Полный текст (2 523 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الذنوب التي تغفر بقيام رمضان
وقوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه) نجد العلماء ﵏ يقفون عند قوله: (غفر له ما) ، و (ما) هنا هي للعموم سواءً كانت صيغة إجمال أو كانت موصولة، غفر له الذي تقدم من ذنبه، وهذا الذي تقدم قد تكون فيه كبيرة وقد تكون فيه صغيرة، وبعض العلماء يقول: غفر له ما تقدم من ذنبه من الصغائر، وأكثرهم يقولون: غفر له ما تقدم من صغائر وكبائر؛ لأن الصغائر قد قال الله عنها: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] ، فالصغائر تكفر باجتناب الكبائر وبدون أعمال أخرى، إذاً: الحديث مطلق، وكما قال بعض العلماء: أحاديث الوعد والوعيد ينبغي ألا تفسر بل تؤخذ على منطوقها، والله تعالى أعلم.
стр. 1612
فضل العشر الأواخر من رمضان
قال المصنف ﵀: [عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر -إي العشر الأخيرة من رمضان- شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) ، متفق عليه] .
هذه الصورة التي تصفها لنا عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان: (كان إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله) ما معنى هذا في العشر دون العشرين الأول؟ قال العلماء: كان ﷺ يجتهد في رمضان ولكن اجتهاده في العشر الأواخر من رمضان أكثر من اجتهاده في بقية رمضان.
ويعزون السبب في ذلك إلى أنه ﷺ اعتكف العشر الأوائل، ثم اعتكف العشر الوسطى، ثم اعتكف العشر الأخيرة، وبين ﷺ : (أنه أول ما اعتكف إنما كان يترقب ليلة القدر أن توافيه وهو منقطع فيها إلى الله، فلما اعتكف العشر الأوائل في سنة أتي فأخبر بأن الذي ترجوه أمامك -يعني: ليس في العشر الأوائل- وفي السنة الثانية اعتكف العشر الوسطى، ثم أتي فقيل له: إن الذي ترجوه أمامك، فنظر إلى الناس من خبائه وقال: من كان اعتكف معي فليظل في معتكفه فإني معتكف العشر الأواخر) ، واعتكف العشر الأواخر وظل يعتكف في العشر الأواخر حتى قبضه الله.
فكان حينما تأتي العشر يجدد النشاط ويشتد فيه وأول شيء: (شد مئزره) ، والمئزر معروف وهو: ما يكون في وسط الرجل من السرة إلى أسفل.
وقوله: (شد مئزره) هل معناه: أنه اعتزل النساء؟ أو أن معناه أنه شد حزامه كناية عن النشاط كما تقول: يا فلان! شد حيلك وشد حزامك؟ وكما قيل أيضاً: أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد! تورد الإبل أي: أنه أورد الإبل والشملة على كتفه وهو غير مبال بها، وإيراد الإبل يحتاج إلى شد الحزام وإلى النشاط وإلى التشمير، والمراد شمر عن ساعديك يا سعد! فما هو المراد بشد المئزر؟ قال بعضهم قولها: (شد مئزره) ، هو كناية عن العزم وتجديد القوة في العشر الأواخر، وهناك من يقول: (شد مئزره) ، أي: أنه تجنب النساء، ويؤيد هذا المعنى قولها: (وطوى فراشه) ، يعني: ليس هناك نوم في الفراش.
قولها: (وأيقظ أهله) ، إيقاظ الأهل رغبة في الخير، وكان ﷺ في بادئ الأمر يوقظ أهله ليلة سبع وعشرين ويأمرهن بالاغتسال تهيئاً وتأهباً لليلة القدر على أنها في ليلة سبع وعشرين.
إذاً: تبين لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر الأواخر ما لم يجتهده فيما قبلها.
ونحن نقول: هي عشر ليالٍ وتنتهي فهل يعجز الواحد منا أن يجتهد في هذه العشر؟ السنة كلها (٣٦٠) يوماً أيعجز فيها الإنسان عن عشرة أيام؟ لو قيل له: في كل ليلة من الليالي العشر لك عشرة آلاف ريال، فهل سينام؟ لن ينام، بل سيقف على ثلاث أصابع ويمد يديه إلى الله.
المصطفى ﷺ كان يقوم الليل في غير رمضان حتى تتفطر قدماه، فلما يأتي إلى العشر الأواخر في رمضان يجتهد أكثر مما كان يجتهد في غيرها، فمن منا قد قام حتى تفطرت قدماه؟ من ومن منا يحيي الليل كما كان يحييه ﷺ ؟ منا عمل بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ؟ فهو ﷺ مع ما وُعد به من المولى ؛ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقوم الليل، ولما سئل قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) ، ثم يأتي إلى العشر الأواخر: (ويشد مئزره، ويطوي فراشه، ويوقظ أهله) ، ونحن طيلة السنة نحل الإزار ونمد الفراش وننام نوماً عميقاً وبعض الناس في رمضان ليلهم نهار ونهارهم ليل، فإذا جاءت هذه الفرصة في حياة الإنسان ولم ينتهزها، فإن هذا من التفريط، ولكن أقول: التوفيق بيد الله، نحن لا نملك إلا أن نتوجه إلى المولى العلي القدير أن يوفقنا وأن يعيننا وأن يسددنا وأن يرزقنا خير هذه الأيام المباركة، وإلا فالعاجز والكسلان يضيع نفسه، وكما جاء في الحديث: (من حرمها فقد حرم الخير كله) .
نسأل الله سبحانه أن يجنبنا الكسل وأن يعطينا القوة والعافية، وأن يوفقنا ويسدد خطانا، فمهما كان عند الإنسان من عمل فهو يقدر أن يؤجله، ويقدر على أن يرجع إليه مرة أخرى، ويقدر على أن يسنده إلى غيره، فلا يفوت على نفسه هذه الفضيلة.
إذاً: هذا من أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بيان لحال النبي ﷺ ، فينبغي علينا وأخص طلبة العلم أن ننقطع للعبادة في هذه العشر، فنحن بخلاف طلبة الدنيا فقد يكون الواحد منهم مضطراً لأن يدير تجارته، ومضطراً لأن يوالي بضاعته، أو أن هذا عنده موسم دنيا، ولكن نقول له: أيضاً لا ينبغي أن يحرم نفسه، ولا أن يجعل كل همه في تجارته وصناعته وزراعته، بل يعطي نفسه ولو عشرة أيام في السنة كلها.
стр. 1613
الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان
قال المصنف ﵀: [وعنها ﵂ أن النبي ﷺ : (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده) ، متفق عليه] .
تخبر رضي الله تعالى عنها في هذا الحديث أنه ﷺ : (كان يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله) وقد اعتكف ﷺ العشر الأول، ثم اعتكف العشر الوسطى ولكن لم يكررها، ثم اعتكف العشر الأخيرة وداوم عليها حتى توفاه الله، ثم تقول رضي الله تعالى عنها: (ثم اعتكف أزواجه من بعده) وسيأتي أن بعض زوجاته أردن أن يعتكفن معه ولكنه منعهن من ذلك، ثم كن يعتكفن من بعده.
إذاً: ليس الاعتكاف خاصاً في زمن النبي ﷺ ، وليس خاصاً به ﷺ ، بل له وللأمة كلها، ونقل عن مالك أنه قال: تأملت في هذا الأمر فما وجدت كثيراً من الصحابة يعتكفون فنظرت فإذا هو عندي كالوصال.
ولكن الذي يهمنا هنا أن الاعتكاف مسنون، وسنيته باقية ودائمة لم يعترها نسخ ولا تعطيل، واعتكاف أزاوجه رضي الله تعالى عنهن من بعده هذا عمل خير لهن؛ ولأن المسجد ليس بعيداً عنهن، وسيأتي بيان صحة اعتكاف المرأة في أي مسجد ولو في مسجد بيتها على ما قاله الإمام أبو حنيفة ﵀.
стр. 1614
متى يبدأ وقت الاعتكاف؟ ومتى يدخل المعتكف معتكفه ؟
قال المصنف ﵀: [وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: (كان النبي ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه) ، متفق عليه] .
يسوق لنا المؤلف رحمه الله تعالى حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف إذا صلى الغداة دخل معتكفه) ، وهذا عند العلماء فيه بيان لأول وقت يدخل فيه المعتكف محل اعتكافه.
وهنا تقول: أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها: إنه ﷺ كان يدخل معتكفه إذا صلى الغداة، والغداة: الصبح، وفي هذا الحديث نص على أن الرسول ﷺ كان إذا أراد الاعتكاف يوماً فأكثر يبدأ زمن اعتكافه من بعد صلاة الصبح، وهذا قول سفيان الثوري وغيره.
وأما الأئمة الأربعة ﵏ فإنهم يقولون: إذا كانت مدة الاعتكاف يوماً فأكثر فينبغي أن يدخل معتكفه قبل أن تغرب شمس ليلة اليوم الأول، فمثلاً: إذا أراد الإنسان أن يعتكف وأول اعتكافه يوم السبت، فإنه يدخل معتكفه آخر النهار من يوم الجمعة قبل أن تغرب الشمس وتدخل ليلة السبت، هذا ما عليه الأئمة الأربعة، ويذكره علماء الحديث والفقهاء وغيرهم.
وكيف يجيبون على حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ إنما كان يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح) ، وهناك فرق بين الدخول بعد صلاة الصبح وبين الدخول قبل غروب الشمس؟ يجيب الأئمة ﵏: بأن الليلة تابعة لليوم، فإذا نوى أو أراد أو نذر الاعتكاف في يوم السبت فعليه أن يضم الليل مع النهار، ولا يتأتى ضم الليل مع النهار إلا إذا دخل المعتكف قبل أن تغرب الشمس بقليل، ويقولون: إن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها يفسر على أن النبي ﷺ كان في المسجد وليس في بيته، ودخوله معتكفه بعد أن يصلي الغداة تريد المكان الذي حدده للاعتكاف فيه، فقد كان ﷺ يوضع له سرير خلف اسطوانة التوبة ليعتكف ويستريح عليه، وربما ضربت له خيمة على سريره ليستتر به عن الناس، فيكون مراد أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها بدخوله معتكفه المكان المحدد المخصوص له ﷺ لا عموم المسجد.
ونحن نعلم جميعاً أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لقوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) على خلاف سيأتي المؤلف ويشير إليه فيما بعد.
إذاً: متى يدخل المعتكف معتكفه؟ الحديث الذي عندنا فيه أنه بعد صلاة الغداة، ورأي الأئمة الأربعة باتفاقهم على: أنه قبل غروب الشمس، ولكون الأئمة ﵏ قد اتفقوا على ذلك فلا يمكن أن نلغي اتفاقهم، ولكن ننظر ما هو تخريجهم وتوجيههم للحديث؟ وجهوا الحديث وقالوا: إن المراد بقولها: (معتكفه) أي: المكان المعد المخصص له دون عموم المسجد، والله تعالى أعلم.
стр. 1615
أقل حد للاعتكاف وأكثره
وأما قول من يقول: إن الاعتكاف لا حد لأقله، ففي هذه المسألة خلاف: فهناك من يقول: لا اعتكاف أقل من عشرة أيام، وهذا القول مروي عن مالك ﵀.
وهناك من يقول: لا اعتكاف أقل من يوم وليلة، وهذا القول منقول عن الإمام أبي حنيفة ﵀، وهو رواية عن أحمد.
وهناك من يقول: لا حد لأقله فيصح ولو نصف ساعة ولو ربع ساعة وهذا قول الشافعي ﵀، وإن كان الأفضل عنده: ألا يقل عن يوم وليلة.
وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: كنت أدخل المسجد لا لصلاة ولا لشيء ولا لأجلس وإنما للاعتكاف، يعني: أنه كالمار، وقالوا: إن ذلك يشبه الوقوف بعرفة؛ لأن الوقوف بعرفة مكث في مكان معين، ويجزئ الحاج أن يقف بعرفة ولو ساعة، حتى بالغ البعض وقال: ولو مروراً بها من شرقها إلى غربها، وهو يعلم أنها عرفة، والبعض قال: ولو لم يعلم.
فقالوا: إن الوقوف بعرفة هو عبارة عن مكث في مكان معين في زمن محدود، فقالوا: وكذلك الاعتكاف هو عبارة عن مكث في مكان معين لعبادة فلا يتقيد بزمن كما أن الوقوف بعرفة لا يتقيد بزمن، مع أنهم يقولون في عرفة: من أمكنه الجمع بين ليل ونهار فترك ذلك فعليه دم مع صحة حجه؛ لأنه ترك واجباً، ولو أن مريضاً بالمستشفى كان محرماً بالحج فأخذوه في سيارة ووصلوا به إلى عرفات ثم ردوه إلى المستشفى في وقته فإنه يكون قد أدرك الحج وأدرك الوقوف بعرفة.
إذاً: مدة الاعتكاف يختلفون في أقلها ولا يختلفون في أكثرها، فله أن يعتكف شهراً أو شهرين أو أكثر، وسيأتي عند بحث الصوم أن الذين قالوا: لا حد لأقله، يستدلون بقصة عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: (كنت نذرت اعتكاف ليلة عند الكعبة في الجاهلية، فسألت النبي ﷺ فقال لي: أوفِ بنذرك) ، قيل: كان هذا السؤال في الجعرانة عند رجوعهم من الطائف.
فكونه يعتكف ليلة والليلة ليست يوماً كاملاً، وذكر ابن حجر في فتح الباري أن هناك من يروي (يوماً) فيقول: عمر كان نذر يوماً، ومن روى (ليلة) فأراد مع نهارها، ومن روى (يوماً) أراد النهار مع الليل، ولكن رواية: (نذرت أن أعتكف يوماً) يقول: إنها شاذة، والمحفوظ: (نذرت اعتكاف ليلة) ، فقال الشافعي ﵀: الليلة ليست يوماً كاملاً، والليل ليس موضع صيام فليس الصوم شرطاً في الاعتكاف.
