← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الأولوية في النفقة والصدقة قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: (تصدقوا. فقال رجل: يا رسول الله! عندي دينار قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر به) رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم] . هذه مسألة جديدة وهي: بيان الأولوية في الصدقة: أمر النبي ﵌ بالصدقة، وكثيراً ما كان يحث أصحابه على ذلك، والصدقة بمعنى الصدق، وقد قدمنا الإشارة بأن فقه اللغة يقول: إذا اشتركت مادتان في أكثر الحروف، واختلفتا في حرف واحد؛ كان بين المعنيين صلة قوية، وكان الفرق بينهما بقدر الفرق في الحرف الذي اختلفتا فيه. ومثلوا لذلك بمثال واضح، فقالوا: مادة (خبن) ، ومادة (غبن) ، خبن: الخاء والباء والنون، وغبن: الغين والباء والنون؛ فاشتركتا في الباء والنون، واختلفتا في الخاء والغين، فقالوا: بين الخبن والغبن قدر مشترك، وذلك أن الخبن هو تقصير ونقص في الثوب الطويل، والغبن نقص في الثمن. فيكون غبن على البائع إذا باع بأقل من الثمن، فيكون نقصاً عليه، ويكون الغبن في الثمن إذا اشترى بأكثر من القيمة، فيكون نقصاً عليه، وقالوا: الخاء أظهر من الغين في المخرج، وهم يقولون: إذا أردت أن تعرف مخرج الحرف، فائتِ بالهمز، وسكن الحرف، وقف عليه، ففي الخاء تقول: أخْ، فهي من سقف الحلق، والغين تقول: أغْ، كأنها داخلة إلى الحلق، فلما كانت الخاء أظهر في الحروف جعلوها في المعنى الأظهر؛ لأن خبن الثوب تشاهده بعينك، وتخبنه بالخيط، وتعرف الزائد من الناقص، أما الغبن فهو أمر خفي قد يخفى على بعض الناس، ولا يدرك مقدار هذا الغبن في هذه السلعة. من هنا يقول العلماء: إن الصدقة والصدق اتفقتا في المادة في الحروف الثلاثة، وزيدت التاء للتأنيث، فالصدق مادته: (الصاد، والدال، والقاف) ، والصدقة مادتها: (الصاد، والدال، والقاف) ، إذاً: كلاهما بمعنى: الصدق، بمعنى: التصديق، والتصديق في الصدقة هو: أن الإنسان في حياته لا يبذل شيئاًَ إلا عن عوض، وقدمنا ذلك مراراً، وقلنا: إن الحياة مبناها على قانون المعاوضة، والأمر الطبيعي بين الناس أنك لا تدفع درهماً واحداً بغير عوض، وتدفع الملايين في عوض يعادلها، وهنا حينما تدفع الصدقة فأنت لا تأخذ عوضاً عليها ممن تتصدق عليه، إذاً: أين المبادلة؟ أين المعاوضة؟ بل إنه من كمال الصدقة أن تخفي الصدقة حتى عن نفسك: (حتى لا تعلم شمالك ما تنفق يمينك) . إذاً: أين قانون المعاوضة هنا؟ قالوا: قانون المعاوضة هو أن المعاملات المادية بين الناس معاوضة فيما بينهم: خذ وهات، ولكن الصدقة معاوضة بين المتصدق وبين رب العالمين، فهو يتصدق ويدفع مصدقاً بوعد الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ. ﴾ [البقرة:٢٦١] ، ومن هنا فالمؤمن مصدق بوعد الله؛ فهو يدفع الصدقة لمن يعرف ومن لا يعرف، ولا ينتظر منه شيئاً: ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] ؛ لأنه يتعامل مع رب العالمين، ورب العالمين لا تخفى عليه خافية، ولا يضيع عنده معروف. وفي الحديث: (والصدقة برهان) ، أي: على إيمانه وتصديقه بأن الله سيعوضه عن تلك الصدقة، فالحد الأدنى بعشرة أمثالها، والحد الأعلى لا نهاية له، إلى سبعمائة ضعف، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] ، فكان ﵌ يحثهم على الصدقة، ويحثهم على ألاَّ يستقل إنسان شيئاً؛ لأن العبرة ليست بالكثرة؛ وخزائن الله ملأى، وما عند الله أكثر مما عند البشر، ولكن العبرة بتعاطف المسلم مع أخيه، والشفقة والرحمة وحب الخير والمساعدة، هذا هو الأصل الأساسي في تبادل الصدقة بين الغني وبين الفقير.

стр. 1437

البدء بالنفس في النفقة وهنا حثهم النبي ﵊ على الصدقة، فقال رجل: عندي دينار، قال: (أنفقه على نفسك) ، فأول ما يبدأ الإنسان بنفسه؛ لأنه ألزم ما يكون عليه نفسه، فهل تتصدق بقرص خبز ليس معك غيره فيقتلك الجوع؟! لا يجوز هذا، إنما تبدأ بنفسك، وما زاد عن حاجتك تفيض به على غيرك الذي يليك في المرتبة. جاء في الحديث: (أنه مر رجل شاب على قومٍ مع رسول الله ﵌ فقال أحدهم: لو كان جلد هذا وشبابه هذا في سبيل الله! فقال ﵌: إن كان خرج على نفسه يعفها، فهو في سبيل الله) ؛ لأنك تعمل وتعف نفسك عن سؤال الناس، فهذه صدقة على نفسك تصدقت بها. قال: (وإن كان خرج يتكسب ليعف أهله أو زوجه، فهو في سبيل الله، وإن كان خرج بطراً ورئاءً فهو في سبيل الشيطان) . وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: (من بات كالًّا من عمل يده) مثل إنسان يعمل في النهار في البناء بحجر وطين، أو في حصاد حب، أو في تأبير نخل، أو في أيّ عمل مثل: نجارة، حدادة، زراعة، صناعة، وبات كالاً من العمل (بات مغفوراً له) .

стр. 1438

أيهما يقدم في النفقة: الزوجة أم الأولاد ؟ قال: (تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر) انظر التدرج في السؤال! قال: (تصدق به على ولدك) . الحديث هنا جاء بالزوجة في الترتيب الثالث، وهناك روايات أخرى تفيد أن الزوجة في الترتيب الثاني، أي: بعد نفسه تكون الزوجة، وهكذا حكم زكاة الفطر، فلو أن إنساناً عنده زوجه ووالداه وولده، فهم خمسة أشخاص، وليس عنده إلا صاع واحد زائد عن قوت هؤلاء الخمسة، فيخرج الصاع عمن؟ هل يخرجه عن أبيه، أو عن أمه، أو عن زوجه، أو عن ولده، أو عن نفسه؟ عن نفسه أولاً، فإذا رزق صاعاً آخر فالجمهور يقولون: الزوجة قبل الوالدين؛ لأن الزوجة نفقتها لازمة في الغنى والفقر، بخلاف الأبوين والولد، فنفقتهم في حالة الغنى ليست بواجبة، وفي حالة الفقر تجب. إذاً: من وجبت نفقته بصفة دائمة أولى ممن وجبت نفقته بصفة مؤقتة، وقد جاء في بعض الروايات: (تصدق به على زوجك) ، وهنا قال: (على ولدك) ، والأمر سيان تقدم أو تأخر فإن الإنفاق على الزوجة أولى، وهي كما في الحديث الصحيح: (حتى اللقمة تضعها في في امرأتك صدقة) . قال بعض أدباء الفقهاء: لو أنه أطعم الزوجة ممازحة فأخذ التمرة ووضعها بيده في فيها -يمازحها- فإنها صدقة؛ لأن هذا من باب تقوية الصلة والرابطة، وجبر الخاطر، وإذا وجدت الصلة القوية بين الزوجين طابت الحياة، أما إذا لم يكن هناك ترابط بينهما، ولا مودة ولا محبة؛ فإن الحياة بينهما لن تطيب، وتكون هناك الشكليات، فينفق عليها حتى لا تشتكيه أو غير ذلك. والجمهور على أن اللقمة تضعها في في امرأتك من النفقة على زوجتك، وسواء أعطيتها بيدك أو تناولتها هي بيدها. (قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك) إذاً: الولد حينما تنفق عليه وهو في حاجة إلى ذلك، تكتب لك صدقة، وهذا من أهم ما يلزم على الناس أن تراعيه ففي الوقت الحاضر، في بعض البيوت يكون الولد ليس لديه مورد في نفسه، مثلاً لم يتمم الدراسة، أو لم يجد مجالاً للعمل، فلا تستكثر أن تنفق عليه، فإنها صدقة. وبعضهم أنهى دراسته، وطلب العمل، ولا مجال للعمل -كما يقال: البطالة- ولا يوجد مجالات لوظائف الحكومة، وما عنده القدرة على أن يشق طريقه في الأعمال الحرة، وهو في حاجة إلى النفقة، وليست النفقة مجرد إشباع جوعه، وكسوة بدنه، فقد يحتاج إلى غير ذلك، قد يحتاج إلى فاكهة، وإلى أشياء من المباحات. والولد يشمل الذكر والأنثى، وبالأخص الأنثى؛ لأنه ليس لها خروج، وليس لها مجال، ونفقتها واجبة إجبارياً على وليها الذي هو الأب أو الزوج، فإذا كان الولد في البيت، وليس له دخل من جهة ما، أو كان عاجزاً عن الكسب؛ فتلزم نفقته. قد يكون الولد قاصراً سواء كان قاصر الأهلية أو قاصر المسئولية، فلا يستطيع أن يدخل في المشاريع والمقاولات ويلتزم للناس بأعمال، وقد يكون قاصراً خلقاً، بأن يكون من ذوي العاهات. إذاً: النفقة على مثل هذا الصنف من الأولاد إنما هي صدقة، فلا تتأفف من ذلك، ولا تقل: كيف أنفق عليه وهو قوي جلد ولا يعمل؟! أوجد له سبيل العمل وساعده على إيجاد العمل الذي يستغني به عنك، فإذا لم يجد، أو أنه يبحث ويطلب؛ فأنفق عليه إلى أن يجد ذلك ويستغني بما وجد، فحينئذٍ تترك النفقة عليه.

стр. 1439

خطر البطالة والإنفاق على الأولاد واجب، لاسيما في الأوقات التي تكثر فيها البطالة أو العطالة، وهذه البطالة من أشق ما يكون في الدول، وهي أخطر حالة اجتماعية في الدول بصفة عامة، لا يقال: النامية أو المتحضرة، بل كل الدول تشتكي وفرة العطالة في رجالها. وقدمنا أن النبي ﵌ قضى على البطالة بعمل فعليٍ سريع في الشاب الذي جاء يطلبه الصدقة، ونظر إليه فوجد فيه قوة، فقال: (لا تحل لك) ، قال: ليس عندي شيء أي أن يده عاطلة، وليس هناك مجال للعمل. وبالمناسبة يجب على ولاة الأمور في العالم كله دون استثناء أن يوفروا فرص العمل للشباب في حدود إمكانات الدولة، سواء في القطاع الخاص أو في القطاع العام، وتستطيع الدولة أن توجد مجالات للعمل، ولتشغيل الأيدي الخالية الفارغة، وهذا مكسب للدولة، ومكسب للأمة؛ لأن هذه طاقة معطلة، فإذا وجدت لها فرص العمل فالدولة تستفيد من تلك الطاقة في الإنتاج. فلما قال: ليس عندي شيء ولا أجد شيئاً، عذره رسول الله ﷺ ، ولكنه لم يتركه، فقال: (ماذا عندك؟) ، قال: عندي حلسٌ وقعب، فقال: (علي بهما) ، وأمره أن يذهب ويحتطب ويأتي ويبيع؛ لأن هذه الطاقة البدنية إذا عطلت فهو خطر، خطر على نفسه وعلى المجتمع، لكنه يصرفها في صعود الجبال، وتكسير الحطب، وحمله وبيعه في السوق وحصوله على المادة. حزمة الحطب التي سيأتي بها ليبيعها ليست قيمتها في حمل الحطب وأعواده، ولكنها في الطاقة التي ستحدثها في المدينة أو في القرية، ستأخذ العجوز منها، وتغسل ثيابها بماءٍ حار، وتخبز عجينها، وتنضج طعامها، وكذلك الرجل، وكذلك أهل البيوت الأغنياء والأثرياء يستدفئون منها، ويخبزون عجينهم، كل هذه الطاقة تتوزع في البلد، وتدير إنتاجاً، وتحصل فائدة عامة على الغني وعلى الفقير وعلى القوي وعلى الضعيف بتلك الطاقة الحطبية! ونحن عندنا الآن الطاقة الكهربائية، إذا تعطل التيار ساعة أو ساعتين صاح الناس: الثلاجة وقفت، الثلاجة فيها خضار، فيها لحوم؛ ستفسد الأشياء الموجودة، عجلوا اتصلوا!! كل هذا لأنها طاقة كانت تعمل وكانت تنتج ثم تعطلت، وهكذا الطاقة البشرية، وهي أغلى ما يكون في العالم؛ لأنها هي الطاقة الإنتاجية، فمن الذي يحرث الأرض؟ ومن الذي يغرس الشجر؟ ومن الذي يجني الثمر؟ ومن الذي يدير المصانع؟ ومن الذي يدير المتاجر؟ ومن الذي يعلم الجاهل؟ ومن؟ ومن؟ كل ذلك بالطاقة البشرية. وكنت في مجلس الوزراء، فسمعت كبيراً من الكبراء يقول: نحن نستورد حتى الطاقة البشرية؛ لأننا في حاجة إليها، فالطاقة البشرية هي أعزُّ وأغلى ما يكون، فالطاقة الكهربائية والطاقة الاقتصادية الطاقة وجميع الطاقات مدارها على اليد العاملة، وعلى استخدام الطاقة البشرية؛ لأنها هي المنتجة. إذاً قوله: (على ولدك) يدل على الإنفاق عليه، فإذا وجد الولد ما يعمل واستغنى فالحمد لله، وإذا لم يجد فواجب علينا أن نكفيه، وإذا لم نكفِه وننفق عليه ماذا سيفعل؟ الجواب معروف للجميع، ويكون هذا دفع منا له إلى طريق الشر حتى يحصل على النفقة التي يحتاجها، ولا يبالي من أين يأتي بها، فإذا أبطلنا اليد ولم نسخرها ونيسر لها العمل النافع، والعمل المنتج، والعمل المشروع، فستنقلب عكساً على الأمة وعلى المجتمع وعلى شخصه، فهو إذا انحرف في سلوكه فأول من يضر نفسه، فيسلط على نفسه المسئولين والشرطة، ثم يضر المجتمع في سلوكه. وإذا لم يكن عندي نفقة للولد فيمكن أن أيسر له العمل بقدر المستطاع، ولهذا كان لابد من العناية بالأولاد، والعناية بالإنفاق على العاطلين أو تشغيل اليد العاطلة، وتعتبر هذه من أهم قضايا المجتمعات بدون استثناء. وفي بعض الإحصائيات: كذا مليون في أمريكا يدٌ عاطلة، كذا مليون في كذا هذه مصائب! وترجع بالعكس كما أشرنا على المجتمع، ونحن في غنى عن أن نذكر الأحداث والإحصائيات التي تنشرها الجرائد أو تذيعها الإذاعات بسبب تلك الأيدي العاطلة، وما تعكس من أضرار على مجتمعاتها، بل قد ينعكس على بيته وأهله. إذاً قال: (على ولدك) ، حتى لا يكون عالة، وحتى لا يكون آلة إفساد، وحتى لا تنطلق تلك اليد بقوة إلى الشر، ويفسد في الأرض، ويفسد نفسه، ويضر أباه بالذات، فقد يرجع وباله على أبيه وعلى بيته، ومن هنا كان الإنفاق على هذا الولد صدقة: (تصدق به على ولدك) . وأعتقد أن هذا المجال واسع، ويكفي الإشارة والتنبيه إلى رءوس المواضيع في هذا، والله تعالى أعلم.

стр. 1440

كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع [٤] أمر الله بالصدقة على الفقراء والمحتاجين؛ درءاً للمفسدة وصوناً لأنفسهم من ذل السؤال والحقد على الأغنياء، وأباح للمحتاج السؤال بقدر حاجته، ولكن لا يجوز لأحد أن يسأل الناس أن يتصدقوا عليه وهو قادر على الكسب، ويتخذ ذلك مهنة له، فسؤال أموال الناس محرم إلا للضرورة، وبهذا التشريع الحكيم تستقيم أمور الناس، ويصلح المجتمع بالأخذ بأسباب التقدم، مع عدم إغفال الإحسان والشفقة على العاجزين.

стр. 1441

وجوب النفقة على الزوجة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: ما زلنا في شرح حديث: (أنفقه على زوجك) ، وقدمنا بأنه سواء قدمت الزوجة أو الولد، فإن لهما الأولوية في الإنفاق، والزوجة مطلقاً لها حق النفقة على زوجها سواء كانت غنية أو فقيرة. ويقولون: على زوجها صدقة فطرتها، إلا الأحناف فيقولون: إنها إذا كانت غنية فعليها أن تزكي عن نفسها صدقة الفطر؛ لأنها صدقةٌ عن ذاتها ولديها المقدرة على أن تزكي فلتكن زكاة فطرها من مالها.

