← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7714

شرح بلوغ المرام لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (2 523 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ماذا يفعل من أصيب بجرح وأراد أن يغتسل أو يتوضأ ؟ لقد دعا ﷺ على هؤلاء الناس، ثم بين فقال: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة) أي: يتيمم للموضع الذي لا يستطيع أن يغسله، وليست عليه جبيرة يمسح عليها، إنما يضع خرقة للجرح لمداواته ودفع الماء عنه، ولهذا قالوا: إذا كان في عضو من أعضاء الوضوء جرح ليست عليه جبيرة، ولا يستطيع أن يسمح عليه، فيغسل السليم ويتيمم للجرح ويصلي بذلك، فيأتي بما يستطيع له. فهذا الذي شج يتيمم لموضع الشجة التي لا جبيرة عليها تمسح، ولا يمكن إمرار الماء عليها، ثم يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، إن كانت الخرقة سميكة صالحة للمسح، (ثم يغسل سائر جسده) أي: الموضع السليم الذي يقبل الغسل وإمرار الماء عليه، والله تعالى أعلم.

стр. 352

شرح حديث ابن عباس في عدد الصلوات التي تصلى بالتيمم الواحد [وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (من السنة أن لا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة، ثم يتيمم للصلاة الأخرى) رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جداً. ] في نهاية باب التيمم يأتي المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: (من السنة) ، وإذا قال الصحابي: من السنة فإنه يصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولاسيما إذا كان الموضع ليس موضع اجتهاد، ولا تقبل فيه آراء الرجال؛ لأن كون الصلاة تصح أو لا تصح، وصحة الصلاة وعدمها لا يحكم به إلا رسول الله ﷺ . فقوله: (من السنة) : أي: المعروفة عندنا، والتي عليها العمل عندنا، أن المتيمم لا يصلي بتيممه إلا صلاة واحدة، ويتيمم للصلاة الأخرى التي تأتي.

стр. 353

خلاف العلماء في مسألة كم يصلى بالتيمم الواحد ؟ وهذه المسألة تباعد الخلاف فيها، حتى قال ابن عبد البر ﵀: لقد جمعت فيها كتاباً، أي: جمع الآراء والأقوال، واستدلال كل فريق لما ذهب إليه. وغالب ما يبنى عليه الخلاف في هذه المسألة هو ما تقدم بحثه: هل التيمم مبيح للصلاة أو رافع للحدث؟ فمن اعتبر التيمم رافعاً أعطاه حكم الوضوء، ومن اعتبره مبيحاً قصره دون الوضوء، ومجمل الأقوال في ذلك هي: عند الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه إذا تيمم صلى ما شاء من الصلوات المفروضة ما لم يحدث، فهو عنده كالمتوضئ تماماً. وأبو حنيفة ﵀، مبناه في ذلك على أن التيمم حكمه حكم الوضوء؛ لقوله ﷺ : (الصعيد وضوء المسلم) ، فقال: الرسول ﷺ سمى الصعيد وضوءاً، ولم يأت عن النبي ﷺ تحديد، ومن هنا قال أبو حنيفة ﵀: يجمع بالتيمم الواحد عدة فروض كما يجمعها بالوضوء، ولا يبطل الوضوء إلا الحدث، وهو الذي يبطل التيمم من باب أولى، وبالتالي له أن يصلي بالتيمم الفرض والفرضين والنوافل التابعة لها، ويفعل بالتيمم كل ما يفعله بالوضوء، ولا يتعين بنية، فلو تيمم للمغرب ودخل المسجد الحرام وصلى المغرب وقام وطاف بذلك التيمم، وصلى ركعتي الطواف، وتنفل بين المغرب والعشاء ما شاء، ثم صلى العشاء بذلك التيمم؛ صح، فهذا قول أبي حنيفة. ويقول الإمام مالك ﵀: إذا تيمم للفريضة فلا يصلي نافلتها قبلها بهذا التيمم، ولو تيمم لصلاة الصبح فصلى ركعتي الفجر قبل الصبح بذلك التيمم فعليه أن يتيمم للصبح مرة أخرى، بخلاف النافلة بعد الفريضة، فإذا تيمم للظهر فله أن يصلي سنة الظهر التي بعدها. والشافعي ﵀ يقول: يصلي الفريضة وراتبتها قبلها أو بعدها، فلو كان سيجمع بين فريضتين في سفر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، فتيمم للظهر وأقام الصلاة للعصر، فيتيمم للعصر في مكانه، وإن كان في مكان واحد وفي وقت واحد، ولكن لفريضتين. والإمام أحمد كذلك يقول: يصلي الفريضة ونافلتها قبلها أو بعدها، وعند أحمد أيضاً كما يذكر صاحب المغني: إذا تيمم للفريضة صلى النافلة وصلى على الجنازة بذلك التيمم؛ لأن نيته في التيمم للفريضة، وهي أقوى من النافلة، والنافلة أقوى من الصلاة على الجنازة؛ لأنه كما قال ابن عمر: (إنما هي دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود) . وبهذا نرجع مرة أخرى إلى أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكونه بسند ضعيف جداً أُخذ العمل به على ما قدمنا؛ لعدم معارضته لما هو أصح منه أو أقوى. نأتي إلى مناقشة من يقول: التيمم لا يصلى به إلا فريضة واحدة حتى في الجمع في السفر، وقالوا: الأصل في ذلك أنه عندما تيمم لصلاة الظهر مثلاً، لم يتيمم إلا بعد أن بحث عن الماء فلم يجده؛ لأن الله أولاً قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، فأمر بالوضوء عند القيام لكل صلاة، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] إذاً: عدم وجود الماء يكون بعد البحث والطلب، فهو قد بحث عن الماء وطلبه فلم يجده، فجاز له أن يتيمم؛ لأن التيمم مشروط بعدم وجود الماء، فإذا تيمم للظهر وصلاها، ثم جاء وقت العصر، فعليه أن يعيد الكرة بأن يطلب الماء، فإن وجده استعمله، فإن لم يجده فعنده النص: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦] . إذاً: عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، وله أن يتيمم إذا لم يجد الماء بعد الطلب. وقالوا: اتفق العلماء على أنه لا يحق لمن يصلي بالتيمم أن يتيم قبل دخول الوقت؛ لأن التيمم ضرورة تبيح الصلاة، والصلاة لم يأت وقتها بعد. وقالوا كذلك: لا يحق له أن يصلي الصلاة الثانية بالتيمم الأول؛ لأن تيممه قبل دخول وقت الثانية، فيكون كالذي تيمم للحاضرة قبل وقتها، وهذا لا يصح. ثم قالوا أيضاً: كان الأصل في الطهارة مبدئياً (إذا قمتم فاغسلوا) و (إذا قمتم) تقتضي التكرار، أي: كلما قمتم فاغسلوا، وهي الطهارة الأساسية المائية، فقد كان الأمر في البداية إفراد كل صلاة بوضوء، ثم خفف ذلك وجازت عدة صلوات بوضوء واحد، وقد جاء عنه ﷺ أنه صلى عدة صلوات بوضوء واحد، كما في حديث عمر في فتح مكة. ولكن لم يأت في التيمم أن النبي ﷺ صلى صلاتين بتيمم واحد، فيبقى الوضوء في طريقه ما لم يحدث: (إذا توضأ صلى ما شاء ما لم يحدث) ، ويبقى التيمم في طريقه عند عدم وجود الماء، وعدم الوجود يكون بعد الطلب، والطلب يكون بعد دخول الوقت.

стр. 354

مباحث متعلقة بالنية في التيمم مسألة: لو أن إنساناً بعد ما صلى الفريضة في مكانه تذكر صلاة فائتة عليه، نسيها بالأمس وأراد أن يقضيها الآن، فهل يصليها بتيمم الفريضة التي صلاها الآن أم يتيمم لها؟ قالوا: يتيمم لها؛ لأنه لا يصلى بتيمم واحد إلا صلاة واحدة، وهناك تفريعات على هذه المسائل في هذا الأثر وغيره، فهم مجمعون على أن النية في التيمم ركن، وكذلك في الوضوء، إلا الإمام أبا حنيفة ﵀ فإنه يقول: النية ليست شرطاً في الوضوء؛ لأن الوضوء نظافة، أمر معقول المعنى، فكيفما غسلت أعضاء وضوئك تم الوضوء، والجمهور يقولون: الوضوء عبادة، والعبادة لابد فيها من النية: (إنما الأعمال بالنيات) ؛ لأنك قد تغسل أطرافك، وقد تغتسل ولم تنو طهارة، وقد تتبرد من الحر. إذاً: يمكن غسل الأعضاء والجسم بدون إرادة الطهارة، والنية هي التي تميز بين الطهارة والعادة، والنافلة والفريضة، ففي صلاة الصبح السنة ركعتان، والفريضة ركعتان، وما الذي يفرق بينهما؟ النية هي التي تعين النافلة من الفريضة، وإن اختلفت الصورة، ففي الفريضة يجهر بالقراءة، وفي النافلة يسر بها، لكن عدد الركعات سواء، فالنية هي التي فرقت. إنسان عليه قضاء من رمضان، وجاء يوم الإثنين، وأراد أن يصوم، فصام يوم الإثنين على أنه نافلة ونسي القضاء الذي كان عليه، فهل يجزئ صومه بنية يوم الإثنين عن القضاء الذي عليه سابقاً؟ لا يجزئ. إذاً: إذا اتحدت صورة العمل بين الفرض والنافلة، وبين العبادة والعادة، فالذي يفرق في ذلك هو النية، فالأئمة الثلاثة قالوا: النية فرض في الوضوء والغسل والعبادات، والإمام أبو حنيفة ﵀ قال: إنما هي أعمال معقودة المعنى بالنظافة، فإذا حصلت ولو لم ينو أجزأت. لكن التيمم حتى عند الإمام أبي حنيفة تتعين فيه النية؛ لأنه ليس نظافة، وليس تبرداً كما في الوضوء، فقال: تتعين النية في التيمم، وتكون النية للصلاة، والنية للطواف، والنية لقراءة القرآن، والنية لحمل المصحف، والنية للمكث في المسجد، كل هذه من الأمور التي يشرع لها الطهارة، فهناك من يعتبر قاعدة: (إذا نوى الأعلى جاز له به الأدنى، وإذا نوى الأدنى لا يصح له به الأعلى) ، فإذا بحث عن الماء فلم يجد ماء، ويريد أن يقرأ في المصحف، فتيمم لمس المصحف، فهل يطوف بهذا التيمم؟ وأيهما أقوى في مشروعية الطهارة الطواف أم مس المصحف؟ لاشك أن الطواف أقوى؛ لأن الطواف بالبيت صلاة، والطهارة لصلاة النافلة أقوى من الطهارة لمس المصحف؛ لأن الصلاة منصوص عليها، وإذا أراد أن يصلي الفريضة في الوقت، قالوا: إن نوى الظهر مثلاً جاز له ما كان دون الفريضة بنوافلها، كمس المصحف، والطواف بالبيت، والمكث في المسجد، والصلاة على الجنائز؛ لأنها في مرتبة أدنى من مرتبة الفريضة في الطهارة، أما إذا تيمم لما هو أقل كما ذكر مالك، كأن تيمم وصلى ركعتي الفجر، فركعتا الفجر أقل من الفريضة، فلا يصلي بهذا التيمم الفريضة، وعليه أن يتيمم للفريضة؛ لأنها أقوى من النافلة، وإذا تيمم للطواف فلا يصلي به الفريضة؛ لأن الفريضة أقوى من الطواف وهكذا. إذاً: لابد من النية في التيمم، وهل تكون النية برفع الحدث أو باستباحة الصلاة؟ من اعتبره وضوءاً فيكون عنده بنية رفع الحدث، ومن لم يعتبره وضوءاً فينوي به استباحة الصلاة، ولذا يقول صاحب المغني: من تيمم بنية رفع الحدث فإن التيمم باطل؛ لأنه لا يرفع الحدث؛ فـ أحمد عنده التيمم لا يرفع الحدث. إذاً: ينوي في التيمم استباحة ما يتيمم من أجله، كأن يستبيح به الطواف، أو مس المصحف، أو المكث في المسجد، أو الصلاة على جنازة، هذه كما قيل رخصة يستبيح بها هذا العمل الممتنع عنها بدون طهارة، إذاً لا ينوي بتيممه رفع الحدث؛ لأن الحدث باقٍ. ووجدنا الإمام أبا حنيفة ﵀ يعتبر التيمم والوضوء سواء، يفعل بهذا ما يفعل بذاك، ولا ينتقض التيمم إلا بنواقض الوضوء أو وجود الماء. ووجدنا مالكاً ﵀ يقول: إنما التيمم مبيح لفريضة وقتها، ونافلتها التي بعدها، أما التي قبلها فلا. ووجدنا الشافعي ﵀ يزيد على مالك: النافلة التي قبلها. وبالله التوفيق، والله أعلم.

стр. 355

كتاب الطهارة - باب الحيض [١] كتب الله الحيض على بنات آدم، وفي الحيض أحكام كثيرة، ومسائل عديدة، والمرأة قد تحتار فيما خرج منها: هل هو دم حيض أو استحاضة؟! وقد جاء في السنة ما يزيل هذا الإشكال، وما يرفع هذه الحيرة، وهذا من كمال الشريعة.