إذاً: نحن في مبحث متى يدخل المعتكف معتكفه؟ فإن كان زمن اعتكافه يوماً فأكثر فعلى ما تقدم، فرأي الأئمة الأربعة ﵏: أنه يدخل معتكفه قبل غروب شمس اليوم الذي قبله، والحديث محمول على أن المراد بمعتكفه المكان الذي كان ﷺ يخصصه لجلوسه ونومه واعتكافه.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1616
كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [٢]
جعل الله مواسم للخير في كل السنة، من أجل مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، وتجديد النشاط والهمة عند الإنسان، ومن تلك المواسم العشر الأواخر من رمضان، فقد حث الشرع ورغب في الاعتكاف فيها والتفرغ لعبادة الله ، وكان هدي النبي ﷺ في هذه العشر التفرغ المطلق للعبادة والقيام فيها تحرياً لليلة القدر التي تأتي في إحدى ليالي هذه العشر.
стр. 1617
ما يجوز للمعتكف وما يحرم عليه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [وعنها ﵂ قالت: (إن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً) متفق عليه، واللفظ للبخاري] .
في هذا الحديث الثاني تقول لنا رضي الله تعالى عنها: (إن كان رسول الله ﷺ وهو معتكف في المسجد ليدني -أو ليدخل- عليَّ رأسه فأرجله) ، زاد البخاري في رواية هذا الحديث: (وأنا حائض) ، وللعلماء هنا مباحث عديدة تحت هذا الحديث: (إن كان رسول الله ﷺ ليدخل عليَّ) ، فأين كانت ﵂؟ الجواب: أنها كانت في حجرتها، وبين الحجرة وبين المسجد فتحة الباب التي في الجدار، إذاً: كان ﷺ يستلقي بجسده الشريف في المسجد موضع الاعتكاف ويخرج رأسه عن المسجد إلى الحجرة وتتولى أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها ترجيل شعره، والترجيل هو المسمى الآن بالتسريح وهو: تطييب الشعر وتنظيفه.
وبوب البخاري مرة أخرى على هذا الحديث (باب غسل المعتكف رأسه) ، ومن مباحث هذا الحديث: أن للمعتكف أن يرجل شعره، وقاسوا على الترجيل الطيب والزينة، وقاسوا على ذلك حاجته في غير الضرورة ما دام في المسجد.
стр. 1618
حكم مباشرة المعتكف لزوجته
وأخذوا من هذا الحديث أيضاً: جواز مباشرة المعتكف لزوجه حال اعتكافه، وأجابوا عن الآية الكريمة: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، فقالوا: المباشرة الواردة في الآية والمنهي عنها هي الجماع، أما المباشرة الجائزة فكما في فعل عائشة، والمباشرة مأخوذة من البشرة وهي الجلد لمباشرته الهواء والفضاء، والمباشرة هي: ملامسة البشرة للبشرة، ولذا سمي بنو آدم بشراً؛ لأن بشرتهم وهي الجلدة مكشوفة بخلاف الطيور والحيوانات فإنها مكسوة، إما بالريش في الطيور، وأما بالشعر والصوف في الحيوانات.
فهنا قالوا: المباشرة المنهي عنها في الآية الكريمة إنما هي الجماع، كما جاء في أول الآية: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: من الولد.
فالمباشرة تطلق بالمعنى الأعم وهو مجرد التقاء البشرة بالبشرة، وبالمعنى الأخص وهو الجماع، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن ربكم حيي كريم يكني ولا يصرح، ففي قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] كناية، وهي كناية لطيفة، وكذلك في آخر الآية: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] يعني: إذا كان أحدكم معتكفاً وخرج إلى بيته لحاجة فلقي أهله فلا يباشرها وإن كان في البيت وليلاً؛ لأنه معتكف ومنقطع إلى الله .
فقال العلماء: المباشرة التي هي دون الجماع جائزة للمعتكف؛ لأن الرسول ﷺ أمكن عائشة من أن تباشر ترجيل شعره، ومعلوم أن مجرد ترجيل الشعر ليس خاصاً بهذه الأسلاك الناعمة التي لا تسري فيها حرارة، بل لابد أن تمس جلدة الرأس، ولابد أن تمس جانباً من الوجه، ولابد أن تمس جزءاً من الرقبة، فهذه مباشرة لا مانع للمعتكف من فعلها، وأيضاً كون المرأة حائضاً لا يمنع من أن تخدم زوجها، ولو كان متلبساً بالعبادة.
стр. 1619
حكم خروج المعتكف إلى بيته لحاجة
قوله: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة) .
في قولها: (وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة) جاء عند البخاري ومسلم زيادة وهي: (لحاجة الإنسان) ، وهذه كناية أيضاً؛ لأن حاجة الإنسان من الأمر الذي لا يستغني عنه قط، وهي حاجة الحيوان أيضاً، وقد فسرها سفيان الثوري: بالبول والغائط، فكان ﷺ إذا كان في معتكفه لا يدخل البيت إلا للضرورة.
وهنا قال العلماء: إذا دعت الظروف لحاجة أخرى سوى الضرورية التي هي البول والغائط فيجوز أن يدخل المعتكف البيت، كما لو احتاج إلى التداوي، أو احتاج إلى حجامة، أو احتاج إلى فصد، والحجامة لا تتأتى في المسجد مخافة من تلويثه بالدم، وكذلك الفصد وكذلك التداوي، فإذا كانت هناك ضرورة تقتضي دخوله البيت دخل للضرورة، وإذا دخل للضرورة امتنع عليه الذي يمتنع على المعتكف من المباشرة التي هي الجماع.
قوله: (وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان) الرسول ﷺ كان بيته في المسجد، ففرع الأئمة ﵏ على ذلك وقالوا: لو كان للإنسان بيتان: بيت قريب من المسجد، وبيت بعيد عنه، وكلاهما له فيه زوجة وأهل، فهل يحق له أن يعمد إلى البيت البعيد ويطيل المسافة والزمن بعداً عن معتكفه، أو يتعين عليه أن يقضي حاجته في البيت القريب؟ ومثله إذا كان له صديق وبيته بجوار المسجد وأذن له صديقه أن يقضي حاجته عنده، فهل يلزمه أن يقضي حاجته في بيت صديقه القريب لقربه أو لا؟ أما بيت صديقه فيتفقون على أنه لا يلزمه؛ لأن الإنسان قد يستحي في هذه الحالة، ولا يأخذ راحته كاملةً إلا في بيته.
أما البيت البعيد والقريب فإن الجمهور على أنهما سواء، ولكن الأولى والأفضل أن يختار الأقرب اختصاراً للوقت وتقليلاً لبعده وانقطاعه عن محل معتكفه.
وهكذا الآن في الوقت الحاضر توجد محلات المياضي حول المسجد، فإذا كانت هذه المياضي عامة، ويمكنه أن يقضي حاجته فيها بالقدر الذي يقضيه في بيته فالأولى أن يقضي حاجته فيها، فإن كان يستحي أن يقف لينتظر محلاً يخلو، أو إذا دخل يتحفظ من صوت أو ريح، فليس بلازم عليه أن يقتصر على هذه القريبة، وله الحق في أن يذهب إلى بيته ليقضي حاجته على راحته.
стр. 1620
حكم خروج المعتكف للأكل والشرب وغسل الجنابة
ومما تدعوا إليه الحاجة وهو من الضروريات الأكل والشرب، فهل للمعتكف أن يخرج إلى بيته وقت الطعام فيأكل ويرجع؟ يقول بعضهم: لا يخرج، ويؤتى إليه بطعامه، إلا إذا لم يكن عنده من يأتي له به فيذهب ليأكل ويرجع، وهل له أن يجلس حتى ينتهي من توابع الأكل والشرب؟ قالوا: لا، هو ممنوع عليه، كما قال بعضهم، بل يقضي حاجته في بيته ويأتي يتوضأ في المسجد؛ حتى لا يمكث في البيت كثيراً، وذلك حينما كان المسجد تراباً وماء الوضوء لا يعفن المسجد، أي: إذا أمكن ذلك ولم يضر المصلين ولم يضر المسجد.
وفترة قضاء الحاجة وفترة الوضوء أمور نسبية بسيطة فيقضي المعتكف حاجته ويتوضأ ولا شيء عليه.
ولو أنه احتلم في معتكفه -وهذا أمر يجري على الإنسان- فلا يضر اعتكافه كما لا يضر صومه، وعليه أن يذهب إلى بيته ويغتسل؛ لأن الاغتسال ضرورةً من أجل رفع الحدث لصومه ولصلاته.
стр. 1621
مسائل تتعلق بالمعتكف
قال المصنف ﵀: [وعنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يمس إمرأةً، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) ، رواه أبو داود، ولا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف آخره] .
هذا الأثر ساقت فيه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها العديد من المسائل التي تتعلق بالاعتكاف، ولكن علماء الحديث والنقد يقولون: ليس كل ما جاء عنها في هذا الأثر مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ وهي في هذا الأثر قالت: من السنة.
والسنة لا تكون إلا من رسول الله ﷺ ، ولكن بعض العلماء يقول: لم يأتِ في هذا الحديث في بعض الروايات كلمة من السنة، وإنما فيه: (المعتكف لا يزور مريضاً، ولا يشهد جنازةً وو إلى آخره) ، وقالوا: إن الحديث في آخره إدراج، وسنأتي عليه جملة جملة؛ لأن كل جملة لها أحكامها، وفيها مباحث إما اتفاقية وإما خلافية.
فقولها رضي الله تعالى عنها: (من السنة) ، إذا أطلق الصحابي أو التابعي كلمة من السنة فهو أراد سنة النبي ﷺ ؛ لأنه هو الذي يملك أن يسن للناس.
стр. 1622
حكم عيادة المعتكف للمريض
قولها: (أن لا يعود مريضاً) .
لا يعود المعتكف مريضاً، فإذا كان جالساً في معتكفه وجاءه إنسان وقال: صديقك فلان مريض فلا يخرج من معتكفه، ولا يقطع اعتكافه لزيارة المريض، حتى بالغ بعضهم وقال: ولو كان المريض أباه.
وأما الشافعي ﵀ فيقول: إن كان قد اشترط عند دخوله المعتكف أن يعود مريضاً، وأن يشهد جنازة فله ذلك، واعترض عليه الآخرون بأن المعتكف منقطع من هذا كله، وقد جاء عنها ﵂ أنها كانت تخرج إلى بيتها وتمر بالمريض في بيته فتسأل: كيف هو؟ وهي مارة لا تقف، وكذلك تنقل لنا عن النبي ﷺ : (أنه كان يمر بالمريض في بيته فيسأل عنه ولا يدخل لعيادته) .
إذاً: زيارة المعتكف للمريض الجمهور على منعها وقالوا: يبقى في معتكفه فإن خرج لزيارته انقطع اعتكافه، فإن كان اعتكافه نافلة وتطوعاً فلا شيء عليه، ويستأنف من جديد، وإن كان نذراً فإنه يستأنف ويعتبر هذا اليوم غير صحيح، وعليه أن يبدأ اعتكافاً آخر بدل هذا اليوم.
стр. 1623
حكم حضور المعتكف للجنازة
قولها: (ولا يشهد جنازة) .
وشهود الجنائز في السابق كان له وضع آخر، يقول أبو سعيد الخدري: لما قدم ﷺ المدينة وكان المهاجرون محصورين فكان الرجل إذا مرض في المدينة وهو من المهاجرين أو من الأنصار فإذا كان في حالة النزع، آذنوا رسول الله ﷺ به، فيذهب معهم إلى بيته ليحضره، فإذا مات جهزوه وصلى عليه رسول الله ﷺ وشيعوه، فلما كثر الحال كذلك والشخص قد يحتضر في الليل، في أوله أو في آخره، فاجتمعوا وقالوا: لقد أشفقنا على رسول الله في أن نؤاذنه في كل موتانا، فالأولى أننا ننتظر المريض حتى يموت فنجهزه ونحمله إلى بيت رسول الله ﷺ فيصلي عليه، واتفقوا على ذلك وأعدوا المكان لذلك وهو الموجود الآن ما بين باب جبريل وباب البقيع، هذا السور الصغير ويسمى مصلى الجنائز، والشارع الذي كان في قبلي المسجد يسمى درب الجنائز، فكانوا يأتون بالجنازة ويضعونها في هذا المكان المستطيل، ويؤذنون رسول الله ﷺ به فيخرج فيصلي عليه، وربما صلى عليه أحياناً في المسجد.
فكان المعتكف لا يشهد جنازة؛ لأنه كان يصلى عليها خارج المسجد بجواره، والمعتكف معتكف في المسجد فكان لا يشهدها بمعنى: لا يحضرها ولا يشيعها ولا يصلي عليها؛ لأنه مشغول في معتكفه.
стр. 1624
حكم مس المعتكف للمرأة
قولها: (ولا يمس امرأة) .
كيف لا يمس المعتكف امرأة وعائشة كانت ترجل رأس رسول الله ﷺ ؟ المراد لا يمسها لحاجة المس، أي: لا يقصد مسها.
قولها: (ولا يباشرها) .
وكذلك لا يباشرها لا بقبلة ولا بمقدمات الوطء.
стр. 1625
حكم تصريف المعتكف لعمله وهو في المسجد
قولها: (ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد له منه) .
ولا يخرج من معتكفه لحاجة إلا لما لابد له منه، وهو كما يعبر عنه بقضاء حاجة الإنسان، وهنا يبحث بعض العلماء والفقهاء في مسألة وهي: إذا كان هناك إنسان له ضيعة بساتين، أو له تجارة وعنده غلمان يعملون له، وهو الذي يديرها، فهل يجوز له أن يديرها ويشير بما يراه، ويأمرهم أن افعلوا كذا وكذا وهو في معتكفه أم لا؟ الجمهور يجيزون ذلك؛ لأن فيه حفظ ماله وليس فيه طول اشتغال.
