Полный текст (2 523 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
معنى الغرة والتحجيل
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) متفق عليه، واللفظ لـ مسلم] .
هذا الحديث لو أن إنساناً تتبع طرقه واحتواه من جميع جوانبه ودلالاته لخرج برسالة كبيرة، وأوسع من رأيتُ ممن تكلم عليه ابن عبد البر ﵀ في الجزء العشرين في كلامه على حديث الموطأ بهذا المعنى.
والمؤلف ﵀ ساق الحديث هنا تتمة لأسباغ الوضوء، وليبين لنا أن إسباغ الوضوء يكون معه غرة وتحجيل.
قوله ﷺ : (إن أمتي يأتون) : (إن) هنا أداة تأكيد، وأداة التأكيد لا تأتي ابتداءً إلا إذا شمت رائحة الإنكار، ولا تُشمُّ رائحة الإنكار إلا عن خبر متقدم، فهل النبي ﷺ جاء ابتداءً وقال: (إن أمتي يأتون) ، أم قال ذلك جواباً في سؤال كان موضع التساؤل؟ ولفظ الحديث أولاً: (إن أمتي) ، والأمة المحمدية هي خاتمة الأمم، وهي قسمان -كما يقولون-: - أمة الدعوة، وأمة الإجابة.
والمراد هنا: أمة الإجابة.
وقوله ﷺ : (يأتون يوم القيامة) أي: بعد البعث يأتون مع سائر الأمم.
وقوله: (غراً محجلين) الغرة: الشعر في ناصية الرأس.
وفي الاصطلاح: بياض في جبين الفرس، تجد بعض الخيل تتميز به.
والتحجيل شعر أبيض في موضع الحجل في يدي الفرس.
والغرة والتحجيل من علامات فراهة الخيل وأصالتها، فما كل الخيل تأتي غراً محجلة، وهي أبرز علامة يتميز بها الخيل.
وقوله: (غراً محجلين من أثر الوضوء) الوضوء يكون في الوجه واليدين والقدمين، والحديث ذكر البياض في الوجه والقدمين، فيكون أيضاً في اليدين تبعاً لهما، أو أنه يحوي الأطراف، فإذا كانت الغرة في الطرف الأعلى، والتحجيل في الطرف الأسفل فيكون قد حوى ما بينهما.
والغرة والتحجيل شعر أبيض ينبت في هذين المحلين، لكن الغرة والتحجيل في الإنسان ليس شعراً ينبت، ولكن يكون نوراً، كما قال تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨] ، فهذا النور من أثر الوضوء.
وقوله: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) قد يقال فيه: بماذا يطيلها؟ والجواب: يطيلها إما في المشبَّه -وهو أعضاء الوضوء- فيزيد على المفروض في الغسل، أو يسبغ الوضوء أكثرَ.
والظاهر أن الطول والقصر في الزيادة ليس في الكمية، وإنما في الكيف.
стр. 142
عمل أبي هريرة ومن خالفه في ذلك
قالوا: كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يغسل يديه إلى المنكب، فقيل: ما هذا يا أبا هريرة؟ قال: أطيل غرتي وكذلك كان يرفع في غسل القدمين إلى الركبة أو إلى نصف الساق.
والمفروض إلى الكعبين، فكان هو يرفعها ويقول: أطيل غرتي.
وذكر بعض السلف ﵏ فقال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فوق سطح المسجد، فغسل إلى كذا، فسألته، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين) .
وغرض المؤلف التأكيد على استيعاب الفرض، وأنه لا مانع من الزيادة، وبيان خصوصية هذه الأمة.
وبعض الناس يقول: الوضوء خاص بهذه الأمة ولكن لا يصح؛ لأنه قال: (إن أمتي يأتون) ومفهوم هذا: أن بعض الأمم الأخرى لا تأتي بهذا، فقالوا: لا وضوء في الأمم الأخرى.
ولكن النصوص جاءت بالوضوء في زمن الأنبياء من قبل، وفي الأمم الماضية فيكون الوضوء ثابتاً للأمم الماضية؛ ولكن آثار الوضوء بالغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، فالوضوء تشريع عام في جميع الأمم ولكن ظهور آثار الوضوء بالغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة.
وبعض العلماء يقول: هل قوله: (فمن استطاع أن يطيل) من قول النبي ﷺ ، أم أنه مدرج في الحديث من قول أبي هريرة؟ أي أنه أخذه من قوله: (أمتي يأتون غراً محجلين) ، واستنبط من ذلك أنه كلما طال الغسل في عضو الوضوء طال النور فيه، فقال: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) .
فبعض العلماء يقول: هذه الزيادة مدرجة من أبي هريرة، وهذا اجتهاد منه لِمَا فهم من قوله ﷺ : (يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء) ، ويؤيد أنها مدرجة، ومن فعل أبي هريرة ومن فهمه أنه لم يُنقل عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا عن رسول الله نفسه أنه جاوز بغسل اليدين المرفق، كما جاء عنه: (وأدار الماء على مرفقيه) .
أما أن يشرع إلى الساق أو إلى المنكب فلم يأتِ ذلك عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحد من الصحابة، ولهذا قالوا: انفرد بهذه الصفة قولاً وفعلاً أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.
وإذا كان انفرد بها الصحابي وخالفه الآخرون نقول: هذا عمل شاذ انفرد به، ويبقى العمل على ما ثبت من السنة وعمل جمهور الصحابة، وينتهي غسل اليد إلى المرفق كما في نص الآية الكريمة: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] .
والرسول ﷺ بين بأن المرفق داخل في الغسل، لما جاء في الحديث: (أدار الماء على مرفقيه) أي: من أول الساعد.
نأتي إلى جو الحديث وما أشرنا إليه من عمومه أو شموله أو سببه:
стр. 143
مناسبة ورود هذا الحديث
قوله: (إن أمتي يأتون) مناسبة هذا الحديث، ومناسبة مجيء (إن) المؤكدة في أوله ما ذكره مالك في الموطأ أن النبي ﷺ خرج إلى المقبرة ومعه بعض أصحابه، فقال: (السلام عليكم آل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ... ) .
يقولون: (إن شاء الله) هنا: ليست للشك ولا للتردد، ولكن للتبرك أو للتأكيد، أو التماس المشيئة بأن اللحاق بهم يكون بهذا البقيع الذي خرج إليه، ويكون هذا مأخوذ من مجموع النصوص التي ذكرها ﷺ في رغبته في أن يُدفن في البقيع، أو أن يُدفن بالمدينة، أو نحو ذلك.
كما جاء في الحديث الآخر أنه ﷺ شهد جنازة، فجلس عندها ونظر في القبر قبل أن تُدخل فيه الجنازة، فجاء رجل ونظر فقال: (بئس مضجع الرجل فقال ﷺ : بئس ما قلتَ قال: يا رسول الله! أردتُ الجهاد في سبيل الله -أي: كون الإنسان يعيش ثم يموت كما تموت بهيمة الأنعام ويُدفن غير محبوب عندي، بل أحَبُّ إليَّ لهذا الرجل أن يذهب ويقاتل ويُستشهد ويدفن في أرض المعركة- فقال ﷺ : نعم الجهاد ولكن ما من بلد أحب إليَّ أن يكون قبري بها منها) : أي: من المدينة.
وهنا يقولون: قوله ﷺ : (إن شاء الله بكم لاحقون) والمراد به: في هذه التربة.
فالمشيئة ليست للتردد، أو هي على عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣-٢٤] .
ثم قال ﷺ : (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أني رأيت إخواننا، قالوا: يا رسول الله! ألسنا بإخوانك؟ قال: لا.
أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون من بعدي فيؤمنون بي، وددتُ أني رأيتهم، وأنا فَرَطُهم على الحوض، قالوا: كيف تعرف من يأتي بعدك ولم تره) أي: كيف تعرف من يأتي بعدك وأنت تقول: (وأنا فَرَطُهم على الحوض) ، والفَرَط: الذي ينفرط من القوم، مثل العِقد ينقطع منه الخيط، وينفرد الحبل ويسبق، وفَرَطُ القوم: من ينفرد عنهم، ويسبقهم إلى الماء ليهيئ لهم الماء من البئر قبل أن يصلوا.
وهذا سؤال استغراب، لا سؤال استنكار ولا استبعاد، ولكن يُشم منه رائحة الاستيضاح.
فقال هنا: (إن أمتي) .
وهناك لفظ آخر يذكره أيضاً مالك أنه قال: (أرأيتم لو أن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في وسط خيل بهم دهم -والفرس الأدهم: هو الأسود الذي ليس مع سواده لون آخر، والبَهْمُ: يطلق على ولد الغنم الصغير، وسمي بَهماً للإبهام؛ لأنه لا يُفصح، والبَهْمُ: الخيل ذات اللون أيَّاً كان لا يخالطه لون آخر، وليس خاصاً بالسواد- قال: أيعرف خيله؟ قالوا: نعم.
قال: فإن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض) .
فهنا تساءلوا: (ألسنا بإخوانك؟ قال: لا.
أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون بعدي، وددتُ لو أني رأيتهم، و) ابن عبد البر ﵀ يسوق في التمهيد حوالي ثلاثين صفحة حول هذا المعنى.
ومن ذلك أنه ﷺ قال في هذا السياق: (يأتون بعدي يؤمنون بي ولم يروني، يودُّ أحدهم لو رآني بماله وأهله) وهذه -والله- صحيحة، فكل مسلم الآن يود لو أنه لو رأى رسول الله ﷺ رؤية حقيقية بعينيه شخصية رسول الله، ولو يفدي ذلك بأهله وماله.
وفي رواية أخرى: (أيُّ الناس خير -أو أيُّ إيمان الخلق أفضل-؟ قالوا: الملائكة قال: وحُقَّ لهم، وما لهم لا يؤمنون والأمر ينزل فوقهم؟! قالوا: الأنبياء، قال: غيرهم.
وحُقَّ لهم، وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟! قالوا: نحن، لا.
قال: غيركم.
وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟! خير الناس إيماناً قومٌ يأتون بعدي يرون أوراقاً مكتوبة يقرأونها فيعملون بها) .
وهناك روايات وآثار وأخبار في هذا المعنى، وقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد في الجزء العشرين ما يقرب من الثلاثين صفحة في مبحث هذا الحديث.
وعلى هذا فحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (إن أمتي يأتون يوم القيامة) لم يأتِ ابتداءً، ولكنه في معرض سياق خبر به أخبر النبي ﷺ ، وتساءلوا لاستغرابهم فجاءهم هذا الجواب مؤكَّداً بـ (إنَّ) فقال: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين) أي: فأعرفُهم بهذه العلامة.
وفي تتمة الحديث: (ليُذادَنَّ رجالٌ من أمتي عن حوضي -أي: يُدفعون ويُحجَبون دون الحوض- فأنادي: أمتي أمتي -أو أنادي: هَلُمَّ هَلُمَّ- فيقال لي -أي: تقول الملائكة-: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! فأقول: سحقاً سحقاً) .
وهذا يذكره ابن كثير أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨] .
لأنه في ذلك اليوم يطفأ نور المنافقين وهم في الصراط، كما قال الله عنهم: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ، فخدعهم الله سبحانه بهذا النور؛ لأنهم خادعوه في الدنيا، كما قال تعالى عنهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] ، وقال تعالى عنهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] .
والمخادَعة من المنافقين هي: أنهم أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، والمخادَعة هنا أنهم بإظهارهم هذا الدين خلاف ما أخفوا أمِنوا على دمائهم وأنفسهم وأعراضهم، وتزوجوا من المسلمين، وأخذوا في الغنائم حصصاً، فعومِلوا معاملةَ المسلمين، والله أجراها عليهم، مع أنهم في داخلهم لا يستحقون شيئاً من ذلك لكفرهم، فالله خدعهم، فتركهم على ما هم عليه في خداعهم حتى إذا كان يوم القيامة وخرج الناس من قبورهم، وبُعِث المنافقون مع المؤمنين، والجميع غرٌّ محجلون المنافق مع المؤمن الصادق، ومشوا في طريقهم كل بغرته وتحجيله فإذا دنوا من الحوض هناك يكون الحجز، فتأتي ملائكة وترد أولئك الناس، فلا يصلون إلى الحوض، وحينما يُردون تُطفأ أنوارهم، ولذا يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ أي: تبقى على بياضها.
وقال تعالى: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] أي: يُسلب نورُها، فحينئذٍ يقفون مكانهم ليس عندهم نور يمشون به، فينادون المؤمنين: ﴿انْظُرُونَا﴾ [الحديد:١٣] .
وقولهم: (انظرونا) هو إما من النظر، وإما من الانتظار، فإن كان من النظر فالمعنى التفتوا وراءكم حتى تضيئوا لنا بنور وجوهكم الطريق.
وإن كان من الانتظار فالمعنى: انتظرونا لندرك المشي معكم في ضوء أنواركم.
قال تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] ، فحينئذٍ المؤمنون تقدموا بأنوارهم، والمنافقون -عياذاً بالله- رجعوا وانطفأت أنوارهم، وبقي المؤمنون على حذر يخافون أن تأتي عقبة أخرى تكون فيها تصفية ثانية، فيدعون كما قال تعالى عنهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [التحريم:٨] أي: ابقِ لنا هذا النور يا رب، فأنت أطفأته عن أقوام، ونحن نخشى أن تكون هناك عملية تصفية أخرى، ويُطفأ عن بعضنا الأنوار، فيسألون الله ويدعونه بإلحاح قائلين: ﴿أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [التحريم:٨] .
فالحديث -كما أشرت- آفاقه واسعة، ومواقفه عديدة، فلو أن إنساناً تتبع وأخذ كل جزئية منه بحديث متوسع متوفر لخرج من الحديث برسالة كاملة.
ونحن الآن في الوقت الحاضر -بصرف النظر عن فعل أبي هريرة في كونه يطيل الغرة، إذ علينا بالسنة الواردة عن رسول الله ﷺ نستطيع أن نسلي أنفسنا بأن هذه بشرى لنا، وهي أن النبي ﷺ يمتدح أقواماً يأتون بعده ولم يروه، ويؤمنون به على غيب يرونه في أوراق مكتوبة.
وهذا هو القرآن الكريم بين أيدينا حفظه الله يقرؤه المسلم، ويؤمن بحميع ما فيه، والرسول الكريم ﷺ يقول: (وددتُ لو أني رأيتهم) ، ويشهد لهم بأن الواحد منهم يود لو ضحى بأهله وماله ليراه ﷺ ، وفي هذه الأوراق التحذير من النفاق والابتداع، ومن التغيير والتبديل، حتى لا يُذاد عن ذلك الحوض الكريم، وهو الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله ﷺ .
стр. 144
التيامن في الأفعال ومحله
стр. 145
التيمن في التنعل والترجل
قال: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره، وفي شأنه كله) متفق عليه] .
قولها: (يعجبه التيمُّن في تنعُّله) أي: لبسه النعل، ولبس النعل جِبِلَّة، فكان يلبسه متيمناً.
ونحن نلبس النعال، ونمشي حفاة، فإذا لبسنا فالسنة أن نبدأ باليمين، وهذا محل التشريع، وهو الكيفية أو الوصف.
قولها: (وترجُّله) الترجُّل هو: تسريح الشعر.
فتسريح الشعر جِبِلَّة ونظافة وحسن مظهر، وفيه عناية الإنسان بصحة شعره، وإذا ما رجَّلته كان فيه القمل والأوساخ، فأنت مضطر لترجيله لنظافتك، ولكن باليمين؛ لأن ذلك هو السنة.