стр. 356

شرح حديث: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: قال المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂: (أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، واستنكره أبو حاتم] . الحيض فيه مشاكل عديدة، وتفريعات لا نهاية لها، ويقولون: ليس هناك تفريعات أكثر من مسائل المسح على الجبيرة والحيض. والحيض قد يتبعه استحاضة، وليست هناك نصوص قاطعة فيما يتعلق بأمر حيض النساء، والحيض من شئون النساء كما قال ﷺ لأم المؤمنين عائشة: (إنه أمر كتبه الله على بنات آدم) ، ونحن ندرس باب الحيض؛ لكي نكون مرجعاً لنسائنا، فكل واحد منا عنده زوجة أو أم أو بنت أو أخت، وهن يحتجن إلى معرفة أحكام الحيض، وأولى من يبين لهن ذلك هو وليهن من ابن أو أخ أو أب أو زوج. والمؤلف رحمه الله تعالى اختصر هذا الباب، وأتى بأربعة أحاديث أصول تجمع باب الحيض والاستحاضة.

стр. 357

معنى الحيض الحيض في أصل اللغة: السيلان، تقول العرب: حاض الوادي، أي: سال، وبعضهم يقول: الحيض هو: التجمع، ومن فقه اللغة أنك إذا وجدت مادتين متحدتين في أكثر الحروف واختلفتا في حرف واحد فاعلم أن بين المادتين صلة، وإذا نظرنا إلى كلمتي: حيض وحوض، فالفرق بينهما: الياء والواو، والحوض لاجتماع الماء، والحيض دم يتجمع في الرحم، ولا تناقض بين أصل الاشتقاق؛ لأن الدم الذي يتجمع في الرحم سيسيل ويخرج إلى الخارج. وهناك معنى آخر للحيض، تقول العرب: حاضت البيضة، إذا فسدت، وصارت لا تصلح لإنتاج فروخ، ولا للأكل؛ لأنه امتزج بياضها بصفارها، فتتعفن إذا مكثت طويلاً، والحيض يجمع هذه المعاني الثلاثة، يقول الأطباء: إن للرحم دورتين: دورة شهرية، ودورة سنوية، أما الدورة الشهرية فهي دورة الحيض في كل شهر، وليس المراد بالشهر: الشهر القمري أو الشمسي، ولكن شهر الدورة هو: ما بين أول الحيضة الحاضرة وأول الحيضة المقبلة، وغالباً يكون ثمانية وعشرين يوماً، فهذه هي الدورة الشهرية، وهذا هو شهر المرأة في حيضتها.

стр. 358

سبب الحيض وسبب الحيض أن المرأة تفرز البويضة التي يلقحها الحيوان المنوي، فتخرج من المبيض إلى طريق البوق أو إلى فم الرحم، فتنتظر المني من الرجل ليلقحها، فإذا تلقحت علقت بجدار الرحم، وهي العلقة عند الأطباء، ثم بعدما تمضي عليها الأربعينات المعروفة تنفصل عن جدار الرحم بخيوط دموية رفيعة، وتكثر بعد ذلك وتصير حبل السرة الذي يغذي الجنين داخل الرحم، وتأخذ دورتها السنوية في فترة الحمل، لكن إذا لم تلقح البويضة، أو جاءها مني لا يصلح للتلقيح، ومضت مدة التلقيح؛ فإن الرحم يلفظها، وقد كان الرحم مهيئاً ينتظر الحمل المقبل، ولمَّا لم يأت الحمل نكث ما بداخله، فيخرج هذا الدم ومعه مواد أخرى من الرحم؛ لتنظيفه واستقبال بويضة جديدة. إذاً: الدورة الشهرية عند المرأة هي: الحيض المعروف لغة وشرعاً، وهو نتيجة لدورة طبيعية في الرحم، فإن أتى الحمل توقف الحيض، وإن لم يأت الحمل خرج دم الحيض، إلا إذا كانت هناك موانع أخرى كحالة الرضاع، وحالة المرض، وغير ذلك. وتكلم الفقهاء عن أقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر وأكثره، فما كان زيادة عن أكثر مدة الحيض فهو استحاضة، وما كان أقل من مدة الطهر بين الحيضتين فهو استحاضة، وهذا سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله في نهاية هذا الباب. وهذه النصوص الأربعة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب تشتمل على حالات الاستحاضة، والاستحاضة إما أن تكون مؤقتة أو تكون دائمة، ومعنى مؤقتة: أن يزيد دم الاستحاضة عن مدة الحيض، فإذا زاد عنها اعتبر الزائد استحاضة، والدائمة أن ترى الدم دائماً، ولا ترى طهراً، ولا ينقطع عنها الدم.

стр. 359

الاستحاضة لقد بدأ المؤلف ﵀ بأحاديث الاستحاضة ليبين: ماذا تفعل المستحاضة في صلاتها وصيامها عند وجود الاستحاضة؟ عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض. وهناك عدة نسوة كن يستحضن، مثل بنات جحش الثلاث، وهذه كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : (إن دم الحيض دم أسود يعرف) .

стр. 360

رجوع المستحاضة إلى التمييز المستحاضة عند الفقهاء إما أن تكون ذات عادة شهرية سابقة، فهي تعرف مدة حيضتها، فيطبق عليها الدم فلا تعرف حيضاً من استحاضة، وإما أن تكون مبتدئة بالحيض، وتأتي حيضتها طويلة، ولا تعرف مدة حيضتها، ولا ما زاد عليها من استحاضة، فهنا ردها النبي ﷺ إلى اللون، فقال: (إن دم الحيض دم أسود يُعرَف) ، وفي رواية: (يعرُف) فيعرف من المعرفة، ويعرُف من العرف وهو: الرائحة، فهو يُعرَف تعرفه النسوة بسواده، ودم الاستحاضة ليس أسوداً، بل هو نزيف كما في الحديث: (إن ذلك عرق) ، وقال: (إنما هي ركضة شيطان) ، فالاستحاضة نزيف دم طبيعي يخرج من العرق كالدم الذي يخرج من جرح في اليد أو غيرها، أما دم الحيضة فليس دماً خالصاً، بل فيه من فضلات الرحم، وفيه من المواد الأخرى التي يفرزها جدار الرحم مما كان مبطناً فيه، فيجتمع مع الدم سوائل أخرى؛ ولهذا فإن دم الحيض لا يتخثر، أي: لا يتجمد، بخلاف الدم الذي يخرج من العرق فإنه لصفائه ولخلوصه من السوائل الأخرى؛ إذا مكث قليلاً تجمد مثل الدم المسفوح من الذبيحة فإنه بعد فترة يتجلط ويتجمد. معنى الحديث: أنه ما دام قد التبس عليك أمر الحيضة من الاستحاضة؛ فاعلمي أن دم الحيض متميز بلونه ورائحته، فدم الحيض رائحته كريهة منتنة؛ لما يحمله من المواد المخاطية من الرحم، أما دم الاستحاضة فليست له رائحة كريهة؛ لأنه دم طبيعي يخرج من العرق كدم الفصد والجرح ونحوه. فأرشدها أن تنظر إلى الدم الذي يخرج منها، فإذا كان الدم الخارج منها أسوداً له رائحة فهو دم حيض، وسيستمر معها خمسة أيام أو ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فتعتبر الأيام التي يكون فيها الدم أسوداً منتناً أيام حيض، وما بعد ذلك تعتبرها استحاضة، فتتطهر بعد مضي حالة الدم المعروف، وتغتسل ثم تصلي وتصوم مع وجود الدم الآخر الذي ليس أسوداً، وليست له رائحة. وقوله ﵊: (فإذا كان ذلك فأمسكي) . أي: فإذا كان ذلك الدم الأسود فأمسكي عن الصلاة؛ لأنك في حالة حيض، والمعروف عند أطباء أمراض النساء أن متوسط عادة النساء خمسة أيام، وأن من تحيض أقل من يومين أو تزيد عليها الحيضة عن ثمانية أيام فلتراجع الطبيب، فعند الأطباء أن الحيضة لا تقل عن يومين ولا تزيد عن ثمانية أيام، ولكن أقل مدة الحيض يوم وليلة عند الجمهور، وثلاثة أيام عند أبي حنيفة ﵀، ولحظة عند مالك فيما يتعلق بالصلاة والصيام، وثلاثة أيام فيما يتعلق بعدة الطلاق ونحوها. وقوله ﵊: (فإذا ذهبت أيامها -أي: أيام الدم الأسود- فاغتسلي) أي: اعتبري نفسك خرجت من الحيضة، ودخلت في الاستحاضة، فاغتسلي للطهر من الحيض.

стр. 361

كيف تتوضأ المستحاضة وقوله ﵊: (فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) . أي: فإذا كان الآخر يعني: غير الأسود، وهو دم الاستحاضة، فليس هناك إلا قسمان فقط: أسود وآخر لونه أحمر قاني، فهنا قال: (توضئي وصلي) ، وهل تتوضأ وتصلي فقط أم تغتسل عند نهاية الدم الأسود من الحيض؟ تغتسل كما بين الله سبحانه في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، فطهر الحائض هو: انقطاع الدم عنها، وتطهرها هو اغتسالها، فالمستحاضة تعرف طهرها بذهاب الدم الأسود، وحينئذٍ تعتبر نفسها قد طهرت من الحيضة، فتغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة بعد ذلك.

стр. 362

جلوس المستحاضة في مركن قال ﵀: [وفي حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود: (ولتجلس في مركن) ] . هذه رواية أبي داود عن أسماء ﵂، فإنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: إني أستحيض حيضة كبيرة، فقال: (فلتجس في مركن) ، والمركن هو: حوض كبير أو إناء كبير مثل البانيو الآن أو الأحواض النايلون، فتملأه بماء وتجلس فيه، فإذا رأت الصفرة على وجه الماء فهذا علامة على أن تلك الصفرة من دم الاستحاضة، وليست من دم الحيض؛ لأن دم الحيض لا صفرة فيه، فهو أسود، فإذا رأت الصفرة فهي مستحاضة.

стр. 363

غسل المستحاضة غسلاً واحداً عند انقطاع حيضتها وقوله ﷺ : (فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً) . بين ﷺ أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة مع الاغتسال عن الحيضة في نهاية مدتها، وبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة، فتغتسل غسلاً واحداً -كما في رواية عائشة - في نهاية الحيضة عند انقطاع اللون الأسود، وبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة ولو لم تحدث حدثاً آخر، ولو لم يخرج من السبيلين شيء، لا ريح ولا بول، فلا موجب للوضوء غير دم الاستحاضة، فأرشدها ﷺ أن تتوضأ لكل صلاة، وهل هذا الوضوء يقطع الدم؟ لا، لكن هذا الوضوء للضرورة؛ لأن الخارج من السبيلين ينقض الوضوء، فهي تتوضأ، وبعد أن تتوضأ يخرج الدم، وقد أمرها ﷺ -كما سيأتي- أن تستثفر وتضع الكرسف، أي: القطن، حتى لا ينزل الدم على ثيابها، وعلى جسمها، وعلى الأرض التي تصلي عليها، فعندما تستثفر سيخرج الدم، وسينتهي إلى ما تجعله من قطن أو قماش، ولا يسقط على الأرض، فلما كان الدم سيخرج، فالأصل عدم بقاء الطهارة مع خروج الدم كخروج البول والريح، ولكن تتوضأ للضرورة، فما دامت الطهارة ضرورية فلا ينبغي أن تتوضأ قبل دخول الوقت، وإذا توضأت فتصلي الصلاة التي توضأت لها، وتصلي كذلك النوافل، وتفعل ما يفعله غير الحائض؛ لأنها طهرت بانقطاع الدم الأسود، وبعد الغسل الأول تتوضأ لكل صلاة، ولو لم ينتقض الوضوء بناقض آخر. قال ﵊: (ولتجلس في مركن، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر، غسلاً واحداً) . إذا رأت الصفرة أي: انتهت الحيضة وجاءت الاستحاضة، وعلامتها: رؤية صفرة فوق الماء الذي في المركن الذي جلست فيه، وهذا نوع من العلاج يساعد على عدم تركز الدم في المهبل أو في محله، ويساعد على إخراجه إلى الخارج. قال ﵊: (فلتغتسل للظهر والعصر جميعاً، وتغتسل للمغرب والعشاء جميعاً، ولتغتسل للصبح غسلاً آخر) ، بينما في حديث عائشة ذكر بعد اغتسالها من الحيضة أنها تتوضأ لكل صلاة، وفي حديث أسماء أنها تجمع بين كل صلاتين بغسل، وهل تقدم المتأخرة مع المتقدمة أم تأخر المتقدمة مع المتأخرة؟ أي: هل تجمع جمع تقديم أم جمع تأخير؟ لم يبين لنا في هذا الحديث كيف تجمع بين الصلاتين بهذا الغسل، فهل تغتسل للظهر والعصر، وتغتسل للمغرب والعشاء؛ في وقت إحداهما على اختيارها، كالمسافر إن شاء جمع جمع تأخير، وإن شاء جمع جمع تقديم؟ لا، فسيأتي لنا النص بأن هذا الجمع جمع صوري، بأن تؤخر الظهر إلى آخر وقتها، فتصلي الظهر في آخر الوقت، فيدخل وقت العصر فتصليه في أول الوقت، فتكون اغتسلت للصلاتين، وصلت كل صلاة في وقتها، إلا أن الصلاة الأولى كانت في آخر وقتها، والصلاة الثانية في أول وقتها، فتكون جمعت بين الصلاتين في الصورة، ولكن في الحقيقة فإن كل صلاة وقعت في وقتها. إذاً: تغتسل للظهر والعصر معاً، وتغتسل للمغرب والعشاء معاً، وتغتسل للصبح، ولم يبين هنا كيفية اغتسالها للصلاتين، وسيأتي النص في بيان ذلك. ثم قال ﵊: (وتتوضأ فيما بين ذلك) . أي: تتوضأ فيما بين ذلك لتلاوة القرآن، وللطواف، ولصلاة نوافل، ولما يحتاجه العمل الديني من طهارة.

