← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [٩] حديث الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان، من الأحاديث التي استخرج العلماء منها مئات الفوائد الفقهية، فحري بطالب العلم أن يهتم بدراسته، ومعرفة ما يؤخذ منه من المسائل والأحكام المتنوعة.

стр. 1542

من أحكام الصيام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: هناك مباحث تتعلق بالصوم والفطر في السفر، وهي من متطلبات الوقت الحاضر، وفيها تتمة بيان أحكام الصيام، تلك المباحث هي: ما المسافة التي يفطر فيها الصائم؟ ومن أين يفطر الصائم؟ وإذا نزل منزلاً مؤقتاً فهل يصوم أو يفطر؟ وإذا عاد من سفره وعلم أنه سيدخل نهاراً، أيدخل مفطراً أم صائماً؟ وإذا دخل مفطراً فهل يمسك أو له أن يأكل بقية يومه؟ وإذا وجد زوجته مفطرة فهل له أن يأتي أهله؟ كل هذه النقاط من متطلبات بحث الفطر في السفر.

стр. 1543

السفر الذي يفطر فيه الصائم أما مسافة السفر التي يفطر فيها الصائم فقد اتفق العلماء أنها هي المسافة التي تقصر فيها الصلاة، وهذه قد حددت بالمكان والزمان، والمكان أضبط كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما بين مكة وجدة، أو ما بين مكة والطائف، أو ما بين مكة وعسفان، وحددت بالمسافة أيضاً ذرعاً أربعة برد، والبريد ثلاثة فراسخ، والفرسخ أربعة أميال إلخ، وبالحساب المتعارف عليه اليوم هي حوالى الخمس والسبعين كيلو متراً، فإذا كان الصائم يسافر مسافة بهذا المقدار فإن هذه المسافة تعطيه حق الفطر، بصرف النظر عن نوعية وسيلة السفر، سافرها على الأقدام في يوم أو في عشرة، سافرها على الدواب في يوم أو في خمسة، سافرها على السيارة في يوم أو في ساعة، مطلق قطع هذه المسافة في رمضان فإنه يعطيه حق الفطر، سواء كان في السفر مشقة فعلاً أو لم يكن في السفر أدنى مشقة؛ لأن الأصوليين قالوا: الرخصة من أجل التيسير رفعاً للمشقة، ولما كانت المشقة ليست أمراً محدداً بعينه، ولكنها نسبية، فما كان مشقة في حق زيد قد لا يكون مشقة في حق عبيد، بل ما كان مشقة على زيد اليوم قد لا يكون مشقة عليه هو بنفسه غداً، فلاختلاف تحديد المشقة قالوا: إذاً: تناط بالسفر الذي هو مظنة المشقة، كما جاء: (السفر قطعة من العذاب) . فعلى هذا، فإن هذه المسافة إذا وجدت فللمسافر الحق في أن يفطر.

стр. 1544

حكم من سافر في نهار رمضان إذا أراد أن يفطر في سفره فمتى ينشئ الفطر؟ نجد -يا إخوان- أن الأقوال متعددة، فهناك من يقول: من دخل عليه رمضان في بلده فلا يحق له أن يفطر إذا سافر؛ أخذاً بعموم قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، وهذا -كما يقول ابن عبد البر وغيره- قول لم يلتفت إليه أحد؛ لأن السنة جاءت بغير ذلك. وإذا حضر الشهر، وأراد أن يسافر أثناء الشهر، يوم ثلاثة أو يوم خمسة أو يوم عشرة، فمن حيث اليوم قالوا: إن كان قد طلع عليه الفجر وهو في بلده، فكما قدمنا في باب تبييت النية أن المسافر المتحقق السفر، والحائض المتحققة مجيء حيضتها غداً على كل منهما تبييت النية، فهذا المسافر سيسافر غداً، وهو حاجز، والتذكرة في جيبه، لكن عليه أن يبيت نية الصوم، فهو أصبح مبيتاً لنية الصوم، فإذا أراد ضحى النهار أن يسافر، فالجمهور -ومنهم المالكية والشافعية والأحناف- يقولون: هذا الشخص الذي أدرك جزءاً من هذا النهار مقيماً لا يحق له أن يفطر في هذا اليوم؛ لأنه بيّت النية، وصام جزءاً من النهار، فلا يبطل هذا الجزء، ويسافر ثم إذا أراد الفطر فيكون من الأيام التالية المقبلة. وإذا لم يطلع عليه الفجر في بلده، أراد أن يسافر، فتهيأ وجمع عدة السفر، وركب، وهو في طريقه في سفره طلع الفجر وهو في أطراف البلد، فهل يفطر؟ قالوا: لا، لا يفطر حتى يغادر أطراف القرية ويخرج من حدودها، فحينئذ له أن يفطر، كما قالوا في بداية قصر الصلاة: لا يجوز لإنسان أن يبدأ قصر الصلاة من بيته، بل إنما يبدأ القصر بعد أن يغادر حدود البلد، كما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه خرج من الكوفة، وواجهتهم صلاة العصر، فنزلوا في طرف البلد فصلوا أربع ركعات، فقيل لـ علي: ألسنا مسافرين؟! قال: بلى. قالوا: لماذا تتم ونحن قد خرجنا؟! قال: لولا هذا الخصيِّص -والخصّ: مثل الحجرة من أغصان الشجر وأعواده- لقصرت الصلاة. يعني: أن علياً رضي الله تعالى عنه اعتبر الخصيِّص هذا من توابع القرية، وأنه لم يخرج عنها كلية. إذاً: متى يبدأ المسافر فطره في سفره؟ القول الأول لم يلتفت إليه أحد من العلماء، والراجح أنه إذا سافر في أثناء النهار، وأدرك جزءاً من النهار في بلده، فهذا اليوم الأول لا يفطره، بل يمسك ويتم صومه، وينشئ الفطر بعد ذلك اليوم من أيام سفره، وإذا كان في البلد وأراد أن يفطر في صومه، فلا يفطر حتى يغادر أطراف القرية ويخرج من حدودها.

стр. 1545

هل يفطر المسافر إذا أقام إقامة مؤقتة ؟ ما حكم الفطر للمسافر إذا نزل في أثناء سفره منزلاً لحاجة؟ لنفرض أن إنساناً سافر من المدينة إلى مكة لعمرة، أو سافر من المدينة إلى الشام لتجارة، وهو في رمضان، وكان يفطر أثناء السير في الطريق، فوصل البلد الذي يريده مؤقتاً، فهل يظل مفطراً بحكم السفر أو بمجرد وصوله إلى البلد الذي نزل فيه انقطع عنه حكم السفر؟ الجمهور قاطبة يقولون كما قالوا في قصر الصلاة: إن كانت إقامته في تلك البلدة المؤقتة أربعة أيام فأقل فله الفطر، ولكن يكون سراً، ولا يظهر فطره للناس، وإن كان أكثر من ذلك فليصم من أول يوم وصلها، وقالوا: إن دليل ذلك من الحالة والعرف، واقتباساً من النص أو الفعل الذي جاء عنه ﷺ . وإن كانت إقامته في تلك البلدة مجهولة النهاية عنده، فيختلف الحكم عن الحالة الأولى التي عرف أنها أربعة أيام فأقل، وينقطع عنه حكم السفر، فإذا عرف أنها أربعة أيام فأكثر محددة، عشرين، شهر، أو أكثر أو أقل؛ فإنه يرتفع عنه حكم السفر ويصبح صائماً. وإذا لم تكن المدة معلومة، هل هي يوم أو أربعة أو عشرة أو عشرين؟ ويشبهون ذلك بمن يسافر برفقة غيره، كأتباع التجار وأتباع الأمراء وأتباع القادة، لا يعلمون متى تنتهي المهمة، وعندما يرجع المسئول عنهم يرجعون معه، ولم يخبروهم متى سنرجع أو متى سنرحل، فالمدة مجهولة عندهم، فإذا كان شخص كذلك ذهب إلى الشام للتجارة، أو ذهب إلى مكة عمرة، وجاءت شواغل وهو لا يدري متى تنتهي، العمرة معروف أمدها، لكن إذا كان في سفر آخر يريد أن يلقى فلاناً، يريد أن يصنع كذا، ولا يدري متى ينتهي التصنيع؛ فحينئذ له أن يفطر ويقصر إلى عشرين يوماً، وما زاد عن ذلك وجب عليه الصوم، هكذا يقولون فيمن أقام مدة لا يعلم مداها. والآخرون يقولون: ما دام قد وصل فعليه الصوم؛ لأن مشقة السفر قد انتهت عنه، ولكن يقولون: الثلاثة الأيام وما شابهها تتبع ما قبلها؛ لأنه لا يزال في عناء السفر، وسيواصل السفر بعدها.

стр. 1546

حكم من رجع من سفره وهو مفطر في نهار رمضان إذا انتهى المسافر من حاجته، وقدم إلى بلده، وهو في العودة إلى بلده، علم بحسب طبيعة السفر ووسيلة السفر أنه سيدخل بلده غداً في النهار، فإذا علم ذلك، فعليه أن يدخل بيته صائماً، ويروى عن بعضهم أنه أراد السفر في آخر الشهر -في خمسة وعشرين منه- فقال لأصحابه: (أرى الشهر تشعشع -تششع بمعنى: تخلخل- وكاد أن ينتهي، فأرى أن نحفظ شهرنا) ، فصام وسافر صائماً ليكمل صيام الشهر، فهذا عند البداية، وكذلك في العودة يقدم صائماً، يعني: يبيت الصوم من الليل ما دام أنه يعلم أنه سيصل إلى بلده أو إلى بيته نهاراً؛ لأنه إذا وصل إلى بيته مفطراً فسيمسك لحرمة الشهر، فما دام أنه سيمسك وتلحقه حرمة شهر رمضان؛ فيبيت النية ويصوم، ويدخل صائماً، أما إذا وصل نهاراً وكان مفطراً، فهل له أن يظل مفطراً بقية نهاره؟ الجمهور على أن الأولى له أن يمسك لحرمة الشهر. ونجد الخلاف في قضية قد تكون نادرة، ولكن الفقهاء ﵏ يذكرونها للتنبيه عليها: إذا قدم من سفره مفطراً، ودخل البلد مفطراً، فوجد زوجه كانت مريضة مفطرة وتعافت في نصف النهار، أو كانت فيها الدورة وارتفعت عنها ضحىً، فهي تمسك من أجل حرمة الشهر وستقضي هذا اليوم، فلو وجدها مفطرة بعد ارتفاع حيضتها وقبل مجيء الليل، فإذا واقع زوجه وهي على هذه الحالة، فهو مفطر للسفر، وهي مفطرة للدورة، فهل يكون عليه كفارة في ذلك أو ليس عليه شيء؟ المالكية والشافعية ينصون أنه لا شيء عليه، ونجد الخلاف عند غيرهم. إذاً: هذه مسائل من أراد الفطر في سفره في بداية أمره، وفي أثناء طريقة، وفي حالة عودته.

стр. 1547

شرح حديث كفارة المجامع في رمضان قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله! قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فقال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا. ثم جلس، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا. فقال: أعلى أفقر منا؟ ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) رواه السبعة واللفظ لـ مسلم] . هذا حديث من أفسد صومه في رمضان بالجماع، والصوم يكون بالإمساك عن شهوتي البطن والفرج، فإذا لم يمسك إحدى الشهوتين -شهوة البطن بأكل أو شرب، أو شهوة الفرج بوطء- فماذا يكون حكمه؟ المالكية والأحناف يقولون: من أفسد صومه بأكل أو شرب عامداً فإن عليه القضاء والكفارة، وعندهم مبحث في نوعية الأكل -أي: للتغذي- وهذا لا حاجة للخوض فيه؛ لأنهم انفردوا بذلك، كما لو ابتلع حصاة فإنها غير طعام، فعندهم خلاف في المذهب، والمقدم عندهم أنه لا كفارة عليه، ويروى عن زفر ومحمد أنه إن فعل ذلك عامداً فإن عليه القضاء والكفارة، ونحن نبحث في مسألة من أبطل صومه بأكل أو شرب عامداً، أما النسيان فقد تقدم الأمر فيه: (فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) . وأما الحنابلة والشافعية فعندهم أن من أبطل صومه بتعاطي الأكل أو الشرب أو ما يلحق به عامداً فإن عليه القضاء فقط، ولا كفارة عليه؛ لأنهم لا يجعلون الكفارة إلا في شهوة الفرج، وأن يكون بوطء حقيقي، وعلى هذا فمن أفسد صومه بوطء فهو الذي عليه الكفارة، وسيأتي التعليق أيضاً على ملحقات الأكل وملحقات الوطء.