ويبحثون في مسألة أخرى وهي: إذا كان هناك إنسان معتكف وليس عنده مصدر للأكل والشرب إلا من صنعة يديه، كأن يكون خياطاً يخيط الثياب، أو وراقاً ينسخ الكتب والأوراق، أو يعمل أي شيء من العمل اليدوي، فهل يجوز له أن يعتكف ويزاول ما يمكن أن يعيش به وهو في معتكفه أو أنه لا يصح له اعتكاف مع هذا العمل.
نجد كثيراً من العلماء يقولون: إن توقفت معيشته على صنعة يده وكانت الصنعة لا تتنافى مع حرمة المسجد، كالحدادة التي فيها دق بالمطارق وأصوات ونفخ كير، ولا كالدباغة؛ لأن فيها روائح غير مقبولة، قالوا: فإن كان عمله لا يؤثر على حرمة المسجد ولا يؤذي المصلين ولا يضيق عليهم فلا مانع؛ لأنه لا يمنع من فعل الخير، فهذا لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان.
стр. 1626
حكم الاعتكاف من غير صوم، وصفة المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف
قولها: (ولا اعتكاف إلا بصوم) .
ولا اعتكاف إلا بصوم، يقول علماء الحديث: (ولا يخرج إلى البيت إلا لما لا بد له منه) هذا نهاية ما قالت في أول الأمر: من السنة، وما بعدها إنما هو ممن أضافه بعد ذلك إلى الحديث، وهو: (ولا اعتكاف إلا بصوم) وما بعده، فكثير من علماء الحديث يقولون: هذا ليس مما جاءت به السنة؛ لأن الصوم مع الاعتكاف موضع خلاف، ولكن على هذا النص: (لا اعتكاف إلا بصوم) اختلف العلماء هل الصوم شرط في الاعتكاف أم لا؟ فـ مالك وأبو حنيفة ورواية عن أحمد المشهور عنهم أنهم يقولون: لابد للمعتكف من الصوم، وأما غيرهم فيقولون: لا يشترط لما جاء من قول النبي لـ عمر عند أن قال له الرسول: (أوف بنذرك) ونذره كان بالليل، وإذا أراد أن يوفيه فسيوفيه بالليل، والليل ليس موضع صيام، فهذا يدل على أن الصوم ليس بشرط.
والشافعي ﵀ لا يشترط الصوم مع أنه يستحبه، قال: يستحب له أن يكون صائماً ولكن ليس بشرط في صحته، والجمهور يقولون: الرسول لم يعتكف إلا صائماً في رمضان، قالوا: اعتكف في شوال -كما في قصة الأخبية على ما سيأتي- العشر الأول، ومن العشر الأول يوم العيد ويوم العيد ليس بيوم صوم.
فقالوا: إنه لم يعتكف إلا بصوم وفي المسجد النبوي، فقال النووي ﵀: نعم هو اعتكف في رمضان صائماً، فهل صومه في رمضان وهو معتكف كان لرمضان أو للاعتكاف؟ فإن قلتم: كان صومه لرمضان فلا دخل للاعتكاف في صومه، وإن قلتم: كان صومه للاعتكاف ضيعتم عليه صوم رمضان.
إذاً: يتعين في هذه الحالة أن يكون الصوم لرمضان وصادف أن جمع معه الاعتكاف، ولهذا فإن الصحيح الراجح أن الاعتكاف يصح بدون صوم، ولكن كما قال الشافعي: الأفضل أن يكون المعتكف صائماً؛ لأنه أدعى إلى خلو نفسه وإلى صفاء روحه، والصوم يساعده على العبادة أكثر.
قولها: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) .
ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع هذه الجملة يتفق عليها الجمهور، بمعنى: أن لا يكون الاعتكاف في بستان، ولا يكون الاعتكاف في خيمة في مكان ما، بل لابد للمعتكف أن يكون اعتكافه في مسجد، والمسجد يقول هنا: مسجد جامع يعني: أنه تصلى فيه الجمعة وتقام فيه الجماعة، فأما بالنسبة للجمعة فيقولون: إذا كانت مدة الاعتكاف تشتمل على يوم الجمعة؛ فهو إذا اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة سيكون بين أحد أمرين: إما أن يبقى في معتكفه ويترك الجمعة والجمعة أولى من الاعتكاف.
وإما أن يخرج من معتكفه إلى مسجد تقام فيه الجمعة، فيكون قد قطع اعتكافه بخروجه إلى الجمعة.
إذاً: إذا كانت مدة اعتكافه تشتمل على يوم جمعة فيشترط أن يكون اعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة، وأما بالنسبة لغير الجمعة وهي الصلوات الخمس في جماعة، فإذا كان هناك مسجد لا تقام فيه الصلوات الخمس جماعةً فلا يصح اعتكافه فيه؛ لأنه سيضيع الجماعة، والجماعة للصلوات الخمس أولى من اعتكافه.
إذاً: لابد أن يكون المسجد جامعاً، يشتمل على صلاة الجمعة، وعلى إقام الصلوات الخمس في جماعة.
بقي هل يشترط على المرأة إذا اعتكفت أن يكون اعتكافها في مسجد عام أو أن مسجد بيتها يجزئها؟ يقول الإمام أبو حنيفة ﵀: للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، ومسجد بيتها هو المكان الذي خصصته لصلاتها وتصلي دائماً فيه، وهذه هي السنة، كما جاء عن أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: (صنعت للنبي ﷺ طعاماً، فلما أتى قلت: أريد أن تصلي لنا يا رسول الله! في بيتنا لنتخذ مكانه مصلى لنا، فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لُبس، فنضحته بالماء وقام فصلى ... الحديث) .
وهنا يستحب العلماء أنه إذا كان في البيت متسع أن يُخصص فيه مكان للصلوات؛ الفريضة للنساء، والنافلة للرجال، وهذا لما جاء في الحديث: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها مقابر) ؛ لأن المقابر لا صلاة فيها، والصلاة في البيوت فيها الرحمة والخير والبركة وتعليم الجاهل وتعليم الصغير، فإذا كان للمرأة مسجد في بيتها بمعنى: مكان مخصص لصلاتها فيصح اعتكافها فيه.
ويقول بعض السلف: لولا أنه جاء اعتكاف النساء في المسجد على عهد رسول الله لقلت: ليس لها أن تعتكف في المسجد؛ لكثرة ما يراها الناس، ولكثرة تعرضها للناس.
وكلمة (مسجد) اسم جنس، ولكن هناك من يقول: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام، ويستدل بقوله سبحانه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] ، وبأثر عمر: نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة عند البيت.
وهناك من يقول: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام والمسجد النبوي.
وهناك من يقول: لا اعتكاف إلا في المسجد النبوي؛ نظراً لأنه ﷺ لم يعتكف في أي مسجد قط إلا في مسجده، فلم يعتكف في مكة، ولا في بيت المقدس ولا في أي مسجد آخر، فقالوا: السنة أن يعتكف الإنسان حيث اعتكف ﷺ .
وهناك من يقول: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، وسيأتي المؤلف في آخر باب الاعتكاف بحديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ، يشير إلى هذا القول، ولكن الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة ﵏: على صحة الاعتكاف في أي مسجد كان مادام مسجداً جامعاً.
قال المصنف ﵀: [وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه) ، رواه الدارقطني والحاكم، والراجح وقفه أيضاً] .
بعدما ساق لنا المصنف المدرج في حديث أم المؤمنين عائشة: (ولا اعتكاف إلا بصيام) ، جاءنا بأثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه) ، بأن نذر أو اختار أن يصوم مع اعتكافه، أما من أجل الاعتكاف فـ ابن عباس يقول: ليس عليه صيام.
وهنا يقول بعض العلماء: هذا موقوف على ابن عباس، أي: أن ابن عباس لم يرفعه إلى النبي ﷺ ، ويقولون: لكن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه يتعلق بأمر تشريعي، وبصحة عبادة مشروعة؛ لأنه قال: (لا صوم على المعتكف) .
إذاًَ: ابن عباس يقول: لا صوم على المعتكف، وأم المؤمنين عائشة تقول: لا اعتكاف إلا بصوم، ووجدنا مع المناقشة أن الراجح أنه يصح الاعتكاف بدون صوم.
ولعل في هذا القدر -فيما يتعلق ببداية دخول المعتكف، وما يجوز له أن يفعله وما لا يجوز له، وصحة الاعتكاف بصوم أو بغير صوم- كفاية إن شاء الله، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1627
سبب تسمية بعض الأسطوانات التي في المسجد النبوي
في حديث عائشة: (إن كان ﷺ ليدخل عليَّ رأسه فأرجله وأنا حائض) ، هذه الصورة لا تتأتى إلا إذا كان السرير مقابلاً لباب الحجرة، وباب الحجرة موجود إلى الآن مشرع على الروضة، ولا يمكن أن يكون السرير عند المنبر ويدخل رأسه إلى الحجرة؛ لأن بينهما مسافة بعيدة، ولا يمكن أيضاً أن يكون مستطيلاً شمالاً وجنوباً؛ لأنه إذا كان شمالاً وجنوباً فلا يتأتى أن يدخل رأسه، إذاًَ: السرير كان ممتداً شرقاً وغرباً ومقابلاً لباب الحجرة.
وجاء في بعض الروايات عند مالك في الموطأ أن نافعاً قال: لقد أخبرني ابن عمر وقال: إن شئت أريتك موضع اعتكافه، يعني: إذا أحببت أن أريك أين كان محل السرير أريتك.
وجاءت رواية أخرى صريحة: أن سريره كان خلف أسطوانة التوبة، وأسطوانة التوبة موجودة إلى الآن في الروضة بعد الحجرة بأسطوانة واحدة، وسميت بأسطوانة التوبة لقصة أبي لبابة حينما ربط نفسه فيها حتى نزلت توبته، وفي القصة أن بني قريظة جاءوا إليه ونادوه من بعيد: ماذا ترى أننزل على حكم محمد؟ فقال بأعلى صوته: نعم، وأشار بيده إلى رقبته، أي: نعم، وإن نزلتم فسيذبحكم، ففي هذا ما فيه من الأمر وكان أبو لبابة يقول: والله! ما زالت قدماي من موضعهما حتى أيقنت أني خنت الله ورسوله، بمعنى: أني قلت: نعم، ولكن أخفيت شيئاً خلاف ذلك، فانطلق من هناك ولم يرجع إلى رسول الله ليخبره حتى جاء إلى المسجد وربط نفسه في السارية، وأقسم ألا يفك وثاقه إلا رسول الله ﷺ ، فلما أبطأ على رسول الله سأل عنه، فأخبروه، فقال: أما وقد فعل فليبق في مكانه، ولما رجع ﷺ إلى المدينة ومكث ما شاء الله أن يمكث نزلت توبته ليلاً وكان ﷺ عند أم سلمة، فقالت: ألا أبشره يا رسول الله؟! قال: إن شئتِ، فنادت: إن الله قد تاب على أبي لبابة، فبادر الناس ليحلوه من السارية فقال: لا والله! حتى يخرج رسول الله ويفكني بيده الشريفة، فسميت هذه الأسطوانة بأسطوانة التوبة.
وتجدون في أسطوانات الروضة لوحات وعناويين: أسطوانة عائشة، أسطوانة السرير، أسطوانة الحرس، الأسطوانة المخلقة، أسطوانة التوبة أو أسطوانة أبي لبابة، كل ذلك مكتوب بلوحات في الأسطوانات الموجودة في الروضة، ولهذا يقول عنها علماء تاريخ المسجد النبوي: الأسطوانات ذات التاريخ في المسجد النبوي.
وكان بعض السلف يتحرى الصلاة عندها، وبعض الناس ينتقد على ذلك ويقول: في هذا تتبع بقاع لا حاجة لها، وجاء عن ابن الزبير وعن غيره: أنهم كانوا يسألون عن الأسطوانات، ودخل على عائشة وهي خالته فسألها، فقال أصحابه: انتظروا حتى يخرج وانظروا أين يصلي؟ فلابد أن تكون قد أخبرته بها، فلما خرج صلى عندها فعرفوها.
وهذه الأسطوانات ليس معنى إبقائها على تاريخها وأحداثها أن فيه تقديساً لجماد السارية ولا لجماد الأسطوانة، ولكنه عنوان وتذكير للعالم الإسلامي لما شهدت من تلك الأحداث، فمثلاً أسطوانة السرير إذا دخل الإنسان المسجد وهو على طوله في التوسعة الأخيرة الثانية وقد أصبح المسجد مائة ذراع في مائة ذراع فلن يعرفها إلا إذا كان مكتوباً عليها.
وقول عائشة: (وكان يدني إليَّ رأسه وأنا في حجرتي) ، أين كان السرير؟ الجواب: كان في الروضة في الصفوف الأول، ولكنه كان لا يمنع المصلين من الصلاة، وإذا كان لا يمنع المصلين من الصلاة فلا شيء في ذلك.
