، ومن يتحرك له ومن يعبده، ورقة التوت أولى منه بذلك. تأمل في الوجود بعين فكر ترى الدنيا الدنية كالخيال ومن فيها جميعاً سوف يفنى ويبقى وجه ربك ذو الجلال قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا؟ قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عفاكا؟ قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا؟ قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواكا؟ بل سائل الأعمى خطا بين الزحام بلا اصطدام من يقود خطاكا؟ قل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاكا؟ قل للوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الولادة ما الذي أبكاكا؟ وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا؟ واسأله يا ثعبان كيف تعيش أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا؟ واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاكا؟ بل سائل اللبن المصفى كان بين دم وفرث ما الذي صفاكا؟ ستجيب ما في الكون من آياته عجباً عجاباً لو ترى عيناكا ربي لك الحمد العظيم لذاتك حمداً وليس لواحد إلاكا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كل شيء ينطق بوحدانيته، وكل شيء ينطق بقدرته، وكل شيء ينطق بأنه سبحانه المعبود بحق وما عداه فطاغوت عبد من دونه. لا إله إلا الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] موكب عظيم سار إلى الله، انفلت منه من انفلت، فشقي، ومشى في ركاب هذا الموكب من مشى فسعد بإذن ربه .

стр. 47

الحكمة من خلق الإنسان أسأل سؤالاً آخر من خلقك أيها الشاب؟ من خلقك أيها العبد؟ سؤال قد يكون ساذجاً لكن لابد له من إجابة، إنه الله الذي لا إله إلا هو. هل خلقك عبثاً؟ هل تركك هملاً؟ هل خلقك والبهائم سواء، تأكل كما تأكل البهائم أم كلفك وشرفك؟ إنه قد كلفك وشرفك وجعل حكمة لخلقك وإيجادك، فما الحكمة من خلقك وإيجادك؟ ذكرها الله بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٢٦ - ٥٨]. إذاً لماذا خلقت؟ أللهو خلقت؟ أللعبث خلقت؟ هل تركت سدىً أم كلفت بأشياء لابد أن توقف أمام الله وتسأل عنها واحدة واحدة في سجلات محكمة وثيقة لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها؟ ستجد ما عملته في سجلات أمامك فإما وجه مبيض -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذا الصنف- وإما وجه مسود -أسأل الله ألا يشقي أحدنا فيكون من أهل هذه الوجوه السوداء-. إذاً: خلقنا الله لحكمة وهي عبادته ، ثم اعلم أنه لا تنفعه طاعتك ولا تضره معصيتك، وإنما تضرك معصيتك وتنفعك طاعتك لله ، فيا لخسارة من ضيع هذه الحكمة فاستعمل هذا الجسم وهذه الجوارح وذاك العقل في غير ما يرضي الله جل وعلا. أحد السلف يمر بصبية صغار يلعبون، وهناك طفل ينظر إليهم ويبكي، فيمر عليه ظن أنه يبكي؛ لأنه ليس له لعبة كما لهم لعبة فقال له: يا بني! أتريد أن أشتري لك لعبة؟ قال: ما لهذا أبكي يا قليل العقل شاب صغير عرف الله جل وعلا. قال: لمَ تبكي؟ قال: أبكي لأن هؤلاء يفعلون غير ما خلقوا له، أو لم يسمعوا قول الله موبخاً أهل النار: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] فقال هذا الرجل وقد دهش من جواب هذا الشاب الذي تربى على القرآن ففهم معاني القرآن وطبقها حياً واقعاً، ماذا قال؟ قال هذا الرجل له وقد أعجب به: يا بني إنك لذو لب (لذو عقل) وإن كنت صغيراً فعظني. قال له بيتاً واحداً: فما الدنيا بباقية لحي وما حي على الدنيا بباقي موعظة عظيمة أيها الأحبة! أما والله لو علم الأنام لمَ خلقوا لما هجعوا وناموا لقد خلقوا ليوم لو رأته عيون قلوبهم ساحوا وهاموا ممات ثم نشر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت أناس فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا أمرنا أو نهينا كأهل الكهف أيقاظ نيام

стр. 48

الصراط المستقيم أيها الأحبة: رسم الله لنا طريقاً مستقيماً، وجعل له مواصفات من اتبعها هدي وكفي ووقي، ومن تنكفها فويل له ثم ويل له، ألم تسمعوا لقول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] طريق واحد مرسوم له مواصفات، وله مقاييس، قالها المصطفى ﷺ قبل أربعة عشر قرناً، فانقسم الناس من ذلك الحين إلى حزبين، ثم انقسم حزب إلى أحزاب وإلى شيع وإلى فرق حتى افترقت هذه الأمة كما أخبر المصطفى أنها ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، ما مواصفات هذه الفرقة الناجية؟ ما مقاييسها؟ ما موازينها؟ ذكرها المصطفى ﷺ قال: ﴿من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي﴾ من كان على مثل ما كان عليه المصطفى ﷺ ، من كان على مثل ما كان عليه سلف الأمة الكرام، هو الذي لا زال على الصراط المستقيم، فهل جندت نفسك أيها الشاب لتكون من أهل هذه الفرقة؟ هل جندت نفسك لتكون ممن يستحق أن يأخذ لقب هذه الفرقة؟ كلنا يدعي ذلك، وكلنا يقول: أنا من السلف، أنا من أهل السنة والجماعة، لكن لابد لكل ادعاء من بينة وكلٌ يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا فليكن حالك يوم تسمع مثل هذا السؤال تقول: حاشاي يغويه سراب خادع ومعي كتاب الله يسطع في يدي ليكن لسان الحال لنا جميعاً لن نضل أو نقتدي بشرق أو بغرب وإنما هدينا الكتاب والسنة نتمسك به وإن خالفنا الناس جميعاً.

стр. 49

الحث على طاعة الله اختبر نفسك يوم تسمع نداء الله جل وعلا، يوم يناديك ويشرفك باسم الإيمان وباسم الإسلام، ويدخلك تحت عموم الناس مرة أخرى، اسمع إليه يوم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٠ - ٢٢] أسمعت نداء الله؟ أقرأته؟ لقد قرأته كثيراً وسمعته كثيراً فأسأل الله أن يجعلك ممن أطاع الله ورسوله، هل أطعت الله ورسوله بحق؟ بشرى لك! بأي شيء؟ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] بشرى لك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في دار قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها في الأثر أن الله يقول: ﴿إني إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية﴾ سبحانه وبحمده! أما الآخر الذي عصى ولم يطع الله ولم يطع رسوله، فماذا قال الله له في مثل هذا الأثر؟ قال: ﴿وإذا عُصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد، وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أحب فينتقل إلى ما أكره إلا انتقلت له مما يحب إلى ما يكره، وعزتي وجلالي لا يكون عبد من عبيدي على ما أكره فينتقل إلى ما أحب إلا انتقلت له مما يكره إلى ما يحب﴾ وعد من الله وفرصة لك يا من عملت ما يغضب الله أن تعود إلى الله : فانتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل الأمر جد وهو غير مزاح فاعمل لنفسك صالحاً يا صاح

стр. 50

حال الخلق في يوم القيامة ثم اعلم أن كل شيء خلا الله باطل، وكل شيء خلا الله زائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] كتب الفناء على كل مخلوق، واختص نفسه بالبقاء سبحانه وبحمده، ووالله لو كان الأمر سينتهي بالموت لكان هيناً، ووالله إن الموت مع سكرته ومع شدته أهون مما سيليه، وإن القبر مع ظلمته ووحشته أهون مما سيليه، كل ذلك يا أيها الأحبة هين متى؟ إذا قورن بالوقوف بين يدي علام الغيوب، وتلفت المرء يميناً فلم ير إلا ما قدم، وتلفت شمالاً فلم ير إلا ما قدم، وتلفت أمام وجهه فلم ير إلا النار، قد غضب الرب غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله قط، الشهود منك وفيك، أيدٍ تشهد، وألسنة تشهد، وآذان تشهد، وجوارح تشهد، الناس وأنت منهم قد جاءوا حافية أقدامهم، عارية أجسادهم، ذاهلة قلوبهم، قد تفطرت قلوبهم، وقد تفتت أكبادهم، قد دنت الشمس منهم قدر ميل، فبلغ العرق منهم مبلغاً حتى ألجم بعضهم إلجاماً: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] حشروا بلا طعام ولا شراب، تتقطع منهم الأكباد وتتفطر القلوب، وتحترق الأجواف.