стр. 364

شرح حديث: (إنما هي ركضة من الشيطان) قال ﵀: [وعن حمنة بنت جحش قالت: (كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت النبي ﷺ أستفتيه، فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام ثم اغتسلي) . حمنة بنت جحش ثالث ثلاث من بنات جحش كن يستحضن، ويقول بعض أطباء أمراض النساء: إن الحيض والاستحاضة لهما تعلق كبير بالوراثة، في مدتها وغزارة دمها، فقالت حمنة: كنت أستحاض حيضة كثيرة، وقالت: إنما أثج ثجاً، فقال: (افعلي كذا وصلي ولو قطر الدم على الحصير) ، كما في رواية، فهي كانت تستحاض استحاضة كبيرة شديدة فجاءت تستفتي رسول الله ﷺ ، فقال لها: (إنما هي ركضة من الشيطان) ، أي: هذه الحيضة الطويلة الكثيرة الزائدة إنما هي ركضة من الشيطان، والفقهاء يقولون: هي ركضة على الحقيقة، فالشيطان ركضها في رحمها حتى فجر العروق، فخرج الدم من الرحم؛ كي يشكل عليها أمر طهارتها، ويختل عليها أمر صلاتها، فهو يريد أن يفسد عليها أمر دينها، وهل هذا حقيقة أو مجاز؟ نحن نقول كما قال ﷺ : (إنما هي ركضة من الشيطان) ، والأطباء يعبرون عنها بالنزيف الرحمي، والنزيف الرحمي عندهم له أسباب عديدة، ولا يعرفون كلمة: ركضة شيطان، والنبي ﷺ أخبر أن زيادة الدم عن الحيضة الطبيعية التي يعرفها سائر النساء؛ ليست بسبب مرض، ولا حرج على المرأة فيها؛ لأنها لا تملكها ولا تستطيع دفعها، إنما هي ركضة من الشيطان. وقال ﵊: (فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام) ، وقد أشرنا إلى أن أكثر الحيض عند الأطباء ثمانية أيام، والرسول ﷺ قصرها على ستة أو سبعة، وقد يختلف حيض النساء من يوم إلى يومين إلى ثلاثة إلى أربعة إلى سبعة، ولكن هذا متوسط حالات النساء، وقد يكون الحيض عشرة أيام؛ ويكون حيضاً طبيعياً، ويهمنا هنا التعليم النبوي لـ حمنة رضي الله تعالى عنها لما اختلط عليها الدم وتواصل، ولم تعلم مدة حيضها من حيضتها، ولا يوجد لون أسود يفرق بين الحيضة والاستحاضة، فلو كان عندها علامة تفرق بها بين الحيضة والاستحاضة مثل اللون لردها إلى صفة الدم كما رد من قبلها، ولكن قال: (تحيضي) أي: في علم الله، فامكثي حائضاً، واعتبري حيضتك من كل شهر ستة أو سبعة أيام، وهذا متوسط عادة غالب النساء، وهناك من تحيض يوماً واحداً، وهناك من تحيض يومين فقط، وتنتظم حيضتها على ذلك، وهناك من لا تزيد على ثلاثة أيام، وهناك من تصل إلى عشرة أيام، لكن متوسط الحيضة عند غالب النساء ستة أو سبعة أيام. فالمستحاضة لها حالتان: حالة يكون الدم المتواصل عندها يتميز بعضه عن بعض باللون والرائحة، فما تميز بلون ورائحة فهو حيضة، وما لم يتميز بشيء من ذلك فهو استحاضة، وهذه حمنة دمها ليس فيه تمييز، فكله على لون واحد، كله أسود أو أحمر أو بين بين، ودم الحيض أسود يميل إلى اللون البني، ودم الاستحاضة لونه بعيد عن هذه الألوان، فإذا لم تميز المستحاضة أيام حيضها، ولم يوجد في الدم الخارج منها ما يميز بعضه عن بعض فماذا تفعل؟! تتحيض على غالب حيض النساء، ومتى تجلسها؟ تتخير، فتعتبر أول الشهر مثلاً حيضها، فتجلس ستة أيام أو سبعة أيام وتعتبرها حيضة، فتغتسل وتأخذ حكم الطاهرة، وهكذا أول كل شهر تجلس من واحد في الشهر إلى ستة أو سبعة، وهكذا تعتبر الشهر دورة كاملة، وتتحيض فيه ستة أو سبعة أيام من أول الشهر إلى سابع يوم، وتكون هذه حيضتها المعتبرة، وتمتنع فيها عن الصلاة وعن الصيام وعن الوطء، ثم بعد نهاية الأيام المذكورة تعتبر نفسها قد طهرت فتغتسل، ثم بعد ذلك تتوضأ لكل صلاة، وهل تغتسل وتجمع بين الصلاتين؟ قال ﵊: (فتحيضي ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي، فإذا استنقأتي فصلي أربعاً وعشرين أو ثلاثة وعشرين وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك) . قوله: (فإذا استنقأتي) يعني: اعتبرتي نفسك قد استنقأتي من دم الحيضة بعدد الأيام، أما النقاء حقيقة فليس بحاصل؛ لأن الدم موجود، لكن المعنى: اعتبرتي نفسك قد استنقأت من الحيضة بعدد الأيام التي اعتبرتيها حيضاً، وقد تعتبر الأيام من نصف الشهر، وقد تعتبر الأيام من أوله أو آخره، فإذا حددت لنفسها وقتاً من الشهر تعتبره حيضاً؛ فإذا انقضت تلك الأيام فتغتسل، ويكون حكمها حكم الطاهرة، فتصلي أربعة وعشرين يوماً، وهذا الحديث لم ينظر إلى أن الدورة الشهرية عند المرأة -كما يقول الأطباء- ثمانية وعشرين يوماً، ولكن نظر إلى الشهر بهلاله، فإذا تحيضت ستة أيام فقد بقي من الثلاثين أربعة وعشرون يوماً، وإذا تحيضت سبعة أيام فقد بقي ثلاثة وعشرون يوماً، فتصلي بقية الشهر بعد الستة أو السبعة الأيام التي اعتبرتها حيضة. وقوله ﵊: (وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك) . أي: بعد الستة أو السبعة أيام؛ اغتسلي للحيضة، واعتبري نفسك كالطاهر، وصومي بقية الشهر وصلي كذلك، ولزوجها أن يأتيها، ولكن الأولى الابتعاد عن وطئها من ناحية صحية، وليس من الناحية الشرعية. ثم قال ﵊: (وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء) . أي: وكذلك فافعلي كل شهر: تتحيضين ستة أو سبعة أيام، وتعتبرين نفسك بقية الشهر طاهرة، فتغتسلين عند نهاية أيام الحيض، ثم تصومين وتصلين إلى نهاية الشهر، وهكذا دواليك كل شهر.

стр. 365

جواز الجمع الصوري للمستحاضة ثم قال ﵊: (فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي حين تطهرين) . هنا بين كيفية اغتسالها للظهر والعصر معاً، بأن تؤخر الأولى إلى آخر وقتها، وتقدم الثانية إلى أول وقتها، وتغتسل غسلاً واحداً لهما، وفي الحديث الأول: الوضوء لكل صلاة، وهنا قال: (فإن قويت) ، أي: إذا كان لا يشق عليك، لا يوجد شدة برد، أو قلة ماء، أو عدم تحمل الماء. إذاً: المبدأ الأساسي مع حمنة أن تتوضأ لكل صلاة بعد الغسل عن الحيضة، لكن الأكمل والأطيب إن قويت أن تؤخر الظهر، وتقدم العصر، ثم تغتسل لهما، وتؤخر المغرب، وتقدم العشاء، وتغتسل لهما، ثم تغتسل للصبح في وقتها، كما قال ﵊: (ثم تغتسلي حين تطهرين، وتصلي الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي) . وهل قوله: (تجمعين بين الصلاتين) جمع حقيقي فتصلي إحداهما في وقت الأخرى أم هو جمع صوري بأن تصلي كل صلاة في طرف وقتها؛ فهذه في آخر وقتها، وتلك في أول وقتها؟ هو جمع صوري، وليس بجمع حقيقي؛ لأن كل صلاة وقعت في وقتها. ثم قال ﵊: (وتغتسلين مع الصبح وتصلين) قال: وهو أعجب الأمرين إلي. قوله: (وهو أعجب الأمرين إلي) ، اختلف العلماء في هذه الجملة، هل هي من قوله ﷺ أو من قولها هي؟ والأمران هما: الوضوء لكل صلاة، والغسل للصلاتين، فأيهما أعجب في الحكم؟ الأعجب في الحكم الاغتسال والجمع بين الصلاتين، لكن من قال: أعجب إلي؟ جل العلماء أن هذه الجملة راجعة إلى حمنة، فهي قالت: هو أحب الأمرين إلي، أي: أن أغتسل للصلاتين معاً، وأؤخر الظهر وأقدم العصر. وقد كانت بعض المستحاضات تغتسل لكل صلاة، قال الجمهور: هذا من عندها هي، ولا موجب لإعادة الغسل بعد انتهاء فترة الحيض، سواء كان بالأيام أو كان باللون، فالغسل للحيض واحد، سواء اعتبرناه بلونه أو اعتبرناه بأيامه، فما الموجب للغسل بعد ذلك؟ والدم الخارج بعد الحيض دم نزيف، وهو لا يستوجب غسلاً، ولكن كان ذلك أحب إليها احتياطاً وتورعاً وإنقاءً لنفسها، فكانت تغتسل وتجمع بين الصلاتين. إذاً: الحديث الأول موضوعه: تمييز الحيضة من الاستحاضة باللون، وأن تغتسل للحيضة ثم تتوضأ لكل صلاة، أو تغتسل للظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، والحديث الثاني بين أن اغتسالها للظهر والعصر وجمعها بينهما يكون جمعاً صورياً، وهذا أحب الأمرين للرسول ﷺ أو للمرأة، على الخلاف، والجمهور أنه للمرأة.

стр. 366

رجوع المستحاضة إلى عادتها السابقة قال ﵀: [وعن عائشة ﵂ أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول الله ﷺ الدم، فقال: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، فكانت تغتسل لكل صلاة) . رواه مسلم. وفي رواية للبخاري: (وتوضئي لكل صلاة) وهي لـ أبي داود وغيره من وجه آخر] . أم حبيبة هي أخت حمنة، وأختهما أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵅. وانظروا إلى حسن ترتيب المؤلف لهذه الأحاديث الثلاثة، أم حبيبة رضي الله تعالى عنها جاءت تشتكي إلى النبي ﷺ استحاضتها، فماذا قال لها؟ لم يقل لها: دم الحيض أسود، ولم يقل لها: تحيضي في علم الله ستة أو سبعة، بل قال لها: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) ، فهذا قسم ثالث، كانت لها حيضة منتظمة، تعرف أيامها، وتمكث مدتها، ثم اختلط الأمر عليها بعد أن كانت لها عادة معروفة تمسك فيها عن الصلاة والصيام، فردها النبي ﷺ إلى ما كانت عليه قبل الاستحاضة، فقال: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) أي: تمسك عن الصلاة والصوم، يعني: كم كنت تحيضين قبل هذا الحال الجديد؟ لو كانت ثلاثة أيام، فامكثي ثلاثة أيام، أو خمسة أيام فامكثي خمسة، وهكذا ستة أيام أو تسعة أيام، فقدر ما كانت تحبسك حيضتك قبل الاستحاضة فهي مدة حيضتك الآن مع اختلاط الأمر عليك. إذاً: المستحاضة قد تكون ذات دم يعرف، وقد تكون لا تميز الدم، وليست لها حيضة من قبل، فتمكث ستة أو سبعة أيام، وقد تكون لها حيضة منتظمة قبل الاستحاضة فترجع إلى مدة حيضتها قبل ذلك. وقوله هنا: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) ، فيه ردها إلى العادة القديمة، فليس هنا حكم زائد، ولا حكم جديد، إنما ردها إلى ما كانت عليه؛ ولهذا يقول مالك ﵀ في مسائل الحيض: لقد وكل الله أمر النساء إليهن، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن: من الولد، ومن دم الحيض، ومن الاستحاضة، فهي ترجع إلى مدة حيضتها، والنبي ﵊ ما قال: كم كانت تحبسك؟ ثم ألزمها بشيء، لا، بل ردها إلى ما كانت عليه، وهي المسئولة عن ذلك، وهي أمانة بينها وبين الله. وقوله: (ثم اغتسلي) أي: اغتسلي بعد مضي مدة حيضتك الأولى، واعتبري نفسك قد طهرتي، وما زاد عن مدة حيضتك الأولى بعد الاغتسال يكون استحاضة، فإذا اغتسلتي للحيضة فما عليك إلا الوضوء لكل صلاة، ولا تغتسل لكل صلاة، فإن الرسول ﵊ ما قال لها: اغتسلي لكل صلاة بل اغتسلي بعد الحيضة، فأمرها أن تغتسل من حيضتها الاعتبارية، ولكن هي من أجل الصلاة كانت تغتسل لكل صلاة، قالوا: هذا من فعلها هي، ولا يكون حكماً سارياً على بقية النساء، وقد جاءت الروايات موضحة لذلك. وفي رواية للبخاري: (وتوضئي لكل صلاة) . هذا هو ما أمرها النبي ﵊ به: اغتسلي بعد مدة حيضتك الأولى، ثم بعد ذلك توضئي لكل صلاة، وقد تقدم قوله: (توضئي لكل صلاة) في رواية عائشة أول الباب، ثم في رواية أسماء: أنها تجمع بين الصلاتين بغسل، وجاء الحديث الآخر أنها تؤخر وتقدم وتغتسل للصلاتين، وجاء هنا في رواية البخاري أنها تغتسل بعد حيضتها المعتبرة، ثم تتوضأ لكل صلاة، وهذا الذي استقر عليه الأمر عند العلماء، أن المستحاضة تغتسل في نهاية حيضتها الاعتبارية، وتتوضأ لكل صلاة عند وجود دم الاستحاضة. فإذا اغتسلت مستحاضة لكل صلاة من نفسها فلها ذلك، وإن قويت أن تغتسل وتجمع بين الوقتين، فتصلي في أول هذا، وآخر ذاك فلا مانع، وإن توضأت لكل صلاة، وصلت كل صلاة في وقتها فلا مانع. الخلاصة أن المستحاضة لها ثلاث حالات: أن تميز بين دم الحيضة ودم الاستحاضة، إما باللون وهو السواد، وإما بالرائحة وهو النتن، وإما بالكثرة والغزارة، فدم الحيض أكثر عند خروجه من دم الاستحاضة، فتعمل بالتمييز. وإذا التبس الأمر عليها، ولم يتميز الدم، فترد المستحاضة إلى غالب حيضات أغلب النسوة ستة أو سبعة أيام. وإذا كانت لها حيضة سابقة، فإنها ترد إلى حيضتها التي كانت قبل الاستحاضة، وتغتسل وتطهر لمضي الحيضة الاعتبارية عند الجميع. بعد ذلك ماذا تفعل؟ جاء أنها تغتسل للوقتين، وجاء أنها تغتسل لكل صلاة، وجاء أنها تتوضأ لكل صلاة بعد الغسل الأول، وهذا هو الواجب على المستحاضة.

