Полный текст (2 523 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تصفية مياه المجاري
البحث الذي كثر السؤال عنه هو مياه المجاري إذا صفيت، وإذا عولجت، فهل تلك التصفية وتلك المعالجة ستعيدها إلى أصلها؟ لقد بحثت هيئة كبار العلماء فيما يتعلق بتصفية مياه المجاري وتخويلها إلى مياه صالحة لاستعمال.
وأقول: إن هذا البحث على ما فيه من سعة، وما فيه من فقه، وما فيه من أبحاث كان ينبغي أن يذكر الفرق بين النجاسة الطارئة على الماء، وكيفية تطهيرها، وبين النجاسة الأساسية، كيف تطهر، وكلما ورد في هذا البحث إنما هو تطهير الماء إذا تنجس، والأمثلة فيه منها: ما لو سقطت ميتة في البئر، أو وقعت الفأرة في السمن، وكلها أمثلة على ماء موجود طرأت عليه نجاسة، فكيف نطهره؟ هل بالمكاثرة، أو بالتراب، أو بإخراج الميتة من البئر؟ ولكن المبحث هنا هو في الماء النجس العين، وهو ماء المجاري، فلم يتعرضوا له بشيء، وفي نهاية البحث -جزاهم الله خيراً- قالوا: وينبغي على المسلمين أن يتجنبوا هذا الماء ما دام الماء الآخر موجوداً متوفراً.
ولكن قالوا: من عافت نفسه أن يشرب فلا يشرب، ومن لم يجد غيره وتوضأ فوضوؤه صحيح.
ولعل في هذا إشارة إلى بعض ما يتعلق بهذه المسألة، وهي تحول الماء الطاهر -لا الماء النجس العين-، وهل تحوله يعيد إليه طهوريته أم لا.
ومن أراد البحث بشكل أوسع فليرجع إلى مجلة البحوث العلمية، وهو في عدد ذي القعدة وذي الحجة لعام اثني عشر وأربعمائة وألف للهجرة، والبحث في أكثر من ثلاثين صفحة.
وأحب أن أنبه أخيراً على أن القرآن اشتمل على منهج التدرج في تحريم الخمر؛ لأنها كانت متأصلة، أو كانت مستفيضة، واستمالت نفوس الناس، فتدرج الوحي الكريم بتخفيفها شيئاً فشيئاً، حتى فطمهم عنها مرة واحدة، وبالله تعالى التوفيق.
стр. 72
إراقة الخمر وإتلاف أوانيه
جاءت في هذا الباب نصوص عديدة، منها أنه لما حرمت الخمر جاء رجل كان من عادته في أوائل أمره أن يأتي بخمر يهديها للنبي ﷺ ، والرسول ﷺ ما شربها أبداً، ولكن كان يسمح بها لغيره، فجاء وقد حرمت الخمر، فقال له ﷺ : (أما علمت أن الله قد حرم الخمر؟ قال: ما علمت.
ثم قال: يا رسول الله! أبيعها؟ قال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها.
قال: أهديها لليهود؟ قال: إن الذي حرم شربها حرم مهاداتها على اليهود قال: ماذا أفعل بها؟ قال: سنها -أو: شنها- في التراب، ففتح فوهي المزادتين، فسالت الخمر في الطريق) .
وبعد أن ثبت تحريم الخمر جاء أبو طلحة، وكانت عنده خمر لأيتام في أوانٍ، وكان أنس يسقي جماعة، وأنس خادم رسول الله ﷺ ، وأمه أم سليم، وهي زوجة أبي طلحة، ولما قدم النبي ﷺ جاءت به إلى رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله! هذا أنس يخدمك.
وكان أبوه سافر إلى الحبشة وتوفي هناك.
ثم جاء أبو طلحة وخطب أم سليم -وأم سليم كانت من فضليات النساء، فقالت: يا أبا طلحة! والله مثلك لا يرد، ولكنك رجل مشرك، وأنا امرأة مسلمة.
فقال: ماذا تريدين من حمراء وصفراء -يريد الذهب والفضة-، أو بيضاء وصفراء؟ قالت: لا أريد بيضاء ولا صفراء، أريد منك أن تسلم، فقال: أفكر في أمري، ثم جاء من غده فقال: وما هي الطريق؟ قالت: تأتي إلى رسول الله ﷺ .
فذهب إلى رسول الله ﷺ وأعلن إسلامه.
ويقولون: لما قدم عليهم قال رسول الله ﷺ : (أتاكم أبو طلحة ونور الإسلام بين عينيه) فلما أسلم ورجع إليها تزوجته، وكانوا يقولون: ما وجدنا امرأة أسعد صداقاً من أم سليم، كان صداقها الإسلام، وهذه رواية في زواج أبي طلحة من أم سليم أم أنس.
والرواية الأخرى فيها أن أبا طلحة أسلم قبل ذلك، وقبل مجيء النبي ﷺ المدينة، وقد حضر بيعة العقبة، ومن المؤرخين من يقول: كان نقيباً على قومه، ومنهم من يقول: كان أحد أفراد السبعين فقط.