стр. 1442

حكم النفقة على الخادم قوله: (قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك) : الخادم: يطلق على الأجير، وعلى المملوك، فإذا كان مملوكاً فنفقته واجبة عليه، وإن كان أجيراً فبحسب الشرط، وهناك الأجير الخاص والأجير العام. فالأجير العام مثل أرباب الصنائع، كالنجار في الورشة، تأتي له بالخشب وتقول: أريد أن تصنع لي من هذا باباً، أو عنده الخشب، وتقول له: اصنع لي باباً مقاساته ومواصفاته كذا، ويأتي غيرك، ويقول له مثلك، وهكذا، فيتعاقد في الوقت الواحد مع عدد من الناس، فهذا أجير عام، ومثله الخياط تأتيه بالقماش ليفصل لك على مقاسك، ويأتي غيرك كذلك ويجتمع العديد، وكلٌ له ثيابٌ عنده يخيطه، فهذا أجير عام، وليس له على المؤجرين نفقة. والأجير الخاص: هو الذي استفرغ وقته في خدمتك، بأن يكون معك، وأجرته على زمنه لا على عمل يده، أما الأجير العام فيأخذ الأجرة على عمل يده لا على الزمن، تقول له -مثلاً-: فصل الثياب بريالين، أو بعشرة، أو بعشرين، وسواء خاطه في ساعة أو أخره إلى أسبوع، ما لم يكن هناك شرط في موعد التسليم، فلا ينظر إلى الزمن في حق الأجير العام، ولكن ينظر فيما استؤجر عليه، هل أحسن خياطة الثوب أو أساء؟ هل أصلح الثوب أو أفسده؟ فهو المسئول عن ذلك. بخلاف الأجير الخاص فأجرته على زمنه، لك عليه الأربع والعشرون الساعة، وله حق المنام والطعام، فهو يعطيك وقته كله، وأنت تأمره: افعل هذا، افعل هذا، وليس مشروطاً عليه عملٌ بعينه. إذاً: الأجير الخاص -خادمك- نفقته عليك، ولهذا عليك أن تخرج زكاة فطرته في رمضان؛ لأن الزكاة -زكاة الفطرة- تابعةٌ للنفقة، واليوم أصبحت البيوت مليئة بالخدم والخادمات، وأصبح لهم عقود على أن الشهر كاملاً بكذا، فهذا الخادم إن كنت علمت بأنه في حاجة فعليك نفقته، ونحن نجزم بأنه ما تغرب، وترك بلده وربما ترك عياله، وربما ترك زوجه إلا للحاجة، وكذلك الخادمة ما تركت زوجها، وخرجت من بلادها إلا للحاجة والفاقة التي دفعتها، فإذا كنت تصدقت على الخادم أو الخادمة بما هو زائد عن النفقة، بثياب، بلوازمها، بدنانير من زكاة مالك، فهو أيضاً صدقة، وهذا يجبر خاطرها، ويشجعها على العمل. لكن لا تعط الخادمة -مثلاً- صدقة من الصدقة لتزيد في عملها؛ لأن هذه مؤاجرة، فلا تعطها صدقة حتى تدفعها على الحماس في العمل، بل تصدق عليها لأنها محتاجة، ولأنك مشفقٌ عليها، وتعلم أن لها عيالاً في بلادها، وتريد أن تحول إلى أولادها أو والديها مصاريف، فزدتها من عندك عند التحويل، فهذه صدقة. قال: (تصدق به على خادمك) وقد كثر الحث على الإحسان إلى الخدم، وسيأتي بيان حق الخادم؛ وأن له كسوته، وله طعامه، وله الإرفاق به، وأنه لا ينبغي أن يكلف من العمل فوق طاقته، (وإذا كلفتموهم فأعينوهم) . وجاء أن أبا مسعود رضي الله تعالى عنه رآه النبي ﷺ وهو يضرب خادماً له، فذكر له النبي ﷺ أن الله أقدر عليه منه على ذلك العبد، أي: أنت لك القدرة عليه لأنه خادمك، ولا يستطيع أن يواجهك، ولكن الله أقدر عليك من قدرتك على خادمك؛ لأنه خالقك، فنظر أبو مسعود فإذا الذي يخاطبه رسول الله ﷺ ، فتأثر وقال: هو حرٌ لوجه الله يا رسول الله, فجعل كفارة ضربه أن يطلقه، وأن يجعله حراً في سبيل الله. وأيضاً هناك آثار في معاملة الخدم في البيوت: (لا تضربوا خدمكم على كسر الأواني، فإن لها آجالاً كآجالكم) ، البعض إذا كسر خادمه الكأس أو الصحن يضربه مستعلياً عليه، وهو غريب ضعيف في يدك، فلا ينبغي ذلك، لأن لها أجلاً، والبعض ربما يخصمها من أجرته؛ إن كان مفرطاً فاتركه يذهب لحاله؛ لأنه متعدٍ، أما إذا لم يكن مفرطاً ولا متعدياً فلا، فلو أنه انكسر في يدك أنت، ماذا تفعل؟ أو انكسر في يد زوجك أو ابنتك، ماذا تفعل؟ فهذه أمور تدخل تحت قضاء الله وقدره، ولا ينبغي أن يصب جام غضبه على خادمه من أجل شيء قدره الله سبحانه دونما تفريطٍ ولا تعدٍ. قوله: (فقال: عندي آخر. قال: أنت أبصر به) وفي بعض الروايات: (شأنك به) ، أي: ما دمت قد قدمت نفسك، ثم زوجك، ثم ولدك، ولم يذكر الوالدين، مع أن الوالدين بعد الزوجة والولد إذا كانا محتاجين، وفي الحديث: (أنت ومالك لأبيك) ، لكن بشرط ألاَّ يضر بالزوجة، ولا يضر بالولد، ولا بشريكٍ في المال، ولا أن يأخذ من مالِ ولدٍ يعطي لولدٍ آخر؛ لأن ذلك يوغر الصدور، حيث لم يكن قد أخذ من مال ولده لنفسه، بل أخذ من مال الولد لولد غيره، ولا يحق له ذلك، فإذا أدى الحقوق والواجبات التي عليه، الأول فالأول وكفى ذلك؛ فهو حر في الباقي، فإن أراد أعطاه صديقه، أو جعله في بناء مسجد، أو لفاعل خير، أو لطالب علم منقطع أو محتاج. فما دام أن دائرة الواجبات قد كفيتها، فما وراء ذلك لك أن تنظر من أحق به، ومن أولى أن تعطيه إياه، وقدم الأهم فالأهم، أو الأحوج فالأحوج.

стр. 1443

إنفاق المرأة من بيت زوجها قال المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعضٍ شيئاً) متفق عليه] . هذا من سعة فضل الله سبحانه (إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها) لم يقل: هل قال: من مالِ، بل: من طعامِ، فالحديث ينصبُّ على الطعام، والطعام في العرف: ما يطعم سواء كان خبزاً، أو إداماً، أو فاكهةً، أو ما هو أصله للطعام كالتمر والدقيق والحب، فهذا يسمى طعاماً. ولم يقل: من مال؛ لأن المال عزيز، والإنفاق من الطعام نوع من المشاركة؛ فهو قابل للاشتراك، فلو طبخت قدراً، وغرفت لمسكين منه في صحن، ما نقص ذلك شيء، وإن قل على المجموعة لكن لن يضرهم، لكن لو كان عنده ألف دينار، وأخذت منها ديناراً واحداً ضر على الألف، والدينار معدٌ لنوائب الزمن وللحاجات وللمهمات، لكن الطعام إذا لم يؤكل فسد، ولذا قال: (من طعام بيته) . وقوله: (غير مفسدة) ، فلو كان الطعام هذا معداً على قدر حاجة زوجها وأولادها، فلا ينبغي لها أن تتصدق منه؛ لأنها ينبغي أن تراعي أهلها أولاً، والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عما استرعيت عليه، إلا إذا كان زوجها وأولادها في مستوى الإيثار، ويرضون غيرهم ممن هو أشد حاجةً منهم، كما جاء في الحديث أنه جاء ضيفٌ إلى رسول الله ﷺ ، وأرسل لزوجاته كلهن: هل عندكن عشاء لهذا الضيف؟ وكل واحدةٍ تعتذر بأنه لا شيء عندي، فقال ﷺ ( ﴿من يستضيف هذا، وله الجنة) ، الجنة في عشاء ضيف! لكن قد فتشنا تسعة بيوت وما فيها عشاء، وإذا كان الشيء مفقوداً يصير غالياً جداً، لو أن عندك الدنيا بحذافيرها وأنت في صحراء، واشتد بك الجوع، وجاء إنسان عابر سبيل، فقلت له: عندك طعام؟ قال: عندي قرص أقسمه بيني وبينك، فلو قال: بكم تشتريه؟ ستشتريه بدينار، بعشرة، بألف، بل ستقول: بكل ما أملك في بلدي، ومثل ذلك كأس من الماء في الصحراء، يدفع المضطر في شرائه كل ما يملك. إذاً: قوله: (من يضيف هذا الليلة، وله الجنة؟) هذا الثمن متعادل، وإن كان الجنة لا يثامنها شيء، لكن بحسب التسعير عندنا؛ لأن الشيء المعدوم يبذل فيه الإنسان طاقته وجهده، (فقال رجل: أنا، فأخذ الضيف، وذهب به إلى البيت، ودخل على زوجه، وقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، قالت: والله! ما عندي إلا عشاؤك وعشاء العيال، قال: أما العيال فعلليهم حتى يناموا) ، فأخذت تعللهم حتى أخذهم النوم وهم جياع! قال: وأما أنا فعندما تقدمين الطعام وأمد يدي مع الضيف، فتأتين أنتِ، وتعمدين إلى السراج كأنك تصلحينه فتطفئينه، ونبقى في الظلام، فيستمر الضيف على أكله، وأنا أمد يدي معه لتختلط بيده، وأرفعها خالية، وأوفر الطعام للضيف. انظروا هذه الحيلة يا جماعة! يعملها لماذا؟ هل ليستحل بها الربا؟ هل يخدع مغفلاً؟ لا والله! لكنها حيلة ليحصل على الثمن النفيس! ففعلت المرأة، وشبع الضيف، وبات الرجل والمرأة والعيال بدون طعام، هل هذه ستميتهم؟ هل هذه كل ليلة؟ لا، هي ليلة نادرة يتحملونها، ويصبرون عليها، فكان جزاؤه أن لقيه ﷺ في صلاة الصبح، وبادره النبي ﷺ قائلاً: (لقد عجب ربنا من صنيعكما البارحة!) ؛ لأنها -والله- حيلة لطيفة جداً، فهو اتفق معها على هذه الحيلة، ونِعمَ الزوجة الصالحة، فلو كانت غيرها ستقول: لا، أنا ما يخصني عشاؤه، اذهب ابحث له عن عشاء، أنا لا أبيت جائعة، ولا أترك الأولاد يبيتون جائعين، ليس هو أولى من عيالي، هذا قاموس معروف، لكنها امرأة مؤمنة في بيت صالح، فتعاونت مع زوجها على مطلوبه، وباتا طاويين، وبات الضيف شبعان، فعجب ربنا من صنيعهما هذا!

стр. 1444

اشتراط عدم الإفساد عند إنفاق الزوجة من بيت زوجها إذاً: حينما يتصدق الإنسان مع قلة الشيء يعظم الأجر. هنا بيَّن ﷺ أن (المرأة إذا أنفقت من طعام زوجها غير مفسدة فلها أجر) ، وغير مفسدة: يعني أنها مراعية لظروف العائلة، وظروف البيت، وظروف الأسرة، وظروف الأفراد، فإن كانوا على شاكلة من عجب ربنا منهم، فالحمد لله، وإلا فتراعي الظروف، ولا ينبغي أن تضيع من تعول، وفي الحديث أن: (امرأة قالت: هل للمرأة أن تتصدق من مال زوجها؟ قال: لا، إلا بإذنه، قالت: ولو من طعامه؟ قال: الطعام أعز مالنا) ؛ لأن الطعام هو القوت، وبه الحياة، ولذا يقول العلماء: إذا أرادت المرأة أن تتصدق من مال زوجها، فلابد من إذنه، وأطال العلماء البحث في ذلك كـ ابن حجر في فتح الباري، ويدور البحث على قوله: (غير مفسدة) . فإذا أذن لها إذناً فعلياً فلا مانع من أن تعطي المسكين، أو أذن لها إذناً اعتبارياً، بأن علمت من زوجها أنها إذا أعطت السائل تمرات أو قرص خبز أو شيئاً من الإدام فإنه لا يغضب، لأن ذلك لا يضره ولا يضر عياله، فهذا إذنٌ اعتباري فلا مانع، وتقدمت لنا قصتان عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، الأولى: أنها كانت تأكل من قطف عنب، وأعطت السائلة حبة، وما استأذنت رسول الله ﷺ فيها، والثانية: أن امرأة جاءت تحمل طفلتين، فأعطتها تمرة، وما استأذنت رسول الله ﷺ فيها، وكذلك شاةٌ ذبحوها فوزعت وبقي ذراعها، فقال ﵊: (لقد بقيت كلها إلا الذراع!!) فالذي بقي هو الذي ضاع، ولكن الذي تصدق به فهو الباقي عند الله. إذاً: إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها بطيب نفسها، غير مفسدة على أهل بيتها طعامهم ومعاشهم، بإذن زوجها الاعتباري أو الحقيقي؛ فلا مانع من ذلك. ومما يوضح قوله (غير مفسدة) حديث هند، لما قالت: (إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، لا يعطيني ما يكفيني أنا وعيالي، هل آخذ من ماله ما يكفيني وعيالي؟ فقال: خذي ما يكفيك بالمعروف) ، أي: لأن النفقة واجبة لكِ ولعيالكِ، ولكن بالمعروف، لا تأخذي هذا الإذن وتفسدي، فتصنعين طعاماً يكفي عشرين وأنتم خمسة، ثم يرمي الباقي أو يفسد، هذا هو الإفساد، بل خذي بقدر ما يكفيكِ بالإحسان وبالمعروف. وهكذا بين ﷺ ، أن هذه المرأة لها من الأجر مثل ما لزوجها، وفي الحديث الآخر الصريح: (إن الله يدخل باللقمة ثلاثةً الجنة: صاحب الطعام، وطاهيه، ومناوله) ، صاحب الطعام هو صاحب البيت -رب البيت- وطاهيه سواء كانت الزوجة، أو كان الخادم، أو الطباخ في البيت، أو غيره، والخادم الذي يناوله، فإذا كان الطاهي، أو الزوجة، أو الخادم؛ يقدم ذلك بطيب نفسٍ لا مكرهاً، ولا مجاملة، ولا إلزاماً عليه، ولا كراهية لرب البيت، بأن يخرج الطعام باسم الصدقة، وهو يريد أن يؤذيه أو يضيق عليه أو يفسد عليه ماله، بل يؤجر إذا كان يفعل ذلك طواعيةً، وفي حديث آخر (والخازن) ، وهو الذي يكون على المخازن، يخرج من المخزن الدقيق ليعجن ويخبز، أو يخرج السمن ليطهى به، فيعطي المسكين من هذا الطعام، فإن للخازن مثل أجر المالك، فيكون لصاحب المال، وللطاهي، وللخادم وللخازن أجرٌ متعادل سواء بسواء. إذاً: العبرة ليست بالكثرة، ولكنها بما وقر في النفس من طيبها، وحب المسكين والإشفاق عليه والرحمة به، والله تعالى أعلم. قال ﵊: (كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك؛ لا ينقص بعضهم من أجر بعضٍ شيئاً) . فلو كان الحساب أن الحسنة بعشر أمثالها، فنقول: نقسمها على الأربعة وكل واحد له حسنتان ونصف، لكن الرسول يخبر أن كل واحد له عشر حسنات، ولا ينقص واحدٌ من أجر صاحبه شيئاً، فتكون الحسنة لهم بأربعين حسنة، والله أعلم. قال المصنف ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود فقالت: (يا رسول الله! إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حليٌّ لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من أتصدق به عليهم، فقال النبي ﷺ : صدق ابن مسعود؛ زوجك وولدك أحقُ من تصدقتِ به عليهم) رواه البخاري] .

стр. 1445

عدم الإسراف في النفقة على الأولاد تقدم الكلام على حديث الرجل: (عندي درهمٌ يا رسول الله! قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك ... ) ، وتكلمنا على حقوق الأولاد، وأنه ينبغي معاونتهم ومراعاتهم وتوفية حقوقهم والإنفاق عليهم ما داموا لا يجدون أسباب الرزق ولا مجالات عمل، وهناك ناحية تركناها سهواً، وهي: أن بعض الناس قد تدفعه الشفقة والعطف على الولد بأن يغدق عليه المال بلا حساب، ويستجيب لجميع طلباته، وهذا في الواقع مفسدة، كما أن ترك الولد دون الإنفاق عليه مفسدة، ويدفعه إلى الإساءة، وهكذا الإغداق عليه بدون حساب يكون فيه الإفساد أيضاً، وأول ما يكون الضرر على الولد: إن الفراغ والشباب والجده مفسدةٌ للمرء أي مفسده ونسمع أن بعض الناس لديه الولد المدلل، فيشتري له السيارة، وعند مجيء موديل جديد يستقذر الأولى، ويصر على أبيه أن يشتري له أخرى، ويرضخ أبوه لطلبه، ويأتيه بأخرى جديدة، ثم لأنه لم يتعب فيها، ولم يدفع من ثمنها شيئاً؛ لا يبالي بها، ولا يهتم بالحفاظ عليها، وهذا كمثال. فكثرة المال في يده بغير حساب تدفعه إلى تصريف المال في غير طريقه، وقد يصيبه المفاسد من الآخرين، وجاءت في السنة النبوية قصة ينبغي للمجتمع كله أن يتعظ بها، حتى تكون للعاطفة حدود، وهي ما ثبت (أن رجلاً يهودياً رض رأس فتاةٍ بين حجرين، من أجل أوضاح لها على رأسها، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، وجيء إليه بالفتاة، وهي في الرمق الأخير، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان؟ فلان؟ فلان؟ حتى ذكر الجاني حقيقة؛ فأومأت برأسها أي: نعم هو، فأتي به فاعترف، فاقتص منه، ورضَ رأسه بين حجرين) . فهذه القصة تعطينا دراسات واسعة في باب الأمن الجنائي؛ لأن هذه طفلة صغيرة، يحبها أهلها، ولشدة محبتهم لها زينوها بالحلي، ورصعوا رأسها بقطع الذهب، وهذا الذهب بريقه يخلب عيون ضعاف النفوس، فسولت لليهودي نفسه بقتلها، وجاء في بعض طرق الحديث: (فاستدرجها إلى ضاحية المدينة، وأدخلها خربة، ورض رأسها) ، وقد سبق أن شرحنا هذه القصة بكتابة تحليلية طويلة، ونشرت في مجلة الجامعة، بأن أهل هذه الفتاة شاركوا في الجناية عليها، لأنهم وضعوا عليها ما لا تستطيع حفظه ولا حراسته ولا صيانته، ووضعوا عليها ما يطمع فيها الأشرار، فهم الذين سلطوا عليها هذا اليهودي، ولولا تلك الأوضاح التي على رأسها ما التفت إليها! ثم أيضاً: يجب على البلديات، وعلى ولاة الأمور؛ ألاَّ يتركوا في أطراف المدن أماكن خربة تكون مأوى لمثل هؤلاء الناس، وتكون موطناً لتنفيذ خططهم الإجرامية، وكان بسبب هذه المقالة بحث مع المسئولين في بعض الخربات، وعولجت قضيتها تجنباً لوجود مأوى لهذه الأعمال. والذي يهمنا أن زيادة التعاطف مع الأولاد وإعطاءهم أكثر مما يستحقون؛ فيه مفسدة، كما أن عدم الإنفاق عليهم فيه مفسدة، ولا شك أن الفضيلة هي التوسط، كما قيل: الفضيلة وسطٌ بين طرفين. وكذلك قوله: (تصدق به على زوجك) ؛ بعض الزوجات قد تدل على زوجها من الجوانب التي يتأثر بها، فتكثر عليه الطلبات ويرضخ لها، ويستجيب لعواطفها، وفي كل مناسبة تحتاج إلى لباس جديد، وكل ما يظهر نوع من الألبسة بما يسمى (الموضة) تحمل زوجها فوق طاقته، ولربما حملته على الاستدانة من أجلها! وهذا لا يتفق مع الأخلاق الفاضلة، ولا مع المروءة، ولا مع حسن العشرة، فلا ينبغي التطرف، لا في الإمساك والتقصير في أداء الواجب، ولا في البذخ الزائد عن الحاجة، فيكون ذلك إطغاءً للولد أو للزوجة، هذا ما أحببنا التنبيه عليه؛ تتمةً لما جرى عليه الحديث البارحة فيما يتعلق بالإنفاق على الولد.

