← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بطولات خالد في قتال المرتدين ثم تُفْجَع الأمة بموت رسول الله ﷺ ، ويتولى أبو بكر الصديق، فيعرف أن خالداً سيفٌ سلَّه اللهُ على المشركين ما كان له أن يُغمده، فأخرج الله وساوس الشيطان من رءوس المرتدين على يدِ خالد، وأوَّلُهم مسيلمة الكذاب، خرج في اليمامة يدَّعي النبوة، يدعي أن الله أرسله وأنه يوحِي إليه، نعم. كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢]. لما سمع أبو بكر أن مسيلمة ادعى النبوة في اليمامة وقف على المنبر، وأخذ راية لا إله إلا الله، وقال: آدَّعَى مسيلمة النبوة؟! والله لأزلين وساوس الشيطان من رأسه بـ أبي سليمان خالد بن الوليد، قم يا خالد خذ الراية وقاتله حتى تقطع دابره من الأرض. وخرج في جيش من أهل بدر، وغيرهم من الصحابة، فلما تلاقى الجمعان، كان جيش بني حنيفة كثيفاً جداً، كالجبال يمور موراً، فلما رآهم الصحابة قال بعضهم: فلنلتجئ إلى سلمى وأجا -جبلين في حائل - فدمعت عينا خالد، وقال: إنما ننتصر عليهم بهذا الدين: [[لا إلى سلمى وإلى أجا، ولكن إلى الله الملتجا]]. لا إله إلا الله! ما أعظم اليقين! ثم تكفن، ولبس جيشه أكفانه، ولسان حالهم يقول: فإما حياة بعز وإلا ممات وشهادةْ. كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لصاغها حلياً وحاز الكنز والدينارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا لما رأى بنو حنيفة خالداً أصابهم الهلع والرعب في قلوبهم، وأنزل الله الهزيمة بهم: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، وقتل الله مسيلمة الكذاب، وانتهت هذه الأسطورة؛ لأن من كان مع الله كان الله معه، ومن قاتل بالله كان النصر في حوزته: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].

стр. 702

خالد يوم اليرموك وتستمر الأيام، وخالد من نصر إلى نصر، ومن معركة إلى معركة، ويصل إلى اليرموك، ويقف في جنود الله، في ثلاثين ألفاً يقاتلون مائتين وأربعين ألفاً، قال بعض المسلمين: [[يا خالد! ما أكثر الروم! قال له: اسكت، بل ما أقل الروم! إنما يكثر القوم بنصر الله، وددتُ أنهم قد أضعفوا لنا العدد وأن الأشقر قد برئ من وجعه]]. الله أكبر! شفاء عقب فرس خالد بربع مليون جندي. لبس أكفانه، وقال: موعود الله أتى، وخرج وصفَّ جيشه، فخرج له قائد من قادات الروم يقال له جرجة عليه السلاح والرماح، فلما خرج على فرسه لقيه خالد فقال جرجة: يا خالد! اصدقني في هذا اليوم ولا تكذبني، لماذا خرجتم؟ قال: خرجنا لندعو الناس إلى (لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)، قال له جرجة: فمن أطاعكم؟ قال: من كان منا وكان أفضل منا، قال: كيف يكون أفضل منكم؟! قال: لأننا رأينا رسول الله ﷺ ومعجزاته وآياته فصدقناه، ومن آمن الآن لم يره، فيؤمن بالغيب، قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فأخذه خالد إلى خيمته، وأنزله فيها، وقال: اغتسل وتوضأ وصلِّ ركعتين، واخرج معنا، علَّ الله أن يرزقك الشهادة، فتوضأ بعد أن اغتسل وصلى ركعتين وخرج، فقاتل حتى استشهد، فقال خالد: رحمك الله! عَمِلت قليلاً وأجرت كثيراً. ولما رأى الروم هذا الموقف ذُهلوا! وأخرجوا له ابن قوقل وهو فاجر من الفجار، فلما رآه خالد أراد أن يدعوه كما دعا جرجة إلى الإسلام فعرض عليه الإسلام ولكن الله طبع على قلبه، ولو علم الله فيه خيراً لأسمعه، فلما علم أن لا حل معه، قال ابن قوقل: يا خالد لماذا جئتم؟ قال: نحن قوم نشرب الدم، وسمعنا أن أحسن الدماء وألذها دماء الروم، فجئنا اليوم نشرب دماءكم، فأوقع الله الرعب في قلوبهم، وبدأت المعركة، وتنتهي بالنصر، وجاءوا بالشهداء، وجلس خالد يستقبل الشهداء، يُحملون على أكتاف الرجال، وجاء صديقه عكرمة، فوضع وهو مقتول بين يديه في آخر رمق، وفي آخر سكرة، وهو ينظر إلى خالد دموعه تسيل على خديه، ودموع خالد تسيل على خديه، ويؤتى بثلاثة من الشهداء في آخر رمق من الحياة، فيصيح خالد عليَّ بالماء؛ ليشربوا فقُدِّم لهم ماء بارد في شدة حرارة الصيف، وقد انتهوا من المعركة، فأعطى خالد الماء لـ عكرمة، فرفض أن يشرب وأشار إلى أخيه أن يشرب قبله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] أعطى خالد زميل عكرمة الماء، فأشار إلى زميله، وأشار الزميل إلى زميله، فعاد الماء إلى عكرمة، فإذا هو قد مات، وعاد إلى الثاني، فالثالث، فالرابع، فإذا هم قد ماتوا، فجهش خالد بالبكاء، ورمى بالكوب مليئاً بالماء البارد، وقال: [[يا رب! اسقهم من جنتك فإنهم تركوا الماء البارد لمرضاتك]]. وأثناء معركة اليرموك مات أبو بكر ﵁، وتولى الخلافة بعده عمر ﵁، فكان أول مرسوم اتخذه عمر في خلافته الجديدة أن يعزل خالد بن الوليد ويولي أبا عبيدة، ويأتي الأمر أبا عبيدة، فيُخفي كتاب عمر، ولا يخبر خالداً، ولما انتهت المعركة، قام أبو عبيدة وأخبر خالداً، فقال خالد: [[ولِمَ لا تخبرني؟ والله ما قاتلتُ بالأمس لـ عمر، ولن أقاتل اليوم لـ عمر، ولكني أقاتل لله رب العالمين]] يقاتل لله وهو قائد، ويقاتل لله بعد أن يعزل وهو جندي، لأن من أراد بعمله وجه الله آجره الله، ورفع الله مثوبته، لا يهمه منصب ولا قيادة، ومن أراد بعمله الدنيا، فما له عند الله من خلاق. ليت أبا سليمان وأمثال أبي سليمان يعلمون أننا اليوم قست قلوبنا بالشهوات أصابتنا العطالة، والبطالة، والتهور، والكسل عن أفرض فرائض الإسلام، وعن أكبر أركان الإسلام، وعن ذروة سنام الإسلام، نسكن الفلل، ونجلس على الفرش الوثيرة، ونركب السيارات أقوياء في الدنيا شجعان للدرهم والريال أذكياء في أعمالنا ووظائفنا، وفيما يجلب لنا العيش في هذا الدنيا؛ لكننا مع الله لم نقم بواجبنا، وصحابة رسول الله في جوع وشدة وعطش ولكنهم في جهاد، يقومون الليل ويصومون النهار، ويتلون كتاب الله، ويجاهدون في سبيل الله. يا رب فابعث لنا مِن مثلِهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه يا أمة الإسلام هبوا واعملوا فالوقت راحْ إنهم أسود على بعضهم، نعاج مع أعدائهم. يا أحفاد خالد! يا أبناء الكرام! يا أبناء من أنار بالإسلام المعمورة! يا أحفاد من بنى منائر الحق! مَن غير أجدادكم رفع (لا إله إلا الله)؟ مَن غير أجدادكم سجد لله؟ سلوا المحيطات والبراري والقفار والبحار عن أجدادكم: سلوا التاريخ عنا كيف كنا نحن أسسنا بناءً أحْمَدِيَّا أنتم كَهُمْ، ومَن يشابه أبَهُ فما ظلم. فلنعد عودة صادقة لهذا الدين، ولنتحمس لهذا الدين كيف لا يكون ذلك وآباؤنا هم الذين رفعوا راية الله، لكن قَدْ يَخْلُفُ النارَ رمادٌ، فنعوذ بالله أن نكون الرماد، ونعوذ بالله من شر خلف بعد خير سلف، ونعوذ بالله أن نضل أو نزل أو نظن أن غيرنا سبقونا إلى المجد والكرامة. اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 703

خالد بن الوليد بعد معركة اليرموك الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: يجاهد خالد لإعلاء كلمة الله، حتى استقرت في غالب أصقاع المعمورة، ويأتي خالد ﵁ بعد أن تنتهي المعارك، بعد أن يسمع (الله أكبر) تدوي في غالب أنحاء المعمورة، يأخذ ﵁ فرسه، ويأتي إلى حمص في أرض الشام، ليعود إلى أهله بعد رحلة الجهاد الطويل، يقبل الناس بعدها على الغنائم وعلى رفع الدور والقصور، ويقبل خالد على آيات الله وكلام الله وذكره كان إذا صلى الفجر أخذ مصحفاً فينشره بين يديه ويقرأ حتى يقترب وقت الظهر. يقول أهل العلم: كان إذا قرأ يبكي، ويقول: شغلني الجهاد عن القرآن يتحسر على حياته، ووالله ما ضاعت، إنها لحياة محفوظة عند الله، ما شغله عن القرآن إلا الجهاد؟! فماذا نقول نحن ونحن في زمن الفتن؟! هل شغلنا الجهاد عن القرآن لنعتذر به عند الله يوم القيامة؟! لا والله، بل شغلتنا شهواتنا، ومعاصينا، ولهونا، ولعبنا شغلنا طلب الأماني والسهر على الأغاني، ما شغلنا الجهاد ولا شغلنا القرآن! أوَّاهُ! في الليلة البهيمة في منتصفها، ما تسمع إلا أصوات الأغاني تفوح -والله- من بيوت المسلمين، لتفري كبد المسلم الغيور. أوَّاهُ أوَّاهُ الأولى بنا في هذا الوقت أن نعكف على كلام الله نقرؤه ونتدبره. يا أمة القرآن! اعمروا لياليكم بالقرآن اعمروا لياليكم بذكر الله اعمروا لياليكم بالقيام اتركوا أصوات الشياطين، فالذي لا يحتسب عمره من اليوم، والذي لا يفكر في ثوانيه ودقائقه من الآن فليبكِ على عمره، والله لَيُسْلَبَنَّ عمرُه من بين يديه وهو ينظر، والله لَيَهْلِكَنَّ مالُه وولدُه، فلا يغني ولا يدفع، والله ليُسْأَلَنَّ عن كل شيء يوم القيامة على مرأىً ومسمع. هاهو خالد! يقف ليُنْهي حياته بالقرآن، أما ليله فقيام وبكاء، وأما نهاره فتدبر لآيات الله، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي مثله فليتنافس المتنافسون.

стр. 704

خالد أثناء مرض الموت طلب خالد الشهادة في مائة معركة فما وجدها، لكنه وجدها على فراشه: ﴿من تمنى الشهادة صادقاً من قلبه رُزِقَها وإن مات على فراشه﴾. قال عند موته: [[لقد حضرتُ كذا وكذا معركة، وما في جسمي موطن شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء]] وتفيض روحه إلى الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. ويأتي الصحابة يحملون جنازته -يحملون جثمانه على أكتافهم إلى القبر الذي سوف نعرفه إن جهلناه اليوم، وسوف ننزله إن هجرناه اليوم، وسوف نبصره ونراه إن تعامينا عنه اليوم- يحملونه وهم يبكون، تقول أخته وهي تبكي: إنا لله وإنا إليه راجعون! أنت خير من ألفِ ألفٍ من القو مِ إذا ما كُبَّت وجوهُ الرجالِ ومُهِين النفس العزيزة للذكْـ ـرِ إذا ما التقت صدورَ العوالي

стр. 705

حال عمر عند سماعه خبر موت خالد ويأتي الخبر عمر ﵁ وأرضاه بـ المدينة، وهو الذي يعرف قيمة خالد، فيظل واقفاً يرتعش ويرتعد، ويقول: [[إنا لله وإنا إليه راجعون! والله يا أبا سليمان، لقد عشتَ سعيداً، ومتَّ حميداً، وما عند الله خيرٌ، ثم يبكي ﵁ ويقول: مضوا وخلفوني وحدي، مضوا وخلفوني وحدي]]. فترتج المدينة بالبكاء والنحيب لبكاء عمر ومصابهم بـ خالد. ويأتي رجل إلى عمر، ويقول: يا أمير المؤمنين! إن نساءنا يبكين، ويندبن خالداً، قال: [[ثكلتك أمك! على مثل أبي سليمان فلتبكِ البواكي]] لكن لا صراخ ولا قلقلة. إي والله! على مثل أبي سليمان فلتبكِ البواكي. وتأتي وصية خالد لـ عمر: [[إنك أنت المتصرف في تركتي والقائم على أبنائي]] فرضي الله عنهم أجمعين. نَمْ يا أبا سليمان حتى يبعث الله الناس ليوم لا ريب فيه؛ ليوفيك أجرك ومثوبتك وخدمتك لهذا الدين؛ لأنك بذلت كل غال ورخيص، وذهبت عن الفتنة وبقينا لها، جمعنا الله بـ خالد في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. عباد الله! بمثل خالد وصحبه وبِفَهْمهم الواعي لمعنى الجهاد انطلق المسلمون في شرق الأرض وغربها، ينشرون كلمة التوحيد، ويرفعون راية الله، ليقف قائد من قادتهم أمام رستم -قائد الفرس- ويقول في عزة المؤمن: [[إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