فـ أنس ولد زوجة أبي طلحة - كان عنده جماعة يسقيهم الخمر، فسمعوا منادياً ينادي: إن الله ورسوله قد حرما الخمر، فقال أبو طلحة لـ أنس: ما هذا؟ أخرج وتبين الأمر، فرجع إليهم فقال: ينادي بأن رسول الله ﷺ قد أخبر بأن الله حرم الخمر، فكفوا عن الشراب حالاً، ثم ذهب أبو طلحة إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! عندي خمر لأيتام -وكان يجوز استعمالها، وكان يجوز الإتجار فيها- أفنتخذها خلاً؟ قال: لا) ، وكلنا يعلم حرمة مال اليتيم على الوصي عليه.
وأمر النبي ﷺ بتكسير الأواني، وأمر مناديه أن ينادي بذلك في أزقة المدينة، وأخذ مدية، فما مر بزق فيه خمر إلا نشقه، حتى قال الراوي: فسالت الخمر في أزقة المدينة.
وهنا يرى العلماء عدم جواز تخليل الخمر بالصناعة، وأن نجاستها تنفذ في مسام الأواني الفخار، وقالوا: لو كانت الاستفادة ممكنة عن طريق تخليلها لسمح رسول الله ﷺ بتخليل خمر اليتامى، حتى لا تضيع أموالهم، ولكنه أمر بإراقتها، وزيادةً على ذلك أمر بتكسير الأواني التي كانت فيها.
فالخمر نجسة ومحرمة فأريقت، لكن لماذا كُسرت الأواني مع أن الأواني أموال ولها قيمة؟ كما أنه يمكن أن تستعمل في حفظ الزيوت، ويمكن أن تستعمل في حفظ المياه، ويمكن أن تستعمل في حفظ الدقيق، ويمكن أن تستعمل في اليابسات ونحو ذلك! قالوا: لأن الخمر تتسرب في مسام الفخار، والفخار له مسام، بدليل أنك إذا جئت بالإناء من الفخار وملأته فإنه يقطر الماء، فكانوا يستعملونه كالفلتر المرشح للماء بأخذ الماء المتقطر من جوانبه؛ لأنه يكون أقل ملاحه مما لو شرب مباشرةً، فلما كانت للفخار مسام يدخل فيها الخمر ثم يمكن أن يطهر؛ لأنها لو غسلت سوف تطهر من الخارج، والغسل لا ينفذ إلى مسامها ويستخرج منها بقايا الخمر لتطهر فأمر بتكسيرها.
стр. 73
خلاف العلماء في حكم تخليل الخمر
ما سبق هو ما استدل به الجمهور على أن الخمر نجسة، وأن تحليلها أو تخللها بالصناعة لا يطهرها، وبعضهم يخالف في هذا، فمن الأحناف من يقول: إذا وضع فيها ما يسلبها العلة -وهي الإسكار والتخمير- عادت طاهرة، وجاز استعمال الخل.
ولكن أبا يوسف ﵀ -وهو من كبار أصحاب أبي حنيفة - لا يوافق على هذا الرأي، ويقول: إن اتخاذها خلاً لا يطهرها، ولا يُجوِّز استعمالها.
والمالكية يقولون: إذا عالجها بالملح أو بالماء، أو بأي طريقة أخرى، وتغيرت طبيعتها، وانتقلت إلى الخل فإنها طاهرة.
ونحن نعلم مذهب مالك فيما يتعلق بنجاسة الماء، فلا يعتبر قلةً ولا كثرة، ولكن يعتبر الأوساط، فيقول: إذا خللت وتغيرت، أو استحالت، أو تحولت -على الأصح- ماهيتها من خمر إلى خل صارت عيناً جديدة، وصارت ماهية أخرى، فيجوز استعمالها، بينما أحمد والشافعي يقولان: لا تطهر بالتحويل.
وعلى هذا تكون النتيجة أن نهيه ﷺ عن معالجة الخمر إلى خل يدل على أن المعالجة لا تطهرها، وهو قول أحمد والشافعي وأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وعند مالك وبعض الأحناف أن ذلك يطهرها.
وهذا الذي وقع فيه الخلاف يرجع إلى تحقيق المناط في قضية كيميائية، ألا وهي تغيير الماهية وتحول الخمر إلى خل، فهل هذا التغير عن طريق الصناعة يغير ماهية الخمر حقيقة فتصير خلاً حقيقة، أم أن الماهية الأساسية باقية، وإنما جاءها ما غلب عليها؟ فأجمع العلماء على أن الخمر إذا تركت وتحولت بذاتها إلى خل فقد طهرت، وصارت خلاً يجوز استعماله بلا كراهية؛ لأنها في حالة تركها للزمن أو للعوامل الجوية من هواء وشمس وغير ذلك تتحول بذاتها، قالوا: إن الله سبحانه الذي جعل فيها مادة السكر والتخمير هو الذي حولها بقدرته، وسلب عنها تلك الماهية، وخرجت عن كونها خمراً تخمر العقل وتسكره، وانتقلت إلى الخل الذي لا شائبة فيه بسكر ولا تخمير.