стр. 51

عذاب أهل النار ثم تنصب الموازين ثم يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: أخرج بعث النار من ذريتك. قال: وما بعث النار من ذريتي يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، عند ذلك: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. تذكر يوم ينصب الميزان، ثم يقول الله للملائكة في سعي المجرم: ﴿خُذُوهُ﴾ [الدخان:٤٧] فيبتدره سبعون ألف ملك، كل ملك لو أذن الله أن يلتقم السماوات السبع والأرض في لقمة واحدة لفعل، فيتفتت في أيديهم ويقول: ألا ترحموني؟ قالوا: كيف نرحمك ولم يرحمك أرحم الراحمين: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ * كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٢ - ١٦]. أوقد عليها ثلاثة آلاف عام: ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا يطفأ شررها: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] تشهق على الكافر شهقة البغلة الجوعاء إلى الشعير فلا يبقى ملك مقرب إلا خر على ركبتيه جاثياً، حرها شديد، وقعرها بعيد، وطعامها زقوم وصديد، ومقامعها حديد. إنها جهنم التي يكذب بها المجرمون، ما أشد عقابهم! وما أعظم عذابهم! ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥] ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦] ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢] كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء-٥٦] إذا بلغ العذاب بهم مبلغه لجئوا إلى الله يستغيثون: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] يلقي الله عليهم عطشاً عظيماً حتى تحترق أجوافهم ثم ينشئ الله لهم سحابة سوداء، ويقول: ما تبغون، ما تريدون؟ فيقولون: يا رب الشراب الشراب، يا رب الشراب الشراب. فيمطرهم الله أغلالاً إلى أغلالهم، وسلاسل إلى سلاسلهم، وجمراً ونيراناً إلى جمرهم ونيرانهم. ثم يأتون بعدها بالحميم، فلا إله إلا الله! أي أجسام تتحمل ذاك العذاب يا أيها الأحبة؟!! يؤتون بالحميم ليشربه ولابد له من شربه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٧] قبل أن يشربه تسقط فروة وجهه عند قدميه من شدة حره، ولما يشربه بعد، ثم لابد له من شربه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٧] فإذا شربه قطع أمعاءه وسلت ما في بطنه مع قدميه، فذلك قول الله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يأتيه من تحت شعره ومن تحت أظفاره ومن تحت كل مفصل من مفاصله، تعلق نفسه عند حنجرته لا تخرج فيستريح ولا تعود إلى مكانها، يمشي على النار، لا يهدأ ولا ينام ولا يستريح، طعامه من النار، وشرابه من النار، وحياته في النار: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤]. ثم يلجئون بعد ذلك إلى خزنة جهنم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠] يتجهون بعدها إلى خازن النار إلى مالك، فيقولون: يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود. فيرد عليهم بعد أربعين عاماً -كما قال الأعمش - يرد عليهم بعد أربعين عاماً فيقول: إنكم ماكثون. فيلجئون إلى أرحم الرحمين، سبحانه وبحمده لا إله إلا هو، فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨] فلا ينبس أحدهم ببنت شفة، لا يتكلم أحدهم بكلمة وإنما هو الشهيق والزفير، يبكون الدموع حتى تنتهي حتى لو أرسلت السفن في دموعهم ودمائهم لجرت، نسأل الله العافية والسلامة. هذا جزاء المعرضين عن طاعة الله ورسوله، ذكرت ذلك ترهيباً لا ترغيباً؛ لأني أرى قلبي وقلوبكم قد قست، وقلوب الأمة كلها قد قست، فلابد يا أيها الأحبة أن نعود إلى القرآن، ولابد أن نعود إلى آيات القرآن لتلين القلوب فإذا لانت القلوب فأبشروا بخير أيها الأحبة. أشبابنا فلتسمعوا مني النصيحة والعتاب من مخلص في حبكم يرجو لكم حسن الثواب يخشى على هذى الوجوه من الحميم من العذاب أحبابنا لا تغضبوا فالحق أولى أن يجاب

стр. 52

استشعار معية الله إن أوصيتكم بوصية فأوصيكم بتقوى الله في السر والعلانية، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في السراء والضراء، الجئوا إلى الله، اجعلوا رقيبكم هو الله، اجعلوا حسيبكم هو الله، لا رقيب إلا هو ولا حسيب إلا هو، لا مهرب منه إلا إليه، لا منجا منه إلا إليه ، لا ملتجأ إلا إلى الله . يا أيها الأحبة! خلق الله السماوات سبعاً والأرضين سبعاً، جعل -كما في الأحاديث- ما بين السماء الدنيا والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، والله من فوق ذلك فوق عرشه بائن على خلقه مستوى على عرشه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] هل استشعرنا هذه المعية يا أيها الأحبة؟ لو استشعرنا هذه المعية لاستقام الحال. إذاً: من هو الرقيب على تصرفاتنا وأعمالنا؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو. إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

стр. 53

باب التوبة مفتوح سبحان الله وبحمده، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، فلا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، امتثل أمر الله واجتنب نهي الله ، واستسلم واخضع وانقدْ لله ، ثم إن حصل منك تفريط فراجع نفسك وتب إلى ربك، واعلم أنه سبحانه يقول: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] هو القائل كما في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾ هو القائل: ﴿يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾. يا أيها الشاب! يا أيها الحبيب! إن أخطأت وزللت فاعلم أنك لم تخف عن عين الله وعن رقابة الله جل وعلا، هو الرقيب والحسيب، إذا استترت بالجدران والحيطان والظلام فاعلم أنه رب الظلام ورب كل شيء سبحانه وبحمده فارجع عن ذلك، إذا كنت في فراشك ثم جاءك النداء من الله "حيّ على الصلاة، حي على الفلاح" فأنت أحد شابين: إما مطيع لله ورسوله، وإما عاص لله ورسوله وحاشاك أن تكون كذلك، إن أطعت الله فقمت وذهبت وأديت ما عليك؛ كان لك عند الله ما أعده لك: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] نحتاج إلى التقوى عندما نقوم إلى للصلاة، نحتاج إلى التقوى يوم نأخذ الريال لنذهب به إلى المدرسة، نعرف من أين أخذنا هذا الريال وأين سننفقه، لا ينفق إلا في طاعة لله ؛ لأن هذا الريال ستقف أمام الله عرياناً كما خلقك فيسألك عن هذا الريال من أين اكتسبته وفيما أنفقته؟ بأي لسان تجيب ربك إن أنفقته في معصية؟ يا أيها الحبيب! إذا سمعت صوتاً يغضب الله ، فاعلم أن الله أنعم عليك بهذه الأذن فأصمها عن سماع هذا الصوت، وإن استطعت أن تغيره فغيره. يا أيها الحبيب! إذا نظرت إلى منظر لا يحل لك أن تنظره، فالأُولى لك، ثم اذهب بعينك، واعلم أنك محاسب على هذه النظرة ممن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. يا أيها الشاب! جوارح سوف تشهد عليك بين يدي الله، يوم تنفرد لوحدك، اعلم أن الشاهد سيكون من نفسك يوم تقف بين يدي الله، يد تشهد ورجل تشهد، وعين تشهد، وأذن تشهد، وكل شيء يشهد: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور:٢٤].