стр. 367

المستحاضة المبتدئة حالات المستحاضة أربع، وقد ذكرنا ثلاث حالات، والرابعة هي: المبتدئة التي بدأها الحيض، ثم استمر عليها الدم ولم تعرف حيضها من استحاضتها، وليس هناك لون ولا رائحة تميز به، وليست عندها حيضة سابقة، ولا تعرف لها عادة حتى ترد إليها، ولا ترد إلى غالب عادات النساء لأن الكلام على أول ما يأتيها الدم وآخره، فمن العلماء من يقول: إنها تنتظر إلى أقصى مدة الحيض، وأقصى مدة الحيض عند الإمام أبي حنيفة ﵀ عشرة أيام، وعند الأئمة الثلاثة خمسة عشر يوماً، فالإمام أبو حنيفة يرى أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، والأئمة الثلاثة يرون أن أقل مدة الحيض يوماً وليلة، وأقصاه خمسة عشر يوماً، ومالك يفرق بين الحيض بالنسبة للصلاة والصوم، والحيض بالنسبة للعدة في الطلاق، فيعتبر الحيض بالنسبة للصلاة أو الصوم ولو ساعة من النهار، فلو حاضت المرأة في نهار رمضان ساعة من النهار فقط أفطرت ذلك اليوم، واعتبرت تلك الساعة حيضة، أما إذا كانت في عدة الطلاق فلا تعتبر تلك الساعة حيضة، ولا تعتد إلا إذا كانت الحيضة يوماً وليلة مثل الأئمة الآخرين. هذه المبتدئة بعضهم يقول: تجلس إلى آخر انقضاء مدة الحيض، فإذا استمر بعد ذلك اعتبرت نفسها مستحاضة بعد مضي الخمسة عشر يوماً، وبعضهم يقول: المبتدئة تقعد عن الصلاة والصوم يوماً واحداً -وهو أقل مدة الحيض- احتياطاً، ثم تصلي وتصوم، وتعمل ذلك ثلاثة أشهر، فإن استمر الدم إلى ما بعد نهاية مدة الحيض في الثلاثة الأشهر، فإنها تنتقل إلى التمييز إن حصل، أو إلى غالب ما تحيضه النساء ستة أو سبعة أيام. إذاً: هذه المبتدئة التي لم تعلم لها عادة سابقة، ولم تجد في الدم مميزاً، فإنها تجلس عند البعض أقل مدة الحيض، ثم تغتسل وتعتبر الباقي استحاضة، وتصلي وتصوم إلى ثلاثة أشهر، فإن استقرت على هذا رجعت إلى غالب عادة النساء. ومنهم من يقول: من أول ما ترى الدم تجلس إلى أقصى مدة الحيض، وهذا هو اليقين، وبعد الخمسة عشر يوماً تغتسل، فإن استمر معها بعد الخمسة عشر يوماً فهو استحاضة، وإن كانت صامت قبل ذلك فإنها تقضي صومها؛ لأنها صامته في حالة الحيض.

стр. 368

كتاب الطهارة - باب الحيض [٢] كرم الإسلام المرأة، وجعل لها أحكاماً خاصة فيما يتعلق بالحيض والنفاس، وهذا يدل على كمال الشريعة السمحة، وإعطائها لكل ذي حق حقه، وحسن أحكامها التي توافق العقل الصحيح المجرد عن اتباع الهوى.

стр. 369

شرح حديث: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المؤلف ﵀: [وعن أم عطية ﵂ قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً) . رواه البخاري وأبو داود واللفظ له] . حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: (كنا لا نعد الكدرة ولا الصفرة شيئاً) ، وفي بعض الروايات: (كنا على عهد رسول الله ﷺ ، وبهذا يكون الخبر مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، فهو علم به وأقرهن عليه، وفي رواية: (بعد الطهر) . ويتفق العلماء على أن المرأة إذا رأت الطهر ثم أعقب ذلك كدرة، أي: ماء مكدراً بلون الحمرة، أو ماء مكدراً بلون الصفرة، فلا تعتبر هذه الكدرة ولا الصفرة شيئاً بالنسبة للحيضة، وتبقى على طهرها الذي دخلت فيه، ويتفقون على أنها إذا رأت هذه الكدرة أو الصفرة أثناء الحيضة، بأن جاء بعدها دم أسود أو جاء بعدها دم العادة المعروف؛ فإنها تكون من أيام الحيض، فمثلاً: رأت الدم ثلاثة أيام، ورأت الكدرة والصفرة يوماً أو يومين، ثم رأت بعد ذلك الدم بقية الستة أو السبعة الأيام؛ فتلك الكدرة وتلك الصفرة في اليومين وسط العادة تعتبر حيضة لا تصلي فيها، ولا تصوم فيها، أما إذا رأت ذلك بعد أن طهرت وتطهرت واغتسلت فلا يلتفت لذلك. وكيف تعرف المرأة أنها طهرت من الحيض؟ ثبت عن أم المؤمنين عائشة ﵂: (أن نساء الأنصار كن يرسلن إليها في الدلجة -يعني: في غلس الليل- بالكرسف) ، أي: بالقطن فيه الماء من محل الحيض، وقد اشتبه عليهن: هل هذا يعتبر طهراً أم لا؟ فتقول ﵂ لهن: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) ، والقصة البيضاء هي: ماء أبيض ثخين، يفرزه الرحم في نهاية الحيض، فتعلم به المرأة أن الحيض قد انتهى، ويقول الأطباء: إن هذا الماء الأبيض الذي يعقب الحيض هو بمثابة التليين لجدار الرحم؛ ليكون مبطناً ملطفاً بهذا الماء؛ ليستقبل البويضة الجديدة بعد أن نبذ وأخرج البويضة القديمة التي لم تلقح، فيقولون: هو بمثابة المهاد والفراش للضيف الجديد المنتظر. فالحيض إذا انتهى أفرز الرحم هذه المادة البيضاء؛ ليبطن بها جدار الرحم ويلطفه، حتى إذا جاءت البويضة ووجدت هذا الماء علقت به. إذاً: المرأة تعرف نهاية حيضتها إذا رأت القصة البيضاء، فإذا رأت القصة البيضاء علمت أنها طهرت، وبقي عليها أن تتطهر أي: تغتسل، فإذا رأت القصة البيضاء فلا تنظر إلى ما يأتي بعد ذلك، كما قال الفقهاء ﵏ في الدم المسفوح: إذا ذبحت الشاة، ثم أخذ اللحم ووضع في القدر، وغلا به الماء، فربما يظهر على وجه الماء لوناً أحمر من أثر الدم الذي داخل العروق في اللحم، فهذا لا ينظر إليه، ولا يضر اللحم، ولا يقال: إنه دم نجس؛ لأنه من بقايا الدم في العروق، وليس مسفوحاً، فكذلك الكدرة أو الصفرة عندما تراها المرأة بعد أن رأت الماء الأبيض واغتسلت، فإنها لا تعتبر هذا شيئاً، ولا تترك صلاتها ولا صيامها، والله تعالى أعلم.

стр. 370

شرح حديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) قال ﵀: وعن أنس ﵁: (أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، فقال النبي ﷺ : اصنعوا كل شيء إلا النكاح) رواه مسلم] . تأملوا -يا إخوان- هذا الحديث، فهو يعطينا تاريخ المرأة عند اليهود، وهي أمة ذات كتاب، قدم المسلمون المدينة فوجدوا اليهود إذا حاضت المرأة فيهم، لا يؤاكلونها، ولا يشاربونها، ولا يساكنونها في مسكن واحد، بل يعزلونها ويقولون: إنها نجسة، ولما رأى المسلمون اليهود يفعلون ذلك -وهم أهل كتاب- وقعت عندهم شبهة، فسألوا رسول الله ﷺ عن فعل اليهود، فقال لهم: (اصنعوا كل شيء) أي: من المؤاكلة والمشاربة والمضاجعة والمساكنة، وكل شيء يفعله الزوج مع زوجه افعلوه (إلا النكاح) أي: الجماع، أما: النكاح بمعنى العقد فليس هناك مانع، فيجوز أن يعقد عليها وهي حائض، لكن إلا الجماع، كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، فلما بلغ هذا اليهود قالوا: والله! إن هذا الرجل ما ترك شيئاً إلا وخالفنا فيه، فكان ﵊ يحرص على مخالفتهم. فنقول للعلمانيين ولأصحاب الحداثة وللذين لا يلتزمون بتعاليم الإسلام وللذين ينادون بتحرير المرأة وإنصافها وإعطائها حقها: انظروا إلى تاريخ المرأة عند اليهود، وهم أهل كتاب، فيعتبرونها -لأمر لا قدرة لها فيه، ولا مدخل لها في حدوثه- نجسة، وكان ينص القانون الفرنسي في عهد نابليون أو قبله: أن المرأة مخلوق نجس، ولا يحق لها أن تمس الكتاب المقدس، بينما صحف القرآن جمعها زيد بن ثابت زمن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم توفي فانتقلت إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلما توفي كانت تلك الصحف الأساسية عند حفصة بنت عمر زوج رسول الله ﷺ ، ولما أراد عثمان رضي الله تعالى عنه أن يكتب المصحف الأم؛ استأذنها واستعارها منها على أن يردها إليها بعد نهاية المهمة، فأهل القانون الوضعي والأوروبيون والذين يدعون الحضارة يقولون: المرأة مخلوق نجس بصفة عامة، واليهود لا يأكلون ولا يشربون معها، ولا يستخدمون الإناء الذي تأكل وتشرب منه، ولا الفراش الذي تنام عليه، فيعزلونها جانباً عن سكنهم وعن طعامهم وشرابهم؛ بحجة أنها نجسة لحيضتها. إذاً: من الذي يستحق أن ينكر عليه فيما يتعلق بالمرأة: اليهود ومن سار على شاكلتهم ومنوالهم أم المسلمون الذين يكرمون المرأة ويقول رسولهم ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا الجماع) ؟ جاء في سنن البيهقي ﵀ أن رجلاً قال لأم المؤمنين عائشة ﵂: أخبريني يا أماه! أكان رسول الله ﷺ يوتر أول الليل أم آخره؟ فقالت: من كل الليل أوتر: من أوله وأوسطه وآخره، قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أخبريني أكان يغتسل من الجنابة قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: أحياناً يغتسل ثم ينام، وأحياناً ينام ثم يغتسل، قال: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أخبريني أكان يأكل معك وأنت حائض؟ قالت: كنت آكل مع رسول الله ﷺ فآخذ اللحم أنهشه بفمي ثم أعطيه إياه فيأكل منه من بعدي، وكنت أشرب من القدح فأعطيه إياه فيضع فاه موضع فمي ويشرب، قال: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. فالمرأة كانت مهانة عند اليونان والرومان، وكانوا يعاملون المرأة معاملة وحشية، وكانت المرأة في بعض الشعوب تدفن مع زوجها وهي حية! ويقولون: إنها بعد موت زوجها لا قيمة لها، وكانت في الجاهلية تورث وتباع، وكانت توأد وهي حية، فجاء الإسلام فكرم المرأة حتى وهي حائض، وجعل للحائض جميع حقوق المرأة ما عدا موضع الأذى، وذلك لمصلحتها ومصلحة زوجها، قال الله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] ، فالجماع عند الحيض أذى على الرجل؛ لوجود التلوث بالدم، وأذى على المرأة؛ لأن أعصابها لا تحتمل الجماع. هذا الحديث يعنونون عليه بباب: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ وسيأتي زيادة إيضاح لذلك في حديث أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (كانت إحدانا إذا حاضت وأراد رسول الله ﷺ منها شيئاً أمرها أن تتزر ويباشرها) . إذاً: كان اليهود يعاملون الحائض تلك المعاملة السيئة، فجاء الإسلام ونقض عليهم ذلك، ونبذ أحوالهم، وبين للمسلمين أن الحائض امرأة عادية، وهذا ليس بيدها، كما قال ﷺ : (إنه أمر كتبه الله على بنات آدم) . إذاً: يجوز للرجل من امرأته الحائض كل شيء -كما صرح الشوكاني - من التقبيل واللمس والتمتع وكل شيء إلا الجماع، والعلماء يتفقون أنما فوق سرة المرأة لزوجها أن يتمتع به، وما تحت الركبة كذلك، واختلفوا فيما بين السرة والركبة، هل له أن يتمتع بذلك؟ قالوا: نعم له ذلك، إذا طرح على فرج المرأة ثوباً يمنعه منها، لكن الناس يختلفون في ذلك الأمر، فإذا كان الشخص يعلم من نفسه أنه يملك نفسه عن الجماع في الفرج فله ذلك، وإذا كان يعلم من نفسه أنه قد ينزلق فليبتعد. وعلى كلٍ، فكل شيء من الحائض جائز من المؤاكلة والمشاربة والمماتعة والمساكنة إلا الجماع، وهو نص القرآن الكريم: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] . ويبحث علماء التفسير في كلمة: (المحيض) ، فمحيض على وزن: مفْعِل، ومفعل يطلق للزمان والمكان، مثل: مجلس موعد، تقول: هذا مجلس فلان، فهو اسم مكان، وتقول: هذا موعد مجيء فلان أو موعد جلوسه. فهذا اسم زمان، واسم الزمان واسم المكان والمصدر الميمي يتفقون أن صيغته على وزن: مفعل، فهل المحيض اسم مكان الحيض أو اسم زمان مدة الحيض أو مصدر ميمي؟ ومهما يكن من شيء فإن الفقهاء متفقون على تحريم وطء الحائض كما جاء في الحديث: (إلا النكاح) ، والنكاح هنا بمعنى: الجماع، والنكاح قد يطلق على العقد، ويطلق على الدخول بالمرأة، فأما العقد فلا مانع أن يعقد عليها وهي حائض، ولكن لا يجامعها وهي حائض.