стр. 1548

روايات حديث المجامع في نهار رمضان روايات هذا الحديث وطرقه تختلف في الإيراد، ففي بعضها وصف حالة مجيئه: (يضرب صدره، وينتف شعره، وينادي بالويل: هلكت وأهلكت يا رسول الله! قال: وما أهلكك؟ قال: واقعت أهلي في رمضان - (واقعت أهلي) كناية عن الجماع، وهو حقيقة في الوطء، بخلاف مقدماته- فقال له ﷺ : أتجد رقبة فتعتقها؟ فضرب على صفحة عنقه وقال: لا أملك إلا هذه. قال: أتستطيع صوم شهرين متتابعين؟ قال: والله! ما أهلكني إلا الصوم -أنا ما استطعت صيام رمضان فكيف أصوم شهرين متتابعين؟! - قال: هل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا -والله- ما عندي. قال: اجلس. فجلس الرجل، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر -تنطق هذه الكلمة بتسكين الراء أو فتحها (عرْق أو عرَق) ، وهو نوع من الأوعية المصنوعة من خوص النخل، ويسمى قفة أو مقطف، ليس كبير الحجم- فناداه وقال: خذ هذا وتصدق به عن نفسك. فقال: يا رسول الله! أتصدق به؟! أعلى أفقر منا؟! والله -يا رسول الله- ما بين لابتيها أفقر مني) ، واللابتان: هما الحجارة السوداء المحيطة بالمدينة، ومعروفة بدايتها ونهايتها، فهي تأتي من الغرب من جهة سلطانة، وتدور من وراء قباء إلى قربان إلى أن تأتي إلى قريبة، وتقطع الخط إلى أن تنزل إلى المغرب مرة أخرى، وكما يقول بعض المؤرخين: اللابتان محيطتان بالمدينة كالحدوة للحصان، وليس لها إلا فتحة واحدة كالحدوة، وتلك الفتحة هي مجرى وادي العقيق، وهو المحل الذي احتفر فيه ﷺ الخندق؛ لأن اللابتين حصن طبيعي للمدينة، لا تقوى الخيل ولا الإبل أن تقطعه، يعسر المشي عليه، فكان مدخل المدينة الوحيد يأتي من أبيار علي، ومع وادي العقيق إلى سلطانة، ويدخل من هناك من باب الشام، وهناك كان محل الخندق في طرف الحرة من جهة عمائر أو فلل المدني، ويمتد إلى أطم الشيخين من الجهة الأخرى. وعلى كل فقال: (ما بين لابتيها أحد أحوج إليه منا -هذا الذي تريدني أن أتصدق به لن أجد فقراء ولا محتاجين أشد حاجة إليه منا- فضحك ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: قم فأطعمه أهلك) . إلى هنا انتهى عرض هذه القضية، فالشافعية والأحناف أخذوا بهذا النص، وقالوا: الرسول ﷺ أمر الأعرابي أن يكفر للوقاع، ولم يأمر أحداً أن يكفر للأكل والشرب، ولكن مالك ﵀ يروي في الموطأ عن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره ﷺ أن يُكَفِّر) فهذا النص: (أفطر) ، ولكن من صنيع مالك أنه ذكر حديث أبي هريرة في أول الباب: (رجل أفطر فأمره ﷺ أن يكفر) ، وجاء بعده بهذا الحديث: (أعرابي جاء وقال) ، فبعض الناس يقول: حقيقة مذهب مالك أنه حمل عموم الفطر على خصوص الوقاع؛ لأنه جاء بحديث الأعرابي ليبين نوعية الفطر الذي أمر رسول الله بالكفارة فيه. والبعض الآخر يقول: لا، إنما ساق الحديثين ليبين أن الكفارة لمن أفطر مطلقاً، سواء أفطر بأكل أو وطء فعليه كفارة، ومن أفطر بوطء -كما هو المنصوص عليه- فعليه الكفارة، والمالكية يروون عن مالك أنه يوجب الكفارة على من أكل أو شرب متعمداً في نهار رمضان ولو لم يجامع.

стр. 1549

حكم من أمنى في نهار رمضان بدون جماع أو أمذى يناقش العلماء ﵏ مسألة: لو أن إنساناً باشر أهله ولكن لم يواقع -بمعنى: لم يولج-، فهل عليه في تلك المباشرة من شيء؟ يختلفون إن أمنى بالمباشرة دون الفرج، فـ مالك يقول: فيه كفارة، وغيره كالحنابلة والشافعية يقولون: لا، بل عليه القضاء، ويستغفر الله، ولا كفارة إلا بالإيلاج. وإذا باشر أهله ولم يمنِ، ولكنه أمذى، فما حكمه؟ مالك يقول: عليه قضاء يومه، وغيره يقول: المذي لا شيء فيه؛ لأن حكم المذي حكم البول. وإذا لم تكن مباشرة، ولكن كان هناك مقدمات المباشرة كالقبلة، اللمس، دوام النظر، دوام التفكير، هل هذا يتعارض مع صومه؟ قالوا: هذه الأشياء القبلة اللمس المداعبة دوام النظر تكرار الفكر، إن أحدثت منياً فـ مالك يقول: عليه القضاء والكفارة، والآخرون يقولون: إن أمنى بسببٍ كقبلة فعليه القضاء.

стр. 1550

دقة الإمام مالك في الأصول سألت والدنا الشيخ الأمين عن صنيع مالك في الباب، حيث قرن حديث أبي هريرة مع حديث قصة الأعرابي، ولم أخذ مالك الكفارة في غير الجماع مع أن النص فيه: (واقعت أهلي) ؟ فقال: مالك عنده دقة في الأصول؛ لأن حديث الأعرابي تناوله العلماء بتنقيح المناط، وتنقيح المناط وتحقيق المناط مبحثان أصوليان، فمثال تحقيق المناط: أن الله أوجب الكفارة على المحرم إن قتل صيداً ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] ، فهذا حكم موجود، ولكن بقي التطبيق العملي في حق كل صيد؛ لأن الحكم عام، ففي كل الصيد جزاء مثل ما قتل، فلو قتل إنسان غزالاً، أو أرنباً، أو بقراً وحشياً، فالحكم موجود ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة:٩٥] ، لكن تحقيق المناط في هذه القضية بغزال، أو في هذه القضية بأرنب ما هو؟ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة:٩٥] فيحكم اثنان من ذوي المعرفة: ماذا تقولان في قتل الأرنب؟ ما هو جزاؤه؟ ماذا تقولان في قتل الغزال؟ ما الذي يماثله؟ فتحقيق المماثلة في كل صيد على حدة هو تحقيق المناط. لكن التنقيح: هو كالرجل بعد حصد الغلة، أثناء دوسها يريد أن يصفي الحب من التبن، فيعزل الحب عن التبن، فيأخذ الحب وفيه التبن، فيأخذه في غربال وينقح، بحيث أنه يلقي الشوائب عن الحب حتى يبقى الحب صافياً، هذا هو التنقيح -يعني: التصفية-، فيقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: الجمهور نقحوا قضية الأعرابي عدة مرات، ومالك زاد تنقيحه عليهم، والتنقيح هو إسقاط الوصف الذي لا يصلح لتعلق الحكم به، وتعليق الحكم بالوصف المناسب له، فقوله: (جاء رجل -هذا محل الحكم؛ لأنه مكلف، بخلاف الصبي- يضرب صدره، ينتف شعره -هل هذه الصفات قيد وشرط فيمن جامع حتى تكون عليه الكفارة أو كونه يضرب الصدر وينتف الشعر لا علاقة له بالحكم؟ لا علاقة له، فهذه تنقيحة تسقط هذه الصفات: ضرب الصدر، ونتف الشعر، يصيح ويقول: هلك وأهلكت) ، فهل من شرط وجوب الكفارة على من جامع أن يأتي يصيح يقول: هلكت وأهلكت؟ لا، إذاً: نسقط هذه أيضاً، فلو جاء في غاية الهدوء، وفي غاية البساطة، وأسر إلى رسول الله في أذنه، هل يتعلق به الحكم أو لا؟ يتعلق به الحكم، إذاً: تلك الصفات قد نُقحت، نقحها الجمهور وقالوا: يتعلق الحكم بالكفارة على الوصف المعتبر، وهو (واقعت) ، ومالك قال: صحيح، وأنا معكم إلى هنا، ولكن عندي زيادة، ما هي الزيادة -يا مالك - على هذا؟ قال: انتهاك حرمة رمضان، وهذه تستوي فيها (واقعت) و (أكلت) . ومن هنا، بزيادة هذه التنقيحة الأخيرة أخذ مالك من نفس هذا الحديث وهذه القضية: أن من انتهك حرمة رمضان فعليه القضاء والكفارة.

стр. 1551

حكم من جامع في نهار رمضان ناسياً أو مكرهاً إذا واقع أهله ناسياً؟ تقدم في الأكل والشرب (إنما أطعمه الله وسقاه) ، فإذا جامع زوجته ناسياً وهي أيضاً ناسية أو متناسية، فهل تلحقه الكفارة للفعل أو لا تلحقه للنسيان؟ نرجع إلى تحقيق المناط: هل يمكن أن ينسى مثل هذا؟ يعني: هل يتصور أن إنساناً في رمضان ينسى بأنه صائم ويواقع أهله؟ فمن قال: يمكن ذلك، فلا شيء عليه بسبب النسيان. ومن نفى ذلك وقال: هذا مستحيل فوقائع الحال تشهد أنه مستحيل على إنسان يكون في رمضان صائماً، ثم في ضحى النهار ينسى أنه صائم ويواقع أهله! فإذا نسي هو وزوجته أو توطآ على النسيان؟ قالوا: إن أمكن أن يقع بالنسيان فلا مانع، كما قالوا في المكره: لو أكره على وقاع أهله، هل عليه كفارة؟ أو أكره الزوج زوجته فهل عليها كفارة؟ فمن تصور إمكان وقوع ذلك بالإكراه قال: لا شيء عليه؛ لأنه مكره (وما استكرهوا عليه) ، ومن استبعد أن يكون الإكراه في هذا الفعل قال: عليه كفارة، كما قال ابن تيمية ﵀ وغيره: هذا الفعل لا يتأتى إلا بالاختيار، فإذا كان مكرهاً فليست عنده الصلاحية لأن يباشر هذا العمل. وقالوا: من قال: يمكن أن ينتصب ذكره ويباشر بإكراه السوط، أو إكراه القتل، أو إكراه كذا وكذا؛ فلا شيء عليه، ومن قال: لا يتأتى الإكراه، وإنما أكره في الأول ثم رغب في الحال، وباشر وهو راض راغب، فكان الإكراه في البداية، وكان الرضا في أثناء العمل، فعليه الكفارة. إذاً: تحقيق المناط في الإكراه والنسيان يتعلق به الكفارة وعدم الكفارة، وهذه مسائل نادرة، ولكن الفقهاء ﵏ وجزاهم الله عنا أحسن الجزاء- بينوا هذه الوقائع، ولو كان وقوعها نادراً.

стр. 1552

اختلاف العلماء في قدر الكفارة من الطعام يبحث الفقهاء في قوله: (عرق من تمر) ، كم كان فيه؟ الأقوال كثيرة: عشرون صاعاً، خمسة وعشرون صاعاً، أكثر أو أقل، وإذا قلنا: إن عليه أن يطعم ستين مسكيناً، فهل الكفارة في هذا العمل على الترتيب المذكور أو هو بالخيار؟ الرسول ﷺ سأل أولاً عن إعتاق الرقبة، إذاً: أولاً: العتق، فإن لم يجد فصيام -كما يقول الفقهاء ككفارة الظهار- إذاً: يبدأ الذي عليه الكفارة بعتق الرقبة، فإن لم يجدها أو لم يجد قيمتها فالصيام، بعض الناس الآن يقولون: لا يوجد رقاب، والمال موجود ولكن لا يوجد رقاب، وهل يوجد في بعض البلدان الإسلامية أو لا يوجد؟ هذا شيء آخر. إذاً: بحسب الترتيب يبدأ بالعتق، فإن لم يجدها أو وجدت ولم يجد قيمتها انتقل إلى صيام شهرين متتابعين، والتتابع في الشهرين شرط، فلو قطع التتابع بغير عذر استأنف من جديد، أما إذا قطع التتابع بعذر من مرض، أو امرأة كانت تكفر وجاءتها الدورة، وقطعت من أجل الدورة فتستأنف عند رفع المانع حالاً، فإنسان كان يصوم شهرين متتابعين وفاجأه المرض، وأعجزه عن الصوم، فأول ما يتعافى من مرضه ويستطيع الصوم يستأنف حالاً وهكذا. ثم إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، والستون مسكيناً كم إطعامهم؟ قدروا للمسكين نصف الصاع، يعني الصاع الذي يخرج به زكاة الفطر يكفي عن نفرين، فيكون خمسة عشر صاعاً من الطعام، سواء هيأ الطعام في بيته ودعاهم وأكلوا، أو أعطاهم إياه ليهيئوه عندهم، فإن أخرج تمراً فالتمر طعام جاهز، وإن أخرج الأرز -مثلاً- فهو طعام يصنع، وإن أخرج البر فيحتاج إلى طحن وغير ذلك، فبعض العلماء يقول: يجعل مع البر أو مع الأرز ما يصلحه، والبعض يقول: هو مقدار كافٍ. وعدد الستين هنا هل هو مقصود لذاته، فيطعم ستين شخصاً أو هو مقدار ما يطعم الستين حتى ولو أعطاه لستة أشخاص؟ فهناك من يقول: المراد مقدار ما يطعم الستين؛ لأن الغرض المقدار، ومالك يؤكد على أنه يجب أن يكون العدد ستين مسكيناً، ويقول: حينما يأكل طعامك ستة أشخاص فأنت تستفيد من استغفار ودعاء ستة نفر فقط، أما إذا جمعت العدد في الإطعام، ووزعت الكفارة على ستين شخصاً؛ فكل واحد سيستغفر لك، وكل واحد سيدعو لك، وكل واحد سيصوم بطعامك الذي قدمت له، ويكون لك زيادة وانفساح في الأجر.