стр. 54

نموذج من سلف الأمة في الإقبال على الله يا أيها الأحبة! أريد في الختام أن أذكر لكم نماذج، وهذا النماذج حافزة لكم أن تكونوا مثلها، للصغار أقول يا أيها الأحبة: في موقعة بدر -أول وقعة للمسلمين- والتي أثخن فيها المسلمون المشركين ماذا كان بطفل بمثل أعماركم؟ ماذا كان من شاب بمثل أعماركم؟ إنه عمير بن أبي وقاص، شاب صغير عرف قدر نعمة الله عليه بالإسلام، فتوجه إلى الله جل وعلا يوم بدر، فكان أن أخذ حمائل السيف، وكانت طويلة عليه فأخذها سعد وربطها فأصبح يسحب في الأرض من قصر الرجل وطول السيف عليه! ويتجه إلى الله، ماذا يقدم؟ هل يقدم ركعة -وإن كانت عظيمة-؟ هل يقدم كلمة -وإن كانت عظيمة-؟ إنه لم يرض للجنة ثمناً إلا أن يقدم دمه لله ، فيأخذ السيف ويتوارى بين صفوف المسلمين؛ لأنه لو رآه النبي ﷺ لرده، فرآه المصطفى ﷺ وقال لـ عمير: ارجع. فماذا كان من عمير؟ أفرح والسيوف تنتظره هناك؟ بل دمعت عيناه ورجع هذا الصبي حسيراً كسيراً، فيقول أخوه سعد بعد أن تأثر من منظره: يا رسول الله! والله ما خرج إلا ليقتل في سبيل الله فلا تحرمه الشهادة في هذا اليوم، فيسمح له النبي ﷺ ويدخل غزوة بدر فينتصر المسلمون ليكون أحد شهدائها بإذن الله، عمير بن أبي وقاص. كم عمره آنذاك؟ عمره بمثل أصغر أعماركم الآن، وما ذلك على الله بعزيز أن نرى من شبابنا عميراً وعميراً وعميراً، نسأل الله أن يجمعنا بـ عمير وأمثاله في جنة عدن، فهو الرحيم سبحانه وبحمده. أيها الأحبة: هذا مثل من الماضي لكن هل الماضي فقط؟ والله يا أيها الأحبة إن من شبابنا هذه الأيام، بل من أطفالنا هذه الأيام من يحمل هم الدين ويحمل هم الإسلام أفضل ممن عمره المائة عام، إن هذا الطفل ليحمل بين طياته أعظم مما يحمل أبو المائة عام. شاب من الشباب يأتي إلى أبيه يوماً من الأيام ويعترض عليه ويقول: يا أبتاه! نحن في نعمة لا يعلمها إلا الله جل وعلا، وعندنا في كل شارع من الشوارع هذه الثلاجة التي نضع فيها الريال فتخرج لنا من هناك عصيراً أو ما أشبهه، ففكر هذا الشاب كيف يخدم دينه من خلال هذه، الشراب ليس ضرورياً، البيبسي ليس ضرورياً، هذه المشروبات جميعاً ليست ضرورية، إن أيقاظ القلوب وغذاء الأرواح أهم من هذه، ماذا فكر هذا الصبي؟ قال: لتملأ هذه الثلاجة بالأشرطة الإسلامية فيأتي الواحد فيضع الريال فيخرج له شريطاً، إن كان من الذين يحبون هذا فهذا شيء طيب، وإن لم يكن من هؤلاء فقد ذهب الريال ولن يعود إليه ولابد أن يأخذه لعله يستفيد منه تفكير صبي من الصبيان إنه تفكير عظيم يا أيها الأحبة! فنحتاج إلى هذا التفكير كيف نخدم ديننا؟ لا نخدم ديننا يا أيها الأحبة إلا بعد أن نتشبع من هذا العلم، العلم الشرعي الذي يقربنا من الله ، يوم تمتلئ قلوبكم علماً ويقيناً تتجهون إلى الله ، ويوم يصد الإنسان يعم الله بصيرته، لكن نقول للصاد: عد تجد الله تواباً رحيماً واحمد الله أن أمهلك. شاب من شباب هذا البلد كان يعصي الله في حرم الله -ويا أيها الإخوة هذه نعمة نحن فيها إن استغلينا هذه النعمة، فإن انعكست فويل ثم ويل لنا أن نعصي الله في حرم الله- هذا الشاب كان صاداً وناداً عن الله ، لا يكاد يرعوي فيأتيه أحد الشباب الطيبين أمثالكم ويقول له: يا أخي! اتق الله، تعصي الله في حرم الله؟! اللهم لا تغفر له. وهذا يأس من هذا الشاب، ولكن ذاك زُئر ودهش وتذكر قدومه على الله ، وتذكر أن الذي لا يغفر له مصيره إلى النار التي سمعتم بعض أوصافها قبل قليل، فماذا كان منه؟ قال: يا رب أسألك بحسن ظني فيك إلا قبلتني، اللهم إني ألقيت إليك مقاليد أمري فاقبلني، اللهم قد أقلعت وتبت وندمت وعدت إليك فاقبلني، ويذهب حسيراً كسيراً نادماً على المعصية التي فرط فيها، يوم صحا قلبه وتأثرت روحه ورقت، رجع إلى الله . يقول: فقام يصوم نهاره ويقوم ليله، ويأتي فيذهب ليحرم من خارج الحرم، ويدخل إلى الحرم وبينما هو يطوف بالبيت وبين الركن والحجر يسقط هناك ميتاً حسن خاتمة بإذن الله جل وعلا. من عاد إلى الله بصدق بلغه الله حسن الخاتمة، وما بعد حسن الخاتمة إلا كل خير بإذن الله .

стр. 55

الحث على طلب العلم فيا أيها الأحبة! أدعوكم إلى أن تطلبوا العلم بإخلاص، ثم تعلموا لما خلقتم وأن باب التوبة مفتوح فإياكم أن يغلق الباب وأنتم تقولون سوف وسوف وسوف أعماركم تمضي بسوف وربما لا تجتنون سوى عسى ولعلما هم المسوف كالتعلق بالسما أعماركم تمضي عجالا إنما أنتم سفارا من الأسفاري فيا أيها الحبيب! اتق الله وقصر الأملا ليس في الدنيا خلودٌ للملا أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما قلنا وسمعتم، وأن يجعله شاهداً لنا لا شاهداً علينا يوم نلقى الله ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 56

الأسئلة .

стр. 57

التحذير من الغيبة السؤال بعض الإخوة بالله لا يتركون الغيبة فأرجو النصيحة. الجواب يا أيها الأحبة: داء الغيبة خطير، يقول الله : ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] أيحب أحدنا أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ إن الذي يغتاب هذا الأخ في الله ، نقول له: أنت تأكل لحمه حياً ليس ميتا، فما بالك إن كان ميتا، أما تخشى الله أن تأتي في آخر نهارك بصلاة وذكرٍ لله ، ثم يسلم منك اليهود ويسلم منك النصارى، ويسلم منك جميع أعداء الدين ثم لا يسلم منك إخوانك يا أيها الحبيب! ويقول النبي ﷺ يوم عرج به إلى السماء: ﴿ومررت على قومٍ لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، قال: قلت: من هؤلاء يا جبريل قال: هؤلاء الذين يقعون في لحوم الناس ويأكلون أعراضهم﴾ أو كما قال ﷺ ، فانتبه أن تحول ما لديك من حسنات لغيرك، والقصاص بين يدي الله .