стр. 1446

صدقة المرأة على زوجها وأولادها وهنا ذكر المؤلف ﵀ حديث ابن مسعود أنه ذكر لزوجه زينب أن صدقتها عليه وعلى أولادها منه أولى من الغريب، وسياق هذا الحديث: أن زينب بعد صلاة الصبح ذهبت إلى بيت رسول الله ﷺ ، فوجدت عند الباب امرأة حاجتها كحاجتها، فجاء بلال، وقالت له: قل لرسول الله: زينب في الباب، فلما ذكر ذلك لرسول الله قال: أي الزيانبِ؟ يعني: أية زينب تعني؟ وهذا تعليم نبوي، فعلى الإنسان إذا عرف نفسه أن يعرِّف بما يكشف عن شخصيته، كمن يطرق الباب، فيقال: من؟ فيقول: أنا، (أنا) هذا ضمير للمتكلم، كل متكلم يقول: أنا، فإذا قيل: من أنت؟! فينبغي أن يقول: فلان ابن فلان، وهنا كذلك: لما قال:: زينب، قال: أي الزيانب؟ فالزيانب كثر، وهي كانت قد قالت: (ولا تسمني له) ، لكن لما سأله، من هي؟ قال: زينب، استجابة لطلب رسول الله، فقال: أي الزيانب؟ فهي أرسلته ليسأل لها، وهنا في الرواية أنها سألت مباشرة، وسواءً كان السؤال منها مباشرةً لرسول الله ﷺ ، أو كان السؤال لها من بلال، أي: بالواسطة. وقولها: (عندي حلي) جاء في كتاب الأموال: أنه كان عندها طوقٌ من ذهب تزكيه كل سنة، حتى أخذ عليها أكثر من قيمته، ثم جاء هذا التساؤل، فقال لها ابن مسعود: إن زكاةَ مالك وصدقتك عليَّ وعلى أولادي منكِ؛ أولى من الغريب، فهي استبعدت أن تتصدق على زوجها وولدها؛ ومعلومٌ عند الجميع أن الصدقةَ لا تجوز للأصل وللفرع، يعني: لا تصح على الأبوين ولا على الأولاد؛ لأنهم إن كانوا محتاجين فنفقتهم واجبة من رأس المال، وإذا تصدق على أبويه أو على أولاده فكأنه يؤدي واجباً عليه من صدقة هي حقٌ المساكين، فترددت في ذلك، فقالت له: اسأل رسول الله، فقال: اسأليه أنتِ، فسألت، فقالت: (عندي حلي أردت أن أتصدق به) ، وظاهر هذا اللفظ أنها تتصدق بعين الحلي، ولكن رواية أبي عبيد في الأموال: أنها تريد أن تتصدق، أي: تخرج زكاة حليٍ عندها. وهنا سؤال: كيف لا يجوز للرجل أن يتصدق على زوجه وعلى أولاده، ويجوز للمرأة أن تتصدق على زوجها وأولاده منها؟ قالوا: إن هذا تابعٌ لوجوب النفقة، فالزوجة إذا كانت غنية غير ملزمة بنفقة زوجها، وهي حينما تعطي الزوج، لا تسقط حقاً واجباً عليها، وكذلك إذا أعطت الأولاد، لكن والزوج إذا امتلك الصدقة أنفقها على الأولاد، بل وعليها هي نفسها، فالزوج يأخذ الصدقة من زوجته، فإذا ذهب واشترى بها طعاماً، وأتى به إلى البيت، وأكل الجميع -ومنهم الزوجة- فلا مانع من ذلك؛ لأنها حينما أعطتها أعطتها بحق، وحينما أكلتها أكلتها بحق، وهو حق الإنفاق ثابت لها على زوجها، كما قالوا: في صدقة الفطر أو صدقة المال: لو أنك أعطيت جارك زكاة الفطر تمراً تعرفه من تمر بستانك، ثم جئت تزوره في العيد، فقدم لك القهوة والتمر، فنظرت! فإذا التمر الذي قدمه إليك من تمرك أنت، هل تقول: أنا لا آكل الصدقة؛ لأن العائد في صدقته كالكلب؟ لا، أنت لم تعد فيها، ولكنها وصلت محلها، واستلمها مستحقها، ثم قدمها إليك باسم الإكرام. ومن ذلك ما وقع في قصة بريرة: (لما دخل ﷺ ، وقال: أعطوني الغداء، فأعطوه خبزاً وإداماً، قال: ألم أر البرمة فيها لحم؟! قالوا: هذا لا يصلح لك، إنه لحمٌ تصدق به على بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: هو لها صدقة، ولنا منها هدية) ، أي: بريرة أخذته باسم الصدقة، أما أنا ما أخذت صدقة، لكن بريرة ستقدمه إلي باسم الهدية. إذاً: العين واحدة لم تختلف، ولكن اختلف الاعتبار، فباعتبار الصدقة من المتصدق إلى بريرة هي في مجال الصدقة، وباعتبار نقلها من بريرة إلى رسول الله، فهي هدية بريرة ليست متصدقة على رسول الله، إنما تهدي إليه، فاختلف القصد، واختلف الحكم. وكذلك الزوج لا يعطي صدقته لزوجته؛ لأن نفقتها واجبةٌ عليه، وكذلك أولاده، لكن هي كزوجة لا تجب عليها النفقة لا للزوجِ ولا للأولاد، فأعطتها للزوج. وإذا كانت الزوجة غنية، والزوج فقيراً، وبينهما أولاد، ولا يستطيع الزوج أن ينفق على أولاده، فهل الأم تنفق على الأولاد لغناها أم لا؟ هذا بحث يتطرق إليه الفقهاء، ويختلفون في ذلك، قالوا: إذا لم تنفق الأم الغنية عليهم، مات الأولاد من الجوع، وهل يذهب الزوج يتدين؟ لا، بل عليها أن تشارك في مثل هذه الحالة، أو تنفق عليهم ويكون ديناً عليه. الذي يهمنا هنا أنها كزوجة لا تجب عليها النفقة للزوج ولا للأولاد، فصح منها الصدقة عليهم، والقاعدة: لا تصح الصدقة على من تجب عليك نفقته، وإن كان الإمام أبو حنيفة ﵀ يجوِّز ذلك في الأخ والعم ونحوه، والأخ يختلف: إذا كان بينك وبين الأخ توارث؛ فلا يصح أن تتصدق عليه، وإذا لم يكن بينك وبينه توارث، فإنك تتصدق عليه؛ لأنه إن كان للأخ ابن فهو يرثه، ولا صلة لك بإرثه، فلك أن تتصدق عليه، أما إذا كان يرثك وترثه فإن الغرم بالغنم، فكما أنك ترثه إن مات غنياً فتنفق عليه إن كان فقيراً. فتتعلق الصدقة على الآخرين بقاعدة: من وجبت عليك نفقته لا يصح أن تعطيه صدقة. لأنك تكون كأنك تجبر ما وجب عليك من النفقة بما تعطيه من الصدقة، وهنا لما قالت: (إن ابن مسعود قال لي كذا، قال لها ﷺ : صدق ابن مسعود) ، أي: يجزئكِِ ويجوز لكِ، وقيل: إن الصدقة على الغريب صدقة، وعلى القريب صدقةٌ وصلة، أي: وصلة رحم، وفي الحديث: (ابدأ بمن تعول، ثم الأقرب فالأقرب،) ، إذاً يجوز أن تتصدق المرأة على زوجها وأولادها منه.

стр. 1447

حرمة سؤال الناس تكثراً قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعةُ لحم) متفق عليه] . بعدما ذكر المؤلف أحاديث الحث على الصدقة، وفضائلها، و (اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى) ، جاء هنا بهذا الحديث ينفر من سؤال الناس تكثراً، وسؤال الناس عند الحاجة بما يسد الجوع والفاقة لا مانع منه، لكن يمنع إذا كان تكثراً، (من سأل وعنده أوقية لقي الله وليس في وجهه مزعة لحم) . ومعنى: (سأل الناس تكثراً) أي: زيادةً عن حاجته في اليوم والليلة، وهذا تشنيع على من سأل وهو في غنىً عن ذلك.

стр. 1448

سبب استمرار بعض الناس في السؤال وقوله: (لا يزال الرجل يسأل الناس) ، أي: فهو مستمر في سؤال الناس، ولماذا هذا الاستمرار؟ هذا على قسمين: قسمٌ بدافع الحاجة، فالحاجة مستمرة وبالتالي السؤال مستمر، ولكن لا تكثراً، بل تكففاً أو تعففاً. القسم الثاني: تعودًّا، أي أنه تعوَّد السؤال، وهذا كما يقول بعض الناس: من استمرأ السؤال وأخذه مرة ومرتين، ورضيت به نفسه، قل أن يترك ذلك، بل يستمر، وإذا أراد أن يمتنع صعب عليه الامتناع؛ لأنه وجد حلاوة الكسب بدون كدٍ ولا تعب، وهذه والله! ما هي حلاوة، إنما هي عين المرارة والغضاضة، لكن إحساسه الشخصي ذهب، وليس في وجهه مزعة لحم، كما يقول العوام: أراق ماء وجهه فلم يبقَ في وجهه ماء الحياء، فإذا كان الأمر كذلك، فسواء عنده، إن سأل أو لم يسأل، أعطاه الناس أو لم يعطوه، ابتسموا في وجهه أو تجهموا في وجهه، أصبحت هذه الأمور عنده عادية. ومن زمن قريب سمعنا أو قرأنا في الصحافة اكتشاف بعض شخصيات لها مكانة، ينتهون من أعمالهم، ويذهبون يمتهنون السؤال! ووجدوا أن دخلهم من هذا أضعاف أضعاف راتبهم، ولما سئلوا عن سبب ذلك قالوا: تكاليف الحياة زادت، ونحن نحتاج إلى مسايرة الناس! وأغرب ما سمعت في هذا أن أسرة كريمة جداً وقع بينهم نزاع، فقتل شخصٌ شخصاً من هذه الأسرة، وحكم بالقصاص، فجاء أهل القاتل وعرضوا على ولي الدم الصلح بديتين، بثلاث، بأربع، فامتنع؛ لأن ولي القاتل لا يهمه أن تتضاعف الدية عشرة أضعاف، فقال أبو المقتول: أنا أقبل دية واحدة لكن بشرط: أن يحصلها والد القاتل -ووالد القاتل ذو منزلة رفيعة في مجتمعهم- أي: بالسؤال من الناس، لا برصيده في البنك، ولا بما يملكه في بيته، ولكن يحصلها من القرش والقرشين والأكثر والأقل بسؤال الناس، قال: هذا صعب، وكيف أن يقف هذا الموقف، والناس يعرفونه؟ قال: يذهب إلى أي مدينة من المدن التي لا يعرفه فيها أحد، ويأتي بها بهذه الطريقة، قال: متى أجمعها؟ قال: حتى بعد عشر سنين، أنا راضٍ بهذا، وأمام هذا النزاع وخطورة هذه القضية وافق الرجل، وكان بعد أن ينتهي من وظيفته يذهب إلى مدينة لا يعرف فيها، ويلبس لباس السائلين، ويتكفف الناس، وفي زمنٍ قريب جداً جمع الدية، فسلمت وجرى الصلح، ثم بعد ذلك فإذا بالرجل على طريقته، يذهب إلى بعض المدن ومعه لباس السائلين، ويسأل الناس، فجاءوا إليه، وقالوا: ماذا تفعل؟ قال: لا أستطيع أن أترك هذا، وقالوا لفلان: لمََ طلبت هذا الطلب، وقد عرضت عليك الدية مضاعفة؟ قال: أردت أن أقتله قتلةً وهو حي، فيبقى بهذه الحالة؛ لأني أعلم أنه إن استمرأ سؤال الناس لا يترك ذلك أبداً. ولهذا -يا إخوان- الشخص في أول مرة: إذا أصيب بحاجة أو بفاقة، ثم مد يده، ووجد من يعطيه، وكثر في يده ذلك، وقضيت حاجته، إن كان ذا نفسٍ كريمة ووجهٍ حيي اكتفى بذلك وكفَّ حالاً، وإن مات إحساسه، ومات شعوره، وأريق ماء وجهه، فإنه يستمرئ ويعيش بها. ولهذا قال ﷺ : (ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله) ؛ ففي هذا إبقاء على شخصيته، وإبقاء على معنويته، وإبقاء على إحساسه وشعوره، حتى لا يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحمٍ، يعني: تهلهل لحم وجهه بسبب مده يده إلى الناس، فمات إحساسه، ومات شعوره، ولهذا تجد بعض السائلين -نسأل الله السلامة- يأتيك فتقول: والله! الآن ما عندي فكة، يا أخي: كذا يا ابن الحلال! أنا الآن ما أنا مستعد، أنا قادم للمسجد، ما أنا قادم للصدقة، لا يخفى عليك أني ما أتيت بشيء من المال، وكأنه يطالبك ديناً ويفترض عليك أن تدفعه إليه، كان يكفيه الإشارة، لكنه تعود، وصار السؤال مهنة له! إذاً: التربية النبوية والتربية الإسلامية لمصلحة شخصية الإنسان نفسه، لأخلاقه، لإحساسه، لشعوره؛ ليبقى إنساناً كريماً فعلاً، ويبقى بعيداً عن مذلة السؤال، ولهذا حث النبي ﷺ على العمل والاستغناء، ويكفينا أنه أرسل الشاب خمسة عشر يوماً إلى الجبل ليحتطب، وقال: (ولا أرين وجهك خمسة عشر يوماً) ، ويسمح له بالتخلف عن الجماعة في المسجد النبوي، ويذهب ويصلي هناك، وعنده مسجده وطهوره؛ ليحفظ ماء وجهه، وليحفظ كرامته، وليصونه عن مذلة السؤال، ونسأل الله السلامة والعافية!

стр. 1449

سؤال الناس تكثراً سبب لدخول جهنم قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يسأل الناس أموالهم تكثراً؛ فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر) رواه مسلم] . بعض السائلين يسأل الناس أكثر من حاجته، هو في حاجة إلى قوت اليوم، ويسر الله له عشرة ريالات أو خمسة ريالات أو أكثر أو أقل بحسب حالة البلد، ومعه ما يكفيه اليوم، فلماذا يطوف على الناس؟ ولماذا يلح على الناس؟ كان يكفيه هذا، وغداً ييسر الله له الأمر، لكن نسأل الله السلامة! (من يسأل الناس تكثراً) أي: يكفيه عشرة ريالات، ولكنه يطلب عشرين وثلاثين وأربعين وكلما جاءه أخذه وأكله ﴿أَكْلاً لَمّاً﴾ [الفجر:١٩] ، هذا الذي يسأل الناس تكثراً إنما يأكل جمراً، فليستكثر من ذلك أو ليستقل. وهل الرسول يأمره هنا أن يستكثر أو هذا من باب: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾ [الكهف:٢٩] ؟ فهذا ليس تخييراً، بل هو تهديد، أي: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ونحن قد أعددنا للظالمين وللكافرين ناراً، فليس المعنى: من شاء آمن ومن شاء كفر فلا عليه، المعنى: اعمل الذي تريده، ونحن عندنا الجزاء، فهذا تهديد وليس تخييراً، لكن الأسلوب أسلوب التخيير، والله لا يضره كفر الكافر، ولا ينفعه إسلام المسلم، ولكن هذا راجع للإنسان بنفسه، فقوله: (فإنما يسأل الناس جمراً) أي: وما دمت قد عرفت أنها جمر؛ فإن أحببت فتكثر أو تقلل، وهذا في نهاية الزجر.

стр. 1450

الحث على الاستعفاف عن سؤال الناس قال المصنف ﵀: [وعن الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لأن يأخذ أحدكم أحبله، فيأتي بحزمةٍ من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه، خيرٌ له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه) رواه البخاري] . قبل شرح هذا الحديث، مما يتعلق بـ (إنما يأخذ جمراً) ورد أنه ( ﴿توفي رجل، وكان النبي ﷺ يعرفه، فسأل ماذا ترك؟ -وكان فقيراً يسأل الناس- قالوا: ترك دينارين، قال: كيتان من نار) ، سبحان الله! فالناس يخلفون الملايين والأموال الطائلة، والله سن الميراث للمال المتروك بعد الميت، إذاً: فيجوز اقتناء الدينارين، والألفين والمليونين، لكن لما كان يسأل الناس، فكان الواجب أن يسأل بقدر حاجته، لكن أن يتكثر حتى يتوافر عنده ديناران، فهذا هو المستكثر، ولذا قال ﷺ في حقه: (كيتان من النار) ، كل دينار بكية من النار، والدينار نصف اسمه نار، وبهذه المناسبة كان في اختبار قول القائل: كأن وجهه دينارٌ جلته حدائق الضرابِ فبعض الطلاب سأل: ما لون الدينار؟ نحن ما رأينا الدنانير، فقال القائل: نصف اسمه يدلُ عليه، لكن كان الطلاب أغبياء ما فهموها، وإلا كان غشاً في الاختبار. إذاً: المسألة بقدر الحاجة لا مانع منها، فالله جعل حقاً للفقراء والمساكين شرعاً، وفرض على النبي ﷺ أن يقوم بجمع الزكاة وتوزيعها عليهم؛ ولا عيب في سؤال المحتاج الفقير، والله يمتحن عباده بالغنى كما يمتحنهم بالفقر، لينظر: أيشكر هذا أم لا؟ وهذا أيصبر أم لا؟ فالغرض من هذا التنفير، وتقبيح السؤال تكثراً، لكن لو طرأت على الإنسان حاجة فلا مانع أن يسأل؛ لأنه حقٌ له.