стр. 1553

هل على المرأة كفارة ؟ الوقاع وقع من طرفين، فهل على المرأة كفارة أيضاً؟ وهل يتحملها الزوج أو لا كفارة عليها؟ هناك من يقول: لا كفارة عليها، والكفارة من الرجل تجزئ عن الوقاع، والمرأة لم تواقع، إنما هي محل العمل، والعمل للرجل. وهناك من يقول: لا، إن كانت مكرهة فلا شيء عليها، وكفارتها عليه، وإن كانت مطاوعة فعليها كما هو عليه أيضاً، ثم إن قلنا بأنها مكرهة، وألزمنا الزوج بالكفارة، فقالوا: الرسول لم يسأل الرجل: هل المرأة مطاوعة أو غير مطاوعة؟ والرسول لم يقل: اعتق رقبتين عنك وعن زوجك، إنما أفتاه فيما يتعلق بنفسه فقط، وهو ﷺ يعلم بأن الوقاع لا يكون إلا من طرفين، فلما سكت عن المرأة سكتنا. والآخرون يقولون: على حسب قواعد الأصول أو قواعد الفقه أو القياس أنه يلزمها الكفارة، فإذا قيل: إنها مكرهة، وقلنا: كفارتها على من أكرهها وهو زوجها، ونلزمه الكفارة من أجلها، فهل كفارتها مثل كفارته أم تختلف؟ إن كانت من ذوي الأموال فإن كفارتها العتق، فعليه أن يعتق عنها، ولو عجز عن العتق لنفسه، لكن هو لم يعتق عن نفسه فكيف يعتق عن غيره؟ وإن كانت كفارتها بالصوم فالصوم لا يصوم أحد عن أحد، بل تصوم هي، وإن كانت كفارتها بالإطعام أطعم عنها كما يطعم عن نفسه.

стр. 1554

من عجز عن الكفارة فهل تبقى في ذمته ؟ هذا الموطن من مباحث الصيام يتفرع عليه أشياء كثيرة، منها أنه ﷺ : (أُتي بعرق بتمر، فقال: قم فأطعمه أهلك) ، فأطعمه أهله، فهل هذا هو مقدار الكفارة؟ بعضهم يقول: الباقي دين في عنقه، فهل الرسول قال له: كمل الباقي؟! الرسول ما قال له: أطعم هذا، وكمل ما بقي عليك من إطعام ستين مسكيناً، بل أعطاه الطعام وقال له: اذهب؛ ولذا هناك من يقول: المعدم يطعم قدر ما يستطيع، ويسقط عنه الباقي. ولا نستطيع أن نستوعب كل جزئيات هذه المسألة، ولعل في القدر الذي أوردناه الكفاية أو التنويه عن مسائل ومباحث هذه المسألة، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً وإياكم لما يحبه ويرضاه!

стр. 1555

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [١٠] ثبت عن السلف الصالح أنه كان يقع بينهم خلاف في بعض المسائل الشرعية، مثل خلافهم في حكم الرجل يصبح جنباً ثم يصوم، وكان خلافهم بأدب وسعة صدر ورجوع إلى الحق إن اتضح، وهكذا ينبغي أن يكون طلاب العلم؛ ولذا فمن الضروري معرفة آداب الخلاف، فبالتأدب بها يحصل الائتلاف.

стр. 1556

شرح حديث: (كان يصبح جنباً ثم يغتسل ويصوم) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من جماع، ثم يغتسل ويصوم) متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم سلمة: (ولا يقضي) ] . هذا الحديث تتمة لمبحث من واقع في نهار رمضان، أن النبي ﷺ كان يصبح جنباً فيغتسل ويصوم ولا يقضي، وذلك في رمضان.

стр. 1557

خلاف الصحابة في هذه المسألة حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها هذا، ومثله عن عائشة رضي الله تعالى عنهما، وقعت فيه قضية في هذا المسجد النبوي الشريف، وذلك كما يروي مالك في الموطأ أن العلماء في مجلس مروان بن الحكم -وهو أمير المدينة آنذاك- تذاكروا ما يكون منه الصوم والفطر، فقال قائل: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: من أصبح جنباً فلا صوم له. يعني: من باشر أهله ليلاً، ونام حتى طلع الفجر قبل أن يغتسل، فلا صوم له في ذلك اليوم. والاغتسال من الجنابة يجوز في أول الليل أو أوسطه أو آخره كما جاء في سنن البيهقي ﵀: (أن رجلاً سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وقال: يا أماه! أكان رسول الله ﷺ يأكل معكِ وأنت حائض؟ قالت: نعم، كنت آخذ العظم فآكل ما عليه من اللحم، وأناوله رسول الله فيعرشه من بعدي، وأشرب القدح وأناوله رسول الله فيضع فاه في موضع فمي ويشرب. قال: قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: يا أماه! أكان ﷺ يوتر من أول الليل أو من آخره؟ قالت: من كل الليل أوتر رسول الله -من أوله، من أوسطه، من آخره- قال: قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. قلت: يا أماه! أكان ﷺ يغتسل من الجنابة قبل أن ينام أو ينام ثم يغتسل؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، أحياناً يغتسل ثم ينام، وأحياناً ينام ثم يغتسل. فقال: قلت: الله أكبر! الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) . وهنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه نقل عنه في هذا المجلس: أن من أخّر غسل الجنابة، وطلع عليه الفجر وهو جنب، فلا يصح صومه من الغد، فلما سمع مروان هذا الكلام، واختلف العلماء الذين عنده، قال لرجل عنده اذهب إلى أم المؤمنين أم سلمة فسلها عن ذلك، فذهب وسلّم وسألها، فقالت: (كان ﷺ يصبح جنباً من جماع لا احتلام، فيغتسل ويصوم ولا يقضي، وسلوا عائشة) ، فذهب أيضاً إلى عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت للسائل: أترغب عن سنة أبي القاسم يا فلان؟! قال: لا والله! ولكن تذاكرنا وأخبرنا إنسان عن أبي هريرة أنه قال: كذا وكذا. قالت: لا، ليس الأمر كما قال أبو هريرة (كان ﷺ يصبح جنباً من جماع لا احتلام، فيغتسل ويصوم ولا يقضي) ، فرجع وأخبر مراون ومن عنده بما أفادت به أم المؤمنين عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما. وإلى هنا يكون قد تبين الأمر، ولكن نظراً لوجود رأي مخالف، نجد منهجاً عظيماً نرجع إليه بعد نهاية هذه القضية، فقال مروان: يا عبد الرحمن! أقسمت عليك لتركبن دابتي وهي بالباب، وتذهب إلى أبي هريرة في بستانه بوادي العقيق -وبستانه هناك على طريق الهجرة -كما يقولون- وراء أرض السراني، أي: قريباً من ذي الحليفة- وتخبره بما حصل، قال: فذهب عبد الرحمن فسلم عليه، ثم تحدث معه قليلاً، ثم قال: يا أبا هريرة! لقد كنا في مجلس مروان، وتذاكرنا ما منه الصوم والفطر، فقال قائل: إنك تقول كذا، فأرسلني إلى أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة، فسألتهما، فأخبرتا بأن النبي ﷺ كان يصبح جنباً من جماع لا احتلام فيغتسل ويصوم، فقال أبو هريرة: أو قالتا ذلك؟ قال: نعم، وسمعته منهما وبلغته للقوم، فقال: أما أنا فلا أدري، فقد أخبرني مخبر، وبعض الروايات تسمي هذا المخبر، وبعضها يسكت عنه، وحيث سكت أبو هريرة فنسكت عنه، والذي يهمنا أن عبد الرحمن رجع إلى مروان ومن عنده، وأخبره بما قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. ويذكر ابن عبد البر في الاستذكار أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه نزع عن هذا القول بعد أن بلغه خبر عائشة رضي الله تعالى عنها، وانتهت القضية برفع الخلاف، وانعقد الإجماع على صحة صوم من أصبح جنباً، وأنه يغتسل بعد الفجر ويكمل صومه. يقول علماء الأصول: إن صحة صوم من أصبح جنباً تؤخذ من باب الإيماء والتنبيه من كتاب الله، وقد نص على ذلك ابن عبد البر وقال: إن الله سبحانه أباح للصائم المباشرة ليلاً في قوله سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فإذا أباح الله ليلاً للصائم المباشرة والأكل والشرب حتى يتبين الفجر، لم يبق وقت لإيقاع الاغتسال إلا بعد الفجر، وهذا من دقة استنتاج العلماء ﵏. إذاً: فقه الحديث، وصحة صوم من أصبح جنباً انتهينا منها، ويلحق بذلك أيضاً الحائض التي تطهر وترى القصة البيضاء قبل الفجر، ولكنها تتأخر في غسلها حتى يطلع عليها الفجر وهي طاهر لم تغتسل، فحكمها حكم الجنب الذي وقع منه سبب الجنابة ليلاً، وأدركه الفجر وهو بجنابته، فكذلك الحائضة أو النفساء إذا طهرت قبل الفجر، فإنها تغتسل بعد الفجر وتصوم ذلك اليوم. هذه المسألة أو هذه القضية قد انتهينا من موضعها الفقهي، وهو: صحة صوم من أصبح جنباً، ويزيدون في الاستدلال أيضاً ويقولون: الجنابة لا تمنع الصوم، لو أن صائماً في منتصف النهار نام فاحتلم، فهل الاحتلام في نهار رمضان يبطل صومه؟ لا يبطل صومه، ولا يلحقه في ذلك كفارة ولا قضاء ولا شيء، يغتسل لجنابة الاحتلام، وهو كغيره في باب الصوم سواء.

стр. 1558

كيفية معرفة الراجح من الأقوال في هذه الآونة نجد المسائل الخلافية لربما تناولها بعض الإخوة بشيء من الجدل، وبشيء من الشدة فيما بينهم، وكنت سابقاً قبل الاشتغال بالموطأ، والوقوف على هذه القضية، أدرس بداية المجتهد، وهو الكتاب الوحيد في بابه الذي يورد أسباب الخلاف، وعند كتاب زكاة الحلي وما فيها من خلاف وضعت منهجاً وقلت: لا يمكن لإنسان يريد أن يفهم مسألة خلافية إلا إذا تتبع خطوات أربع: الخطوة الأولى: معرفة الخلاف على ما هو عليه، فلان قال، فلان قال، فلان قال، احصِ الأقوال المختلفة. الخطوة الثانية: قف على دليل كل صاحب قول، هذا القول ما دليله؟ دون مناقشة. الخطوة الثالثة: إذا أحصيت الأقوال، ثم عرفت أدلتها عند أصحابها تساءلت مع الجميع عن دليل كل شخص آخر: لم لم يأخذ به؟ وبم يرد عليه؟ وهذه الخطوات الثلاث تشبه عند المناطقة التصور. ثم تأتي الخطوة الرابعة النهائية، وهي: الترجيح والحكم، وهي ما تعادل عند المناطقة بالتصديق. فلما وقفت على قضية مروان هذه وجدتها طبق الأصل لما ذكرته من منهج تحقيق المسائل الخلافية، وبيان ذلك: مجلس منعقد في مسجد رسول الله ﷺ ، ومسألة فقهية أثيرت: هل الصائم الذي يصبح جنباً، يصح صومه أو لا يصح صومه؟ وجدنا الخلاف من طرفين: طرف يقول: لا يصح. وطرف يقول: يصح. ما مستند كلا القولين؟ مستند من يقول: لا يصح، ما جاء عن أبي هريرة، ومستند من يقول: يصح، ما يأتيه من أخبار أخرى، ولم يسمع بقول أبي هريرة، ومروان لم يعرف الدليل الثاني إلا بعد ذلك، فقبل أن يأخذ برأي أبي هريرة أو يرفضه احترمه ووقف عنده، ولكنه رد الأمر إلى أهله؛ لأن زوجات رسول الله ﷺ أعلم بحاله الداخلي من غيره، ولما سأل جاءه الجواب، فتبين عند المجتمعين وجود القولين ووجود الدليلين، بقي حينئذ أن نسأل أبا هريرة عن قول عائشة: ماذا يجيب عليه؟ ولم لم يأخذ به؟ وبم يرد عليه؟ فأرسل إليه بتلطف، ولم يستدعه إليهم، ولكن أرسل إليه في مكانه وسأله، فتبين أن ما قاله أبو هريرة لا يرفعه إلى رسول الله، بل يقول: أخبرني مخبر. فحينئذ يبقى الترجيح، وكيف نعادل بين دليل يقول: أخبرني مخبر. ودليل يقول: كان ﷺ يفعل ذلك ويصبح صائماً؟ أعتقد أن الحق اتضح، والطريقة واضحة.