стр. 58

عرض النفس على القرآن السؤال كيف أعرف نفسي هل أنا صالحٌ أم طالح؟ الجواب أنا أقول: اختبر نفسك عندما تقرأ القرآن إن وجدت نفسك مع القرآن تأتمر بأمره، وتنتهي بنهيه فأنت إن شاء الله صالح، وإن وجدت نفسك وأنت تقرأ القرآن لا تلقي له بالاً، فاسأل الله أن يمن عليك بقلبٍ فإنه لا قلب لك.

стр. 59

صور وعبر عمر بن الخطاب الذي زلزل عروش الظالمين، ودك قلاع الأكاسرة والقياصرة. عمر نور أضاء سطور التاريخ، وهو غرة في جبين الزمان. أمة في رجل إمام همام مميت الفتن ومحيي السنن. في هذا الدرس وقفات من حياة عمر زهده جهاده تفقده لرعيته ونصحه لهم أدب الخلاف عنده حزمه مع من يرفض حكم رسول الله، وفي الأخير قصة وفاته ﵁ وأرضاه.

стр. 60

فضل الصحابة ﵃ الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، ذي العفو الواسع والعقاب الشديد، من هداه فهو السعيد السديد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، ومن أرشده إلى سبل النجاة ووفَّقه فهو الرشيد، يعلم ما ظهر وما بطن، وما خفي وما علن، وما هَجُن وما حَسُن، وهو أقرب إلى الكل من حبل الوريد. قسَّم الخلْق قسمين، وجعل لهم منزلتين، فريق في الجنة وفريق في السعير، إنَّ ربك فعال لما يريد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. أحمده وهو أهل الحمد والتحميد، وأشكره والشكر لديه من أسباب المزيد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، والبطش الشديد، شهادة تكْفُل لي عنده أعلى درجات أهل التوحيد، في دار القرار والتأييد. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير، أشرف من أظلَّت السَّماء، وأقلَّت البِيدُ، ﷺ تسليمًا كثيرًا وعلى آله وأصحابه أولي العون على الطاعة والتأييد، صلاةً دائمةً في كل حين تنمو وتزيد، ولا تنفد ما دامت الدنيا والآخرة ولا تبيد. روحي الفداء لمن أخلاقه شهدت بأنَّه خير مبعوثٍ من البشرِ عمَّت فضائله كل البلاد كما عمَّ البرية ضوء الشمس والقمرِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته: أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل هذا الاجتماع ذخرًا لي ولكم في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأن يجعله من صالحات الأعمال، وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار. اللهم اكتب لنا به أجرًا، وارفع به ذكرًا، واجعله لنا ذخرًا. اللهم اجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، وأعمالنا خيرًا من أقوالنا اللهم أنِرْ بصائرنا، وثبتنا على الحق حتى نلقاك، واجعل حديثنا حديث قلب لقلوب، أنت أكرم مسئول على الدوام، وأحق من يُرْتَجَى منه حسن الختام. صور وعبر الحلقة الثانية: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]. أحبتي في الله: إن الصحابة الأبرار -كما تعلمون- هم حملة الإسلام وحفظته بعد رسول الله ﷺ ، اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه، ونشر رسالته من بعده عدَّلهم وزكَّاهم، ووصفهم بأوصاف الكمال في غير ما آية من كتابه، رضي الله عنهم ورضوا عنه نوعٌ فريد من الرجال، عدول ثقات صالحون، حازوا قَصبَ السبق في كل شيء، لم تعرف البشرية لهم نظيرًا قمة في التقوى والورع آية في التجرد والإخلاص مِشْعَل في العلم والعمل نِبْرَاس في الدعوة إلى الله. تالله لقد وردوا الماء عذبًا زلالاً، وأيدوا قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحدٍ مقالاً فتحوا القلوب بالقرآن، وفتحوا القرى والمدائن به وبالسنان هم أنصار الدين في مبتدأ نشأته، بذلوا المُهج يوم بخل أهل الدراهم بدراهمهم رجال المغارم يوم يندس المغرورون في ثيابهم، هم لله قلوبًا وأبدانًا ودماءً وأموالاً. لم يجعلوا همَّهم حشو البطون ولا لبس الحرير ولا الإغراق في النعم حفظوا الشرع من أهواء الزائغين، وحموا الملة من زحف المناوئين شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل حملوا الوحْيَين، وحضروا البيعتين، وصلَّوا أو أغلبهم صلى إلى القبلتين. كلهم له همٌّ، وهمهم رفعة لا إله إلا الله، وكلهم له قصد، وقصدهم الجليل في علاه خرجوا من أموالهم لله ولرسوله، فما شفا ذلك لهم غليلاً، فأبوا إلا أن يقدموا الجماجم، ويسيلوا الدماء، ويستعذبوا العذاب في ذات ربهم فرضي الله عنهم وأرضاهم، وأكرم في جنات الخلد مثواهم: بيضُ الوجوه ترى بطون أَكُفِّهِم تندى إذا اعتذر الزمانُ الممحلُ من كان متأسيًا فليتأس بهم؛ فهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، وأقومها هَدْيًا، وأحسنها حالاً. همُ الرجال بأفياء الجهاد نَمَوْا وتحت سقفِ المعالي والنَّدى وُلِدُوا جباهُهم ما انحنت إلا لخالقها وغير من أبدع الأكوان ما عبدوا الخاطبون من الغايات أكرمها والسابقون وغير الله ما قَصَدُوا