وأبو لبابة لما ربط نفسه ويُعرف أين مكانه الذي ربط فيه نفسه؟ وتأتي السيرة ويأتي التاريخ يذكر ذلك، عندها يتذكر الإنسان ويحذر أن يخون الله ورسوله، تأتي كذلك أسطوانة ثمامة بن أثال الذي جاء من بني حنيفة: (لما أخذ أسيراً وكان سيد قومه وربط بالمسجد وهو مشرك، وكان يؤتى كل ليلة بحلب سبع نياق أو سبع شياه فيشربها، ومكث ثلاثة أيام والنبي ﷺ يمر عليه ويقول له: (كيف بك يا ثمامة؟! فيقول وهو مشدود في السارية: يا محمد! إن ترد مالاً أعطيتك فأرضيتك، وإن تمنن -بالعتق- تمنن على كريم وإن تقتل تقتل ذا دم -أي: أن قومي سيطالبون بدمي- فتركه ثلاثة أيام ثم مر عليه فقال: أطلقوا ثمامة، فلما أطلق سأل: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قالوا: يغتسل ويجلس إلى الرسول ﷺ وينطق بشهادة الحق، فسأل عن أقرب ماء وكان بيرحاء، فذهب واغتسل ثم جاء ودخل المسجد، وبعد أن فرغ ﷺ من صلاة الظهر جلس إليه ونطق بالشهادتين، فقيل له: لماذا لم تسلم قبل وأنت في الوثاق ثلاثة أيام؟ قال: خشيت أن تقولوا: أسلم خشية السيف، ثم قال: يا رسول الله! إن خيلك أخذتني وأنا في طريقي إلى مكة معتمراً، قال: اذهب فاعتمر) ، وذهب وكانت له قصة مع أهل مكة.
والأسطوانة المخلقة وتسمى أسطوانة الوفود؛ لأنه ﷺ كان يجلس إليها ويستقبل عندها الوفود، وليس في معرفة هذه الأسطوانات ما يعاب، وليس في تتبع ذلك ابتداع، كما يظنه البعض، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1628
كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [٣]
ليلة القدر هي أفضل ليالي السنة؛ لأنها هي الليلة التي أنزل الله فيها القرآن إلى السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك مجزأ على حسب الحوادث، ولهذا جعلها الله خيراً من ألف شهر، وجعل العبادة فيها تعدل عبادة ألف شهر، وهو ما يساوي ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر.
стр. 1629
تعيين ليلة القدر والخلاف في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر) ، متفق عليه.
وعن معاوية بن أبي سفيان ﵁ عن النبي ﷺ قال في ليلة القدر: (ليلة سبع وعشرين) ، رواه أبو داود والراجح وقفه، وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولاً أوردتها في فتح الباري.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (قلت يا رسول الله: أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني) ، رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم] .
إن هذا المبحث وهو مبحث ليلة القدر متعدد الجوانب، من ذلك تعريفها، ولماذا سميت ليلة القدر؟ ومن ذلك أيضاً تعيين وقتها ومتى تكون، هل هي في عموم السنة أو في خصوص رمضان أو في العشر الأواخر أو في الوتر منها؟ وهل هي ثابتة أو متنقلة؟ وهل هي باقية أو رفعت وماذا يقول من صادفها؟ وهل لها علامات؟ وما هو فضلها؟ كل ذلك يتناوله العلماء بتوسع.
ومما توسعوا فيه موضوع تعيينها، وهذا الموضوع يهم الجميع، وقد ذكر لنا المؤلف أنه أورد أربعين قولاً في تعيينها في فتح الباري، ونقلها عنه الشوكاني وزاد عليها أربعة أقوال، فتحصل بذلك أربعة وأربعون قولاً في تعيينها.
وفي الحديث الذي ذكره المصنف ﵀: (بأن رجالاً أروا في منامهم أن ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان -أي: السبع الأخيرة من العشر الأواخر من رمضان- وأخبروا النبي ﷺ بذلك، فقال: أرى -أي: أظن- أن رؤياكم قد تواطأت) ، التواطؤ هو كما يقول العلماء: التطابق، كالوطي على الوطي تواطأت، تضع القدم على القدم تتابعه، فتواطأت رؤياكم أي: اتفقت رؤياكم، على أنها في السبع الأواخر من رمضان، فقال ﷺ : (فالتمسوها في السبع الأواخر من رمضان) .
ففي رؤياهم إياها تقرير من النبي ﷺ لهم عليها، ثم أصدر التشريع من قوله لا من رؤياهم فقال: (التمسوها) ورؤيا المؤمن قد جاء في الحديث عنها: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، يراها الرجل الصالح أو ترى له) وقال العلماء: هذا العدد الذي هو جزء من ستة وأربعين، ليس من خمسة وليس من أربعة ولا من سبعة قالوا: لأن رسالة محمد صلوات الله وسلامه عليه كانت مدتها ثلاثاً وعشرين سنة: منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشر سنوات بالمدينة، وكانت مدة تحنثه في الغار قبل أن يأتيه الوحي بالرسالة ستة أشهر، فقالوا: إذا قسمنا الثلاث والعشرين سنة على نصف فسيكون فيها ستة وأربعون نصفاً؛ لأن الستة الأشهر نصف السنة، إذاً: نسبة مدة تحنثه صلوات الله وسلامه عليه من مدة الرسالة كاملة نسبة واحد من ستة وأربعين، وكان صلوات الله وسلامه عليه في مدة تحنثه -أي: تعبده وانقطاعه- في غار حراء يرى الرؤيا، فإذا رأى الرؤيا جاءت من الغد كفلق الصبح واقعية، فكانت الرؤيا تصدق في تلك المدة، فقال ﷺ مبيناً: (إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) .
وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا صلى الصبح سأل أصحابه: (أيكم رأى رؤيا البارحة؟) فيقصون عليه ما رأوا ويعبرها لهم.
стр. 1630
أقسام الرؤيا
يقول العلماء: الرؤيا على ثلاث أقسام: القسم الأول: أن يرى الإنسان ما يسره، فيحكيه لأحب الناس إليه؛ ليفسرها بأحب الوجوه فيها، والقسم الثاني: أن يرى خلاف ذلك فليتفل عن يساره، ولينقلب على جنبه الآخر فإنها لا تضره شيئاً، والقسم الثالث من الرؤى: إنما هو تصور وتخيل أحداث عمل النهار، كما يقولون: المخيلة تختزن بعض الصور، فيبيت يحلم بما كان فيه في النهار من بيع وشراء أو خصومة أو فرح.
إلخ، وهذه هي التي يقال فيها: إنها أضغاث أحلام.
وهنا الصحابة رضي الله تعالى عنهم أُروا في المنام ليلة القدر؛ وكلنا يعلم مدى صحة الرؤيا في قضية مشروعية الأذان، لما تشاور النبي ﷺ مع الصحابة في أمر إعلامهم بالوقت من أجل أن يجتمعوا للصلاة، فقد كان الواحد منهم يخرج من بيته ويمر على أخيه في بيته فينبهه: الصلاة يا فلان! الصلاة يا فلان! وكل يُعْلِم الآخر حتى يجتمعوا لصلاة الفريضة جماعةً، فتشاور ﷺ معهم ليتخذوا وسيلة للإعلام، فمنهم من اقترح الناقوس -وهو الجرس- فقال: لا، هذا للنصارى، ومنهم من اقترح الطبل، فقال: لا، هذا لكذا، ومنهم من اقترح البوق، فقال: هذا لليهود، ومنهم من اقترح إشعال النار، فقال: لا، هذا للمجوس وهكذا، وانصرفوا دون أن يتفقوا على شيء، فلما كان الغد جاء عبد الله بن زيد وقال: (يا رسول الله! رأيت فيما يرى النائم أنه طاف بي رجل، عليه حلة خضراء، يحمل ناقوساً على كتفه -وفي رواية: خشبة على كتفه- فقلت: أتبيع الناقوس؟ فقال: وماذا تفعلون به؟ قلت: ننقس به للصلاة، قال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى.
فوقف وأذن، وذكر ألفاظ الأذان الخمسة عشر، ثم تنحى قليلاً وذكر الإقامة، وقال: هكذا تفعلون.
فلما سمع ذلك رسول الله ﷺ قال: إنها لرؤيا حق، قم فألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتاً -يعني: أليق وأبعد وألطف.
إلخ- فلما قام بلال وأذن، سمع ذلك عمر بن الخطاب، فجاء من بيته يجري ويجر الرداء، وقال: يا رسول الله! والله! لقد رأيت مثلما سمعتُ.
فقال: تواطأت رؤياكم) وجعلها ألفاظ الأذان المشروعة.
والذي يهمنا: أن النبي ﷺ لما سمع رؤيا الصحابة، ووجدها واضحة، أقرهم عليها.
وأذكر هنا بالمناسبة أن علماء التعبير يقولون: كل من حسن طعامه ولطف، وحسن لباسه ونظف، وتعود النظافة في جسمه دائماً وغالباً تكون رؤياه صالحة صادقة، وهذا في الأول والآخر يرجع إلى صلاح العمل، وإلى شفافية الروح وطهارة القلب؛ لأن الرؤيا رؤية البصيرة وليست رؤية البصر، والذي يهمنا في هذا الحديث أنهم ذكروا ليلة القدر في السبع الأواخر.
والذي أورد على خاطرهم ترائي ليلة القدر هو أن النبي ﷺ كان قد أراد أن يخبرهم بليلة القدر.
стр. 1631
التلاحي والتخاصم سبب في حرمان الخير والنعمة
وفي الحديث الصحيح: (خرجت لأخبركم عن ليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت) أي: رفع تعيينها، ولذا قال العلماء: شؤم التلاحي والخصومة حرمهم نعمة تعيينها.
ولذا يقول ابن دقيق العيد وابن عبد البر: من اشتغل من طلبة العلم باللجاج في العلم، وتتبع الخلافات والخصومات في الشواذ حرم العلم؛ لأنه يشتغل بأشياء مختلف فيها، فيفوت على نفسه الأهم.
إذاً: في هذا الحديث النص على أن ليلة القدر في السبع الأواخر، والسبع الأواخر هي العشر الأواخر ما عدا الأولى، والثانية والثالثة من العشر، وبقي الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة، إذاً: الثالثة من أول العشر هي أول السبع، فيقولون: إن النصوص وردت في العشر الأواخر آكد منها في غيرها، وكما قال المؤلف في آخر الحديث الثاني: لقد أوردت أربعين قولاً في تعيينها، منها ما جاء عن ابن مسعود أنه قال: من قام العام كله صادف ليلة القدر.
ولما ذكر ذلك لـ أبي بن كعب قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، والله! لقد علم أنها في العشر الأواخر -أو في الوتر من العشر الأواخر-.
стр. 1632
الحكمة من عدم تعيين ليلة القدر
ويقول العلماء: أخفاها الله على الأمة كما أخفى الساعة التي في يوم الجمعة، ليجتهد الناس في عمل الخير في رمضان كله، وفي العشر كلها، وفي يوم الجمعة بكامله؛ لأنه لو عين ليلة بذاتها لتقاصرت الهمم، وتكاسل الناس، ونشطوا في تلك الليلة فقط وتركوا ما عداها.
стр. 1633
أرجى الليالي التي يتوقع أن تكون فيها ليلة القدر
ونأتي إلى بعض النصوص الأخرى المتفق عليها، ونترك الأربعين قولاً التي ذكرها المؤلف.
وهنا: من الليالي التي هي أرجى ليالي القدر ليلة واحد وعشرين، وذلك لما جاء عنه ﷺ أنه لما كان معتكفاً في العشر الوسطى، ثم خرج على الناس برأسه من خبائه وقال: (من كان معتكفاً معي فليعتكف) لأن راوي الحديث يقول: فخرجنا في صبيحة عشرين بأمتعتنا، أي: انتهينا، فخرج عليهم فقال: (من كان قد اعتكف معي فليعتكف، فقد أُتيت وأخبرت أن الذي أطلبه أمامي -يعني في العشر الأواخر- وقد رأيتني -أي: فيما يرى النائم، أو رأيتني فيما يوحى إليَّ إلهاماً، أو نفث في روعي.
كل ذلك يصدق عليه- أني في صبيحتها أسجد في ماء وطين) يقول راوي الحديث: وما كان في السماء من سحاب ولا قزعة، فأمطرت السماء ليلاً، وكان المسجد من العريش -أي: من الجريد والجذوع- وأرضه من التراب، فرأيت النبي ﷺ قد صلى الصبح في أثر الماء والطين، أي: فوكف السقف ونزل الماء من المطر، وتبللت أرض المسجد، يقول: ولقد رأيت الطين والماء على أرنبة أنف رسول الله وعلى جبهته، وكان ذلك صبيحة يوم واحد وعشرين، فهذه رواية صحيحة أنه قال: (أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين) وجاء الماء والطين صبيحة يوم واحد وعشرين، فهذا دليل على أنها في ليلة واحد وعشرين.
وفي عموم (التمسوها في الوتر من العشر الأواخر) روى مالك ﵀ في الموطأ، وهو في صحيح البخاري وفي السنن: أن رجلاً من جهينة كبيراً في السن كان يسكن أطراف المدينة، فأتى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إني رجل كبير السن، أسكن في البادية، وإني -بحمد الله- أصلي بقومي، ولا أستطيع أن أنزل كل ليلة إلى هذا المسجد، فمرني بليلة أنزل فيها إلى هذا المسجد رجاء ليلة القدر) فهذا رجل كبير السن، ساكن في ضاحية المدينة، يصلي بقومه، سأل رسول الله أن يعين له ليلة ينزل فيها إلى هذا المسجد بغية ورجاء ليلة القدر، فماذا قال له؟ قال: (انزل ليلة ثلاث وعشرين) .
ونحن نقف عند هذا الأثر، الرجل يقول: أنا رجل كبير، وأصلي -بحمد الله- بقومي، ولا أستطيع النزول كل ليلة إلى هذا المسجد، يعني أنه يرغب أن ينزل ولكن يشق عليه، ثم يقول: أريد أن أنزل ليلة، فمرني بليلة وعين لي ليلة أنزل فيها تحرياً لليلة القدر، فلم يقل له ﷺ : أنت رجل كبير، وأنت تصلي بقومك، صل هناك وتحر ليلة ثلاث وعشرين، ولكن أقره على الرغبة في النزول إلى هذا المسجد النبوي الشريف، وعين له الليلة التي ينزل فيها.