стр. 146
التيمن في الطهارة
قولها: (وطهوره) والطهور عبادة: وبهذا دخلنا في المشروع، فكان يعجبه التيامن في طهوره، وهذا محل الشاهد؛ إذ نحن في باب الوضوء، والوضوء عبادة، وعندنا يد يمنى ويد يسرى، وقدم يمنى وقدم يسرى، فإذا توضأنا نغسل اليمين أولاً.
قالت رضي الله تعالى عنها: (وفي شأنه كله) .
فبدل أن تعدِّدَ كل شيء قالت: (وفي شأنه كله) ، وكلمة (في شأنه) عامة لم يخرج منها شأن من شئونه، فلم يخرج لباسه، ولا نومه، ولا خروجه، ولا دخوله.
ولكن قالوا: هذا العام دخله التخصيص في مسألتين خرجتا من هذا العموم: الأولى: عند خروجه من المسجد، فيقدم الشمال، فهذا أمر خرج عن عموم شئونه.
والثانية: عند دخوله الخلاء، وهذا خرج عن عموم شأنه كله.
стр. 147
حكم التيمن عند العلماء
فأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها تخبرنا بأنه كان يعجبه التيامن.
والأمور التي ذكَرَتْها، كالتنعُّل، وهو لبس النعال والجورب، والترجُّل، وهو تسريح الشعر، وفي لبس الثياب كان يبدأ بالكم الأيمن، كل هذه أمور جِبِلِّية، أي: تطلبها الجِبِلَّة والخِلقة، ولكن الوصف الذي كان يعجبه ﷺ فعله هو التأسي، وهو السنة.
وفي الوضوء والغسل كان يعجبه التيمُّن في وضوئه وغسله.
وسيأتينا في كيفية الغسل أنه ﷺ كان يبدأ فيغسل فرجه، ثم يحتُّ يده بالأرض، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ويؤخر قدميه، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن، ثم يفيض الماء على شقه الأيسر، فحصل التيامن في الغسل.
وعائشة رضي الله تعالى عنها تقول: (كان يعجبه) ، والذي يعجبه حده الاستحباب، وهذا رأي الجمهور، فالتيامن في الوضوء للاستحباب عندهم.
وهناك من غير الأئمة الأربعة من يقول: إن التيامن واجب؛ لأنه ليس هناك مضادَّة، ولا خلاف بين كونه يعجبه وكونه واجباً، والواجب سيعجبه أيضاً.
فقالوا: لا منافاة، فهو واجب يعجبه ولكن التعبير بـ (يعجبه) دون التعبير بـ (يلزمه) ، أو (كان يأمر) ، أو (كان يوجب) يوحي بأن هناك فارقاً.
وبالنظر إلى الأمر في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فإن غسل اليدين في الآية مجمل، وجاء فعله ﷺ مبيِّناً، وقد بدأ باليمنى، فلماذا لا نقول: هو واجب؟ فكان على مقتضى ما تقدم أن يكون التيامن واجباً، لكنهم قالوا: جاء عن الحسن وغيره أن علياً.
قال: (لا أبالي بدأت باليسرى أو باليمنى إذا أتممتُ الوضوء) .
وقالوا: (إنهما كالعضو الواحد) ، ولذا جُمعا في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] فإذا غسلهما بأي صورة ما تيامن أو تياسرَ تم الغسل المطلوب.
فإن قيل: وأين تذهبون عما قاله الأصوليون أن بيانه للمجمل يأخذ حكم المجمل، وغسل اليدين واجب، فيكون بيانه واجباً؟ قالوا: يمنع ذلك ما نقل من الإجماع أنه سنة، وما نقل عن بعض السلف، ولهذا يقول ابن دقيق العيد وغيره: لولا نقل الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن التيامن سنة لكان مقتضى دوام فعله يقتضي الوجوب.
وعلى هذا يكون التيامن من باب السنة، فإذا فعل إنسان خلاف ذلك صح وضوءه ذلك إلا من يقول: لا ينبغي تعمُّد ذلك، ولعل هذا من أحسن الأقوال، فمن ترك التيامن نسياناً وصلى نقول: وضوؤه صحيح، ولكن من تركه تعمداً فهناك الخطر عليه؛ لأن القول بالوجوب بمقتضى بيان رسول الله ودوام فعله، ولم يُنقل عنه مرةً واحدة أنه بدأ بالشمال دون اليمين، فإن هذا كله يقوِّي القول بالوجوب، كما تقول الهادوية وغيرهم، وكما يقول الشوكاني: لولا نقل الإجماع لكان القول بالوجوب قوياً.
والله تعالى أعلم.
стр. 148
التيمن في الوضوء
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأتم فابدأوا بميامينكم) .
أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة] .
الحديث الأول فيه: (كان يعجبه) ، وهذا حكاية فعل، وهنا قال: (إذا توضأتم فابدءوا بميامينكم) .
وهذا الحديث أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، فلا يوجد مطعن في سنده.
وهذا الأمر: (فابدأوا بميامينكم) ، يقوِّي وجه من يقول: إنه واجب، ولا ينبغي تعمد تركه، ويكون الإجماع لمن تركه نسياناً، لا لمن تركه متعمداً.
والقول عن علي رضي الله تعالى عنه يناقَش في سنده أو لا يناقَش! فكلهم متفقون على رواية ذلك عنه رضي الله تعالى عنه.
стр. 149
الترتيب والموالاة وحكمها
انتهى المؤلف ﵀ من مبحث التيامن.
وبقي مبحث الموالاة والترتيب، والترتيب بين أعضاء الوضوء هو كما جاء النص الكريم في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فهذا ترتيب أعضاء الوضوء الذي ورد في القرآن الكريم.
والموالاة يستدل لها بقصة الرجل الذي رأى النبيُّ ﷺ في قدمه لمعة مثل الظفر فقال: (اذهب فأحسن وضوءك) فما قال: اغسل هذه فقط.
وقضية الموالاة بين الأعضاء معناها أنه لو قطع الوضوء عند غسل اليدين واشتغل بشيء ما، أو انتهى الماء عنده، أو جاء طارئ وتبعه وترك الوضوء من أجله حتى جف الماء عن اليدين، وأراد أن يكمل الوضوء، فهل يبني على ما مضى، أو أنه قد فات زمن يكون قد انقطع عما تقدم؟ فبعض العلماء يقول: إن طالت الفرقة أو الفصل بين أعضاء الوضوء استأنف من جديد، وإن لم يطُل الفصل بنى على ما تقدم.
وقالوا: مقياس الفصل طويلاً كان أو قصيراً هو جفاف العضو الأخير الذي غسله وكفَّ عن تتمة الوضوء، كأن يكون غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم سمع منادياً فذهب وطال اشتغاله مع هذا المنادي، ثم رجع إلى وضوئه فإذا يداه جافتان كأنهما لم يمسا بماءً، قالوا: انفصل ما قبله عما بعده فيستأنف وضوءاً جديداً، أما إذا عاد إلى الوضوء ولم تزل بقايا البلل أو الماء على بعض أجزاء من يده الأخيرة -وهي اليسرى- فإنه يكمل ويبني على ما تقدم.
وموضوع الموالاة سيأتي له النص في صفة حج النبي ﷺ ، ويكون الحديث عنده إن شاء الله.
стр. 150
خلاف العلماء في المسح على الرأس
قال رحمه الله تعالى: [وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة) أخرجه مسلم] .
هنا بدأ المؤلف بقضية مستقلة، وهي كيفية المسح على الرأس.
فقد جاء النص مجملاً في قوله سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، فكيف يكون المسح؟ إن الرأس من حيث هو في الوضوء إما أن يكون عارياً، وإما أن يكون عليه العمامة أو العصابة كما يُقال، أو الخمار كما جاء.
فإن كان عارياً، فما الجزء المجزئ في مسحه؟ هناك من يقول: أيُّ معنىً يصدُق عليه المسح -أي: أيُّ مقدار يصدُق عليه المسح فهو مجزئ، وهو قول الشافعية.
ولكن هذا القول حمله بعضهم على التفريط في هذا الأمر، كما قال النووي ﵀: والمنصوص أنه لو مسح ثلاث شعرات أجزأ؛ لأن أقل الجمع ثلاث، وقد أفرط بعض أصحابنا فقال: لو مسح بعض شعرة أجزأ.
ثم يقول: وكيف يتحقق مسح بعض شعرة؟! فقال: إذا ما طلى إنسان رأسه بالحناء، وبرزت شعرة من تحت الحناء -والجزء البارز من تلك الشعرة ليس هو كل الشعرة- فمسح هذه الجزئية من الشعرة، أجزأه.
ولكن يقول النووي: هذا تفريط، وقد ذكرتُه لأنبه عليه، ولا يُغتر به، ولو عظُم قائله.
والقول الثاني: أقل ما يجزئ من مسح الرأس ربعه.
وهو مذهب الأحناف.
المالكية والحنابلة يقولون: الواجب مسح جميع الرأس.
فهناك من يقول: يجب استغراق الرأس.
وهناك من يقول: فيه عموم، فمعناه أنه قد يفوِّت بعض الرأس، وهو أقل شمولاً من القول بالاستغراق.
وخلاصة القول فيما يجزئ من مسح الرأس إن لم يكن عليه عمامة أن العلماء مختلفون في ذلك.
فمنهم من قال: أقل ما يصدُق عليه وهو للشافعية، وفيه ما فيه.
ومنهم من قال: ربع الرأس، وهم الأحناف.
ومنهم من قال: يمسح جميع الرأس.
والجميع متفقون على أن مسح جميع الرأس هو الأفضل، فمن اقتصر على بعضه أو على الربع يقول أيضاً: لو مسح الكل لكان أفضل.
أما إذا كان على الرأس عمامة، فيقولون: لها ثلاث حالات: الأولى: أن يمسح على العمامة وحدها دون أن يمس الرأس.
الثانية: أن يمسح على الناصية تحت العمامة فقط.
الثالثة: أن يمسح على الناصية تحت العمامة ويكمل على العمامة.
فهي حالات ثلاث: فإما أن يقتصر على العمامة كما يقتصر على الخف في القدمين.
وإما أن يقتصر على ربع الرأس وهو الناصية تحت العمامة.
وإما أن يجمع بين الناصية والعمامة.
فهذه الأقوال مجمل ما قيل في مسح الرأس في الوضوء.
أما في الغسل فلا عمامة ولا قلنسوة، وعليه يجب تعميم الغسل.
وهنا حديث المغيرة رضي الله تعالى عنه نأخذه كأصل في المسألة.
فعن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) .
فحديث المغيرة يكون أوفى، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه روى كثيراً من حالات وضوء النبي ﷺ ، خاصةً في سفره معه في غزوة تبوك.
فقوله: (بناصيته) الناصية: مقدَّم الرأس، أي: قدر وضع اليد على مقدَّم الرأس، فهذه هي الناصية.
فلقوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) قال الإمام أبو حنيفة ﵀: إن القدر المجزئ هو المسح على الناصية وقدرها.
وقال: إما أن ينفرد المسح على العمامة، وإما إن ينفرد على الناصية، والمغيرة لم يرِد الجمع بينهما، وإنما أراد أنه مسح على الناصية تارةً، وعلى العمامة وحدها تارةً.
والآخرون يقولون: المغيرة يحكي حالةً واحدة في الوضوء الواحد، وهو أنه جمع بين الناصية والعمامة.
فقال أبو حنيفة: لا يوجد مانع، الناصية قدر الواجب، والتكميل على العمامة أو على الرأس تمام السنة والفضيلة.
وقال: لو كانت العمامة وحدها تجزئ لما كانت هناك حاجة إلى الناصية، ولو كانت الناصية مكملة للفضيلة لما كانت هناك حاجة إلى العمامة، فهو جمع بين المفروض والمسنون، فمسح على الناصية لأنه أقل الواجب في الفرض، وأتم على العمامة؛ لأنه الأكمل والسنة والأفضل.
وعند مالك ﵀ لا يُقْتَصَر المسح على العمامة وحدها إلا للضرورة، كشدة البرد أو الحاجة، كما جاء في قصة التساخين والعصائب والعمائم: (أن الرسول ﷺ بعث بعثاً فاشتد بهم البرد، فأمرهم أن يمسحوا على التساخين وعلى العمائم) ، قالوا: و (التساخين) هي نوع من القماش يُلف على القدم تسخَّن به، وينوب عن ذلك الخفُّ أو الجوربُ المتين.
وكذلك العصائب والعمائم المشدودة على الرأس.
ولمن يجيز المسح على العمامة فقط شرط، وهو أن تكون العمامة محنكة، ومكورة، ويقصدون بالمحنَّكة: التي يأتي طرفها من تحت الحنك ويذهب به مرة أخرى إلى الرأس أي: أنها ثابتة يشق نزعها في كل وقت، فتسهيلاً عليه يمسح عليها.
стр. 151
خلاصة مسألة المسح على الرأس من كلام ابن القيم
وخلاصة لما تقدم يقول ابن القيم ﵀: الثابت عن رسول الله ﷺ في قضية العمامة ثلاث حالات: · فتارةً مسح على الناصية تحتها فقط.
· وتارةً مسح على الناصية وأتم على العمامة.
· وتارة مسح على العمامة وحدها دون الناصية.
وكل ذلك فيه نصوص واردة صحيحة ومن اقتصر على حالة منها أجزأته.
والله تعالى أعلم.
هناك مبحث في هذه المسألة في قضية (الباء) في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِـ.
﴾ [المائدة:٦] : فالشافعية يحملونها على التبعيض ولكن العلماء -خاصة علماء اللغة- يردون هذا، ويقولون: ليست للتبعيض.
وقال الأحناف: هي للإلصاق.
ولا مانع أن تكون للإلصاق وللتبعيض؛ لأنهم يقولون بالمسح على الناصية.
وغيرهم يقولون: إن مجيء (الباء) ليدل على وجود ممسوح به؛ لأنك تقول: مسحت رأس اليتيم أي: مررتَ يدك عليها، ويقول: مسحت يدي في رأس اليتيم.
تعني أن في يدك دهناً مسحته عليها.
وهكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦] ، مع أن الشرب يتعدى بنفسه، تقول: شربت الماء.
أو: شربت ماء العين.
أو تقول: شربت بماء العين.
فقالوا: (الباء) هنا كـ (الباء) هناك.
ولكن يجيبون عن ذلك من جهة اللغة بالتضمين في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بها﴾ فقالوا: ضُمِّن فعل (يشرب) معنىً يتعدى بـ (الباء) ، وهو (يستمتع ويتلذذ) ؛ لأن شرب أهل الجنة ليس عن عطش.
وقالوا في (الباء) هنا: هي للإلصاق.
والشافعية حملوها على التبعيض.
وكان مجيء (الباء) هو سبب لهذا الخلاف والنزاع في جزء ما يمكن أن يُقْتَصَر عليه في الوضوء.
والخلاف فيما يجزئ في مسح الرأس في الوضوء هو عين الخلاف فيما يأتي في قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] ، فهل المراد بـ (رءوسكم) جميع الرأس، أو أن المراد: محلقين رءوسكم ومقصرين من الرأس؟ والخلاف في أية الوضوء لوجود (الباء) ليس كالخلاف هنا؛ لأن هنا لا يوجد (باء) .
والله تعالى أعلم.