стр. 61

مقدمة عن عمر بن الخطاب ومن هنا؛ فإن الكلام عن هؤلاء العظماء، وكشف الستار عن الصفحات الناصعة التي سطروها، واجب محتم علينا في هذا العصر الذي نعيش فيه معمعة الأفكار، واضطراب الموازين، وموالاة الكفار، والوقوع في الصحابة الأبرار واجب لردع أهل الهوى من الزنادقة والملاحدة، وأهل الكفر والابتداع الذين انتقصوا وسبُّوا خير جيل وطائفة وُجِدَت على وجه الأرض؛ لا لشيءٍ إلا لأنهم حَمَلة الإسلام، ورواة الأحاديث التي تهدم بِدَعهم، وتُظهر ضلالهم، وتُبْرز خُبْث طويتهم، قاتلهم الله! وقاتل كل من حادَ عن كتاب الله وسُنَّة مصطفاه، واتَّبع غير سبيل المؤمنين! فهَلُمَّ هلم، وحيهلا بكم -أيها الأحبة- لنعيش الليلة معكم في ظلال محطة صور، ومائدة عبر، من حياة عَلَم آخر في سلسلة أعلام هذه الأمة المباركة علم يجب على الأمة أن تجعله وصحبه حديث شيوخها في السمر، وقصص أطفالها الذين لطالما أشغلوا بالقصص الهابط، والرسوم المتحركة، وحديث شبابها في منتدياتهم ونواديهم التي لطالما شُغلت بالحديث عن اللاعبين والفنانين والساقطين والساقطات. إنه من أظهر إسلامه يوم كانوا يخفونه إنه من تقلَّد سيفه وتنكب قوسه، وأخرج أسهمه، وأتى الكعبة وأشراف قريش في فنائها، فطاف سبعًا رغم أنوفهم، وصلى ركعتين، وأتى حلقهم واحدة واحدة يقول: [[شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي]] فما تبعه أحد. إنَّه مرقع القميص، وبين يديه الغالي والنفيس، إنَّه من يسلك الشيطان فجًا غير فجه، إنَّه الوقَّاف عند كتاب الله، المجاهد في سبيل الله، إنَّه القِيَم والمُثُل بعينها، وما أروع المثل يوم تكون رجالاً فتكون الأخلاق فِعالاً! إنَّه العادل إنْ ذكر العادلون، هو من سهر لينام الناس، وجاع ليشبع الناس، هو من جعل كبير المسلمين أبًا، وأوسطهم أخًا وأصغرهم ولدًا. هو من لا تأخذه في الله لومة لائم، هو قائل الحق ولو كان مرًّا، إنَّه من اشترى أعراض المسلمين من أحد الشعراء بثلاثة آلاف درهم، حتى قال ذلك الشاعر: وأخذت أطراف الكلام فلم تدعْ شَتْمًا يضر ولا مديحًا ينفعُ ومنعتني عِرض البخيل فلم يَخَفْ شتمي وأصبح آمنا لا يفزعُ زلزل عروش الظالمين، ودكَّ قلاع الأكاسرة والقياصرة، وخضعت لعدالته الجبابرة والأباطرة، وهَوَت عناكب الظلم أمام رايات عدله الخفَّاقة وفتوحاته المظفرة، فَأَرْغَم أنوف الروم، وحطم كبرياء الفرس، وأخرج المغضوب عليهم -اليهود- من جزيرة العرب؛ لغدرهم ونقضهم العهود، أخرجهم أذلةً صاغرين. إنَّه الزاهد العالم العابد الغيور الخائف من الله وكفى. أظنكم قد عرفتموه، إنَّه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ولعنة الله على من أبغضه وعاداه. نور أضاء سطور التاريخ، وغرة في جبين الزمان، أُمَّة في رجل، إمام همام، مميت الفتن، ومحيي السُّنَنَ. عمر الذي لا يجهله أحد، وفي نفس اللحظة قلَّ أن يعرفه أحد في هذا العصر. يعرف بعضهم بعض أخباره، ونتفًا من نسبه وأعماله، أما روح تلك الأخبار فلا يدركها إلا من تأملها من الأخيار، وإني لأرجو الله أن نكون وإياكم من أولئك الأبرار. مراكبُ أهل الهوى أتخمت نزولاً ومركبنا صاعدُ إذا عدد الناس أربابهم فنحن لنا ربنا الواحدُ إلى صور ذات عبر من حياته، وعذرًا لن نفيه حقه في هذه العُجالة: فأعلامُه في كل أرض خوافقُ يدين بها شرقٌ ويخضع مغربُ لكن حسبنا أن نقف عند بعض صور من حياته؛ وقفة عظة وتدبر واقتداء، ولأهل الهوى ردع وزجر. هاهي محطتنا الليلة محطة عُمَريَّة، فهل أنتم نازلون؟ وهذه مائدتنا فهل أنتم إليها مائلون؛ أم أنكم لا ترغبون؟ معذرة لأصحاب البطون؛ أعني: من لأجل رفع مستواهم المعيشي يكدون ويقلقون وفي الكلام عن المسكن والسيارة والأثاث والراتب لا يملون، وعلى هامش الحياة بلا رسالة يعيشون، بهائم في مسالخ البشر وهم لا يشعرون، هتافهم دائماً وأبداً: أين الصُحُون؟ مائدتنا تعتذرهم ثم تعتذرهم وتقول: إلي إليَّ أيها المتيقظون العاقلون المتدبرون، ومن بِسَلَف الأمة يقتدون، ومن عن التُرَّهات يترفَّعون، أنتم جميعًا مدعوون، وأنتم -إن شاء الله- رابحون: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] يارب: أنت العليم بظاهري وبباطني بالسر بل أخفى وبالإعلانِ أنت السميع لمنطقي وحروفه أنت الخبير بموقفي ومكاني إن لم أكن أهلاً لتوفيقٍ فمُن فلأنت أهل المَنِّ والإحسانِ يا رب أنت المُرتجى والمُبتَغَى وأنا الفقير بذلتي وهواني اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحَزنَ إذا شئت سهلاً.

стр. 62

عمر وتفقده للرعية

стр. 63

عظم شعور عمر بالمسئولية الصورة الأولى: علم عمر ﵁ أنَّ الخلافة أمانة لا استعلاء، وتكليف لا تشريف، وغُرْمٌ لا غُنْم، فقام يمشي في الأسواق بلا مواكب ولا مراكب، يطوف الطرقات، ويقضي حاجات الناس ويقضي بينهم، يَخْلُفُ الغزاة في أهلهم، يتفقد أحوال رعيته، همُّهم همُّه، وحزنهم حزنه، لينٌ قوي، حازم رحيم، راعٍ أمين، يقول تحت وطأة المسئولية -كما روى مجاهد عن عبد الله بن عمر -: [[لو مات جَدْيٌ بطرف الفرات لخشيتُ أن يحاسب الله به عمر يوم القيامة -وفي رواية- لو عثرت دابة بضفاف دجلة لخشيتُ أن يسألني الله عنها: لِمَ لمْ تُمهِّد لها الطريقَ يا عمر؟]] يا لله! كلمات تدعو للتأمل في شخصية ذلك الرجل الذي ضربت به الأمثال في العدل والزُّهد والحرص على رعاية الأمة بالليل والنهار؛ فلا عبقري يفري فريه. وبالمناسبة يذكر المؤرخون أن حمامة باضت في فسطاط عمرو بن العاص والي مصر آنذاك، فلما عزم على الرحيل أمر عماله أن يخلعوا الفسطاط، فلفت أنظارهم عش حمامة فيه بيض لم يفرخ بعد، فلم يُزْعِجُوا الحمامة، ولم ينتهكوا حرمة جوارها، بل أوقفوا العمل، وذهبوا إلى عمرو ﵁ يعرضون عليه الأمر، ويأخذون رأيه فيها، فقال: [[لا تُزْعِجُوا طائراً نزل بجوارنا، وحلَّ آمنًا في رحالنا، أجِّلُوا العمل حتى تَفْرُخَ وتطير]]. فيا للعظمة! ويا للرحمة! حتى الطير ينعم في ظل الأمن والعدل مع العدول رضوان الله عليهم! أيها الأحبة: إن المسلم وهو يستعرض مثل هذه المواقف ليأسى ويحزن يوم يصبح المسلم في عالمنا الإسلامي يتمنى أن يحظى بالاهتمام الذي كان يحظى به الحيوان والطير، في زمن عمرو وعمر ﵄ وأرضاهما. وأعود فأقول وأكرر مرارًا وتكرارًا: كل ذلك بما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير، من هادن الأفعى تجرع سمها يومًا ما. ثم أثَنِّي فأقول: هنيئًا ثم هنيئًا لمن اكتحلت عيناه برؤية ذلك المجتمع وذلك الجيل، الذي عمَّ عدله الطير والحيوان، اللهم وقد حرمنا رؤيتهم في الدنيا فلا تحرمناها في الآخرة؛ في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر. صورة أخرى: كان يرى مسئوليته عن كل فرد في سربه، وأيِّم في بيتها، ورضيعٍ في مهده، هو القائل: [[ما مثلي ومثل هؤلاء إلا كقومٍ سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر منها بشيء؟ قالوا: لا يا أمير المؤمنين! قال: فكذلك مَثَلِي ومَثَلُكُم]].