إذاً: لا نعيب على الناس حينما يأتون من حيث شاءوا إلى المسجد النبوي الشريف يتحرون ليلة القدر فيه، وهم يتحرونها فيه؛ لأننا نعلم جميعاً أن الصلاة فيه بألف صلاة، فإذا صادفت ليلة القدر، وهي خير من ألف شهر، إذاً: فستكون ألف في ألف فهذا فضل عظيم! إذاً: هذا الحديث يبين لنا مدى فضل الصلاة في المسجد النبوي في رمضان وفي العشر الأواخر تحرياً لليلة القدر ولو كانت نافلة، ولا نقول: كلٌ يصلي في مكانه، فهذا صحيح ولا مانع أن يصلي الرجل في بيته، أو يصلي في باديته، أو يصلي في حاضرته حيثما كان؛ لأن هذا الرجل سأل، والرسول قرره على رغبته، وعين له الليلة التي يتحرى أو هي أحرى أن يصادف فيها ليلة القدر.
تأتي أحاديث عموم الوتر فيدخل فيها ليلة خمس وعشرين، لكن ليس فيها نصوص بذاتها كالحادية والعشرين، والثالثة والسابعة والتاسعة والعشرين، ثم نأتي إلى ليلة سبع وعشرين وهي من الوتر، فنجد فيها هذا الحديث الذي اختاره المؤلف وساقه هنا وهو قوله ﷺ : (أرى رؤياكم قد تواطأت على ليلة سبع وعشرين، فمن كان متحرياً فليتحرها أو تحروها ليلة سبع وعشرين) وهنا نجد أن الجمهور يرجحون أنها في ليلة سبع وعشرين؛ لأن عدداً من الصحابة رأوها في منامهم، وتواطأت رؤياهم عليها، والرسول ﷺ أقرهم على ذلك، ثم نجد بعض الاجتهادات في تأييد أنها في ليلة سبع وعشرين.
فمن تلك الاجتهادات قول بعض العلماء: إنها معينة في سورة القدر في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:٥] يقولون: إذا عددت من أول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] إلى كلمة (هي) فستجد كلمة (هي) هي الكلمة السابعة والعشرون من كلمات السورة، و (هي) ضمير مفرد مؤنث، فقالوا: إذاً: هي في ليلة سبع وعشرين.
وهذا -كما يقولون- ربما يكون من باب المصادفات، وقد ساق ابن كثير والقرطبي وكثير من المفسرين أن عمر رضي الله تعالى عنه كان كثيراً ما يدخل ابن عباس في مجلسه وهو غلام، ويرى من شيوخ الصحابة نوع استغراب أن يجالس غلام كبار الصحابة، فأراد عمر أن يبين لهم أنه ما أجلسه معهم إلا لفضله وعلمه وإن كان غلاماً، وفي بعض المجالس سأل عن سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] فتكلموا فيها وقالوا: هي بشرى بالفتح، وبشرى بالنصر، وبشرى بانتصار الإسلام، وابن عباس ساكت، فسأله عمر: ماذا تقول يا ابن عباس؟! قال: والله! لقد نعت إلينا رسول الله وهو حي بين أظهرنا؛ لأنه إذا جاء نصر الله، وإذا دخل الناس في دين الله أفواجاً، فمهمة الرسالة قد تمت، ولم يبق هناك حاجة للبقاء، فليتأهب، ويسبح بحمد ربه ويتزود ليلقى ربه.
فقال عمر: وأنا أقول ذلك.
ومرة أخرى سألهم عن ليلة القدر، فخاضوا في بعض الأحاديث وفي رؤى بعض الصحابة، فقال: ما تقول أنت يا ابن عباس؟! قال: إني لأعلم أي ليلة هي.
قال: وما هي؟ قال: هي لسبع بقين أو لسبع خلون، (لسبع بقين) يعني: ليلة ثلاث وعشرين؛ لأن الباقي بعدها سبع ليال، أو (لسبع خلون) يعني: ليلة سبع وعشرين؛ لأنه قد خلت ومضت قبلها سبع ليال، قال: وكيف عرفت ذلك؟ قال: لأن الله خلق السماوات سبعاً، والأراضين سبعاً، وجعل الجمرات سبعاً، والطواف سبعاً، والسعي سبعاً، والأسبوع سبعاً، والشهر يقوم على سبع، والإنسان خلق من سبع، وغذي بسبع.
وذكر أشياء من هذا كثيرة.
قال: فهذا الطواف والسعي والسماوات عرفناها، ولكن الإنسان كيف خلق وكيف غذي؟ قال: يقول تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٢٤-٣١] والأبٌّ للدواب، وهذا رزق الإنسان مبني على هذا، وأطواره سبعة: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظام، ثم كسي العظام لحماً ثم أنشى خلقاً آخر، قال: والله لقد غصت على ما لم نغص عليه، فاعترف له عمر رضي الله تعالى عنه بالفضل وبدقة الاستنتاج.
يهمنا هنا قول ابن عباس: لسبع بقين، أو لسبع مضين.
وهذا يتعين إما ليلة ثلاثٍ وعشرين وإما ليلة سبع وعشرين، هذا ما يتعلق بالتعيين.
стр. 1634
الجمع بين الروايات المتباينة في تعيين ليلة القدر
وهنا يقف العلماء أمام هذه النصوص الصحيحة: ليلة واحد وعشرين وفيها المطر، وليلة ثلاث وعشرين أمر النبي ﷺ الرجل المسن بالنزول فيها، وليلة سبع وعشرين رؤياهم تواطأت فيها، فكيف يكون هذا مع أن إحدى وعشرين تغاير ثلاثاً وعشرين وتغاير سبعاً وعشرين، فهل هذا تناقض أو تعارض؟ قالوا: ليس فيه تناقض ولا تعارض وإنما في السنة التي سألوا فيها أولاً كانت في ليلة واحد وعشرين، وفي السنة التي رأوا فيها الرؤى كانت في ليلة سبع وعشرين، وفي السنة التي سأل فيها الجهني وقد صارت معروفة عند أهل المدينة بليلة الجهني؛ لأنه كان ينزل في العصر وينيخ دابته، فيصلي العصر، ويبقى إلى أن يصلي الفجر، ودابته عند الباب فيركب ويرجع إلى مكانه، فعرفت بليلة الجهني كانت في ليلة ثلاث وعشرين فقالوا: كل حادثة كانت ليلة القدر في سنتها في ذلك التاريخ، فإذاً: هي ليست بثابتة، ومن هنا قال الشافعي وغيره: إن ليلة القدر ليست مربوطة ومعينة بليلة واحدة من الوتر من العشر الأواخر، بل هي تتنقل وتدور في الوتر من العشر الأواخر، فمرةً تكون في ليلة واحد، ومرةً تكون في ليلة ثلاث، ومرةً تكون في ليلة تسع وعشرين، ومرةً تكون في ليلة خمس، ومرةً تكون في ليلة سبع، فهي ليست مرتبطة وثابتة في ليلة من الليالي، ولكنها تتنقل في الوتر من العشر الأواخر.
وهذا أحسن ما يجمع به بين النصوص، وهو يساعد على المعنى الذي قالوه في الحكمة من إخفائها: ليجتهد الناس في كل العشر الأواخر.
стр. 1635
بيان أن ليلة القدر باقية لم ترفع
ثم إن هناك من يقول: إن ليلة القدر قد رفعت كما جاء في الحديث: (فتلاحى رجلان فرفعت) وهذا يقوله بعض طوائف الشيعة، ولكن الجمهور يقولون: إن معنى (رفعت) أي: رفع العلم بتعيينها؛ لأنه في نفس الحديث قال: (فالتمسوها في العشر الأواخر أو في الوتر من العشر الأواخر) فكيف تكون قد رفعت وهو يقول: (التمسوها) إذاً: هي موجودة، ولكن الذي رفع هو العلم بتعيينها بالذات في أي الليالي.
стр. 1636
هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة أم أنها كانت موجودة في الأمم الماضية ؟
ثم يأتي البحث أيضاً: هل هذه الليلة خاصة بهذه الأمة أو أنها كانت موجودة في الأمم الماضية؟ فبعضهم يقول: هي خاصة بهذه الأمة، ويذكرون في ذلك ما رواه مالك ﵀ بلاغاً، وهو من البلاغات الأربعة التي يقولون: لم يوجد لها سند، ولكن تتبعها أبو زرعة ﵀ فوجدها مسندة بأسانيد تدور بين الحسن والضعف والصحة، هذا البلاغ الذي رواه مالك هو: أن النبي ﷺ أري أعمار أمته مع أعمار الأمم الماضية، فتقالها؛ لأنها ما بين الستين والسبعين، والذين قبلهم كانوا يعمرون المائة والمائتين، فلما تقالها عظم عليه أنهم لا يعملون زمناً بقدر زمن الأمم الماضية، فلا يحصلون من الجنة بقدر ما يحصل غيرهم؛ لأن الشخص الذي يعيش مائة سنةً في طاعة الله ليس كالذي يعيش ثلاثين سنةً أو أربعين سنةً كما في الحديث: (خيركم من طال عمره وحسن عمله) فأتي بليلة القدر، وجعلت لأمته تلك الليلة التي قال فيها: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما نقص من أعمارها، وفي الرواية الأخرى: أنه ذكر لهذه الأمة أنه كان في من قبلنا رجل كان يقوم الليل ويجاهد في النهار صائماً ثمانين سنةً أو مائة سنة، فتقال الصحابة أعمالهم وقالوا: من يستطيع أن يظل ثمانين سنة يقوم الليل، وثمانين سنة يجاهد العدو وهو صائم؟! فلما قارنوا أنفسهم بالنسبة لهذا النوع من البشر المتقدم عظم عليهم ذلك، فأنزل الله سورة القدر، وفيها: أن تلك الليلة خير من الألف الشهر؛ لأن الرجل لبس السلاح ألف شهر، والألف شهر في الحساب تساوي ثلاثة وثمانين سنة وكذا شهراً، يعني فوق الثمانين سنة، فكانت ليلة القدر تعويضاً للأمة عما فاتها من القدرة والاستطاعة على عمل الخير كذاك الرجل الذي عَبَدَ الله ألف شهر قياماً لليل وجهاداً في النهار.
ومن هنا قالوا: إنها خاصة بهذه الأمة، والآخرون يقولون: بل هي موجودة في الأمم قبلنا؛ لما جاء في حديث أبي هريرة: (أنه سأل النبي ﷺ : هل ليلة القدر كانت تكون في الأمم مع الأنبياء، فإذا مات النبي رفعت، أو هي باقية وخاصة بهذه الأمة؟ فقال ﷺ : بل كانت مع الأنبياء في الأمم الماضية) وسواء كانت في الأمم الأوائل، أم كانت جديدة في هذه الأمة فنحن يهمنا الاجتهاد فيها.
стр. 1637
العلامات التي تعرف بها ليلة القدر
بقي هل هناك علامات لها في ليلتها؟ العلامات التي وردت إنما تظهر في صبيحتها، وبعضهم يقول: من أكرمه الله فقد يرى بعض العلامات، وليست علاماتها عامة كالشمس والقمر، ولكن ربما يجد إنسانٌ شيئاً ما دون أن يراه الآخرون، ولكن العلامة العامة هي معنوية روحانية، يذكرونها عند قوله سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:٤-٥] فقالوا: (سَلامٌ هِيَ) أي أن الملائكة تسلم على كل من في الأرض، فيقولون: من صافحته الملائكة -وقد تصافح البعض- يشعر أن في قلبه رقة، وكأنه يميل إلى البكاء فرحاً أو خوفاً من الله، وهذه الحالة المعنوية قد تعتري بعض الناس إذا قرأ شيئاً من القرآن، فإن المولى يتجلى عليه بروحانية كتابه، فيحس طمأنينة وارتياحاً نفسياً لم يكن يحس به من قبل، وهي السكينة التي تنزل عند قراءة القرآن كما ذكر ذاك الصحابي لرسول الله أنه كان يقرأ القرآن بالليل والفرس في مربطها فإذا بها تجول، وعندها طفل فخاف عليه، وترك القراءة وذهب ليرى الطفل فوجد الفرس قد سكنت وهدأت فإذا عاد إلى صلاته وقرأ تحركت الفرس، فأخبر النبي ﷺ فقال له: (تلك السكينة التي تنزل عند قراءة القرآن، فتراها الفرس فتتحرك) .
وهكذا قد يرى أنواع وأشخاص وأفراد من الناس في تلك الليلة بعض تلك العلامات التي من يحسها يحس بانشراح صدره، وبخفة روحه، وبرفعة معنوياته، وبمحبته لذكر الله وما والاه.
أما العلامات التي يشهدها الجميع ففي صبيحتها تشرق الشمس وليس لها شعاع كشعاع الأمس، بل تكون الشمس هادئة رائقة فيها شبه من ضوء القمر، يقولون في سبب ذلك: إن الملائكة حينما تنزلوا ليلة القدر لم يبق شبر في الأرض إلا وفيه ملك، فإذا صلى الناس الفجر بدأ الملائكة يصعدون إلى السماوات السبع، وإلى سدرة المنتهى، فيصعدون من بعد الفجر إلى طلوع الشمس وإلى الضحى فكثرة عددهم مع نورانيتهم -لأن الملائكة من نور- يختلط نور الملائكة مع شعاع الشمس، فيختلط النور والشعاع، فيتغير لون أشعة الشمس بسبب ذلك.