стр. 152
كتاب الطهارة - باب الوضوء [٦]
شملت أحكام الوضوء بعض الواجبات والسنن التي أوردها العلماء في باب الوضوء، ومن هذه الواجبات والسنن: الاقتصاد في الماء، وترتيب أعضاء الوضوء، وإسباغ الأعضاء بالماء، والذكر المسنون الذي يقوله العبد في أول الوضوء وعند الانتهاء منه.
стр. 153
مسائل في الوضوء
стр. 154
ما يبدأ به من أعضاء الوضوء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما -في صفة حج النبي ﷺ : قال ﷺ : (ابدأوا بما بدأ الله به) أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر] .
يسوق المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث من صفة حج النبي ﷺ ، ونحن في الوضوء، فما علاقة صفة الحج بأعمال الوضوء؟ لقد أراد المؤلف رحمه الله تعالى الإتيان بعبارة جاءت في صفة الحج صالحة لجميع الأعمال، فجاء بها إلى الوضوء، وهذا لأول وهلة يعطينا فكرة عن المؤلف أنه يرى القياس؛ لأنه سيقيس أعمال الوضوء على أعمال الحج بعموم القاعدة التي جاء بها من صفة أعمال حج النبي ﷺ .
والحديث فيه أن النبي ﷺ لما حج قال: (ابدأوا) أو قال: (أبدأ) والفرق بين الروايتين هو كسر الهمزة وإسناد الفعل إلى واو الجماعة، وفتح همزة القطع، فبكسر الهمزة هو أمرٌ موجه للناس، وبفتح الهمزة هو إخبار عن فعله وإرادته ورغبته فيما يفعل، وذلك في المتساويين: الصفا والمروة، فكلاهما غاية في السعي، والمطلوب سبعة أشواط، فإن بدأت بالصفا وأتيت إلى المروة كان شوطاً، وإن بدأت بالمروة وانتهيت إلى الصفا كان شوطاً، فنحن نعد قطع المسافة بينهما شوطاً، ولكن النص هنا في البداية، فإذا كان الصفا والمروة متساويين من حيث البداية إن بدأنا من هنا أو بدأنا من هنا فهو شوط فمن أيهما نبدأ؟! فلما قال ﷺ : (ابدأوا بما بدأ الله به) والله بدأ بالصفا كان المشروع أن نبدأ بالصفا.
فمن بدأ السعي بالمروة للشوط الأول وجاء إلى الصفا، ثم رجع من الصفا إلى المروة يكون له شوط واحد، وهو رجوعه من الصفا إلى المروة، والشوط الأول الذي بدأه من المروة إلى الصفا يكون لاغياً؛ لأن المروة ليست محلاً لبداية السعي، فيكون فعله الشوط الثاني في حسابه من الصفا إلى المروة هو الشوط الأول من السبعة، عملاً بقوله ﷺ : (ابدأوا) ، سواءٌ أكان أمراً والأمر يقتضي الوجوب، أم كان إخباراً، فقد أحال أيضاً على فعله وقال: (خذوا عني مناسككم) ، فهو بدأ بالصفا وقال: (ابدأوا بما بدأ الله به) .
وفي رواية (أبدأ) تكون قضية خاصة بالسعي؛ ولكن قوله: (بما بدأ الله به) ، لفظة (ما) فيه موصولة، فيتعين إذا كان هناك حكم والأعمال فيه متساوية، وتصح البداءة من أي واحد منها أن نراعي البداية بِمَا بدأ الله به من هذه المتعددات، فيتعين أن نبدأ منه؛ لأن العليم الخبير لا يقدم واحداً من المتساويات إلا لحكمة، فنعمل بذلك، وقلتُ: وذلك ما لم يكن هناك مراعاة لجانب آخر، كالترتيب الزمني.
فمثلاً قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى:١٣] فذِكْرُ نوح ثم ذِكْرُ إبراهيم وموسى وعيسى هو حسب الترتيب الزمني أم لا؟ وإبراهيم هل هو حسب الترتيب الزمني أم لا؟ وهل هم متساوون في الزمن أم مختلفون؟ والجواب: مختلفون.
فترتيبهم الزمني كترتيبهم في النص الذي جاء بإيرادهم، فروعي في ذلك الزمنُ.
فأنت عندما تقول: الله سبحانه شرع لنا من الأديان ما شرع للأنبياء من قبلنا عيسى وموسى وإبراهيم لا مانع من ذلك؛ لأن التركيب جاء مراعياً للزمن، وأنت لم ترد بيان التاريخ.
стр. 155
الآية وترتيبها لأعضاء الوضوء
أعضاء الوضوء المنصوص عليها في الآية الكريمة هي في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] وهذه الأربعة الأركان بالترتيب.
فلو غسلتَ القدمين ثم مسحت الرأس ثم غسلتَ اليدين ثم الوجه فإنك تكون أتيتَ بالأركان المذكورة في الآية.
وكما يقولون: (الواو) لا تقتضي الترتيب، ولكن تقتضي التشريك.
و (ثم) و (الفاء) هما اللتان تدلان على الترتيب والتعقيب، أما (الواو) كمثل: (جاء زيد وعمرو) ، و (زارني اليوم زيد وعمرو) ، فلا تعطي الأولية للذي جاء أولاً، ولا تفيد ترتيب مجيئهما إليك.
فلما كان الأمر كذلك أمكن البداءة باليدين ثم الرجلين ثم الوجه ثم مسح الرأس، فكل هذا ممكن؛ لأنه لا يوجد نص فيما يتعلق بالترتيب.
والآية ذكرت الأعضاء الأربعة في نسق، فجاء الحديث لما سأله رجل: (من أين نبدأ يا رسول الله؟) بياناً لما يبدأ به.
بل كان هناك سؤال قبل ذلك، فلما اقتربوا من مكة قالوا: يا رسول الله! من أين ستدخل مكة؟ ومكة لها مدخلان، كَداء وكُداء، وهما موقعان متقابلان، ولذا يقول بعضهم في هذا من باب الظرافة والدعابة: افتح وادخل، واضمم واخرج.
والمعنى: (افتح) تورية بفتح الباب، والمراد به (كَداء) ، واضمم واخرج أي: من (كُداء) .
فقالوا: من أين ستدخل يا رسول الله؟ وكان أعلاها يسمى (كَداء) ، وأسفلها يُسمى (كُداء) ، وهي مداخل لمكة من بين الجبال، فإذا بالرسول ﷺ يحيلهم على أمر أدبي، وعلى نصرة الدعوة في الشعر الإسلامي، فقال: (انظروا ماذا قال حسان!) .
وذلك أنه هجا أهل مكة فقال: عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كَداءُ فـ حسان يتوعد أهل مكة بمجيء الخيول بكثرة، وبكثرتها تثير النقع أي: الغبار، وموعدها؟ كَداء.
فلما نطق الشاعر المسلم الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه بأحد المتساويين أيده رسول الله، وأيد شعره في نصرة الإسلام، وأمرهم أن يطبقوا قول حسان، فدخلوا من (كَداء) .
ولما دخلوا مكة وطافوا بالبيت وأرادوا السعي لقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] سألوا رسول الله، فقال: (ابدأوا) ، فهي جواب عن سؤال منهم رضي الله تعالى عنهم لما رأوا الطرفين متساويين، وتصح البداءة من أيهما؛ ولكن كان الرسول موجوداً فسألوا: من أيهما تكون البداية؟ فقال: (ابدأوا بما بدأ الله به) .
стр. 156
خلاف العلماء في الترتيب بين أعضاء الوضوء
ننتقل من السعي ووجوب البداية مما بدأ الله به -وهو الصفا- إلى الوضوء.
فلو قال قائل: كيف نتوضأ؟ وبم نبدأ؟ فالجواب: (ابدأوا بما بدأ الله به) ، والله بدأ في أعضاء الوضوء بالوجه.
ومن هنا ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا النص يدل على ترتيب غسل أعضاء الوضوء كما جاء في الآية.
وإلى هنا تمَّ التشريع، وبقي الحكم، فهل هذا الترتيب شرط في صحة الوضوء، أم أنه إذا غاير هذا الترتيب صح الوضوء؟ فالأئمة الأربعة وجمهور العلماء يقولون: لا ينبغي مغايرة هذا الترتيب.
وبعضهم يحكي الإجماع بأنه لو غاير ذلك ناسياً وصلى فلا إعادة عليه؛ لأنه أتى بالغسل المطلوب، و (الواو) في الآية لا تقتضي الترتيب.
ثم يذكرون عن علي رضي الله تعالى عنه في التيامن وفي الترتيب أنه قال: (لا أبالي غسلتُ قدميَّ أولاً أو يديَّ أو وجهي، إذا أكملتُ الوضوء) .
أما اليمين واليسار فيقولون: اليدان والرجلان كالعضو الواحد، فأيهما غسلتَه قبل الآخر تَمَّ غسلهما إذا أوقعتهما في مكانهما.
وعلى هذا لم يقل أحد بأن مخالفة الترتيب الموجود في الآية مبطل للوضوء قطعاً، إلا أنهم يجمعون على أنه السنة، ولا ينبغي تعمُّد خلاف ذلك.
وبعضهم -غير الأئمة الأربعة- يقول: إن تعمد فلا وضوء له، وإن وقع منه نسيان فلا إعادة عليه.
وإذا جئنا إلى السنة النبوية -كما يقول الشوكاني وابن القيم - فلم يؤثر ولم يرِدْ عنه ﷺ ، ولا عن الخلفاء الراشدين -سوى رواية علي، وفيها ما فيها- أن أحداً توضأ عاكساً هذا الترتيب الذي جاء في كتاب الله.
فلا ينبغي عكسه، وإذا قسناه على بداية الصفا والمروة فإننا نعتبر البداءة التي بدأ الله بها.
ثم من ناحية أخرى يقولون: لو نظرنا إلى أعضاء الوضوء الأربعة، فأشرفها الوجه.
فالوجه فيه خصائص تقدمه على غيره، فإذا بدأت بالوجه نزلت بالترتيب إلى اليدين، لكنك تصعد إلى الرأس ثم تنزل إلى القدمين.
ومن هنا قال الشافعي: الترتيب واجب، فمن غير الترتيب فإن وضوءه باطل.
قال: لأن الله سبحانه غاير في تلك الأعضاء بين المتشابهين أو بين القرينين، فاليدان والرجلان متناسقان، ففرَّق بينهما، فأمر بغسل الوجه، ثم بغسل اليدين، وبإمكانه أن ينزل إلى الرجلين؛ ولكنه أمر بمسح الرأس.
فمجيء الرأس بين اليدين والرجلين يدل على أن هذا محل مسح الرأس، فلا يقدَّم على اليدين، ولا يؤخَّر عن الرجلين.
ثم قال من ناحية أخرى: اليدان مغسولتان، والقدمان مغسولتان، والرأس ممسوح، فأدخل ممسوحاً بين مغسولين، فلِمَ لَمْ يجعل المغسولات كلها في نسق وجاء بالممسوح وسطهما؟ فـ الشافعي ﵀ لهذا الأمر قال: الترتيب واجب، ويستوي فيه العامد والمخطئ، فمن نسي فأخلف الترتيب، أو تعمد فأخلف الترتيب فوضوءه باطل.
وبقية الأئمة ﵏ يقولون: إنما الترتيب هو الأكمل.
والشافعي هو الذي قال ببطلان الوضوء إذا اختل فيه الترتيب عن نسقه في الآية الكريمة، مستدلاً بهذا على الترتيب الموجود في وضع أعضاء الوضوء، ومستنداً أيضاً إلى قوله ﷺ : (ابدأوا بما بدأ الله به) .
والله تعالى أعلم.
стр. 157
إدخال المرفق في غسل اليد
قال: [وعنه ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه) .
أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف] .
هنا يأتي المؤلف ﵀ ليبين لنا قضية لغوية وعملاً شرعياً، فالآية الكريمة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة:٦] لم تطلق اليد عن القيد، بل قيدت غسل اليد بـ (إلى) ، و (إلى) حرف غاية، فجعلتا الغايةَ إلى المرفقين، والمرفق هو المفصل؛ لأنك ترتفق به وتتكئ عليه، واللغة تقول: إذا كانت الغاية من جنس المُغَيَّا فهي داخلة فيه، وإذا كانت الغاية من غير المُغَيَّا فليست داخلة.
كقوله : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] فهل الليل داخل في الصيام، أم هو خارج عنه؟ الليل مغاير للنهار، وجُعل الصيام إلى الليل، فالليل خارجٌ عن منطقة الصيام، وإن كان العلماء يقولون: يأخذ جزءاً من الليل تحقيقاً لكمال صوم يوم النهار؛ لكن الليل من حيث هو ليس داخلاً في الصوم، ولذا يقول ﷺ : (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم) .
فلما كان الليل مغايراً للمُغَيَّا -وهو النهار، أو زمن الصوم- لم يكن الليل داخلاً.
لكن هل المرفق داخل في مسمى اليد أو أنه ليس بداخل؟ يقولون: إن كلمة (اليد) يدخل فيها أطراف الأصابع إلى المنكب، وأجزاؤها مختلفة التسمية، فالأصابع أولاً، ثم الكف، ثم الرسغ، فالزند، فالساعد، فالمرفق، فالعضد، فالمنكب، فكل جزء في اليد أخذ اسماً مستقلاً، ولكن الجميع يدخل تحت اسم اليد.
فلما جاءت كلمة (اليد) وغييَ المطلوب غسله من اليد إلى المرافق، كان المراد غسل اليد مع المرافق؛ لأنها جزء من الأيدي.
فجاء بهذا الحديث ليبين لنا أن النبي ﷺ كان إذا غسل يديه أدار الماء على مرفقيه، يعني: شمل المرفق بالغسل، فالمرفق داخل في غسل اليد.
والله تعالى أعلم.
стр. 158
التسمية عند الوضوء وخلاف العلماء فيها
قال رحمه الله تعالى: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) .
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة بإسناد ضعيف، وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه، قال أحمد: لا يثبت فيه شيء] .
قوله: (لا وضوء) (لا) حرف نفي.
و (الوضوء) : عمل محسوس بيِّن وهو غسل أعضاء معينة، والأعيان لا يتوجه إليها النفي.
فعمل الوضوء حاصل، فهو قد غسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه، وغسل قدميه، فالوضوء حاصل.
- فكيف نقول: (لا وضوء) وهو متوضئ؟ قالوا: إن النفي يتوجه إلى أحكام الأعيان، أما الأعيان بذواتها فلا تُنفَى.
وعلى هذا قالوا: يجب أن يكون هناك حكم مقدَّر يتوجه عليه النفي وهو: (لا وضوء معتبر) ، أو (لا وضوء صحيح) أو (لا وضوء كامل) .
وأي المعاني يقدر حتى يتوجه عليه النفي؟ بعضهم قال: لا وضوء كامل.
فالوضوء موجود، ولكن ليس بكامل، فإذا كان موجوداً والمنفي الكمال، فتصح به الصلاة.
وبعضهم قال: لا وضوء معتبر.
فيكون هنا المراد نفي الاعتبار، فلا تصح به الصلاة؛ لأنه أصبح كالعدم؛ لأن عدم اعتباره هو عبارة عن عدم وجوده، فلا يُعتد به.
ومن هنا عند اختلافهم في تقدير الوصف الذي يتوجه إليه النفي وقع الخلاف.