أما إذا جاءتها الصناعة فيقولون: إن الصناعة من حيث هي لا تحيل المادة، ولا تسلب الخاصية التي كانت فيها من قبل، وإنما تجعل فيها ما يتغلب عليها، وتبقى الخمرية والسكر كامنان فيها، ولكن عطل عملها ما حولت به، وأضيفت إليه.
وقد جاء عند ابن كثير في البداية والنهاية أنه جاء خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه من العراق إلى الشام ليساعد أبا عبيدة، ولما انتهى من فتح دمشق، قام خالد ودخل الحمام، والحمامات كانت في الحجاز قليلة، والحمام عبارة عن بيت للماء الحار، في داخله قبة يتصاعد منها بخار الماء الحار، فيمكث فيه الإنسان مدة فيدخل البخار في مسام الجسم، ويستعمل في حالات الاستشفاء، وخاصة فيما يتعلق بالأعصاب، أو بالركب، أو حالات النفاس.
فدخل من بعد طول العناء في هذه الحروب والسفر، ولما دخل الحمام اطلى بالنورة، والاطّلاء بالنورة هو عبارة عما يوجد الآن في الصيدليات مما يسمى مزيل الشعر، وهي مادة كيماوية تحرق الشعر من جذوره ويزول، فكذلك النورة فيها حرارة وفيها تلك الخاصية، فإذا ادهن بها في جلده أحرقت الشعر، وسهلت إزالته بدلاً من الموسى، ولما استعمل النورة وهي حارة جاء بالعصفر وعجنه بالخمر؛ لأن العصفر نبات بارد، ثم أتبع محل النورة بهذا المعجون ليبرد الجلد من أثر النورة المحرقة، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، فكتب إليه: بلغني يا خالد! أنك دخلت الحمام، وأنك استعملت الخمر، وقد حرمها الله.
فكتب إليه خالد: يا أمير المؤمنين! لم نستعملها شراباً، ولكني استعملتها غسولاً، يعني: تغسل أثر النورة عن محلها، أي: استعملناها ظاهراً لا باطناً.
فكتب إليه عمر رضي الله تعالى عنه: كتبتُ إليك بكذا، ورددتَ بكذا، وقد علمتَ أن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرمه ظاهراً وباطناً -وظاهراً: كأن تستخدم غسولاً كما فعل خالد، وباطناً: استعمالها شراباً- ولكني أراكم آل المغيرة فيكم جفوة، وأرجوا أن لا تموتوا على ذلك.
فكتب إليه خالد رضي الله تعالى عنه: قد انتهيت يا أمير المؤمنين.
والذي يهمنا في استعمال الخمر ماهيتها؛ إذ يقول خالد: لم أشربها، إنما استعملتها غسولاً، يعني: حولتها من شراب مسكر إلى غسول، فرد عليه عمر رضي الله تعالى عنه: إن الله إذا حرم شيئاً حرمه ظاهراً وباطناً، يعني: وإن كنت لم تستعملها فإن أثرها والعلة الأساسية موجودة فيها.
فحينما نأخذ الخمر ونعالجها لتصير خلاً هل تزول علة الإسكار والتخمير التي كانت فيها قبل أن نعالجها بالكلية وتتحول الماهية كما تتفسخ المادة وتتحول إلى شيء آخر، كتحول الحليب من الدم؟ فالدم يجري في الجسم، ويتحول إلى حليب فيرضعه الطفل، ويتغذى عليه الكبار كما في حليب الحيوانات، قال تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا﴾ [النحل:٦٦] ، فهل تحول الخمرة بالصناعة هو تحول عن ماهيتها كما يتحول الفرث والدم إلى لبن خالص سائغ للشاربين، أم أن أصل المادة وأساسها ما زال موجوداً، ولكن غلب عليه ما أضفناه إليه، وحولناها به من باب الصناعة؟! فالقضية سترجع إلى تحقيق المناط في الخمر، فيقال: هل تحولت ماهيتها، أم ما زالت باقية كامنة فيها؟ ولنضرب بعض الأمثال: إذا جئت بإناء من الماء، فسقطت فيه قطعة من العذرة، فشممت رائحتها فعفتها، فقلت لإنسان: اذهب فأرق هذا الماء، وائتني بماء نظيف ليست منه هذه الرائحة فذهب من ورائك وأتى ببعض العطور، وأتى ببعض الأشياء التي تغطي تلك الرائحة، حتى إنك لو أخذتها وشممتها، أو تذوقتها، أو نظرت إليها، لا تجد لوناً، ولا رائحة، ولا طعماً لما شاهدته بعينك من قبل، فهل تحولت المادة التي نجست الماء وتقذر بسببها كتحولها تحت الشجرة إلى غذاءٍ وثمرة، أم أنها باقية في الماء وجاءها ما غطى على أوصافها؟ فإن قلت: تحولت فقد طهرت، وإن قلت: إنها باقية موجودة، ولكن الذي أضيف إلى الماء غطى عليها، فالنجس لا زال موجوداً.