стр. 371

شرح حديث: (كان النبي ﵊ يأمرني فأتزر) قال ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) متفق عليه] . جاء في بعض الروايات أنها كانت مع رسول الله ﷺ في الفراش، ففاجأتها حيضتها، فقامت من الفراش مبتعدة عن رسول الله ﷺ ، فقال: (ما شأنك -يا عائشة - لعلك حضت؟ قالت: نعم، قال: لا عليك، شدي عليك إزارك، وارجعي إلى فراشك) . فالحائض تشد إزارها عليها، وتكون مع زوجها، ويباشرها من فوق الإزار كيف شاء، ويباشرها أيضاً فيما عدا ما بين السرة إلى الركبة من أعلاها وأسفلها كيف شاء، ولا شيء عليه. قالت أم المؤمنين: كان رسول الله ﷺ إذا أراد إحدى نسائه وهي حائض، أمرها أن تتزر، وهي تقصد نفسها أو غيرها، وقد جاء ذلك أيضاً عن صفية وعن أم سلمة، وهذا أمر سائغ، وسيأتي أنه ﷺ سئل: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ وهذا أمر غير مختص به ﷺ ، بل هو عام للأمة كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

стр. 372

شرح حديث: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) قال ﵀: [وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) رواه الخمسة، وصححه الحاكم وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه] . هذا الخبر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يرفعه إلى النبي ﷺ ، بأن من أتى زوجه وهي حائض أو جاريته وهي حائض، فليتصدق بدينار أو بنصف دينار، و (أو) هنا ليست للشك، ولكنها للتنويع، ففي حالة يتصدق بدينار، وفي حالة يتصدق بنصف دينار، أما الحالة التي يتصدق فيها بدينار فهي في فورة الحيضة، أي: في شدة جريان الدم، والأطباء يقولون: الحيضة في أول يوم ضعيفة، واليوم الثاني والثالث أشدها، وفي اليوم الرابع وما بعده تتناقص حتى تنقطع، وحالات النساء تختلف في هذا، فينظر في حالة الدم عندما أتاها زوجها: فإذا كان في شدته فعليه دينار، وإذا كان في ضعفه وقلته فعليه نصف دينار. والحديث -كما ذكر المؤلف- هناك من صححه مرفوعاً، وهناك من جعله موقوفاً على ابن عباس من قوله، ولكن مثل هذا الحكم -وهو الأمر بالصدقة- الظاهر أنه مرفوع، فإن أموال الناس معصومة، ولا يتأتى لإنسان أن يقول فيها برأيه، وأن يأتي بحكم من عنده واجتهاده، فهو إن لم يكن مرفوعاً صناعة فهو مرفوع حكماً، ولكن يذكر الشوكاني وغيره أن الحديث فيه مقالات، وأن في سنده ما يضعفه، ومن هنا اختلفوا هل هذا الدينار أو النصف الدينار واجب أو على سبيل الندب؟ فبعض العلماء على أنه واجب لنص الحديث، وإن كان في سنده مقال، فقالوا: يتصدق بدينار إذا كان الدم شديداً، أو بنصف دينار إذا كان الدم قليلاً، وبعض العلماء يقول: ليس بواجب، ولكنه للاستحباب. فالزوجة أحلها الله لزوجها، وعند مجيء الدم يحرم عليه وطؤها تحريماً مؤقتاً، وكونه يجامعها وهي حائض خطيئة، وكفارة تلك الخطيئة أن يتصدق، فمن أتى أهله وهي حائض لا نقول: إنه أتى محرماً كالزنى، ولكنه ارتكب مخالفة ونهياً، ولا يبعد أن النبي ﷺ جعل هذا الدينار والنصف الدينار للردع من ذلك، فهم في ذلك الوقت ما كل إنسان منهم يملك ديناراً ولا نصف دينار، وإن امتلكه فليس بزائد عن حاجته، وقل من يتوفر عنده الدنانير، فيكون جعل ذلك حتى لا يقع الرجال على النساء وقت الحيض، تنفيذاً لقوله سبحانه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] . ويقولون: المرأة في حالة الحيض أعصابها ونفسيتها مختلفة، وجسمها غير طبيعي، فإذا جامعها زوجها تتوتر أعصابها؛ لأن خلاياها وكل أجزاء جسمها تختل، وتختلف حالة الحيض عن حالة الطهر، وإذا انتهى الحيض وجاء الطهر كانت في أشد الاستعداد لذلك العمل. فهذا الحديث فيه الزجر والمنع من تطلع الرجال إلى النساء عند المحيض، والله تعالى أعلم.

стр. 373

شرح حديث: (أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم ؟) قال ﵀: [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟) متفق عليه في حديث طويل] . يبين المؤلف ﵀ حكم الحائض بالنسبة للصلاة وللصيام؛ لأنهما أهم شيء في حياتها وفي دينها، والحديث طويل، وهو: أن الرسول ﷺ ذكر أنه اطلع على أهل النار، ووجد أكثر أهلها النساء؛ فقامت امرأة وقالت: ما شأن النساء أكثر أهل النار؟! فقال ﷺ : (لأنهن يكثرن اللعن، ويكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) ، وهذا على سبيل حكم الكل، وليس الكلي، ففي الجملة المرأة أنقص ديناً وعقلاً، ولكن قد يوجد بعض النساء أرجح عقلاً من عشرات الرجال، وقد يوجد في النساء من هي أرجح في الدين والعبادة والتورع من عشرات الرجال، لكن ذلك من حيث العموم، فقالت المرأة: ما نقصان عقلها ودينها؟! فقال ﷺ : (أما نقصان عقلها فشهادتها نصف شهادة الرجل) كما قال الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، قال: (وأما نقصان دينها فأليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟) ، وكونها لا تصلي ولا تصوم نقص في دينها، فالرجل يصلي بصفة دائمة، ويصوم بصفة دائمة، ولكنها يأتيها ما يمنعها، فقوله ﷺ : (أليست المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم؟) معناه: أن الحائض تمتنع عن الصلاة، وتمتنع عن الصيام، فلا يجوز للحائض أن تصلي، ولو استباحت ذلك لكفرت عياذاً بالله، ولا يصح لها أن تصوم، ولو صامت فلا يعتبر صيامها، ولو استحلت ذلك لكفرت عياذاً بالله. وهل المرأة تقضي ما فاتها من الصلوات والصيام أثناء حيضها؟ جاءت زوج عبادة بن الصامت إلى أم المؤمنين عائشة وقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: (كان يصيبنا الحيض فنقضي الصوم ولا نقضي الصلاة) ، وفي بعض الروايات أنها قالت: (أعراقية أنت؟! قالت: لا، ولكني مستفسرة) ، وقولها: (أعراقية) ؛ لأنه كان مشتهراً عن أهل العراق أنهم أهل الجدل والقياس، والمعتزلة يقدمون العقل في كثير من قضايا الإسلام، ومن أهل البدع من يقول: إنها تقضي الصلاة، وهذا السؤال هو شبه اعتراض عقلي، أي: كيف هذا، فهذه صلاة فريضة وهذا صوم فريضة، ثم فرق بين الفريضتين، فريضة تقضيها وفريضة لا تقضيها؟! وهذا من استعمال القياس العقلي، فقالت لها هذا الجواب: أعراقية أنت؟! أي: أأنت قياسية، تعملين بالقياس مع وجود النص؟ وأما القياس في غير وجود النص فهو من أصول الفقه وأصول الدين، لكن إذا وجد النص فلا قياس، ويسمى عند الأصوليين: فاسد الاعتبار؛ لأن النص موجود. فهي سألت كيف تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فأجابت أم المؤمنين بقولها: كنا نحيض ونؤمر بذلك، وما كنا نسأل عن السبب ولا عن العلة، فهي أمور تعبدية نتقبلها بالسمع والطاعة، ولا نسأل عن السبب ولا عن الفرق، ولكن العلماء قالوا: هناك فرق، وليس قضاء الصلاة وقضاء الصوم مستويان، ومن شرط صحة القياس أن يستوي الطرفان: المقيس مع المقيس عليه. فمثلاً: الربا في البر مع الشعير أو مع الذرة؛ لأنهما يستويان في كونهما قوتاً مدخراً، ولكن الصوم والصلاة ليستا متفقتين، لماذا؟ لأن الصوم يأتي مرة واحدة في السنة، والحيض يأتي في الشهر -غالباً- مرة واحدة، فإذا حاضت خمسة أيام أو سبعة أيام في رمضان، فيسهل عليها أن تقضي السبعة أيام في بقية السنة، وهذا لا مشقة عليها فيه، وأما إذا كانت تؤمر بقضاء الصلاة فسبعة أيام تضرب في خمسة يساوي خمسة وثلاثين صلاة، فتحتاج سبعة أيام من الأيام الأخرى لتقضيها في غير أيام الحيضة، فعلى هذا؛ لما كانت الصلاة تتكرر كل يوم، وهي تحيض عدة أيام، وقد يستمر حيضها إلى أكثر مدة الحيض وهي الخمسة عشر يوماً، فستقضي الصلاة خمسة عشر يوماً مع صلاة الخمسة عشر يوماً، وتكون الفائتة بقدر الحاضرة، وهذه مشقة ظاهرة؛ ولهذا سقط عنها قضاء الصلاة.