فإذا جئنا إلى الحديث فهو ضعيف، وأحمد بن حنبل ﵀ يقول: لم يثبت في هذا شيء، وكون الوضوء يُعتبر أو لا يُعتبر، والصلاة يُعتد بها بهذا الوضوء أو لا يُعتد بها ليس بأمر هين، بل يحتاج إلى أن يكون الحكم صادراً عن قاعدة ثابتة قوية.
فلما كان الحديث ضعيفاً فلا يمكن أن نبطل الصلاة بعدم ذكر اسم الله على الوضوء إلا بحديث صحيح قوي يقاوم أهمية الوضوء وأهمية الصلاة، وما وجدنا.
ثم قالوا: هناك بعض النصوص، كقوله: (لا وضوء كامل) .
أورده الصنعاني.
وبعضهم قالوا: هناك حديث: (من توضأ كما أمره الله ... ) ، قالوا: لما أمرنا الله بالوضوء قال: ((فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)) ولم يذكر تسمية.
فأجيب عليهم: الأمر جاء مجملاً، ولكن الرسول بيَّن! فقالوا: أثبتوا البيان ثم احتجوا به، فالذي قلتم: إنه بيان هو ضعيف، ولا ينبغي أن نعول في أركان الإسلام والأعمال على شيء ضعيف.
ومن هنا لم يقل بوجوب التسمية على الوضوء إلا الظاهرية.
وبعض شُرَّاح الحديث ينسب لـ أحمد أنه قال: إذا ترك التسمية عامداً بطل وضوؤه، وإن تركها ناسياً صح وضوءه ولا يعيد الصلاة.
وهذا القول يذكره ابن قدامة في المغني.
فالرواية عن أحمد ليست على العموم كالظاهرية، وإنما يفرق بين المتعمِّد والناسي.
والجميع -ما عدا الظاهرية وهذا التفصيل عند أحمد - على صحة الوضوء ولو لم يذكر اسم الله عليه.
وأهم ما في الموضوع هنا -كما قال أحمد -: أنه لم يثبت فيه شيء، فلا نحكم على أحد ترك التسمية ببطلان وضوئه، ولا ينبغي لأحد أيضاً أن يترك التسمية على الوضوء ولو كان الحديث ضعيفاً؛ لأن غاية ما فيه أنه ذكرٌ لله على هذا العمل، ويعتضد بصفةٍ عامة بحديث: (كل أمر ذي بال لم يُبدأ باسم الله أو الحمد لله فهو أبتر) ، فلا نجعل وضوءنا أبتر وأقطع، بل نذكر اسم الله عليه، ويتم لنا الأمر، والحمد لله.
стр. 159
الفصل بين المضمضة والاستنشاق
قال رحمه الله تعالى: [وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة والاستنشاق) أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف] .
إيراد هذا الحديث في هذا المكان يورد عليه بعض العلماء شيئاً من وجهة النظر في الترتيب؛ إذ كان ينبغي أن يذكر هذا مع المضمضة والاستنشاق هناك.
فقوله: (يفصل) الفصل: جعل كل شيء على حدة.
والمضمضة والاستنشاق جاء لهما صور عديدة: منها: أن يمضمض ويستنشق ويستنثر بالكف التي أخذ بها الماء.
ومنها: أن يمضمض ويستنشق بكف واحدة.
ومنها: أن يفعل ذلك ثلاث مرات بكف واحدة.
ومنهاك أن يفصل بينهما.
فقوله: (يفصل بينهما) يحتمل أنه يأخذ كفاً واحدة فيتمضمض ثلاث مرات، ثم يأخذ كفاً واحدة فيستنشق ثلاث مرات.
فهذا فصل بين المضمضة والاستنشاق.
أو أنه يأخذ للمضمضة غرفة فيتمضمض، ثم يأخذ للاستنشاق غرفة ويستنشق، ويفصل بينهما في أخذ الماء، فالمضمضة لها ماء مستقل، والاستنشاق له ماء مستقل.
فعلى كلتا الحالتين العمل صحيح، سواءٌ أجمع المضمضة والاستنشاق من غَرفة واحدة بكف واحدة، أم أخذ لكل واحدة غَرفة مستقلة، وسواءٌ أأخذ ثلاث غَرفات للمضمضة وثلاث غَرفات للاستنشاق، أم ثلاث غَرفات لكل من المضمضة والاستنشاق يتمضمض ويستنشق من كل غَرفة منهما معاً، وهذا نص في أنه يفصل بينهما.
قال رحمه الله تعالى: [وعن علي ﵁ في صفة الوضوء: (ثم تمضمض ﷺ واستنثر ثلاثاً، يمضمض ويستنثر من الكف الذي يأخذ منه الماء) .
أخرجه أبو داود والنسائي] .
هذه الصورة الأخرى في رواية علي رضي الله تعالى عنه، وهي أنه يمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاثاً من الكف الذي أخذ به الماء) ، يعني: من كف واحدة يتمضمض بجزء من الماء، ثم يستنشق ببقية الماء في تلك الكف، ويستنثر بتلك الكف التي أخذ بها الماء، سواءٌ أكان أخذُه الماءَ باليمنى، أم كان أخذُه الماءَ باليسرى، فيجمع المضمضة والاستنشاق في غَرفة واحدة، ويستنثر الماء من الأنف بتلك الكف التي أخذ بها الماء، ولم يعيِّن لنا أيَّ الكفين، أهي اليمنى أم اليسرى.
والله تعالى أعلم.
قال رحمه الله تعالى: [وعن عبد الله بن زيد في صفة الوضوء: (ثم أدخل ﷺ يده، فمضمض واستنشق من كف واحد، يفعل ذلك ثلاثاً) .
متفق عليه] .
يؤخذ من قوله: (فمضمض واستنشق من كف واحد) أنه جمع بينهما، ففي حديث طلحة: (يفصل) ، وهنا: (يجمع بين المضمضة والاستنشاق من كف واحد) .
فسواءً جمعتَهما أم فصلتَهما فلا حرج في ذلك.
стр. 160
وجوب إسباغ أعضاء الوضوء بالماء
قال رحمه الله تعالى: [وعن أنس ﵁ قال: رأى النبي ﷺ رجلاً وفي قدمه مثل الظفر لم يصبه الماء، فقال: (ارجع فأحسن وضوءك) .
أخرجه أبو داود والنسائي] .
هذا حديث (اللمعة) كما يقال، وهو متعلق بإسباغ الوضوء وترتيبه، فالنبي ﷺ رأى رجلاً توضأ وعلى قدمه أو في عقبه لمعة مثل الظفر -أي: قدر الظفر- وفي بعض الروايات: (قدر الدرهم) ، أو يكون معنى (مثل الظفر) : لمعة كلمعة الظفر؛ لأن الظفر يلمع، والجلد إذا غُسل وبقي جزء منه لم يُغسل صار أبيض يلمع؛ لأن الماء معدود في الألوان السوداء، كما في باب التغليب، وفي الحديث: (الأسودان: التمر، والماء) ، فإذا غسل القدم أو اليد أو الوجه وتعدَّى الماء عن جزء فلم يصبه كان كاللمعة وسط بقية العضو المغسول، فقال له النبي ﷺ : (ارجع فأحسن وضوءك) .
وفي بعض الروايات: أعد وضوءك.
وبعضها: أتمم وضوءك.
فمعنى (أحسن) أن الوضوء قبل ذلك كان ليس بحسن.
وروي عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه إذا كان شيئاً يسيراً فلا تأثير في الوضوء؛ لأن الحكم للأغلب.
وعلى رواية: (أتم) أو: (أعد) يكون ذلك نصاً في أن هذا الوضوء بهذه اللمعة غير تام، ولا تصح به الصلاة.
ومن هنا أخذ العلماء وجوب الموالاة بين غسل الأعضاء، لا أن يغسل وجهه، ثم يذهب ليشرب قهوة، ثم يجيء ليغسل يديه، ثم يأخذ كتاباً ويقرأ فيه، ثم يمسح رأسه ويتكئ حتى يستريح، ثم يقوم ويغسل قدميه.
والموالاة مقياسها أن يغسل العضو قبل أن يجف الماء عن العضو الذي قبله، فلو أنه غسل وجهه، ثم أراد أن يغسل يديه، وكان البرد شديداً، فأخذ شيئاً يستر وجهه أو يمسح بيده الماء عن وجهه ولم يجف، فغسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم بعد أن مسح رأسه لبس الطاقية أو العمامة، ثم ذهب وغسل قدميه.
يعتبر ذلك موالاة؛ لأنه لم يفرق بين العضو والذي قبله بزمن يجف فيه العضو -كما يقولون- في الجو المعتدل مع الإنسان المعتدل، فهناك بعض الناس عنده حرارة، فحالاً يجف الماء، وأحياناً في الشتاء يكون جفاف الماء عن العضو ليس مثل الصيف، فقالوا: في الجو المعتدل.
وموجب أخذهم بالموالاة هنا أنه عندما غسل تلك الأعضاء، وبقيت لمعة في رجله أو في يده أو في غير ذلك، فإنه لو غسل ذلك الجزء فقط فبقية الأعضاء التي جاءت بعد هذا العضو جاءت على فساد؛ لأن العضو الذي قبلها لم يتم غسله، وكذلك لو أن اللمعة كانت في القدمين وليس بعدها عضو آخر، فإذا طال الزمن، وجف الماء عن الرأس واليدين، وأراد أن يكمل غسل القدمين، أيكون غسل اللمعة موالياً للأعضاء التي قبلها، أم أنه مضى عليه زمن؟ فإن كان مضى عليه زمن فإن الموالاة تكون قد فُقِدت، فيكون قد غسل القدمين، أو أحسن غسل القدمين بعد فصل طويل عن الأعضاء قبلها، فيبدأ الوضوء من جديد لتتحقق له الموالاة.
ولذا قدمنا أنه إذا انتبه للمعة وهو في مكان الوضوء أخذ نقطة ماء -ولو من شعره- ومسح اللمعة وأجزأه ذلك، أما إذا كان قد بعُد عن مكان الوضوء وجفت الأعضاء فإن القدمين ستصبحان مفصولتين عن الأعضاء قبلهما، فلم تكن هناك موالاة، فعليه أن يبدأ الوضوء من جديد لتتم له الموالاة.
والله تعالى أعلم.
стр. 161
الاقتصاد بالماء عند الوضوء
قال رحمه الله تعالى: [وعنه ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) .
متفق عليه] .
مقدار الماء في الوضوء والغسل موضوعه واحد، فكان من حسن التنسيق أن يكونا معاً في مكان واحد.
ولعله أخره من أجل أنه فيه ذِكْر الغسل، فأخره إلى آخر أعمال الوضوء.
قال: (كان ﷺ يتوضأ بالمُدِّ -والمُد: قدر لتر وثلث- ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) ، والصاع أربعة أمداد، فقوله: (إلى خمسة أمداد) أي: صاع وربع.
فهذا بيان لأقل المقدار، والذي ينبغي على الإنسان -كما يقول العلماء- ألَّا يزيد على ذلك؛ لئلا يدخل في السَّرَف وتضييع المال.
وإذا كان النص جاء -في العبادات لله- بالمحافظة على الماء وعدم الإسراف فيه مع وفرته وكثرته فما بالك بالمال الذي هو عصب الحياة؟! فهو تعويد على الاقتصاد في استعمال الماء؛ ليكون خطوة إلى التعوُّد على الاقتصاد في غير الماء.
وفي هذا المعنى جاءت أحاديث، منها أنه: (اغتسل من فَرَق) و (الفَرَق) : ثلاثة آصُع.
ومنها أنه: (اغتسل هو وميمونة في جفنة فيها أثر العجين) .
فإذا كان يغتسل بالصاع الذي هو أربعة أمداد فهذا يكفيه في الغسل، وهذا يأتي مع الدلك والتحفظ في استعمال الماء.
قوله: (ويتوضأ بالمُد) ، وفي رواية: (أتي بثلثي مد) ، فهل هناك مغايرة؟ والجواب: لا توجد مغايرة، فإذا كان الماء قليلاً دلك حتى يتمكن من إيصال الماء لجميع البشرة، وإذا كان الماء متوافراً مرَّر يده ليتأكد، فالمهم التأكد من إسباغ الوضوء، فإذا كان الماء قليلاً تعيَّن الدلك، وإذا كان الماء كثيراًَ وتأكد بجريان الماء على العضو فالحمد لله، لكن لا ينبغي أن يزيد -إن أمكن- في الوضوء على المُد، ولا في الغسل على الخمسة أمداد، أي: صاع ومد.
والله تعالى أعلم.
فهذا ما يتعلق بالوضوء والغسل في العبادة.
ويُقاس عليه الوضوء والغسل للنظافة، أو المسنون في غسل الجمعة أو للإحرام أو لدخول مكة أو لعرفة، ولكن المهم هنا أنه لو أن إنساناً في الغسل الاعتيادي يريد أن يغير ملابسه، ويريد أن يزيل عنه العرق، ويريد أن ينظف نفسه، فتارةً يستعمل الصابون، وتارةً يستعمل الماء بدون صابون، فهذا لا حد فيه، ما لم يصل إلى الإسراف؛ فالتحديد هنا في رفع الحدثين، الأصغر بمُد، والأكبر بصاع إلى خمسة أمداد.
стр. 162
بيان الذكر عند الانتهاء من الوضوء
قال رحمه الله تعالى: [وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) .
أخرجه مسلم والترمذي وزاد: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) ] .
لقد أحسن المؤلف ختم هذا الباب بهذا الحديث، وبيان ما ينبغي أن يقوله المتوضئ، فهذا هو الدعاء المسنون المشروع عقب الوضوء، حيث يقول ﷺ : (ما من أحد يتوضأ فيسبغ -قيده بإسباغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) ، فهي أساس التوحيد وقاعدة الإسلام، فأنه فعل ذلك امتثالاً لأمر الله، وطاعة لرسول الله؛ لأن هذا العمل الذي جاء به أمر تعبُّدي، ولا دخل للعقل ولا للعلة فيه، إنما يأتي به المسلم طاعة لله ورسوله، كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد: (عملٌ مُوجَبُه في غير موجِبِه) .
فالإنسان يخرج منه الريح، فيتوضأ ولا يغسل موضع خروج الريح الذي هو سبب في الوضوء، فلا نغسله ونغسل أعضاءً بعيدة كل البعد عن سبب هذا الوضوء، فأين العلة هنا؟ فلا علة ولا سببية، إنما هي طاعة لله.
ومن هنا يعلن المسلم هذه الشهادة عقب هذا العمل التعبدي المحض الذي لا علاقة له بعلة ولا سبب، كأنه يقول: يا رب! أشهد أنك أنت الله الواحد الأحد، أمرتني فامتثلتُ، وأشهد أن نبيك محمداً ﷺ بلَّغنا عنك فسمعنا وأطعنا، فتحقيق الإيمان بالله والطاعة لله ولرسوله، بسببه فتحت له أبواب الجنة الثمانية.
وقال في الحديث: (فُتحت) ، ولم يقل: (تفتَح) ، فقالوا: هذا يراد به أنها ستُفتح له يوم القيامة.
ونحن نقول: لماذا التكلف فيها؟ لنقل: فُتحت الآن، وما المانع أن تُفتح الآن؟ وسيدخلها إن شاء الله من أيِّ أبوابها، فلا مانع.