стр. 1559

أدب الخلاف ينبغي على طلبة العلم حينما يصادفون مسألة خلافية، أن يتأدبوا بأدب الخلاف، ولا يجوز لأصحاب الأقوال المختلفة أن يعنف أحدهم الآخر، ولا أن يسفه رأيه، ولا أن يطرح قوله، بل يعتبره إلى أن يصفي القضية، أنت قلت كذا، وأنا بلغني كذا، وهذا بلغه كذا، على ما تستندون؟ فإذا بحث كل منهم عن الحق، وكان الغرض من ذلك البحث الوصول إلى الحق، وليست نصرة الرأي، وليست شهوة الانتصار والغلبة، بل الغرض هو إصابة الحق، فالجميع يتعاونون ليصلوا معاً إلى معرفة الحق. ونظير ذلك أيضاً في هذا المسجد النبوي الشريف: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه جلس مع بعض أصحابه، فتذاكروا الغسل من الجنابة، فقال قائل: إذا أولج ولم ينزل فلا غسل. وقال آخر: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل أنزل أو لم ينزل. فوقع الخلاف، هناك من يقول: لا غسل إلا إذا أنزل، والثاني يقول: مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وليس بشرط أن يُنزل. إذاً: الخلاف من شقين، وكل من الحاضرين يبدي ما عنده، فدخل عليهم علي رضي الله تعالى عنه، فسأله عمر: القوم اختلفوا، ماذا عندك؟ فقال علي رضي الله تعالى عنه لـ عمر: ولم تسألني وتسأل غيري من هؤلاء وبجوارك أمهات المؤمنين وهن أعلم بذلك؟! أرسل إليهن وسلهن. فقال: أحسنت، وأرسل إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: (كان ﷺ يفعله ويغتسل -يعني: يولج ولم ينزل ويغتسل- وقالت: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل -وهذا متفق عليه، ويزيد مسلم في روايته:- أنزل أو لم ينزل) ، وقد تقدم معنا هذا الحديث في نفس هذا الكتاب المبارك بلوغ المرام في باب الغسل. فـ عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع قول عائشة أن هذا فعل رسول الله، ثم يسمع بعد ذلك ما يخالف هذا قال: والله! لن أوتى بأحد يقول: لا غسل إلا من إنزال، إلا جعلته مثلة لغيره -أدبت به غيره- فقال أبي بن كعب: على رسلك يا أمير المؤمنين! أنا أخبرك -أي: لماذا كان هذا الخلاف، وهذه هي نتيجة رجوع طالب العلم للسلف وعلماء الأمة؛ لأنهم جمعوا شتات المسائل- أنا أخبرك لماذا اختلفوا وما هو السبب- كنا في بادئ الأمر لا غسل إلا من إنزال، ثم بعد ذلك عُزم علينا، وأصبح إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، فكنا في بادئ الأمر: (إنما الماء من الماء) ، فإذا ما جامع ولم ينزل المني فلا ماء للغسل (الماء من الماء) الماء الذي هو ماء الغسل من الماء الذي هو ماء المني، ثم عزم علينا أن نغتسل. فهذا مجلس بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في مسألة تعم بها البلوى في كل البيوت، فالمباشرة أمر طبيعي، ويختلفون في حكم من جامع ولم ينزل: أيغتسل أو لا يغتسل؟ إذاً: كانت هناك مسائل ربما تخفى على بعض الناس، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه طرفاً في هذه المسألة. إذاً: لا غرو أن تخفى بعض المسائل على كبار أصحاب رسول الله، أو على صغار أصحاب رسول الله، أو على كبار التابعين، ثم بعد ذلك مع البحث والتنقيب يطلع على الراجح، ومن هنا كان السلف من التابعين ومن يأتي بعدهم أجمع لجزئيات المسائل، وانتهى الخلاف فيما يتعلق بهذه القضية، وأصبحت مطردة (إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل) . أمر يتعلق بالإخوة طلبة العلم في الدراسات العليا، وهو بعيد عن أحكام الصيام، ولكن له صلة بالأصل العلمي الفقهي، وهو ما نراه في الآونة الأخيرة أو المتقدمة قليلاً، حيث يقوم طالب علم مجتهد فيختار لموضوع رسالته (فقه فلان) ، مثل كتاب فقه سعيد بن المسيب في حوالى سبعة أو ثمانية مجلدات، فقه إبراهيم النخعي، فقه مجاهد، فقه ابن المبارك، وينفرد الطالب ببحث مسائل فقهية وردت عن صحابي أو تابعي. وأقول: أيها الإخوة! هل هذا الصحابي أو هذا التابعي قد جمع جميع مسائل الفقه الاختلافية والاتفاقية؟ لا يمكن أن يدعي ذلك أحد، فإذا ما اقتصرنا على مسائله التي وردت عنه فأين بقية مسائل الفقه؟ وإذا اقتصرنا عليها هل نأخذ بها ونترك غيرها؟ وهل نتمذهب بمذهبه فتصبح عندنا عشرات المذاهب، والناس يضيقون ذرعاً بالأربعة؟ الحقيقة إنه ترف علمي، أما عملياً بالنسبة لخدمة الفقه الإسلامي فلا أعتقد ذلك، بخلاف الموسوعات العلمية، فمثلاً البخاري في صحيحه ما اقتصر على صحابي، ولا على تابعي، وإنما جمع ما صح عنده، وليس كل ما صح عنده جمعه، إنما أودع لنا في صحيحه من الصحيح فقط دون الضعيف، ولكن لا يقتصر في الباب على ذكر صحابي، بل يأتي ما حضره من الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، فيقف طالب العلم على آراء جملة من الصحابة في الباب الواحد، وحينئذ يكون أدعى إلى استيعاب النصوص في هذه المسألة أو في هذا الباب، وتنظر -مثلاً- في فتح الباري، فتجد أنه يطوف في آفاق أوسع من البخاري عشرات المرات، ويأتينا بالنصوص عن أصحاب السنن جميعاً، وعن أصحاب رسول الله جميعاً، فيجمع لك المسألة بأطرافها، وكما قيل: لا هجرة بعد الفتح، تستغني به عن غيره، ولا تستغني بغيره عنه؛ لأنه جمع ما لم يجمعه غيره.

стр. 1560

سعة الصدر في مسائل الاجتهاد المنهج العلمي في بحث المسائل الخلافية، يكون بالرفق وحسن القصد، وينبغي أن تكون الغاية عند الباحثين إنما هي الوصول إلى الحق. ونجد جزئية هي كلية بالنسبة إلينا: فـ أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صحابي جليل، سمع أن عائشة رضي الله تعالى عنها روت خلاف ما سمع هو، فهل تعصب لما سمع؟ هل بقي على ما كان عليه؟ بل إنه حالاً نزع عما كان عليه، ورجع إلى الحق، وهذه هي سمة طلاب العلم، والرجوع إلى الحق أحق. فالإنصاف من سمات علماء المسلمين حقاً، وفي هذا المسجد النبوي الشريف كان والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في درسه في رمضان بعد العصر كهذا الوقت، وكان يتكلم على الأشهر الحرم، ثم قال: وليعلم الإخوة أننا كنا تكلمنا عنها سابقاً، وظننا أنها قد نسخت بآيات القتال، ثم الآن تبين لنا أنها لم تنسخ، وأنها محكمة، وأن حرمتها باقية؛ ولهذا وجب التنبيه على ذلك! مسألة تكلم فيها، ومضى عليها زمن طويل، وسمع بها من سمع، ولم يسأله أحد، ولن يطالبه أحد بالتدقيق في ذلك، ولم يناقشه أحد فيما قال، ولكنها أمانة العلم، ولكنه الوفاء للحق، ولكنه الرجوع إلى الله وإلى الحق، يعلنها في المكان الذي أعلن فيه الرأي الأول! أيها الإخوة! إن أجمل ما يتحلى به طالب العلم هو سرعة الرجوع إلى الحق حينما يتبين له، ومن هنا نعلم حقيقة أن غرضه وقصده وغايته من طلب العلم إنما هو الحق، ولا شيء سوى الحق. والله أسأل أن يوفقنا جميعاً -أيها الإخوة- إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

стр. 1561

التشاور قبل الاجتهاد في معرفة الراجح من الأقوال ينبغي لطالب العلم أو المسئول أو العالم إذا واجهته قضية ليس عنده فيها نص، وليس عنده فيها ما يعتمد عليه؛ أن يتوقف ويستشير، ويبحث ما استطاع ليصل إلى الحقيقة، فإن وجد من القواعد والنصوص والأصول ما يبني عليه قوله فالحمد لله، وإلا اجتهد طاقته والتوفيق من عند الله. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سافر إلى الشام، وفي قرية بينه وبين الشام نزل، وجاءه القواد بالشام ليستقبلوه، ثم أخبر بأن الطاعون قد نزل بالشام، فماذا يفعل؟ أيقدم بالقوم على الطاعون فيهلكهم أم يرجع عن مسيره الذي خرج إليه؟ ما استبد برأيه، مع أن عمر يسمى الملهم، إذا سار في طريق شرد الشيطان منه، وقد نزل الوحي موافقاً لرأيه في عدة مواطن، ماذا فعل؟ دعا مشيخة المهاجرين، فجيء بمشيخة المهاجرين فسألهم فاختلفوا عليه، منهم من قال: امضِ إلى ما خرجت إليه، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء، قال: قوموا عني. ثم دعا مشيخة الأنصار فسألهم، فاختلفوا عليه، منهم من قال: امض إلى ما خرجت إليه متوكلاً على الله، ومنهم من قال: لا تدخل أصحاب رسول الله على هذا الوباء. قال: قوموا عني. ثم طلب مشيخة قريش، فاجتمعوا عنده وسألهم، فما اختلف عليه واحد فيهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجع بمن معه، فلما كان الليل قال: إني مصبح على ظهر -يعني: راكب راجع- فجاء عبد الرحمن بن عوف ولم يكن حاضراً من قبل، وسمع بالذي حدث، فقال: يا أمير المؤمنين! عندي في ذلك علم -إذاً: ظهر النور- قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها) ، فحمد الله عمر وكبر، وشرح الله صدره، وفرح بأن اجتهاده بأنه مصبح على ظهر راجعاً موافق لما جاءه من هذا العلم النبوي الشريف، وهو أننا إذا سمعنا به في أرض فلا ندخلها. أيها الإخوة! ليس هناك من يدعي علم عمر، ولا خيال علم عمر، وليس عندنا من يدعي ورع عمر، إذاً: مع فضله وجلالة قدره، وهو الخليفة، وله الحق في أن يشرع ما لم يكن فيه نص (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) ؛ ومع ذلك يستشير، ويبذل الجهد حتى يفرغ ما في وسعه، ثم يجتهد ويستقر رأيه على جهة، ثم يأتيه العلم مطابقاً لرأيه الذي استقر عليه. وقد سمعت والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول في مسألة: والله! لقد مكثت عشر سنوات وأنا أبحث عنها حتى وجدتها في كتاب الله! إذاً: طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة أو واجهته مشكلة أو قضية لا يبادر، ولا يسارع، سواء كانت فتوى، أو كانت علماً، أو كان غير ذلك، بل يستشير ويبذل الوسع، ويراجع، ونحن في الوقت الحاضر أمامنا -ولله الحمد- مصادر التشريع من كتب التفسير ومن كتب الحديث. ابن تيمية ﵀ الذي عاش ومات وحياته كلها في العلم، ويمكن أن تقول: قد عجن بماء العلم؛ يقول: كنت أقرأ للآية مائة تفسير، وأقول: اللهم! يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، لم يقتصر على تفسيرين أو على عشرة أو عشرين، يقرأ مائة تفسير في الآية الواحدة؛ ليطلع على آراء العلماء؛ ليستوعب الأقوال فيها، والشيء بالشيء يذكر، اليوم نكون في جولة في هذا الموضوع.

стр. 1562

سبب اقتصار الشنقيطي على تدريس التفسير والأصول سألت والدنا الشيخ الأمين -رحمة الله تعالى علينا وعليه- في هذا المسجد، في رمضان، بعدما انتهى من الدرس، وقد ذهب الناس، تقدمت إليه وقلت له: يا شيخ! أنا لي سؤال من زمان يتردد على لساني ولم أستطع أن أقوله. قال: وما هو؟ وكان -رحمة الله تعالى علينا وعليه- يعطيني شيئاً من السعة قليلاً، قلت له: منذ أن جئتَ إلى هذه البلاد وأنت مقتصر على تدريس التفسير وأصول الفقه، ما غيرت، مع أنك بحر في علوم العربية: نحو، صرف، بلاغة، أدب، وكل ما يتعلق بها، والفقه ما أظن مسألة في مذهب مالك في تخوم وبطون الكتب إلا وهي في دماغك، والحديث ما أعتقد أنه يعجزك معرفة رواة الحديث ومعاني متون الحديث، والتوحيد نسمع منك فيه الشيء الكثير وهكذا. فقال لي: ما الذي حملك على هذا السؤال؟! قلت: الذي حملني عليه أن هذا السؤال ورد على الإمام أبي حنيفة ﵀، فقرأت عنه أنه قيل له: يا أبا حنيفة! أنت في زمن تدوين الحديث، وما رأيناك تشتغل بالرواية! وأنت في زمن اشتهر فيه علم الكلام، وما رأيناك تتكلم في علم الكلام -يعني: التوحيد والعقائد، ومعلوم أنه في ذاك الوقت كانت العلوم متوافرة من فقه وحديث وفقه وتوحيد وتفسير- ورأيناك تشتغل بالفقه فقط! قال: نعم، أما رواية الحديث فإن هناك رجالاً يتتبعون الرواة، وهم علماء الرجال، فيتتبعون أحوال كل راوٍ من مولده إلى موته، فإن وجدوا عليه هفوة تركوه، وصارت سبة فيه إلى الأبد، وأنا لست في حاجة إلى هذا. أما علم الكلام فلو أن شخصاً سمع منك هفوة بدون قصد في التوحيد رماك بالزندقة، وأنا في غنىً عن هذا. وأما التفسير فالقرآن ميسر، وعلماء التفسير كثيرون. أما الفقه فإني نظرت فإذا العامة والخاصة والغني والفقير والرجال والنساء في أمس الحاجة إليه؛ فاشتغلت به. فقال ﵀: والله! معه الحق في هذا. قلت: وأنت؟ قال: أقول لك: أما علم العربية الذي ذكرت فهو وسيلة وليس بغاية. وفعلاً علوم العربية بأجمعها ليست غاية، فلا ينبغي لإنسان أن يضيع عمره كله في أن المبتدأ مرفوع، والخبر مرفوع، والجملة الفعلية والجملة الاسمية، ولكن تكون دراسة علم اللغة لمعاني كلمات القرآن، وللبلاغة، فهي وسيلة وليست بغاية. قال: وأما علم الكلام فليس علماً يثار على الحاضرين على اختلاف طبقات عقولهم وأفهامهم؛ لأن فيه من الشبهات وفيه من المزالق ما تزل فيه أقدام الفحول، فكيف يثار على عوام الناس! فليس عملياً. وأما علم الحديث فهو تتبع الرواة وعدالتهم وقبولهم وتصحيحهم، وتتبع المتن في فقهه ومعارضته، ومطلقه ومقيده، وعامه وخاصه، وناسخه ومنسوخه. إلخ. وأما الفقه فيحتاج إلى اجتهاد كثير، ولا يمكن أن تبحث مسألة؟ بجميع أطرافها هنا في المدينة، وكنا في بلادنا نقتصر على فقه مالك، وهنا في المدينة يأتيها أناس من كل المذاهب، ولا يتأتى لإنسان أن يتعرض لمسألة فقهية خلافية إلا إذا استوعب أقوال الأئمة الأربعة فيها؛ من أجل أن الحاضرين من أهل المذاهب الأربعة، وإذا جمعت أقوال مسألة وغبت عنها مدة، ثم رجعت إليها احتجت إلى تجديد البحث فيها مرة أخرى، فهو متعب. أما التفسير -وهذا محل الشاهد عندي- فما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها! ابن تيمية يقول: كنت أقرأ مائة تفسير، والشيخ الأمين يقول: ما من آية في كتاب الله إلا وعندي في حافظتي وفي ذاكرتي جميع ما قيل فيها من علماء التفسير جميعاً! قلت: إذا كان الأمر كذلك فلك الحق في اقتصارك على تدريس التفسير، والأصول ما هو السبب في تدريسه؟ قال: نعم، أما الأصول فهو ضروري لطالب العلم؛ لأن العلماء يقولون: جهلة الأصول عوام العلماء، وقال: ثم اعلم أن التفسير يأتي فيه اللغة متناً وإعراباً وصرفاً وبلاغةً، ويأتي فيه التوحيد، فآيات التوحيد في كتاب الله كثيرة، ويأتي فيه الأحكام الفقهية، فالفقه أكثره يؤخذ من كتاب الله، ويأتي. ويأتي. وعدد كل العلوم التي تصب في كتاب الله. والذي يهمني من هذا أن طالب العلم إذا عرضت عليه مسألة وأشكلت عليه، فلا يستنكف عن المشاورة والسؤال، بل يبحث ويجتهد، لعل الله أن يفتح عليه، فهو يقول: ما من آية في كتاب الله إلا وعندي ما قيل فيها، يعني: لو راجعنا جميع كتب التفاسير الموجودة، والخلافات عن أئمة التفسير لوجدناه محصلاً إياها!! وهكذا أقول: ينبغي لطالب العلم إذا تعرض لمسألة أن يجمع أكثر ما قيل فيها، ليكون على بينة من أمره. ولكن لو عمل الجميع بهذا لما وجدنا من يستطيع أن يجلس يدرس الناس، فإذا وجدنا عُشر ذلك ففيه البركة والخير. والله أسال أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.