стр. 706

الجهاد في سبيل الله ماضٍ إلى قيام الساعة يمضي المسلمون في تاريخهم الطويل، يؤكدون سنة الله في الأرض، فكان لهم النصر عاشوا لعقيدتهم يستعذبون الصعاب في سبيلها، أما إذا تخلوا عن طريق الجهاد فسوف يحيون مستضعفين في الأرض يتخطفهم الناس في كل مكان. نعم! حين كانوا يخرجون لله يثبت الله أقدامهم وينصرهم على أعدائهم كانوا يخرجون وفي أذهانهم قول محمدٍ ﷺ : ﴿والذي نفس محمد بيده! ما من كَلِيْمٍ يُكْلَمُ في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كُلِمَ، لونه لون دم، وريحه ريح المسك، والذي نفس محمد بيده! لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، والذي نفس محمد بيده! لوددت أن أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل﴾. لا إله إلا الله! الجهاد سبيل انتصار المؤمنين في تاريخهم، وما زال إلى اليوم هو الطريق لعزتهم وكرامتهم، والأمة اليوم يتخطفها الأعداء من كل جانب أعداء من خارجها، وأعداء من داخل صفوفها، ولا مخرج ولا سبيل إلى النجاة إلا بالعودة إلى الله، ثم إعداد العدة للجهاد. إن الأعداء لا يخشون إلا الأقوياء، فعلى المسلمين أن يأخذوا بأسباب القوة، فليكُن بأيدينا مثل السلاح الذي بأيديهم، والسلاح في يد المؤمن يزداد بإيمانه قوة. لا بد من صنع الرجال ومثله صنع السلاحْ لا يصنع الأبطال إلا في مساجدنا الفِساحْ في روضة القرآن في ظل الأحاديث الصحاحْ شعب بغير عقيدة ورقٌ تذر به الرياحْ أيها الأخيار! اجمعوا صفوفكم، ووحدوا كلمتكم، وثقوا بربكم، وارغبوا فيما عنده، واستعلوا على متعكم، وعيشوا واقعكم بمعرفة لا بغيبوبة، وتدربوا على فنون الرماية، واخدموا دينكم ما استطعتم، فالله سوف ينصر دينه على أيديكم أو على أيدي غيركم. اغتنموا الفرصة وادخلوا في الركب، وكونوا من أنصار الله، وأعلوا كلمة الله، وسيروا في موكب الله، وأعِدوا أنفسكم للدفاع عن مقدساتكم، وللذوذ عن كراماتكم، يكتب لكم ربكم النصر والتوفيق. اللهم أخرج من أصلاب هذه الأمة أمثال: خالد، وسعد، وزيد، وجعفر. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعَزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهلُ معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء. اللهم أرنا في الظَّلَمَة يوماً أسود كيوم فرعون، وهامان، وقارون. اللهم أرنا في صدام ومَن شايعه عجائب قدرتك، اللهم أرنا في الظالمين عجائب قدرتك، اللهم زلزل الأرض تحت قدميه، اللهم زلزل الأرض تحت قدميه، اللهم اجعله عبرة للمعتبرين، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، اللهم لا تسلطه على المؤمنين، اللهم لا تسلطه على المؤمنين، اللهم أنزل به بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم لا ترفع له راية، اللهم لا ترفع له راية، واجعله لمن خلفه آية، اللهم لا ترفع له راية، واجعله لمن خلفه آية. اللهم آمِنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفق علماءنا. اللهم كن لنا ولا تكن علينا، واختم بالصالحات أعمالنا، واشفِ اللهم مرضانا، وارحم موتانا. اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، ولا تخيب اللهم فيك رجاءنا. اللهم لا تسلط علينا البعثيين والملحدين والكافرين. ربنا إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفرطين، ولا مفتونين. رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 707

السماء والسماوة إن سر سمو الجيل الفريد (الصحابة) هو تحررهم من كل سلطان سوى سلطان الله، فهم يعدلون بعدل الله، ويوالون الله ويعادون أعداء الله، ويزنون بميزان الله، وليس عندهم إلا الطمع في رضا الله، والخوف منه أغناهم عن رقابة البشر. أما حاضرنا فتجد عموم الأمة -إلا من رحم الله- يتخبطون في داجية لا صباح لها، وأنزلوا أنفسهم من الأمم منزلة الأمة من الحرائر. فلابد من الأخذ بمقومات النصر، والاستقاء من نبع الوحي، وتطبيق الكتاب والسنة، والتميز والمفاصلة، والتضحية بالدنيا الزائلة من أجل الآخرة الباقية.

стр. 708

سمو ماضينا وسماوة حاضرنا الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخِرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المجاهدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ناشري لواء الدين، وعلى من تبعهم من سلف هذه الأمة وخلَفها ممن جاهد وبذل ورافق ونافح في كل وقت وحين. معشر الإخوة والأخوات والبنين: حياكم الله وأحياكم، وأطال أعماركم، وأحسن أعمالكم، وذخراً للأمة أعدَّكم، تُعْلُون صروحها، وتضمدون جروحها، وتداوون قرُوحها، وللمِلَّة تسْمُون في سماها، وتحمون حماها، وترمون من رماها. تحية أنفاس الرياض وشى بها نسيمُ هدوء والنواضر هُجَّعُ فجاءت كأن المسك خالط نفحها لها في أنوف الناشقين تَضُوُّعُ السماء والسماوة: رمزان لا خفاء. أيها السُّماة للسماء: السماء رمز الرفعة والسمو والعلاء، والسماوة رمز الشُّقَّة والسَّموم والهلكة والتيه والبيداء، على حد قول ابن الصحراء: وجشمها بطن السماوة قائظاً وقد أوقدت نار السموم الهواجر فضرباً معي الليلة في بيداء السماوة بحثاً عن مراقي الشمم والإباء، وكشفاً عن أسرار ومعارج ومدارج السمو للسماء، بعون الله رب الأرض والسماء. بيد أنه قد يطول الحديث ذلك أن المريض الذي يئن يأرِزُ إلى تسلية نفسه بالحديث، والطبيب مهما كان بارعاً فإن وصفه علمي، والمريض أدرى منه بمرضه وألََمِه، فلعلي أن أقف بكم على الأسباب، وأرتقي السحاب، وأصفي الحساب، وأميز القشر عن اللباب، بدليل الكتاب، وفعل النبي والأصحاب، وذوي الألباب. فإن وفَيت فحق ذاك في عنقي وإن أقصِّر لأنتم أهل إعذار وشتان بين السماوة والسما! اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً.

стр. 709

حقيقة سماوة حاضرنا معشر الإخوة: إن تفكيراً بعمق وحق، وإرجاعاً للبصر والبصيرة كرَّة بعد أخرى في سماوة واقعنا بعد سمو وسماء ماضينا العريق المنير؛ يجعل البصر يرتد خاسئاً وهو حسير، إذ يرى عموم الأمة دون آحادها اليوم في داجية لا صباح لها يتخبطون ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] لا ينقُلون إلى الأمام قدماً مقبِلين إلا رجعوا إلى الوراء أقداماً مدبِرين، أنزلوا أنفسهم من الأمم منزلة الأَمَة من الحرائر؛ عجزت أن تتسامى لعُلاهن، أو تتحلى بحُلاهُن، فحصرت همها في إثارة غيرة حرة على حرة، وتسخير نفسها لخدمة ضرة نكاية في ضرة، أشربوا في قلوبهم الذل فرضوا الضيم والمهانة، واستحبوا الحياة الدنيا فرضوا بفتاتها في إسفاف وسفالة، نزل الشرف من قلوبهم بدار غريبة فلم يُقِم، ونزل الهوان من نفوسهم بدار إقامة فلم يضعن ولم يرم، يحسبون كل صيحة عليهم، ويتوهمون كل حركة من عدوهم شبحاً من الموت يهجم عليهم. فلو أن برغوثاً على ظهر قملة يكر على الصفين منهم لولَّتِ اتخذوا الدين قشوراً بلا لباب، وألفاظاً بلا معانٍ، وهيكلاً بلا روح عمدوا إلى روحه فأزهقوها بالتعطيل، وإلى وعيده وزواجره فأرهقوها بالتأويل، وإلى هدايته فموهوها بالتضليل، وإلى وحدته فمزقوها بالطرق والنِّحَل والشيع والتحزب والأباطيل، وإلى البراء من عدو الله فميَّعوه باسم التسامح والتقريب، نصَبوا من الأموات هياكل بها يفتتنون، وحولها يقتتلون، ولأجلها يتعادَون. كعمل الكفار بالأصنامِ قد لعب الشيطان بالأحلامِ ذُهلوا عن أنفسهم، فلم يحفلوا بحاضرهم، ولم يفكروا في مستقبلهم؛ لأنهم زعموا الغيب، والغيب لله، وصدق الله وكذبوا، ما كانت أعمال رسول الله ﷺ للحاضر فحسب، وما غرس شجرة الإسلام ليأكل هو وأصحابه ثمارها، بل زرعها للأولين والآخرين. ولما بلغت الأمة هذه المرتبة الدنية طوقهم عدوهم بأطواق الحديد، فسامهم العذاب الشديد، وأخرجهم من زمرة الأحرار إلى حظيرة العبيد، فأصبحوا غرباء، في ديارهم تعساء، حظهم من الريادة والسيادة والسعادة الحظ الأوكس، وجزاؤهم فيها الجزاء الأبخس، غطَّاها سحاب الذلة؛ لأنهم أخطئوا طريق العزة، ظنوها في التقدم المادي والتقني فحسب، فذهبوا وراءها: فإذا السفينة غارقة في أوحالها ودار ابن لقمان على حالها نسوا أن سبيلهم للعزة عودتهم إلى الدين، كيف وقد قال رسولهم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم﴾ ففعلوا موجبات ذلهم وخذلانهم: ما هم بأمة أحمد لا والذي فطر السماء ما هم بأمة خير خلـ ـق الله بدءاً وانتهاء إن يزرعوا فحصادهم يا حسرتاه كان الهواء إن يقتلوا فقتيلهم كان المودة والإخاء ولو استرسل المرء مع خواطره لخشي أن يُفضي به التفكير إلى أن ييأس فيضل في بيداء السماوة، فيهلك أو يُجَن فيرفع عنه القلم فيستريح، وما كلاهما مريح، وما عانٍ كمستريح: بي منكِ ما لو غدا بالشمس ما طَلَعَتْ من الكآبة أو بالبرق ما ومضا

стр. 710

سمو ماضينا وأسرار السمو ولخشية ذلك كله فإني أنقل نفسي وإياكم إلى سماء القرن الأول؛ لنقف على أسرار سموه للسماء لنقول: هذه هي المراقي فارتقِ هذا هو النموذج لا غيره والمثال فصلاحه ضُرِبَت به الأمثال، وقدمت عليه البراهين، وقام غائبه مقام العيان، وخلدته بطون التواريخ، واعترف به الموافق والمخالف، ولَهَج به الراضي والساخط، وسجلته الأرض والسماء، فلو نَطَقَت الأرض لأخبرت أنها لم تشهد مذْ دحاها الله وطحاها وبراها أمةً أصلب على الحق وأهدى به من أول هذه الأمة، ولم تشهد فئةً اتحدت سرائرُها وظواهرُها على الخير مثل أول هذه الأمة، ولم تشهد مذ مهَّدها الله أمةً وحدت الله فاتحدت قواها على الخير قبل هذه الطبقة الأولى من هذه الأمة. هذه شهادة الأرض تؤديها صامتة، فيكون صمتها أبلغ في الدلالة من نطق جميع الناطقين، ثم يشرح هذه الشهادةَ الواقعُ، ويفسرُها العيان التي لم تحجبه بضعة عشر قرناً من الزمان. إنها حقائق تاريخية ناطقة ينبغي الوقوف أمامها في كل مكان وزمان. فقد تنطق الأشياء وهي صوامتٌ وما كل نطق المخبرين كلامُ لقد خرَّجَتْ تلك الدعوة جيلاً في ذلك القرن فريداً مميزاً في تاريخ الإسلام؛ بل في تاريخ البشرية جميعه جيلاً فريداً في تصوره وشعوره وانتمائه ووضوحه جيلاً اختاره الله لحمل رسالته، ولصحبة رسوله ﷺ جيلاً جاءه الوحي على وعي، فتأسس على توحيد، وانطلق بعقيدة، وسار على منهج صحيح. حمل فكراً سامياً لغاية أسمى زاده التقوى، وشعاره الجهاد، وحصنه الإيمان، وعدته الصبر، وخلقه القرآن، وقدوته سيد الأنام ﵊. أمنيته الشهادة في سبيل الله؛ ليكون الدين كله لله، وغايته تلك مع الجنة ورضوان الله، والذي لا إله إلا هو لولا النقل الصحيح المتواتر القطعي لقيل: ذاك طيف من خيال بل هو الشيء المحال قد تقولون: مُحال! ذاك ضرب من خيال قد تقولون ولكني أقول: إنها تربية السبع الطوال! لا محال إنه هدي الكتاب لا محال فعلى وقع التلاوات تخضَرُّ التلال لا محال إنهم جيل المصاحف لا محال إنه جيل المحاريب وأساد النبال إنهم شم الجبال لا محال و السؤال لِمَ لَمْ تعُد الأمة تخرِّج مثل ذلك الطراز؟! أما إنه قد يوجد أفراد وفئة من ذلك الطراز على مدى التاريخ؛ لكنه لا يحدث أن تَجمَّع مثل ذلك العدد الضخم في مكان واحد كما وقع في القرن الأول، هذه ظاهرة واضحة ذات مدلول؛ تستحق أن نقف أمامها لعلنا نهتدي إلى السر، كما يقول سيد. معشر الإخوة: إن قرآن تلك الدعوة في ذلك الجيل لم يزل بين يدينا محفوظاً، وحديث رسول الله ﷺ وهديه العملي وسيرته الكريمة بين أيدينا كذلك، لم يغِب سوى شخص رسول الله ﷺ ، فهل هذا هو السر؟! أما إنه لو كان وجود شخص رسول الله ﷺ حتمياً لقيام هذه الدعوة وإيتائها ثمراتها ما جعلها الله دعوة للعالمين، وما جعلها آخر رسالة لأهل الأرض أجمعين. إن الله قد تكفل بحفظ الذكر، وبيَّن أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله ﷺ ، وأن تؤتي ثمارها، فاختاره الله إلى جواره، وأبقى هذا الدين من بعده إلى آخر الزمان؛ وعلى هذا فإن غَيبة شخص رسول الله ﷺ لا تفسر تلك الظاهرة، فما السر إذاً مرة أخرى؟! هل تغير النبع؟! هل تغير المنهج الذي تربوا عليه؟! مهما تقادم جوهر في عتقه فهو الثمين وليس يبرح جوهرا إن السر يكمن في أمور: خذها إليك درة من الدرر من كاتب راز الأمور وخبر