стр. 74
نجاسة الخمر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أنس بن مالك ﵁ قال: (سُئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلاً؟ قال: لا) أخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح] .
في هذا الباب بيان الأعيان النجسة، وبيان تطهيرها.
وهذا الترتيب من حيث هو -في باب الفقه- ترتيب طبيعي، وهو موافق للترتيب العملي، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم ذكر باب المياه، ثم بعد المياه الأواني التي نحفظ فيها الماء، وبيان ما يجوز استعماله وما لا يجوز، ثم هاهو يأتي بباب النجاسة؛ لأن النجاسة تحتاج إلى تطهير، ويجب اجتنابها، فهي من لوازم كتاب الطهارة، وإنما تكون الطهارة من النجاسة، أو كما قيل: من النجس أو الحدث.
والحدث أمر معنوي، والنجاسة أمر حسي.
والنجس منه ما هو نجس العين، ومنه ما هو نجس نجاسة طارئة عليه، أي: متنجس.
فنجس العين لا يطهر إلا بإزالة العين، كالعذرة والدم وما أشبه ذلك، فلا تَطْهُر إلا بإزالة عينها نهائياً، فإذا خالط الثوب شيء من تلك الأنجاس العينية فلا بد من إزالة عينها وجرمها قدر الاستطاعة، وسيأتي في دم الحيض: (ولا يضركِ أثره) .
أما التنجس فهو الشيء الطارئ الذي يطرأ على العين فينجسها، كالماء الطهور إذا وقعت فيه نجاسة، مع أنه كان في الأصل طاهراً، ولكنه تنجس بهذه النجاسة.
فبدأ المؤلف رحمه الله تعالى ببيان نجاسة الخمر، وعلمنا نجاسة الخمر من خلال السياق؛ فإنه ﷺ سُئل عن الخمر تتخذ خلاً فقال: لا.
وطريقة الاستدلال على نجاستها أنها لو لم تكن نجسة لسمح ﷺ بمعالجتها حتى تصير خلاً فتطهر بذلك، ولكنه ﷺ قال: (لا) ، أي: إن معالجتها وتحويلها إلى الخل لا يطهرها.
ونجاسة الخمر متفق عليها عند الأئمة الأربعة، فهي نجسة العين، أما إذا تخللت بذاتها، وتحولت العين من عين خمرية إلى عين الخل فتطهر، وكما يقولون: تغيرت الماهية فتغير الحكم؛ لأن نجاستها كانت معلولة بالتخمير، فما دامت مخمرة مسكرة فهي نجسة، فإذا ذهبت عنها صفة الخمرية والإسكار رجعت إلى الأصل، فصارت طاهرة.
والبحث هنا في هذا السؤال، وهذا الجواب، فسُئل ﷺ : (عن الخمر تتخذ خلاً، -وتتخذ معناها: تعالج-؟ قال: لا) .
стр. 75
كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها [٢]
الحمر الأهلية من الحيوانات المعروفة، وقد كان المسلمون يأكلونها في أول الإسلام، ثم حرمت يوم خيبر، وهي مع حرمة أكلها طاهرة أثناء حياتها، فلعابها وعرقها طاهران، وأيضاً جلدها بعد موتها إذا دبغ، أما الحمر الوحشية فهي حلال، وقد اختلف العلماء في سبب التفريق بين الحمر الأهلية والوحشية، ومن أبرز ما قيل في ذلك أن الحمر الأهلية ذات طباع سيئة، فهي مثلٌ للغباوة والمذلة، فإذا أكثر الإنسان من أكلها اتصف بطباعها، ولو صح هذا التعليل فإن الأصل هو التسليم للحكم الشرعي.
стр. 76
أحكام الحمر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعنه ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس) ، متفق عليه] .
انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى بيان نجاسة بعض الحيوانات -أي: لحومها- وتحريم أكلها.
والتوقيت بذكر يوم خيبر يدل على أن ما قبله كان مغايراً لما بعده، وأن هذا الحكم الطارئ الجديد يبدأ العمل به من تاريخ يوم خيبر، ويوم خيبر كان في السنة السابعة من الهجرة، فالرسول ﷺ أمر أبا طلحة أن ينادي في الناس بتحريم لحوم الحمر الأهلية.
وقد يتساءل إنسان: لماذا خص أبا طلحة، مع أن القاعدة في التبليغ عن الرسول ﷺ أن يكون المبلغ من ذويه ومن أهله؟ كما جاء في قصة سورة براءة، فعندما أرسل النبي ﷺ أبا بكر سنة تسع يحج بالناس -ولم يحج ﷺ لعوارض كانت موجودة-، فنزلت سورة براءة، فبعث علياً رضي الله تعالى عنه ليقرأ سورة براءة على المشركين، ويعلن انقطاع المعاهدات بين المسلمين والمشركين، وأرسله على ناقته القصوى، فقالوا: لا يبلغ عن الرسول إلا واحد من ذويه.
وهنا في عام خيبر يبلغ أو يكلف النبي ﷺ أبا طلحة، مع وجود علي، ومع وجود من هو أقرب إلى رسول الله ﷺ من أبي طلحة، كـ أبي بكر، وعمر، وعثمان.