стр. 1563

بركة طلب العلم في المسجد النبوي أقول: يا إخوان! ما وجدنا أيسر تحصيلاً وأكثر بركة في طلب العلم من هذا المسجد النبوي الشريف، جئت إلى شيخنا الأمين مرة وقلت: يا شيخ! يطرأ لي أن أبحث عن مسألة في البيت، وأتطلبها في مظانها جميعاً، فيتعذر علي الوقوف عليها، فأصر على أني أتجاوزها، فيصادف بعض الأحيان حينما آتي إلى المسجد النبوي وأضع إحدى قدماي في المسجد، وقبل أن أدخل الثانية، إذا به يخطر على بالي حكم المسألة! فإذا به يقول: لست وحدك! قلت له: كيف لست وحدي؟! قال: وأنا يحصل هذا عندي، أستشكل الأمر، ويطول إشكاله عندي، فإذا ألقيت الدرس في المسجد النبوي ألهمني الله الجواب! ولهذا -أيها الإخوة- حث النبي ﷺ على طلب العلم في هذا المسجد، فقال: (من راح أو غدا إلى مسجدي هذا لعلم يعلمه أو يتعلمه كان كمن غزا في سبيل الله) . والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، والله! الحديث ذو شجون! وبالمناسبة أيها الإخوة: أحمل طلبة العلم بالمدينة ما حملهم رسول الله ﷺ ، كما روي عنه أنه قال: (يا معشر أهل المدينة! إن الناس لكم تبع، وستفتح الأمصار، ويأتي رجال يطلبون العلم -أي: هنا- فآووهم وعلموهم) ، وكان سعيد بن المسيب إذا جاء واحد من خارج المدينة لطلب العلم يقول: مرحباً بوصية رسول الله. وهذا هو الواجب على من أكرمه الله سبحانه بطلب العلم في المسجد النبوي، فإذا جاء طالب جديد فينبغي أن يشرح له صدره، وأن يوسع له باله، وأن ييسر له طريقه، وأن يبذل ما في وسعه لمساعدته لطلب العلم. والله الموفق.

стр. 1564

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [١١] مسألة انتفاع الميت بعمل الحي، من المسائل التي يكثر فيها الخلاف والجدال، فينبغي لطالب العلم أن يعرف خلاف العلماء فيها، ودليل كل قول فيها، ولعله بهذا يتضح له الصواب، وعليه ألا ينكر على من خالفه؛ لأن مخالفته مبنية على أدلة، ومن عرف أقوال العلماء وأدلتهم اتسع صدره، وكثر علمه.

стр. 1565

شرح حديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) متفق عليه] . موضوع هذا الحديث -وهو صيام الحي عن الميت- جزء من قضية كبرى، ألا وهي: مدى انتفاع الميت بعمل الحي. وقوله في هذا الحديث: (من مات) ، (من) من صيغ العموم تشمل الرجل والمرأة. وقوله: (وعليه صيام) الصيام جنس، هناك صوم الفريضة، وصوم النافلة، أما صوم النافلة فليس بداخل هنا؛ لأنه يقول ﷺ : (من مات وعليه) ، والنافلة لا تكون ديناً على الميت؛ لأنها غير واجبة، والصوم الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب بتكليف من الله، وهو صوم شهر رمضان، وواجب بتكليف الإنسان نفسه دون أن يكون واجباً عليه، وهذا في صوم النذر والكفارات، فالنذر جائز، ولكن الإنسان هو الذي يلزم نفسه به. قوله: (من مات وعليه صوم) صوم هنا نكرة، وتشمل الفرض بتكليف من الله، والواجب بتكليف الإنسان نفسه به. وقوله: (صام عنه وليه) وليه أي: من أقاربه، وولي الإنسان أول من يدخل فيه عصبته، والولي هنا ليس خاصاً بالرجال، بل يدخل فيه النسوة، فعلى القول بالصوم عن الميت، لو أن أبناء الميت وبناته وزوجاته صاموا عنه بتقسيم الأيام بينهم أجزأ، ولكن هذه المسألة لم يتفق عليها العلماء، هناك أحاديث فيها عموم انتفاع الميت بعمل الحي، وهناك نص في خصوص الصلاة والصوم، وهناك نص: (لا يصم أحد عن أحد، ولا يصلِ أحد عن أحد) ، ومن هنا وقع الخلاف فيمن مات وعليه صوم، هل يصوم عنه وليه أم لا؟ قيل: (يصوم عنه) بمعنى: يطعم؛ لأن الإطعام بدل عن الصيام. والذين يجيزون عمل الحي عن الميت قالوا: هذا الحديث نص بأنه يصوم عنه. والمانعون يقولون: من مات وعليه صوم المراد به: صوم النذر؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه به، بخلاف صوم رمضان، فالله كلفه، والله أماته؛ فلا شيء عليه.

стр. 1566

هل ينتفع الميت بعمل الحي ؟ ما مدى انتفاع الميت بعمل الحي؟ ينقسم العلماء إلى قسمين: قسم يبيح ذلك مطلقاً، فيقولون: كل عمل للإنسان الحي ينفع الميت، وقسم يقابل ذلك ويقول: لا ينتفع الميت بأي عمل من أعمال الحي، وفصل الجمهور بين هذا وذاك، وقسموا أعمال الإنسان التكليفية من العبادات إلى قسمين: عبادة مالية، وعبادة بدنية، فالعبادة البدنية هي ما ليس فيها المال: كالصلاة، الصيام، الحج، الجهاد، كل هذه من أعمال البدن، وكذلك الذكر والدعاء، وأعمال المال: كالصدقة، سداد الديون، وكل ما يبذل فيه المال فهو عبادة مالية. نقل ابن عبد البر وابن تيمية إجماع المسلمين على أن كل عبادة مالية فإن الميت ينتفع بها من الحي، ومثلوا لذلك بسداد الديون، وبالصدقة عنه ابتداءً، وبالتكفير عنه إذا كانت عليه كفارة، وكان التكفير بالمال كإطعام ونحوه. وقالوا: جاءت النصوص الصحيحة في هذه الأصناف عن النبي ﷺ ، أما تسديد الديون فمنها (أن امرأة -ومرة رجلاً- أتيا النبي ﷺ وسألاه، هذا يقول: إن أبي، وتلك تقول: إن أمي مات أو ماتت، وعليه الحج، أفينفعه أن أحج عنه؟ قال: أرأيت -أو أرأيتِ- لو أن على أباك -أو أن على أمكِ- ديناً فقضيتيه، أكان ينفعها ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء) . فالرسول ﷺ أحال السائل والسائلة في جواز وإجزاء الحج عن الميت على سداد الدين، وسداد الدين بالفطرة أنه يجزئ عن الميت، فقالوا: إذاً: من مات وهو مدين، وليس عنده ما يسدد الدين -ولو كانت عنده تركة تسدد الدين؛ سدد من تركته، ولا حاجة إلى أحد- فقام إنسان من ذويه أو أصدقائه أو أحد المسلمين فسدد الدين، فيسقط عنه الطلب، وبرئت ذمته. وجاء في خصوص الدين بالذات أن النبي ﷺ كان في بادئ الأمر في أول الهجرة وأول الإسلام (إذا قدم إليه ميت ليصلي عليه يسأل: أعليه دين؟ فإن قالوا: نعم، عليه دين. قال: صلوا عليه أنتم. وإن قالوا: ليس عليه دين يصلي عليه. فقدم مرة إلى النبي ﷺ ميت، وسأل وقيل: نعم، عليه ديناران. فقال: صلوا عليه أنتم. فقام أبو قتادة رضي الله تعالى عنه -وبعضهم يقول: علي رضي الله تعالى عنه- فقال: يا رسول الله! صل عليه ودينه علي. قال: في ذمتك؟ قال: نعم. قال: برئت منها ذمته؟ قال: نعم، فصلى عليه) . ثم لما جاءت الفتوحات، وجاءت الغنائم، ووسع الله على المسلمين، قال ﷺ : (من مات وعليه غرم فغرمه عليَّ، ومن مات وله غُنم فغنمه لذويه) ، وصار ﷺ إذا أتاه ميت وعليه دين يسدد ذلك من مال الصدقات. إذاً: الميت ينتفع من الحي بسداد دينه، وكذلك الصدقة سواء تصدق عنه بنقد أو بطعام أو اشترى شاة وذبحها وتصدق بلحمها عنه، أو نحو ذلك، وقد جاء عنه ﷺ (أنه بعد الهجرة كان يذبح الشاة، ويقسم لحمها، ويقول: صدقة عن خديجة) ، وخديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها توفيت بمكة، فمن كثرة ما كان يفعل ذلك كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تغار، والغيرة تلحق النسوة: خديجة خديجة حتى بعد الممات خديجة! نعم، ولم لا؟! وقد وقفت بجانبه ﷺ وقفة لم يقفها أحد معه في أشد الحالات، عندما رجع من الغار ترعد فرائصه، وقال: (زملوني زملوني لقد خشيت على نفسي) ، ما جلست بجواره تبكي، ولكن بحصافة العقل قالت: أخبرني ماذا حصل؟ فأخبرها، فقالت له: والله! لن يخزيك الله أبداً، إنك لتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، وتصدق الحديث، وتقري الضيف، وتفعل وتفعل. وأخذت تعدد من مكارم أخلاقه ﷺ ، واستدلت بذلك على أن الذي ألمَّ به ليس شيطاناً، وبينما هو في تلك الحالة يقول: (زملوني زملوني) قالت: قم وانهض! -لم تغطه وتجلس بجانبه- ومضت به إلى ورقة بن نوفل -وكان قريبها- فقالت: اسمع من ابن أخيك ماذا يقول، فقص عليه، فقال: يا ابن أخي! هذا الناموس الذي أنزل على موسى وعيسى والنبيين من قبلهم، ليتني كنت فيها جذعاً ليتني أكون حياً حينما يخرجك قومك فأنصرك. فقال: (أوهم مخرجي يا عم؟!) قال: نعم، ما جاء أحد قوماً بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي. فهذه هي خديجة! ولما اشتد الأمر على المسلمين، وانحازوا إلى الشعب، وكتب الكفار صحيفة المقاطعة، دخلت معه، ثم في يوم أحس وقال لها: (يا خديجة! لقد أكثرت عليك، وأسرفت في مالك على الضعفاء) ، فشق عليها ذلك، وجمعت سادة قريش، وجاءت بكل مالها وقالت: هذا مالي بين يدي محمد، والله! لا أسأله عن شيء أنفقه، ولا عن شيء تركه. هذه هي خديجة رضي الله تعالى عنها! واختبرت جبريل، قالت للنبي ﵊: هل تستطيع أن تخبرني حينما يأتيك؟ قال: (نعم، قالت: افعل. فلما أن جاء جبريل قال لها: لقد أتى. قالت: قم فاجلس في حجري. فقام فجلس في حجرها، قالت: اقعد على فخذي. فقعد على فخذها الأيمن، ثم الأيسر، قالت: أتراه؟ قال: نعم أراه، نعم أراه، فحسرت عن رأسها -كشفت رأسها- وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: اثبت، إنه ليس شيطاناً، إنه ملك، لم يرض أن ينظر إلى شعري) . ومن الغد تخرج خديجة بطعام لرسول الله وابن عمه علي رضي الله تعالى عنه إلى جبل أجياد، وكانا يخرجان يتعبدان هناك بعيداً عن قريش، فلقيها جبريل في صورة رجل فقال: أين تذهبين يا خديجة؟! قالت: لي حاجة. قال: أين محمد؟ قالت: لا أدري، خافت عليه منه، فلما جاء جبريل إلى رسول الله قال: يا محمد! السلام يقرئك السلام، ويقرئ خديجة السلام، ويبشرها بقصر من قصب، لا نصب فيه ولا صخب. فكان ﷺ يتصدق عنها، ولما قالت عائشة مقالتها، قال: (وما لي لا أفعل ذلك ولي منها الولد، وآمنت بي أولاً، وآزرتني بنفسها ومالها؟!) . والذي يهمنا: أنه ﷺ كان بنفسه يتصدق عن خديجة. إذاً: الميت ينتفع من عمل الحي إذا كان العمل مالاً ينفق: سداد دين، أو أداء كفارة، أو صدقة مطلقة.