стр. 711

توحيد مصدر التلقي عند الجيل الأول إن الصحابة رضوان الله عليهم جعلوا القرآن والسنة النبع الوحيد الذي منه يستقون وينهلون، وبه يتكيفون، وفي رياضه يتربون، وعليه يتخرجون، ما نظروا مجرد النظر إلى رواسب الثقافات العالمية التي كانت في ذلك العصر وما قبله، رغم أن بعض هذه الثقافات كانت محيطة بـ الجزيرة؛ بل كان بعضها يعيش داخل الجزيرة، بل لم ينظروا إلى الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل وغيرهما، وإنما اقتصروا على كتاب الله وحده، فخلُصت نفوسهم لله وحده، واستقام عودهم على منهجه وحده. مرادهم الإله فلا رياءُ ونهجهم الكتاب فلا ارتيابُ ولم يزل رسول الله ﷺ يثبت فيهم هذا القول، ويأطرهم عليه، ويحذرهم من مصادر التلقي الأخرى، وحاله: فيا قلب اعص كل هوى سواها ويا نفس سواها لا تطيعي

стр. 712

مصدر التلقي عند عمر بن الخطاب روى الإمام أحمد في مسنده والدارمي في سننه -رحمهما الله- عن جابر بن عبد الله ﵄: ﴿أن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أتى رسول الله ﷺ بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله! هذه نسخة من التوراة، فسكت النبي ﷺ ، فجعل عمر يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتمعر ويتغير، فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه: ثكلتك الثواكل يا بن الخطاب! ألا ترى ما لوجه رسول الله ﷺ ؟! -وفي رواية- أن عبد الله بن زيد قال: أمسخ الله عقلك! ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟! فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فقال ﷺ : أمُتَهَوِّكون فيها يا بن الخطاب؟! ألَمْ آتِكم بها بيضاء نقية؟ والذي نفسي بيده! لو بدا لكم موسى فتبعتموه وتركتموني لضللتم سواء السبيل، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني﴾. لقد كان درساً عظيماً بليغاً للصحابة ومن بعدهم، فحواه: عُد إلى الروضة إن الغيث يهمي في روابيها ويكسوها جمالا

стр. 713

تربية النبي ﷺ للجيل الأول لقد كان رسول الله ﷺ يريد أن يربي جيلاً خالص القلب والعقل والتطور والشعور خالص التكوين من أي مؤثر غير المنهج الإلهي الذي تضمنه القرآن الكريم، كيف وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه: ﴿تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي﴾. ولما اختلطت الينابيع، وشيبت -معشر الإخوة- والتفت الجيل إلى غير ذلك النبع الصافي، انحط وسقط وخار وبار، وصار كالحيوان الأعجم يقع على الجواهر فيدوسها برجله، لا يعلم إلا أنها من جنس ما يُداس؛ لأنها لا تؤكل، فظهرت فئة مزورة لا صلة لها بذلك النبع إلا بما لا كف لها في اسمها ولقبها، فئة ترى أنه لا نجاة للمسلمين إلا بالالتفات عن ذلك، والانغماس في ثقافة الكافر من غير قيد ولا تحفظ تعمل لهذا جاهدة، يُسِرُّ المسر منهم كيداً، ويُعْلِن المعلن منهم ذلك وقاحةً يتهارشون على وأد ذلك النبع الصافي وتجفيفه، مُجْلِبين بألسنتهم وأقلامهم، أُتْخِموا من تلك الينابيع، ثم شرعوا يتقيئونها في أذهان الجيل؛ بحجة التطوير والرقي والسمو زعموا! تعرف ذلك منهم في لحن القول، وفي مظهر العمل، وفي إدارة الكلام، يتخلل أحدُهم تخلل الباقرة، تعرفهم في اللفتات العامة، تلمحهم في أسباب معيشتهم الشخصية؛ لكنهم يتناقضون ويتهافتون، فيبتدئون من حيث انتهى سادتُهم أصحاب الينابيع المختلطة النتنة. سادتهم يرون أن اللعب إنما يحلو بعد الجد، وأن القشور إنما يُلْتَفَت إليها بعد تحصيل اللباب، وأن الكماليات تأتي بعد الضروريات، وأن الوقت رأس مال لا يجوز تبديده في غير ما ينفع؛ لكن هذه الفئة البائسة تفعل عكس ذلك كله، وتختصر الطريق إلى اللهو لتُرْضِي شهواتها، وإلى الكماليات؛ لأن لها بريقاً هو حظ العين، وإن لم يكن للعقل منه شيء. عصارة رأيهم في علاج حالة المسلمين تُتَرْجم في جملة واحدة هي: أن النجاة في الغرق! فئة تلبس باسم الإسلام، وتأكل الخبز باسمه؛ لكنها لا تعمل ما يرضيه، ولا تبني ما يعليه ترفع العقيرة باسمه فتفضحها رطانة الأنباط، وتربط نفسها معه بمثل خيط العنكبوت فينحل الرباط، فجاءت أفكارهم فاسدة كأنتن من جيفة هدهد ميت كُفِّن في جورب مسافر أبخر في شدة القيظ لم يمسه الماء أشهراً، بل أنتن من حلتيت، وأثقل من كبريت، وأهدى إلى الضلال من دليل خِرِّيت. يجرون الذيول على المخازي وقد ملئت من الغش الجيوب انسلخوا من هويتهم، ولم يندمجوا في حضارة سادتهم المادية، فصاروا كالمرأة المعلقة، لا مزوجة ولا مطلقة! فتَبَّاً وسُحقاً وهلاكاً وبُعداً في بيداء السماوة، أجمعوا أمركم ثم ائتوا صفاً، فما أنتم ببالغين من الحق إلا ما يبلغه مَن يريد أن يغطي على الشمس بكُمِّه، وهو لا يعلم أن مِن وراء كمه أرض الله الواسعة.

стр. 714

سماوة الجيل الحاضر ومصدر التلقي معشر الإخوة والبنين: ولما التفتت وسائل التوجيه والتربية في الأمة إلى غير ذلك النبع الصافي ضاعت هويتها، فصارت كمن ينقش شوكة بشوكة، فتنكسر الشوكة التي استخدمت لإزالة تلك الشوكة، فتجتمع شوكة بشوكة -كما قيل- إنك لتسمع من يقول ببلاهة وغباء وبلادة لمن يدعو إلى العودة إلى ذلك النبع الصافي إلى الوحي: أنتم خياليون، تعتمدون على الماضي، وتتكلون على الموتى، يستهزئ في معرض النصح، ولا ندري متى صار إبليس مذكراً!! ومن الرزية عاهرٌ مُتَوَهَّم في الناسكين وناسكٌ في العهر يريد أن ننسى ماضينا، حتى إذا استيقظنا من تنويمه لم نجد ماضياً نبني عليه حاضرنا، فاندمجنا في حاضره المرير، خاب وخَسِر وعُرِّي وهُرِّي، وقُطِّع وفُرِّي، وأُحْرِقَ وذُرِّي، تطوع لهذا العمل أم كُرِّي. يا هر لو قال ليث الغاب قولكمُ لاستنكف الفار إن قالوا له أسدُ ... فقبح وفدهم من وفد قوم ولا لُقُوا التحية والسلاما أفرزت هذه لنا جيلاً على درجة من الضعف الخُلُقي والعقلي، يعتقد في قرارة نفسه أنه خلق خلقة الأرنب، وخلق عدوه المفتون به خلقة الأسد، وجف القلم، ولا تبديل لخلق الله: إذا صوَّت العصفور طار فؤادُهُ وليث حديد الناب عند السرائد يبيع دينه بعرض من الدنيا طلوع الشمس عنده ليل يلعن الشيطان ويتبع خطواته أقواله ألفاظ زور مالها معنى وصوت كالطبول مجوفه ما عنده إلا البلادة والقماءة والسفاهة والخنا والعجرفه ولا عجب! فقد جاءته وسائل التوجيه بالكفن وهو في ثياب العرس، وعرضت عليه النوائح في موكب الفرح، وأرادت علاجه من الفقر فعالجته بالفقر والجهل ومعه الذل، وحاولت علاجه من الحمى فداوته بالطاعون قيدته بحديد بعد أن قصت ريشه، ثم قالت له: انشد وغرد وأنى له؟! ما حيلة العصفور قصُّوا ريشه ورموه في قفص وقالوا غردِ! ... إنما تطرب أذن حرة إنما يسعد قلب مطمئنْ معشر الإخوة: ذلك الجيل استقى من النبع الصافي وحده، فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد إنه السماء. وهذا الجيل استقى من ينابيع مختلطة آسنة، فهلك في بيداء السماوة، وكلٌّ يجني عواقب ما زرع. وشتان ما بين السماء والسماوة! هذه هي الحقيقة، فلا تلبسها ثوب زور، فلا أبطل من الباطل إلا السكوت عليه. صرح أبن فالخير في التصريحِ قد تبرأ العلة بالتشريحِ

стр. 715

العمل بالكتاب والسنة عند الجيل الأول ثانياً: أن ذلكم الجيل قد جعل القرآن الكريم والسنة منهج تلقٍ للتنفيذ والعمل والتطبيق، لا منهج دراسة ومتعة، كما هو حال كثير من الأجيال التي خلفت ذلك الجيل الفريد. وما السيف من غير أبطاله! وما العين من غير إنسانها! إن أولئك لم يكونوا يقرءون القرآن لقصد الثقافة والاطلاع وزيادة الحصيلة الفقهية فحسب! بل كان الواحد منهم يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن المجتمع الذي يعيش فيه وشأن الحياة التي يحياها يتلقى ذلك كله ليعمل به فور سماعه وحاله: أنا بالله عزيز لا بعزى أو مناة معي القرآن أتلو هـ فيحيي لي مواتي استبانت غايتي من آية في الذارياتِ فتح هذا الشعورُ لهم من القرآن آفاقاً لم تكن لتُفْتَح لهم بغيره، ويسر لهم العمل، وخفف عنهم ثقل الأعباء والتكاليف، حوَّل مسار حياتهم إلى الاتجاه الصحيح، فحالهم: دوى القران أيا نفوس فأوِّبي شوقاً إلى خُضُر الجنان ورددي ولو أنهم قصدوا القرآن بشعور البحث والدراسة والاطلاع والثقافة ما كان لهم ما كان: إن المخالب في يدَي ليث الوغى قضب وفي يد غيره أظفارُ

стр. 716

تطبيق الكتاب والسنة عند السعدين لما تحزب الأحزاب على رسول الله ﷺ والمسلمين، أراد رسول الله ﷺ أن يصالح قادة المشركين على ثلث ثمار المدينة ويرجعوا، كل ذلك رفقاً بأصحابه، فاستشار السعدَين ﵄، فقالا في غاية الاستسلام لله، والأدب مع رسول الله ﷺ : ﴿يا رسول الله! أأمر أمرك الله لا بد من العمل به فسمعاً وطاعة لله؟ أم أمر تحبه يا رسول الله! فما تحبه مقدم على كل شيء؟ أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم؛ لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله! لقد كنا وهؤلاء على الشرك بالله، والله ما يطمعون ثمرة من ثمار المدينة إلا قِرَىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا به وبك نعطيهم أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين﴾ ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢]. هذا البيان فقل لمن قد ضل دون نقيضِهِ صمتاً فذا أسد الكلا م فما طنينُ بعوضِهِ!