стр. 1451

ذم احتقار المهن والأعمال ثم جاء هذا الحديث ليرشد إلى العمل المنتج عيب في عمل اليد الذي يستعف به صاحبه؛ لأن بعض الناس يعيبون بعض المهن، ويحتقرون الأعمال اليدوية، ويزدرون أشياء لا عيب فيها، فبعض الناس لو قلت له: تعال تعلم السباكة، قال: السباكة! تعال تعلم الخرازة، قال: الخرازة! هذه صفات كذا كذا، تعال تعلم النجارة، تعالَ خذ مكنسة واكنس في الشارع، وخذ راتباً وعش به، قال: أنا آخذ مكنسة وأكنس في الشارع؟! نعم لأنك ستموت جوعاً، أو تسأل تكثراً، فأيها أولى لك: أن تستغل طاقتك وصحتك في تنظيف الشارع للمسلمين، أو تتكفف الناس السؤال؟ وكيف تستعيب المكنسة ولا تستعيب من مد اليد؟! فيجب أن يكون عندك قانون مطَّرد، أنت تستحي من أخذ المكنسة؛ فيجب أن تستحي من مد يدك، اليد التي تمتد لسؤال الناس الأولى لها أن تمسك المكنسة، فهنا قال: (لأن يأخذ أحدكم حبلاً وفأساً فيحتطب) في ذاك الوقت المهن قليلة، مثل البناء والنجارة فلم تكن كثيرة، بل هي نجارة بلدية كل واحد يقدر أن يعملها، فكانت المهن محدودة، لكن الاحتطاب أمر عام، ومثله أن يحتش الحشيش من الوديان ومن الأراضي البيضاء، ويبيعه علفاً لأصحاب الدواب. فأي مهنة يجب ألا يحتقرها إنسانٌ، مادام أن هذا العمل يعفه عن تكفف الناس السؤال، وسمى لي بعض المشايخ - الله يغفر له ويرحمه- شخصاً كنت أعرفه، وكان يعمل في السمكرة، وكان هناك الصفيح تُعمل منه أباريق للحمامات، وتعمل أوعية للسمن من الصفيح (التنك) ، وهكذا تنك التمر وتنك الزيت، وكانت براميل البترول أو الغاز يصنعون منها أدوات، وكان هذا الشخص جالساً وجواره جماعة يخرزون ويخيطون الأحذية القديمة ويصلحونها، فجاء رجل تركي، ومعه نعل من الخشب والجلد، وفيه وساخة، والسير مقطوع، فجاء لهؤلاء الذين يصلحون الأحذية ليصلحوه له، فامتنع كل واحد منهم عن ذلك لأنه وسخ! وهذا السمكري شغله في التنك، وليس في الأحذية، فنادى الرجل: تعال، تعال، ما عندك؟ قال: عندي كذا كذا، قال: هاته. فأخذ القبقاب من طرف، وحك الوساخة التي فيه في الأرض حتى زالت عنه، ثم طلب من هؤلاء مسمارين فأعطوه فسمر الجلد في القبقاب، وأصبح صالحاً، وأعطاه نصف ريال، ونصف ريال في ذاك الوقت له قيمة كبيرة. وهو لم يعطه نصف ريال على كونه دق المسمارين، لكن على كونه قبل أن يعمل هذا في الوقت الذي رفضه الآخرون، فقام هذا الرجل واشترى بنصف الريال تميزاً وسكراً وشاياً، واشترى جبناً، ثم أفطر هو وزملاؤه وجيرانه من نصف ريال، ثم قال لهم: لمَ تردون هذا؟ النصف ريال هذا خسارة أن تضيعوه، ونحن جلسنا هنا لخدمة الناس. فهذا -يا إخوان- كنموذج، فأنت في صنعتك لا ترفض أن تعمل هذا؛ لأنه وسخ، الأرض -يا أخي- تنظفه، أو خذ خرقة ونظفه، فهذا الرجل ما ترفع أن يفعل هذا الفعل، وحصل من ورائه ما أفطر هو وجيرانه به. إذاً: لا ينبغي لإنسان أن يترفع عن الأعمال، ما نشتكي من شبابنا السعودي إلا ترفعه عن كثير من مجالات الأعمال العامة، والشاب السعودي إذا تخرج وحمل شهادة -أياً كان مستواها- لا يريد إلا طاولة وتلفوناً وفنجان شاي وجريدة، هذا الذي يريده! وأما الأعمال الحرة فلا يريدها، مع أنها تدخل عليه أكثر من راتبه أضعافاً، لكن يريد أن يقال عنه: ذهب الدائرة، وجاء من الدائرة، ذهب الوظيفة وجاء من الوظيفة!! وقد شاهدنا في هذا المسجد النبوي بعض زملائنا في الدراسة، كان يصبح الواحد منهم في السوق متحزماً ويحمل على رأسه، ويساعد الفلاحين في إنزال البضائع، ويأخذ من هذا شيئاً ومن هذا شيئاً، ويجمعها ويبيعها، ويرجع إلى بيته بما يحتاجه منها، وبما اشتراه من حاجات البيت، وإذا كان بين المغرب والعشاء تجده أميراً من الأمراء، عليه ثياب مكوية نظيفة، وكوفية مكية، وغترة مهذبة، جالس أمام الشيخ، فهذا من خيرة الناس لا يترفع أن يعمل في الصباح، فهو طالب علم لا يرضى لنفسه أن يمد يده. الحديث ليس مقتصراً على حزمة حطب لمن يريد أن يتعفف، بل الحديث مبدأ عام، وينبغي على كل إنسان عاقل أن يستعف بأي عمل، وقد ذكرنا أن على المسئولين إيجاد مجالات للعمل وللقضاء على العطالة والبطالة، لكن إذا لم يكن هناك مشاريع عند الدولة، وإذا لم تكن لديها إمكانات، فالعمل الحر واسع، من بيع وشراء أو صناعة أو غير ذلك. قوله: (لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأتي بحزمةٍ) يأخذ حبلاً وفأساً كما في بعض الطرق، ولابد من فأس ليكسر به الحطب، وحبل يحزمه فيه، ويحمله على ظهره، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أميراً على بلدة، فكان يذهب إلى السوق، ويأتي بحزمة الحطب يحملها على ظهره ويقول: افسحوا الطريق لأميركم، فهو أمير ويحمل الحطب؟! لعله ليس عنده ما يستأجر به أحداً، وكما قيل: رب السلعة أولى بحملها. إذاً: لا يوجد عيب في العمل، كلمة (عيب) في عمل هي العيب، ولا ينبغي للإنسان أن يحتقر شيئاً، وهؤلاء الذين يغسلون السيارات لو تركناهم مفلتين في البلد ضائعين، لكانوا شراً على الناس، فهو يغسل السيارة ويأخذ له عشرة ريالات، يغسل سيارتين، ثلاثاً، أربعاً، أو أكثر أو أقل، فيقضي وقته وينفع الآخرين، ويكسب قوته، فأياً كان العمل -دون تسمية نوعٍ بذاته- فاعمله مادام ليس فيه حرام، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (من بات كالاً من عمل يده؛ بات مغفوراً له) ؛ لأنه يعمل بطاقته. وأعتقد أني أكثرت عليكم في هذا المجال؛ لأننا -فعلاً- في حاجة ماسة إلى هذا المنهج، بصرف النظر عن حزمة الحطب، أو عن سقية الماء، وقد رأينا طلاب علم كانوا يحملون الماء في أول النهار، ثم إذا جاء وقت الدرس حضروا كما ذكرت لكم، ولا يمدون أيديهم إلى الناس، وهكذا كثير من الناس من يبدأ حياته عاملاً صغيراً، ثم يتدرج ويبارك الله في عمله، ويصبح من كبار الأغنياء. يا جماعة! وجدنا جمعيات خيرية كثيرة، وجمعيات نسائية، وجمعيات لفئة كذا، ألا يمكن أن نوجد جمعية لإيجاد عمل للعاطلين أو للبحث عن عمل لهم أو مساعدتهم أو لإرشادهم لما ينفعهم؟ الإمكان يمكن، لكن هل يقبل أحد على هذا؟ حبذا لو أن جهة من الجهات تبنت هذه الفكرة، وكل من ليس عنده عمل يأتي إليهم، ويقول: أنا إمكاناتي كذا، أنا متعلم كذا، أنا أحسن كذا، أنا مستطيع أن أعمل كذا، وإذا كان إنسان يحتاج إلى عامل في شيء ما، يتصل بهم ويحصل على ما يريد من طريقهم، فتكون هذه الجمعية كواسطة بين المواطنين المحتاجين لعمال وبين الفارغين من العمل، وهذا يسهل الطريق، ويقرب الاتصال بين، العامل وبين الذي يريد أن يعمل عنده، لعل الله أن ييسر هذا، إن شاء الله.

стр. 1452

جواز السؤال عند الضرورة أو سؤال السلطان قال المصنف ﵀: [وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المسألة كدٌ يكدُ بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل الرجل سلطاناً أو في أمرٍ لابد منه) رواه الترمذي وصححه] . هذا كالحديث المتقدم ما عدا هذا الاستثناء: (المسألةُ كدٌ) ، والكد مثل الخمشة، فهو رضة أو حفرة في الوجه. فتجوز المسألة للسلطان، وسؤال السلطان ليس داخلاً في هذا، ولماذا السلطان لا يكون داخلاً في هذا؟ لأنك إن سألت السلطان، والحالُ أن البلد مسلم، فالسلطان تحت يده بيت مال المسلمين، ولكل فردٍ حقٌ فيه، فإذا أعطاك السلطان، فإنما يعطيك من حقك الذي في بيت مال المسلمين، فلا يكون في ذلك كدٌ ولا خدوشٌ؛ لأنك لم تسأله ماله الخاص، كما تسأل عامة الناس فتكون ممن سأل الناس أموالهم تكثراً. أما إذا سألهم غير أموالهم، فإنسان عنده مثلاً وقف خيري على الفقراء أو على الغرباء، أو على الطلاب، وجاء واحد من هؤلاء المنطبق عليهم الوصف الموقوف عليهم، وجاء للناظر وقال: أعطني من حقي، أنا لي حق في هذا الوقف، فهو لم يسأل الناظر ماله، إنما سأله ما تحت يده، وللسائلِ حقٌ فيه؛ فليس في ذلك شيء، وكذلك سؤال الإنسان للسلطان؛ لأن السلطان يعطي الجميع، والسلطان تحت يده بيت مال المسلمين، فهو يعطي منه، وله أن ينظر من يعطي ومن لا يعطي، ومن يعطي الكثير ومن يعطي القليل على حسب ما يترجح عنده من مصلحة الشخص السائل. ومن باب الطرافة: أن أعرابياً جاء إلى معاوية وقال: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك إلا أعطيتني، فقال: هل يوجد رحم بيني وبينك وأنا قاطعها؟! قال: نعم، قال: ذكرني بهذه الرحم! قال: أنا وأنت أولاد آدم؟ قال: والله! أنت صادق، أتسألني بالرحم الذي تتصل إلى آدم؟ قال: نعم، قال: والله! هذه رحم يجب أن توصل، ولك حق، وكتب إليه كتاباً لعامله على بيت المال: ادفع إليه درهماً، وصك الكتاب، وقال له: اذهب بالكتاب إلى عامل بيت المال، فذهب الرجل ومعه كتاب من أمير المؤمنين معاوية، ففض الكتاب، فدخل وأعطاه درهماً! قال: ما هذا؟ قال: الذي كتب لك معاوية، قال: ألا تستحي؟! معاوية يكتب بدرهم؟! قال: هذا كتابه الذي أعطاك، خذه وارجع له، فرجع إليه، وقال: ما هذا يا معاوية؟! تكلف نفسك، وتكتب كتاباً إلى عاملك، وترسلني على درهم! قال: يا أخا العرب: والله! لو وصلت الرحم التي تصل إليَّ بها بمثل هذا ما بقي في بيت المال درهم! وهذا صحيح.

стр. 1453

كتاب الزكاة - باب قسم الصدقات [١] إن من حكمة الله أن جعل الناس طبقات مختلفة ومتفاوتة في الرزق، فجعل منهم الأغنياء والفقراء لينظر الشاكر من الكافر، وجعل للفقراء في مال الأغنياء نصيباً، ثم قسم هذا النصيب عليهم، وجعله محرماً على الغني، فلا تحل الصدقة لغني إلا في خمسة أحوال، وقد وضح الشيخ وجه حلها لهم وحكمة ذلك.

стр. 1454

شرح حديث: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحل الصدقة لغنيٍ إلا لخمسة: لعاملٍ عليها، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكينٍ تُصدق عليه منها، فأهدى منها لغني) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة وصححه الحاكم وأُعل بالإرسال] .

стр. 1455

حسن ترتيب المصنف لأحاديث الكتاب نلاحظ أن المصنف ﵀ رتب هذا الكتاب ترتيباً عملياً، فذكر أولاً كتاب الزكاة، ثم بيَّن لنا ما هي الأموال الزكوية، فبين أنها من بهيمة الأنعام، ومن الذهب والفضة، ومن عروض التجارة، ومما تخرجه الأرض، وبيَّن لنا أنصباء كل نوعٍ من الأموال الزكوية، سواء في بهيمة الأنعام المختلفة، ففي الإبل أول نصابٍ خمس وفيها شاة، وفي الغنم أول نصابٍ أربعون وفيها شاة، وفي البقر ثلاثون وفيها تبيع. ثم بيَّن لنا أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً وفيها ربع العشر، وأن نصاب الفضة مائتا درهمٍ وفيها ربع العشر، ثم بيَّن لنا أيضاً عروض التجارة، وأنها تُقوَّم بالأحظ للمساكين بالذهب أو بالفضة وفيها ربع العشر، ثم بيَّن لنا نصاب الحبوب والثمار التي تزكى، وأن أول نصابها خمسة أوسق، وأن ما سقي بماء السماء أو العيون بغير كلفة ففيه العشر، وما سقي بالكلفة ففيه نصف العشر. ثم عقَّب على ذلك بزكاة الفطر، وهي صاعٌ على كل إنسان سواء كان صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً من المسلمين.

стр. 1456

تولي الله تعالى لقسمة الصدقات وبعد أن بيَّن هذا كأنه يقول: لقد عرفنا الأموال الزكوية وعرفنا أنصباءها، فلمن تعطى تلك الزكوات التي جمعناها؟ فجاء بـ (باب قسم الصدقات) ، والأصل في هذا ما بينه النبي ﷺ من أن الله لم يكل قسم الصدقات إلى أحد، لا إلى صاحبها، ولا إلى نبيٍ مرسل، ولا إلى عالم فاضل، إنما تولاها سبحانه بنفسه، وكذلك الأموال المكتسبة بغير كدٍ ولا جهد، مثل الميراث، فقد تولى الله قسمته، وبيَّن أنصباء الورثة من الأقارب، كالأبوين والزوجين والأولاد، وبيَّن لكل صاحب فرض فرضه؛ لأن الميراث كسبٌ إجباري، ولا يملك إنسان أن يقول: أنا لا أرث، أو لا أريد الميراث، فنقول له: بل تمتلكه رغماً عنك، ثم بعد أن تمتلكه بالتوريث فتنازل عنه لمن شئت، فهو يدخل في ملكك بالقوة. فإذا قالت الأم مثلاً: لا أريد، فاجعلوا نصيبي وهو لأولادي، نقول: جزاكِ الله خيراً، نصيبك يدخل في ملككِ ثم يتحول عنكِ إلى أولادك، وهكذا الزوج لو قال: لا أريد من زوجتي ميراثاً، فنقول: جزاك الله خيراً، بعد أن يدخل في ملكك اعتباراً يتحول إلى أولادها منك أو من غيرك. إذاً: الميراث ملكٌ إجباري، ولهذا تولى الله قسمته. والصدقات كذلك، وقد بيَّن الله ورسوله ﷺ المبادئ في قسمتها، فأما القرآن الكريم فقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] . و (إنما) كما يقول علماء البلاغة: أداة حصر، فبين سبحانه القنوات التي تسير فيها الصدقات، وهي ثمانية أصناف، وجاء في الصفة العامة فيمن يستحق الزكاة عن الرسول ﷺ حديث معاذ عندما بعثه إلى اليمن فقال له: (أخبرهم أن الله افترض عليهم زكاةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) . إذا نظرنا إلى الأصناف الثمانية في الآية الكريمة فسنجد أن عنصر الافتقار موجودٌ فيها كلها بدون استثناء. في الآية الكريمة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) قال: (الصدقات) ولم يقل: (صدقة) ؛ لأنها بالنسبة لتنوع الأموال الزكوية فهي صدقات: صدقة الإبل، صدقة الغنم، صدقة البقر، صدقة الحبوب، صدقة النقدين، صدقة التجارة، فهي صدقات ولهذا جمعت (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) ، وأداة الحصر تمنع دخول غير المحصور عليهم، فالذي يلي (إنما) هو المحصور، والمحصور عليه يأتي بعد المحصور. إذاً: (إنما) أداة حصرٍ بإجماع أهل اللغة، و (الصدقات) محصورة على من يأتي بعدها من الأصناف الثمانية. ومن هنا يتبين أنه لا صدقة على غنيٍ؛ لأنه خرج عن نطاق الفقر والحاجة، وهما عنصران موجودان بقوة أو بضعفٍ في الأصناف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة.

стр. 1457

الأغنياء المستثنون من تحريم الصدقة عليهم هنا بدأ المصنف ﵀ ببيان من لا تصح لهم الصدقة؛ لأن الذين تصح لهم الصدقة أصناف ثمانية، وأما الذين لا تصح لهم الصدقة فهم صنفٌ واحد وهم الأغنياء، وكما يقال: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) ، والشيء الذي يمكن حصره في التعليم والبيان ذكره أولاً أولى من الذي لا يمكن حصره، ومن ذلك أن الرسول ﷺ لما سئل: (ماذا يلبس المحرم يا رسول الله؟ ... ) فالسؤال كان عن الذي يلبسه المحرم، فقال: (لا يلبس المحرم ... ) ، فنحن نسأل عن الملبوس، فأفادنا ما هو الذي لا يلبس؛ لأن ما يلبس لا حصر له، ولكن المراد هو اجتناب ما لا يلبس، واجتناب ما لا يلبس معدود. إذاً: لا يلبس القُمص ولا العمائم ولا البرانس، ولا السراويل ولا الخِفاف، فهذه أشياء محدودة، أي: فاجتنبها والبس بعد ذلك ما شئت. فيكون ذكر ما هو محصور أسهل وأيسر في التعليم من ذكر وتعداد ما لا حصر له، ولهذا بدأ المصنف ﵀ كتاب تقسيم الصدقات بذكر من لا تحل لهم. قال: (لا تحل الصدقة لغنيٍ إلا لخمسة) : (لا تحل) أي: تحرم ولا تجوز. من هو الغني ومن هو الفقير؟ يختلف العلماء في حد الغني والفقير، فبعضهم يقول: الغني هو: من عنده قوت يومه وليلته؛ لأنه ليس محتاجاً، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ أن الغني هو من يملك نصاباً؛ لأنه يعطي، والناس أحد قسمين: إما غنيٌ يزكي، أو فقيرٌ يأخذ، فالقسمة ثنائية، فالغني الذي تجب عليه الزكاة هو من امتلك النصاب، والفقير الذي يحق له أن يأخذ الزكاة هو من لم يمتلك نصاباً، ولهذا يجوز عند أبي حنيفة ﵀ أن تعطي من الزكاة شخصاً يملك مالاً أقل من النصاب قليلاً؛ لأنه بهذا الوصف فقير وليس بغني.