стр. 374

شرح حديث: (افعلي ما يفعل الحاج ... ) قال ﵀: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما جئنا سرف حضت، فقال النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه في حديث طويل] . هذا الحديث مثل الحديث المتقدم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وهنا قالت عائشة: لما جئنا سرف، وسرف على مرحلتين من مكة في طريق المدينة، وكانت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، وكانت محرمة بالعمرة متمتعة، ولما دنت من مكة فاجأتها الحيضة، وكانوا قدموا مكة صبح رابعة من ذي الحجة، أي: وفي اليوم الثامن بعد أربعة أيام سيذهبون إلى عرفات، وهي لن تطهر في هذه المدة، فهي بين أحد أمرين: أن تجلس في مكة حتى تطهر وتكمل عمرتها ويفوتها الوقوف بعرفة، أو تدرك الحج، فالرسول ﷺ دخل عليها وهي في خيمتها في سرف، فوجدها تبكي، فقال: (ما يبكيك يا عائشة؟! لعلك نفست؟ قالت: نعم) والنفاس من أسماء الحيض مثل: العراك، والفورة، والدم، فقال: (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) ، أي: لست أنت وحدك التي يأتيك الحيض، وليس أمرك بيدك. ومعلوم أن الحج أعماله كلها تدور على ذكر الله، فهل لها أن تذكر الله، فتلبي، وتأتي المشعر الحرام، وتأتي عرفات، وتقول ما جاء في الحديث: (خير ما قلته أنا والنبيون قبلي في هذا اليوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... ) إلى آخره، وتعمل بالآية: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] أم أنها تمتنع بسبب حيضتها؟ الحديث الأول يتعلق بأمر اليهود في أمور الدنيا، وفي الأمور الخاصة، والأمور العائلية، والمعاشرة الزوجية، وحديث عائشة في الأمور الدينية، فقال لها: (افعلي -مع وجود حيضتك- ما يفعل الحاج) ، وقد أمرها أن تغتسل، وأن تدخل الحج على العمرة، فتقول: لبيك حجة في عمرة، وصارت قارنة من مكانها في سرف، واغتسلت من أجل إدخال الحج على العمرة للنسك وليس للحيضة، وأصبحت بعد ذلك قارنة، فجاز لها أن تجلس عند البيت، وتخرج مع الحجاج إلى عرفات، وتنزل من عرفات إلى المشعر الحرام، ومن المشعر الحرام إلى منى، وترمي الجمرات، ثم تنتظر، فإن طهرت في تلك الحالة اغتسلت، وطافت طواف الإفاضة عن الحج والعمرة المقترنين، وبهذا أكملت حجها، فالحديث الأول في أمور الدنيا والمعاشرة، وهذا في أمر الدين والعبادة: (افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) . وإذا نهاها عن الطواف بالبيت، فما هو أشد تطلباً للطهارة: الصلاة أم الطواف؟ الصلاة؛ لأن الرسول قاس الطواف على الصلاة في قوله: (الطواف صلاة) ، فالطواف فرع عن الصلاة، فإذا منعت من الطواف بالبيت بسبب الحيضة، فمنعها من قراءة القرآن في الصلاة من باب أولى. وهل تقرأ القرآن؟ القرآن هو لب الصلاة، وجاءت الأحاديث بمنع الحائض من قراءة القرآن ومن حمل المصحف. إذاً: قوله: (اصنعي كل ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ، ونضيف إلى عدم الطواف: قراءة القرآن وحمل المصحف، وهذا يبين لنا أن الحائض تذكر الله بغير التلاوة، وتفعل كل ما يفعله الحجاج: من الأذكار، ومن الوقوف بعرفات، والوقوف بمزدلفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، وذهابها إلى منى، ورميها الجمار، والتكبير مع كل حصاة، وتنحر أيضاً إذا كان عليها نحر إن كانت تحسن النحر أو تنيب من ينحر عنها، والنبي ﷺ (نحر عن نسائه بقرة) .

стр. 375

شرح حديث: (إتيان الحائض فيما فوق الإزار) قال ﵀: [وعن معاذ بن جبل ﵁ أنه سأل النبي ﷺ : (ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ما فوق الإزار) رواه أبو داود وضعفه] . سبق أن ساق المؤلف ﵀ حديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) ، وهذا عام، فله أن يصنع كل شيء حتى ما تحت السرة، ما لم يكن هناك إيلاج وجماع، وهنا سأل معاذ: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ لم يقل: يحل له كل شيء إلا النكاح مثل الحديث السابق؛ لأنه كان في مقابلة تعامل اليهود، فاليهود منعوا التعامل معها في كل شيء، والإسلام أباح التعامل معها في كل شيء، إلا شيئاً واحداً وهو الجماع، فهو مقابل لتعنت اليهود مع الحائض، وحديث معاذ توجيه وتعليم لما هو الأكمل والأحوط للرجل، وهو ما فوق الإزار. وهل له ما فوق الإزار ولو كان في مقابل الفرج في منطقة الاتزار؟ الحديث يحتمل الأمرين، والإزار العادي يكون من السرة إلى الركبة، ويكون الإزار حاجزاً وحاجباً بين الجسم والجسم، قال بعض العلماء: المباشرة تكون مكان الاتزار، وهذا هو الظاهر، أما كونه يباشر الفرج بحاجز الإزار فهذا قد يؤدي إلى إثارة المرأة، وقد يكون فيه إيذاء عليها. إذاً: ما فوق الإزار هو محل إزار المرأة، وهذا قول الجمهور، وقد قالت عائشة ﵂: (فيأمرها فتتزر ويباشرها) ، والله تعالى أعلم.

стр. 376

شرح حديث: (كانت النفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً) قال ﵀: [وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كانت النفساء تقعد على عهد النبي ﷺ بعد نفاسها أربعين يوماً) رواه الخمسة إلا النسائي واللفظ لـ أبي داود، وفي لفظ له: (ولم يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس) ، وصححه الحاكم] . المؤلف ﵀ انتهى من مباحث الحيض، ولكنه لم يبين لنا مدة الحيض صراحة، ولكن ذكر حديث المستحاضة: تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، والفقهاء حددوا أقل مدة الحيض وأكثره، فالحنفية قالوا: أكثر الحيض عشرة أيام، والجمهور على أنه خمسة عشر يوماً، وأقله يوم وليلة، وغالبه سبعة أيام. فأقل الحيض وأكثره معلوم عند العلماء والحمد لله، علماً بأن حالات النساء تختلف، ولكن جعلوا هذا هو الحد الأقصى والحد الأدنى، فما كان من دم دون الحد الأدنى فليس بحيض، وما كان من دم فوق الحد الأعلى فليس بحيض. ودم النفاس يأخذ حكم دم الحيض في ترك الصلاة، وترك الصيام، وترك القراءة، وعدم حمل المصحف، وتحريم الوطء، فدم النفاس ودم الحيض في ذلك سواء، وقد سمى رسول الله ﷺ الحيض نفاساً كما في قوله: (لعلك نفست؟) ، فإلى متى تجلس المرأة بعد نفاسها؟ هذا الحديث يبين أقصى مدة الدم في النفاس، وأقل دم النفاس لحظة، فلو نفست اليوم وانقطع دمها غداً ولم تر شيئاً فقد طهرت، وتأخذ حكم الطاهر، وليس بلازم أن تستمر إلى أربعين يوماً إلا في الجماع من باب الندب؛ لأنها بعد الولادة ليست مستعدة للجماع، والمحل غير صالح، فإذا كملت الأربعون يوماً صار الرحم يقبل ما كان يقبله قبل الحمل، وهل هذا محل اتفاق؟ ليس محل اتفاق، هناك من يرى أن أقصى النفاس خمسون يوماً، وبعضهم يراه ستين يوماً، والعبرة بغالب حالات النساء، وقد أشرنا أن دم الحيض ودم النفاس يختلف في أسرة دون أسرة، ويختلف في قرية دون قرية، ويختلف في إقليم دون إقليم، ويختلف في فصل دون فصل، فهو في الأيام الباردة غير الأيام الحارة. قالوا: أقصى ما تجلس النفساء بعد دم النفاس أربعون يوماً، وهناك من قال: خمسون، أو خمسة وخمسون، أو ستون، وليس بعد الستين خلاف. لو أن المرأة ولدت ونزل الدم، وفي آخر النهار انقطع عنها الدم، فهل انتهت من نفاسها أم لابد أن تجلس أربعين يوماً؟ انتهت، وإذا ولدت ولم ينزل ولا قطرة دم فهل لازم أن تجلس أربعين يوماً أم ليس هناك دم نفاس؟ ليس هناك شيء، وهذه ولادة الجفوف، فبعض النسوة تلد المولود ولا ينزل معه دم، فبنزول الولد ينتهي نفاسها، ولا تحتاج أن تجلس أي مدة بعد نزول الولد إذا لم يوجد الدم. إذاً: هذا الحديث يبين لنا الحد الأقصى الذي تجلسه المرأة في نفاسها، فإذا زاد عن الأربعين يوماً خمسة أيام فماذا نعتبر هذه الأيام الخمسة؟ يقول الفقهاء: إن كانت الزيادة وافقت زمن حيضتها فهي حيض، أي: أنها انتقلت من نفاس إلى حيض، فتترك الصلاة والصوم، فمثلاً: كانت ترى الحيضة يوم ثلاثة وعشرين من كل شهر، فنفست، وبعد الأربعين يوماً صادف يوم ثلاثة وعشرين، وهو زمن حيضتها، فتترك الصلاة؛ لأنها انتقلت من نفاس إلى حيض. أما إذا كانت حيضتها تأتيها في أول الشهر أو في نصف الشهر، وانتهى دم نفاسها يوم خمسة وعشرين من الشهر، ولكن استمر الدم إلى يوم الثلاثين، فهذه الخمسة الأيام الزائدة من بعد يوم خمسة وعشرين التي هي نهاية الأربعين تكون استحاضة، والله تعالى أعلم.

стр. 377

كتاب الصلاة - باب المواقيت [١] جعل الله للصلوات الخمس مواقيت محددة الأول والآخر، وقد بين الله ورسوله هذه المواقيت، وشرحها العلماء، وأطالوا في ذلك؛ لأنها متعلقة بأفضل العبادات، وأعظم القربات، فالصلاة لا تقبل إلا بعد دخول وقتها، فوجب معرفة المواقيت للقيام بالصلاة في وقتها المحدد شرعاً.

стр. 378

مقدمات أصولية تتعلق بالمواقيت بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فيقول المؤلف ﵀: [كتاب الصلاة، باب المواقيت] . المواقيت: جمع موقت، والموقت هو الوقت المؤقت لشيء ما، وبدأ المؤلف رحمه الله تعالى قائلاً: كتاب الصلاة، ثم قال: باب المواقيت ليبين لنا أن مواقيت الصلاة من ضمن مباحث الصلاة. وهذا الباب جعله الإمام مالك ﵀ أول أبواب الموطأ، وقال: باب الوقوت (جمع كثرة لوقت) وقالوا: إنه راعى الأوقات المختلفة في أداء الصلاة من أفضلية الوقت إلى آخر ما يجزئ في الوقت من الوقت الضروري، ووقت القضاء لمن نام أو نسي، وهناك أوقات الصلوات الخمس، ووقت الجمعة، وغير ذلك. والتوقيت للصلاة واجب كما قال : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] ، أي: موقتاً بزمن.

стр. 379

تقسيم أوقات العبادة إلى مضيقة وموسعة العبادات المؤقتة ينقسم وقتها بالنسبة إليها إلى قسمين: القسم الأول: وقت موسع. القسم الثاني: وقت مضيق. فالوقت الموسع كأوقات الصلوات، فمثلاً: وقت صلاة الظهر من زوال الشمس إلى مجيء وقت العصر، ووقت العصر من أول وقتها إلى غروب الشمس، ومعنى موسع: أن يستطيع الإنسان أن يأتي بالفريضة في وقتها ثم يأتي بمثلها معها في وقتها. والوقت المضيق كصوم رمضان، فشهر رمضان هو وقت الصوم، وهو مضيق بمعنى: أنك لا تستطيع أن تأتي في يوم من رمضان بفريضتين: فريضة شهرك الحاضر وقضاءً عما عليك من الماضي، بخلاف وقت الصلاة، فإنك تستطيع أن تُصلي الحاضرة، وتُصلي النافلة، وتُصلي ما كان عليك من قضاء في الوقت الواحد، وفي الصلوات قد يصبح الوقت الموسع مضيقاً إذا لم يبق من الوقت إلا ما تدرك به صلاة الوقت الحاضر.

стр. 380

تقسيم خطاب الشرع إلى خطاب تكليف وخطاب وضع والله بين توقيت العبادات من باب خطاب الوضع؛ لأن خطاب الشرع ينقسم إلى قسمين: خطاب التكليف، وخطاب الوضع. فخطاب التكليف هو: الذي فيه الأمر والنهي بالتشريع أو التحريم. وخطاب الوضع هو: العلامة أو الشرط أو المانع المتعلق بهذا العمل الذي كُلف به المسلم. فقوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] هذا خطاب تكليف، كلف فيه المسلم أن يقيم الصلاة وأن يؤتي الزكاة، وقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] خطاب تكليف؛ كلف فيه المسلم بالصوم. ولكن تحديد متى نصوم ومتى نصلي يجيء بيانه بخطاب الوضع، فقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فعين لنا زمن الصوم الذي فرض علينا، وكذلك قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، فهذا خطاب وضع من جهة بيان وقت الصلاة، فنصلي لدلوك الشمس، وهو تحركها بعد الاستواء عن كبد السماء إلى جهة الغرب، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي: ظلمة الليل. فدلوك الشمس شمل الوقت المشترك لصلاتي: الظهر والعصر، وغسق الليل شمل الصلاتين المشتركتين في ذلك الوقت وهما: المغرب والعشاء، ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وهو: مشتمل على صلاة الصبح، فهذا الخطاب الذي بين أوقات الصلوات يسمى: خطاب وضع، والخطاب الذي جاء بتكليف المكلف بالواجب عليه في العبادات هو خطاب تكليف. كذلك الحج، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] فهذا خطاب تكليف، فعلى كل مستطيع أن يحج، ولكن متى نحج؟ جاء خطاب الوضع في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] ، فبين لنا وقت الحج، والسنة بينت أنه من أول شوال، فيجوز الإحرام في شوال، وذي القعدة، وجزء من ذي الحجة، وهذا ببيان النبي ﷺ .