ويقولون في علاماتها: إن ليلتها سلام، فلا يقع فيها من الأحداث العظام التي تفزع الأمم، لا يقع فيها خسف، ولا يقع فيها غرق، ولا يقع فيها إحراق، وكذلك نهارها يكون تابعاً لليلتها بسلام: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:٥] والواجب على العالم في هذا الوقت الحاضر -لو كانوا عقلاء- أن يجعلوا لهم فترة سلام يستريحون فيها ولو كانوا في حالة قتال وشحناء، ويعطون أنفسهم فرصة للمفاهمة، وللتوصل إلى السلام الحقيقي، وسابقاً جعلوا سويسرا بلداً بعيداً عن الحروب، يلتقي فيها المتحاربان، يتقاتلان في الميدان، ويجلسان على طاولة واحدة وعلى مائدة واحدة في سويسرا، وإذا خرجوا منها شهر كل منهما السلاح على الآخر، فجعلوها بلداً بعيداً عن الحروب، حتى إنه كان في الأول ليس لها جيش؛ لأنها لا تحارِب ولا تحارَب؛ لتكون موطناً لالتقاء الأعداء وفرصة للتفاهم، وقد سبق الإسلام ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] يحرم على الإنسان أن يعتدي على الآخر ولو كان له دم عنده، فيتواصل الناس، وتسافر القبائل وتنتقل في مأمن أثناء هذه الأشهر الحرم.
وكذلك قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥] فالمتقاتلان في غير مكة إذا التقيا في حرم مكة فهما أخوان، لا يهيج أحدهما الآخر، ولا يعتدي أحدهما على الآخر؛ لأنهما في مظلة أمن البيت الحرام كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] حتى الطير يأمن فيه، والوحش يأمن فيه فضلاً عن الإنسان، فالإسلام جعل مكاناً وزماناً للسلم والأمن وجعل فرصة للمتخاصمين أن يتصالحوا، وفرصة للمتخالفين أن يتفاهموا في ظل حرمة من حرمات الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] .
إذاً: نحن مقصرون في حق الإسلام، وكان علينا لزاماً أن نعلِّم العالم بأن السلام عندنا، ومن عندنا انطلق، سواء كان في المكان بمكة، أو في الزمان في الأشهر الحرم، والتشريع العام: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢] يا سبحان الله! يقول: لا تحلوهم، ولا تستحلوهم، وابقوا لهم الحرمة، من أمَّ البيت الحرام فهو آمن، وقد كانوا في الجاهلية من خرج من أمن الحرم وخاف على نفسه في غير الأشهر الحرم يأخذ لحاء شجرة ويجعله كالقلادة في عنقه، فإذا مر بأي قبيلة قالوا: تحرم بالحرم، فهذه القلادة، والقشرة من لحا الشجرة تحميه من أعدائه؛ لأنها من جوار البيت.
والآن صار المسلمون لا يرقبون في بعضهم إلاً ولا ذمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالقوة للقاهر، والسلطة للقادر، ورجعت جاهلية من عز بز ومن غلب استلب، فلنرجع إلى الإسلام، إن لم نصدره للآخرين فليكن لنا فيما بيننا، لا أن نأتي في رمضان ونحشد الجيوش للقتال، الواجب على الجميع أن يكون رمضان أقل ما فيه هو السلم والسلام، نعم لأخذ الاحتياط! ونعم لأخذ الأهبة! ونعم لإعداد القوة! ولكن أن نقاتل! وأن يقاتل المسلمون بعضهم بعضاً في رمضان، وفيه ليلة السلم والسلام التي قال الله فيها: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥] ! فنسأل الله السلامة والعافية! أين المسلمون من هذا؟! أين أجهزة الإعلام من هذا التشريع الإلهي؟! إن الكلام على ليلة القدر لا يمكن أن يستوفيه إنسان في جلسة.
стр. 1638
سبب تسمية ليلة القدر بهذا الاسم
وإذا جئنا إلى تسميتها قالوا: القدر: هو الشرف والرفعة، فهي ليلة رفيعة القدر، جليلة المكانة؛ لأنها شهدت عظيم القدر على عظيم الخلق في عظيم الأمم، شهدت أعظم ما شهدت ألا وهو إنزال القرآن الكريم على خير خلق الله في أمة هي خير الأمم، ومن هنا كانت ليلة القدر رفيعة الشأن.
وقيل القدر: هو التقدير؛ لأن الله سبحانه يقدر فيها أحوال العالم الأرضي، وينزل ذلك التقدير إلى الملائكة ليطبقوا ذلك كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:٤] من كل أمر من أمور الخلائق: من رزق ومن شقاء ومن سعادة ومن مولد ومن ممات ومن.
إلخ، ولذا يؤكد العلماء على أن ليلة القدر هي في رمضان، وأن ما جاء في سورة الدخان في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٤-٥] إنما هو في ليلة القدر؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] وكان إنزال القرآن قطعاً في رمضان.
إذاً: الليلة التي تقدر فيها الأمور، وتقدر فيها شئون الحياة إنما هي ليلة القدر، يقدر الله أو ينسخ من اللوح المحفوظ ما قدره طيلة العام، وينزّله إلى الملائكة الكرام، ثم بعد ذلك ينزل ويطبق وينفذ في العام كله.
стр. 1639
الأدعية الواردة في ليلة القدر
أما ماذا يقول من صادفها؟ فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (يا رسول الله! ماذا أقول إن أنا صادفت ليلة القدر؟ قال: قولي: اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإذا تأملنا في هذه الألفاظ وجوها: السائل عائشة، وسألت رسول الله، ومن تكون عائشة من رسول الله؟ هي أحب الناس إليه بعد أبي بكر، فأتاها بأحب النصح، يعني: أن جوابه لها هو نهاية النصح والمحبة، ولو أن هناك خيراً من ذلك لقاله لها.
ويقول علماء اللغة: الميم في (اللهم) بدل (يا) النداء في (يا ألله) فتحذف ياء النداء في الأول، ويعوض عنها بميم في الأخير.
قوله: (اللهم! إنك عفو) هذا وصف للمولى سبحانه أنه عفو، وكم من عفو لله على الخلق! وكم من ذنب يرتكبه الإنسان في خفاء أو علن والله يعفو عنه! إذاً: يمتدح الله بصفته أولاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] أي: عند الدعاء قدم وسيلة لاستجابة دعائك، وهذا مبدئياً، فإذا قلت: (اللهم! إنك عفو) فقد أثنيت على الله، ومدحت الله بالصفة التي تتناسب مع حاجتك وسؤالك، ولو كنت تريد الرزق: فقل: اللهم! يا رزاق! يا رازق الطير! يا رازق النمل! يا رازق كذا في جحره ارزقني؛ لأنك تطلب رزقاً فتسأله بصفة الرزاق، وهنا تريد أن تسأله العفو، فتمتدحه سبحانه بصفة العفو.
وقوله: (إنك عفو تحب العفو) قال تعالى: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] في قضية مسطح وغيره، وقوله: (إنك عفو تحب) أي: وأنا أسألك لأن من صفتك العفو وأنت تحبه أن تعفو عني.
وإذا تأمل الإنسان في قوله: (فاعف عني) العفو -كما يقولون-: هو الإزالة، نحو: عفت الريح الأثر، إذا مرت قافلة في الصحراء ورسمت أخفافها وأقدامها في الطريق، فإذا جاءت ريح شديدة وحركت الرمل عفت أثر المسير في الصحراء ولم يبق للمسير أثر، فكذلك العفو عن الزلة يمحو أثرها من الصحيفة، فلا يبقى لها أثر مكتوب على الإنسان.
قوله: (إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإذا نظرنا إلى قوله ﷺ : (من عوفي في بدنه، وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) ، وقوله: (من عافاه الله في بدنه فهو سعيد) ، وقوله: (من عافاه الله في دينه وسلم من الشرك، وسلم من الرياء، وسلم من كبائر الذنوب فهو سعيد) ، وقوله: (من عافاه الله يوم القيامة من تلك المضايق فهو السعيد الناجي) ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] علمنا أن أجمع دعاء يكون هو هذا الدعاء الموجز (فاعف عني) مع المقدمة التي يقدمها الإنسان إليه.
ونحن نتوجه إلى الله العلي القدير بأنه عفو يحب العفو أن يعفو عنا، اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة، اللهم! إنا نسألك أن تعافينا في أبداننا، وفي ديننا، وفي جميع أعمالنا، اللهم! إنا نسألك يا سلام! يا منزل السلام! أن تنزل السلام على الأمة الإسلامية، اللهم! خذ بنواصي ولاة أمور المسلمين إلى الحق وإلى العدل، اللهم! أنزل رحمتك علينا واجعلنا من عتقائك من النار، ومن المقبولين، اللهم! أوردنا حوض نبينا محمد ﷺ ، اللهم! وأسقنا منه وبيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم! أكرمنا بفضلك شفاعة نبيك ﷺ .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1640
كتاب الصيام - باب الاعتكاف وقيام رمضان [٤]
جعل الله البيت الحرام مهوى أفئدة الناس من جميع أقطار الأرض، فكلما زادت زيارته ورؤيته زاد الشوق والحنين إليه، ولفضله وشرفه نسبه الله إليه، وجعل الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وجعله المكان الذي يؤدى فيه الركن الخامس من أركان الإسلام ألا وهو الحج، وجعل الله المسجد النبوي مقارباً له في الفضل، وجعل المسجد الأقصى مقارباً للمسجد النبوي في الفضل؛ لأن هذه المساجد الثلاثة بناها أنبياء بوحي من الله .
стр. 1641
حكم شد الرحال إلى الثلاثة المساجد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله والتابعين.
أما بعد: قال المصنف ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه] .
يسوق المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث الخاص بشد الرحال إلى المساجد الثلاثة في باب الاعتكاف بمناسبة تحديد المكان الذي يصح الاعتكاف فيه.
стр. 1642
الخلاف في المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف
قد تقدمت الإشارة إلى قوله سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] وأن الجمهور يرون صحة الاعتكاف في كل مسجد، ويشترطون المسجد الجامع للرجل حتى يصلي الصلوات الخمس في جماعة، وحتى يحضر صلاة الجمعة، ولا يضطر إلى أن يخرج ويقطع اعتكافه للجمعة والجماعة، ولكن يوجد من العلماء من غير الأئمة الأربعة من يقول: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام، أخذاً من قوله سبحانه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] .
وهناك من يقول: لا يصح الاعتكاف إلا في المسجد النبوي، عملاً بفعل النبي ﷺ ؛ لأنه لم يعتكف قط إلا في المسجد النبوي.
وهناك من يقول: الاعتكاف جائز في تلك المساجد الثلاثة، وألحقوا المسجد الأقصى بالمسجدين السابقين لاشتراطه معهما في خصوصية شد الرحال، ويستدل بهذا الحديث بأنه لا يجوز لأحد أن يشد الرحل إلى أي مسجد في الأرض ليعتكف فيه إلا إلى أحد هذه الثلاثة؛ لأن جميع المساجد على وجه الأرض ما عدا تلك المساجد الثلاثة فيما يتعلق بالعبادات سواء، فمثلاً: لا يجوز لإنسان في مصر يشد الرحل إلى الجامع الأموي في دمشق ليعتكف فيه؛ لأن المساجد في مصر تعادل المساجد في دمشق، ولا يحق لأحد في دمشق أن يشد الرحل إلى مصر ليعتكف مثلاً في الجامع الأزهر؛ لأن مساجد دمشق بالنسبة للعبادات سواء مع مصر وغيرها، وهكذا الجوامع القديمة كجامع قرطبة أو الزيتونة أو غير ذلك من المساجد؛ لقوله ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ومعلوم أن شد الرحال لهذه المساجد الثلاثة إنما هو لموضوعية المساجد، وهي: الصلاة والاعتكاف.
إذاً: بهذا الحديث ينبه المؤلف ﵀ على أن أي إنسان في أي بقعة من العالم إذا أراد أن يعتكف فيعتكف في مسجد من مساجد بلده أياً كان موقعه وأياً كان نوعية مسجده، مادام يجمع فيه، إلا إذا أراد الفضيلة فله أن يشد الرحال إلى واحد من هذه المساجد الثلاثة، فإذا جاء أي إنسان من شرق أو غرب أو شمال أو جنوب في محيط الأرض إلى أحد هذه المساجد الثلاثة ليعتكف فيه فلا مانع.
стр. 1643
سبب تخصيص المساجد الثلاثة بجواز شد الرحال إليها
ولماذا خصت تلك المساجد الثلاث بجواز شد الرحال إليها ليعتكف فيها؟ قد سبق أن نبهنا أن طالب العلم إذا وجد متعددات في حديث واحد فعليه أن يطلب الرابط والجامع والمناسبة بين جمع هذه المتعددات في سياق واحد، ومثلنا بحديث المنبر والتأمين عليه ثلاث مرات، حينما صعد ﷺ المنبر فقال: (آمين، ثم صعد الدرجة الثانية فقال: آمين، ثم صعد الدرجة الثالثة فقال: آمين) ، وكان منبره ﷺ في زمنه من ثلاث درجات، قيل: كان يصعد على الأولى وتستقر قدماه الشريفتان على الوسطى، ويجلس على الثالثة، وربما وقف على الثالثة وأدى بعض الأعمال ليري الناس كيف يفعلون، كما جاء أنه صعد عليه وصلى ركعتين فاستقبل القبلة وكبر وقرأ وركع ثم رفع، ثم نزل القهقرى وسجد في أصل المنبر، ثم عاد إلى الركعة الثانية ثم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
وموضوع التأمين ثلاث مرات: (قالوا: يا رسول الله! سمعناك تؤمن ولا نعلم على ما أمنت، قال: نعم، أتاني جبريل آنفاً وقال: يا محمد! من أدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة باعده الله في النار، فقل: آمين.
فقلت: آمين.
ولما صعدت الثانية قال: يا محمد! من ذكرت عنده ولم يصل عليك باعده الله في النار، فقل: آمين.
فقلت: آمين.
ثم قال: من أدرك رمضان وخرج عنه ولم يغفر له باعده الله في النار، فقل: آمين.