والجواب أنا إذا نظرنا في ترجمة أبي طلحة نجد منه ما يرشحه لهذا العمل، وهذا يعطينا أنه ينبغي أن نقدم الأشخاص ذوي الاختصاص فيما يختصون فيه، فقد كان أبو طلحة جهوري الصوت، حيث جاء في ترجمته: صوت أبي طلحة في الجيش كفئة، وقيل: صوت أبي طلحة في الجيش كألف رجل، فكان صوته جهورياً وقوياً، وكذلك كان العباس رضي الله تعالى عنه، فقد كان العباس إذا كان بالمدينة، وله غلمان في الغابة، وبينه وبينهم مسافة بعيدة يصعد على جبل وينادي غلمانه فيسمعونه ويجيبونه.
فهناك أشخاص أوتوا بعض الخصائص في القوة سواءٌ البدنية أم الفكرية.
فنادى في الناس: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) ، وكانوا قد ذبحوا منها في ذلك اليوم، ولحومها في القدر على النار، فلما نادى منادي رسول الله ﷺ أكفأوا القدور مباشرة، وامتنعوا عن الأكل منها.
стр. 77
طهارة الحمار
وبقيت مسألة في الحمر الأهلية، وهي: هل الحمار الأهلي -في حال حياته- نجس أم طاهر؟ والجواب أنه طاهر؛ لأنه مستأهل، وطواف علينا ومخالط لنا، ونستعمله، وأقوى ما استدل به من قال بطهارته في الحياة أنه قال: نحن نركب الحمير، وكان للرسول ﷺ حمار يسمى عفيراً، وكان يرسله إذا أراد بعض الأشخاص، فيذهب ويطرق الباب برأسه ثم يعود، أو يقول للرجل: اركبه وتوجه يدلك على الطريق.
وأرشد الحيوانات كلها بالطريق الحمار؛ فإنه يعرف الطريق أكثر من الإنسان، فلو مشيت به في طريق ثم أردت أن تعود فإنك لو رجعت وحدك يمكن أن تنسى الطريق، لكن لو ركبته يدلك، فلذا يقولون: أذكى الحيوانات في معرفة الطرق الحمر.
والناس يركبون الحمر، ومعروف أن الحمار يعرق، والعرق ينضح من داخل جسمه، خاصة في المناطق الحارة مثل الحجاز والمدينة، ولما كان أهلياً ويستعمل ويركبونه، ولم ينههم عنه ﷺ عرفنا أنه طاهر، وعرقه إذا خالط الثياب لا ينجسها، بل إذا ركبه الإنسان وخالط جسمه وهو رطب أو مبلل فإنه لا يتنجس.
فعرق الحمار ولعابه طاهران، وهذا بإجماع المسلمين، ولكن الذي حرم لحمه.
وإذا مات الحمار فإنه إذا دبغ جلده طَهُرَ.
стр. 78
تأثير الغذاء في طبع الإنسان وخلقه
إذا نظرنا إلى وجود الخصال في الحيوان وجدناها تؤثر على الإنسان إذا أكثر من أكل لحمها، ووجدنا للعلماء كلاماً كثيراً في ذلك، ومنهم أبو حيان ﵀، حيث ذكر الحكمة في تحريم لحم الخنزير، فقال: إن من طبيعة هذا الحيوان افتقاد الغيرة، فالذكر لا يغار على أنثاه، فمن أكثر من أكل لحمه أثر لحمه على غريزة الغيرة عنده، فتضعف حتى يصبح لا غيرة له على نسائه، فالمصيبة جاءته من لحم الخنزير.
فإذا كان الأمر كذلك كان تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية لما كمن فيها من تلك الصفات الرذيلة التي لا يرضاها الله ولا رسوله ﷺ ولا يرضاها أحد من الناس لنفسه.
ويناسب هنا ذكر الكلام على قضية الوضوء من لحم الإبل، وعدم الوضوء من لحم الغنم؛ لأن الطريق واحد، فقد سُئل ﷺ : (أأتوضأُ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت.
قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) ، وأكل من الشاة في خيبر، ثم جيء له ببقيتها فأكل ولم يتوضأ.
من هنا قالوا: ما الفرق بين لحم الغنم، ولحم الإبل حتى يؤمر بالوضوء من هذا دون ذاك، والكل لحم؟ نجد في كتب الفقه أن بعض الفقهاء يقول: إن علة ذلك هي حرارة لحم الإبل.