стр. 717

العمل بالكتاب والسنة عند الصديق وها هو الصدِّيق ﵁ وأرضاه يقول: [[لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت من أمره شيئاً أن أزيغ]] ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. إنه الصدِّيق اتخذ الله معبوده، ورسول الله ﷺ دليله وإمامه، فرجح إيمانه. فحفت به العلياء من كل جانبٍ كما حف أرجاءَ العيون المحاجرُ لما أشار بعض المسلمين على أبي بكر ﵁ بألا يبعث جيش أسامة لاحتياجه إليه، قال: [[والله لو أن الطير تخطفني، وأن السباع من حول المدينة، وأن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين؛ ما رددتُ جيشاً وجهه رسول الله ﷺ ، ولا حللتُ لواءً عقده رسول الله ﷺ ، والله لو لم يبقَ في القُرَى غيري لأنفذته، أفأطيعه حياً وأعصيه ميتاً!]] فأنفذه. فانقاد كُرهاً من أبى واستكبرا ثم أعلنها حرباً على المرتدين، فقيل له: [[إنهم يقولون: لا إله إلا الله، قال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عَناقاً أو عِقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه]] فنصر الله به دين الله: قاد السفينَ بجرأة ومهارة كالطَّود نحو مسيرة لا تُهْزَمُ وارتدت العرب الغلاظ فأشفقتْ همم الرجال فصاح: هل مَن يفهمُ؟ والله لو منعوا عِقال نويقةٍ أدَّوه نحو المصطفى لن يَسلَموا ومضى أبو بكر لغايته إلى أن أخضع المرتد وهو مرغمُ هذا هو الإسلام في عليائه مُثُلٌ وأعلامٌ ودينٌ قَيِّمُ ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، وتلك سهلة بالدعوى واللسان؛ لكنها صعبة عند التحقيق والامتحان. الرضا -معشر الإخوة-: كمال الانقياد والاستسلام لأوامر الله ونواهيه، ولو خالف المرء شيخه وطائفته ومذهبه وهوى نفسه. مستمسكاً بعرى العقيدة تابعاً ولغير شرع الله لا يستسلمُ لا يوقف تنفيذ قول الأوامر على قول شيخه أو طائفته؛ فإن أذنوا نفذ وقَبِل وإلا أعرض ولم ينفذ، وفوض الأمر لهم، والله لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب خلا الشرك خير له من أن يلقاه بهذه الحال. كما قال ابن القيم ﵀. والحق مثل الشمس يجمل ضوؤه للمبصرين ولا يروق لأرمدِ ... ووالله ما الأبصار تنفع أهلَها إذا لم يكن للمبصرين بصائرُ معشر الإخوة: ذلك الجيل أسلم واستسلم وانقاد لحكم الله بلا خيار: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. وبلا تنطع في البحث عن الحكمة والعلة؛ لأن ذلك ينافي التسليم والانقياد ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. وبلا حرج في النفس عند تطبيق النص الشرعي: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. شعارهم: (بِمَ أمر ربنا؟) لا (لِمَ أمر ربنا؟) فكانوا السماء، فاسلك طريقهم، فلئن سلكتَها لقد سبقت سبقاً بعيداً إلى السمو والسماء، ولئن أخذت يميناً أو شمالاً لقد ضللت ضلالاً بعيداً، وهلكت في البيداء، وشتان ما بين السماوة والسماء!

стр. 718

تطبيق الكتاب والسنة عند نساء الصحابة تقول عائشة ﵂ فيما رواه أبو داود ﵀: ﴿إن لنساء قريش فضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل منهن، لما نزل قول الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] انقلب رجالُهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله فما منهن امرأة إلا قامت إلى مُرْطها فاعتجرت به وغطَّت رأسها؛ تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتاب﴾. فمن لم يكن حسنها في الحجابِ فسخريةٌ عَدُّها في الحسانِ ... يا رُب أنثى لها دين لها أدبٌ فاقت رجالاً بلا عزم ولا أدبِ ويختلط الرجال والنساء في الطرق عند الخروج من المسجد، فيقول ﷺ كما ثبت في سنن أبي داوُد: ﴿استأخرن عليكن بِحافَات الطريق﴾ فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من شدة لصوقها به. معشر الإخوة والأخوات: هذه شامة تهدى لمن بهرتهم مدنية الغرب، فصنعت لهم الصنم، وألهتم عن جلال الحرم، فلم يبق عندهم قيس يحن لليلى بين الشعاب، بل صار يتمنى أن يراها بلا حجاب، بل يشهد جمالها عارية بلا ثياب، لتصبح وتمسي في تباب، واشتبهت عندها الحمائم والصقور، والغراب بالقراب، واليافع بالكعاب. كأنه زَبَدٌ والبحر يقذفه والشط يأنفه والحل والحرمُ إنها -يا فتاة الإسلام- ليست مسألة حجاب فقط، إنها عقيدة وشريعة إنها استسلام وتعظيم وحب لله إنها مسألة واحدة: أن تكوني أو لا تكوني. هو الخبر اليقين وما سواه أحاديث المنى والترهات

стр. 719

تطبيق السنة عند ابن رواحة يُقبل عبد الله بن رواحة ﵁ إلى المسجد، ورسول الله ﷺ يخطب، فسمعه يوجه الأمر للواقفين: ﴿اجلسوا، فجلس مكانه خارج المسجد، مستسلماً لأمر رسول الله ﷺ وهو لا يعلم حكمة ذلك الأمر، حتى فرغ النبي ﷺ من خُطبته وعلم بذلك، فقال: زادك الله حرصاً على طواعية الله ورسوله﴾. إن للإيمان ناس كالأسُدْ فتشبه إن من يؤمن يَسُدْ لما وُجِّه النبي ﷺ إلى الكعبة، صلى معه العصر رجلٌ، ثم مر على قوم من الأنصار يصلون إلى بيت المقدس، فقال: [[أشهد أني صليت مع رسول الله ﷺ ، وقد وُجِّه نحو الكعبة]] وهم ركوعٌ فانحرفوا، ما راجعوا وما ترددوا، وما رءوسَهم رفعوا حتى امتثلوا، على مثلهم ينطبق قول الله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]. وما يستوي الفِتْن فيه الغبار وإن أشبه الكحل الأكحلُُ

стр. 720

أبو طلحة وتطبيقه لكتاب الله وفي صحيح البخاري: أنه لما نزل قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] قام أبو طلحة ﵁، فقال: ﴿يا رسول الله! إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله يا رسول الله، فقال ﷺ : بخٍ بخٍ ذاك مال رابح ذاك مال رابح! قد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال: أفعل يا رسول الله﴾ وحاله: نفسي الفداء ثم أمي وأبي لصاحب المعراج أحمد النبي تعودوا هاك، ولم يتعودوا هات، ولكل امرئ ما تعود. عزفت أنفسهم عن قول: لا فهي لا تعرف إلا هي لك يا حي يا قيوم فاجمعنا بهم في الخلد إنا لم تحد عن حبهم في أواخر حياته عكف على القرآن، وبينا هو يقرأ في (براءة) قول الله: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٤١] قال لأبنائه: [[جهزوني! قالوا: نحن نغزو عنك قد عذرك الله، قال: أي بني! والله ما أرى إلا أن الله استنفرنا شيوخاً وشباناً فجهزوني]]. يشبه الرعدَ إذا الرعدُ رجفْ يشبه البرقَ إذا البرقُ خطفْ جهزوه وغزا في البحر ومات فيه، فلم يجدوا له جزيرة ليدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام أو تسعة، لم يتغير ﵁ وأرضاه. لو كان هذا الدهر شخصاً ناطقاً أثنى عليه بنثره وقصيدهِ أو كان ليلاً كان ليلة قدرهِ أو كان يوماً كان يومي عيدهِ ... إيهٍ إيه! علِّم القوم نهوضاً للسما فشعار القوم كل واشرب ونَمْ إنما هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما سواهما حُلُم. يا مفني العمر في التفتيش عن حلم لو كان يُدرَكُ ما كان اسمه الحلما معشر الإخوة! خير الناس ذلك القرن الذي بعث فيه رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم. هم الرجال وقد جاءوا على قدر هم الذين إذا ما عاهدوا صدقوا

стр. 721

تطبيق السنة عند الشافعي وأحمد سأل الإمامَ الشافعي وهو بـ مصر رجلٌ عن مسألة، فأفتاه بقول النبي ﷺ ، قال له: قال رسول الله ﷺ كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ فارتَعَدَ الإمام الشافعي، واصفر لونه، وقال: أرأيت في وسطي زناراً؟! أرأيتني خرجت من كنيسة؟! ويحك! أيُّ أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن رويت عن رسول الله ﷺ شيئاً لم أقل به؟! نعم! أقول به وعلى الرأس والعينين، متى رويت عن رسول الله ﷺ حديثاً ولم آخذ به، فأشهدكم -أيها الناس- أن عقلي قد ذهب حاله: والله يميناً براً لو تبرجت الآراء في بقللها، وتطامنت لي الجبال بقللها، لتفتنني عن اتباع محمد ﷺ إلى رأي غيره لما رأيت لي عنه عديلاً، ولا اتخذت به بديلاً. إذا رأيتَ الهوى في أمه حكما فحكم هنالك أن العقل قد ذهبا أخي: وما أحذو لك الأمثال إلا لتحذو وإن حذوت على مثالي يختفي شيخ أهل السنة وإمام هذه الأمة أحمد بن حنبل -عليه رحمة الله- في المحنة عند ابن هانئ ثلاثة أيام -أيام الواثق - ثم قال لـ ابن هانئ بعد ثلاثة أيام: اطلب لي موضعاً حتى أتحول إليه، فقال ابن هانئ: لا آمن عليك يا أبا عبد الله، قال: افعل إن فعلت أفَدْتُك، قال ابن هانئ: فطلبت له موضعاً، فلما خرج قلت له: الفائدة يا إمام، قال: لقد اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول، وليس ينبغي أن يتبع رسول الله ﷺ في الرخاء ويترك في الشدة: فيرحم الرحمن ذلك العلمْ الزاهد العابد قمة القممْ وفارس المعقول والمنقولِ المقتفي لسنة الرسولِ ونشهد الله على محبتهْ جَمَعنا الله معاً في جنتهْ هذا هو النهج الذي سما بأولئك إنه التلقي للتنفيذ والعمل

стр. 722

تطبيق الوحي عند الأجيال المتأخرة ولما أخذت الأجيال المتأخرة الوحي للدارسة والمتعة خرج لنا هذا الجيل الهالك في بيداء السماوة في مجمله: لكل جماعة فيهم إمامٌ ولكن الجميع بلا إمامِ ... ليسوا بأحياء ولكنهم تسمعُ من أفواههم أحرفُ وشتان ما بين السماوة والسما! أيها الجيل: ليس بعد نبينا نبي، ولا بعد كتابنا كتاب، ولا بعد أمتنا أمة، الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، لقد مات رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا وذكر لنا منه علماً ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤] فاقصد البحر وخلِّ القنوات. وإذا أتى نهر الله بطل نهر معقِلِ وفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زُحَلِ ... فاستذكرن آثارك الخوالدا ومجدك الفذ الصريح التالدا واقتبس الأصول منه والسننْ ولتسمون بها الهضاب والفُننْ وكن أخي في الرأي والإعدادِ من عصبة الزبير والمقدادِ وشتان ما بين السماوة والسما!

стр. 723

صدق التميز والمفاصلة مع الكفر وأهله عند الجيل الأول فإن عبودية الله لا تسمح بموالاة أي عدو لله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢]. لقد تميز جيل الصحابة ﵃ عن المجتمع الجاهلي تميزاً واضحاً في كل شيء؛ ظاهراً وباطناً كما يقول سيد. لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، ويبدأ عهداً جديداً منفصلاً كل الانفصال عن حياته الجاهلية، ويقف من كل ما عهده في جاهليته موقف الحذِر المتخوف الهائب المستريب. متيقظاً في كل جارحة له مخصوصة قلبٌ وعينٌ تنظرُ قد عاش عزلة شعورية كاملة بين ماضيه في جاهليته وغوايته، وحاضره في إسلامه وهدايته عزلة شعورية في صِلاته وروابطه الاجتماعية، حتى وهو يتعامل معهم في عالم التجارة اليومي انخلاع من البيئة الجاهلية وعرفها وتصوراتها، وعاداتها وتقاليدها، وانضمامه إلى المجتمع الإسلامي في ولائه وطاعته وتبعيته، في تخفف وانسلاخ من ضغط العادة والتقليد والتصور والقيم السائدة البائدة، فكان ذلك الجيل المتميز، حاله: من كان منا فإنا منه ومن شذ رُدَّا ليس الفتى من توارى إن الفتى مَن تصدَّى ومن تسربل عزاً لم يستر الذل بُرْدا

стр. 724

مفاصلة عمر الفاروق للكفر وأهله لما أسلم عمر ﵁ وأرضاه قال المشركون: [[صبأت، فقال عمر: كذبتم! ولكني أسلمت وصدَّقت، فثاروا إليه، فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رءوسهم، وأعيى من التعب فقعد، فقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم! أحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا]]، وحاله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود:٥٤ - ٥٥]. لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا الله يعلم أنا لا نحبكمُ ولا نلومكمُ ألا تحبونا كلٌ له نية في بغض صاحبه بالله نبغضكم دوماً وتقلونا الله أكبر! ما كان بين إسلامه ﵁ وبين أن قاتلهم وقاتلوه، وقال: [[افعلوا ما بدا لكم]] إلا سويعات عديدة، وحاله: إذا كان قلبي لا يغار لدينه فما هو لي قلب ولا أنا صاحبه إنه التميز والمفاصلة الحاسمة مع الباطل وأهله، ورفض الالتقاء في منتصف الطريق. إنه الفاروق الذي جاءه أبو سفيان من أشراف قومه ليشفع له عند رسول الله ﷺ في شد عقد الحديبية، فقال له ببراء من أعداء الله: [[أنا أشفع لكم؟! والله الذي لا إله إلا هو لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به]] حاله: كان العيش معهم والشفاعة لهم ممكنة. ولكنهم ركبوا مسلكاً يحيد عن الجسد المشرقِ وقد ولي الأمر منهم رجالٌ يخالف منطقهم منطقي نأوا عن هدى الله في نهجهم وساروا وسرتُ فلم نلتقِ إنه على بصيرة من دينه واثق بمنهجه موقن برسالته لو شك الناس -جميعًا- في الحق ما شك فيه؛ لأنه يفترض أنه خلق وحده، وكلف بالحق وحده، وسيحاسب عليه وحده. وعلى مقادير الرجال فعالهم قطع المهند تابعٌ لحديدهِ