стр. 381

دخول الوقت شرط لصحة الصلاة إذاً: مالك ﵀ راعى في كتابه الموطأ أن أول ما يكلف به العبد فعلاً الصلاة، ولكن الصلاة تبدأ من الميقات أي: من التوقيت، أي: بدخول الوقت، والطهارة شرط لصحة الصلاة، ودخول الوقت شرط لصحة الصلاة، فمن صلى صلاة قبل وقتها فلا يعتد بها، ومن صلى صلاة دون أن يتوضأ فلا يعتد بها، فراعى أن أول ما يكون هو دخول الوقت، فإذا دخل الوقت وجب عليه أن يتوضأ ليصلي، لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا. ﴾ [المائدة:٦] ، ولا يكون القيام إلى الصلاة إلا بعد دخول وقتها، ولكن كتب الحديث المرتبة على أبواب الفقه قد يختلفون في البداية، فبدأ البخاري صحيحه بباب الإيمان والعلم، وكذلك فعل مسلم فبدأ بباب الإيمان، وجاء أبو داود فبدأ بكتاب الصلاة، وبدأ كتاب الصلاة بالطهارة؛ لأنها شرط في صحتها، ثم جاء بعد ذلك بستر العورة وهو باب اللباس، ثم أتى بالمساجد ومواضع الصلاة، وكذلك فعل غيره. والذي يهمنا أن الناس يختلفون في ترتيب كتب الفقه، ولكنهم مجمعون في الجملة بأنهم يبدءون بالعبادات، ثم بالمعاملات، ثم بالأحوال الشخصية، ثم بالجنايات، ثم بأحكام القضاء؛ لأن العبادات فرض عين على كل شخص، فهي أهم، وهي حق الله على العباد، والمعاملات هي لمصلحة الناس فيما بينهم من بيع وشراء وكفالة وضمان وحوالة إلى غير ذلك، وكذلك الأحوال الشخصية من الأنكحة والعشرة الزوجية وحق الزوجات والأولاد والنفقات والطلاق والعدد ونحو ذلك. ويؤخرون بعد هذا باب القضاء؛ لأن الإنسان في الغالب بعد أن يبيع ويشتري ويتكسب ويتزوج يصير له الأولاد، فتقع المشاكل مع الجيران، فيأتي باب القضاء، فكتب الفقه تتفق على هذا الترتيب في الجملة، وبعضهم قد يقدم باباً على باب، ولكن من حيث الجملة فالترتيب عبادات، معاملات، أحوال شخصية، جنايات، قضاء. انتهى المؤلف ﵀ من كتاب الطهارة من وضوء، ومن غسل، وبيان حكم الجنب، والتيمم، والإنسان يتطهر استعداداً للصلاة؛ لأن الطهارة سواء بالوضوء أو بالغسل تصح قبل دخول الوقت، فهو قد يتهيأ للصلاة قبل دخول وقتها.

стр. 382

(يريد الله بكم اليسر) قاعدة عامة في التكاليف انتهى المؤلف ﵀ من مقدمة الصلاة، وشرطها الأساسي وهو الطهارة، ثم جاء بعد ذلك بكتاب الصلاة، وبدأ كتاب الصلاة بالوقت؛ لأنها لا تؤدى إلا في وقتها المحدد لها، ومن ناحية أخرى نجد كل خطاب الوضع مرتبطاً بعلامات كونية أو أمور وضعية متعارف عليها، ويستوي في معرفتها أعلم الناس هندسة وعلوماً عامة وأجهل الناس بتلك العلوم، فيستوي فيها العامي والمتعلم. فمثلاً أوقات الصلوات الخمس رُبطت بأمور بأمور يستوي في معرفتها العامة والخاصة، بل قد يكون العامي صاحب البادية أعرف بها من الحاضر، حيث جعل الله مواقيت الصلاة مرتبطة بحركة الشمس، فالفجر من انفجار النهار عن ظلام الليل، وهي نتيجة اقتراب الشمس من الظهور، وتقدم أشعتها، فيظهر بعض الضوء، ويتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والظهر حينما تزول الشمس عن كبد السماء ونرى الفيء. فالشمس حينما تشرق، تأخذ في نصف الدائرة، فإذا توسطت نصف الدائرة وهو الربع الأول من الدائرة الكاملة، يمتد ظل كل شيء إلى الغرب، فلما تزحزحت عن نقطة الصفر في متوسط الدائرة، وانحازت إلى الربع الثاني إلى جهة الغرب؛ تحول الفيء إلى الشرق، فنحن وإن كان بيننا وبين الشمس مئات الآلاف من الأميال فإننا ندرك حركتها عندنا في الأرض؛ بتحول الظل من الغرب إلى الشرق، ثم يأتي وقت العصر عندما يصير ظل كل شيء مثله، ثم يأتي وقت المغرب عندما تغرب الشمس، وما بين الظهر والمغرب وقت للعصر. الذي في البادية أدرى بالأوقات من الذي في الحاضرة؛ لأن الحضري ساكن في شقة أو في بيت وربما لا يراقب الشمس، وخاصة طلوع الشمس، وأهل البادية أعرف بذلك من الآخرين. والمغرب وقته من غياب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وهو الحمرة التي في الأفق، ومن غيبوبة الشفق إلى طلوع الفجر وقت للعشاء. فهذه معالم وأمارات وتوقيت يتفق في معرفتها الجميع؛ لأن التشريع للجميع، ولا يكلف الله الناس معرفة علم الفلك، ولا يجب أن نعرف أوقات الصلاة بتوقيت فلكي، وإنما جاءت الساعة تسهيلاً وتقريباً لذلك، ولهذا لو رأينا ساعة الفلك مغايرة لساعة الجيب؛ لألغينا ساعة الجيب، فلو أن الساعة في جيبك تشير أنه بقي على المغرب نصف ساعة، ورأيت الشمس تغرب بعينك، فبأي الساعتين تعمل؟ هل بساعة الشمس التي تنظر إليها بعينك أو الساعة التي في يدك؟ تلغي الساعة التي في يدك وتعدلها، وكذلك صوم شهر رمضان، والعالم كله يعرف متى يدخل رمضان ومتى يخرج رمضان، وهل نعرف ذلك بالحساب كما يقولون؟ لا، لحديث: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) ، ورؤية الهلال أيسر في البادية من الحاضرة، فالحاضرة فيها دخان، وكهرباء، وو إلى آخره، وأضواء الكهرباء تضعف من البصر، بخلاف أهل البادية فهم حديدو الأبصار، يرون الهلال في أول يوم، ويعرفون منازله، ويطلبونه فيه، وكذلك الحج. والزكاة جُعِل قدرها (٢. ٥%) وهذا المقدار لا يغلط فيه الإنسان عند الحساب، وقال الله في زكاة الزروع: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فهذا تكليف، وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] وهذا خطاب وضع، وكم قدر الزكاة؟ بينت السنة أنه إما العشر وإما نصف العشر، وهذه أمور عامة يعلمها العامة والخاصة، وهذا دليل على أن الإسلام هو الدين الباقي، والدين الشامل، وهو دين الفطرة؛ لأنه يستوي فيه جميع الخلق: من عرب، ومن عجم، ومن حضر، ومن بدو، ومن متعلم، ومن عامي. فبدأ المؤلف كتاب الصلاة بالمواقيت، وجاء بالأحاديث المتعلقة بالباب، وفيها الكفاية إن شاء الله.

стр. 383

بيان النبي ﷺ لأوقات الصلاة قال المؤلف ﵀: [عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله مالم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) رواه مسلم] .

стр. 384

معنى زوال الشمس قوله: (إذا زالت الشمس) ، معنى زالت: ذهبت عن كبد السماء؛ لأنها تشرق في أول الأمر من المشرق، وتأخذ في حركتها في نصف الدائرة، ويقولون: قدر ثماني عشر، والدائرة الكاملة قدرها ست وثلاثون درجة، فهي تأخذ ثماني عشرة درجة في هذا الوجه، وثماني عشرة درجة في الوجه الثاني من جهة الأرض، فتكون ثماني عشرة درجة مضيئة بطلوع الشمس، وثماني عشرة درجة ليل؛ لعدم وجود الشمس هناك، فإذا أخذت نصف الثماني عشرة درجة، فهي تسعة، وهذا هو وسط وكبد السماء، وفيء الزوال يختلف صيفاً وشتاء، بل ويختلف على درجات الأرض، فهو على مستوى خط الاستواء يختلف على مدار السرطان أو على الجهة الشمالية أو الجهة القطبية، حتى إنه في منتهى تكوير الأرض في السويد والنرويج من جهة القطب المتجمد الشمالي قد يختفي الظل، وقد يبقى النهار عدة أشهر، والليل عدة أشهر، وقال لي إنسان: جلسنا هناك على قمة ونحن ننظر الشمس، ففي حوالى دقيقة واحدة اختفت الشمس من جهة، وظهرت من الجهة الثانية حالاً، ولم يوجد هناك فترة طويلة!! إذاً: تختلف مواقيت زوال الشمس عن كبد السماء بالنسبة لسقوط ظل أشعتها إلى الأرض، فعند الزوال في وقت اعتدال الليل والنهار تكون الأشعة متعامدة من السماء إلى الأرض على زاوية قائمة، وفي بعض الفصول في الشتاء أو في الربيع أو في الخريف، يكون ظل الزوال قدماً أو قدمين إلى ستة أقدام بقدم الإنسان. ونحن لا نستطيع أن نحدد مكان الشمس في كبد السماء في نقطة الصفر، ولا نعلم أول زوالها وتحولها إلى الغرب؛ لأن المسافة بعيدة جداً، ولكن يكفي أن ننظر إلى ظل الأشياء في الأرض، فما دام الظل إلى جهة الغرب فهي لا زالت في الربع الذي من جهة المشرق، وإذا تحول الظل إلى المشرق فقد زالت الشمس، ويسمى الظل بعد الزوال فيء؛ لأنه رجع، فنعرف بذلك أن الشمس زالت عن كبد السماء. وقوله: (إذا زالت الشمس) ؛ لأن نقطة الزوال بالذات لا تصح فيها الصلاة، وقد نهى ﷺ عن الصلاة وقت قيام الشمس في قائم الظهيرة، وهو وقت الاستواء قبيل الزوال، وجاء في الحديث: (ثلاث ساعات، نهينا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حينما تطلع الشمس من المشرق حتى يكتمل طلوعها وترتفع، وحينما يقوم قائم الظهيرة -أي: تكون الشمس في كبد السماء بالذات- وحينما تضيَّف الشمس للغروب، حتى يكتمل غياب قرص الشمس) ، فهذه الأوقات الثلاثة نهي عن الصلاة فيها، وعن قبر الموتى فيها، لكن يجوز قضاء الفائتة فيها. وقد جاء في الحديث: (من أدرك من العصر ركعة فقد أدرك العصر) ، يعني: أدرك الوقت، وإلا فإنه سيصلي الركعات الثلاث الباقية بعد غياب القرص، فسيغيب القرص وهو يصلي، وهذا مستثنى من النهي عن الصلاة عند غروب الشمس أو عند شروقها، فقد جاء في الحديث: (من أدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح) ، وهذه هي الأوقات الاضطرارية. والأوقات الاضطرارية تكون لإنسان نسي الصلاة، أو نام عن الصلاة، أو لصبي بلغ، أو كافر أسلم، أو مجنون أفاق، أو امرأة كانت حائضاً فطهرت، فهؤلاء من صلى منهم حينذاك وكان الوقت مثلاً قبل شروق الشمس بما يسع ركعة، فتوضأ واستعد للصلاة، ولم يبق على طلوع الشمس إلا ما يسع ركعة، فيصلي تلك الركعة ويكون قد أدرك الصبح في وقتها، وكذلك الحائض إذا طهرت قبل أن تشرق الشمس بما يسع ركعة، فعليها أن تصلي الصبح، وكذلك الصبي إذا بلغ في هذا الوقت، والمجنون إذا أفاق في هذا الوقت، والكافر إذا أسلم في هذا الوقت؛ فإننا نكلفه بالصلاة؛ لأنه أدرك جزءاً من الوقت، وهو الجزء الضروري لأصحاب الأعذار. والمؤلف هنا ذكر أحاديث المواقيت العامة لعامة الناس، أما أحاديث أهل الأعذار فسيأتي الإشارة إليها كما في الحديث: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك الظهر) . وكذلك يستثنى من كراهة الصلاة في وقت الاستواء قضاء الفائتة، وسيأتي التنبيه على الأوقات المنهي عن الصلاة فيها إن شاء الله.

стр. 385

وقت صلاة الظهر قوله ﵀: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر وقت العصر) . أي: فإذا زالت الشمس عن كبد السماء دخل وقت الظهر، وقوله: (وكان ظل الرجل كطوله) : الرجل مجرد مثل، والمراد أن يكون ظل كل شيء مثله، فإذا غرست عوداً أو غرست عصاً أو كان هناك بيت، وكان الظل بمقدارها؛ فحينئذ دخل وقت الظهر. وبهذه المناسبة يقولون في بعض الرياضيات: هذه المنارة كيف تعرف طولها؟ يقولون: تستطيع أن تعرف طولها بعصا طولها متر واحد، فإذا جئت بين الظهر والعصر وغرست العصا، وأخذت مقياسها من الأرض إلى أعلاها، وتأخذ امتداد ظلها وطولها مثلاً متر، وطول ظلها على الأرض مترين مثلاً، فتكون نسبة الظل إلى الشاخص اثنين إلى واحد، فتعرف بذلك طول المنارة أو عمود الكهرباء أو النخلة الطويلة أو أي جرم ممتد، فتأخذ ظله، فلو كان مثلاً مائة متر، وأنت عندك العصا وقد عرفت مقدار ارتفاعها، وكان ظلها ضعفها، فإذا كان ظل العصا ضعفها فكذلك النخلة أو المنارة يكون ظلها ضعفها، فإذا وجدت الظل مائتي متر فيكون ارتفاعها مائة متر، أو وجدت ظلها مائة متر فيكون ارتفاعها خمسين متراً فقط، وهكذا.