стр. 1458

الصنف الأول: العامل عليها فهذه الزكاة أو الصدقة لا تحل لغنيٍ، ولكن هناك حالات اعتبارية تستثنى ولا تكون أساساً في أخذ الصدقة، ولكنها أمور اعتبارية تكون مع الأغنياء، فتحل لهم أخذ الصدقة وأكلها وهي: قال: (لعاملٍ عليها) العامل عليها هو من الأصناف الثمانية، والعاملون عليها هم الذين يكلفهم الإمام أن يخرجوا إلى البوادي ومواطن الأموال يحصون ويخرصون الأموال على أصحابها، ويأخذون منهم الزكاة نيابةً عن الإمام؛ لأن التكليف بجمع الزكاة من الأغنياء ابتداءً كان على رسول الله ﷺ ، ولكن الرسول صلوات الله وسلامه عليه ليس لديه من الوقت والإمكانيات ما يكفيه لكي يذهب إلى المياه والبوادي وإلى أصحاب الأموال حتى يجمع الزكاة، فكان ينيب عنه من يقوم بذلك؛ لقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] . فـ (خذ) هنا خطاب للنبي ﷺ ، ولهذا قال ﷺ : (من أداها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت، ومن منعها أخذناها) ، و (نا) هنا ضمير المتكلمين، والمراد النبي ﷺ ومعه غيره: (ومن منعها أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، لا يحل لمحمدٍ ولا لآل محمد منها شيء) . لو وقفنا هنا لوجدنا كم كان الرسول ﷺ يتحمل من أجل الأمة!! يقول: إن الذي يمتنع عن أداء الزكاة سنأخذها منه بالقوة، ونأخذ نصف ماله، وهل سيسلم نصف ماله أو سيقف دونه؟ الجواب: سيقف دونه، وإذا وقف دونه قاتلناه حتى نأخذه بالقوة. هذا التكليف من الله في تحميل الرسول ﷺ مسئوليتها، من أجل ان يقوم بها من يأتي بعده، ولهذا قام الصديق رضي الله تعالى عنه بهذا التكليف حينما امتنع قومٌ من دفع الزكاة إليه، بحجة أنهم مسلمون يصلون ويصومون، وسيزكون أموالهم بأنفسهم. فما الفرق بين أن كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ ، وبين أن يؤدوها إلى خليفته أبي بكر؟ أجابوا وقالوا: إن رسول الله ﷺ لما كان يأخذها منا، قد قال الله له: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] ، وهنا أبو بكر لا يصلي علينا، ولو صلى فصلاته علينا ليست كصلاة رسول الله ﷺ . إذاً: فاتت صلاة رسول الله علينا عند إعطائه الزكاة، فلا نعطيها غيره، فهم مقرون بها، فأقسم أبو بكر وقال: (والله! لو منعوني عَقَالاً أو عِقَالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) ، فهو لن يأخذها لنفسه وإنما سيأخذها ويقسمها أيضاً على الأصناف الثمانية. وهكذا يُحفظ ماء وجه الفقير، فلا يذهب إلى الغني ويقول: لي حقٌ في مالك فأعطنيه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] ، فقد يماطله ويقول: تعالى إلينا غداً أو نحن مشغولون الآن، فيبقى المسكين يتردد عليه من أجل أن يحصل على حقه. فحفظ الله كرامة المسكين في الإسلام ولم يعرضه لمذلة السؤال في حقٍ هو واجبٌ له، وكلف رسوله ﷺ بجمعها، وهكذا الخلفاء من بعده، ومن بعدهم، فكل من قام بأمر المسلمين عليه أن يقوم ويجمعها بنفسه، أو ينيب عنه من يجمعها ويأتي بها ليصرفها في مصارفها، كما فعل ﷺ . فالعاملون عليها هم الذين ينيبهم ولي الأمر بأن يذهبوا ويجمعوا الصدقات من الأغنياء ويعطوها الفقراء، فهذا الذي قام وعمل لن يعمل مجاناً، وإنما هو عامل كالموظف، ومثل هذا يكون غنياً في نفسه، وليس في حاجة إلى الصدقة، ولكن ولي الأمر هو الذي كلفه بجمع الزكاة على أن يعطيه أجره، فيكون العامل على جمع الزكاة أجيراً للفقراء والمساكين وليس لولي الأمر؛ لأن الأجير لم يجمع الزكاة لولي الأمر ليأخذها لنفسه، بل ليوزعها على الفقراء والمساكين، فيأخذ العاملون على جمع الزكاة أجرهم من حق الفقراء. إذاً: العاملون على الزكاة هم أجراء وموظفون لحساب المساكين أصحاب الزكاة ليجمعوا الزكاة ويحضروها، فيجب أن يقتطع من حق أصحاب الزكاة أجر الأجراء، ولكن إن تحملت الدولة أجور العاملين على جمع الزكاة من عندها فجزاها الله خيراً، وإن لم تتحملها واقتطعتها من حق الفقراء فلها ذلك؛ لأنهم عملوا من أجلهم وجمعوها إليهم فلهم الحق فيها، فهذا العامل لو كان غنياً يخرج الزكاة عن ماله ويخرج زكاة أشياء عديدة، ولكن له حق من الزكاة؛ لأن ما يأخذه لا يأخذه لفقرٍ ولكن لأجرة العمل، فهو مثل أي موظف، فأعلى موظفٍ في الدولة يأخذ راتباً مقابل عمل، وهذا يأخذ أجراً مقابل عمل. ولهذا منع النبي ﷺ بني هاشم أن يكونوا من العاملين على جمع الزكاة؛ لأنهم سيأخذون أجرهم من حق الفقراء، من الصدقات، ولذا يقول بعض الفقهاء: يجوز لبني هاشم أن يكونوا عاملين عليها إن أعطاهم ولي الأمر أجراً من بيت المال، لا من الصدقات التي يجمعونها. إذاً: لا تحل الصدقة لغنيٍ. هذه قاعدة عامة، يستثنى منها العاملون عليها؛ لأنهم يأخذونها أجراً على عملهم. فالعامل له أن يأخذ أجره مقاطعةً، كأن يكون له في اليوم كذا، أو في الشهر كذا، أو يجعل له نسبة فيما يجمعه، مثلاً: (١%) ، أو (٠. ٥%) يجمعه من الزكوات، وهذا يرجع إلى نظر الإمام؛ لأنه يعمل لما فيه مصلحة الطرفين، (الغني والفقير) ، والمصلحة مراعاة للجانبين ابتداءً: جانب الفقراء، إن وجد أن من مصلحة الفقراء أن يجعل الإمام للعامل حصةً مقطوعة كنسبة مئوية، أو أجراً معيناً في الشهر أو الشهرين أو في مدة جمع الزكاة، فله ذلك.

стр. 1459

الصنف الثاني: رجل اشتراها بماله قال: (أو رجلٍ اشتراها بماله) أي: أو رجل غنيٌ اشترى الزكاة بماله، كأن يكون هناك إنسان فقير وجاءته زكوات وكثرت عن حاجته، وكان يحتاج إلى شيءٍ آخر سوى ما جاءه من الزكوات، كأن جاءته عشر شياه وهو يكفيه خمس أو ست يشرب حليبها، والباقي ليس عنده راعٍ يرعاها ولا يريد أن يكلف نفسه الرعي، ويحتاج إلى ملابس لأولاده، ويحتاج إلى الأرز والسكر والشاي، فيبيع من تلك الشياة التي جاءته صدقة؛ لأنها زائدةٌ عن حاجته وقد اقتصر على حاجته ليوجهها في حوائج أخرى. فجاء إلى جاره وقال له: جاءتني شياه وهذه زائدة عندي، فإن كان لك رغبة في شاة أو شاتين أو ثلاث بعتها لك، وجاره الغني يعلم أنها جاءت لجاره الفقير صدقة فاشتراها، فهو لم يأخذها على أنها صدقة وإنما اشتراها بماله، ولا فرق عند دفع الثمن بين أن يشتريها من فقير جاءته صدقة، وبين أن يذهب إلى السوق ويشتريها من التاجر. إذاً: هذا الغني الذي اشتراها بماله لم يأكلها صدقة، ولم يُتصدق بها عليه، وإنما هي بمقابل ماله ولو كان يعلم بأنها من الصدقات التي تُصدق بها على جاره.

стр. 1460

الصنف الثالث: الغارم قال: (أو غارم) . الغارم ينقسم إلى قسمين: غارمٌ لنفسه، وغارمٌ لغيره. والغارم لنفسه تحته قسمان: غارمٌ في وجهٍ شرعي، وغارمٍ في وجه غير شرعي. فالغارم في وجهٍ شرعي: مثل إنسان متزوج امرأتين أو ثلاثاً أو أربعاً، وكل امرأة في كل سنة تلد توأمين، فأصبح في أربع سنين أو خمس سنين عنده عدد كبير من الأولاد، وإمكانياته لا تفي بحاجات هؤلاء، وهو مكلف بأن يسعى لسد حاجاتهم، فأخذ يستدين، والناس يعرفون ظروفه فأقرضوه وداينوه، حتى كثرت عليه الديون وأصبح غارماً لأصحاب الديون، فهذه الديون لحقته بسبب شرعي؛ لأنها لإعالة نفسه وأولاده. والغارم لنفسه في وجهٍ غير شرعي: مثل إنسان أخذ يبذر بماله الذي في يده في أمور غير مشروعة، إما أنها من باب التبذير في الحلال أو من باب الإنفاق في الحرام حتى فني ماله، ثم أخذ يستدين، فإذا كان يستدين لينفق في وجوهٍ محرمة لحقته الديون وأصبح غارماً، والديون التي لحقته وأصبح غارماً بسببها لأصحابها أنفقها في وجهٍ محرم، فحينئذٍ ذاك غرم في وجهٍ شرعي لحظه وحظ عياله، وهذا غرم في وجهٍ غير شرعي. فالغارم لنفسه غرماً شرعياً له حق أن يأخذ من الزكاة من أجل أن يسدد دينه الذي ركبه بسبب الحاجة وبالوجه الشرعي، وفي ذلك إعانة له على حياته، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢] . أما الغارم في وجهٍ غير شرعي فلا يعطى من الزكاة؛ لأنه يدفعها في محرم، ويضعها في غير طريقها، ولو أعطيناه لكنا قد أعناه على الإثم والعدوان، والله قد نهى عن ذلك. إذاً: الغارم لحظ نفسه تحته هذان القسمان، أحدهما يأخذ والآخر لا يأخذ. والغارم لحظ غيره: مثل: رجل من أهل المروءات والنجدة والإحسان والإصلاح بين الناس، وجد عائلتين أو شخصين قد وقع بينهما نزاع وخصومة، والنزاع والخصومة في أموال، والأموال ملتبسة مشتبهة، وكلا الفريقين يدعي على الآخر وأدلتهم غير واضحة. فجاء يصلح بينهم بعد أن وقع بينهم النزاع والقتال والقطيعة والخصومة، فقال: أنا أتحمل لكم المال الذي تختلفون فيه مقابل الكف عن النزاع، فكفوا وتصالحوا وكونوا إخواناً، وهذا المال الذي هو سبب النزاع أنا أضمنه، فطالبوه فقال: أنا أجمعه لكم؛ لأنه ليس عنده مقدار المال الذي ضمنه للطرفين، فله الحق أن يأخذ من الزكاة ما يسدد ما ضمنه في ذمته للمتخاصمين؛ لأن في ذلك إصلاحاً بين الناس، حتى أن بعض العلماء قال: ولو كان غنياً فيعطى ولا نرهقه في ماله، حتى لا يتوقف بعد ذلك عن الإصلاح بين الناس. فإذا علم أنه سيسدد عنه من مال الزكاة ما ضمنه للغرماء الذين أصلح بينهم، فلن يتأخر في قضيةٍ أخرى أن يدخل فيها بالإصلاح. إذاً: الغارم لغيره يُسَاعد ويعطى ولو كان غنياً، ولا نرهقه في ماله؛ لأنه فاعل خير، وما دام فاعل خير فإنه يجب أن نعينه على فعل الخير. وأعتقد أن هذا كان معروفاً في الجاهلية عند العرب، فقد كانوا إذا تقاتلت قبيلتان وطال القتال بينهما يأتي شخص ذو نجدة ومروءة ويسعى بين الفريقين بالصلح فيكفوا عن القتال ثم ينظر: ماذا لكل قبيلة عند الأخرى من الدية؟ فتكون هناك المقاصة وما زاد يتحمله هو، سواء من ماله إن كان ذا مالٍ وفير أو يتعاون معه العرب ويجمعون له ما تحمل في ذمته، فيوفي ما التزم به للغرماء.

стр. 1461

الصنف الرابع: الغازي في سبيل الله قال: (أو غازٍ في سبيل الله) . كأن يدعو الإمام إلى النفير العام، وأن كل من كان ذا قوةٍ على القتال فليتقدم. فإذا تقدم رجل غني، وقال: أنا أريد سلاحاً، أعطوني سلاحاً وفرساً، ولوازم القتال، فله أن يأخذ من الزكاة ما يجهزه، قيل: لأول غزوة؛ لأنه بعد ذلك إن استشهد فإلى رحمة الله، وإن عاش فله من سهم الغنائم ما يغنيه. وإن كان فقيراً لا مال عنده، فعلى ولي الأمر أن يزوده إن استطاع، وإن لم يكن عند ولي الأمر ما يزوده فالكل معذور كما قال الله: ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢] ، فهو أدى ما عليه وتطوع بنفسه، ولكن لم يجد آلة القتال، ولا يمكن أن يذهب أعزل ليقابل مسلحاً، فهذا تهور وليس بقتال ولا شجاعة. إذاً: الغازي في سبيل الله إما فقير وإما غني، فإن كان فقيراً تعين على ولي الأمر أن يزوده بما يحتاجه من نفقةٍ في السفر، ومن سلاح وملبس ومركب وكل ما يحتاجه المقاتل، وإن كان غنياً فإن تبرع من عنده فهو غازٍ بماله ونفسه، وإن لم يتبرع فهو غازٍ بنفسه دون ماله، وله أن يأخذ من الزكاة ما يجهزه. وهنا يقول بعض العلماء: لو أننا قدَّرنا له في هذه الغزوة مسيرة شهر -الذهاب مع المعركة والعودة- ولكنه ذهب وقاتل ورجع في مدة عشرين يوماً، فهل نسترجع من هذا الغازي ما يقابل العشرة الأيام التي كنا قدَّرناها زيادة أم لا؟ ولو أننا قدَّرنا له في اليوم عشرة ريالات، واستغرق الشهر المقدر له، لكنه بدل أن يصرف عشرة ريالات في اليوم صرف خمسة ريالات، فرجع بنصف المبلغ الذي أعطيناه إياه، فهل يستحق الباقي الذي وفرَّه مما قدرناه له وأعطيناه إياه أم أنه لا يستحقه وعليه أن يرده إلى بيت مال المسلمين؟ الجمهور على أنه إن كان قد قتر على نفسه وضيق عليها في نفقته وما يلزمه حتى وفَّر شيئاً، فقد وفر من ملكه الذي أعطيناه إياه وامتلكه بوجهٍ شرعي، فما زاد فعليه وما نقص فله ولا يطالب بإعادة شيء؛ لأننا أعطيناه شيئاً مقطوعاً وقلنا: هذا مقابل ذاك. فالغارم إذا كان الدين الذي ركبه غرمه لنفسه في الخير أو لغيره، فإن كان لنفسه في نفقته ونفقة عياله، إن أعطي تطوعاً دونما حساب أو تقدير فكل ما جاءه يملكه، وإن كان غارماً لدينٍ أصلح به بين فريقين وتعين الدين الذي غرمه مائة ألف مثلاً وجاءه مائتا ألفٍ أو ثلاثمائة ألف، فعليه أن يرد الباقي إلى بيت مال المسلمين؛ لأنه غنيٌ في ذاته وقد أعطيناه ما لحقه للمتخاصمين، فهو لم يُعط لكي يُتصدق عليه فهو غني، لكنه تصدى للإصلاح بين الفريقين، والإصلاح احتاج إلى مائة ألف، وعلم الناس بذلك فأخذوا يعطونه من حساب الزكاة حتى زاد على الدين الذي هو مطالبٌ به، فما زاد عن الدين الذي هو مدينٌ به وملتزم به بين الفريقين يرده؛ لأنهم لم يعطوه ليتملك ويستغني بمال الزكاة.

стр. 1462

الصنف الخامس: الهدية للغني من الفقير المتصدق عليه قال: (أو مسكينٌ تُصدق عليه منها فأهدى منها لغني) . مثل أن تتصدق على جارك بزكاة الفطر تمراً أو براً أو زبيباً أو غير ذلك، فجئت يوم العيد تزوره فقدم إليك القهوة مع التمر -كما هي العادة- فنظرت وفطنت بأن التمر الذي قدمه إليك هو من تمرك الذي تصدقت به عليه، فهو عنده تمر كثير، وتُصدق عليه بتمور متعددة، ولكن حينما جاء بالقهوة وجاء معها بالتمر صادف أن جاء بالتمر الذي جاءه من عندك أنت، فحينما يقدم لك التمر مع القهوة هل تنظر وتقول: أنا لا أكل هذا؛ لأن هذا من صدقتي عليك، وأنا غني عن أكل الصدقة، أم أنك لا تأكل صدقةً ترجع فيها، ولكن قرىً وضيافة؟ الجواب: أنك تأكل؛ لأنك حينما تأكل من التمر لا تأكله على أنه منك، بل على أنه منه هو؛ لأنه قد امتلكه بوجهٍ شرعي وأصبح في ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك، إن شاء دفعه في صدقةٍ عنه وعن عياله، وإن شاء باع الزائد، وإن شاء أطعمه فقراء آخرين، وإن شاء ضيفك به. إذاً: هذا غني، وهذه الصدقة تصدق بها بالأمس وقُدمت إليه وهو غني، فلا مانع أن يأكلها، فهي تحل له؛ لأنها قدمت إليه لا في إطار الصدقة، ولكن في إطار الضيافة والقِرى. ومن هنا -كما يقولون- اختلف الاتجاه واختلف الاعتبار، واختلفت اليد فاختلف الحكم كما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه: (أنه أصبح ذات يوم وقال: ائتوني بغدائي -والغداء كان في الضحى- فقدموا إليه خبزاً وخلاً وملحاً، فقال: لماذا الخل والملح وأنا أرى البرمة تغط باللحم؟ فقالوا: يا رسول الله! إن ما في البرمة لا يحل لك، قال: ولماذا؟ قالوا: إنه لحمٌ تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة -فهذا كلام فقهي صحيح- فقال: هو عليها صدقة ولنا منها هدية) ، فيكون قد اختلف الاعتبار واختلفت اليد، مع أن اللحم واحد، فهذه فخذ شاة، وضعت في يد بريرة، فامتلكتها بريرة، ثم طبختها، فلها بعد ذلك أن تهدي منها لمن تشاء، فحينئذٍ أكل منها رسول الله ﷺ باعتبار أنها هدية من بريرة، والمتصدق ذهب لحاله، والصدقة وصلت محلها وانتقلت من المتصدق عليه إلى الآخرين هديةً. وهكذا هذا غنيٌ تصدق على فقيرٍ بتمرٍ أو بلحمٍ أو بخبزٍ أو بأي شيء، ثم جاء الغني يزوره فقدم إليه طعاماً ومن ضمن الطعام ما كان تصدق به بالأمس عليه، فحينئذٍ تحل له تلك الصدقة؛ لأنها قدمت إليه باسم الضيافة لا باسم الصدقة.