стр. 64

جوع عمر في عام الرمادة في عام الرَّمادة؛ وهو عام شديد القحط والجدب، ما قُدِمَت له لقمة طيبة فأكلها بل كان يؤثر بها الفقراء والمساكين، يوم زار الشام جِيء له بطعامٍ طيب، فنظر إليه وقال: [[يا لله! كل هذا لنا، وقد مات إخواننا لم يشبعوا من خبز الشعير؟! والله! لا أطعمه]]. إن جاع في شدةٍ قومٌ شركتهم في الجوع أو تنجلي عنهم غواشيها جوع الخليفة والدنيا بقبضته في الزهد منزلة سبحان مُوليها يتغير لونه في عام الرمادة من أبيض حتى يصبح مسودًّا من شدة الهمِّ بأمر المسلمين، يأكل الخبز بالزيت، ويمسح بطنه ويقول- كما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح-: [[والله! لتمرننَّ أيها البطن على الخبز والزيت مادام السمن يباع بالأواقي، والله! لا تشبع حتى يحيا الناس]] عقمت نساء الأرض أن يُنْجِبْن مثلك يا عمر. يقول أسلم -كما في تاريخ عمر لـ ابن الجوزي -: كان يقوم يصلي من الليل، فيذكر ما حلَّ بالمسلمين فلا يدري ماذا يصلي، يقول: إني لأفتتح السورة فما أدري أنا في أولها أم في آخرها، لما أعلم مما يلاقي المسلمون من الشدة. وحدث الواقدي قال: حدثنا هشام عن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما كان عام الرَمَادَة جاءت وفود العرب من كل ناحية فقدموا المدينة فأمر عمر رجالاً يقومون بمصالحهم، فسمعته يقول ليلةً من الليالي: أحصوا من يتعشى عندنا، فأحصوهم في القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل. أما المرضى والعيال الذين لا يحضرون تلك المائدة فقد بلغوا أربعين ألفًا، فكان يرسل إليهم عشاءهم في بيوتهم. فما برحوا حتى أرسل الله السماء، فوكل عمر بهم من يخرجهم إلى البادية ويعطيهم قوتًا وحملانًا ومتاعًا، وكان قد وقع الموت فيهم فأراه قد مات ثلثاهم، وقد كانت قدور عمر ﵁ وأرضاه يقوم لها العمال من وقت السحر ليعملوا الطعام، ونفد ما في بيت المال، فلم يبق منه قليل ولا كثير.

стр. 65

عمر وتفقده للرعية ليلاً يروي ابن كثير في تاريخه: أن عمر عس ذات ليلة في ذلك العام، وقد بلغ بالناس الجهد كل مبلغ فلم يسمع أحدًا يضحك، ولم يسمع متحدثًا في منزله كالعادة، ولم يرَ سائلاً يسأل، فتعجب وسأل فقيل: يا أمير المؤمنين! قد سألوا فلم يجدوا فقطعوا السؤال؛ فهم في همٍّ وضيق، لا يتحدثون ولا يضحكون، ولا يمزحون. فيا لله! ماذا يفعل عمر؟ قد نفد كل ما في بيت المال، فألزم نفسه ألا يأكل سمينًا؛ فكان إدامه الخل بالزيت حتى اسودَّ لونه، وتغير جسمه، وخُشي عليه خشية عظيمة ﵁ وأرضاه - وتبلغ الأمور ذروتها، وحينها يلجأ مضطرًا إلى الله عالمًا علم يقين أن رفع البلاء بالتوبة والاستغفار، لا بفصاحة المتشدقين، وتصدي المتبجحين. فعن أبي وجزة السعدي عن أبيه قال: [[رأيت عمر خرج بنا عام الرمادة إلى المصلى يستسقي؛ فكان أكثر دعائه الاستغفار حتى قلت: لا يزيد عليه. ثم دعا الله وأوصى الناس بتقوى الله- فقال: اتقوا الله في أنفسكم، وما غاب عن الناس من أمركم، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، فما أدري السَّخطة عليّ دونكم أو عليكم دوني، أو قد عمَّتكم وعمتني، فهلمُّوا فلندعُ الله أن يصلح قلوبنا، وأن يرحمنا، وأن يرفع عنا البلاء، فرُئِيَ يومها رافعًا يديه يدعو الله ويبكي، والناس يدعون وراءه ويبكون، ثم نزل فلم يزلْ هذا شأنه حتى جاءت الرحمة من الله]] وأذن الله للناس بالغياث والفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، فله الحمد أولاً وآخراً، وظاهرًا وباطنًا. أيها الأحبة: هذه مؤهلات الفرج، وهذه مؤهلات الغوث من رب العالمين؛ الجباه الساجدة لله، والعيون الدامعة من خشية الله، والأكف المتوضئة المرتفعة: يا رب يا رب، ومطعمها حلال، ومشربها حلال، وتغذيتها حلال فأنى يرد من هذا حاله؟ يقول أسلم: فلو لم يرفع الله المحل عام الرمادة؛ لظننا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين. رحم الله عمر ورضي عن ذلك النموذج، قد عرف مسئوليته تجاه رعيته، وراقب الله فيمن تحت ولايته، فأحبهم وأحبوه، ورضي عنهم ورضوا عنه، عفَّ فعفوا، وصدق فصدقوا، ولو رتع لرتعوا: ما كان إلا الشمس يسطع ضوءها والخصب في أرض الضلال الماحلِ قف أيها التاريخ سجل صفحةً غراء تنطق بالخلود الكاملِ حَرِّك بسيرته القلوب وقد قست وغدت بقسوتها كصُمِّ جنادلِ

стр. 66

عمر وموقفه مع امرأة فقيرة وعيالها صورة أخرى: روى الإمام أحمد بإسناد حسن في الفضائل، قال: عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: [[خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بمرتفع إذ بنار بعيدة فقال عمر: يا أسلم إني لأرى هناك ركْبًا حبسهم الليل والبرد فانطلق بنا، قال: فخرجنا نُهَرْوِلُ حتى دنونا منهم، فإذا هي امرأة معها صبية صغار، وإذا بِقِدْر منصوبة على النار، وصبيانها يتضاغون، فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء - وقد كره أن يقول: يا أهل النار- قالت: وعليكم السلام، قال عمر: أأدنو؟ قالت: ادْنُ بخير أو دع. فدنا فقال: ما بكم؟ قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: فمالِ لهؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع. قال: فأي شيء في هذا القدر؟ قالت: ماء أُسْكِتهُم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر -كلمات يهتز لها قلب وجنان كل مؤمن، فما بالك بـ عمر؟ - يقول: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا، ثم يغفل عنا، الله بيننا وبينه. قال أسلم: فأقبل عليَّ عمر به ما به، يقول: انطلق. فأتينا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عِدلاً من دقيق، وكبَّة من شحم، ثم حملها عمر على ظهره، فقلت: أحملها عنك يا أمير المؤمنين! قال: لا أمَّ لك، أتحمل عني وزري يوم القيامة؟! قال: فانطلقنا حتى أتيناها، فألقى العِدْل عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، وجعل يقول: ثرِّي عليّ وأنا أُحرِك، وجعل ينفخ تحت القدر، والدخان يتخلل لحيته، فلو رأيته لرأيت عجبًا، ثم أنزل القدر فأتته بصحفة فأفرغ فيها الطعام. ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم؛ فلم يزل كذلك حتى شبعوا، ثم ترك عندها فضل ذلك الطعام، ثم قام وهي تقول: جزاك الله خيرًا. كنت أولى بهذا الأمر من عمر. قال: قولي خيرًا قولي خيرًا، ثم تنحى عنهم ناحية واستقبلهم وقد رَبَضَ مَرْبَضًا يراقبهم، يقول أسلم: فقلت: إن له لشأنًا، وهو لا يكلمني حتى رأى الصبية يصطرعون، ثم ناموا، فقال يا أسلم: ما أسهرهم إلا الجوع، فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت]]. يا لها من كلمة! تكشف عن رهافة الحس ونقاء الضمير! كل ذلك قبل أن يعرف العالم حقوق الطفولة، وقبل أن تُنْشأ لها المنظمات العالمية، سبق الإسلام إلى تقرير حقوق الطفولة والأسرة، فرضي الله عن عمر وعن صحبه وعن رسول الله ﷺ ومن قرر مثل هذه الحقوق.