стр. 725

ثمامة بن أثال ومفاصلته للكفر وأهله أخرج الشيخان ﴿أن ثمامة سيد أهل اليمامة وقع في الأسر ورُبط في سارية في مسجد رسول الله ﷺ ، فأحسن النبي ﷺ إساره، ثم قال: أطلقوا ثمامة، فرغب في الإسلام، وتغيرت الصورة القاتمة التي كان يحملها عن الإسلام إلى صورة مشرقة استنارت بها بصيرته، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد وشهد الشهادتين، ثم قال: يا رسول الله! والله ما كان على وجه الأرض وجه ولا دين ولا بلد أبغض عندي من وجهك ودينك وبلدك، فقد أصبحت أحب الوجوه كلها، والدين كله، والبلاد كلها إلي، يا رسول الله! إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فما ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر﴾. انجلت الرغوة عن اللبن الصريح ولا يصح إلا الصحيح، محيت ألوان الغشاوة التي كانت مهيمنة على قلبه، فأعلن بدء تاريخ جديد يمحو به آثار ما سلف، ويتميز به ويفاصل في عزة وأنف. رُوي أنه قدم مكة فلبى، فأخذته قريش، وقالوا: [[لقد اجترأت علينا والله لولا ما بيننا وبينك لقتلناك، أصبوت؟! قال: ما صبوت ولكني أسلمت لله، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ]]. حاله: ولقد وجدت ولاء قوم سُبةً فاجعل ولاءك للعزيز الأكرم لم يكن بائع كلام، ولا مكثر أوهام، قام بتنفيذ التهديد، ومنع عنهم الحنطة حتى اضطروا خاضعين إلى أن يكتبوا لرسول الله ﷺ ؛ متوسلين قائلين: [[إنك تأمر بصلة الرحم، وقد قطعت أرحامنا قتلت آباءنا بالسيف وأبناءنا بالجوع]] فكتب له رسول الله ﷺ أن يسمح لهم بحمل الحنطة إلى مكة، فامتثل وفعل، كيف ورسول الله قد أمر. ولو تقطع جذع عن منابته ماتت على غصنها تلك العناقيدُ مفاصلة حاسمة، وفكر نزيه، وتميز صريح، وهدىً صحيح، خاب من قال فلم يفعل، فما يفلح القائل حتى يفعل. إنه التميز الذي جعل من ذلك الشاعر الذي كان يستعدي على المسلمين، ويسمهم بالسفه وسوء الاختيار قبل إسلامه، يستعلي على تلك الكلمات والموروثات التي كان يفاخر بها؛ قيل له بعد إسلامه: [[أنشدنا من شعرك؟ فقال: لقد أبدلني الله من الشعر الزهراوين: البقرة وآل عمران، لا أستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير]] تميز محسوس، وتحول ملموس، ولا يكابر في المحسوس إلا ممسوس قد فاته أن الهداية بلسمٌ ومذاق طعم الشهد لن يتغيرا

стр. 726

التميز والمفاصلة عند الجيل الحاضر معشر الإخوة! ولما حاد هذا الجيل عن تلك المفاصلة والعزلة، والتميز والترفع على مبادئ ومظاهر الجاهلية، تلوث وتأثر بقدر حيدته عن ذلك النهج، فمستقل ومستكثر، فلو نظرت إلى مدن الجيل وقراه من مرقب عال، وسَبَرت حاله في مجمله؛ لم تميز بينه وبين مجتمع المغضوب عليهم والضالين إلا في بعض المظاهر والشعارات والآثار واللوحات لهث وراء المادة في غير اقتصاد اكتساب من غير احتساب سهر في غير طاعة عمل بغير نية تجارة في لهو عن ذكر الله ولاء لعدو الله حرفة في جهل بدين الله وظيفة في الإخلاص لغير الله أحكام في مشاقة الله شغلٌ في ضلالة قعود في بطالة حياة في غفلة وجهالة وشتات وفرقة. أمة لمن تتميز. فهي والأحداث تستهدفها تعشق اللهو وتهوى الطربا أمة قد فت في ساعدها بغضُها الأهلَ وحبُّ الغُرَبا ... أمتي من بعد طول الـ ـنوم صارت غفلويه صدَّقت كل خِداعٍ من غوي وغوية واستكانت لخداع الذْ ئب من غير رويه نزلت من حصنها العا لي إلى أرض دنيه لترى ما لدى النا صح من دنيا هنيه ثم جاء الذئب فانقـ ضَ بأنياب قوية كيف ينقض عليها؟ كيف يرميها ضحيه؟ وكتاب الله يهديـ ـها ألا هيا إِلَيَّه كيف تمسي بخبيث الـ ـمكر لقمات هنيه فرأى تقسيم أوصا لٍ لها في الجاهليه ورمى أقوامها الكُثْـ ـر بداء الفوضويه وبأفكار زُيوفٍ محدثات زخرفيه بقي الحصن ولا حرْ اس يحمون الرعيه ضحك الباغي عليها بأخاديع ذكيه فاستجابت بغباء عمل الشاة الضحيه ساقها الجزار للذ بح إلى أرض قصيه وقف الباغي ينادي الـ ـقوم هل ثم بقيه؟ سوف لا أترككم إلْا شقياً أو شقيه هذه روح القضية هل سنصحوا للبليه؟ بِمَ نصحو؟ بكتاب الله والسنْـ ـنَة والأيدي القويه بولاءٍ وبراءٍ ومبادٍ عقديه وجيوش تهزم البا غي وتسقيه المنيه وعلى هذا! فلن تستقيم قيم الإسلام إلا بتميز ومفاصلة وبراءة، واستعلاء على القيم المنحرفة واعتزال لها، وعدم تعديل قيمنا وتصوراتنا لتلتقي معها على أي حال كان، وما يلقاها إلا الصابرون إنه الوقوف والصمود بوجه المجتمع المخالف، والمنطق السائد، والأفكار والتصورات، والانحرافات والنزوات، والواقف قد يشعر بالوهن ما لم يأوِ إلى ربه ومولاه واللهُ لن يترك المؤمن وحيداً حين يعلم صدقه يواجه الضغط، وينوء بالثقل، ويهزه الوهن: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]. إن أعداء الله ومبادئهم كذوات السموم؛ نحن معها على افتراق وبراء وعداء حتى يدخلوا في ديننا. هل لمحتم طيبة من حيةٍ؟! أو لمستم رقة من عقربِ؟! إنَّا حين نسايرها ولو خطوة واحدة فإنا نفقد الطريق إلى العلياء، ونتيه في بيداء السماوة أذلاء، وحين نتميز ونفاصل ولا نلتقي إلا على نبع الوحي الصافي نكون بحق أجلاء الرفعة والعلاء، وأهل العطاء والسمو للسماء. وشتان ما بين السماوة والسما!

стр. 727

معرفة المنهج الصحيح لمنزلة الدنيا من الآخرة عند الجيل الأول علموا أن لذة الآخرة أعظم وأدوم وألَمَها كذلك، ولذة الدنيا أصغر وأحقر وألَمَها كذلك، فتركوا أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما، واحتملوا أيسر الألمين لدفع أعلاهما حسموا في قلوبهم كل أرجحة ولجلجة بين قيم الدنيا والآخرة خلَّصوا قلوبهم من وشيجة غريبة تحول بينهم وبين التجرد لله، والخلوص له وحده دون ما سواه، وحال أحدهم: بما في فؤادي يبوح الفمُ ويجهل غير الذي أعلمُ

стр. 728

حقيقة الدنيا عند رسول الله ﷺ نساء رسول الله ﷺ هن من البشر، ولهن مشاعر البشر على فضلهن وكرامتهن وقربهن من ينابيع النبوة لما رأين السعة والرخاء بما أفاء الله على رسوله وعلى المؤمنين؛ راجعن رسول الله ﷺ في أمر النفقة، فلم يستقبل هذا الأمر بالرضا؛ لأنه كان يريد أن تظل حياته وحياة من يتصلون به على أفق سامٍ وضيءٍ، مبرئاً من كل ظل للدنيا وأوشابها، لا لحرمة السعة؛ ولكن للاستعلاء على جواذب الأرض الرخيصة. يشقى الحريص أبداً بحرصه لو شرب الأنهار طراً ما ارتوى لو ابتنى فوق الثريا سكناً هوى به الحرص إلى جوف الثرى احتجب رسول الله ﷺ ، وقالوا: طلق نساءه حين اعتزلهن، وأنزل الله آية التخيير، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩] بدأ صلوات الله وسلامه عليه بأحب نسائه إليه عائشة ليُعْلَم أن محبة الله فوق كل محبة، فتلا عليها الآية، وقال: ﴿لا تعجلي حتى تستأمري أبويكِ، فقالت: أفيك أستأمر أبوي يا رسول الله؟! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة﴾ فما عرض على امرأة غيرها من نسائه إلا اختارت الله ورسوله والدار الآخرة. تالله ما عقل امرؤٌ قد با ع ما يبقى بما هو مضمحل فانِ ... ليس من يجعل العقيدة نهجاً كالذي ينتمي إليها شعارا هذا هو الميزان الدقيق في نفوس الأصحاب، استمدوه من كتاب الله وهدى رسول الله ﷺ ، وعاشوه في واقع حياتهم، فحُقَّ لهم أن يسودوا ويقودوا. فيوماً على نجد وغارات أهله ويوماً بأرض ذات شَت وعرعرٍ صح عند مسلم عن جابر ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ مر بالسوق والناس حوله، فوجد جدياً أسك ميتاً، فتناوله بأصل أذنه، ثم قال: أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ فقالوا: يا رسول الله! ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال ﷺ : فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم﴾. هكذا يا معشر الإخوة! رباهم رسول الله ﷺ على الزهد في الدنيا والرغبة في الأخرى، فتركهم من بعده جبالاً شُمَّاً، كلٌّ يسير مفرداً كأمة. هادر كالأسد الزائر مرغٍ مزبدُ لهب ملتهم محتدم متقدُ والله لأن تؤخذ المدية، فتوضع في حلق أحدهم لتنفذ من الجانب الآخر؛ أهون عنده من أن تكون الدنيا مقدَّمة على الآخرة، وهي عند الله أهون من جناح بعوضة. وحاله: لا أشرئب إلى ما لم يكن طمعاً ولا أبيت على ما فات حسرانا ... ليس الوقوف على الأبواب من خلقي ولا التمسح بالأعتاب من عملي

стр. 729

أبو عقيل الأنصاري وإيثاره الآخرة على الدنيا لما كان يوم اليمامة، واصطف الناس، وبدأ القتال، رُمِي أبو عقيل الأنصاري ﵁ بسهم فوقع بين منكبه وفؤاده في غير مقتل، فأُخْرِج السهم ووهن له شقه الأيسر، وجُرَّ إلى الرَّحْل، ولما حمي القتال وانهزم المسلمون في أول المعركة، وهو واهن من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح: [[يا للأنصار، الله الله والكرة على عدوكم، يقول ابن عمر ﵃: فنهض أبو عقيل يريد قومة، فقلت: ما تريد ما فيك قتال؟! قال: قد نوَّه المنادي باسمي يا ابن عمر، فقال ابن عمر: إنما يقول: يا للأنصار! ولا يعني: الجرحى، فقال أبو عقيل: لقد نوَّه المنادي باسمي وأنا من الأنصار، ولا والله الذي لا إله إلا هو لأجيبنه ولو حبواً]]. إن الطيور وإن قصصت جناحهاتسمو بفطرتها إلى الطيرانِ يقول ابن عمر: [[فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف باليمنى، ثم جعل ينادي: يا للأنصار! كرة كيوم حنين كرة كيوم حنين، يا خيل الله اثبتي، وبالجنة أبشري]]. يتقدم الصفوف محرضاً والحرب تقذف تياراً بتيارِ ... كالماء أعذب ما يكون وإنه لأشد ما يصبو على النيرانِ يقول ابن عمر: [[فنظرت إليه وقد قطعت يده المجروحة من المنكب ووقعت على الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحاً كلها خلصت إلى مقتل، وهو صريع في آخر رمق، وقد هزم الله عدوه ونصر جنده، فوقفتُ عليه، وقلت: أبا عقيل فقال بلسانٍ ملتاث: لبيك! لمن العاقبة؟ قلت: أبشر قد قُتِل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ثم لقي الله]]. صامتاً ليس يطيل الكَلِمَا وهو بالصمت يربي الأمما ... فلولا احتقار الأسد شبهتها به ولكنها معدودة في البهائمِ ... ما كان للزهرات لولا أنها هتكت حجاب الكُم أن تتوردا قد قيدوك فما أطقت قيودهم والحر يأبى أن يعيش مقيدا علم أن الدنيا بأسرها قليلة، وبقاءها من أولها إلى آخرها قليل، ونصيبه من هذا القليل قليل، ورأى غيره يبذل روحه ليظفر بقدر قليل من هذا القليل في بقاء قليل، فبذل أعز ما يبذله نفسَه، وحالُه: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤]. لم يدخر نفساً ولا مالاً وقد باعهما لله والله اشترى ما ضره ما أصابه يوم يجبر الله مصيبته بالجنة بمنِّه! فبعد هذا الظل يا بلبل ماء وهوا وجنة أخرى يطيـ ـب في رياضها الحيا بهذه الموازين خرجوا من الجزيرة ليبلغوا رسالة الله، وليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام -على حد قول ربعي ﵁ فواجَهوا حضارات مادية رقت حواشيها، وطالت ذيولها، وبلغت في البذخ درجة الخيال. كان أحدهم إذا انتطق بمنطقة قيمتها دون مائة ألف درهم يعير ويزدرى ويحتقر، وتتفاداه العيون، ويتوارى من القوم، كما يقول الندوي. واجه الصحابة هذا كله فركلوه بأقدامهم، ما هو عندهم بشيء، إذْ هم في سجن الدنيا لما ينتظرونه عند الله من الكرامة، رأوا خبزاً رقاقاً لم يروا مثله في الرقة، فحسبوه مناديلاً، فأخذوه في أيديهم فإذا هي أرغفة، ما كانوا يظنون أن الخبز يكون في هذه الدرجة من الرقة والأناقة. لا يشتهي أحدهم ما لا يجد، وإذا وجده لا يجعله غاية الجد والكد، يتسامون على المظاهر الجوفاء، ويترفعون عن الأخلاق الشوهاء، واعتزازهم بالله رب الأرض والسماء. ركبوا العزائم واعتلوا بظهورها وسروا فما حنوا إلى نعمان ساروا رويداً ثم جاءوا أولاً سير الدليل يؤم بالركبان