وزاد بعض الروايات: (اللهم اجعلني من التوابين -أي: فيما أخطأتُ، وما أسررت وما أعلنت- واجعلني من المتطهرين) ، والتوبة هي طهارة داخلية، والتطهر طهارة ظاهرية، ولأن الوضوء يحقق الطهارة والنظافة فسأل الله التوبة بالمناسبة.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] ، ثم قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران:٣٨] ، فلما وجد الأرزاق تأتي من عند الله قال: يا رب! أعطني.
فكذلك هنا، فلما فعل الطهارة الحسية طلب من الله الطهارتين: الطهارة الحسية من كل الأخطاء، والطهارة المعنوية بالتوبة، فيكون من عباده التوابين والمتطهرين.
وينبه العلماء على قضية شائعة عند العوام، وهي أنهم يجعلون لكل عضو من أعضاء الوضوء دعاءً، ويقول النووي ﵀: كل هذه الأدعية المخصوصة بكل عضو لا أصل لها في السنة، وإنما يفعلها بعض الناس بالمناسبة.
والله تعالى أعلم.
стр. 163
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين [١]
المسح على الخفين من أبرز مباحث الطهارة، وتواترت النصوص فيه عن النبي ﷺ -قولاً وفعلاً- حتى قيل: إن رواة المسح على الخفين نحو ثمانين صحابياً وقد خالف فيه أهل البدع حتى صار شعار أهل السنة المسح على الخفين، وشعار غيرهم عدمه.
ولهذا الباب مسائل وأحكام وشروط وضوابط وأحوال تناولها أهل العلم بالبحث في مصنفاتهم في ضوء الأحاديث الواردة عن خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام
стр. 164
مشروعية المسح على الخفين
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) متفق عليه.
وللأربعة عنه إلا النسائي: (أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله) وفي إسناده ضعف] .
هذا الباب بعنوان (المسح على الخفين) ، والخفان: هما لباس القدمين، ومناسبة هذا الباب لما قبله من مباحث الوضوء، أن مسح الخفين يتعلق بغسل القدمين، وهما من أعمال الوضوء، فكان مبحث المسح على الخفين من تتمة أبحاث الوضوء.
стр. 165
تواتر الأدلة على جواز المسح على الخفين
والمسح على الخفين قد يكون من أبرز مباحث الطهارة، وبلغت فيه النصوص حد التواتر، ولم يخالف في مشروعية المسح إلا من خالف أهل السنة، حتى صار شعار غير أهل السنة أنهم لا يمسحون على الخفين، وشعار أهل السنة أنهم يمسحون على الخفين، والمسح ثابت عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً، أما من حيث القول - كما يقول البيهقي وغيره - فقد وصل عدد رواة المسح عن النبي ﷺ إلى نحوٍ من ثمانين صحابياً، ولذا قال الكرخي: أخشى الكفر على من أنكر المسح على الخفين.
أي: لأنه ثابت بهذه القوة من عدد الرواة عن رسول الله ﷺ .
стр. 166
رد دعوى النسخ أو التعارض فيما يتعلق بغسل القدمين ومسحهما
وقع شبه توقف أو تساهل في بادئ الأمر لموضوع آية المائدة التي فيها الأمر بغسل القدمين، حتى جاء جرير بن عبد الله وروى المسح على الخفين عن رسول الله ﷺ ، فقالوا: هل رأيته مسح قبل آية المائدة أو بعدها؟ - آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦]- فقال مجيباً: وهل أسلمت إلا بعد آية المائدة؟! ويقولون: إن آية المائدة نزلت في غزوة المريسيع، في قضية العقد، والمريسيع إنما كانت في السنة الرابعة، وقالوا: إن إسلام جرير بن عبد الله البجلي كان في عام الفتح، فيكون ذلك متأخراً بأربع سنوات، فكان البعض يظن أن آية المائدة نسخت المسح، حتى نقلوا عن علي ﵁ أنه قال: سبق الكتاب المسح.
وقالوا: الكتاب: هو آية الوضوء، وفيها الغسل.
وأجابوا عن ذلك بقولهم: إن كان الكتاب سبق، فتكون الآية سابقة ومتقدمة، ويكون المسح متأخراً عن الكتاب، والمتأخر لا ينسخ بالمتقدم، فعلى روايتكم أنتم أيضاً عن علي: سبق الكتاب المسح.
يكون المسح ثابتاً بعد الكتاب؛ لأن الكتاب سابق، أي: متقدم عليه.
وكانوا أيضاً يقولون: إن أحاديث تعليم الوضوء ليس فيها مسح، وجاء أيضاً الحث على غسل الرجلين في أحاديث: (ويل للأعقاب) ، أي: مَنْ مَسَحَ العقب ولم يغسله بالماء، وجاءت قراءة الآية الكريمة: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ، فقالوا: إن قراءة: (وأرجلِكم) بالجر عطف على مسح الرأس، فتكون الأرجل تمسح بذاتها، ولم يأت فيها ذكر الخف.
وأجاب الجمهور أن القراءتين إذا كانتا ثابتتين؛ فهما بمثابة آيتين مختلفتين، ونبه على ذلك والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أضواء البيان عند قضية غسل القدمين وقراءة المسح؛ لأن بعض الطوائف المنتمية إلى الإسلام لا تغسل القدمين، وإنما تمسحهما دون أن تكونا في خفين، فيمسح القدم بأصابعه ويكتفي بذلك، بناء على قراءة: (وأرجلِكم) ، على أنها معطوفة على مسح الرأس فتمسح، وأجاب ابن جرير الطبري وغيره بأن القراءة المشهورة هي قراءة النصب: (اغسلوا وجوهَكم) ، (اغسلوا أيديَكم) ، (اغسلوا أرجلَكم) .
وقراءة الجر قالوا: بالمجاورة، والمحل محل نصب، ولكن جاءت قراءة: (وأرجلِكم) بالجر للمجاورة لمسح الرأس.
ويبين موضوع قراءة النصب استمرارية فعله ﷺ ، أنه كان يغسل قدميه، وقالوا: إن قراءة الجر مع قراءة النصب لا تعارض بينهما؛ لأن قراءة النصب التي تقتضي الغسل هي حينما تكون القدمان عاريتين، وقراءة الجر التي تقتضي المسح هي حينما تكون القدمان داخلتين في الخفين، فنمسح على الخف بقراءة الجر.
ومن هنا قال بعض العلماء: إن المسح على الخفين ثابت بالكتاب كما هو ثابت بالسنة.
ولكن يغنينا عن هذا كله ما تواتر فيه النقل عن النبي ﷺ .
стр. 167
المسح على الخفين سمة لأهل السنة
وبهذا تكون مشروعية المسح على الخفين سمة من سمات أهل السنة، ويكون المنع من المسح سمة من سمات تلك الطوائف التي تغاير أهل السنة، ومن الطرف أن الحسن بن علي بن زيد عتب على كاتب عنده فحبسه وصادر ماله، فكتب إليه هذا الكاتب من السجن يعتذر في أبيات، ومما قاله في هذه الأبيات - وكان قد اتهم بالتشيع -: إلى الله أشكو ما لقيت محبة قوم بهم بليت إلى أن قال: أمسح خفي ببطن كفي ولو على جيفة وطيت فجعل كونه يمسح على خفه تبرئة له من تلك الطوائف التي اتهم بها، ودليل أنه من أهل السنة أنه يمسح على خفيه.
إذاً: أخذ موضوع المسح على الخفين حيزاً واسعاً، وإن كان المسح رخصة - كما سيأتي في حديث صفوان بن عسال: (رخص لنا) - فإن الإمام أبا حنيفة ﵀ يرى وجوب المسح عند قوم ينكرونه ليظهر السنة عندهم.
والبحث في المسح على الخفين يتناول؛ المشروعية - وقد أشرنا إليها بأحاديث التواتر -، وكيفية المسح، ونوعية الممسوح عليه، والتوقيت له حضراً وسفراً، وزمن الرخصة فيه، ومن أي شيء يمسح عليه - الحدثان الأصغر والأكبر، أم الأصغر فقط -، وبأي الطهارتين؛ المائية والترابية، أم المائية فقط، هذه جوانب مباحث المسح على الخفين.
نأتي إلى هذا الحديث الأول الذي صدر به المؤلف ﵀ هذا الباب؛ لأنه يعتبر الأصل في المشروعية، وفي الكيفية، وفي بعض الشروط له.
يقول: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ ، متى كان معه، وفي أي مكان؟ تأتي نصوص أخرى أن ذلك كان في غزوة تبوك، وغزوة تبوك متى كانت؟ كانت في السنة التاسعة، وآية المائدة متى نزلت؟ نزلت في غزوة المريسيع سنة أربع، إذاً: فحديث المغيرة بعد نزول آية المائدة بخمس سنوات، فلا يمكن أن يدعى بأن المسح نسخ بآية المائدة؛ لأن آية المائدة نزلت قبل زمن، ثم بعد خمس سنوات يأتي المغيرة وينقل عن رسول الله ﷺ أنه مسح، إذاً: فلا مجال لادعاء النسخ هنا أبداً، وانتهت قضية الإشكال في الخلاف أو النزاع، إلا من أصر واتخذ جانباً لنفسه.
стр. 168
من شروط المسح على الخفين لبسهما على طهارة
كان ﷺ في غزوة تبوك، ثم حانت صلاة الفجر، يقول المغيرة ﵁: فذهب النبي ﷺ لقضاء حاجته، وكان من عادته إذا كان في الفلاة بيعد حتى لا يراه الرائي، فتبعه المغيرة بإداوة من ماء، وتنحى عنه حتى قضى حاجته، ثم جاء يصب عليه الماء ليتوضأ، كما ذكر مالك في الموطأ: شرع ليخرج يديه من كم الجبة فضاق الكم عليهما، فأخرجهما من تحت الجبة، وغسلهما، وهذا يعني: أن الكم الضيق موجود من قديم، لكن ليس بـ (الكبك) الذهب أو الفضة.
يقول المغيرة ﵁: (فأهويت لأنزع خفيه) ، من أجل أن يغسل القدمين، وهذا من باب المساعدة في الطهارة أو في الوضوء، وخاصة لذوي الشأن فلا بأس في ذلك، (فقال: دعهما) ، أي: اتركهما في مكانهما في القدمين، (فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) ، فقوله رضي الله تعالى عنه: فأهويت لأنزع الخفين من قدميه ﷺ ، أي: ليغسل القدمين على ما هو الأصل، فنهاه ﷺ ، أو أمره ألا ينزعهما، وأخبره بما يتم المسح به: (فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) ، وتتمة الحديث -ثم نعود إلى محل الشاهد-: أنهما أتيا القوم فوجدا أن القوم استبطئوا رسول الله ﷺ عليهم، وفي الخبر بأنهم ترددوا ماذا يفعلون، فقد جاء وقت الصلاة والرسول ﷺ لم يأتهم، فهل ينتظرون حتى لو خرج الوقت، أم يقدمون واحداً منهم يصلي بهم، ولو كان الرسول ﷺ حاضراً، لكن ليس موجوداً عندهم الآن؟ أخيراً استقر رأيهم على أن قالوا: الرسول ﷺ أعلم بظروفه، وهو في غيبته لا نحكم عليه بشيء، ونحن مكلفون بأداء الصلاة وقد جاء وقتها، فلنصل.
وهذا كما سبق التنبيه عليه في بعض المحاضرات في الجامعة الإسلامية للشيخ أبي الحسن الندوي، قال: هناك مواقف في الإسلام يتردد فيها المسلم بين الحكم العقلي وبين دواعي العاطفة، فذكرت له هذه القضية، فقال: نعم.
وهنا الصحابة ﵃ -حسب مقتضى العقل- يقولون: الصلاة واجبة فعلينا أن نصلي قبل أن يخرج الوقت.
ومنطق العاطفة يقول: ننتظر حتى يأتي رسول الله ﷺ ليصلي بنا؛ لأن صلاة أحدنا بنا ليست كصلاة رسول الله ﷺ .
ولكن أي الجانبين غلّبوا؟ أغلّبوا المنطق والعقل، أم غلّبوا العاطفة؟ قدّموا منطق العقل بأداء الصلاة في وقتها، فقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فقدم رسول الله ﷺ ومعه المغيرة والناس في الصلاة، وفي بعض الروايات أن المغيرة همّ أن ينبه الإمام ليرجع، وعند الفقهاء إذا تأخر الإمام الراتب وقدم القوم رجلاً منهم وحضر الإمام الراتب فهو أحق بالإمامة، ولو كان الذي قدموه صلى بعض الصلاة، فيأتي الإمام الراتب ويتقدم ويصلي بالناس، ويعتبر ما بدأ به بداية لصلاته، وهم يبنون على ما تقدم من صلاتهم، وكل يكمل صلاته، ثم هم يجلسون عند إتمام صلاتهم، وهو يقوم لإتمام ما فاته، ثم يسلم فيسلمون معه، فهنا كان من فقه المغيرة أن ينبه الإمام ليتقدم الإمام الراتب، وهو النبي ﷺ ؛ لأنه من حقه ذلك، لكن الرسول ﷺ نهاه، وقال له: اتركه، وهذا أيضاً يدل على أن من حق الإمام الراتب أن يتنازل عن حق، ويقر من قدموه للصلاة بهم؛ لأن مدار الإمامة على رضا الجمهور، فإذا ارتضوا هذا الإنسان كان إمامهم، وعندنا حديث في المحراب: (تخيروا لوفادتكم؛ فإن إمامكم وافدكم إلى الله) ، الإمام وافدنا إلى الله، يتقدم بنا إلى الله، فينبغي أن يكون على أعلى مستوى؛ لأنه يسأل الله لنا، فيقول: اهدنا الصراط المستقيم.
ونحن نقول: آمين.
إذاً: من حق الإمام أن يتقدم ويأخذ مكانه، ومن حقه أيضاً ترك الإمامة لمن اختاروه، فكبر النبي ﷺ وكبر المغيرة معه، وكان ابن عوف قد صلى ركعة وبقيت ركعة للجماعة، فلما أتموا صلاتهم سلموا، وقام النبي ﷺ ومعه المغيرة يكملان ما بقي عليهما من صلاتهما، فلما رأى الناس رسول الله فزعوا، ولسان حالهم: كيف تقدمنا على رسول الله؟ وكيف يصير مأموماً وراءنا؟ فلما سلم وأنهى صلاته قال: (لا عليكم، ما قبض الله روح نبي إلا بعد أن يصلي خلف رجل من أمته) ، ولو أننا أخذنا المسألة على مجرد أحكام، وعلى فقه، وعلى (يصح أو لا يصح) لانتهينا، ولكن كما يقولون: السنة كنز وافر.
وهذه العملية توحي بما وراء الصلاة، وتوحي بأمور عديدة جداً، لماذا ما قبض حتى يصلي خلف واحد من أمته؟ كون النبي يرضى أن يأتمّ بواحد من أصحابه، فإلى أي مدى وصل أصحابه؟ وإلى أي مدى أثمرت تربيته لأصحابه؟ وإلى أي مدى كان تأثيره في تنشئة هذه الأمة؟ كانوا أعراباً، فأصبحوا الآن أئمة، إذاً: هذا يشعر بأن النبي ﷺ في تلك السنوات التسع بعد الهجرة؛ لأن سنوات ما قبل الهجرة كانت سنوات كفاح، ومصادمات إلخ، لكن هنا في الحياة العملية، كأنه في تسع سنوات تخرج على يديه ﷺ الآلاف من الرجال كل منهم يصلح أن يكون إماماً، ونظن أن الدنيا كلها ما شهدت مثل هذا الإنجاز! إذاً: ما دام أنه قد أصبح كل أصحابه صالحين للإمامة، فهو بذلك يكون قد أنهى المهمة، وأدّى الواجب؛ ولذا جاءت السورة الكريمة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً﴾ [النصر:١-٢] تكون قد انتهيت، فسبح بحمد ربك وتهيأ للقائه، كما قال ابن عباس: نَعَتْ إلينا رسول الله ﷺ وهو بين أظهرنا، لأنه إذا جاء نصر الله، وجاء الفتح، وأصبح الناس يدخلون طواعية في دين الله أفواجاً، فما الحاجة بعد هذا لرسول يقوم فيهم؟ انتهت المهمة، إذاً يتهيأ لملاقاة ربه؛ لينال الجزاء الأوفى على رسالته، وهنا يظهر معنى قوله: (ما قبض الله روح نبي إلا بعد أن يصلى خلف رجل من أمته) .