стр. 67

عمر وتفقده لامرأة عمياء أيها الأحبة: إن هذه الصورة لتذكرنا بصورة أخرى مضيئة في حياة عمر ﵁ وأرضاه- يذكر الأوزاعي أن عمر خرج في سواد الليل، فرآه طلحة فتبعه، فذهب عمر حتى دخل بيتًا، ثم خرج منه وطلحة يراقبه، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة. فقال لها: ما بال هذا الرجل الذي يأتيك؟ قالت: إنه يتعهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فجزاه الله عني خيرًا. فيقول طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتتبع؟ يا لله! هل يفعل الواحد منا مع أهله ما يفعله عمر مع رعيته؟ لا. إنه الإيمان الذي وقر في القلب وصدقه العمل، فلا والله! لا تنساه الأيامى والثكالى واليتامى مادام في الأرض أيْمٌ أو ثكلى أو يتيم، ولا والله ما تنساه البطون الجائعة والأكباد الظامئة ما دام في الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى. فمن يباري أبا حفصٍ وسيرتَه ومن يحاول للفاروقِ تشبيها ومن رآه أمام القدر منبطحًا والنارُ تأخذ منه وهو يُذكيها وقد تخلل في أثناء لحيته منها الدخان وغاب فُوهُ فِي فِيهَا رأى هناك أمير المؤمنين على حالٍ تروع لعَمْرِ الله رائِيْهَا يستقبل النارَ خوف النارِ في غَدِه والعَيْنُ من خشيةٍ سالت مآقِيها

стр. 68

صور من تواضع عمر صورة أخرى: كان ﵁ عظيم التواضع للخلق والحق، وكل الصور تدل على ذلك. رفعه الله بتواضعه درجات في الجنة. [[فعن الفضل بن عميرة أن الأحنف بن قيس قدم على عمر في وفد من العراق في يومٍ صائفٍ شديد الحر وهو محتجز بعباءة، يهنأ بعيرًا من إبل الصدقة، فقال: يا أحنف! ضع ثيابك، وهلم فَأَعِنْ أمير المؤمنين على هذا البعير؛ فإنه من إبل الصدقة، فيه حق لليتيم والمسكين والأرملة، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين! هلا أمرت عبدًا من عبيد الصدقة ليكفيك هذا. قال عمر: ثكلتك أمك، وأُيُ عبدٍ هو أعبد مني ومن الأحنف؛ إنه من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين، يجب عليه ما يجب على العبد لسيده من النصيحة وأداء الأمانة]]. فيا لله! ورب عمر إن مشهدًا كهذا خير من الدنيا وما فيها. يقول عبد الله بن عمر بن حفص: إن عمر بن الخطاب ﵁ كان يحمل القِرْبَة على عنقه، فيقال له في ذلك فيقول: إن نفسي أعجبتني فأردتُ أن أذلها. بل إنه لربما أخذ بيد الصبي يلقاه، فيقول له: ادْعُ لي؛ فإنك لم تذنب قط. بل إن ابن عباس ﵁ دخل عليه يوم طُعِنَ فقال: [[أبشر يا أمير المؤمنين! أسلمت حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله الناس، وتوفيَ رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان. فقال عمر: أعد، أعد. فأعاد. فقال عمر: المغرور مَنْ غُرَّ. ولو أن لي ما على ظهرها من بيضاءَ وصفراءَ لافتديتُ به من هَوْلِ المطلع، وددتُ أني أنجو كَفافًا لا أجر لي ولا وزر]]. ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. وكان متواضعًا للحق يقبله في السر والعلن، لقد كان بينه وبين رجل كلام في شيءٍ - كما أورد ابن الجوزي في تاريخه - فقال له الرجل: [[اتق الله يا أمير المؤمنين! فقال له رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟! فقال له عمر على الفور: دعه، فليقلها لي، نِعْمَ ما قال؛ لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نقبلها منكم]]. يا ليت هذه الكلمة تكون عنواناً ولجامًا يلجم به نفسه كل من ولي من أمر المسلمين شيئًا صَغُر أو كَبُر؛ إذًا لصلح الحال، وتغيرت الأحوال، وكسدت سوق النفاق، ولكن أشد عيوبنا أنَّا إذا ما نُصِحْنَا خَدَّرتْنَا الكبرياء.

стр. 69

شدة خوف عمر من الله كان خوفه من الله عظيمًا، بل ما قاده وحداه لتلك الأعمال المُشْرِقَة الخالدة إلا خوفه من الله كان يمر بالآية فيغلبه البكاء وهو يصلي بالناس، حتى يقول ابنه عبد الله: [[إني لأسمع حنينه من وراء ثلاثة صفوف، وإنَّه لينشج حتى أقول: اختلفت أضلاعه]]. بل ذُكِر أنَّه خرج يعس ليلة من الليالي فمر بدار رجل من الأنصار، فوافقه قائمًا يصلي -يوم كانت دور المسلمين تعمر بالقرآن لها دوي كدوي النحل- وقف يستمع لقراءته فقرأ: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢] حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:٧ - ٨] فقال عمر: قسم حق ورب الكعبة، ثم نزل عن حماره، واستند إلى حائط فمكث مليًا به ما به، ثم رجع إلى منزله فعاده الناس، لا يدرون ما مرضه. هذه حاله مع آية من آيات القرآن. فما حالنا مع كتاب الله؟ عُمْيٌ عن الذكر والآيات تَنْدُبُنَا لو كلَّم الذِّكْر جُلْمُودًا لأبكاهُ كان شديد المحاسبة لنفسه، يقول أنس: [[خرجت مع عمر فدخل حائطًا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ والله لتتقين الله أو ليعذبنك الله]]. فهلا خلا أحدٌ منَّا بنفسه يعاتبها ويحاسبها، علها أن تذكر الله فتسيل دمعة يستحق بها أن يكون ممن يستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله. نشكو إلى الله قسوة قلوبنا وغفلتنا، ونسأله بعزته وقدرته أن يلين قلوبنا فيه حتى تكون ألين من الزبد. هو ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 70

زهد عمر بن الخطاب صورة أخرى أيها الأحبة: إن الزهد في الدنيا، والإعراض عن طلب زينتها، والعزوف عن شهواتها، من كمال الإيمان، ورجاحة العقول. إذ الدنيا حقيرة، وزينتها خداع وسراب، شهواتها آلام تدفع بآلام، عرف ذلك الفاروق فركلها وقد أناخت عند قدميه. وذلك -والله- هو الزهد بعينه. ذكر السيوطي في كتابه: تاريخ الخلفاء أن ابن سعد أخرج [[أن حفصة وعبد الله -ابني عمر - كلما عمر فقالا له: لو أكلت طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق. قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: قد علمت نصحكم لي، ولكني تركته، لقد تركني صاحباي على جادة -يعني رسول الله ﷺ وأبا بكر - فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل]]: له أمنياتٌ قَدَّسَ الله سِرَّها لتحقيقها في الأرض يرسو ويبحرُ يَكِلُّ جناح النسر دون بلوغها وفي دربها الخيل الأصيلة تعثرُ يذكر القرطبي في تفسيره عن قتادة أنه قال: [[ذُكِرَ لنا أن عمر-﵁-قال: لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا، ولكني أستبقى طيباتي للآخرة. قال: ولما قدم الشام صُنِعَ له طعامٌ لم يُرَ مثله، قال: هذا لنا! فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير، فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة. فاغرورقت عينا عمر بالدموع، وقال: لئن كان حظنا من هذه الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة، لقد باينونا بوناً بعيداً]] ثم أجهش بالبكاء: يهفو إليهم لعل العيش يهنأ له ما بين صحب وأرحام وإخوان.