стр. 730

حقارة الدنيا عند عبادة بن الصامت معشر الإخوة: إليكم صورة للمواجهة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة؛ حُسمت فيها النتيجة لحزب الله أهل الآخرة قبل المواجهة المسلحة. فلكل راضٍ بالهوان قرارة يحتلها ولكل راق سُلَّمُ لما وصل عمرو بن العاص ﵁ إلى مصر، بعث إلى المقوقس حاكم مصر عشرة رجال على رأسهم عبادة بن الصامت ﵁، وجعله متكلم الوفد، وكان عبادة شديد السواد، مفرط الطول مهاباً، فلما دخلت رسل المسلمين على المقوقس هابهم، وقال: [[نحوا عني ذلك الأسود وقدموا غيره ليكلمني، فقال الوفد: إن هذا أفضلنا رأياً وعلماً، مقدَّمٌ علينا، نرجع جميعاً إلى قوله ورأيه، أمَّره الأمير علينا وأمرنا ألا نخالفه، وإن الأسود والأبيض عندنا سواء، لا يفضُل أحدٌ أحداً إلا بدينه وتقواه، فأومأ إلى عبادة أن يتكلم في رفق حتى لا يزعجه، فقال عبادة: إن فيمن خلفتُ من أصحابي ألف رجل كلهم مثلي، وأشد وأفظع سواداً مني، لو رأيتهم كنتَ أهيبَ لهم مني، ولقد ولَّيتُ وأدبر شبابي وإني مع ذلك -بحمد الله- ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعاً، وأصحابي همُ هم، رغبتنا وهمتنا الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، والله ما يبالي أحدنا أكان له قناطير الذهب أم كان لا يملك إلا الدرهم، نعيم الدنيا ليس بنعيم، ورخاؤها ما هو برخاء، بذلك أمرنا الله وعهد إلينا نبينا، تقضَّى زمن الحل وهذا زمن العقد]]. بعض المواقف يا رجال حرائرٌ والبعض يا بن الأكرمين إماءُ وقع الكلام منه موقعاً عظيما، فقال لأصحابه: هل سمعتم مثل كلام هذا قط؟! لقد هبتُ منظره وإن قوله لأهيب عندي من منظره، وما أظن ملكهم إلا سيغلب الأرض كلها. نعم: كلماتهم قُضُبٌ وهن فواصلُ كل الضرائب تحتهن مفاصلُ إنما الألفاظ نطقٌ ورسومْ والمعاني روح هاتيك الجسومْ ثم أقبل على عبادة ليسلك معه طريق الإرهاب في قالب النصح، فيقول: قد سمعتُ مقالتك، ولَعَمْري إنكم ما ظهرتم على من ظهرتم إلا بحب الدنيا، ولقد توجه لقتالكم ما لا يحصى عدده من الروم ما يبالي أحدهم من لقي ولا من قاتل، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم، فنفرض لكل رجل منكم دينارين، ولأميركم مائة، ولخليفتكم ألفاً، خذوها وانقلبوا إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوة لكم به. عجباً له من أسلوب شفقة الضرة على الضرة، إنه ليعلم أنهم ليسوا بطلاب دنيا، ولكنها محاولة رجل يائس أراد أن يصنع شيئاً يُعْذَر به أمام قومه. يحاول الأقزام دائماً -معشر الإخوة- أن يستنزلوا العظماء من عليائهم ليشاركوهم تدني أفكارهم إنه يعرض هذه المساومة وهو يدرك ويعترف أن المسلمين بلغوا منزلة تخولهم لملك الأرض كلها، ومع ذا يعرض عروضه المتدنية على قوم حالهم: اشترانا منا فقلنا ربحنا لا نقيل يا رب ولا نستقيلُ لكن: ومن يكُ أعوراً والقلب أعمى فكل الخلق في عينيه عورُ تعجب عبادة من هذه العقلية التي لا تعرف رباً غير المال، وقال بصوت كله ثقة وإيمان: [[يا هذا! لا يغرنك مَن حولَك لا تغرنك نفسُك لا يغرنك أصحابُك، لعمر الله! ما هذا بالذي تخوفنا به، ولا والله ما هذا بالذي يردنا عما نحن فيه، ولئن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوان الله وجنته، والله ما من شيء أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من أن نقتل لتعلو كلمة الله، والله ما منا رجل إلا وهو يدعو الله صباح مساء أن يرزقه الشهادة في سبيله، وألا يرده إلى أرضه ولا إلى أهله إلا بنصر المسلمين، فانظر فليست إلا خصلة من ثلاث، اختر أيها شئت، ولا تطمع نفسك في باطل، بذلك أمرني الأمير، وبها أمره أمير المؤمنين وهو عهد رسول الله ﷺ مِن قبلُ إلينا، هذا ديننا الذي ندين الله به، فانظروا لأنفسكم]]. فليس الليث من جوع يقادُ إلى جيف تحيط بها كلابُ أنبقى في الحياة بلا لسان وقد نطقت بحاجتها الحميرُ قال المقوقس: أفلا تجيبون إلى خصلة غير هؤلاء الثلاث؟ فوقع قول المقوقس على آذان صماء من عبادة، ورفع يديه يشير إلى السماء مرة ويخفضها إلى الأرض أخرى. ويبعثها حرة لا تضيقُ بكيد العواذل واللوم يقول: [[لا ورب هذه السماء، لا ورب هذه الأرض، لا ورب كل شيء، ما لكم عندنا من خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم]]. نحن نهدي الخلق زهراً وثماراً وسوانا يبعث النار ضراما كل نمرود إذا أوقد ناراً عادت النيران برداً وسلاما عندها أذعن وبدأ يشاور أصحابه، فامتنعوا عن الإسلام، ثم امتنعوا عن الجزية، وقالوا: لئن دفعناها لم نَعدُ أن نكون لهم عبيداً، وللموت خير من هذا، فقال المقوقس: أجيبوني وأطيعوا القول، والله ما لكم بهم من طاقة، وإن لم تجيبوهم طائعين لتجيبُنَّهم إلى ما هو أعظم منها مكرهين، فأبوا وامتنعوا، فاقتحم المسلمون عليهم أحد حصونهم في هيمنة تكبير ارتجت لها الأرض معلنة: ألا كبرياء في الأرض إلا وكسرت شوكتها، وقلبت ظهراً لبطن، ولم يبق إلا كبرياء الله. أدت رسالتَها المنابرُ وانبرى حد السلاح بدوره ليقولا آن الأوان لأن نخاطر بالدمِ مَن لم يخاطر بالدما لم يسلمِ ففتح حصنهم، وكسرت شوكتهم، وذَلوا، فلام المقوقس قومه، وقال: ألم أخبركم؟! أما والذي يُحْلَف به لتجيبنهم إلى ما أرادوا، فلو أن هؤلاء القوم استقبلوا الجبال لأزالوها، وما يقوى على قتالهم أحد، أطيعوني فأذعنوا وذَلوا وخنعوا ودفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فيا ناشد الحق في مجامع المبطلين! لا رد الله ضالتك، أتطلب الفَص من اللص، وتقيس في مورد النص. يا قوم كفوا عن الشكوى لذي صمم لا يُسمع الصم إلا الصارم الذكرُ لقد كان ذلك الجيل محتفظاً بشخصيته المتميزة القوية إزاء تلك الحضارات المادية الدنيوية في تلك المعارك السقيطة، ما فقدوا شيئاً من مبادئهم وقيمهم، عبروا دجلة المادة، وفرات البهرج، فلم تبتل ذيولهم فيها؛ لأنهم عبروها بإيمان بالله عميق، وموازين دقيقة، وقيم أهلتهم للعزة والقيادة، والسمو والريادة، فانتزعوا عجلة القيادة من القيم الهابطة، والمفاهيم والعقائد الفاسدة، والمثل المفترئة؛ لأن المواجهة كانت بين القيم والمفاهيم، والمألوف أن تسري سنة الله أن البقاء للأصلح: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].

стр. 731

الجيل الحاضر واغتراره بالدنيا معشر الإخوة: ولما التفتت الأمة إلى غير تلك القيم ولم تزن الدنيا بميزانها الحق؛ رفعت الطين، ووضعت الدين، فقدت وهي على البر هويتها ومقوماتها، فإذا عموم أبنائها دون آحادهم عقولٌ في طلب الدنيا، بُلْه عما خلقوا له، طلاب أمانٍ، دين أحدهم لعقة على لسانه، عن الباقي مصروف، وبالفاني مشغوف، بالخوف من كل شيء إلا من مولاه معروف بالخزي محفوف، محب للدنيا كاره للموت، من خوف الموت بالموت وأشد من الموت يعتبر الدنيا رأس ماله، ومنتهى آماله، يود لو يعمر ألف سنة حتى إذا جاءه الموت خرج من الدنيا وهو حزين متلهف على ما يفارقه، كاره مستبشع ما يستقبله غثاء هباء، لا ينفع ولا يدفع ولا يرفع ولا يصفع ولا يشفع. إنما تلك مسوخ ورثت نسبة الإسلام عن أم وجَدْ وعندها: تشابهت البهائم والعِبِدَّا علينا والموالي والصميمُ أولئك الجيل فهموا الإسلام فهماً دقيقاً، فساروا بمفتاح السمو يفتحون المشارق والمغارب، لا يستعصي عليهم قُطر، ولا يستعصي عليهم مِصر الحصون تُفْتَح، والقلوب تُفْتَح، والقيم الصحيحة تسود، والموازين تُصَحَّح، فكانوا السماء. ولما تخلفت هذه المفاهيم عند مَن بعدهم أصيبوا بمركَّب النقص، فكانوا السماوة. وشتان ما بين السماوة والسماء. ألا إن من السخافة أن يقال: إن السماوة والسماء واحد؛ لأن النسبة إليهما في اللغة واحدة (سماوي) لا يقول به إلا غبي أو صبي أو عقل وراءه خبي. من رام شهداً فإن النحل مصدره ومن بغى السم فليطلب له الرقطا سر السمو إلى السماء لذلك الجيل؛ هو تحررهم من كل سلطان سوى سلطان الله، يعدلون بعدل الله، ويزنون بميزان الله، ويعملون على اسم الله لا سواه يوالون الله ويعادون أعداء الله رقابة الله كمنت في ضمائرهم، والطمع في رضا الله والخوف منه أغناهم عن رقابة البشر وعقوبتهم، فصار المسلم حقاً هو الأعلى. يقف موقف المجرد من كل قوة مادية، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى، يتداعى عليه الأعداء وهو كالطود ثابتاً لا يتزحزح، وهَبْها كانت القاضية فماذا يضيره؟ الناس يموتون وهو ورهطه يستشهدون، فيغادرون الأرض إلى رحمة الله حين يغادرها غيرهم إلى غضب الله. هو الأعلى من الله يتلقى، وإليه يرجع، وعلى منهجه يسير يسود مجتمعه عقائد باطلة مغايرة لما هو عليه، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى. يضج الباطل ويرفع عقيرته التي قد تعشى معها الأبصار، وتغشى البصائر، فلا يفارقه الشعور رغم الضجيج لأنه الأعلى. يغرق المجتمع في شهواته، ويمضي مع نزواته إلى الوحل والطين، فينظر من أُفُقِه العالي إلى الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين، وهو مفرد وحيد، فلا تراوده نفسه على خلع ردائه الطاهر، والانغماس معهم في الوحل لأنه الأعلى بلذة الإيمان والتقوى. يقف قابضاً على دينه كالقابض على الجمر، في مجتمع شارد عن القيم والدين، وهم يهزءون به ويسخرون، فيقول بقول من سبقه في موكب الإيمان العريق، والطريق الطويل: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] ويتلمح نهاية الموكب الفائز الوضيء، ونهاية القافلة البائسة في قول الله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤] ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٦]. بهذا الشعور، وبتلك القيم ارتقت الأمة في نظامها وأخلاقها وحياتها وكل شئونها إلى قمة سامية سامقة، لم ترتفع إليها من قبل قط، ولم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل منهاج ذلك الجيل. فانهض فقد طلع الصباحُ ولاح محمر الأجيمْ وشتان ما بين السماء والسماوة