стр. 169
اشتراط طهارة القدمين معاً عند لبس الخفين
قوله ﷺ : (دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين) ، الفاء هنا تدل على السببية والعلة.
(فمسح عليهما) ، لماذا يدعهما ويمسح عليهما؟ لأنه أدخلهما طاهرتين.
فمفهوم المخالفة لو أنه لبس الخفين في قدمين غير طاهرتين فلا يصح المسح عليهما، وكان ينبغي نزعهما وغسل القدمين، ولهذا قالوا: إن من شروط صحة المسح على الخفين أن يكون الماسح قد لبسهما على طهارة كاملة، ومعنى (كاملة) من منطوق (أدخلتهما) أي: معاً، مكتملتي الطهارة، قالوا: (طاهرتين) لا تصدق فيها إلا الطهارة المائية، للنزاع الموجود في التيمم، وهل هو مبيح أم رافع؟
стр. 170
التيمم مبيح للصلاة لا رافع للحدث
أعتقد أن الراجح في هذه القضية أنه مبيح وليس برافع؛ لأنه يترتب على ذلك أشياء كثيرة، والدليل على أن التيمم مبيح وليس برافع، قضية المزادتين، لما كان ﷺ في بعض الغزوات، وانتهى ماء الجيش، فأرسل علياً رضي الله تعالى عنه ورجلاً معه ليتحسسا الماء، فسارا في طريقهما والمسلمون ينتظرون، وعند قرب الزوال لقيا امرأة -ضعينة- بين مزادتين فسألاها عن الماء الذي سقت منه، فقالت: عهدي به أمس الساعة، يعني: مشيت من على الماء أمس في مثل هذا الوقت من الظهر، معنى هذا أنه مضى عليها منذ تركت موضع الماء أربعة وعشرون ساعة، فهل يا ترى يذهبون للبحث عن ذلك الماء؟! فاختصرا الطريق وقالا: هلم بنا إلى رسول الله ﷺ ، فهي معها مزادتان، والمزادة: هي القربة الكبيرة المصنوعة من جلد البعير أو الثور، فقالت: إلى ذاك الصابي؟! قالا: ذاك الذي تعنين، واقتاداها إلى النبي ﷺ ، وأخبراه بالأمر، قال: أنزلاها، وأخذ من كل مزادة جزءاً من الماء، ودعا فيه وبرّك عليه، وأعاد الماء إلى المزادتين، ثم دعا الجيش: هلم فاملئوا أوعيتكم، فملأ كل إنسان ما عنده من قربة أو أداوة أو أي شيء، وتوضئوا، وسقوا دوابهم، واكتفوا من كل الجوانب بالماء.
وكان في صلاة الصبح رجل معتزل الصلاة، فقال له النبي ﷺ : (ما لك لم تصل معنا؟ ألست مسلماً؟ قال: بلى يا رسول الله! ولكني أجنبت ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فتيمم وصلى) ، فلما جاءت المزادتان وتوفر الماء قال: (أين صاحب الجنابة؟ قال: أنا، فأعطاه إناء به ماء وقال: خذ فأفرغه على جسمك) .
وهناك حديث عمر وعمار رضي الله تعالى عنهما: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فما حكم السنوات العشر التي كانت بالتيمم ألم تكن طهارة؟ بلى، ولكن كانت مبيحة، وهنا في قضية المزادتين، حينما أعطى الرسول الماء للرجل وقال: (خذ فأفرغه على جسمك) ، فهل كان ذلك لجنابة جديدة بعدما صلى الصبح، أم للجنابة الأولى التي امتنع عن صلاة الصبح بسببها، ثم تيمم وصلى الصبح؟ الجواب: للأولى.
فإن قيل: ولكنه تيمم وصلى، فيرد عليه: التيمم لم يرفع الجنابة -الحدث- ولكن أباح له الصلاة من أجل الوقت.
إذاً: التيمم ليس طهارة كاملة، فقوله: (أدخلتهما طاهرتين) يتعين أن يكون ذلك بطهارة مائية.
وقوله: (أدخلتهما) بضمير التثنية، يتفق الجمهور - ما عدا الإمام أبا حنيفة ﵀ على أن الإنسان لو توضأ كما أمره الله، ولما غسل القدم اليمنى أدخلها في خفها، ثم غسل اليسرى فأدخلها في خفها، في هذه الحالة يكون أدخلهما طاهرتين، أم أدخل الأخيرة وهي اليسرى وهما طاهرتان؟ وهل يصح المسح على مثل هذا أم لا يصح؟ قالوا: لا يصح؛ لأنه لم يدخلهما معاً وهما طاهرتان.
لكنه غسل اليمنى وطهرها؟ قالوا: لا.
الطهارة في الوضوء لا تتجزأ، ولا تكمل طهارة القدم اليمنى إلا بعد إتمام غسل القدم اليسرى ويكتمل الوضوء، فحينئذ تكون قد طهرت أعضاء الوضوء، فلبسه اليمنى قبل يكون قبل أن تطهر اليمنى؛ لأنه بغسلها قبل اليسرى ما تمت طهارتها، ولا تتم طهارة اليمنى إلا بإكمال غسل اليسرى، أي: بإكمال الوضوء.
ولهذا قالوا: يشترط في المسح على الخفين أن يدخل القدمين معاً بعد وفاء الطهارة لهما، ولا يكون ذلك إلا بعد إكمال غسلهما قبل أن يلبس الخف في إحداهما، والإمام أبو حنفية ﵀ يجوز أن يغسل القدمين فيلبس الخفين ثم يكمل الوضوء، وهذا بناء على النزاع المتقدم في الترتيب، هل هو واجب أو غير واجب؟ والذي عليه الجمهور أنه -كما تقدم- لا يتم المسح إلا إذا أكمل الوضوء وغسل القدمين ثم لبسهما بعد تمام الغسل.
إذاً: فحديث المغيرة يعتبر هو الأصل في هذا الباب، فإنه أثبت المشروعية بعد آية الوضوء قطعاً، ثم بين لنا الشرط، ثم نص على الممسوح عليه وهو الخف، وسيأتي النزاع في شكلية وصفات الخف الذي يصح المسح عليه، ثم الشرط في جواز المسح، وهو أن يكون قد لبسهما على طهارة.
مداخلة: فإذا توضأ وغسل القدم اليمنى ثم أدخلها في الخف، ثم غسل اليسرى وأدخلها في الخف ما حكم وضوئه؟! الشيخ: يكون قد توضأ وضوءاً كاملاً، لكن هذا الخف الذي لبسه بهذه الصفة لا يصح المسح عليه.
مداخلة: هل من الممكن أن ينزع خفيه ثم يلبسهما بعد غسله لقدمه اليسرى؟! الشيخ: ينزع الخف عن القدم اليمنى، وينزع الخف عن اليسرى، ثم يبدأ لبس الخف بعد إتمام طهارة القدمين، فهو لبس اليمنى قبل أن يغسل اليسرى، فلبسه لليمنى يكون قبل إتمام طهارتها، فينزعه، وبعد أن يكمل غسل اليسرى يلبس الخفين، سواء ألبس اليسرى أم اليمنى فلا وجود للترتيب هنا، فيكون لبس الخفين بعد تمام غسلهما معاً.
стр. 171
كيفية المسح على الخفين
قال: [وعن علي ﵁ أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) .
أخرجه أبو داود بإسناد حسن] .
حديث علي رضي الله تعالى عنه هذا في بيان كيفية المسح وموضعه، فيقول علي رضي الله تعالى عنه: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يمسح الخف من أعلاه) .
هذا النص كونه عن علي رضي الله تعالى عنه، وكما قال المؤلف: بإسناد حسن، يجعل طالب العلم يتمهل ويتوقف، ولكن ما دام ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والجزء الأخير من الحديث مرفوع إلى النبي: (رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخف) ، هذا النقل عنه ﷺ ، فنقول: محل المسح ظاهر الخف، لكن استنتاج علي رضي الله تعالى عنه: (لو كان الدين بالرأي) .
يرى بعض المحققين أن الرأي الصحيح لا يتنافى ولا يتعارض مع الدين الصحيح، أي: الثابت الصريح.
فالعقل السليم لا يتنافى مع الدين الصحيح، والدين لا يتعارض مع العقل الصحيح السليم، إذا كان النص صحيحاً صريحاً لا يمكن أن يتنافى مع العقل الصحيح الصريح، قد يعجز العقل عن الإدراك، لكن لا يتناقض مع الدين.
فمثلاً: العقل لا يدرك لماذا كانت الصبح ركعتين والظهر أربعاً، ولكن ليس عنده ما يناقضه، وعجز عن إدراك الحكمة في ذلك، والعجز ليس تناقضاً إلى غير ذلك.
ولما قال القائلون: أنتم تفرقون بين المتماثلين، وهذا منافٍ للعقل، قيل لهم: لا يوجد أبداً تفريق بين متماثلين لمحض المماثلة، وإذا وجدت تفرقة بين متماثلين في نظرك فاعلم أن هناك فرقاً قطعاً، وذكروا الرش من بول الغلام والغسل من بول الجارية، فقالوا: كلاهما رضيع، فكيف ترش هذا وتغسل هذا؟ إما أن ترش الاثنين، أو تغسل الاثنين.
فهذا منطق العقل، قيل لهم: هناك سبب، وقد كشف المحققون من المتقدمين - كـ المتولي من الشافعية - بأن بول الجارية أشد كثافة ولزوجة من بول الغلام، والآن حقق العلم في تحليلاته بأن في بول الجارية من الهرمونات ما لا يوجد في بول الغلام، فعُلم أن هناك فارقاً.
وقالوا: توضأتم من لحم الجزور ولم تتوضئوا من لحم الغنم.
قلنا: نعم، هذا ما جاء به النص، ونحن نقبله، ثم تبين بعد ذلك أنهما ليسا متماثلين، والبحث في ذلك طويل، فهنا لو كان الدين بالرأي، ولو فسحنا المجال للاستفهام -لا للاعتراض على علي ﵁ وقيل: إن الرأي الصحيح السليم لا يتنافى مع الشرع؛ لأن الإسلام جاء يخاطب العقول السليمة، قائلاً: (يا أولي الألباب) .
إذاً: لماذا كان المسح على ظاهر الخف، وليس على باطنه، كما قال علي؟ لقائل أن يقول: مقتضى العقل أيضاً أن يكون المسح على ظاهر الخف لا على باطنه، لماذا؟ ليس لمحض العقل، ولكن لنصوص الشرع، لقد جاءت النصوص بالصلاة في النعلين، وجاء عنه ﷺ : (إذا أتى أحدكم إلى المسجد فلينظر أسفل نعليه، فإن كان فيهما أذى فليمسحهما في التراب) ، وهذا حينما كانت المساجد بها الحصباء والتراب، بخلاف المساجد اليوم، وكذلك في ثوب المرأة، لما أمر النبي ﷺ بإسدال المرأة ثوبها قال: (ترخيه شبراً، قيل: إذاً تنكشف قدماها، قال: فذراعاً؛ ولا تزد عليه) ، فقالوا: المرأة تجر ثوبها أو عباءتها خلفها في الطريق، وقد تمر على نجس، فقيل: ألا تمر على طاهر بعده، قالوا: بلى، قالوا: هذا يطهر ذاك، أي: الثوب يمر على التراب، والتراب يأخذ ما علق به من مكان آخر، وييبسه فيطهر بذلك، وذلك لضرورة ستر المرأة، فإذا كان الإنسان قد لبس النعلين وجاء إلى المسجد ونظر فيهما فوجد فيهما أذى، الرسول قال: (فليمسحهما في التراب) ، لكن لا يوجد الآن حول المسجد تراب لتحكهما فيه، وقد انتفت هذه المسألة ولا يتيسر للإنسان أن يحقق السنة فيها، فإذا كان هناك أذى وحكهما في التراب، وتوضأ وأراد أن يمسح عليهما، فإذا مرت اليد المبللة على ذاك الأذى الذي جفف بالتراب، سيُحدِث تغييراً أم لا؟ يحدِث تغييراً، فاليابس الذي طهره التراب، واكتفى الشرع به، أنت أثرته بالرطوبة، فعاد رطباً من جديد، وقد يعلق في اليد شيء مما كان في أسفل النعلين، فإذاً: ما دام أن أسفل النعلين قد جف، وجاء الأمر بالمسح؛ فاجعل المسح في الأعلى بعيداً عن تلك الاحتمالات.
إذاً: المسح على ظهر الخفين هو عين العقل، وهو الذي جاء به الشرع، ويهمنا في هذا الموضع أن علياً ﵁ نقل لنا كيفية مسح رسول الله ﷺ ، وهي أنه مسح على ظاهر الخف، لكن نجد بعض العلماء أو المذاهب يقولون: المسح على ثلاث صور: مسح في أسفل الخف فقط، ومسح في أعلى الخف فقط، ومسح على أعلاه وأسفله.
فيجمعون على أن الاكتفاء بالمسح على أسفله لا يجزئ، ولا تصح به الصلاة، ويجمعون على أن المسح على ظاهر الخف فقط يجزئ، وتصح به الصلاة، ولكن هناك من يقول -كالمالكية والشافعية-: الاكتفاء بالمسح على ظاهر الخف مجزئ، ولكن الأفضل أن يمسح على أعلاه وأسفله، ولعل قولهم ذلك في حال إذا ما كان الخف يلبس في نعلين، ولم يباشر الأرض بالمشي، وقالوا في الصفة: اليد اليمنى فوق ظهر الخفين تبدأ من جهة الأصابع وتمضي باتجاه الساق، واليد اليسرى تحت الخفين تأتي من جهة الكعبين وتمضي باتجاه الأصابع، ولكن يجمعون على أن الاكتفاء بالمسح على أعلى الخفين مجزئ للصلاة، وبعضهم ينقل عن مالك ﵀ في التوقيت وفي هذه الصور روايات، وابن عبد البر يقول: الصحيح ما وافق الجمهور، والله تعالى أعلم.
стр. 172
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين [٢]
جعل الله المسح على الخفين رخصة عامة، ليست خاضعة للضرورة أو الحاجة، إلا أن هذه الرخصة لها شروط يلزم صاحبها الإتيان بها، ومن هذه الشروط: أن يلبس الخفين على طهارة قدميه طهارة بالماء من وضوء أو غسل، ومن الشروط أيضاً أن يمسح خلال مدة يوم وليلة إن كان مقيماً، وثلاثة أيام بلياليهن إن كان مسافراً، وتبدأ المرة من أول مسح يمسحه، وإذا انتهت المدة وهو على وضوء انتقض وضوءه، ولا يصلي بوضوء مسح فيه إلا خلال المدة المعتبرة.