стр. 1567

خلاف العلماء في جواز إهداء ثواب الأعمال البدنية للموتى يقول ابن تيمية ﵀: العبادات البدنية هي التي فيها النزاع. إذاً: العبادة المالية لا نزاع فيها، والخلاف في العبادة البدنية: الصلاة، والصيام، والحج، يقول شارح الطحاوية ﵀ -والطحاوي من علماء القرن الثالث الهجري، وشارح كتابه من علماء القرن السابع أو السادس-: إن الحج عبادة بدنية، والفقهاء يقولون: هو جامع بين البدن والمال، وهو يقول: الحقيقة أنه بدني محض، والمال مساعد له، بدليل أن القادر على المشي من أهل مكة يتعين عليه الحج ماشياً، ولا حاجة له إلى المال، ولكن الآفاقي يحتاج إلى المال للسفر وللسكنى. إلخ. وباتفاق علماء المسلمين أن الميت ينتفع بحج غيره عنه، كما جاء في سؤال الرجل عن أبيه والمرأة عن أمها: إن أبي مات وعليه حج، أينفعه أن أحج عنه؟ إن أمي ماتت وعليها حج، أينفعها أن أحج عنها؟ والمرأة أو الرجل الذي قال: إن أبي شيخ كبير لا يقوى على الثبات على الراحلة، وخشيت إن أنا ربطته عليها أن يهلك، أفحج عنه؟ قال: (نعم) ، فهذه الصور في الحج، وسمع الرسول ﷺ رجلاً يلبي حول البيت ويقول: لبيك اللهم عن شبرمة. فقال: (ومن شبرمة هذا؟ قال: أخ لي أو قريب. قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا. قال: حج عن نفسك أولاً ثم حج عن شبرمة) . إذاً: بإجماع المسلمين أن الميت ينتفع بحج الحي عنه، وهناك خلاف عند المالكية إذا مات الرجل وقد وجب عليه الحج ولم يحج ولم يوصِ، قيل: لا يحج عنه، هو الذي قصر في نفسه. والآخرون يقولون -كما يقول الشافعي -: من مات وقد وجب الحج عليه ولم يحج، وبقي في ذمته فمات، فيتعين على الورثة أن يخرجوا من تركته ما يحجج غيره عنه من بلده؛ لأنه حق في ذمته تعلق بالتركة. فهذا الشافعي يوجبه وجوباً، ويقدمه على الوصايا الأخرى، ويقدمه على الوارث، ولا يقدم عليه إلا الدين. إذاً: باتفاق المذاهب الأربعة أن الحج -وهو عمل بدني- يجزئ عن الميت، فمن مات ولم يحج، فيجوز أن يحج عنه غيره، وينتفع به وإن لم يكن قد وجب عليه، فيكون له أجر حج النافلة، وللحاج عنه مثل ذلك الأجر. بقي حكم إهداء ثواب الصلاة، والصيام، وذكر اللسان من دعاء واستغفار وتلاوة القرآن للموتى. أما الصلاة: فيحكون النزاع فيها لحديث: (لا يصلي أحد عن أحد) ، وبعضهم ينازع في ذلك؛ لأن في ضمن الحج صلاة ركعتي الطواف عن الميت، فهي ضمن عمل الحج، وأجزأت عن الميت، وجاء في الحديث: (جاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! كان لي أبوان أبرهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال: أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك، وتبر من كانا يبرانه) يعني: تصل أصدقاءهما وأقاربهما، فقال ﷺ في إرشاد الذي طلب بر أبويه بعد موتهما: (أن تصلي لهما مع صلاتك) ، فقال في هذه الكلمة (تصلي لهما) ، لكن نجد المانعين يقولون: المعنى: تدعو لهما في صلاتك، ولكن الأصوليين يقولون: لا يجوز حمل اللفظ الواحد على المعنيين المختلفين في وقت واحد، فالصلاة لها معنى لغوي وهو الدعاء، ومعنى شرعي وهو الركوع والسجود والتحية، فهؤلاء قالوا: (تصلي لهما مع صلاتك) فقوله: (صلاتك) أي: ذات الركوع والسجود الشرعي، وقوله: (تصلي لهما) أي: الدعاء! فإما أن تجعلوها الدعاء في الموطنين، وإما أن تجعلوها الصلاة الشرعية في الموطنين، وأما أن تشكلوا بهذا وبهذا فالأصوليون يمنعون ذلك. فهذا حديث يثبت أن من بر الوالدين بعد موتهما أن تصلي لهما، وليس المراد: صلاة الفريضة، فالفريضة انقطعت (إذا مات ابن آدم انقطع عمله) ، ولكن ذلك في النافلة، أصلي ركعتين وأقول: لأبوي، أو ركعتين لأبي، وركعتين لأمي. وقوله: (وتصوم لهما مع صومك) ، في النافلة أيضاً، فكما تصوم تطوعاً لنفسك تصوم أيضاً تطوعاً لهما. وهذا الحديث من ضمن أدلة القائلين انتفاع الميت بأعمال الحي، (من مات وعليه صوم، صام عنه وليه) ، فهو انتفع بصوم الولي، وانقضى الدين عنه.

стр. 1568

حكم الدعاء للميت وقراءة القرآن له هل ينتفع الميت بالدعاء؟ يقول ابن تيمية ﵀: هذه العبادة ينتفع بها الميت بإجماع المسلمين، ومن جحدها فقد كفر، يقول: نصلي صلاة الجنازة إذا مات الميت ولا نعرفه، فتشرع الصلاة عليه، وهي تشتمل على الفاتحة، والصلاة والتسليم على سيدنا رسول الله ﷺ ، والدعاء للميت، فإذا كان الميت لا يستفيد ولا ينتفع من دعاء الأحياء لما كان للصلاة عليه فائدة، وفي القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] ، فهذا القرآن يسجل دعوات المسلمين الأحياء للمسلمين السابقين بالإيمان، وهذا جائز بإجماع المسلمين. وقالوا: كذلك تلاوة القرآن؛ لأنها عبادة بدنية قولية، فإذا قرأ الإنسان قرآناً يبتغي به وجه الله، ثم جعل هذا القرآن لميته وصله، يقول ابن تيمية ﵀: هذا باتفاق العلماء، وإنما نازع في ذلك الشافعي ﵀، وبعض أتباع المذاهب الأخرى، ويلحق بالقرآن الذكر والدعاء، فإذا سبح الله كذا، استغفر الله كذا، كبر الله كذا، وقال: يا رب! هذا لميتي. فإنه يصله، وأطال الكلام في ذلك، وروى ذلك عن كثير من سلف الأمة، وذكر نزاع الناس في مسألة التردد إلى القبر لقراءة القرآن، قال: أما في أول مرة عند دفنه فيجوز؛ لأن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أوصى أهله إذا دفنوه، أن يمكث الماكث عند قبره، ويقرأ أوائل سورة البقرة وخواتيمها وخواتيم سورة الحشر، أما أن يتردد ويتخذ ذلك عادة، فقال: هذا لم يفعله السلف، وليس بجائز. ولو كان إنسان لا يقرأ، هل يجوز أن يستأجر من يقرأ؟ قال ابن تيمية: هذا عمل لم يعمله السلف قط. ولكن إن كان ولي الميت أعطى من يقرأ لميته نظرنا: هل هو فقير أو غني؟ فإن كان غنياً فليس له ولا لميته شيء من ذلك؛ لأن من أخذ الأجرة من الخلق فليس له عند الخالق أجر؛ لأن الثواب مبني على الإخلاص وابتغاء وجه الله، وهو أخذ نقداً ممن أعطاه، فتعجل الأجر مسبقاً فلا أجر له عند الله، إذاً: ليس عنده ما يهديه للميت. وأما إن كان الآخذ فقيراً، وأخذ المال ليستعين به على القراءة؛ فإن له ذلك، وأقل ما يكون أن ما دفعه ولي الميت لهذا القارئ من سبيل الصدقة؛ لأنه فقير محتاج. نخلص من هذا كله -أيها الإخوة- أن هذه النصوص في هذه القضية تثبت استفادة الميت من عمل الحي.

стр. 1569

أدلة من قالوا: لا ينتفع الميت بعمل الحي نحن قدمنا سابقاً في قضية مروان بن الحكم في مسألة صيام الجنب، أنه لابد أن نطلع على أدلة الفريق الآخر، وكيف نرد عليها، فالذين منعوا استفادة الميت من عمل الحي قالوا: جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به، أو صدقة جارية) ، وجاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] . ويجيب على ذلك شارح الطحاوية وابن تيمية رحمهما الله بأجوبة متعددة، وخلاصة ذلك: أن في الحديث أنه انقطع عمله المباشر، أما عمله بالواسطة الذي تسبب به في حياته، فلا نقطع، كالصدقة الجارية، مثل أن يكون بنى مسجداً، أجرى نهراً، حفر بئراً، بنى مسكناً للمساكين، فهذه صدقة جارية من بعده، وهي من عمله، فيقولان: هذا الميت حينما كان حياً، وصلته بالمسلمين عموماً كانت حسنة، وكان يتودد إليهم ويساعدهم ويتألفهم، فهو أوجد لنفسه عندهم تعاطفاً معه؛ فلما مات تصدقوا عليه، فلما مات صاموا عنه، فلما مات قرءوا له، فهذه القراءة التي جاءت من الغير لهذا الميت هي من عمله، وما هو عمله؟ هو حسن علاقته معهم في حياته، أليس عطف قلوبهم عليه، وصحبتهم له، وتذكرهم له بالدعاء والمغفرة؛ نتيجة لعمله معهم؟ بلى هو من عمله. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، فسعيه وكسبه بالسعي انتهى، ولكن الآية لم تمنع أن ينتفع بسعي غيره، نعم إن صلاة غيره لمن صلى، وصدقة غيره لمن تصدق، وليس للميت شيء، فهذا الذي سعى بصلاة أو بصيام سعيه له، فبالقياس الصحيح أنه لما أصبح سعيه له فهو حر فيه: إن شاء أمسكه لنفسه، وإن شاء قدمه للميت، فإذا سعى إنسان حي لتحصيل الأجر من أي عبادة كانت، فأصبح الأجر ملكاً لهذا الساعي وهو على قيد الحياة، ولما أصبح ملكاً له، فله أن يضعه حيث شاء. وذكر شارح الطحاوية مثالاً: الأجير يعمل ويؤدي الخدمة لمن استأجره ويأخذ الأجرة، وبعدما يأخذ الأجرة يضعها حيث شاء، يستبقيها لنفسه، يعطيها لوالده، يعطيها لولده، وله أن يعطيها للميت كما يعطي الآخرين. قالا: لا تعارض بين قوله: (تصوم لهما مع صومك، وتصلي لهما مع صلاتك) ، وقوله: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) ، وبين حديث: (انقطع عمله) ، فهذا عمله الشخصي، ولم يقل الحديث: ولم ينتفع بعمل الغير، بل قال: (انقطع عمله) هو، ولم ينفِ أن ينتفع بعمل الغير، إذاً: عمله انقطع، وجاءته المنفعة من عمل الغير، والحديث لم يمنع ذلك، وكذلك الآية الكريمة. قالوا: وقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ، تدل على أن العقاب لا يتحمله إنسان عن ذنب إنسان آخر، وهذا لا دخل له في ذلك. أيها الإخوة! نكون في الجملة قد عرجنا على الجانب الأول، وهو: أن الميت ينتفع بعمل الحي، سواء كان الانتفاع مالياً أو بدنياً، وذكرنا القول المخالف وما استدلوا به، وجواب العلماء عنها، وبالله تعالى التوفيق. ونأتي لفقه الحديث: مذهب مالك والشافعي وقول عن أبي حنيفة ﵏ أنه لا صيام عن الميت، ولكن يطعم عن كل يوم مسكيناً، ومذهب أحمد ﵀ وبعض أصحاب الشافعي وبعض أصحاب مالك أنه إن صام عنه أجزأ عنه، وبرئت ذمته من ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 1570

كتاب الصيام - باب صوم التطوع وما نهي عنه [١] الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم من الحج كما في الحديث (الحج عرفة) ، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتم به النعمة، وهو أفضل أيام السنة، ولذا ندب الشرع من لم يحج في سنته من العباد إلى صيامه، وجعل صيامه مكفراً لسنتين: سنة ماضية وسنة باقية.