стр. 1463

تحريم الصدقة على الغني بمال أو تكسب قال المصنف ﵀: [وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار ﵁: (أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول الله ﷺ يسألانه من الصدقة، فقلَّب فيهما النظر فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما؛ ولا حظ فيها لغني، ولا لقويٍ مكتسب) رواه أحمد وقوّاه أبو داود والنسائي] . بعدما بين المصنف ﵀ أن الصدقة لا تحل للغني الذي عنده من المال ومن الطعام ما يغنيه عنها، جاءنا بنوعٍ آخر من الغنى، وهو غنى غير مباشر، فجاء بحديث أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ يسألانه الصدقة، فنظر فيهما فوجدهما جَلِدين، - (الجَلِد) القوي- فنظر فيهما وصوب النظر وتأمل، ثم قال لهما: (إن شئتما أعطيتكما) ، ثم بيَّن لهما أن الصدقة التي يطلبانها لا تحل لغنيٍ ولا لقوي مكتسب. يعني: إذا كان قوياً في بدنه فهذه طاقة يستطيع أن يستعملها ويتكسب بمقتضاها، فهو غنيٌ بطاقته، وبقوته، وباستطاعته أن يجد طريقاً للتكسب بهذه القوة، فإذا كان قوياً جَلِداً لكنه طلب مجالاً يصرَّف فيه هذه القوة ويتكسب عن طريقها ويستغني بما يتكسب فلم يجد؛ فالقوة وحدها لا تكفي، فهو فقير. فالقوي المتكسب لا تحل له الصدقة؛ لأنه بتركه التكسب مقصرٌ في حق نفسه، وكان عليه أن يُعمل تلك القوة في مجال التكسب ويستغني بما يتكسبه، وهذا في حدود الطاقة البشرية للإنتاج، فإذا كنت قادراً على العمل ولديك طاقة، فلا تهملها وتعطلها والناس في حاجةٍ إليها! وكما جاء أن شاباً جاء إلى النبي ﷺ يسأله، فوجده جَلِداً قوياً، فسأله عما يملك، ثم أرشده إلى الاحتطاب والبيع. وقد نبهنا سابقاً على أن ما تعانيه كثيرٌ من الدول الصناعية وليست النامية فقط؛ هي مشكلة البطالة، ففي بعض الدول في أوروبا توجد ثلاثة ملايين يد عاطلة. فكيف تعطلت طاقة ثلاثة ملايين؟ فلو اجتمعت هذه في جهاد، أو في حفر الأنهر، أو في بناء الجسور، أو في رصف الطرق، فكم ستنتج قوة الثلاثة الملايين هذه؟ إذاً: الطاقة البشرية هي أعز ما تكون في الأمة، فإذا تعطلت تعطل كثير من رأس مالها، ولهذا لما قال الشاب: ليس عندي شيء، وليس عندي عمل، وليس عندي مجال، وجهه ﷺ إلى العمل الحر، فقال: (من عندك في البيت؟ قال: أنا والعجوز، قال: ماذا عندك من أثاث البيت؟ قال: حلسٌ نفترش نصفه ونلتحف بالنصف الآخر، وقعبٌ نأكل ونشرب فيه، قال: عليَّ بهما) فأخذهما وقال: (من يشتري مني هذين؟ فباعهما بدرهمين، وأعطى الشاب الدرهمين، وقال: اذهب فاشتر بدرهم طعاماً واتركه عند أهلك، واشتر بدرهمٍ فأساً وحبلاً وائتني بهما، فذهب وأحضر الفأس والحبل، فأخذ ﷺ عوداً ووضعه في الفأس وقال: خذ واذهب واحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوماً، فذهب واحتطب وباع - ثم أتى فقال ﷺ : لأن يأخذ أحدكم حبلاً وفأساً فيحتطب فيبيع فيستغني، خيرٌ من أن يتكفف الناس السؤال أعطوه أو منعوه، ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغن يغنه الله) . وهكذا أيها الإخوة! الصحة والقوة والطاقة غنىً، فعلى صاحبها أن يصرفها فيما يعود عليه بما يغنيه عن الناس، وجميع أعمال الناس في هذه الحياة إنما هي بتصريف الطاقة البشرية، فالموظفون في مكاتبهم وفي جميع دوائرهم يتقاضون مرتباً على الطاقة البدنية أو الفكرية التي يبذلونها كل على حسب موقعه، ولهذا كانت المعاوضة على قدر العطاء. فالذي لديه وسيلة التكسب وله مجالٌ في إعمالها يعتبر غنياً بوجود هذه الطاقة، ووجود ما يوجهها فيه ويعود عليه ذلك بالكسب. أما إذا كانت الطاقة موجودة ولكن ليس لها مجال، ولم يجد ما يوزعها أو يصرفها فيه، فهو فقيرٌ يحتاج إلى العطاء، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1464

كتاب الزكاة - باب قسم الصدقات [٢] إن من محاسن شريعة الإسلام أنها حفظت كرامة الإنسان، وصانته عن الابتذال، فإذا كان الإنسان محتاجاً فقد جعل الله له نصيباً في الزكاة، وأمر ولاة الأمر أن يعطوه نصيبه دون أن يحيجوه إلى إراقة ماء وجهه؛ لأن في المسألة ذلة وإراقة لماء الوجه ولهذا حرمها الشرع إلا لمن كان مضطراً إليها فرخص فيها لثلاثة أصناف فقط، ولما كانت الصدقة هي أوساخ الناس حرمها الله على نبيه وآل بيته تطهيراً لهم وتكريماً، وفي هذه المادة بيان لآل البيت ولمن يحل له أخذ الزكاة.

стр. 1465

الأصناف الذين تحل لهم المسألة ويصح إعطاؤهم من مال الزكاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجلٍ تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك) ] . هذا حديث قبيصة يبين النبي ﷺ فيه أن الصدقة لا تحل إلا لواحد من ثلاثة أصناف:

стр. 1466

الصنف الأول: رجل تحمل حمالة الصنف الأول: رجلٌ تحمل حمالة. والحمالة تكون بأن يحمِّل المرء ذمته حقوقاً لغيره، ليس له فيها شيء -كما أسلفنا- كأن يجد طرفين متنازعين على مال، ويقوم النزاع على تحصيل هذا المال، وكلٌ يدعي المال لنفسه، وليس هناك طريق لفض هذا النزاع إلا الصلح؛ لأنه ليست هناك بينة، ولا طريقة يعتمد عليها لإحقاق الحق لصاحبه، فيأتي هذا الشخص ويتدخل بينهما بالصلح فيتحمل المال المتنازع عليه بينهما في ذمته، ويصطلحان على ذلك، فهذا الشخص المصلح ليس عنده مال يدفع منه تلك الحمالة، أو أن عنده مالاً ولكن لا يريد أن يرهق نفسه، ففي هذه الحالة يجوز له أن يسأل الناس ليجمع مقدار الحمالة التي تحملها. فهذا الشخص نحن نعرف أنه غني بأملاكه، وبكسبه، وبمزروعاته، وبعمائره، فيأتي ويقول: أنا يا جماعة الخير! تحملت بين فلان وفلان مبلغ كذا، أريد أن تجمعوا لي منه، فحينئذٍ يجوز لكل إنسان يستطيع أن يدفع شيئاً أن يقدم إليه مساعدةً في حمالته. ومعلوم أنه لن يعلم أحد مقدار ما جمع بالنسبة للحمالة، فقد تكون الحمالة مائة ألف وهو يسأل، ثم لا يعلم أحد كم جمع في هذا المجلس، ولا في ذاك المجلس؟ ولا كم حصل عليه؟ فتكون حاجته للمسألة أمر بينه وبين الله. فإذا جمع بالمسألة التي حلت له بموجب الحمالة مقدار الحمالة فليمسك، ولا يحق له أن يأخذ شيئاً زائداً عن حمالته؛ لأن الناس لا يعطونه لشخصه، إذ هو غني في الأصل، ولا يحق له أن يأخذ لشخصه شيئاً، إنما أخذ من أجل الحمالة، ومن أجل الإصلاح، وقد حصل على مقدار الحمالة فانقطع سبب السؤال الذي أحل له المسألة. وهنا كما قالوا: يُعطى ولو كان غنياً، من أجل مساعدة أهل المروءة وأهل النجدة، وأهل المعروف، حتى لا يتكاسلوا ولا يتراجعوا عن التدخل في الإصلاح بين الناس، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] ، ولهذا حل له أن يطلب ويسأل ويصرح، سواء أخذ من بيت مال المسلمين من الزكاة، أو أخذ من الأفراد، فكل ذلك جائز له، فإذا حصل على مقدار الحمالة فليمسك عن السؤال.

стр. 1467

الصنف الثاني: من أصيب في ماله بجائحة قال: [ (ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش) ] . الصنف الثاني: رجل أصابته جائحة، والجوائح كثيراً ما تكون في الزروع، وقد تصيب غير الزروع، والأصل فيها: أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. ومثال الجائحة أن يأتي إنسان إلى مزرعة بعد أن ظهر في ثمرها الصلاح وحلّ بيعها، فاشتراها على أنها مبقاة في أرضها أو في نخيلها، حتى ترطب، ثم يأخذها إلى السوق، فجاءت جائحة: كرياح عاتية، أو برد شديد، أو أي آفة من آفات الزراعة وأفسدت تلك الثمرة، وأصبح المشتري لا يستطع أن يستفيد مما اشتراه شيئاً. فالرسول ﷺ أمر بوضع الجوائح، بمعنى أن على صاحب البستان أن يرد الثمن للمشتري؛ لأن المشتري لم يستفد شيئاً، وقد ثبت في الحديث: (فبم يأكل أحدكم مال أخيه؟) . أنت بعتها عليه مثلاً بعشرة آلاف، فجاءت الجائحة وأفسدتها، فبأي وجهٍ تأخذ العشرة آلاف هذه وتأكلها؟ ليس لك وجه حق؛ لأن المشتري لم يستفد من الثمرة شيئاً، فالجائحة لم تنزل عليه إنما نزلت على مزرعتك وفيها الثمرة المباعة. والجوائح ليست من الأرض أو من فعل الخلق، إنما هي من فعل الله ، فهي آفات سماوية كما يقولون. ومثال آخر للجائحة: لو كان هناك سفينة في عرض البحر فهاج بها البحر وتلاطمت بها الأمواج من كل جانب فغرقت، فهذه أيضاً تكون جائحة. فالإنسان إذا أصيب بجائحة في ماله، بعدما كان يعد من كبار التجار والأغنياء، وكانت سفنه تعبر المياه، وكانت سياراته تعبر الصحراء بالبضائع، لكنها أصيبت بجائحة، وذهب رأس ماله في هذه التجارة، ففي هذه الحالة يجوز له أن يسأل لكن هل له أن يسأل حتى يصيب العوض لكل ما ذهب منه؟ كالسيارة التي فيها مائة ألف، والباخرة التي فيها من البضاعة ما قيمته نصف مليون، والبستان الذي فيه ما يعادل خمسمائة ألف، فهل يسأل حتى يصيب قيمة ما تلف عليه، سواء كان في البستان أو في الباخرة، أو في السيارة؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس في باب معاوضة ومثامنة مع الله، وإنما نظراً لاجتياح ماله، ولأنه أصبح صفر اليدين؛ فإنه يسأل حتى يصيب قواماً من عيش، أي: الذي يقيم معيشته، والذي يقيم حاجته، ويستغني بما يجمعه عن تكفف أيدي الناس، فإذا أصاب قواماً من عيش فليمسك، وله أن يبدأ تجارته من جديد، والله هو الرزاق. إذاً: هناك فرقٌ بين الأول والثاني، فالأول له أن يسأل حتى يستوفي كامل حمالته، وأما الثاني فإنه يسأل إلى أن يصيب قواماً من عيش، وهو الذي تكون به معيشته، ويصبح كما يقال: كعامة الناس، ثم يمسك عن المسألة.

стр. 1468

الصنف الثالث: من أصابته فاقة قال: [ (ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش) ] . الصنف الثالث الذي تحل له المسألة: شخصٌ أصابته فاقة، لا بجائحة وقعت عليه، ولكن بطبيعة حاله، كما لو كان يشتغل بالبيع والشراء والسوق ينشط ويكسد، والتجارة ربح وخسارة، فكسد بيعه وخسر في التجارة، فهو بهذا أصابته فاقة وفقر. ومثل هذا لو عجز عن العمل في وظيفته أو صناعته فتركها، أو أن صناعته لم يبق لها سوق، واستبدلها الناس بأخرى تغني عنها، وأصبح لا يحسن شيئاً غير الذي كان يحسنه أولاً، وجاءت هذه الأشياء المستحدثة وعطلت صناعته، مثاله: ما كنا نشاهد قبل زمن من صناعة الجلود الوطنية، كالقراب، والنعال، وأشياء أخرى، والآن أصبحت هذه الأشياء مستوردة وبربع القيمة وتؤدي خدمة أكثر من الصناعات الأولى، وأصبح لا يستعمل المصنوعات المحلية إلا بعض أهل البوادي، فجاءت الآن الثلاجة، وأصبحت هذه القربة الآن -كما يقولون- من التراث القديم. فإنسان كانت صنعته أن يعمل القراب ويبيعها، ويصنع النعال ويبيعها، وهذه صناعة وطنية، لكنها أصبحت الآن ليس لها رواج، وبالتالي يصاب صاحبها بالفاقة بسبب تعطيل مهنته. ومثل هذا أيضاً الوراقون الذين كانوا يكتبون الكتب لطلبة العلم، فقد كسدت حرفتهم؛ لأن المطابع الحديثة الآن صارت موجودة، وهي تدفع بالكتب إلى الأسواق بكميات كبيرة. فإذا كان هناك إنسان أصابته فاقة سواء بسبب كساد عمله وتفويت باب رزقه الذي كان معتاداً عليه، أو أن السوق هبط ولحقته الفاقة بعدم وجود الربح في سلعته أو في السوق بصفةٍ عامة، وأصبح فقيراً ذا فاقة، ففي هذه الحالة تحل له المسألة إلى أن يصيب قواماً من عيش. كذلك هنا لا نقول: إنه قد حلت له المسألة إلى أن يعوض كل ما فقده، أو إلى أن يرجع إلى ما كان عليه في نشاط تجارته؛ لأن المقصود أن لا يبقى يتكفف الناس بالسؤال، بخلاف الزكاة؛ لأن الزكاة مفروضة له، فلو أعطي من الزكاة بدون مسألة عطاء أياً كان مقداره فلا شيء عليه، ما دام لم يتكفف الناس السؤال، ولم يرق ماء وجهه أمام الناس لما جاء عن عمر ﵁: (أنه أعطاه النبي ﷺ عطاءه، فقال: يا رسول الله! أعطه من هو أحوج إليه مني) ، أي: أنا في غنىً عن هذا والمحتاجون كثير، فأعطه من هو أحوج مني، (فقال: يا عمر! ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفسٍ إليه فخذه، فإن شئت تمولته، وإن شئت تصدقت به) ، أي: فأنت تملكه وليس عليك في ذلك شيء؛ لأنه جاءك من غير مسألة. إذاً: في هذا الحديث بيان متى يجوز للإنسان أن يقوم ويتكفف ويسأل: يا فلان! أعطني، يا أيتها الجمعية الفلانية أعطيني، أنا حالي كذا وكذا، إلا أنه جاء فيه القيد في الصنف الثالث الذي أصابته فاقة. قال: [ (حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة) ] . نحن عندنا ثلاثة أصناف: صنف تحمل حمالة، وصنف اجتاحت ماله جائحة، وصنف أصابته فاقة، ولم يأت قيد الإشهاد من ثلاثة من ذوي الحجى إلا على من أصابته الفاقة، فلماذا جاء هذا القيد؛ وهو أن يأتي بثلاثة شهودٍ ليسوا عاديين، ولكن من ذوي العقل والفطنة والمعرفة بحياة الناس؟ وما الفرق بين الأصناف الثلاثة، حتى يشترط للثالث الذي أصابته الفاقة أن يشهد له ثلاثة من أرباب الحجى، من أهل محلته الذين يعيشون معه؟ ولماذا الذي تحمل حمالة والذي أصابته جائحة لم يطالبا بأن يقدما شهوداً؟ الجواب: الجائحة لا تحتاج إلى إشهاد عليها، فهي بنفسها شاهدة على نفسها، كإنسان كانت بساتينه قائمة والثمرة موجودة فيها، فأتت عليها رياح شديدة، فأفسدتها؛ فسيقول الناس عنه: مسكين! كسرت الرياح نخله وأطاحت بثمره؛ فهذه الجائحة بنفسها ظاهرة لا تحتاج إلى إثبات ولا تحتاج إلى إشهاد عليها. وكذلك الذي تحمل حمالة، ليس عمله في السر، فهؤلاء أناس متنازعون، والنزاع معروف عند الجميع، فهذا جاء وأوقف النزاع، وعلم الجميع أنه كان سبب إيقاف النزاع، وأنه تحمل لهم. إذاً: الذي تحمل حمالة، ومثله الذي أصابته جائحة لا يحتاج إلى الإشهاد؛ لأن حالته شاهدةٌ عليه وشاهدةٌ له، أما من كان ظاهره اليسر بين الناس، ويلبس كالمعتاد، ولكن شأنه في بيته لا ندري عنه، ولكنه في الواقع من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣] ، فهو يبعد عن نفسه منظر الفقر والحاجة؛ إعزازاً لنفسه وكرامةً لشخصه وابتعاداً عن التهم، وهو في حقيقة الأمر محتاج وعنده فاقة. فهنا لما كانت حالة الفاقة خفية احتجنا فيها إلى إشهاد ثلاثة أشخاص معروفين من ذوي الحجى -أي: العقل- يعرفون مكسبه ومصرفه، وأن مصرفه أكثر من مكسبه، ونحن الآن نجد صوراً عديدة وكثيرة جداً من هذا الباب، ولكنها قد تكون خفية في أبناء المجتمع، فقد تجد إنساناً في الصباح وتسأله أين تذهب؟ يقول لك: أذهب إلى العمل، وفي الظهر تلقاه وتقول: من أين أتيت؟ يقول لك: من العمل، وتراه يركب سيارته وثيابه نظيفة ومتميزة، ولكن راتبه على هذا العمل أربعة أو خمسة آلاف، وعنده زوجتان وكل واحدة عندها خمسة أو ستة أولاد، ويحتاج إلى شقتين، ويحتاج إلى كذا وكذا، فماذا يصنع براتبه بجانب هذه التبعات؟ فهذا أصبح مصرفه أكثر من مورده وأصبح في فاقة، ولذلك يعطى من الزكاة؛ لأن المسكين عند العلماء من كان دخله أقل من مصرفه. وعلى كلٍ: فهذا الشخص يحتاج إلى ثلاثة عقلاء يشهدون لله أن مرتبه كذا، وإذا كان في آخر النهار فهو يتسبب في كذا، مثلاً: يذهب يبيع ويشتري في السوق، أو يعمل سواق (تاكسي) أو يعمل عملاً حراً، فيشهدون أنهم يعرفون دخله ويعرفون مصرفه وكثرة نفقاته، وأنه ليس عنده ما يوفره، وليس عنده ما يكمل حاجة أولاده وعياله، فهذا في فاقة؛ فإذا كان مديناً فإنه يوقف الطلب عنه، وهذا ما يسمى (بإثبات الإعسار) ، إذا استدان وجاء الدائنون يطالبونه فاعتذر وقال: ليس عندي ما أوفيكم به فأنا في فاقة، ومدخلي لا يفي بمصرفي، فإذا شهد ثلاثة من ذوي الحجى على تلك الحالة أُوقف عنه الطلب، وأنظر إلى ميسرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] . فهذا هو الصنف الثالث الذي يحق له أن يسأل الناس وله عليهم أن يعطوه؛ لأنه ممن يستحق، وقد يكون أولى بعشرات المرات من الشخص الذي لا تعرفه ويطوف على الناس، متخذاً المسألة مهنة. وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (من سأل الناس تكثراً لقي الله وليس في وجهه مزعة لحمٍ) ، وفي قصة الرجل الذي مات وقدم للصلاة عليه، فقال ﷺ : (هل ترك شيئاً؟ قالوا: نعم، ثلاثة دنانير، قال: ثلاث كيات من نار) ، لماذا هذا الوعيد والناس قد تترك مئات الملايين؟ والجواب: أنهم ما كانوا يتكففون الناس بالسؤال، وما كانوا يتكثرون بالمسألة، بل كانوا يعملون، وكانوا يديرون أموالهم ويربحون، ولا مانع يمنعهم فهذا عبد الرحمن بن عوف ﵁ تصدق بقافلة بكاملها، وعثمان رضي الله تعالى عنه موَّن جيش العسرة بكامله، فهذا إذا مات كم يكون قد ترك في تركته؟ لكن هذا الرجل الذي دعا عليه ﷺ بثلاث كيات من النار مقابل الثلاثة الدنانير، كان يسأل الناس، والذي يسأل الناس لا يجوز له أن يسأل إلا مقدار حاجته يومياً، فإذا مات وكفن عنده رأس مال قدره ثلاثة دنانير، فيكون معنى هذا أنه كان يسأل آخر مسائله عن غنىً؛ لأنه لديه ثلاثة دنانير، ولا يحق له أن يسأل وعنده مثل هذا. إذاً: هذا الذي أصابته فاقة يحتاج إلى إقامة الشهادة، والشهادة فيها شهادة خاصة بأن تكون من ثلاثة من ذوي الحجى ممن يعرفون حالته، فإن شهدوا على أنه أصابته فاقة فحينئذٍ له حق المسألة، وإن كان مديناً أُوقف الطلب عنه حتى يُيسر، والله تعالى أعلم. [ (قال: فما سواهن من المسألة يا قبيصة! سحت يأكله صاحبه سحتاً) رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان] . أي: وما سوى هذه الثلاث الحالات فما يأكله -أي ما يأخذه- صاحبه يكون سحتاً، والسحت: هو أشد ما يكون من أكل أموال الناس بالباطل.