стр. 71

عمر يتلقى الزهد من النبي ﷺ لقد تلَقَّى الزهد دروسًا عملية تربوية من سيد الزاهدين محمد ﷺ ، فاسمع يوم يروي مسلم فيقول: ﴿دخل عمر على النبي ﷺ وهو في مشربة له، فالتفت في بيت رسول الله ﷺ فلم يجد شيئًا يَرُدُّ البصرَ إلا جلودًا قد سطع ريحها، ورسول الله مضطجع قد أثرت حبال السرير في جنبه الشريف ﷺ فتدمع عينا عمر ﵁ فيقول ﷺ : ما بك يا عمر؟ فيقول: أنت رسول الله وخِيرته من خلقه على هذا، وكسرى وقيصر في الديباج والحرير وما تعلم؟! فاستوى ﷺ جالسًا وقال: أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك أقوام عُجِّلَت لهم طيباتهم في الدنيا. أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الأخرى﴾ أو كما قال ﷺ : ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥] تموت الأُسْد في الغابات جوعاً ولحمُ الضأن تأكله الكلابُ وعبد قد ينام على حرير وذو نسب مفارشه الترابُ

стр. 72

بعض أقوال عمر في الزهد بمثل هذا الدرس النبوي الشريف تشبعت روح عمر بمعاني الكمال، وأصبح في ذلك نعم المثال. يدخل بيته ذات يوم وقد أصابه الجوع، فقال: [[أعندكم شيء؟ فقالت امرأته: نعم. ما تحت السرير، فتناول وعاءً من تحت السرير فيه تمر فأكل ثم شرب من الماء ثم مسح على بطنه، وقال: الحمد لله، ويل لمن أدخله بطنه النار! ويل لمن أدخله بطنه النار!]] ونهدي هذه المقالة للذين لا يتورعون أأكلوا من حلال أو حرام؟ ويل لمن أدخله بطنه النار! هاهو عمر والرهط المؤمنون معه أمام غنائم كسرى من الفرس؛ بساط كسرى وسواريه وجواهره وحلله وأمواله، وبينما هو كذلك إذ بعينه تذرف الدموع حَرَّى يكفكفها بطرف ثوبه؛ ويدهش الصحابة، ويقولون: [[ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فينهد باكياً قائلاً: فدت نفسي رسول الله هو الأحب إلى الله منا، فدت نفسي أبا بكر وهو عند الله خير منا، والَهْفَ نفسي! مَضَوا إلى الله وخلفونا، ولم يَرَوا من زهرة الدنيا شيئًا، ثم فُتِحَ علينا من الدنيا ما ترون، وأخشى أن تكون طيبات عجلت لنا]]. فضج المسجد بالبكاء فما تسمع إلا النشيج والحنين والأنين. إيه يا عمر! قد عشت عمرك زاهداً في كل ما جمع البشر أتعبت من سيجيء بعدك في الإمارة يا عمر

стр. 73

عمر ونيل مصر صورة أخرى: أورد ابن كثير في تاريخه عن قيس بن الحجاج قال: [[لما فُتِحَت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل (بؤنة) -شهر من أشهر العجم- فقالوا له: أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سُنَّةٌ لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كانت ثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أباها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم عمرو ﵁: إن هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، ومنعهم فأقاموا ثلاثة أشهر والنيل لا يجري منه قليل ولا كثير؛ فتنة وابتلاء من الله حتى هموا بالجلاء عن مصر، فلما رأى عمرو بن العاص ذلك الأمر وما حل بهم، كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك، فكتب إليه عمر: لقد أصبت بالذي فعلت، والإسلام يهدم ما قبله، ثم كتب بطاقة داخل كتابه، وقال لـ عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل إذا أتاك الكتاب. فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو أخذ البطاقة فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأله أن يجريك. فألقى عمرو البطاقة في النيل، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنها لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة]] فقطع الله عادة السوء تلك عن أهل مصر إلى اليوم. الله أكبر! من أطاع الله وصدق وأخلص مع الله طَوَّعَ الله له كل شيءٍ، طَوَّع له الجبال والأنهار والقلوب والأرواح وأتته الدنيا راغمة: فتقوى الله خير الزاد ذخرًا وعند الله للأتقى مزيدُ

стр. 74

أدب الخلاف عند عمر بن الخطاب صورة أخرى: لقد كان عمر ﵁ فقيهًا متأدبًا بأدب الخلاف، وكذلك كان صحابة رسول الله ﷺ رضوان الله عليهم، فالخلاف عندهم لا يفسد الود. لِمَ؟ لأن الهدف عندهم هو إحقاق حق وإبطال باطل، فليظهر الحق على أي لسان.

стр. 75

أدب الخلاف بين عمر وابن مسعود يقول ابن مسعود ﵁: لقد اختلفت مع عمر ﵁ في مسائل تربو على مائة مسألة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أنقص هذا من حب عمر عند ابن مسعود أو العكس؟ لا والله! والشواهد تشهد بذلك. يقبل ابن مسعود يومًا على عمر ﵁ وهو جالس، فلما رآه عمر هشَّ له وبشَّ وقال: كُنَيْفٌ مُلئ علمًا وفقهًا. هكذا كانت نظرة عمر ﵁ لأخيه؛ نظرة تجردت عن الهوى والشهوة، فالحق مقصدها والصدق غايتها. فما نظرة ابن مسعود لـ عمر الذي اختلف معه فيما يربو على مائة مسألة؟ اسمع أخي الكريم: يأتي ابن مسعود اثنان، أحدهما قد قرأ على عمر والآخر على صحابي آخر، فيقول ابن مسعود للأول: من أقرأك القرآن؟ قال: أقرأنيه عمر بن الخطاب ﵁ فيجهش ابن مسعود بالبكاء حتى ابتلت الحصى بدموعه، ويقول: [[اقرأ كما أقرأك عمر؛ فإنه كان للإسلام حصناً حصيناً يدخل فيه الناس ولا يخرجون، فلما أُصِيْبَ عمر انْثلم الحصن]]. لا غرابة في هذا القول من ابن مسعود ﵁؛ فهو القائل بعد وفاة عمر -كما روى الإمام أحمد في فضائله بسند حسن-: [[لقد أحببتُ عمر حبًّا حتى لقد خفت الله، والله! لو أني أعلم كلبًا يحبه عمر لأحببته، ولوددت أني كنت خادمًا لـ عمر حتى أموت، ولقد وجَدَ فَقْده كل شئ حتى العصاة؛ إن إسلامه كان فتحًا، وهجرته نصرًا، وسلطانه رحمة]]، ثم يقول أخرى -كما أخرج الطبراني-: [[لمجلس واحد من عمر أوثق عندي من عمل سنة، لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر-﵁ بعلمهم، ولقد ذهب بتسعة أعشار العلم]].
следующие страницы →