فقلت: آمين) فلما تأملنا وتساءلنا عن علاقة ذكر هذه الثلاثة في سلك واحد في حديث واحد في وقت واحد؛ وجدنا أن عظيم الأجر في هذه الثلاث: ففي بر الوالدين عظيم الأجر، فالإنسان إذا أتاح الله له وجود والديه أو أحدهما ولم يعمل على برهما وحسن عشرتهما حتى يدخلاه الجنة فهذا ليس فيه خير؛ ولذا فضل النبي ﷺ بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله كما في الحديث: (لما أتاه شاب من اليمن وقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان على خروجي.
قال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) فالجهاد في سبيل الله لا شيء أعلى منه، ومع هذا الرسول ﷺ قدم بر الوالدين عليه.
وكذلك إذا كان الأبوان إنما عظم حقهما لأنهما السبب في وجود الإنسان من العدم إلى هذا العالم، وهو وجود مادي كما توجد أفراد الحيوانات، فالحيوانات تلقح وتنتج، وابن آدم أيضاً يلقح وينتج، فالطريقة واحدة، فكان لهما بهذا التسبب في إيجاده هذا الحق؛ لأن الموجد الحقيقي هو الله، وهما متسببان في إيجاده من الله، فكانا في الدرجة الثانية كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] فحق الله أولاً ثم حق الوالدين.
والنبي ﷺ هو سبب إيجادك المعنوي الروحاني، وهو الإيجاد الأفضل والأبقى؛ لأن إيجاد الدين وإيجاد الإسلام والإيجاد مع الله هو الذي يستمر إلى الحياة الآخرة، أما الإيجاد الأول فينقطع، بل يتمنى صاحبه لو لم يكن، ويأتي يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] أي: ولم أوجد؛ لأنه لم يصحبه الإيجاد المعنوي الروحي وهو الإيمان بالله.
إذاً: إذا كان للأبوين فضل على الإنسان في وجوده من العدم فللرسول على المسلم فضل إيجاده الإيجاد الأكمل، وهو الإيجاد المعنوي الروحي الذي يربطه بالله ويسعده في الآخرة.
ثم نأتي إلى رمضان، ورمضان هو شهر الخير وشهر المغفرة وشهر الرحمة، فإذا كان لله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، وفي رمضان تتنزل الرحمات من الله تعالى، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، وفيها تغمر الملائكة الأرض، وتسلم على أهلها، من قامها غفر له ما تقدم من ذنبه، فإذا كان هذا الفضل كله في رمضان ولم يغفر له فيه ولم ينل حظاً منه فمتى ينال حظاً؟! إذاً: هذه الثلاث لها مناسبة ولها ارتباط بعضها ببعض ولهذا ذكرت في حديث واحد.
ونأتي إلى ذكر هذه المساجد الثلاثة: فواحد في مكة، وواحد في المدينة، وواحد في بيت المقدس، والذي في مكة هو أول بيت وضع للناس، والذي في بيت المقدس وضع بعده بأربعين سنة، والذي بالمدينة وضع بعدهما بآلاف السنين، فما الذي ربط بينها رغم التباعد فيما بينها؟! وإذا تأملنا أيضاً نجد أن الرسول ﷺ قد ربط بينها في جانب آخر، فقال ﷺ : (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) فصارت صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف، وصلاة في مسجد المدينة بألف، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة، ووجدنا أن المسجد الأقصى قد ارتبط بالمسجد الحرام قبل المسجد النبوي في مسرى رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] إذاً: هذه المساجد الثلاثة اجتمعت لها تلك الفضيلة، وهي مضاعفة الصلاة فيها، فتكون أيضاً مشتركة في مضاعفة الاعتكاف فيها؛ لأن الاعتكاف عبادة، فما دامت تتفاضل الصلوات فيها على سائر مساجد الدنيا فكذلك الاعتكاف.
стр. 1644
سبب مضاعفة الصلاة في المساجد الثلاثة
ثم يأتي السؤال الآخر: وما السبب في أن الصلاة تضاعفت فيها بمائة ألف، وألف، وخمسمائة، والأرض كلها مسجد وطهور؟ نجد أيضاً أن في تاريخ كل منها ارتباطاً وثيقاً وصفات معينة لم يشاركها -أي: الثلاثة- غيرها من مساجد العالم كله، أولاً: إن اختيار المكان لها ما جاء عفواً، بل كان اختيارها في هذه الأماكن من الله، ثانياً: إن إقامتها وبناءها جاء عن طريق رسل الله وليس عامة الناس.
إذاً: ما دامت قد اشتركت في كيانها ووجودها في تلك المبادئ فبينها اشتراك أساسي، أما تعيين المكان فقد جاء في حق المسجد الحرام قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج:٢٦] والبيت كان قد انطمس، وزمزم كانت قد ردمت، ولم يبق في مكة أثر للبيت، فأوحى الله إلى خليله إبراهيم أن ينقل ولده إسماعيل إلى مكة، فجاء امتثالاً لأمر الله كما قال الله عنه أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] وهذا باعتبار ما كان؛ لأنه لا يوجد بيت في وقت مناداة إبراهيم؛ لأن إبراهيم ﵇ بناه بعد أن كبر إسماعيل وبوأ الله لإبراهيم مكان البيت - (بوأ) بمعنى: أطلعه على المباءة، والمباءة: المكان الذي يبوء إليه الإنسان ويئول- تقول كتب تاريخ المسجد الحرام: إن الله أرسل إليه سحابة في وقت الظهيرة -وقت الزوال- فسارت ثم وقفت وثبتت، وقال له المولى: خط على حدود ظلها.
فخط على حدود ظل تلك السحابة، ثم بدأ بالحفر فنزل حتى وصل إلى القواعد الأساسية كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] فلم يضعها ابتداءً ولم يحط حجر الأساس، بل كانت القواعد موجودة من قبله، ومن الذي كان قد وضعها؟ نجد في ذلك آثاراً كثيرة، منها أن الملائكة بنته لآدم، ومنها أن آدم هو الذي وضعها بعد أن جاء شيث، وغيرها من الآثار، وكلها آثار لا ترتفع إلى درجة الصحة التي يقطع بها.
والذي عندنا من علم اليقين ما جاء في كتاب الله من العمارة الثانية وهي عمارة الخليل ﵇، فلما وصل إلى القواعد بنى عليها ورفعها، وكان إسماعيل ﵇ يساعد أباه، وكما يقولون في تاريخه: كان يأتيه بالحجر ويرفعه إليه، إلى أن استوى البناء إلى قامة الإنسان، وبعد أن وصل إلى قامة الإنسان لم يكن لديهم (سقالة) ، وليس لديهم (مصعد) ، فجاء مقام إبراهيم، وهو: حجر كان يقف عليه إبراهيم، فإذا بالحجر يصعد بإبراهيم وهو حامل الحجر للبناء حتى يضعه في الجدار في مستوى ارتفاعه، وينزل الحجر بإبراهيم حتى يأخذ الحجر من إسماعيل ويصعد به، وهكذا.
ولذا فإن مقام إبراهيم فيه آيات بينات، يقول الفخر الرازي: الآيات جمع آية وهي موجودة في الحجر في مقام إبراهيم، وكيف هي؟ قال: وجود حجر أصم، ثم يلين هذا الحجر تحت قدميه كأنه من الطين، وتبقى صلابة الحجر في حوافها لم تلن، فحجر واحد البعض منه يلين والبعض منه يظل قاسياً هذا فيه آية، فالجزء الذي لان فيه آية، والجزء الباقي على قساوته فيه آية، وإلى الآن يوجد مقام إبراهيم في الفانوس الموجود في صحن المطاف، وفيه أثر قدمي إبراهيم في الحجر.
إذاً: المسجد الحرام اختص أولاً بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران:٩٦] وهل هذه أولية مطلقة، بأن كان هو أول حركة عمران على وجه الأرض، أم هي أولية بالنسبة للمساجد؟ هناك من يرجح الأول، ويقول: إن أول عمران على وجه الأرض عند أن نزل آدم إلى الأرض هو البيت -الكعبة- ثم جاء إبراهيم ﵇ وبوأ الله له المكان، وهذه خصيصة ثانية، فقام ببنائه إبراهيم يساعده إسماعيل والحجر معهم مساعد، وهذه خصيصة ثالثة، فاختص المسجد الحرام بهذه الأمور.
ثم هو في حرم آمن، ويتفق الجميع بأن الصلاة تتضاعف في جميع حرم مكة وليس في المسجد فقط، فبيوت مكة كلها داخلة في الحرم، فحدود الحرم إلى مسجد التنعيم، وجميع المساحة التي حول الحرم والتي لا يصح الإحرام منها للعمرة داخلة في الحرم وتتضاعف فيها الصلاة.
نأتي إلى مسجد المدينة: لما تمت بيعة العقبة الثانية، وجاءت الهجرة، وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة -كما نعلم- نزل أول ما وصل بقباء، فبنى مسجدها، وكيف بناه وأين؟ تذكر كتب تاريخ المدينة حديثاً ضعيفاً وهو أن النبي ﷺ قال لـ علي: (اركب الناقة، فركب، قال: ارخ زمامها، فأرخاه، فقامت واستدارت في مربع، فقال: خطوا على أثرها، فخطوا على أثرها، وبدأ ببناء مسجد قباء على ما خطته الناقة) ، فقالوا: أيضاً كان اختيار المكان لمسجد قباء من الله، وقد شارك في بعض الاختصاصات، فالذي بناه هو رسول الله، وجعل من تطهر في بيته وأتى إليه وصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة، وقال سعد بن أبي وقاص: (لأن أصلي ركعتين في مسجد قباء أحب إلي من أن أذهب إلى بيت المقدس، ولو تعلمون ما لهذا المسجد لضربتم إليه أكباد الإبل ولو شهراً) يعني: لو لم يكن عندنا لكان لفضله يستحق أن تضرب إليه أكباد الإبل شهراً، يعني: تشد الرحال إليه.
والكلام على مسجد قباء كثير، ويكفي فيه من الفضل أن من قصده للصلاة فيه كان له كأجر عمرة، وقول هذا الصحابي الجليل: (لأن أصلي ركعتين فيه أحب إلي من أن أذهب إلى المسجد الأقصى) .
وبعد أن بنى ﷺ مسجد قباء نزل دافعاً إلى المدينة، وكانت -كما نعلم- قبائل الأوس والخزرج الذين بايعوه عند العقبة في استقباله بالعَدد والعُدد، وكل قبيلة تقول: هلم إلينا يا رسول الله! هلم إلى العَدد والعُدد.
أي: لنوفي لك بالعهد، فكان جوابه: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) يا سبحان الله! هذا نبي يوحى إليه بوحي السماء وفي أخطر رحلة يترك أمره إلى المأمورة وهي عجماء؟ ولماذا لا؟! ألم يوحِ ربك إلى النحل، والحيوانات لا تتحمل الوحي، لكنها تعقل، كما ذكر مالك في الموطأ: (أن يوم القيامة يكون يوم الجمعة، وأنه ما من دابة إلا وتصيخ بسمعها فجر يوم الجمعة شفقاً من الساعة) ، فإذاً: جميع الحيوانات تعلم يوم الجمعة من الخميس من السبت، وتدرك أن يوم الجمعة تقوم فيه الساعة، وتتسمع هل جاءت النفخة أو لا، فهي تعقل وتدرك، والناقة هنا مأمورة، فمضت إلى أن وصلت إلى هذا المكان المبارك فبركت، ولم ينزل عنها ﷺ لأول وهلة، ثم نهضت وهو عليها وراحت ودارت واستدارت ورجعت إلى المكان الأول وبركت ومدت عنقها وتحركت، يا سبحان الله! هل عندها خارطة تطبقها لتتثبت مما أمرت به؟! ليس عندها شيء من ذلك وإنما هذا لكي يكون عندهم علم بأنها ما جاءت عفواً وإنما بركت مأمورة بركت على العلم الأول، ثم قامت تتثبت وتتأكد بأنها مأمورة، فقال ﷺ : (إنه المنزل إن شاء الله) فرجع الأمر إليه ﷺ بقوله: إنه المنزل، وبتقريره المأمورة على ما أمرت به.
ويأتي السؤال هنا: لماذا ترك أمره للمأمورة؟ يجيب العلماء على ذلك: بأنه ﷺ يعلم ما كان عليه المجتمع في المدينة قبل مجيئه، فقد كانت الحرب سجالاً بين الأوس والخزرج مائة سنة، ولم تقف إلا قبل مجيئه ﷺ بخمس سنوات كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، إذاً: هم بالأمس كانوا في سباق في القتال، وكانوا طائفتين متقاتلتين متنافستين، ولا يوجد واحدة تسلِّم للثانية، فلما وضعت الحرب أوزارها وهدأت، جاءهم رسول الله ﷺ ، وهو أشرف من جاءهم، فلو قال: سأنزل عند الأوس، فستقول الخزرج: الجرح لم يبرأ بعد، ولو قال: سأنزل عند الخزرج فستقول الأوس: ولماذا لسنا نحن؟ ولماذا تركتنا؟ فتثار بينهم الحزازات مرة أخرى.
لكن لما قال لهم: (إنها مأمورة) أي: عندكم الناقة وهي مأمورة فتفاهموا معها، واتركوني من تحمل مسئولية تفضيل قبيلة على قبيلة، فجاءت إلى حيث أمرها الله وبركت، فلم يتكلم أحد بشيء؛ لأنهم يعلمون أن المأمورة إنما يأمرها الله، فإذا اعترضوا كان اعتراضهم على الله، وهم جاءوا ليستقبلوا رسول الله لا ليعترضوا على الله! إذاً: انتهت مشكلة تنافس الأوس والخزرج.