стр. 1469

تحريم الصدقة على آل البيت قال المصنف ﵀: [وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: (قال رسول الله ﷺ : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) . وفي رواية: (وإنها لا تحل لمحمدٍ ولا لآل محمد) رواه مسلم] . هذا البحث يأتي به المصنف ﵀ تتمةً لمن لا تحل لهم الصدقة، وقد عرفنا فيما تقدم أن الصدقة لا تحل لغنيٍ ولا قويٍ متكسب، وتحل لثلاثة نفر وهم الذين ذكرهم في حديث قبيصة. فجاء المصنف بهذا الحديث وفيه: (أن الصدقة لا تحل لمحمدٍ ولا لآل محمد صلوات الله وسلامه عليه) ، والأخبار في هذا كثيرة، وقد تقدم حديث: (من أداها طيبةً بها نفسه فبها ونعمت، ومن منعها أخذناها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربنا، لا يحل لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ منها شيء) . وقد سبق التنويه في أول كتاب الزكاة إلى أن الله كلف رسوله بجمعها وتقسيمها، مع أنه لا يحل له منها شيء، وقلنا: إن في عفة الرسول ﷺ عن أموال الناس -وآل بيته تبعاً له- سداً ومنعاً لتلك السهام الآتية ممن في قلوبهم المرض، فلو قام وجمعها وأخذها وشطر المال إذا امتنع صاحبها من أدائها، وكان له من الزكاة ما شاء، كالربع أو الخمس، لقال القائلون من مرضى القلوب: ما قام ولا تعب ولا تكلف جمعها إلا لأن له حظاً فيها، ولكن حينما يُمنع منها بالكلية وتحرم عليه ﷺ ، فإذا قام ﷺ واجتهد فيها وجمعها فلا يمكن لأي نفسٍ مريضة القلب أن تتهم رسول الله ﷺ في أخذها وجمعها بأي تهمةٍ أو شبهة؛ لأنها محرمة عليه. إذاً: فلماذا يفعل هذا؟ الجواب: يفعله طاعةً لله، وحفظاً للمسكين من أن يريق ماء وجهه عند الناس. ومما جاء أنه فعله ﷺ تحرزاً وتحفظاً في هذا الباب: (أنه كان يمشي ومعه الحسن ﵁ -وهو طفل صغير- فرأى تمرةً في الأرض فالتقطها ووضعها في فيه، فنهاه وقال له: كخ كخ وأدخل إصبعه في فيه وأخرجها منه، ثم قال: لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لتركتها له يأكلها) . فهنا قال: (أخشى أن تكون) ، فما بالك بالتي هي من الصدقة يقيناً! فهي محرمة عليه من باب أولى.

стр. 1470

سبب تحريم الصدقة على آل البيت ثم بين هنا في هذا الحديث سبب التحريم فقال: (إنما هي أوساخ ... ) ، يا سبحان الله! هذه تمرة تشتهيها النفس، فكيف تكون أوساخاً والدينار الأحمر الذي يلمع وله بريق يخلب الأنظار، كيف يكون أوساخاً الثوب الجديد الذي لم يلبسه أحد، يشتريه المزكي من الدكان من النوع الجيد وهو جديد، من المصنع إلى الدكان إلى يد المسكين، فكيف يكون أوساخاً؟ قالوا: الصدقة تكفر الذنوب، والصدقة تطهر المال، فكأن الصدقة بطيبها تحمل عن صاحبها كل أوساخه المعنوية، ومن هذا قول الإمام أبي حنيفة ﵀ بنجاسة الماء الذي يمر على البدن، ويُرفع به الحدث الأصغر أو الأكبر، فاعتبره متنجساً بما حمل من الحدث، فلو أن إنساناً دخل الحمام ومكث فيه ساعة، وجعل يتليف بالصابون والشامبو، ثم خرج من أحسن وأنظف ما يكون، ولكن عند خروجه أراد أن يلبس ثيابه وفي حركةٍ ما مس فرجه، فانتقض وضوؤه، فتوضأ، فماء الوضوء الذي مر بهذا الجسم الذي مكث ساعةً في الحمام، ولم يخرج ولم يعرق، ما الذي نجسه؟ يقول الإمام أبو حنيفة: حلَّ فيه الحدث الذي من أجله توضأ، والحدث نجس. هكذا يقول ﵀، وإن كان العلماء ناقشوه في هذه المسألة، والذي يهمنا هنا أن الصدقة أوساخ الناس، والمراد بالوساخة وساخة معنوية. إذاً: مقياس الحلال والحرام ومقياس الطيب والخبيث عند رسول الله ﷺ له اعتبار فوق اعتبارات كل المقاييس؛ لأنه مقياسٌ معنوي لا يصل إليه الإنسان العادي؛ لأن الأوساخ العادية تدرك إما بالعين وإما بالشم، وإما بالإخبار، ولكن عند رسول الله ﷺ المقياس أعمق من هذا كله: (إنما هي أوساخ الناس) وهي أطيب ما تكون في ذاتها وفي نوعيتها، ولكنها لما دخلت في قناة الصدقة أخذت تطهر المال من كل شائبة، وأخذت تزكي صاحبها كما في الآية الكريمة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] ، أي: من كلا الطرفين، فتطهر الفقير من دنس الحقد والكراهية للأغنياء الذين يعطون الزكاة، فلا يكون حاقداً عليهم، وتزكي الغني بما يدفع من ماله. ومعنى (تزكي) : أي: تنمي ماله عوض ما أخرج من المال في الزكاة، ففيها تطهير، وما دامت كذلك فهي أوساخ الناس، ولهذا لا تحل للنبي ﷺ ، ولا لآله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. وسيأتي المصنف بزيادة كلام في هذا الباب، وقد سبق أن أشرنا إلى أن آل البيت إذا لم تعد هناك غنائم، ولم يكن هناك الخمس، فهل يُعْطون من الزكاة إذا كانوا أصحاب فاقة وحاجة؟ أشرنا بأنه من الضروري أن يُعطوا؛ لأنهم حينئذٍ يأخذون بوصف الحاجة لا بوصف القرب من رسول الله ﷺ .

стр. 1471

آل البيت هم بنو هاشم وبنو المطلب قال المصنف ﵀: [وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله! أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحد) رواه البخاري] . تقدم في الحديث الذي قبل هذا قوله ﷺ : (إن الصدقة لا تحل لمحمدٍ ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) ، ثم جاء المصنف ﵀ بهذا الحديث ليبين من هم آل محمد صلوات الله وسلامه عليه. وآل الرجل هم أقاربه من العصبة، فيقول: (ذهب جبير بن مطعم وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ وقالا: يا رسول الله! أعطيت بني المطلب ولم تعطنا ونحن وإياهم سواء) ، فقال ﷺ : (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحد وذلك أن) جبير بن مطعم وعثمان بن عفان يلتقيان مع النبي ﷺ في عبد مناف،فـ عثمان، هو عثمان بن عفان بن عبد شمس بن عبد مناف، وكذلك جبير بن مطعم، فنسب عثمان يلتقي مع النبي ﷺ في الجد عبد مناف، ولكن هاشم أقرب من عبد مناف إلى النبي ﷺ . وبنو المطلب وبنو هاشم لم يفترقوا، بل هم شيءٌ واحد، فقد جاء في بعض الروايات: (لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) ، وقد بيَّن أصحاب النسب والسيرة أنه لما كتبت الصحيفة الظالمة بمقاطعة بني هاشم انضم بنو المطلب معهم ودخلوا الشعب، سواء من كان مسلماً ومن كان غير مسلم، ولم يخرج عن ذلك إلا أبو لهب لما كان منه من عداوةٍ لرسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ يشترك معه في جده عبد المطلب، وهكذا العباس وحمزة وأبو طالب، يشتركون مع النبي ﷺ في الجد عبد المطلب. ثم جاء لـ أبي طالب علي وجعفر وعقيل، وجاء للعباس عدة أبناء، فـ العباس رضي الله تعالى عنه عم رسول الله، وحمزة رضي الله تعالى عنه عم رسول الله، وكذلك أبو لهب عمه، ولكنه لم يسلم ولم يكن له شيءٌ من الفيء أو من خمس الخمس، وليس ممن تحرم عليهم الصدقة. وقيل: إن أبناء أبي لهب منهم من أسلم في حياته ﷺ وشهد خيبر، وقيل: إنهم أسلموا بعد وفاة النبي ﷺ ، فمن أسلم من أولاد أبي لهب فيدخل في آل البيت نسباً، وأما من لم يسلم فإن الإسلام قد فرق بينهم. إذاً: من ثبت أنه يلتقي مع النبي ﷺ في هاشم أو في عبد المطلب؛ فإنهم يكونون سواء وتحرم عليهم الصدقة، هذا الذي أراده المصنف ﵀ في إيراد حديث جبير بن مطعم. وقد سبق أن قدَّمنا أن آل بيت رسول الله ﷺ كان لهم خمس الخمس، فكان يغنيهم عن الصدقة، وأشرنا إلى أن هناك من قال: إنهم إذا انقطع عنهم ما كان لهم من خمس الخمس؛ فإنه لم يبق لهم واردات، فيأخذون كما يأخذ عامة الناس لوجود وصف الحاجة فيهم.

стр. 1472

جواز أخذ آل البيت من صدقة التطوع بعد تعطل الخمس وجاء عن الإمام أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه: أن آل البيت لا يأخذون الصدقة التي هي الفريضة، التي جاء فيها أنها أوساخ الناس، أما صدقة التطوع فيأخذونها لأنها كالهدية، فلا بأس أن يُعطوا من الصدقة التي ليست بفريضة وليست بنذر ولا بكفارة، وإنما هي تطوع من صاحبها، فإنها تشبه الهدية فلا تحرم على آل بيت رسول الله ﷺ . وكذلك إذا تعطل نصيبهم من الغنيمة أو من الفيء فلم يبق لهم إلا بيت مال المسلمين، فلهم أن يأخذوا من الزكاة سواء من الفريضة أو التطوع لحاجتهم وانقطاع موردهم، فهذا هو ما يقتضيه الواقع، ولا ينبغي أن يترك آل بيت رسول الله ﷺ للفاقة والحاجة على أنهم لا تحل لهم الصدقة، فالصدقة لا تحل لهم حينما كان هناك عوضٌ عنها، أما إذا لم يكن هناك عوض فإنهم يستحقون منها، بل هم أولى من غيرهم لصلتهم برسول الله ﷺ . وقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يعرفون لآل البيت مقدارهم ويكرمونهم ويعظمون شأنهم في سبيل الله، محبةً لرسول الله ﷺ ، واعترافاً بفضل صلتهم برسول الله ﷺ . ونحن نعلم جميعاً ما جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه حين خرج بالمسلمين ليستسقوا، فقال عمر: (يا عباس! قم فادع لنا، ثم قال: اللهم! إنا كنا نستسقي برسول الله ﷺ ، وقد توفي رسول الله ونحن نستسقي بـ العباس عم رسول الله) ، فلكونه رضي الله تعالى عنه عم رسول الله اختاره عمر، مع وجود عمر بذاته ووجود عثمان وغيرهما من الصحابة الكرام الأجلاء رضوان الله عليهم، فلم يختر عمر أحداً، بل ولم يتقدم هو بنفسه مع أنه هو الخليفة، ولكن قال: (نستسقي بـ العباس عم رسول الله ﷺ ، فعرف للعباس مكانته من رسول الله ﷺ ، فقدمه ليستسقي لهم وقال: (قم يا عباس فادع ونحن نؤمن) . وتجدون في بعض الآثار: (إن الأئمة وفداؤكم إلى الله ، فانظروا من توفدون إلى الله) ، فالإمام الذي يؤم الجماعة هو وافد القوم إلى الله؛ لأنهم قدموه بين أيديهم إلى الله ليسأله، وليؤمهم ويدعو ويشركهم في الدعاء، وهكذا قال ﷺ : (أحقهم بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله) ، وهنا عمر رضي الله تعالى عنه قدم العباس؛ لقرابته من رسول الله ﷺ . ونحن الآن إذا كنا في أمر فيه المفاضلة بين الناس كالإمامة، والقضاء والتعليم ونحو ذلك، ووجد من آل البيت من يساوي غيره، فقرابته من رسول الله ﷺ ترجحه على غيره ما دام مساوياً له.

стр. 1473

موالي آل البيت منهم فتحرم عليهم الصدقة قال المصنف ﵀: [وعن أبي رافع ﵁: (أن النبي ﷺ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لـ أبي رافع: اصحبني؛ فإنك تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي النبي ﷺ فأسأله) ] . بعد أن بين المصنف ﵀ من هم آل البيت؟ أتبع ذلك ببيان من هم أتباع آل البيت، وذلك في قوله: (إن رجلاً بعثه النبي ﷺ على الصدقة ... ) ، أي عاملاً له على جمع الزكاة. ونحن نعلم أن العاملين عليها لهم أجرهم منها، فقال لـ أبي رافع: اصحبني، واذهب معي لعلك تصيب من مال الزكاة، أي: من سهم العاملين عليها. فهنا توقف أبو رافع، وقال: لا، حتى آتي رسول الله ﷺ وأسأله، وهذه هي النعمة الكبرى على الرعيل الأول، أن ما يطرأ لهم من أحكام أو ما يطرأ لهم من أحداث أو من مسائل مستجدة يحوك في نفوسهم منها شيء أو يجهلونها، فإنهم سرعان ما يرجعون إلى رسول الله ﷺ فيبين لهم الحكم فيها. ولهذا كان وجوده ﷺ في الصدر الأول نعمة عظيمة؛ لأنه كان يبين لهم الأحكام في الأحداث التي كانت تستجد، فهذا الرجل الذي كُلف بالعمل على الصدقة لقي في طريقه أبا رافع، فقال له: تعال معي لعلك تصيب من العمالة، وهنا أبو رافع لا يعلم هل يصح له أن يذهب مع هذا الرجل أم لا؟ وهل يسمح له بأن يذهب معه أم لا؟ وهل هذا التكليف خاصٌ بهذا الرجل فلا يحق لأحد المشاركة فيه، أم أنه يجوز أن يشاركه؟ وبعضهم يقول: كان الرجل يريد أن يولي أبا رافع العمالة على جهة من الجهات التي ولي عليها، فتكون هذه تولية من الرجل لـ أبي رافع في عملٍ قد كلَّف به رسول الله ﷺ ذاك الرجل نفسه، فـ أبو رافع لو ذهب فستكون ولايته على الجانب الذي يوليه إياه ذاك الرجل وليست ولاية من الرسول ﷺ ، وهل الرجل أعطي الحق في أن يولي غيره؟ لأنه إذا وكل إنسانٌ إنساناً فيجب أن يباشر الموكل العمل الذي وكل فيه بنفسه، إلا الأمور التي لا تتأتى من مثله، أما أن يوكل شخصاً آخر لينوب عنه في بعض الأعمال فليس له حقٌ في ذلك؛ لأن من وكله لم يعطه صلاحية التوكيل عنه. وأيضاً: أبو رافع رضي الله تعالى عنه يحتمل أنه ظن أن تولية الرجل إياه في العمالة على الصدقة ولايةٌ في جمع أموال الناس، وأموال الناس معصومة ولا يحق لأحدٍ أن يأخذها إلا بولايةٍ شرعية، وهل هذا الرجل يملك بأن يولي شخصاً آخر في شيء لم يأذن له فيه رسول الله ﷺ ؟ فتوقف أبو رافع لذلك. وقال: لا أصحبك حتى آتي رسول الله ﷺ وأسأله. قال: [ (فلما أتى رسول الله ﷺ وسأله، قال: لا تذهب معه؛ لأن مولى القوم من أنفسهم أو منهم، وإنها لا تحل لنا الصدقة) رواه أحمد والثلاثة وابن خزيمة وابن حبان] . إذاً: أبو رافع هذا مولى لآل البيت، كما يذكرون في التاريخ أنه كان مملوكاً للعباس قبل إسلامه، فأهداه العباس لرسول الله ﷺ ، فلما أسلم العباس جاء أبو رافع إلى الرسول ﷺ يبشره بإسلام العباس؛ لأنهم كانوا يتوقعون ويرجون إسلامه، فمن فرحه ﷺ بإسلام عمه العباس قال: (أنت حرٌ لوجه الله) ، فأعتقه لكونه بشره بإسلام العباس، وهكذا الجبلة: أن كل من جاءك بخبرٍ سار في أمرٍ شديد عليك أو في أمرٍ تتوقعه أنك ترضيه، فكما سرك وشرح صدرك فأنت تسره تشرح صدره بما تيسر لك. وفي قصة توبة الثلاثة الذين خُلِّفوا، كان كعب بن مالك في بني سلمة -عند مسجد القبلتين- وكان أحد الثلاثة الذين خلفوا وكانوا قد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وقد هجرهم أقاربهم وأرسلوا زوجاتهم إلى أهاليهن، وأصبح الواحد منهم يمشي في السوق ينظر في وجه قريبه أو صديقه فلا يلتفت إليه ولا يسلم عليه، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:١١٨] ، فلما نزلت توبتهم بالليل، وأخبرهم النبي ﷺ بها بعد صلاة الفجر ركب رجلٌ فرساً وركض إليه ليبشره، وذهب رجلٌ فصعد على جبل سلع في أول المدينة وصاح بأعلى صوته: أبشر بتوبة الله عليك يا كعب! فسمع صوت المتكلم قبل أن يصله صاحب الفرس، فوصله صاحب الصوت، وكان عليه رداء فخلعه وأعطاه إياه، وذلك مقابل ما بشره به من نزول توبة الله عليه. فلو جاءك إنسان وأنت تنتظر نتيجة ولدك في الجامعة أو في معهد أو في دراسة مهمة، والنتائج تأخرت، فجاءك هذا الإنسان وقال لك: كنت في الإدارة وسمعت بعض أسماء الناجحين وابنك منهم، فأنت في هذه الحالة ستلتفت حولك لتنظر ماذا تعطيه مقابل هذه البشرى. فـ أبو رافع كان مملوكاً للعباس رضي الله تعالى عنه قبل إسلامه، وأهداه إلى النبي ﷺ ، فلما أسلم العباس جاء أبو رافع وبشر رسول الله ﷺ ، ومجيء أبي رافع ببشرى إسلام العباس كأنه لأجل ما سبق من الصحبة، فهو كان مملوكاً للعباس، وكان يتتبع أخبار العباس، ويتشوق إلى إسلامه، يعني: أنه كان له اهتمام بـ العباس أكثر من اهتمامه بالآخرين بحكم الصلة السابقة بالملك، فلما علم أنه قد أسلم، وعلم أن هذا يسر رسول الله ﷺ أخبره، فلما أخبره بذلك أعتقه مقابل هذه البشرى السارة التي ألقاها إلى رسول الله ﷺ ، ولما أعتقه صار مولىً له، والولاء يكون للمُعتق على المعتَق لقاء عتقه، يرثه به إذا لم يوجد له وارث فرضاً أو تعصيباً. فلما جاء أبو رافع وأخبر رسول الله ﷺ بأن الرجل الذي أرسلته عاملاً على الزكاة طلب مني أن أصحبه، لعلي أصيب من سهم العاملين عليها، قال له ﷺ : (مولى القوم من أنفسهم) أي: فلا تذهب. إذاً: مولى بني هاشم من بني هاشم فلا تحل له الصدقة، وهذا هو الذي أراده المصنف ﵀ في إيراده حديث أبي رافع بعد بيان آل بيت محمد ﷺ ؛ ليبين أن مولى القوم من أنفسهم. والله أعلم.