стр. 173
مدة المسح على الخفين
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله: سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال: [وعن صفوان بن عسّال قال: (كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له، وابن خزيمة وصححاه] .
أنهى المؤلف ﵀ موضوع المشروعية، في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، مع الشرط اللازم لصحة المسح على الخفين، وهو: (أدخلتهما طاهرتين) ، ثم قدم لنا كيفية المسح، ثم جاء إلى المدة، فإلى متى يمسح الإنسان على خفيه؟ هل هناك توقيت، أم ليس هناك توقيت؟ فبدأ بحديث التوقيت: (أمرنا النبي ﷺ إذا كنا سفراً -جمع مسافر- أن نمسح على الخفاف ثلاثة أيام بلياليهن) ، هذا إذا كنا مسافرين، فقال في الحديث: (ألاّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة) ، لا ننزعها إلا من جنابة، ولو كان بعد ست ساعات، أو عشر ساعات، فالجنابة لا مسح فيها على الخفين، بل يجب غسل الجسم كاملاً ومن ضمنه القدمين، ولا مسح من جنابة.
فنمضي في المسح ثلاثة أيام بلياليهن، ولا ننزع الخفين لنغسلهما، بل نستمر في المسح عليهما ثلاثة أيام، إلا إذا حدثت جنابة ولو بعد يوم واحد، وهذا في حالة السفر.
قوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) أي: لا ننزع الخفين إلا من جنابة، ونبقيهما من غائط وبول ونوم، أخذ العلماء القطع بأن الغائط والبول ناقضان للوضوء، وأخذوا أن النوم ناقض للوضوء من هذا الحديث، أما الغائط والبول فبالإجماع ولا نزاع في ذلك، ولكن النوم حقيقته عند العلماء أنه ليس بناقض، ولكنه مظنة النقض، ومعنى مظنة النقض: أن النوم من حيث هو غلبة النعاس على العين وعلى القلب ليس فيه حدث، ولكن حين ينام الإنسان لا يدرك ما يحدث منه، فهو مظنة أن يقع منه حدث ينقض الوضوء وهو لا يدري بسبب نومه، ولذا جاء في حديث ابن عباس: كنا ننتظر الصلاة حتى تخفق رءوسنا.
وجاء في الحديث: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) ، ومن نام جالساً؟ قالوا من نام جالساً ليس عليه شيء؛ لأن الجالس ولو نعس لا يتمكن الريح أن يخرج منه؛ لأن موضع خروجه لا مجال له، فإذا اضطجع سهل خروج الريح منه وهو نائم لا يدري.
إذاً: النوم بذاته ليس حدثاً، ولكنه مظنة الحدث وهو لا يدري، ولغلبة الظن على وجود الحدث عند النوم فقد اعتبر النوم هو الناقض، ولذا من نام مضطجعاً فعليه الوضوء.
إذاً: المسح على الخفين لا يكون من الجنابة، بل الجنابة يجب فيها نزع الخفين وغسل القدمين، وهذا الحديث أعطانا التوقيت للمسافر بأن يمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، لكن كيف يمسح إذا كان السفر أطول من ذلك؟ بعد المدة المحددة ينزع الخفين، ويتوضأ وضوءاً كاملاً، ويلبس الخفين من جديد، ويستأنف ثلاثة أيام أخرى، وهكذا طيلة سفره له بعد كل وضوء كامل ولبس الخفين على طهارة أن يستصحب الحكم إلى ثلاثة أيام، فهذا حكم للتوقيت في المسح في السفر ثلاثة أيام، وبيان أن الجنابة ليس فيها مسح، فإنه ينزع الخفين ولو بعد اللبس بساعات معدودة، وأعتقد أن هذا القدر في بيان المسألة يكفي، وأنصح بمطالعة أضواء البيان عند آية المائدة، فالشيخ الأمين ﵀ ناقش قضية المسح، مع قضية غسل القدمين ومسحهما، وأتى بتفريع وتعليقات ومسائل تكاد تكون قد أحاطت بموضوع الخفين من كل الجوانب، وقد أُفرِد المسح على الخفين ببعض الكتب، وبالله تعالى التوفيق.
[عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (جعل النبي ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر, ويوماً وليلة للمقيم، يعني في المسح على الخفين) أخرجه مسلم] .
بدأ المؤلف ﵀ في بيان التوقيت.
إلى متى يمسح الإنسان على الخفين إذا لبسهما طاهرتين؟ هل يمسح بصفة دائمة بدون توقيت بزمن، أم أن هناك تحديداً للزمن، بحيث لو انقضى هذا الزمن نزع الخفين وتوضأ وغسل القدمين، ثم إن شاء لبس الخفين مرة أخرى واستأنف المسح، وهكذا دواليك، ولو كان طول السنة؟ العلماء يختلفون في التوقيت، فالجمهور على أن النبي ﷺ -كما في حديث علي هنا، وكما سيأتي في حديث ثوبان - وقّت في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن ما دام في سفره، وللمقيم مدة يوم وليلة، أي خمس صلوات، ويتفق الجميع على أن المسح على الخفين مطلق لا يتوقف على عذر، لا لمرض في القدمين، ولا لشدة بردٍ، ولا لشيء من ذلك، فلو كان في أشد الصيف وأشد الحر، وكانت قدماه أصح ما تكون، فإن له إذا لبس الخفين على طهارة أن يمسح، ولا يتوقف ذلك على أي عذر كان.
وقالوا: المرأة والرجل في ذلك سواء، فالمرأة إذا لبست خفين على طهارة هي كالرجل؛ في الإقامة يوم وليلة، وفي السفر ثلاثة أيام بلياليهن، ولا يتوقف ذلك على عذر أو على صفة أو على داعٍ سوى مجرد اللبس.
وعند مالك ﵀ النزاع في المدة، فهناك من يروي عن مالك ﵀ بأنه لم يوقت، وجعل المسح على الخفين بدون توقيت لا في حضر ولا في سفر، وسيأتي مأخذه في الأحاديث التي سيسوقها المؤلف، من أنه ﷺ سئل: (أمسح على الخف يوماً يا رسول الله؟! قال: نعم.
قال: ويومين؟ قال: نعم.
قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت) ، فقوله: (نعم، وما شئت) أخذ منها مالك بأن هذا مطلق، أي: على مشيئته هو، والجمهور أخذوا بالتنصيص على التوقيت، وقد بحث والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه المسألة في أضواء البيان عند آية الوضوء، ثم قال: هذه النصوص الموجودة مختلفة، ولا يمكن الجمع بينها؛ لأن بعض العلماء -كـ ابن قدامة في المغني - قال: يجمع بين هذه النصوص، فيقال: (نعم، وما شئت) ، أي: إذا مضت الأيام الثلاثة، وأردت أن تمسح فاخلع الخفين، ثم اغسل، ثم البس، ثم امسح ما شئت.
وهذه طريقة من طرق الجمع بين الأدلة.
الشيخ الأمين ﵀ يقول: هذا تخريج، ولكن الجمع هو أن تحمل الموضوع بالنصّين وتجمع بينهما دون مغايرة لهذا النص أو لذاك النص، كما لو جاء نص مطلق ونص مقيّد، فيحمل المطلق على المقيّد، مثل عتق الرقبة؛ فقد جاء مرة مطلقاً بدون قيد الإيمان، وجاء مرة (رقبة مؤمنة) ، فحملنا المطلق على المقيد، وهنا يقول: لا يتأتى الجمع؛ لأن أحاديث التوقيت في السفر وفي الحضر تحدد مدة معينة، وحديث: (وما شئت) يقتضي الزيادة، والمعارضة بين الزيادة وعدم الزيادة تناقض، والمتناقضان لا يُجمع بينهما، والعلماء يقولون: إذا اختلف نصان؛ فإما أن يُعرف التاريخ فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، وإما أنه لا يعرف ويمكن الجمع بينهما، كما جاء -مثلاً- في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، فجاءت نصوص بأنه قد دخل وصلى، وجاءت نصوص بأنه دخل ولم يصل، فجمعوا بين النصين، وقالوا: إنه دخل الكعبة مرتين؛ مرة في فتح مكة، ومرة في حجة الوداع، فيكون الذي ذكر أنه صلى في إحدى الدخلتين، والذي ذكر أنه لم يصل يكون في الدخلة الأخرى، وليس هناك تعارض، وبهذا جمع بين النصين؛ لأن النافي والمثبت لم يذكر زمن الصلاة أو زمن عدمها، ولصحة التعارض ينبغي أن يتفق التعارض في الزمان وفي المكان وفي الفاعل، فإذاً: أمكن الجمع، فمن قال إنه لم يصل كان صادقاً؛ لأنه في هذه المرة لم يصل، ومن قال: إنه صلى كان صادقاً؛ لأنه صلى في المرة الأخرى، ولا تعارض بينهما.
فإذا لم يمكن الجمع كان المصير إلى الترجيح، فأي النصوص أرجح، نصوص التوقيت، أم نصوص الإطلاق؟ يقول شيخنا الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: والأرجح الذي تطمئن إليه النفس إنما هو ترجيح نصوص التوقيت؛ لأنه أحوط في العبادة؛ ولأن رواته أوثق من رواة الإطلاق، ولأن رواته أكثر عدداً من رواة الإطلاق.
إذاً: تتعارض النصوص في توقيت مدة المسح سفراً وحضراً، وفي عدم التوقيت، فـ مالك أخذ بعدم التوقيت في رواية عنه، والجمهور أخذوا بأحاديث التوقيت، وقالوا: من لبس الخفين ومسح عليهما فليلتزم بالتوقيت فإن كان مسافراً ثلاثة أيام بلياليهن، وإن كان مقيماً يوماً وليلة، فإن أراد أن يمسح نزع وتوضأ فغسل، ثم لبس واستمر في المسح ولو عشر سنين.
стр. 174
ما يلحق بالمسح على الخفين
قال: [وعن ثوبان ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني: العمائم- والتساخين -يعني: الخفاف-) رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم] .
حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه يخبرنا أن النبي ﷺ بعث سرية، (بعث) مادة تتعدى بنفسها، وتتعدى بالحرف، فنقول: بعث بهدية بعث بخطاب بعث زيداً.
ويقول علماء اللغة: إذا كان المبعوث يمكن أن يُبعث بنفسه فلا يُحتاج إلى الحرف، بعثت مبعوثاً إلى موضع كذا أرسلت مرسولاً إلى كذا، فلا يُحتاج أن تقول: بعثت بزيد إلى كذا، بل تقول: بعثت زيداً.
أما إذا كان المبعوث لا يصلح أن يبعث بنفسه -كالخطاب، أو الهدية، أو الطعام- فتقول: بعثت لزيدٍ بالكتاب بعثت لزيدٍ بهدية.
وهنا قال: (بعث سرية) ؛ لأن السرية تنبعث بنفسها، والسرية في الاصطلاح قالوا: ما دون الأربعين، وقالوا: بل كل جمع خرج لقتال ليس فيه رسول الله ﷺ يسمى سرية، وكل جمع خرج فيه رسول الله يسمى غزوة، ولو كان الرجال عشرة أشخاص ومعهم رسول الله تسمى غزوة، هذا اصطلاح تاريخي في السيرة، والرسول ﷺ كان يبعث بالسرايا، وقبل أن يخرج إلى بدر بعث عدة سرايا إلى سيْف البحر، وكان فيها حمزة عم رسول الله ﷺ وعبد الله وعكاشة بن محصن وغيرهم، فكان يرسل السرايا في اتجاهات معينة إما للاستطلاع، وإما لأنه يكون قد بلغه خبر عن جماعات يتأهبون لغزو المدينة، فيرسل إليهم سرية تعاجلهم في مكانهم.
تلك السرية لما رجعت اشتكت إلى رسول الله ﷺ البرد (فأمرهم أن يمسحوا على العصائب) ، والعصائب: جمع عصابة، وهو ما يعصب به الرأس، أو يعصب به الأعواد أو نحو ذلك، لكن في الاصطلاح: هي ما يعصب بها الرأس، ومنه سميت العصابة، فكل ما يوضع على الرأس لمصلحتها يسمى عصابة، ومنه العمامة؛ لأنها تعصّب الرأس وتدور حولها، فقالوا: كل ما تعمم به الإنسان وأداره على رأسه يصدق عليه اسم العمامة، (فأمرهم) وأصل الأمر للوجوب، ولكن أمر هنا بمعنى رخّص وأجاز؛ لأن المسح على هذه الأماكن ليس واجباً، كما سيأتي قوله: (رخّص) ، وقوله: (إن شئت) .
قال: (والتساخين) ، أي: وعلى التساخين، وقالوا: التساخين: هو كل ما يسخن القدمين، أي من البرد، وقدمنا أن البرد ليس علة في الترخّص في المسح، ولكن السرية اشتكت، وصادف ذلك الترخيص في المسح، ومن هنا أخذ العلماء توسعة نطاق المسح على ملبوس القدمين، فقالوا: هناك الخف، وهناك الموق، وهناك الجرموق، وهناك الجورب، والنعل؛ كل هذه أسماء لملبوسات في القدم، أما النعل فلم يثبت أنه جاء المسح عليها، وكل أثر جاء في المسح على النعلين فلا يثبت، اللهم إلا ما جاء في المسح على النعلين والجوربين، فيكون مجموع النعلين مع الجوربين كأنهما شيء واحد؛ لأن النعل لا يغطي موضع الوضوء في القدم، ويشترط في الخف الذي يمسح عليه أن يكون مغطى وساتراً موضع الغسل من القدمين في الوضوء، والرِّجل تكون مكشوفة في النعل.
إذاً: ما كان على هيئة الخف، والأصل في الخف أنه مصنوع من الجلد، فبعض الناس قالوا: لا يمسح إلا على الخف الذي هو من الجلد؛ لأنها رخصة، والرخصة لا تتعدى محلها، فجاء هذا الحديث: (والتساخين) ، وهو ما يسخن القدمين، فإذا لبس الجرموق وهو أكبر من الخف، أو لبس الموق وهو أكبر منه ويلبس عليه، فلا مانع أن يمسح عليه.
ثم جاء موضوع الجورب، فالشافعية يقولون: لا يمسح على الجورب إلا إذا كان صفيقاً منعَّلاً، ومعنى منعَّل: مجعول له نعل من الجلد من الأسفل ليشابه الخف في إمكان المشي عليه، وهم يتفقون ويقولون: كل ما أمكن تتابع المشي عليه جاز المسح عليه، ولكن تتابع المشي أين يكون؟ في الصحراء والخلاء، أم في البيوت؟ قالوا: في البيوت؛ لأن بعض الأماكن لا يصلح المشي عليه حتى بالحذاء الحديث، إذاً: ما يمكن تتابع المشي عليه بأن يمسك نفسه، بقينا الآن في الجورب غير المنعَّل، فعند الأحناف نوع من التوسعة في هذا الموضوع، فكل جورب لبس على القدمين يمسح عليه، والآخرون يقولون: لا.