стр. 1571

فضل صوم يوم عرفة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، أما بعد: قال المؤلف ﵀: [عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: يكفر السنة الماضية والباقية، وسئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: يكفر السنة الماضية، وسئل عن صوم يوم الإثنين، فقال: ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل علي فيه) رواه مسلم] . بدأ المؤلف ﵀ بالحديث عن صوم يوم عرفة، وغيره من المؤلفين ربما بدءوا بحديث صوم يوم عاشوراء؛ لأنه أسبق، والنصوص فيه أكثر، وهو بالترتيب الزمني في محرم وهو أول أشهر السنة، ثم يأتي بعده رجب، ويأتي بعده شعبان، وبعده رمضان، وبعده شوال وهكذا إلى العشر من ذي الحجة، إلى التاسع وهو يوم عرفات، ثم الأيام المنهي عنها: يوم العيد، وأيام التشريق. ساق المؤلف ﵀ حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ سئل) ، وكونه سئل أي: أنه لم يأتِ الأمر منه ﷺ ابتداءً كأن يقول: (صوموا يوم عرفة، فإن فرضه كذا وكذا) ، ولكنه في هذا الحديث سئل فأجاب، ومن هنا يقول بعض العلماء: ما كان جواباً عن سؤال قد يكون قضية عين، ولكن قضية العين تتعلق بشخص أو جماعة محدودة بأعيانهم، وأما السؤال هنا فهو عن اليوم.

стр. 1572

الفرق بين عرفة وعرفات وسبب هذه التسمية (سئل ﷺ عن صوم يوم عرفة) ، يقال: عرفة وعرفات بالتاء يقول علماء اللغة: عرفة اسم للزمان ولليوم، وعرفات بالتاء: اسم للمكان، وهو موضع بمكة، كأذرعات موضع بالشام. يوم عرفة -كما يقولون- في تاريخ المناسك: أنه سمي عرفة؛ لأن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما نزل من السماء إلى الأرض، واختلف هو وحواء، ساح في الأرض ما شاء الله ثم لقيها في ذلك المكان فتعارفا فسمي عرفة، هذا القول الأول، وأعتقد أن هذا بعيد، فما هو الذي فرق بينهما لما نزلا من الجنة وهما نزلا معاً؟! القول الثاني: في سبب تسميته بعرفة أن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما بنى البيت وأُمر أن يؤذن في الناس بالحج، قال: ﴿رَبَّنَا وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:١٢٨] ، فأرسل الله له جبريل وخرج معه إلى منى، وبيّن له مواقع الجمرات، وذهب معه إلى المشعر الحرام، وأخيراً ذهب معه إلى عرفات، وبيّن له الموقف، ثم قال له: (أعرفت المناسك؟ قال: عرفت) فسميت عرفات؛ لأنه استعرفه على ما عرّفه عليه من المناسك. وهناك قول ثالث وهو: أنه سمي عرفات؛ لأن العالم الإسلامي يأتي من كل فج عميق فيتعارفون في ذلك المكان، ومهما يكن من سبب التسمية فقد أصبحت الآن كلمة عرفة مشهورة، وعرفات علم وتنوسي فيه الوصف، كما تقول: العباس والضحاك، فالعباس: قد يكون بشوش الوجه، فتنوسي وصف العبوسة فيه، وأصبح علماً، والضحاك: قد يكون عابس الوجه كئيباً، فتنوسي وصف الضحك فيه وأصبح علماً. وهكذا في عرفة لا علاقة للتسمية بعمل النسك. وصوم هذا اليوم يقول عنه ﷺ : (يكفر سنتين: سنة قبله، وسنة بعده) ، سنة قبله أي: قبل السنة التي هو فيها؛ لأنه في آخر أشهرها، وهو شهر ذي الحجة، والسنة التي فاتت، قد يحمل الإنسان فيها بعض ما قدر عليه من الأخطاء والذنوب؛ لأنه ليس معصوماً، وصوم يوم عرفة يكفرها ولكن السنة التي بعده ماذا يكفر فيها وهو لم يرتكب فيها شيئاً بعد؛ لأنه ما عاصرها ولا عاشها، فكيف يُكفر شيء لم يوجد؟! استشكل العلماء هذا، وأجابوا عنه بأجوبة: منها: أن الله يسدد هذا الشخص لفعل الخير ويبعده عن ارتكاب الآثام، ومنعه من ارتكاب الآثام بمثابة تكفيرها. ومنها: أنه إذا ارتكب شيئاً من الذنوب وفق للعودة إلى الله وسرعة التوبة، فيكون ذلك تكفيراً لها. ومهما يكن من شيء فإن بعض العلماء يقولون: لا ينبغي أن تفسر أحاديث الوعد والوعيد، بل تترك على ما هي عليه بنصها ومدلولها العام، كي يكون وقعها في قلب المؤمن أكثر. ونحن نقول: الحمد لله، قبلنا البشرى من رسول الله ﷺ .

стр. 1573

حكم صوم يوم عرفة بعرفة ولكن بقي حكم صوم يوم عرفة بعرفة، حج النبي ﷺ في حجة الوداع وقال: (خذوا عني مناسككم) ، فيا ترى! هل صام ﷺ أو أفطر؟ جاء في الحديث أن الصحابة اختلفوا هل هو ﷺ صائم أو مفطر؟ ولم يجرءوا أن يسألوه هل أنت صائم أو مفطر؟ وكانت أم الفضل رضي الله تعالى عنها حكيمة، فقالت: أنا أخبركم، فأرسلت إليه ﷺ بقدح من لبن، وهي تعلم أنه لا يرد اللبن، وذلك ضمن ثلاث لا ينبغي للضيف أن يردها على مضيفه وهي: اللبن والريحان والوسادة. فإذا دخلت ضيفاً على إنسان وقدَّم لك اللبن فلا تقل: أنا لا أريده؛ لأنه كما قال الله عنه: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦] ، ومثله الريحان، والعطور: كنعناع أو ريحان أو ورد أو فل، لا ينبغي أن تردها لأنها طيبة الريح. ومثل ذلك الوسادة إذا أعطاكها، لترتفق بها فلا تردها؛ لأنه يريد إكرامك، والإحسان إليك، وكما قالوا: ينبغي للضيف أن يجلس حيث أجلسه المضيف؛ لأنه أدرى بعورات البيت. فلما علمت ﵂ أنه صلوات الله وسلامه عليه لا يرد اللبن أرسلت إليه بقدح من اللبن، لأنها تعرف أنه إن كان صائماً فسيرده للصوم لا لكونه لبناً، وإن لم يكن صائماً فسيشربه فلما أرسلت إليه باللبن بعد العصر أخذ القدح فرفعه والناس ينظرون فشرب، فعلموا أنه مفطر. فإذا قيل: صوم يوم عرفة يكفر سنتين، فهل الرسول زاهد في هذا الخير، وهو الذي أمرنا به؟ الجواب: لا. ولهذا قال العلماء: صوم يوم عرفة يكفر سنتين لمن ليس بعرفات، فإذا أنت لم تحج وجلست في بلدك فصم، أما إذا حججت فعليك أن تفطر، والسبب أنك متلبس بأنساك وبعبادات والفطر أولى وأقرب لفعل الطاعة. فإذا كان إنسان جالساً في بيته فنقول له صم، وإما إذا كان في الحج والمناسك والقربان إلى الله، والله يتجلى لأهل الموقف في يوم عرفات، فنقول له: لا تصم، ويقولون هنا: انظر إلى الأعمال التي يعملها الحاج في يوم عرفة وقبله، فهو يصعد من مكة إلى منى في يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يبيت في منى ليلة، وبعد أن تطلع الشمس يذهب إلى عرفات، والمسافة بين المسجد الحرام وأرض عرفات واحد وعشرون كيلو متراً، منها سبعة إلى منى، ويكون الباقي إلى عرفات أربعة عشر، فأمامه مشي أربعة عشر كيلو متراً، فإذا جاء إلى عرفات فأمامه الصلاة، وسماع الخطبة، ثم الذهاب إلى الموقف، وقد بقي ﷺ في الموقف على ظهر راحلته من بعد أن صلى الظهر والعصر جمعاً إلى أن غربت الشمس، فيبقى الحاج على هذا في عمل وجهاد واجتهاد في الدعاء، ثم بعد غروب الشمس ينزل إلى مزدلفة وفي هذا زحام، فإذا صلى العشاء نام، وعند طلوع الفجر يصلي ويجتهد في ذكر الله عند المشعر الحرام، إلى قبيل أن تطلع الشمس، ثم ينزل إلى وادي محسر، ويسرع في المشي، ثم يأتي إلى منى، ويرمي ويحلق وينحر، ثم ينزل إلى مكة، ليطوف طواف الإفاضة، ويرجع إلى منى ليقيم فيها، فأي حركة بعد هذا؟! الشاب القوي الفتي، يكل من أعمال ذلك اليوم وما بعده، فهذا الجهد وهو عمل في الفرض، وتكملة له، لا يحتاج إلى صيام، بل يحتاج إلى أكل وفيتمينات وإلى كل المقويات؛ لأنه إذا صام فسيكون في يوم عرفة ضعيفاً وكأنه مغمى عليه، ولا يجتهد في دعاء، ولا يجتهد في مناجاة لله، وإذا نزل إلى مزدلفة فسيكون متعباً لأنه كان بالأمس صائماً. إذاً: من هنا قال العلماء ﵏: صوم يوم عرفة يكفر سنتين لمن ليس بعرفة، أما من كان حاضراً عرفة فهو في نسك، وهذا بخلاف الذي يحضر إلى عرفة للخدمة، وللبيع والشراء، فهذا يصوم إن شاء، يقول بعض العلماء: إن بعض الصحابة كان صائماً يوم عرفة في حجة الوداع، وبعض السلف كان يصوم يوم عرفة في عرفات، فقيل لهم: إن الرسول ﷺ أفطر فيه، فقالوا: كانت السنة الفطر فيه إبقاءً على الضعيف، وأما القوي الذي يجد من نفسه القوة والنشاط، ويستطيع أداء الواجب مع الصيام، فهو خير إلى خير، ولكن الجمهور ردوا وقالوا: أي إنسان لن يكون أقوى من رسول الله، فأجاب الآخرون وقالوا: رسول الله فعل ذلك للتشريع، فيقال لهم: ولكنه قال: (خذوا عني مناسككم) . ومع وجود هذا الخلاف عن بعض السلف في الأولى لمن حضر عرفات في نسك الحج هل يكون صائماً أو مفطراً؟ نقول: الأولى أن يكون مفطراً لفعله ﷺ ولقوله: (خذوا عني مناسككم) .

стр. 1574

فضل صوم يوم عاشوراء قوله: [: (وسئل ﷺ عن صوم يوم عاشوراء فقال: يكفر السنة الماضية) . ]

стр. 1575

سبب تقديم وتفضيل يوم عرفة على يوم عاشوراء سئل ﷺ عن صوم يوم عرفة وعاشوراء، وقدم عرفة عليه؛ لأن عرفة يكفر سنتين، وعاشوراء يكفر سنة واحدة، وسنتان أولى من سنة، ويوم عاشوراء جمهور العلماء من أهل اللغة والفقه على أنه هو اليوم العاشر من شهر محرم. وقال ﷺ في صيامه: (إنه يكفر سنة) ، فإذا قيل: هذا يوم وهذا يوم، فلم كان هذا بسنة وهذا بسنتين، والصوم هو إمساك عن الطعام والشراب، والصوم في يوم عرفات هو كالصوم في يوم عاشوراء، وهو كالصوم في رمضان -إمساك الدورة الزمنية للشمس- فما الفرق بينهما؟ يقول بعض العلماء جواباً على هذا: إن صوم يوم عاشوراء تابع لموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وصوم يوم عرفات تابع للنبي ﷺ ، وما كان تابعاً لنبينا محمد يكون أفضل مما هو تابع لغيره، كفضله على سائر الأنبياء، هكذا يقولون، والله أعلم.

стр. 1576

سبب الصيام في يوم عاشوراء صوم يوم عاشوراء له تاريخ طويل، فقد جاء في حديث عائشة قالت: (يوم عاشوراء كانت العرب تصومه في الجاهلية، وكان ﷺ يصومه -أي: قبل البعثة- فلما قدم المدينة وجد اليهود يصومونه فسألهم عن سبب صومهم؟ فقالوا: هذا يوم مبارك، نجى الله فيه موسى وأهلك فرعون، فصامه موسى شكراً لله وصمناه) . إذاً: اتفق أهل مكة الوثنيون وأهل المدينة اليهود الكتابيون على صومه، فصام اليهود هذا اليوم؛ لأنه يوم مبارك نصر الله فيه الحق على الباطل، وهناك تاريخ مسبق يذكره بعض العلماء -والله تعالى أعلم بحقائق التاريخ- يذكرون أن يوم عاشوراء هو اليوم الذي رست فيه سفينة نوح واستوت على الجودي، وأنه هو اليوم الذي أطفأ الله فيه نار النمرود التي أوقدها على إبراهيم، وأنه كذلك هو اليوم الذي أهلك الله فيه فرعون ونجى فيه موسى، فيذكرون في التاريخ أن هذه الأحداث وقعت في يوم عاشوراء، ويذكرونها إما متسلسلة وإما متباعدة. والله تعالى أعلم. والذي عندنا من النقل الصحيح هو من بداية موسى مع فرعون، فلما أُخبر ﷺ من اليهود عن سبب صومهم لهذا اليوم، قال: (نحن، وفي رواية: أنا أحق بموسى منكم) سبحان الله! بعد آلاف السنين يكون ﷺ أحق منهم بموسى مع أنهم أمته الذين بعث فيهم؛ لأنهم غيروا ما كان عليه موسى أما النبي ﷺ فلم يغير كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] . فآمن النبي ﷺ وآمنت الأمة بموسى وبجميع الأنبياء وبما جاءوا به من عند الله، أما اليهود فمعلوم أنهم غيروا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً. قال ﷺ : (نحن أحق بموسى منكم) ، فصامه وأمر الناس بصيامه وفي بعض الروايات: (نحن أبناء علات ديننا واحد) ، والعلات جمع علة وهي: المرأة تأتي بعد المرأة تحت الرجل الواحد أي: أن أممنا متفاوتة ولكن الأصل لنا جميعاً واحد وهو الوحي من عند الله، فصام هذا اليوم وأمر بصيامه. ويأتي هنا سؤال: هل صومه ﷺ كان تبعاً لليهود؟ الجواب: لا؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: (كانوا يصومونه في الجاهلية، وكان ﷺ يصومه) أي: قبل البعثة. إذاً: صومه كان معروفاً ولكن السؤال جاء عن سبب صوم اليهود، وقريش كانت تصوم يوم عاشوراء، وتجدد فيه كسوة الكعبة، وهذا يعني: أنه كان معروفاً لهم، ولكنه هنا سأل فوجد سبباً جديداً، وهو تجدد نعمة من الله على عباده، وهي نصرة الحق على الباطل، وهذه نعمة متجددة تقابل بالشكر، وسيأتي في حق النبي ﷺ في يوم الاثنين أنه ولد وبعث فيه، وهذه كذلك نعمٌ متجددة تقابل بالشكر.