стр. 1474

حكم أخذ الصدقة من غير سؤال ولا استشراف وإن كان غير محتاج لها قال المصنف ﵀: [وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطاب العطاء، فيقول: أعطه أفقر مني، فيقول: خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) رواه مسلم] . في هذا الحديث قاعدة عامة لجميع الأمة باختلاف طبقاتها وأنسابها، يقول ابن عمر: إن أبي كان يعطيه رسول الله ﷺ العطاء، والعطاء في هذا الباب يحتمل احتمالين: أنه عطاء العمالة على الزكاة، فيكون قد استعمله، أو أنه العطاء الذي كان يعطيه رسول الله ﷺ لأصحابه عند مجيء مال إليه من أي جهة كانت. ونذكر بهذه المناسبة قضية مال البحرين حينما جيء به ووضع في المسجد النبوي، وكان كل من أتى رسول الله ﷺ أعطاه من هذا المال، وجعل أبا هريرة حارساً له، ونعلم قصة الجني الذي كان يأتيه ويأخذ من هذا المال، ليتحقق الذين يتشككون في وجود الجن أو مخالطتهم للإنسان، فقد كان يأتي شيطان في صورة إنسان ويأخذ من هذا المال، فأمسكه أبو هريرة في أول ليلة، فشدد عليه الخناق، فقال الشيطان: أنا من كذا، ودعني فإني ذو عيال وحاجة وفاقة، وأعاهدك ألا أعود، فَرَق له أبو هريرة وأشفق عليه -وهذا خطأ في النظاميات أن يتأثر الإنسان بالعاطفة فيما وكل إليه رسمياً- فتركه. وفي الليلة الثانية جاء أيضاً فأمسكه، فأخذ يعتذر ويكذب ويعطي العهود والمواثيق، وأنه ذو عيال، وذو فاقة، ولن يعود، فأشفق عليه وتركه. وفي الليلة الثالثة أتى فأمسكه أبو هريرة، وقال: لن أطلقك بعد المرتين السابقتين، وسأحتفظ بك إلى أن آتي بك إلى رسول الله ﷺ ليرى رأيه فيك، فقال لـ أبي هريرة: ألا تطلقني وأعلمك فائدة؟ قال: وما هي؟ قال: إذا أردت أن تحفظ مالك من الجن فاقرأ عليه آية الكرسي؛ فإنه لا يمسه ولا يقربه جني، فقبل أبو هريرة منه ذلك وتركه، وقرأ آية الكرسي على المال الذي يحرسه. وفي صلاة الصبح أقبل أبو هريرة على رسول الله ﷺ ، فابتدره متبسماً وقال: (ما فعل الله بأسيرك البارحة يا أبا هريرة؟! فقال: فعل كذا، وفعل كذا، قال: أتدري من تعاني في الليالي الثلاث يا أبا هريرة؟! قال: لا. قال: ذاك شيطان، وقد صدقك وهو كذوب) ، انظر إلى هذا الأسلوب النبوي الذي تظهر فيه المقابلة حيث قال: (صدقك) وقال: (كذوب) ، أي: صدقك فيما أخبرك به عن آية الكرسي، وكذوب في مواعيده التي أوعدك إياها من قبل. وهنا هذا المال كان موجوداً، ومن أخباره أن العباس رضي الله تعالى عنه جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أعطني، قال: خذ الذي تريد، فجاء بردائه ووضعه وحمل عليه فلما أراد أن يحمله عجز عن حمله، فقال: عاوني عليه يا رسول الله! قال له: (خذ على قدر طاقتك) ، قال: فمر أحد أصحابك يعاوني عليه، فقال له: (خذ قدر طاقتك) ، فوضع منه قليلاً، وأتى ليحمله فلم يستطع، وهكذا ثلاث مرات، وهو يقول: عاوني مر أحد أصحابك، فيقول له: (خذ قدر طاقتك) ، حتى صار المال الذي في ردائه قدر ما يستطيع أن يحمله فأخذه وذهب، وتكلم رسول الله ﷺ بكلمات. قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] ، وكان العباس يقول: (والله! لقد وجدنا الأولى، ونحن ننتظر الثانية) . فعطاء النبي ﷺ للعباس هو من مال المسلمين، وعطاء عمر قد يكون من هذا الباب وأنه عطاء كعطاء عامة المسلمين، أو أنه عطاءٌ خاص بالعمالة. وقول عمر: (أعطه من هو أفقر مني) ، كأن عمر رضي الله تعالى عنه ينظر إلى أن الأحق بالعطاء من الصدقات هم الفقراء، ومن كان غنياً عن هذا العطاء من الصدقة فليستعفف، فقال له ﷺ : (خذه فتموله) ، أي: امتلكه وضع يدك عليه، ليكون مملوكاً لك، وبعد أن تمتلكه فشأنك به، إما أن تتموله وتجعله من رأس مالك، وإما أن تتصدق به على غيرك، فتكون هذه صدقةً مستجدة منك أنت. قوله: (أو تصدق به) . أي: تصدق به إذا كنت لا تريد أن تتموله، وتكون هذه الصدقة منك وأجر مالك. ولما كان عمر يرد العطاء؛ لأنه متعفف عنه وقانعٌ بما عنده، بين له ﷺ متى يأخذ ومتى يرد، قال: (وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ) ، أي: إذا جاء العطاء مثلاً فجاء إنسان وقال: متى سيقسم هذا؟ وكم سيخص الإنسان منه؟ فاستشرفت نفسه إليه بسؤاله عن المال: متى جاء هذا المال؟ ومن أين؟ وأمثال هذه الأمور التي فيها تطلع؛ فإذا كنت جالساً وحولك أناس من ذوي الحاجة، وجاء من أعطاهم لحاجتهم، وأنت تنتظر أن يعطيك كما أعطاهم، فهذا هو تطلع واستشراف النفس للمال، وهذا كأنه سؤالٌ بالمعنى؛ لأن نفسك تريده، وهي تتطلع إليه. وأما ما أتاك من هذا المال من غير استشراف نفسك، ولا تطلعك، بل جاء إنسان ووضع في حجرك مالاً، وقال: هذا هدية مني لك، وعطاء مني لك، وأنت لا تعلم به ولا تدري عنه، ولا تطلعت لماله، ولا استشرفت نفسك إلى ما عنده، فأخذته وقلت: جزاك الله خيراً، فهنا تنظر: إن كنت في حاجة إليه، فبارك الله لك فيه، وإن كنت في غنىً عنه فتصدق به على من هو أحوج منك إليه. قوله: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرفٍ ولا سائل) ؛ في هذا تربية نفسية إسلامية عالية تجعل الإنسان غنياً بنفسه، مترفعاً عن أن يتطلع إلى أموال الناس، فضلاً عن أن يأتي ويصرح ويقول لأحد: أعطني، أو يأتي إلى إنسان ويقول: والله! الآن الحاجات في الأسواق غالية، وأصبح المرتب لا يساوي شيئاً، والأولاد يذهبون المدارس، وهي تريد كذا وكذا، فهو لا يقول له: أعطني، ولكنه يشتكي عنده، وهذه الشكوى مقتضاها العطاء. إذاً: أيها الإنسان! شكواك حالك لغيرك ممن هو ذو مالٍ كأنه سؤال؛ لأنك استشرفت إلى ما عنده، وتطلعت إلى أن يعطيك. ومن التطلع إلى مال الناس أن تكون من الناس ولديك لباس لا بأس به، فتتعمد أن تأتي إلى هذه التجمعات بلباس رث، وبحالة سيئة، وبحالة بئيسة تستعطف الناس الذين ينظرون إلى حالك، فيقولون: والله! فلان هذا مسكين، والله إن حاله سيئ فيعطونك؛ فهذا تعرض للناس بالحالة وبالصورة، وكما يقال: لسان الحال أفصح من لسان المقال. فإذا كان الإنسان في غنىً وفي سعة فلا ينبغي أن يستشرف إلى ما في أيدي الناس، ولا أن يتطلع إليه، ولا أن يظهر بمظهر الذي يحتاج، وكأنه يسأل الناس بمظهره بدلاً من سؤالهم بلسانه. فمعنى قوله ﷺ : أن ما أتاك من هذا المال يا عمر! من غير أن تستشرف له نفسك أو تتطلع إليه فخذه؛ لأنك ما عملت من أجله شيئاً، ولا استجلبته لنفسك، ولا أهنت نفسك لأجله، ولا أظهرت نفسك في مظهر الفاقة، فأنت عزيز النفس مكرم، وهذا كرمٌ ممن أعطاك المال وفضلٌ منه، سواءٌ عرفك أو لم يعرفك، فما دام أنه أعطاك بدون سؤالٍ منك وبدون استشراف نفسك إليه وبدون تطلع إلى العطاء منه؛ فليس هناك ما يمنعك من أخذه. فإذا أخذته فإن شئت تمولته وجعلته في رصيدك ورأس مالك؛ لأنه جاءك بوجهٍ شرعي طاهر نقي، وإن شئت تصدقت به، وتصدقك به لنفسك أنت لا لمن أعطاك إياه، وإن كان له في ذلك أجرٌ على مساعدتك، ولكن الأجر يكون لك أنت. قوله: (وما لا فلا تتبعه نفسك) . أي: وما لم يأتك من غير استشراف نفسك أو تطلعك إليه، فلا تتبعه نفسك، فلو جاء إنسان وأعطى الحاضرين وأنت لم يعطك، ولم يعط فلاناً وفلاناً، فلا تتطلع إليه، ولا تتبعه نفسك، ولا تقل: لماذا لم يعطني بينما أعطاهم؟ ونفسك تتبعه وكأن أشعة ترسلها من قلبك إليه: لماذا لم تعطني؟ وكأن لسان حالك يقول: عد وأعطني. فإذا لم يأتك المال بعفة نفس وعدم تطلع وعدم استشراف فلا تتبعه نفسك، أي: لا تظل تفكر: لماذا لم يعطني؟ ولو أعطاني لكنت فعلت، ولكان كذا، فهذا الذي لا ينبغي ولا يليق بذي المروءة، فأنت ليس لديك دين عليه حتى تطالبه، وليس هو ملزم أن يعطيك، وما دام أنه لم يعطك من نفسه ابتداءً وأنت ليست لك عليه طريق بالعطاء، كدين ملزم، أو بجميلٍ يكافئك عليه، أو بشيءٍ من ذلك، وهو في حاله وأنت في حالك؛ فلا تستشرف نفسك إلى هذا المال الذي رأيته ولا تتبع نفسك إياه؛ لأنه لا حق لك به أصلاً، فإذا أعطاك من نفسه بطيب نفسٍ فخذه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم.

стр. 1475

كيفية تقسيم الزكاة على الأصناف الثمانية مما بقي من مباحث هذا الباب أن الله لما عدد مصارف الزكاة، قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] . علماء التفسير والفقهاء يقولون: هل يتعين تعميم الصدقة على هذه الأصناف الثمانية فيقسم بيت المال الصدقة إلى ثمانية أقسام ويعطي كل قسمٍ حظه؟ أو يجوز أن نعطيها كاملةً لبعض الأصناف ولو لواحدٍ منها فقط؟ الشافعي ﵀ يقول: يتعين على مسئول بيت المال، أو المسئول عن قسمة الصدقات أن يقسمها على الأصناف الثمانية، ويعطي كل صنفٍ سهمه، إلا من تعطل سهمه فيرده على الأصناف السبعة الباقية. والصنف الذي يرد سهمه على بقية الأصناف كما جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه هو صنف المؤلفة قلوبهم. فقد جاء المؤلفة قلوبهم إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه بعد موت رسول الله ﷺ ، وقالوا: (أعطنا سهمنا كما كان رسول الله يعطينا) ، فكتب إليهم بسهمهم إلى عامله. وقال: اذهبوا به إلى عمر ليوقعه، فذهبوا به إلى عمر رضي الله تعالى، فلما قرأه الكتاب قطعه، فرجعوا إلى أبي بكر وتبعهم عمر، فلما وصلوا إلى أبي بكر قالوا: أنت الأمير أم عمر؟ قال: هو الأمير إن شاء -إن شاء ترك الإمارة لي وإن شاء أخذها فلا مانع عندي، يعني: إنما هي مسئولية وتكليف بخدمة المسلمين- فدخل عمر، فقال له أبو بكر: (لِمَ مزقت الكتاب يا عمر؟! قال: لا حق لهم الآن في شيء، كنا في بادئ الأمر نعطيهم سهم المؤلفة قلوبهم، أما الآن وقد أعزنا الله بالإسلام فلسنا بحاجة إليهم، فإما أن يبقوا على إسلامهم وإلا فالسيف بيننا وبينهم) ، فتركوا الأمر وذهبوا. وبهذا ندفع ما يقوله بعض المغرضين بأن مما أُخذ على عمر أنه عطل كتاب الله؛ لأنه أوقف سهم المؤلفة قلوبهم بعد أن كان ماضياً، والصحيح أن عمر لم يوقفه، ولكن علَّقه؛ لأن الحاجة إليهم أصبحت منفية، ولم يعد المسلمون في زمن أبي بكر وعمر بحاجة إلى المؤلفة قلوبهم ليدافعوا عنهم، أو ليحموا الثغور التي عندهم، أو ليدفعوا شرور قبائلهم، إنما كان هذا عند أن كان المسلمون ضعفاء، أما الآن وقد أعز الله الإسلام والمسلمين فلا حاجة إلى هذا الصنف؛ فإن بقي على إسلامه ففيه صيانة لنفسه وماله ودمه، وإن عارض في ذلك فالسيف بين المسلمين وبينه. كما أنه رضي الله تعالى عنه أوقف حد السرقة عام المجاعة. يهمنا هنا أن الشافعي ﵀ يقول: إذا تعطل سهم فإن حصته ترد على السبعة الباقية. وبعضهم يقول أيضاً: من قسَّم صدقته بنفسه فليس هناك سهمٌ للعاملين عليها؛ لأنه هو بنفسه قام بتقسيم صدقته. وأما الجمهور فيقولون: يجوز إعطاء الزكاة للأصناف الثمانية بالتساوي ولا يشترط التساوي، ويجوز إعطاء الزكاة لبعض هؤلاء الثمانية، وذلك لقوله ﷺ لـ معاذ حينما بعثه إلى اليمن: (فأعلمهم بأن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) ، ولم يقل: على الأصناف الثمانية، ولم يقل: ترد على الفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب. ، وإنما قال: (ترد على فقرائهم) ، فقالوا: إذا جاز أن تعطى لفريقٍ واحد جاز أن تعطى لبعض الفرق. والنووي ﵀ في هذه النقطة يقول: لو افترضنا كما قال الشافعي ﵀: لزوم تجزئة الصدقة إلى ثمانية أسهم: سهم للفقراء، وسهم للمساكين، وسهم للمؤلفة قلوبهم ... إلى آخره، فهل يشترط على بيت مال المسلمين في سهم الفقراء أن يعم به جميع الفقراء المسلمين؟ أو لو أعطاه لبعض الفقراء أجزأ ذلك؟ قال: فهم متفقون على أنه إن أعطاه لبعض الفقراء أجزأ، فقال النووي ﵀: فما دام أنه يجوز أن نعطي سهماً من أسهم الزكاة لبعض أصحابه فلا مانع أن نعطي الصدقة لبعض أصنافها، وأن نفرد بها صنفاً واحداً، وهذا يرجع إلى نظر الإمام في هذه الأصناف الثمانية، فيقدم الأحق فالأحق. ولهذا يرى العلماء أن من أخرج صدقته بنفسه فلينظر في هذه الأصناف ويعطي الأولوية لمن كان يستحقها، وليس بلازمٍ عليه أن يتتبع تلك الأصناف ويجعل كل جزءٍ لصاحبه. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد ﷺ .
следующие страницы →