بقي لنا المحل الذي نزل فيه وقال عنه: (إنه المنزل) والمنزل هذا ليس بخال وليس بقفر، بل هناك بيوت وفيها أناس، فلو قال: أنا سأنزل عند فلان لقال الأخرون: لماذا فلان؟ وستأتي المسألة ثانية، فوقف الجميع وكل واحدٍ يقول: عندي عندي، بيتي قريب، بيتي هنا، وهو ساكت، وأبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه كتب الله له الخير فما زاحم ولا شارك ولا دافع وإنما قام ساكتاً وأخذ الرحل من على الناقة وجعله في بيته، فالتفت ﷺ إلى الناقة فوجدها خالية، فسأل أين الرحل؟ قالوا: احتمله أبو أيوب إلى بيته، فقال: (المرء مع رحله) فلم يتخير أحداً ولم يبق على أحد غضاضة في ذلك.
إذاً: سلمت الرحلة من كل شوائب قد تثير في النفس شيئاً، فلما استقر في بيت أبي أيوب نظر فإذا أمام البيت -كما يقال- بستان صغير أو مربد، والمربد عند أهل النخيل: هو المتسع بين البساتين الذي يجمعون فيه الرطب حتى يتمر، وينشرونه فيه للشمس حتى تذهب الرطوبة عنه ويشتد، فسأل لمن هو؟ فقالوا: لأيتام - سهل وسهيل - عند أسعد بن زرارة، قال: عليَّ به.
فجاء، فقال له: ثامني على هذا المربد -ثامني يعني: اذكر لي ثمنه وبعه علي بالثمن-.
قال: لا يا رسول الله! هو لك بدون ثمن، هو لأيتام عندي سأرضيهم عنه بأرض بدله أو بتعويض عنه، قال: لا، ثامنّي.
فثامنه وانتهى الثمن على عشرين ديناراً ذهباً، فدفعها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فكل ركعة يركعها الإنسان في المسجد النبوي يكون لـ أبي بكر فيها أجر.
فقطع الجريد، وسوى الأرض، وبدأ ببناء المسجد من جذوع النخ
стр. 1645
مباحث متعلقة بالمسجد النبوي الشريف
بقي عندنا مباحث متعددة، وكلها عملية وضرورية بالنسبة للمسجد النبوي الشريف.
ونجمل هذا في الآتي: أولاً: المسجد النبوي طرأت عليه توسعات بعد رسول الله ﷺ ، ويأتي السؤال عن تلك التوسعات مع الحديث: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة) فهل يا ترى! قوله: (مسجدي هذا) ينسحب إلى التوسعات التي جاءت بعده أو لا ينسحب؟ ثم (ألف صلاة) هل هي في عهده أو من بعدِه؟ وهل هي للفريضة والنافلة أو للفريضة فقط؟ فنأخذ أولاً: التوسعة، لما وسع عمر رضي الله تعالى عنه المسجد رأى بعض الصحابة يتحرج من الصلاة في توسعة عمر، فلاحظ ذلك، فقال: والله! إنه لمسجد رسول الله ﷺ ، ولو امتد إلى ذي الحليفة -أبيار علي-.
إذاً: عمر يقسم بأن الزيادة التي زادها إنها من مسجد رسول الله، ولو جاءت الزيادة بعده، وقد جاءت من عثمان، ومن الوليد، ومن الخلفاء بعدهم، ومن العثمانيين، ومن الدولة السعودية.
فهي من مسجد رسول الله.
والواقع يصدق ذلك.
فلو امتد إلى ذي الحليفة، وجلس إنسان على الحائط الغربي من ذي الحليفة، وقيل له: أين أنت جالس؟ لقال: في مسجد رسول الله، إذاً: التوسعة مهما كانت فإنه ينسحب إليها فضل المسجد النبوي.
وسبب هذا الخلاف هو مدلول اللغة في كون اسم الإشارة اسم يعين مسماه كما يقول ابن مالك في الألفية: اسم الإشارة وضع بالوضع العام لموضوع له خاص.
فكلمة (هذا) تصدق على كل مفرد مذكر، فيقال: هذا إنسان، هذا جهاز، هذا عمود، هذا مصباح، هذا قلم، فكلمة (هذا) كلمة عامة تطلق على كل مفرد مذكر، ولكن مع كونها عامة هل تطلق على العموم في وقت واحد أو على فرد من أفراد العموم؟ الجواب: على فرد من أفراده، ولهذا قال بعض العلماء: اسم الإشارة هو: اسم يعين مسماه كالعلم، فقالوا في قوله: (مسجدي هذا) يكون خاصاً بما أشارت إليه الإشارة الحسية فيما يصلح لها؟ وقد ذكرنا في تتمة أضواء البيان عند قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] وذكرنا قوله ﷺ : (صلاة في مسجدي) و (مسجدي) في اللغة: مضاف ومضاف إليه، مسجد: مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، إذاً: مهما اتسع المسجد فهو مضاف إليه ﷺ ، والإضافة تكون للتخصيص كما تقول: باب الدار، وتكون للتمليك، كما تقول: كتاب زيد، إذاً: (مسجدي) مدلول الإضافة فيه يعادل مدلول اسم الإشارة.
ونأتي إلى قضية أخرى جاء فيها الحديث الصحيح: لما نزل قوله سبحانه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] تلاحى بعض الناس: هل هو مسجد قباء أو مسجد رسول الله؟ فأتوا إلى رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فأخذ كفاً من حصباء وضرب به الأرض وقال: (هو مسجدكم هذا) وأما مسجد قباء فما مصيره؟ مسجد قباء فيه النص: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] ولما نزلت ذهب رسول الله إلى بني عمرو بن عوف وهم أهل قباء فقال: (إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فماذا تفعلون؟ قالوا: إنا نتبع الحجارة الماء) أي: نستنتجي بالحجارة، ثم نغسل بالماء.
إذاً: الآية قطعاً نزلت في مسجد قباء، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] هل الأولية هذه أولية زمانية أو أولية تفضيل؟ إن جئنا إلى الأولية الزمنية فمسجد قباء هو أول، وإن جئنا إلى أولية الأولولية فلا شك أن المسجد النبوي أولى، ثم جمع العلماء وقالوا: كلاهما أسس على التقوى من أول يوم، ولذا فإن الآية الكريمة تشمل كل مسجد في كل زمان وفي كل مكان إذا بني من أول يوم على التقوى، لا على الرياء ولا على السمعة ولا على مزاحمة لمسجد آخر، إنما بني لوجه الله سبحانه.
إذاً: الصلاة في الزيادة تتعادل مع الصلاة في البناء الأول، ولكن لا شك ولا ريب أن المكان الذي كان ﷺ يصلي فيه هو أولى من المكان الذي جاء من بعده، وأفضلية الألف موجودة فيهما، ولكن الأولوية لا شك أنها في البناء الذي كان في زمن النبي ﷺ ، ولهذا جاءت الخصيصة الخاصة بهذا وأنه روضة من رياض الجنة قال ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة) ، وقد أشرنا إلى اختصاصه بالعبادة في الصلاة والاعتكاف، وذكرنا قصة الرجل الجهني الذي أتى النبي ﷺ وقال: (إني رجل كبير، ولا أستطيع أن أنزل كل ليلة إلى هذا المسجد، وإني -بحمد الله- أصلي بقومي، فمرني بليلة أنزل فيها إلى هذا المسجد ابتغاء ليلة القدر) فلم يقل له: صل حيثما كنت، ولم يقل له: ابق وصل مع قومك، ولكنه قال له: (انزل ليلة ثلاث وعشرين) ففي هذا إجازة بأن يأتي الإنسان إلى هذا المسجد من أي مكان كان للاعتكاف كما يأتي للصلاة.
وقد جاء اختصاصه أيضاً بالمجيء إليه لطلب العلم في حديث: (من راح إلى مسجدي لعلم يعلمه، أو يتعلمه، كان كمن غزا في سبيل الله) ولا توجد هذه الخصوصية في أي مكان في العالم، ولذا سمعنا من كثير من مشايخنا ومن زملائنا، وجربناه في أنفسنا: أن الله سبحانه يفتح على طالب العلم في هذا المسجد بما لا يفتح عليه في غيره، وهذا من خصائص المسجد النبوي الشريف.
وبقي في قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) قضية كبرى، ونزاع طويل كما يقول ابن كثير، لا ينبغي الدخول فيها إلا إذا كان هناك وقت يتسع لبيانها، ثم التعليق عليها وإيضاح الراجح فيها، ومن أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى الجزء الثامن من تتمة أضواء البيان، فهناك بحث مطول قريباً من خمسين صفحة في حكم شد الرحال إلى المدينة أو إلى المسجد النبوي للصلاة وللسلام على سيد الخلق ﷺ .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1646
كتاب الحج - باب فضله وبيان من فرض عليه [١]
الحج والعمرة عبادتان عظيمتان، وموسمان عظيمان لتحصيل الأجور، وتكفير الذنوب، وقد سماهما النبي ﷺ (جهاداً لا قتال فيه) وذلك لما فيهما من الصبر على المشقة والتعب، بل والتضحية بالمال والنفس، فحري بالمسلم أن يحرص على أدائهما، وتكرارهما، والمتابعة بينهما.
стр. 1647
شرح حديث: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه] .
стр. 1648
خلاف العلماء في المراد بالذنوب التي تكفر بالعمرة
بدأ المؤلف ﵀ بهذا الحديث: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) .
موضوع هذا الحديث هو الترغيب في هذين النسكين العظيمين: (العمرة إلى العمرة) أي: الزيارة إلى البيت، من أي قطر من أقطار الدنيا، فأداء عمرتين يكفر ما بينهما من ذنوب، طال المدى أو قصر، ويأتي بحث للعلماء في نوعية المكفَّر أهي الكبائر، أم الصغائر، أم هما معاً؟ وقد جاءت أحاديث فيما يسمى بمكفرات الذنوب، جاء في القرآن الكريم: أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيئاتِكُم﴾ [النساء:٣١] ، وجاء أيضاً: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، وزيادة ثلاثة أيام) ، وكذلك المشي إلى المساجد للصلوات الخمس، وكذلك يوم عرفة، إلى غير ذلك من النصوص التي وردت في مكفرات الذنوب.
ويرى بعض العلماء أن هذا عام (العمرة إلى العمرة كفارة) لم يأت قيد لكبيرة ولا لصغيرة، ولم يأت قيد لحق الله أو لحق العبد، والعلماء مختلفون في هذه المسألة: فهناك من يقول: تكفر حق الله وتكفر حق العباد على الإطلاق.
وهناك من يقول: تكفر حق الله فقط، أما حق العباد فمتوقف على الأداء.
وهناك من يقول: تكفر الصغائر فقط ولا تكفر الكبائر.
وأشد من تشدد في ذلك ابن عبد البر ﵀، والذين قالوا: تكفر حتى حقوق العباد، مع أن حق العباد لا يسقطه حتى الجهاد وحتى الشهادة في سبيل الله؛ لأن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : (ماذا تكفر الشهادة -فأخبره بأنها تكفر كل شيء-؟ ثم ولى، فدعاه مرة أخرى، وقال: إلا الدين، فإن الميت مرهون في قبره بدينه) وقالوا: إن حق العبد مبني على المشاحة، فهو يقف بين يدي الله ويطالب بحقه.
فالذين قالوا: إنها تكفر كل شيء حتى حقوق العباد، قالوا: إن الله سبحانه قد وعد بذلك، فهو الذي يتولى إرضاء ذوي الحقوق عن حقوقهم، وقد جاءت نصوص وفيها: (إذا كان الناس في عرصات القيامة، ترفع غرف يراها أهل الموقف كما يرى أهل الأرض النجوم في السماء، فيقولون: يا ربنا! لمن هذه الغرف؟ فيقول -سبحانه-: لمن تنازل عن مظلمة له عند أخيه) ، فكل ذي مظلمة يتنازل لينال من تلك الغرف الرفيعة المنازل، كرفعة النجوم في الدنيا إلى غير ذلك.
ومهما يكن من شيء فهذا نص عام، إلا أن المسلم العاقل لا ينبغي أن يتكل على ذلك كل الاتكال، فعليه أن يؤدي حقوق العباد، وأن لا يقصر في حقوق الله.
стр. 1649
آداب بنبغي على من أراد الحج مراعاتها
وقد جاء عند الفقهاء جميعاً: بعض آداب الحج، قبل البدء فيه، فمن أراد أن يحج فليبدأ أولاً: بالتحلل من حقوق العباد، فإن كانت عنده أمانات فليردها إلى أهلها، وإن كانت عليه ديون فليسدد ديونه، وإن كانت عنده مظلمة لأحد فليتحلل منه، حتى قالوا: عليه عند عزمه على السفر أن يزور صالحي أهل بلده، ويوادعهم، ويسألهم الدعاء له بالسلامة والقبول إلى غير ذلك، ونحن أمام هذا النص نقول: هذا فضل الله، وفضل الله عظيم.
стр. 1650
العمرة ليس لها وقت محدد
والمباحث الفقهية في هذا النص النبوي الكريم عديدة منها: إطلاق الإتيان بالعمرة: (العمرة إلى العمرة) لم تقيد بيوم، ولا بشهر، ولا بزمن محدد، بخلاف الحج فقد قال تعالى فيه: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] فقال الفقهاء ﵏: كل وقت من السنة صالح لأداء العمرة، ولكنهم استثنوا الأيام الخاصة بالحج، وهي: يوم عرفة، وأيام التشريق، واختلفوا في أيام التشريق فيمن تعجل في يومين: هل له أن يأتي بالعمرة في اليوم الثالث، أو أن هذا اليوم الثالث من خصائص الحج؟ فإن هناك من الناس من تأخر ولم يتعجل، فهي أيام ثلاثة لرمي الجمرات، فاختلفوا في اليوم الثالث فقط، وما عدا يوم عرفة وأيام التشريق فجميع أيام السنة صالحة لأداء العمرة.
следующие страницы →