ونجد آخرين يردون ذلك ويقولون: لحم الغزال أشد حرارة، ولم يؤمر بالوضوء منه، ولحم الحمام في الطيور أشد حرارة من الاثنين، ولم يؤمر بالوضوء منه، ولكن لو ذهبنا إلى أبعد من هذا لوجدنا الفرق في عموم النصوص، أي: النصوص التي لها صلة بالإبل، كما فعل علي رضي الله تعالى عنه في استنباط أقل مدة الحمل من عموم آيتين مختلفتين، الأولى قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] ، والثانية قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، والحولان أربعة وعشرون شهراً، فاستنبط علي من مجموع الآيتين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
فإذا جئنا من خارج موضوع الوضوء، وجدنا النبي ﷺ ينهى عن الصلاة في معاطن الإبل، فقال: (صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل) ، مع أن هذه مرابض، وهذه معاطن، وهذه فيها أبوال وروث، وتلك فيها أبوال ورجيع، فما الفرق بينهما؟! والفرق قوله ﷺ : (لا تصلوا في معاطن الإبل؛ فإن الإبل معها شيطان) قالوا: شيطانها أنها إذا جاءت ووجدت نائماً، أو مصلياً، أو جالساً في مكانها طردته وآذته؛ لأن معها شيطاناً، أما الغنم فمعها السكينة، فإذا جاءت ووجدت مصلياً، أو نائماً أو آكلاً في مكانها فإنها لا تؤذيه، ولا تنفره، وربما قعدت ونامت بجانبه.
وفي الحديث الآخر: (مع أهل الإبل الكبر والخيلاء، ومع أهل الغنم السكينة والوداعة) ، فمن أين جاء الكبر لأهل الإبل؟ يجيء من جهة أنه يرى نفسه يرعى قطيعاً من الإبل، وقد قال الله تعالى عنها: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] ، فهو خلق عجيب، وصاحب الإبل يأخذ في يده عصا صغيرة، أو يناديها بالصفير فتجيء وتجتمع حواليه، أما الغنم فإنها معها الهدوء والسكينة، ولهذا ما من نبي إلا وقد رعى الغنم -وليس الإبل-؛ لأنها تكسبه الهدوء والسكينة والرفق، إذ لا يمكن أن يتجبّر على شاة صغيرة، أما الجمل فإنه إذا هاج إن لم تتجبر عليه قضى عليك.
وننتقل إلى جانب آخر فنجد أن الرسول ﷺ رأى رجلاً غضبان قد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه، فقال: (إني لأعلم كلمات لو قالها لذهب عنه ذلك) ، وبين أصل الغضب بقوله: (الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، فأطفئوه بالماء) .
فإذا جمعنا كل هذه الأطراف وحدنا أن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والإبل معها شيطان، أو خلقت من شيطان، فهي شياطين، فإذا ما أكل الإنسان منها أفاضت عليه من آثر الشيطان، وهو الغضب، فحينما يأكل من لحم الإبل يأتيه من حركة ذاك الشيطان الغضبية ولو شيء قليل، فتؤثر على نفسيته، فحالاً نبادرها بالوضوء بالماء لنطفئ أثر ذلك.
فبالتلمس وجدنا فرقاً بين ما ظنوه متماثلاً، وأن لحم الإبل يختلف عن لحم الغنم، فيما يتعلق بالوضوء، وموطن الإبل تختلف عن موطن الغنم فيما يتعلق بالصلاة، وإلا فإن الكل طاهر عند من يقول بذلك.
وهنا الحمر الأهلية طبيعتها الذلة واللؤم والخسة، فلا يستبعد أن من أكثر من أكل لحمها تنتقل إليه غريزتها، ويتصف بشيء من تلك الصفات، وهذه ليست من صفات المؤمن.
وهذا الذي قدمناه ليس من موضوعنا ولكن رداً على هؤلاء الذين يقيسون التشريع الإسلامي بالمعقولات غير السليمة، ويدّعون أن الشريعة تتناقض؛ لأنها تفرق بين متماثلين، والتفريق بين متماثلين مناقض للعقل السليم.
فالحمار الأهلي ليس متساوياً مع الحمار الوحشي، والفرق بينهما موجود، ومن هنا كان النهي عن أكل الحمر الأهلية مع بقاء حلية الحمر الوحشية، والله تعالى أعلم.
стр. 79
توجيه كلام ابن عباس ومناقشته
بقي هنا إشكال، فقد جاء عن ابن عباس أنه كان يرى أن النهي عن لحوم الحمر الأهلية، للكراهة، وليس للتحريم، ولما سُئل: قال: لا أدري أنهى عنها؛ لأنها ظهر الناس، أو لأنها من جوال القرية! فقوله: (لا أدري) لا يجوز أن نجعله حجة نرد بها حديثاً صحيحاً صريحاً.
ثم إن كلام ابن عباس في علة التحريم، فهو يقول: لا أدري لماذا نهى عنها، هل إبقاءً على الظهر -أي أنهم لو أكثروا ذبح الحمر فعلى أي شيء سيحملون متاعهم حتى يعودوا إلى المدينة، أو أنها من جوال القرية، وجوال القرية هي التي تخرج في الطرقات وتلتقط كل ما واجهها، حتى العذرة، فإذا كانت حيواناً مأكول اللحم -واتصف بأنه من الجلالة- منع أكله حتى يحبس، ويطعم طعاماً طاهراً ثلاثة أيام على الأقل، سواءٌ أكان ذلك من الدجاج الدواجن، أم كان من غيرها، وأكثر ما يكون هذا داء في البقر.