стр. 1577

استحباب صوم يوم تاسوعاء مع عاشوراء مخالفة لليهود كان سؤاله ﷺ اليهود عن صومهم لبيان السبب، ثم بعد ذلك قيل: (يا رسول الله! إن اليهود يصومون يوم عاشوراء ونحن نصوم يوم عاشوراء فوافقناهم، فقال: لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر) ، ولكنه قبض ﷺ قبل أن يأتي العام الجديد، واقتصر على ما كان عليه.

стр. 1578

بيان أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً في أول الإسلام وقد كان صوم يوم عاشوراء في بادئ الأمر فرضاً؛ لأنه ﷺ بعث رجالاً إلى مياه القبائل ينادون: (إن اليوم يوم عاشوراء فمن أصبح صائماً فليتم، ومن أكل فليمسك بقية يومه) ، فلو لم يكن فرضاً ما أمرهم أن يمسكوا بقية يومهم، وقد كان فرضاً حتى فرض رمضان، فنسخت فرضية عاشوراء وبقيت نافليته، وظل ﷺ يصوم يوم عاشوراء كل سنة، وكان فرض رمضان في شعبان في السنة الثانية من قدومه ﷺ المدينة فنسخ فرض صوم يوم عاشوراء وبقيت سنيته إلى اليوم. وذكر ابن عبد البر آثاراً عن التابعين في يوم عاشوراء وذكر حديثاً يقول عنه المنذري: إن سنده ضعيف وهو: (من وسع على عياله فيه وسع الله عليه طيلة العام) ، ويذكر ابن عبد البر عن بعض السلف أنه قال: قد جربناه وكان صحيحاً، وبعضهم يذكر هذا في يوم النصف من شعبان، والله تعالى أعلم. يهمنا أن صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وقد جاء عن ابن عمر أنه لم يكن يصومه إلا إذا صادف صوماً له، وقال: كان فرضاً فنسخ، فمن شاء صامه، ومن شاء لم يصمه، وعلى هذا فصوم يوم عاشوراء باتفاق الجميع سنة، وليس بواجب، فمن شاء صامه، ومن شاء لم يصمه، وإذا صامه فإنه يكفر سنة، والله تعالى أعلم.

стр. 1579

فضل صوم يوم الإثنين قوله: [ (وسئل ﷺ عن صوم يوم الإثنين؟ فقال: ذلك يوم ولدت فيه وبعثت فيه وأنزل عليّ فيه) رواه مسلم] .

стр. 1580

سبب تخصيص يوم الإثنين بالصيام كان صلوات الله وسلامه عليه يكثر من صوم يومي الإثنين والخميس، فسئل عن تخصيصه يوم الإثنين فقال: (ذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل عليّ فيه) ، ويذكر العلماء من أحداث الواقع التاريخي أنه أتى المدينة في الهجرة يوم الاثنين، وتوفي ﷺ يوم الاثنين، ولذا قالوا: يوم الاثنين لمحمد ﷺ ، ويوم الجمعة لآدم، كما قال ﷺ في فضل يوم الجمعة: (فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائم يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها) . وقول مالك في الموطأ: (فيه تقوم الساعة وما من دابة في الأرض إلا وتصيخ بسمعها يوم الجمعة بعد الفجر إلى طلوع الشمس شفقاً من الساعة) . قوله: (ما من دابة) فيه أن الدواب كلها تعرف أيام الأسبوع، فإذا كان يوم الجمعة أصاخت من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، تنظر هل تأتي النفخة أي: النفخة ليوم القيامة إلى أن تطلع الشمس ثم تنصرف، يا سبحان الله العظيم! هذه الدواب العجماء، وهذه الحيوانات العجماوات تعلم يوم الجمعة، وتخشى قيام الساعة، وتتسمع من أجله. فقالوا: يوم الجمعة أحداثه مرتبطة بآدم، وبمناسبة كون الساعة تقوم فيه، نجد الفقهاء يستحبون في صلاة فجر يوم الجمعة قراءة سورة السجدة؛ لأن فيها قصة آدم، وفيها البعث، وفيها الجزاء، وكذلك قراءة سورة الدهر ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان:١] إلى آخر السورة؛ لأن فيها أحوال يوم القيامة، فقالوا: في قراءة هاتين السورتين في هذه الفريضة يتناسب اجتماع الذكر مع التاريخ فيكون أدعى لأن يتذكر الإنسان مبدأه، وحياته، ومصيره، ليأخذ من حياته إلى ما بعد مماته. إذاً: سئل ﷺ عن سبب صوم يوم الإثنين؟ فعدد نعماً، وهذه النعم هي التي يقول عنها العلماء: لا كسب للعبد فيها وهي ثلاث نعم، ليس للعبد فيها كسب أو تسبب، وليس له فيها عمل، وليس له سعي في الحصول عليها، بل هي محض نعمة من الله عليه، أو محض إنعام من الله بها عليه، وهذه النعم هي: إيجاده من العدم، وإسلامه، ودخوله الجنة، وهنا يقول ﷺ : (ولدت فيه) وهو الإيجاد من العدم، وإذا فتشنا أنا وأنت حينما جئنا إلى الدنيا ماذا فعلنا لكي نأتي إلى الدنيا؟! ما عملنا شيئاً، فقد كنا في العدم، وغاية ما يمكن أن يقول القائل: إن الأبوين تسببا، فنقول: هما قضيا حاجتهما ولا يملكان بتلك الحاجة أن يأتيا بالولد؛ لأن الولد هبة من الله، كما قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:٤٩] ، وهذا الملك ليس مثل ملك الملوك في الدنيا، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٤٩] ، وفي هذا القدرة والعظمة، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] ، فمن جعله الله عقيماً، والله! لن يخصب ولن ينجب أبداً. إذاً: الولد هبة، وإن تسبب الأبوان في وجوده، فتسببهما ليس بلازم أن يأتي بالولد. ونعمة الإسلام، فالإنسان في عالم العدم كما يقول علماء الجدل: جائز الوجود، بمعنى جائز أن يوجد وجائز أن يبقى في العدم، وهما نظريتان متعادلتان، فكون واحدة ترجح على الأخرى فلابد من مرجح والمرجح هو الله، فإذا رجح وجود الإنسان على بقائه في العدم فمن أين وجد؟ كان من الممكن أن يوجد من أبوين بوذيين، أو أبوين وثنيين، أو أبوين يهوديين، أو نصرانيين أو غير ذلك، ولكن كون الله أختار له أبوين مسلمين وولد بين أبوين مسلمين فسينشأ مسلماً، وهل كان له اختيار أو جهد أو كسب في أن يوجد من أبوين مسلمين؟ ليس له فيه كسب بل هو فضل من الله عليه، وهو ما قاله ﷺ : (وأنزل علي فيه) . والإسلام أساساً ما أنزله الله على رسوله إلا بالرسالة، والرسالة إلى رسول الله محض فضل من الله، فقد اصطفاه الله لذلك قبل أن يوجد، وقد بحث العلماء هذا عند قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] فقالوا: اصطفاه وهو في أصلاب آبائه، وآباء آبائه إلى آدم، واختاره نبياً قبل أن توجد الدنيا، وكل شيء قد سجل في اللوح المحفوظ، والرسل مصطفون عند الله من قبل أن يوجدوا، فهذه رعاية من الله لنبيه ﷺ ، فقد رعاه الله في أصلاب آبائه، وصانه من دنس الجاهلية، كما قال ﷺ : (ولدت من نكاح لا من سفاح) ، وكانت أنواع الولادات في الجاهلية متعددة، كما ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان الزواج أو النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء: تخطب المرأة من وليها فيزوجها كما تفعلون اليوم، وتؤخذ المرأة بالسيف، وتنصب المرأة الراية، وتتخذ الأخدان) فولد ﷺ من النكاح الذي تخطب فيه المرأة من وليها فيزوجها، كما في القصة التي ذكرها ابن هشام في السيرة وفيها أمر يذهل العقل، لما أراد عبد المطلب أن يذبح ابنه عبد الله في قضية زمزم فلما وقع السهم عليه، وذهب ليذبحه منعته قريش، وتحاكموا إلى الكاهنة، وقالت: فادوه بعشر من الإبل واستهموا عليه بالقرعة، فإذا طلعت القرعة عليه فزيدوا الإبل عشراً، فاستهموا وفعلوا إلى أن كملت الإبل مائة فخرجت القرعة على الإبل، ثم نحرت، وفي عودته مع أبيه تلقته امرأة قريبة لـ ورقة بن نوفل -وكان رجلاً يقرأ الكتب القديمة- فقالت: يا عبد الله! وهو والد محمد بن عبد الله، هل لك أن تذهب معي إلى بيتي الساعة ولك مائة من الإبل مثل التي فوديت بها اليوم؟ قال: نعم، ولكني الآن مع أبي فأنظريني حتى أصل معه إلى البيت ثم آتي إليك، ولكن أباه لم يذهب به إلى بيته، إنما ذهب به إلى بني زهرة، وخطب له آمنة فتزوجها، ودخل عليها من ليلته ثم لما كان الغد خرج فلقيته تلك المرأة فأعرضت عنه، فتعرض لها فأعرضت عنه، فتعرض لها وقال: ما لك بالأمس تتعرضين لي واليوم تعرضين عني؟! قالت: كنت بالأمس أرى نوراً أو وبيصاً بين عينيك رغبت أن أظفر به ولكن ظفرت به آمنة بنت وهب، فهذا النور يتفقون أنه نور النبوة، ولكن ما كل إنسان كان يراه. وبعض الناس يشكك في هذه القصة، ويؤكد ذلك إخباره ﷺ بأنه صين عن سفه الجاهلية وأنكحتها، وتنقل في أصلاب نكاح صحيح سليم إلى أن حملته آمنة ووضعته وأدت الأمانة ومات أبوه، وماتت أمه وبقي في كفالة ربه، فنشأ يتيماً ولكنه كفل الأيتام، وربَّى الكبار والصغار. إذاً: رعاية الله كانت تحوطه، فهو نبي ومرسل، وقد جعل الله ذلك له ولبقية الأنبياء من أول ما أمر الله القلم: (اكتب ما يكون وما سيكون إلى يوم القيامة) . قوله: (يوم ولدت فيه، وأنزل عليّ فيه) كان بدء الوحي في غار حراء عند أن كان يتحنث فيه، وكان في يوم الإثنين، ثم بعد ذلك واصل الدعوة ثلاث عشرة سنة في مكة، ثم خرج مهاجراً إلى المدينة، وكان وصوله إليها في يوم الإثنين، وقبض ﷺ في يوم الإثنين، وبقي يوم الثلاثاء، ودفن في يوم الأربعاء؛ لاشتغال الناس بالبيعة في السقيفة وبالخلافة وما وقع فيها، ولما فرغوا من أمر الخلافة جاءوا لدفنه ﷺ ، فهنا يقول العلماء: تلك نعم متجددة، فقوله: (ولدت فيه) ، وهذه نعمة الإيجاد من العدم، وقوله: (أنزل عليّ فيه) وهذه نعمة الرسالة، وليس بعدها نعمة، فكان يشكر هذه النعم بأن كان يصوم يومها. وهكذا موسى لما نجاه الله من فرعون صام ذلك اليوم. وقد ذكرنا سابقاً ما ذكره علماء السيرة: أن أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة استدعاهم النجاشي ذات يوم، فجاءوا إليه مذعورين، فلما دخلوا عليه إذا به جالس على أرض تراب ليس عليها فراش، حاسر الرأس، لابساً ثوباً قديماً خلقاً، مصوباً بصره إلى الأرض، فقال: أتدرون لمَ دعوتكم؟ قالوا: لا، قال: نصر الله نبيكم محمداً، أو نبينا محمداً على عدوه في هذا اليوم، فقد التقى مع قريش في وادٍ يقال له: وادي بدر فنصره الله عليهم، ذاك وادٍ يكثر فيه الأراك، وقد كنت أرعى فيه إبلاً لبني فلان، فقال له جعفر: وما هذه الصورة التي نراك عليها فقد أفزعتنا؟ قال: إن فيما أنزل الله على عيسى أنه قال له: (إني أحب إذا جددت نعمة على عبدي أن يجدد لي شكر النعمة) ، فأنا على هذه الحالة شكراً لله على نصره محمداً على أعدائه، ولهذا جزم كثير من العلماء أنه مؤمن، ويؤكد ذلك أن اليوم الذي مات فيه أخبر عنه ﷺ وصلى عليه هو وأصحابه صلاة الجنازة. قال: (يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه) ، وهاتان نعمتان عظيمتان، فشكرهما ﷺ بصيامهما، لا بلعب ولا بعيد، ولا بلهو ولا بنحو آخره، فصام للذي أنعم عليه مرضاة له سبحانه.
следующие страницы →