стр. 732

عزة وشجاعة الجيل الأول

стр. 733

عزة يزيد بن معاوية أمام قيصر هاهو جيش معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه بقيادة ابنه يزيد يقف على أطراف القسطنطينية قريباً من أسوارها -جيشٌ مغفور له كما ثبت في صحيح البخاري - وفي الجيش بعض أفراد ذلك الجيل على رأسهم: أبو أيوب الأنصاري ﵁ وأرضاه، حل به مَرَض -مَرِض مرضاً شديداً- فأتاه يزيد ليعوده، ويقول له: [[ما حاجتك أبا أيوب؟ قال: ادفني عند أسوار القسطنطينية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿يدفن عند أسوار القسطنطينية رجل صالح﴾ وإني لأرجو الله أن أكون أنا هو. إن النفوس إذا سمت وتهذبت وتوجهت تعلو إلى جناتها جاءته المنية هناك، ما ضيع وما قصر وما فرط ﵁ وأرضاه القتال دائر، ويأمر يزيد بتكفينه، فيحمل على السرير تخرج به الكتائب لتنفذ وصيته، ويدفن عند الأسوار تحت سنابك الخيل، ينظر قيصرهم إلى سريره يُحْمَل تحت ظلال السيوف، فيرسل قيصر إلى يزيد: ما هذا الذي أرى؟ فيقول يزيد: [[هذا صاحب رسول الله ﷺ قد سألنا أن نقدمه في بلادك، ونحن والله الذي لا إله إلا هو منفذون وصيته أو نهلك جميعاً ونلحق بالله]]. فيا لَلَّه! إن لم يكن في حياة المرء من شرفٍ فإنه بالردى قد تشرف الرممُ قال: عجباً! أين دهاؤك؟! وأين دهاء أبيك الذي يُنسب له؟! يرسلك أبوك فتأتي بصاحب نبيك -ونقول: ﷺ وتدفنه في بلادنا حتى إذا ما وليت أخرجناه للكلاب؟! فقال يزيد في سمو وسماء وعزة: [[إنك كافر بالذي أكرمت هذا له، وإني والله ما أردت إيداعه بلادكم حتى أودع كلامي آذانكم، والله الذي لا إله إلا هو مَن أكرمتُ صاحبَ رسول الله ﷺ له، لئن بلغني أنه نُبِش قبرُه، أو مثل به، لا تركتُ في الأرض الإسلام نصرانياً إلا قتلته، ولا كنيسة إلا هدمتها]]. جعل الخطام بأنف كل مخالفٍ حتى استقام له الذي لم يُخْطَمِ فقال: لِلَّه أنت، أبوك كان أعلم بك، فوحق المسيح لأحفظنه بيدي إن لم أجد من يحفظه. ولا عجب! فالحق قد أجاب، والذل قد وجب. وموجة النهر في عين الجبان بها غول وحوت وتنين وتمساحُ وشتان ما بين السماء والسماوة! وتبقى الآحاد والفئات ممن استقت من ذلك النبع الصافي على تلك العزة في كل آن، محلقة سامية للسماء ناطقة تقول: ومن لم يقوَّم بهدي الكتاب فبالسيف يا صحابي قُمْ

стр. 734

عزة أبي يوسف المراكشي أمام ملك كستانة يكتب ملك كستانة في أواخر القرن السادس إلى السلطان المسلم أبي يوسف المراكشي يهدده ويعنفه، ويطلب منه تسليم بعض بلاد المسلمين، وكان فيما قال في غطرسة وكبرياء: أراك تماطل نفسك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فما أدري الجبن بطَّأَ بك، أم التكذيب بما وعدك نبيك. فلما قرأ أبو يوسف الكتاب تنمَّر، وغضب، وتربد وجهه، وأرغى وأزبد، ثم مزقه وكتب على رقعة منه بقلم يفتك الشعور ويفلق الصخور: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل:٣٧] الجواب ما ترى لا ما تسمع. فلا كتب إلا المشرفية عندنا ولا رسل إلا للخميس العرمرمِ ... وقام قيام الليث فار غليله وقد برِّزت أنيابه ومخالبهْ استنفر الناس، ودعا للجهاد، ورغب في السعادة، وحاله: أججوها حمما وابعثوها حمما قربوا مني القنا قد كسرت القلما ... دوت بكل قبيلة ومحلة صيحاته فتجاوبت أصداؤها سارع مائة ألف مسلم متطوع للبذل والتضحية، والذب عن بيضة المسلمين، وإعزاز دين رب العالمين؛ لينضموا إلى الجيش الذي يبلغ مائة ألف من الموحدين، حال الواحد منهم: ارمِ بي كل عدو فأنا السهم السريع وإلا: فلا نعمت نفس ولا أفلح امرؤٌ ولا انهال هطَّال ولا لاح مشرقُ مضى الليث إلى الأندلس بجيش يؤمن بالله، ويستقي من نبع وحي الله شعاره: تكبير الله، وهذا ما وعدنا الله، وصدق الله، وحسبنا الله. فكانت الملحمة التي تنزل معها نصر الله على حزب الله، فقتلوا من العدو مائة وستة وأربعين ألف قتيل، وأسروا من أسروا نصراً من الله، وحقت كلمة الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. معشر الإخوة والبنين! والله ما قام عبدٌ بالحق وكان قيامه لله وبالله إلا لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له منها فرجاً ومخرجاً، وإنما يؤتى من تفريطه وتقصيره. فاعلم أيها السامي للسما: مَن يخف سلطان ذي العرش المجيدْ خافه كل قريبٍ وبعيدْ ... فما رميت ولكن الإله رمى فكيف يُهْزَم مَن بالله ينتصرُ والله أكبر صوتٌ تقشعر له شمُّ الذرى وتكاد الأرض تنفطرُ معشر الإخوة! نَصَر الله ذلك الجيل، لأنه أخذ بمقومات النصر، استقى من نبع الوحي، وطبق ونفذ، وتميز وفاصل، وضحى بالزائل، فكانوا السماء بحق، صدورُ محافل، وقادةُ جحافل، يقذفون بكلمة الحق مجلجلة على الباطل، فإذا الحق ظاهر، والباطل زاهق نافر، يقذفون بعزائمهم فإذا الكفر مكسور، والإيمان منصور. إن تلك المقومات للسمو إلى السماء لم تبلَ ولم تمت؛ إنما هي كامنة، وتلك الشعل لم تنطفئ فهي في كنف القرآن والسنة آمنة، فلا يزال الله يغرس غرساً يستعملهم في طاعته إلى يوم القيامة، إنهم من كانوا على مثل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فكن أو لا تكون: ومن يجد ترباً وماء غرسا وبذل المال وحاط الأنفُسا ... فبادر أُخَيَّ لرفع اللواء على كل قِطْع ولا تحجمِ وزف هدى الله للعالمين بآياتِ قرآنك المحكمِ سمواً سماءً بوحي الإله وجاهد وصابر ولا تسأمِ

стр. 735

نصائح وتوجيهات إلى أفراد جيل هذا الزمان أيها الجيل: الفرد في هذا الزمان أشد حاجة لليقظة والانتباه مما كان عليه أسلافه المسلمون في العصور الماضية، لقد كان أسلافه يعيشون في وسط إسلامي تسوده الفضائل، ويعمه التواصي بالحق الرذائل فيه تتوارى عن أعين العلماء وسيوف الأمراء، أما اليوم فإن المدنية السفيهة الحديثة قد جعلت كفر جميع مذاهب الكفار، وشهواتهم وشبهاتهم، مسموعةً مُبْصَرةً مزخرفةً عن طريق الإذاعات والشبكات، والصحف والقنوات، تتسلق وتتسلل إلى أعماق القلوب الجوفاء والبيوتات، وترفع عقيرتها: إليَّ إليَّ! فعندي الفقه الطيب، تعني: فقه الإرجاء والتسيب، وينعق فيها الرويبضات التافهون في أمر العامة صارخين: العلم ما ينقله الإعلامُ وليس ما يبثه الإسلامُ والحق ما تطلقه الأبواقُ وليس ما تثبته الأخلاقُ قد طوروا الخطاب للصِّغارِ باللحن والعُرْي وبالصَّغارِ خابوا فهم حثالة الأنسالِ وعُصْبة الفساق والأنذالِِ رهط الخنا والغي والمِحالِ مِن كل عِي ماذق تنبالِ محارب لله لا يبالي كأنما صيغوا من الأوحالِ أو من رجيع الحمر والبغالِ لكن: لكن ومهما نعقوا ومخرقوا عليهم ألف دليل ينطق فانثر كنانتك أيها الجيل الراشد، والزم نبعك الصافي وتميزك ومفاصلتك، وسدد سهامك، وأشرع رماحك، وأعدَّ عدتك؛ فإن لم تجد فيها سلاح الحديد والنار فلن تراع معك السلاح الذي يفل الحديد، كتاب الله خير عدة وعديد، معك المادة التي تطفئ النار وهي اتحاد الصف على الإيمان، معك المِسَن الذي يشحذ هذين؛ وهو التقوى والصبر، فلن تضر. فوالذي أكرمك بالإسلام إنهم ما قاتلوك بالحديد إلا ما يوازي ساعة من نهار؛ لكنهم قاتلوك في الوقت كله بما هو أعظم من الحديد قاتلوك: بالكتاب الذي يزرع الشك بالظن الذي يمرض اليقين بالصحيفة التي تنشر الرذيلة بالقلم الذي يشيع الفاحشة بالممثلة التي تظهر الفجور بالراقصة التي تغري بالتأنث الصخور بالمهازل التي تقتل الجد بالخمر والمخدر الذي يهدم البدن والعقل والمال والدين بمُعلمِ وعالمِ السوء الذي يفسد الفكر، وينقل الناس من الشهوة على وجل إلى الشبهة بلا وجل ولا خجل بالكماليات التي تثقل الحياة بالعادات التي تناقض فطرة الله. فإن شئت أيها الجيل أن تذيب هذه الأسلحة كلها في أيدي أصحابها، فما آمرك إلا واحدة أن تعلنها قولاً وعملاً: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأعراف:٢٠٣] ثم تصوم عن هذه المطاعم والمشارب والمنابع النتنة كلها، وتغمض عينيك على الدواء بكتاب الله يعمل، ثم تفتحها لرؤية الحق والهدى تبصر. دع عنك ما يقوله المسوخُ فما لهم في شرفٍ رسوخُ إن القوم تجار سوء قاطعهم تنتصر عليهم قابل أسلحتهم كلها بسلاح واحد، وهو: التعفف والإعراض عن هذه الأسلحة كلها؛ فإذا أيقنوا ألا حاجة لك بهم آمنوا أنهم لا حاجة لهم فيك، ثم انصرفوا صرف الله كيدهم كما صرف قلوبهم. ماذا يصنع المرابي في بلدة لا يجد فيها من يتعامل بالربا؟! وليس يجهل ما ينوي الخصوم لنا إلا الجواميس أو شبه الجواميسِ السوس منا فلا تطعن على أحد من الخصوم وعالج مصدر السوسِ يا سامياً للسماء: لا يخالجك شك في أن وعد الله بالنصر واقع قاطع جازم ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٥١] وكلمة الله قائمة سابقة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣] هذه حقيقة ثابتة مهما رصد لها الباطل من قوى الحديد والنار وحرب الأفكار، إن هي إلا معارك تتنوع نتائجها، ثم تنتهي إلى الوعد الذي لا يخلف بالنصر والغلبة والتمكين، سنة ماضية مضي الكواكب والنجوم، وتعاقب الليل والنهار؛ لكنها مرهونة بتقدير الله يحققها حين يشاء لحكمة، فلا تيأس وابحث عن أسباب تخلف النصر، فلعله من تفريط أو تقصير، فراجع نفسك وإلا فالسماوة. يا سامياً للسما: الطائر بجناح مستعار لا شك أنه ساقط واقع منحل معتل مختل، فحلق بجناحك، والنبع الصافي زادك مخلصاً متبعاً مطبقاً متميزاً مفاصلاً، وإلا فالسماوة. يكفي الصياح فما الحياة عبارة جوفاء فارغة يرددها الفمُ الحزم الحزم والقول والعمل! لا تكن كالدفتر يحكي ما قال الرجال وما فعلوا دون أن يضرب معهم في الصالحات بنصيب، أو يرمي في معترك الآراء بالسهم المصيب، وإلا فالسماوة. يا سامياً للسما: كاثر الضالين بالمهتدين، وارمِ البطانة الفجرة بالعجاف البررة ارم الخبيث بالطيِّب، والدرن بالصيِّب، وإلا فالسماوة. يا سامياً للسما: قد عرفتَ وُجْهَتَك فابدأ المسير، هطيل المزن أوله قطرة، وعصف الريح مبدؤه نسفة، وصادق الوحي مبدؤه رؤيا منام، فابثث أسرارك، وانشر أخبارك، واتكل على مولاك الاتكال على الضعيف ضعف، والاتكال على القوي قوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. كن مع الله ولا ترج العلا من سعي احفظن مصحفك الغالي وباسم الله صابرْ يا سامياً للسما: مَن هيأ الله له وسائل السبق فلم يسبق فهو محروم، وقد هُيِّئت فاغنمها تمحُ آية البؤس في بيداء السماوة، وتجعل آية النعيم في سمائك مبصرة. وشتان ما بين السماء والسماوة! يا سامياً للسما: أسرج كُمَيْتَك، واجرر زمامك على المرعى يقف بك ارقب الفجر ما هو ببعيد عنك عبَّ من النبع الصافي وتنقل به للمراقي جاهد نفسك على ذلك، فالمجاهدة حرب لا يصلح لها إلا بطل. من اقتضى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن هل بلم مرعى المشتهى هشيم ليل الجهل معتم جو الهوى مقفر روض اللهو وبي غدير اللذات غدر مجاهدة النفس شقة. موت النفوس حياتها من شاء أن يحيا يموتْ يا سامياً للسما: قد نثر الدر لديك فانتقِ، وقربت لك المراقي فارتقِ انزل الوادي يصوِّت بك الحادي. ونكتة المسألة، ومدار المحاضرة: تجريد التوحيد لله لا يقوم له شيء البتة، وصاحبه مؤيد منصور، هذا بيان مجمل للسر بلا تعليق، واسألوا أهل النحو أيهما أفصح: الإلغاء أم التعليق؟ يغنيك إجمال قولي عن مفصله في ذكرك البحر معنىً تحته الدرر وشتان ما بين السماء والسماوة! وحدوا صفوفكم، واجمعوا رأيكم وكلمتكم، والهدوء الهدوء! والصبر الصبر، ليس الشديد بالصرعة هونوا واتئدوا وأبشروا وأملوا ما كل عادٍ يسبق لأمة الإسلام من في السماء. ولدين الله من في السماء. ولملة الإسلام من في السماء. فالدعاء الدعاء، ليس شيء أكرم من الدعاء، أعجز الناس من عجز عن الدعاء: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو علمته أحداً من خلقك، ونسألك باسمك الأعظم الذي سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، وإذا استغثت به أغثت، وإذا استرحمت به رحمت، وإذا استفرجت به فرجت. يا من لا يهزم جنده، ولا يغلب أولياؤه، نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين. اللهم ارفع علم الجهاد اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم اقمع أهل الكفر والزيغ والفساد والنفاق والعناد. اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، أرنا في أعداء الدين عجائب قدرتك. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك. اللهم إنهم لا يعجزونك. اللهم أنزل عليهم بأسك ورجزك وغضبك. اللهم لا ترفع لهم راية، اللهم اجعلهم لمن خلفهم آية. اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وزلزل أقدامهم، ورد كيدهم. اللهم إنا ندرء بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره، يا قوي يا عزيز يا قوي يا عزيز يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. اللهم كن للمسلمين المستضعفين المظلومين المقهورين في العالمين اللهم كن للمسلمين المستضعفين المقهورين المظلومين في العالمين. اللهم كن لهم في فلسطين وأفغانستان وكشمير والشيشان، وجميع العالمين. اللهم أزل عنهم العنا، اللهم أزل عنهم العنا. اللهم اكشف عنهم الضر والبلاء. اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠]. اللهم أنت حسبنا ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