стр. 386

وقت صلاة العصر قوله: (ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) . أي: وقت العصر بعد أن يصير ظل الإنسان مثله ما لم تصفر الشمس، وهذا الوقت الاختياري، وهو وقت الفضيلة، مع أن وقت العصر يمتد إلى ما قبل غروب الشمس بما يسع ركعة، وهو الوقت الاضطراري. فالعصر له وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت اضطرار، فالوقت الاختياري بعد أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال. ومعنى قول الفقهاء (بعد ظل الزوال) : أن للشيء ظل وقت الاستواء، ويكون قدره قدماً أو قدمين، وهذا حينما تكون الشمس في كبد السماء؛ لأن أشعة الشمس في فصل الشتاء لا تنزل متعامدة على الأرض، بل تنزل بزاوية منحرفة، وهذا الانحراف يجعل للشيء ظلاً عندما تكون الشمس في كبد السماء، ولكن في شدة الصيف، وعندما يستوي الليل والنهار؛ تكون أشعة الشمس متعامدة، فتنزل على رأس الشاخص فلا يكون له ظل عند الاستواء. فهناك ظل للزوال يختلف باختلاف الفصول وباختلاف مواقع الأرض من العالم، فننظر قدر ظل الزوال حينما زالت الشمس، فنحسب الظل الموجود وقت الزوال، ثم نضيفه إلى الظل الموجود وقت قياس الظل، فإذا صار ظل كل شيء مثله عدا ظل الزوال، فيكون هذا آخر وقت الظهر. إذاً: حينما تكون الشمس في كبد السماء فإما أن يكون للشيء ظل في الأرض موجود بالفعل، وذلك لعدم تعامد أشعة الشمس على الأرض، وإما ألا يكون له ظل، وآخر وقت الظهر عندما يصير ظل كل شيء مثله، فإن كان يوجد ظل للزوال أضيف إلى ظل الشاخص، وإن لم يكن له ظل عند الاستواء فنحسب ظله فقط. يقول: (ما لم تصفر الشمس) فهذا آخر وقت العصر الفضيل، ولماذا تكون الشمس مصفرة عند الشروق، وعند الغروب تكون محمرة؟ يقولون: في أول خروجها تختلط أشعتها بالرطوبة التي كانت في الليل، فتكوِّن هذه الرطوبة مع أشعة الشمس البيضاء هذه الإضاءة، هكذا يعللون، ولا ندري بحقيقة ذلك، فإذا أخذت الشمس ترتفع ذهبت رطوبة الجو، واكتمل ضوء الشمس وشعاعها، فصارت بيضاء نقية. إذاً: وقت العصر من نهاية وقت الظهر ما لم تصفر الشمس، وهذا هو الوقت الفضيل الذي ينبغي ألا تؤخر العصر عنه إلا لضرورة، وبعد اصفرارها يدخل وقت الاضطرار، والذي يصلي العصر بعد اصفرارها يصليها أداء باتفاق الجميع، فوقت العصر يمتد إلى ما قبل غروب الشمس بما يسع ركعة، ولكن الأفضل أن تصلي في الوقت الفضيل، وهو ما لم تصفر الشمس وتتغير، وقد جاء في الحديث: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر ماله وأهله) ، فالرجل يصلي العصر، ويدرك وقتها، ولما فاته من وقتها الفضيل أفضل من أهله وماله. إذاً: وقت الفضيلة للعصر، من بعد خروج وقت الظهر إلى أن تبدأ أشعة الشمس بالاصفرار، وما بعد الاصفرار فهو وقت ضروري.

стр. 387

وقت صلاة المغرب قوله: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) : العصر ينتهي وقته بغروب الشمس، ويقولون: كل صلاة يبدأ وقتها بنهاية ما قبلها إلا الظهر؛ لأن ما قبلها وهو الفجر ينتهي بطلوع الشمس، وما بين طلوع الشمس إلى زوال الشمس ليس من وقت الصبح ولا من وقت الظهر، ولهذا يقولون: إن أول الأوقات وقت الظهر، وأول ما نزل جبريل ﵇ ليبين للنبي ﷺ أوقات الصلاة إنما كان في صلاة الظهر، ويقولون: إن آدم أول ما نزل إلى الأرض صلى صلاة الظهر، فيقولون: إن الظهر هي أول التوقيت، فأول الأوقات الظهر، يليها العصر، ثم في نهياتها يليها المغرب، ثم في نهايتها يليها العشاء، ثم في نهايته يليه الصبح، وما بين الصبح والظهر فترة طويلة بين الوقتين. ونذكر حديث جبريل ﵇ عندما بيَّن للرسول ﷺ أوقات الصلوات، وذلك بعد ليلة الإسراء والمعراج إذ فرضت الصلاة، وفرضها الله على رسوله كفاحاً، ونعلم بالقصة عندما خففها من خمسين إلى خمس، فلما نزل ﷺ ، لم يأته جبريل لصلاة الصبح، ولكن جاءه لصلاة الظهر، وجاءه في يومين متواليين، فصلى به في اليوم الأول الصلوات الخمس في أول وقتها، ثم من الغد صلى به الصلوات الخمس في آخر وقتها إلا المغرب فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد، ولذا كان وقتها ضيقاً عند المالكية كما سيأتي في بيان وقتها. وثبت أن رجلاً سأل النبي ﷺ وهو في المدينة عن وقت الصلاة، فقال: (صل معنا، فصلى من الغد الصلوات الخمس في أول أوقاتها، ومن بعد الغد صلى الصلوات الخمس في آخر وقتها، ثم قال: أين السائل عن أوقات الصلاة؟ فقال: هأنذا يا رسول الله! فقال: ما بين هذين وقت) . وقد أخبر الله أن الصلاة كتاب موقوت، وأشار القرآن إلى أوقات الصلاة كما في قوله تعالى: ﴿أًقِمِ الصَلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، وجاءت السنة وبيّنت وفصلت الأوقات، وبيّن ﷺ أول الوقت وآخره، وأخبر أن أفضل الأعمال إيمان بالله ثم الصلاة في أول وقتها. فالمغرب يمتد وقته ما لم يغب الشفق، ولكن الأفضل في المغرب أن يبادر به، وعند المالكية أن وقت المغرب لا يمتد إلى الشفق إلا عند الضرورة، وعندهم أن وقتها يخرج بالأذان والإقامة وصلاة ركعتين وصلاة الفريضة وصلاة ركعتين، وبهذا ينتهي وقت المغرب الاختياري؛ لأن جبريل صلى برسول الله ﷺ المغرب في اليومين في وقت واحد، والرسول ﷺ لما بيّن للأعرابي الأوقات صلى المغرب أيضاً في وقت واحد، وفي بعض الروايات أنه أخره إلى غياب الشفق وقال: (ما بين هذين وقت) . إذاً: السنة بينت أوقات الصلاة، وفي هذا الحديث قال ﵊: (والمغرب ما لم يغب الشفق) ، والشفق عند الجمهور أنه الحمرة التي تكون عند غروب الشمس، وهي كالصفرة التي تكون قبيل طلوع الشمس، وكلها من آثار أشعة الشمس، فالاصفرار قبل طلوع الشمس، فأشعة الشمس تسبق إلينا قبل أن تبرز الشمس، والشفق هو: بقايا أشعة الشمس بعد أن غربت الشمس. إذاً: الشفق الحمرة، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ أن الشفق هو: البياض، والبياض يأتي بعد الحمرة، وبعض المفسرين والعلماء قال: لقد رقبت الشفق الأبيض، فإذا به قد يبقى إلى نصف الليل. إذاً: الشفق هو الحمرة، وسيأتي بيان دليله.

стр. 388

وقت صلاة العشاء قوله: (ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط) : وقت صلاة العشاء يبتدئ من غياب الشفق، ولكن الأفضل تأخيرها مثل الظهر في شدة الحر، لقوله ﷺ : (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) . وأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة في أول وقتها، كما جاء في السنة إلا الظهر في شدة الحر فإنه يبرد بها، وإلا العشاء فالأفضل في وقتها التأخير، ودليله حديث أنه أخرها ذات ليلة: (أن النبي ﵊ أخر العشاء يوماً ثم خرج وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) ، فكان ﵊ إذا رآهم اجتمعوا عجل بالعشاء، وإذا رآهم تأخروا أخرها، لينتظر المتأخرين ليدركوا الصلاة معه. إذاً: وقت العشاء يبدأ من ذهاب الشفق الأحمر، ولكن الأفضل تأخيرها كما جاء في الحديث: (إلى نصف الليل الأوسط) . وقد جاء أنه ﷺ أخّر العشاء يوماً، وأعتم بها، حتى كانت تخفق رءوسهم من النعاس، ثم خرجوا صلوا معه ولم يتوضئوا كما في حديث ابن عباس، وتقدم إيراده في نواقض الوضوء، في مسألة النوم هل هو ناقض أو مظنة للنقض. فهم كانوا يجلسون في المسجد بعد المغرب، وينتظرون العشاء، وكان يطول الوقت بهم حتى تخفق رءوسهم من النعاس، وفرق بين النعاس وبين النوم، فخرج عليهم وهم في مجالسهم فقال: (ليس على وجه الأرض غيركم يعبد الله، وإنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) ، فهو ﵊ أخر العشاء أحياناً لبيان الأفضلية، وهديه عدم التأخير الكثير للعشاء، وهذا هو الحكم العام.

стр. 389

وقت صلاة الصبح قوله: (ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر مالم تطلع الشمس) . وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، والفجر فجران كما قال صلى الله علي وسلم: (الفجر فجران: فجر يلوح في الأفق كذنب السرحان -أي: مرتفع عمودي مثل ذنب الذئب- وفجر ينتشر -كجناحي الطير- يمتد في الأفق) ، فالفجر الأول لا يُحل الصلاة، ولا يُحرم الطعام، وهو لحظات ويختفي، والفجر الثاني هو الذي يحل الصلاة، ويحرم الطعام على الصائم. قال الفخر الرازي ﵀ في تفسيره: الفجر الأول فيه آية من أعظم آيات القدرة الإلهية، وذلك أن الفجر الثاني مسبب عن اقتراب الشمس، فسبقت أشعتها حتى انفجر ضوء الفجر من ظلام الليل، فطلوع الفجر الصادق هو نهاية الليل، وهو أثر من آثار حركة الشمس وقربها منا، والشفق هو: بقايا حركة الشمس وذهابها عنا، فالفجر الثاني والشفق أثران من آثار الشمس، وهذا معقول في السببية، لكن الفجر الأول نور يمتد في الأفق، ومن أين يأتي هذا النور؟ هل هناك كوكب أضاء تلك اللحظة حتى ظهر هذا الفجر، ثم ذهب ذلك الكوكب؟ لا يوجد! وهل هو من القمر؟ لا يوجد قمر! وهل هو أثر من الشمس؟ لكن الشمس ما زالت بعيدة! قال: وهذا دليل على قدرة المولى سبحانه بأن يوجد المسبب بدون سبب، وليس السبب إلا أمراً معقولاً بالنسبة إلينا، والله سبحانه قادر على أن يوجد الشيء بلا أسباب، بل بمحض الإرادة والقدرة الإلهية، فليس هناك شمس، وهذا أثرها! ونحن نقرأ في أحوال الجنة ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٥-٣٧] ، فالحور العين اللاتي في الجنة خلقهن الله من غير أبوين، فهن لسن من ذرية آدم وحواء، وإنما أنشأهن الله إنشاء من غير أب ولا أم. البشر من ذرية أبينا آدم وأمنا حواء كما قال الله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ، وخلق الله عيسى من مريم من غير أب، فهناك أسباب ومسببات، لكن الحور العين في الجنة خلقت بلا أب ولا أم، والطيور التي في الجنة ليست من نسل طيور، وكذلك اللحوم الموجودة، والفواكه الموجودة، لا نقول: إن الفواكه من غرس في الجنة، وإن الطيور الموجودة هناك يكون لها بيض وعشش ثم تفقس البيض عن طيور، بل ينشئها الله بدون أن يتوقف وجودها على سبب مادي. فكذلك الفجر الأول هو دليل على قدرة المولى سبحانه، ودليل على أنه قادر أن يوجد الشيء بدون مسببات مادية، وأما الفجر الصادق الذي به تحل الصلاة، وبه يحرم الأكل والشرب على الصائم. فيكون عند انتشار الضوء في آخر الليل، وذلك حين يتبين الخيط الأبيض وهو الفجر، من الخيط الأسود وهو الليل. قال المؤلف: [وله من حديث بريدة في العصر: (والشمس بيضاء نقية) ] . في الحديث الأول قال: (ما لم تصفر الشمس) ، وهنا ذكر مفهومه وهو: (والشمس بيضاء نقية) ، أي: ما دخلتها الصفرة ولا الحمرة. قال المؤلف: [ومن حديث أبي موسى: والشمس مرتفعة] . أي: لم تتضيف للغروب، وقد ذكرنا أن دائرة الشمس من شروقها إلى غروبها ثماني عشرة درجة، ووقت الزوال عند الدرجة التاسعة من الثماني عشرة، وما بين كبد السماء إلى الغروب تسع درجات، فحينما تزول الشمس من كبد السماء إلى جهة الغروب تكون أمامها تسع درجات، وبعد أربع درجات ونصف تكون الشمس في نصف ربع الدائرة العلوي، فوقت العصر حين تكون الشمس في نصف الربع الأعلى، وحينئذ تكون الشمس بيضاء نقية؛ لأنها لم تقترب جداً من جهة الغروب، وعندما تقترب من جهة الغروب تحمر أو تصفر.

стр. 390

أفضل أوقات العصر والعشاء
следующие страницы →