ويجاب عن هذا بأن جوال القرية هي الحمر المسيبة، أما هذه -أي: التي نزل فيها التحريم- فهي مع أناسٍ غزاة لا يتركونها في الخلاء، بل هي مستعملة عندهم ينتقلون عليها، ويحملون متاعهم عليها.
أما قوله: (إبقاءً على الظهر) فإنه رخص لهم أن يأكلوا من لحوم الخيل، فإذا كانت القضية قضية ظهر فالخيل أولى أن يُبقى عليها؛ لأنها أجلَّ في هذا الباب، وأنفع من الحمر في الظهر للغزاة يقاتلون عليها، ويحملون عليها أكثر مما يحملون على الحمر، وهي أصبر على السفر من غيرها.
ومن هنا قالوا: إن رأي ابن عباس مبني على اجتهاد شخصي خالف فيه غيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا إن صح.
والآخرون يقولون: الحديث مرفوض من أوله.
стр. 80
حكمة التفريق بين لحوم الحمر الأهلية والوحشية حلاً وحرمة
بقي عندنا تحريم لحوم الحمر الأهلية مع بقاء حلية قسيمها، وهي الحمر الوحشية، فإن كان التحريم للجنس فالجنس في البر حلال، فما هي العلة في تحريم الحمر الأهلية مع إباحة الحمر الوحشية؟ إننا لو فتشنا من قريب فلن نجد شيئاً، والعلة هنا مستنبطة وليست منصوصة، ولكن قبل البحث عن علة التشريع يجب علينا نحن المسلمين إذا سمعنا عن الله وعن رسول الله ﷺ شيئاً التصديق والعمل امتثالاً لأمر الله، وطاعة لرسول الله ﷺ ؛ لأن الله تعالى حكيم عليم لا يشرع إلا لحكمة، ثم إن مقتضى قول المسلم: (لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ يلزمه إلزاماً أن يقبل ما جاء عن الله، فلا يعبد إلا الله، بدلالة (لا إله إلا الله) ؛ لأنه إذا عبد غير الله نقض قوله: (لا إله إلا الله) ، وكذلك إذا لم يقبل تعاليم رسول الله ﷺ ، أو رفض شيئاً منها يكون نقض قوله: (محمد رسول الله) ﷺ .
وكنا نبسط المسألة ونقول: دلالة الالتزام في هاتين الشهادتين مثالها كما يوجد عند الناس الآن في السلك الدبلوماسي، حينما تقوم دولة، وتبرم معاهدة، أو صداقة، مع دولة أخرى تعترف بها، ثم تبعث إحدى الدولتين، سفيراً لها عند الدولة الأخرى، وهذا السفير يقدم أوراق اعتماده، ويعلن عنه سفيراً، في موكب رسمي، أو بمراسيم رسمية، فكل ما جاء به هذا السفير من دولته، إنما هو باسم من يمثلهم، وقبول ما جاء به مرتبط ببقاء الرابطة السياسية.
فإذا ما رفضت تلك الدولة بعض تعاليمه، أو بعض طلباته، يكون ذلك إساءة في العلاقات الدبلوماسية، وقد يؤدي إلى انقطاعها، فكذلك المسلم فإنه أعلن أنه لا يتأله إلا لله، فلا يعبد إلا الله، ومعنى أنه لا يعبد إلا الله: أنه يأخذ كل ما جاءه عن الله، ولن يأتيه مباشرة، وإنما يأتيه عن طريق رسوله ﷺ ، والرسول ﷺ قد قدم أوراق اعتماده وهي تلك المعجزات، وخوارق العادات، وهذه المعجزة الكبرى، التي تساير الأيام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ألا وهي كتاب الله تعالى.
وهذا لأننا إذا تطلعنا إلى حكمة التشريع فإن وجدناها وأصبناها فبها ونعمت، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] ، وقال تعالى لإبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ، وإذا لم نجدها فعلى المبدأ، وهو التسليم والامتثال والتصديق، فنعمل ولو لم تظهر لنا العلة.
وبعض الناس قد يعيب على من يحاول أن يتتبع حكمة التشريع، ويقول: ليس لكم دخل في هذا، فإذا أمر الله فعلى الرأس والعين.
ونقول: نعم، ولكن بعض الناس يتخذ خفاء العلة في التشريع طريقاً لتشكيك العوام، على ما سيأتينا -إن شاء الله- في أمر بول الصبي، فإنه في الشريعة يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، فالوا: فرقت الشريعة بين متماثلين، وهذا تناقض! وكذلك كون المسلم يتوضأ من لحوم الإبل، ولا يتوضأ من لحوم الغنم، فإن هذا لحم وهذا لحم، فقالوا: هذا تفريق بين متماثلين.
فحينما تظهر الحكمة، ويبين الفقهاء الفرق بين هذين الذين يظهران متماثلين، وأنهما على خلاف ذلك، وأن هناك مغايرة تستوجب المغايرة في الحكم، حينئذٍ تسد الباب على أولئك الذين يعمدون إلى التشكيك في التشريع من باب التفريق بين المتماثلين.