стр. 736

النعيم لا يدرك بالنعيم لقد كان الصحابة الكرام في رغد من العيش، فلما أسلموا واستسلموا لله، عاداهم قومهم، وضيقوا عليهم في معيشتهم، وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالله، فكانت نفوسهم وقلوبهم لقوة إيمانهم في غاية النعيم، أما حالنا فنحن في عصر أخلد فيه إلى الأرض، وغلبت المادة، وعبد الدرهم والدينار من دون الله الواحد القهار فشتان بين الجيل الأول وجيلنا!!

стр. 737

الهمة العالية لنيل النعيم الأخروي الحمد لله لا يحصى له عدد ولا يحيط به الأقلام والمدد وأحمد الله منه العون والرشد حمداً لربي كثيراً دائماً أبداً في السر والجهر في الدارين مسترد ملء السماوات والأرضين أجمعها وملء ما شاء بعد الواحد الصمد ثم الصلاة على خير الأنام رسول الله أحمد مع صحبٍ به سعدوا وأهل بيت النبي والآل قاطبةً والتابعين الألى للدين هم عضدُ والرسل أجمعهم والتابعين لهم من دون أن يعدلوا عما إليه هدوا أزكى صلاةٍ من التسليم دائمةً ما أن لها أبداً حدٌ ولا أمد والله أسأل منه رحمةً وهدى فضلاً وما لي إلا الله مستند ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أيها المؤمنون! من المشاهد المعقول الملموس المحسوس؛ بل والمنقول، أن النعيم لا يدرك بالنعيم، والنار تحرق وتنضج، وحيث يوجد النور يوجد الدخان، ولا ينال الخبز حتى يسيل العرق، ويعظم الجهد والنصب والأرق، والسم أحياناً يعمل عمل الترياق: ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر ودون الشهد إبر النحل، ومن رام اللآلئ زج بنفسه البحر، واللآلئ تحطم لترفع في التاج والنحر، وما العز إلا تحت ثوب الكد. نعيم الأشواق بعد ذوق مُرَّ الأخطار في القفار، بقدر العنا تنال المنى، وربما تصح الأبدان بالأدواء، ولا يدرك الشرف إلا بالكلف: ولا يفرس الليث الطلى وهو رابض ولم يجعل التبر حلي الفتاة حتى أُهين وحتى كسر لن يدرك البطال منازل الأبطال، وعند تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال. والسيل حرب للمكان العالي ولا تطلب السلعة الغالية بالثمن التافه. والمجد لا يشرى بقولٍ كاذبِ إن كنت تبغي المجد يوماً فانصبِ ولذة الراحة لا تنال بالراحة، والجنة حفت بالمكاره، ولا يدرك السادة من لزم الوسادة، والموت في سبيل الله سعادة وشهادة. جهاد المؤمنين لهم حياةٌ إلا إن الحياة هي الجهاد لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] ويقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ويورد ابن القيم ﵀ حول هذه المعاني كلاماً قيماً مضمونه: "إن الخيرات واللذات والكمالات لا تنال إلا بحظٍ من المشقة، ولا يُعبَر إليها إلا على جسرٍ من التعب، وقد أدرك عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم، ومن آثر الراحة، فاتته الراحة وأنه بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق والصعاب، تكون اللذة والفرح". ما لؤلؤ البحر ولا مرجانه إلا وراء الهول من عبابه من يعشق العلياء يلق عندها ما لقي المحب من أحبابه فلا فرح لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة؛ قاده ذلك لسعادة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم إنما هو صبر ساعة. وكلما كانت النفوس أشرف، والهمة أعلى، كان تعب ونصب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل، والله المستعان! وعليه التكلان، ولا قوة إلا بالله. كذا المعالي إذا ما رمت تدركها فاعبر إليها على جسرٍ من التعب

стр. 738

نعيم الدنيا في واقع حياة الصحابة الكرام معاشر المؤمنين! النعيم لا يدرك بالنعيم هذا واقعٌ حيٌ مطَّبقٌ في حياة رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، مُشاهدٌ في أتباعهم يوم جدوا في طريقهم إلى خلاقهم، فما عاقهم مكروهٌ ولا بأسٌ ولا شدةٌ عن بلوغ أهدافهم، بل وظفت هذه الشدة والمكروه والجوع والبأس لتهذيب أنفسهم وأخلاقهم، فإذا هم قلوبٌ تتصل بالله تتذكر الله وتخشاه، وتؤثره على كل مغريات الحياة، امتلأت نفوسهم بهممٍ وإيمانٍ وأماناتٍ وكفاءات من أخمص القدم إلى ذؤابة الرأس، تشابهت السبل فاتخذوا سبيل الله سبيلاً، وتفرق الناس فجعلوا محمداً ﷺ وحزبه قبيلاً. وقفوا على هام الزمان رجالا يتوثبون تطلعاً ونضالا وحي السماء يجيش في أعماقهم ونداؤه من فوقه يتعالى باعوا النفوس لربهم واستمسكوا بكتابه واستقبلوا الأهوالا اقتحمتهم الأعين أول ما خرجوا من الصحراء فاتحين، فلما اشتبكوا مع فارس والروم، جثا التاريخ يسجل ويروي ويقول: قومٌ كرام السجايا أينما ذكروا يبقى المكان على آثارهم عطرا أخلاقهم عما يشين نقيةٌ ونفوسهم عما يعيب مكفكفة ما استعبدتهم شهوةٌ تدعو إلى الصفراء والبيضاء لا والزخرفة ليسوا بأسرى الأرغفة ليسوا بأسرى الأرصدة ليسوا بأسرى الأشربة الأطعمة الألبسة قوم إذا جدَّ الوغى كانوا ليوث الملحمة ملأٌ لقد ملأ الإله صدورهم نوراً فكانت بالضياء مزخرفة جديرٌ بنا -معشر المسلمين- أن نقف على استعلائهم على شهواتهم ومكاره أنفسهم في سبيل مرضاة ربهم، علَّنا نقتبس قبساتٍ من ضوئهم، وومضات من شعاعهم، لتنهض همة مقعد، وتُشحذ عزيمة زمن؛ في عصر أخلد فيه إلى الأرض، وغُلبت المادة، وعبد الدرهم والدينار من دون الله الواحد القهار، فحيهلاً بهم فقد صوت حاديهم: أن الله لا يزال يغرس غرساً يستعملهم في طاعته إلى يوم القيامة، والنعيم لا يدرك بالنعيم. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم أُسداً تخلف بعدها أشبالا

стр. 739

مصعب بن عمير بين نعيم الدنيا وشظف العيش يقول سعد بن مالك ﵁ وأرضاه: [[كنا قبل الهجرة يصيبنا شظف العيش وشدته فلا نصبر عليه]] كانوا في رغدٍ من العيش، فلما أسلموا واستسلموا لله، عاداهم قومهم، وضيقوا عليهم في معيشتهم، وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالله، فلم تألف ولم تعتد أجسادهم، ولم تتدرب على حياة الفقر والشدة وقد ألفت رغد العيش، أما قلوبهم ونفوسهم فلقوة إيمانهم كانت في غاية النعيم؛ حيث خولطت بشاشتها بالإيمان، فهم سادة الصابرين في الضراء، الشاكرين في السراء، كيف وهم يتلمحون ويرجون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ ويؤمنون بأن كريمات المعالي مشوبةٌ بمستودعات في بطون الأساود قال سعد: [[فما هو إلا أن هاجرنا، فأصابنا الجوع والشدة، فاستضلعنا بهما، وقوينا عليهما]] اعتادت أجسادهم وانسجمت مع حياة الفقر والشدة وخشونة العيش، فأصبح القلب والجسد في ألفة لهذه الحياة، أيقنوا بالنقل أن الابتلاء مع الصبر والاحتساب كفارة للخطايا فـ ﴿ما يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وما عليه خطيئة﴾ كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ ، فكانوا بحق: صبراً على خوض المكاره أنفسٌ لا تستكين وأعظم لا تضطرب قال سعد: [[إلا مصعب بن عمير، فقد كان أترف غلامٍ بـ مكة بين أبويه فيما بيننا، فلما أصابه ما أصابنا، لم يقوَ على ذلك]] ظل عدم الإلفة والانسجام واضحاً في حياة مصعب مكة لؤلؤة ندواتها ومجالسها، مالُ الأم بين يديه يتصرف به كيف شاء، حتى إذا ما أسلم لله واستسلم منع هذا كله. يقول سعد: [[فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القسي، ثم نحمله على عواتقنا]]. والله معاشر المؤمنين ما كان من يريدهم على غير دينهم إلا كالقائل لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح، فهيهات لا براح، لاقى ما لاقى من أمه وقد كان فتاها المدلل، أفلت منها، وهاجر إلى الحبشة. ارتدى المرقع البالي خشناً، وقد كانت ثيابه كزهور الحديقة نظرة وألقاً، خرج من النعمة الوارفة إلى شظف العيش والفاقة يأكل يوماً ويجوع أياماً، لكن روحه المتأنقة في سمو العقيدة، المتألقة بنور الله جعلت منه إنساناً يملأ العين إجلالاً.

стр. 740

قدوم مصعب بن عمير على النبي ﷺ قدم مكة، فدخل على رسول الله ﷺ ولم يبدأ أمه، فأرسلت إليه أمه تقول: أي لكع! أتدخل بلداً أنا فيه ولا تبدأ بي؟ فقال: ما كنت لا أبدأ بأحدٍ قبل رسول الله ﷺ كائناً من كان. إيهٍ مصعب!! إذا لم تجد في الشباب الإباء ففضل عليهم ضعاف النساء والله ما فكر مصعب يوماً أن يرجع عن إيمانه بعد إذ أنقذه الله من الكفر، علم أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن غمسةً في الجنة تنسي كل بؤسٍ وشدةٍ وشقاء، وموضع السوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، فهان عليه ما يلقى، كيف وهو يسمع من رسول الله ﷺ وحياً يوحى: ﴿إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، وأن المرء يبتلى على قدر دينه، وما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة﴾.
следующие страницы →