الأصل في ذلك الخف، فما كان من جورب يأخذ صفات الخف -ولو من غير الجلد- يمسح عليه، سواء أكان من الصوف أو من الشعر أو من القطن، بل حتى قال النووي في وصف الخف: ولا يشترط فيه أن يكون ساتراً للبشرة، كما لو كان من زجاج مثلاً، فالزجاج يكون متيناً ويكشف ما تحته، فإذا كان نوع الخف كما هو الحال الآن من النايلون أو البلاستيك، وبعضهم قال: ولو كان من الخشب، الخشب لا يكشف ما تحته، ولكن يقولون: في عموم ما يلبس ويأخذ صفات الخف من أن صفاقته تمنع نشع الماء من خلاله إلى القدم؛ لأنه إذا كان خفيفاً رقيقاً شفافاً يوصل الماء إلى ما تحته ماذا أنت مسحت على الجورب، فعندها سيصل الماء إلى القدم، فتكون قد مسحت القدم، فإذا كان جاء الحكم إلى القدم فالقدم حكمها الغسل، وأنت هنا لم تغسل القدم وإنما مسحت الجورب، ولكن تعدى المسح إلى القدم، والقدم من حكمها الغسل، ولهذا يقال: جميع أنواع الأحذية التي يرتفع ساقها إلى ما فوق الكعبين -وهو موضع غسل القدمين في الوضوء- وكان صفيقاً متيناً جاز المسح عليه أياً كان نوعه، ولو قدِّر أن هناك لفافات متينة من الورق على شكل طبقات بعضها فوق بعض فإنه يجوز المسح عليها، أما إذا كان خفيفاً كبعض الجوارب الموجودة الآن، والتي يلبسها الناس في الصيف، بعضها يكون مخرقاً كالشبكة، وبعضها يكون رقيقاً جداً بحيث يكشف عما تحته، ولا يمنع من وصول الماء إلى القدم، فهذا ينبغي إلا يعول عليه، ولا يمسح عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 175
الرد على من لم يشترط المدة في المسح
قال: [وعن عمر ﵁ موقوفاً، وعن أنس مرفوعاً: (إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة) أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه] .
هذا الحديث من أدلة مالك ﵀، عمر يقول موقوفاً عليه، وأنس يرفع القول إلى النبي ﷺ ، فهذا الخبر جاء موقوفاً عن عمر، وجاء مرفوعاً من طريق أنس إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر فيه توقيتاً، (إذا تطهر أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما، ولا ينزعهما إلا من جنابة) إلى متى شاء، فهذا الحديث موقوف على عمر رضي الله تعالى عنه، ومرفوع إلى النبي ﷺ بدون ذكر التوقيت فيه، ويقال: إن تصحيح الحاكم في هذا الحديث ملاحظ عليه، وأنه لم يثبت عن أنس، كما يقال: إن عمر رجع عن هذا القول، وصار يقول بالتوقيت، ولكن الذي يهمنا هو وجود هذا الأثر، سواء كان موقوفاً على عمر، فقد قال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ، أو كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولكن كما تقدم فقد رواه الدارقطني فقط، أما هناك فقد رواه أبو داود والنسائي، ورواه الأربعة، ورواه فلان وفلان فتلك أحاديث متعددة، وبروايات متعددة، وبأسانيد أقوى وأثبت من مجرد رواية الدارقطني، وعلى هذا -كما قال والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه-: إذا لم يمكن الجمع فيصار إلى الترجيح، وأحاديث التوقيت أرجح سنداً، وأكثر قائلاً، وخروجاً من العهدة بالاحتياط في الدين.
لأن من مسح بصفة دائمة ولم يأخذ بالتوقيت، بينما الآخر آخذ بالتوقيت، فلو جئنا عند مناقشة المسألة فهل أحد يختلف في صحة صلاة الذي أخذ بالتوقيت؟ لا.
فالكل مجمع على صحتها.
لكن من أخذوا بالتوقيت هل يصححون صلاة من لم يأخذ بالتوقيت؟ لا.
إذاً: صلاته غير صحيحة ومختلف فيها عند الآخرين، والواجب على الإنسان أن يترك المختلف فيه، وأقل ما فيه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) .
قال: [وعن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ : (أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) أخرجه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة] .
يروي هذا الحديث أيضاً الدارقطني، ولكن صححه ابن خزيمة مضافاً إلى الدارقطني في أن أبا بكرة ينقل نفس الأثر، ولكن بالتوقيت، (ثلاثة أيام ولياليهن) و (يوماً وليلة) .
بالمناسبة: (أبو بكرة) بتسكين الكاف وبفتحها، فـ (البَكْرة) هي الناقة في أوائل شبابها، و (البَكَرة) هي الآلة التي يوضع عليها حبل الدلو لسحب الماء، واختلفوا في تسمية أبي بكرة، هل الصحيح (بكْرة) أم (بكَرة) ؟ وهذا الاختلاف حصل؛ لأنه كان من أهل الطائف، ولما حاصر النبي ﷺ الطائف تدلى من سورها على بكرة، قالوا: جاء ببكَرة وحبل وربطها في السور ونزل بها إلى المسلمين، وقيل: نزل من على السور على ظهر بكرة كانت واقفة عند السور من الخارج، فكان الاختلاف في هذا اللفظ بسبب الاختلاف في صورة نزوله إلى الرسول ﷺ .
قال: [وعن أبيّ بن عمارة ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم.
قال: يوماً؟ قال: نعم.
قال: ويومين؟ قال: نعم.
قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت) أخرجه أبو داود وقال: ليس بالقوي] .
وهنا مربط الناقة! قال: (أمسح يوماً؟ قال: نعم.
قال: ويومين؟ قال: نعم.
قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت) .
من أخرج هذا الحديث؟ أبو داود، وهو ناقد، فماذا قال عنه؟ ليس بالقوي.
فهل يا ترى نبني صلاتنا على ما ليس بالقوي، وأن نمسح ما شئنا بدون تحديد، مع أن الأصل ليس بقوي، أم نرجع للأصل القوي الذي صححه العلماء وهو التوقيت؟ بعض العلماء يناقش المسألة بصورة عامة، فقوله: (نعم، وما شئت) ، يقولون: هذا من باب التأكيد على الترخيص، وكما قال ابن قدامة: وما شئت بالتزام التوقيت، وهذا كلام لطيف، وقالوا: (نعم، وما شئت) نظيره: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنوات) ، فهل هناك من يعيش بغير ماء عشر سنوات؟ ماذا سيشرب أو يأكل؟ قالوا: هذا من باب تأكيد الترخيص؛ لأن التيمم طهارة ثابتة، ولو يستمر على ذلك عشر سنوات.
إذاً: قوله: (نعم، وما شئت) تأكيد للمسح بالأيام العديدة، وفي نظري لا يخلو الأمر من أحد أمرين؛ إما الرجوع إلى الترجيح كما قاله والدنا الشيخ الأمين: ووجدنا أحاديث التوقيت أرجح سنداً، وأكثر قائلاً، وخروجاً من العهدة، واحتياطاً للصلاة، وبراءة للذمة، بخلاف القول بعدم التوقيت.
أو كما قال ابن قدامة ﵀، وقوله وجيه، (نعم، ما شئت) ، سنة سنتين امسح، ولكن هناك نقطة فهل نقول: (وما شئت) حتى لو كانت جنابة، أم أنه عند الجنابة سيخلع الخف؟ نقول: يوم يومان ثلاثة عشرة فهل يأخذ برخصة (نعم، وما شئت) على الإطلاق؟ يعني: إذا سافر ومسح على الخف في الصباح وأجنب في الظهر، فهل نقول له: وما شئت، أم يخلع؟ نقول: يخلع.
إذاًَ: إذا كانت الجنابة ستجعله يخلع، فنقول: مضي التوقيت أيضاً يجعله يخلع.
стр. 176
مسائل في باب المسح على الخفين لم يتعرض لها المؤلف
هناك مباحث عديدة في المسح على الخفين لم يتعرض لها المؤلف، ولابد للإنسان أن يأخذ فكرة عنها:
стр. 177
حكم المسح على الخف الممزق
أولاً: إذا كان الخف ممزقاً وفيه خروق، فهل يصح المسح عليه، أم لابد من خياطة هذه الخروق أولاً؟ الجمهور على صحة المسح عليه، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ لو كانت تلك الشقوق أو الخروق في مجموعها تزيد على ربع الخف فلا يصلح المسح، والآخرون يقولون بعدم التحديد، وابن تيمية ﵀ يقول من ناحية عقلية: هل كانت خفاف الصحابة كلها جديدة وليس فيها خروق، أم حسب ما هو معتاد خاصة بالنسبة للحالة الاقتصادية لكثير منهم؟ ويمكن أن يدعي إنسان أن جميع خفافهم كانت جديدة، فنقول: كان عمر يرقع قميصه أربعين رقعة، إذاً: الواقع الطبيعي لحياتهم يعطينا فكرة أنه لابد أن تكون بعض خفافهم مخرقة، وكانوا يمسحون عليها، فما دام الخف متماسكاً على القدم يجوز المسح عليه.
стр. 178
متى تبدأ مدة المسح ؟
ثانياً: إنسان توضأ ومسح فله يوم وليلة، فمتى تبدأ مدة اليوم والليلة، من لبسه عند وضوئه، أم من حدثه بعد الوضوء، أم من مسحه بعد الحدث؟ فإذا توضأ للصبح ولبس الخف في الصبح، وصلى الصبح بالوضوء الذي لبس به الخف، وبقي على وضوئه من صلاة الصبح إلى الظهر، وصلى الظهر بوضوء الصبح، وأحدث قبل العصر، فهل يا ترى! يحسب الوقت من وقت ما لبس فينتهي بصلاة الصبح من الغد أم من بعد الظهر حينما أحدث؟ أم منذ توضأ بعد دخول العصر ومسح.
فعندنا هنا ثلاثة أوقات: من حين لبس في الصباح، ومن حين أحدث بعد الظهر، ومن حين مسح بعد دخول وقت العصر، فمتى تبدأ مدة اليوم والليلة؟ المشهور أنه يبدأ من أول مسحة، يعني: من بعد دخول وقت العصر، والمدة التي فاتت هي على حساب الوضوء الأول؛ لأنه أمره أن يمسح يوماً وليلة، فلو اعتبرنا ما قبل المسحة الأولى نكون قد أعطيناه أقل من يوم وليلة، لا يوماً وليلة؛ لأن هناك من يقول: من حين أحدث وبطل الوضوء الأول، والقول المشهور: من أول مسحة يمسحها.
стр. 179
مسألة: هل انتهاء مدة المسح ناقض للوضوء ؟
إذا اعتبرنا بداية اليوم والليلة من بعد العصر، له أن يمسح إلى أن يأتي الظهر من اليوم التالي، أو إلى قبيل العصر للنوافل، فلو مسح قبل العصر وقبل إتمام الأربع والعشرين ساعة، فبعد العصر يكون خرج عن المدة أم لا؟ خرج.
هو على وضوئه، فقد توضأ قبل العصر وبقي على وضوئه لم ينتقض وجاء العصر، فهل يصلي العصر الواقع بعد اليوم والليلة بهذا الوضوء الذي وقع بالمسح خلال اليوم والليلة، أم أنه بانتهاء التوقيت يكون قد انتهى الوضوء؟ هناك من يقول: يصلي؛ لأنها طهارة مكتملة ولم يأت ما ينقضها، وهو قول الحسن البصري، فيصلي إلى أن ينتقض وضوءه الأخير، أما الجمهور فيقولون: المسح رخصة، إلى وقت محدد، فلما انتهى الوقت انتهت الرخصة.
أنت حين تأخذ تأشيرة للسفر إلى بلد -وانتهت مدة التأشيرة- وأنت على أهبة السفر، خرجت -مثلاً- من بلدك متوجهاً إلى لندن ونزلت في عدة مطارات، فلما وصلت إلى لندن كانت التأشيرة قد انتهت بالأمس، بينما أنت انتقلت من بلدك منذ عدة أيام، فهل سيتغاضون عن الأيام السابقة، أم سيقولون لك: انتهت التأشيرة، وعليك أن ترجع؛ لأنك تحتاج إلى تأشيرة جديدة؟ فالجمهور يقولون: إذا كان على وضوء قبل مضي المدة، ثم دخلت صلاة بعد خروج المدة المحددة فلا يصليها بذاك الوضوء.
فإن قيل: هو لم ينتقض وضوءه.
قالوا: لكن المدة انتهت، وأبطلت المسح الذي مسحه أثناء المدة.
ولتلخيص ما سبق نقول: بدأت المدة من أول المسح، وتنتهي مدة المسح وصلاحيته بعد أربع وعشرين ساعة، فإذا توضأ ومسح بعد ثلاث وعشرين ساعة، فهل يكون مَسَح في المدة أم لا؟ يكون مسح في المدة، فجاء بعد سبع وعشرين ساعة ليصلي، ووضوءه الذي كان قبل بضع ساعات لا زال باقياً لم يطرأ عليه ما ينقضه، أيصلي بعد خروج المدة بثلاث ساعات بذاك الوضوء السابق في المدة، أم لا يصلح ذاك الوضوء للصلاة؟ هناك من يقول - كـ الحسن البصري -: يصلي ما شاء ما دام وضوءه لم ينتقض؛ لأنه وضوء صحيح بمسح صحيح في وقته.
والجمهور يقولون: لما انتهت المدة انتهت الرخصة.
وهذا يشمل المسح سواء كان في مدة السفر أو في مدة الحضر، ولو توضأ ولبس الخف -وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق- وقبل أن يحدث خلع الخفين، ثم لبسهما مرة أخرى قبل أن يحدث، فهل يمسح عليهما أم لا؟ يمسح؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، فلو توضأ لصلاة المغرب وصلى بوضوء المغرب العشاء وغسل القدمين عند وضوئه للمغرب، وذهب إلى المسجد وصلى العشاء، فلما دخل البيت لبس الخفين -خوفاً من البرد عند صلاة الصبح- وهو على طهره من المغرب، فلبس الخفين بعد صلاة العشاء، فهل هذا اللبس صحيح أم باطل؟ صحيح؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، فإذا جاء الصباح وانتقض الوضوء بالنوم أو بغيره يمسح على الخفين؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، إذاً: ليس بشرط أن يكون لبس الخفين عقب غسل القدمين في الحال، فما دام على طهره الأول ولو طال الزمن ولبس الخفين وأدخلهما طاهرتين، فله أن يمسح عليهما.
وإذا لبس الخفين على طهارة وطال الزمن، ثم انتقض وضوءه، ولم يكن قد مسح على الخفين قبل ذلك، فخلع الخفين، هل يلبسهما على ما كان عليه، أم يستأنف وضوءاً جديداً؟ يستأنف وضوءاً جديداً.
فإذا كان قد توضأ ثم انتقض وضوءه ومسح على الخفين ثم خلعهما بعد أن مسح عليهما مسحة، حينما خلعهما أيعود للبسهما، أم يجدد الوضوء؟ يجدد الوضوء؛ لأن الوضوء قد انتقض، والوضوء الموجود الآن بمسحة، والمسحة يشترط فيها طهارة القدمين دائماً، فلما خلعهما انتفت رخصة المسح وعليه أن يستأنف وضوءاً جديداً.
وهناك من يقول: يغسل قدميه فقط، ولكن الجمهور على أن الطهارة لا تتجزأ، فعليه أن يستأنف وضوءاً من جديد.
стр. 180
كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء [١]
معرفة نواقض الوضوء مهمة لكل مسلم، حتى لا تفسد عبادته وهو لا يشعر، ولهذا كانت الطهارة من أهم الأشياء في حياة المسلم، سواء كانت طهارة معنوية وهي طهارة القلب، أو طهارة حسية وهي طهارة البدن، فواجب على كل مسلم أن يعرف الطهارة وشروطها ونواقضها حتى تكون عبادته صحيحة.
следующие страницы →