وفي مسألتنا هذه عندنا حمار وحمار، وهذا أهلي وذاك وحشي، وهذا حرام وذاك حلال، فقالوا: هذا تفريق بين متماثلين من جنس واحد، فلماذا؟! وأقول: إذا جئنا إلى كتب الفقه قد لا نجد تصريحاً بذكر علة التفريق بين الطرفين، ولكن إذا رجعنا إلى بقية العلوم سنجد فرقاً، وقد كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: العلم يخدم بعضه بعضاً، أو كان يقول: العلوم أقران، أي: يقترن بعضها ببعض، يعني: هذا العلم يبين هذا العلم، وهذا العلم يستمد من ذاك العلم.
وقد أشار علماء التغذية وعلماء الوراثة إلى وجود فرق بين الحمر الأهلية والحمر الوحشية.
وجاء في القرآن الكريم ما يشير إلى بعض صفات الحمر الأهلية، عن طريق ضرب المثل لمن يحمل علماً ولا ينتفع به قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:٥] أي: لا يستفيد منها شيئاً.
وكما قيل: كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول أي أنها لا تستفيد منه.
ولكن الفرق بين الطرفين في هذا الجنس بالذات هو ما غلب على طبيعة الحمار الأهلي -بسبب تأهيله مع الناس- من غباوة وبلادة ولؤم وذلة، كما قيل: ولا يقيم على ذل يراد به الأذلان عير الحي والوتد فالعير يصبر على الذل، والوتد يثبت حتى تكسر رأسه وهو صابر، وقالوا: فيه غريزة اللؤم، والمزارعون يعرفون هذا، فالحمار إذا أتاه صبي صغير (استعصى) عليه، وإذا رأى كبيراً عرف الجد، فهذا لؤم.
أما المذلة فلأنه نشأ مكفي المئونة، فلا يعمل على تحصيل قوته، فهو عالة على غيره، بخلاف الحمار الوحشي، فهو مكلف بأن يحمي نفسه أولاً من الوحوش الكاسرة، ومكلف بأن يسعى لتحصيل قوته، ولا ينتظر أن يأتيه غيره بقوته، فانتفت عنه صفات الذلة والمهانة واللؤم، الموجودة في الحمار الأهلي.
ويذكر علماء الحيوان أن أنثى حمار الوحش حينما تلد ولدها -ويسمى (التولب) - تعض ساق رجله اليمنى الأمامية لتكسرها، ويبقى في كنّه إلى أن يجبر العظم في رجله، فيكون قد نمى وكبر، وتفعل هذا حماية له من الوحوش، قالوا: تكسير رجله ليبقى في كنّه ولا يخرج؛ لأنه كسير، فإذا ما برأ الكسر واستطاع الجري، يكون قد شب وكبر، فلو خرج وداهمه وحش يستطيع أن يفر منه، وهذه تربية عجيبة.
стр. 81
أقسام الحمر
الحمر: جمع حمار، وتنقسم إلى قسمين: قسم ورد في هذا الحديث بأنه الحمر الأهلية، أي: متأهلة مع الناس، ومفهوم ذلك أن هناك قسماً آخر ليس متأهلاً، بل وحشي، ولذا يقال: الحمار الوحشي، والحمار الأهلي.
стр. 82
تحريم لحوم الحمر الأهلية ليس منسوخاً
قوله: (فإنها رجس) ، أي: لحومها بالنسبة إلى أكلها بعد الذبح، وبقي الكلام عن تحريمها بعد الذبح، وعن طهارتها وهي حية، فإنها أهلية تخالط الناس في حياتهم، باستعمالهم إياها.
أما كونها حرم أكلها فالجمهور على ذلك، وقلل بعض العلماء: لقد نُسخ هذا التحريم مع أن التقييد بالتاريخ يدل على أنه لا نصوص قبلها تحرم أكل الحمر الأهلية، فهل جاءت نصوص بعد ذلك؟ والجواب أنهم ذكروا أن رجلاً جاء في عام شدة، وقال: (يا رسول الله! أخذتنا شدة، وليس عندي ما أطعم أهلي إلا سمين حمر، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك -أو من سمان حمرك-) ، قالوا: في هذا ترخيص لإطعام الرجل أهله من سمان حمره، ولكن الجمهور قالوا: هذا الحديث لا يثبت سنده لو لم يعارض بغيره، فكيف إذا عارضه ما هو أقوى منه من المتفق عليه، والناسخ يجب أن يكون من حيث السند في قوة المنسوخ، فقالوا: لا تصح دعوى النسخ.
стр. 83
طهارة لعاب الحيوان والخلاف فيه
قال المصنف ﵀: [وعن عمر بن خارجة ﵁ قال: (خطبنا النبي ﷺ بمنى، وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي) ، أخرجه أحمد والترمذي وصححه] .
انتقل المؤلف إلى موضوع آخر، وهو: لعاب ما يؤكل لحمه، خطب النبي ﷺ بمنى، ولعاب راحلته يسيل على كتفه.
ففي هذا الحديث: أن لعاب راحلة النبي ﷺ كان يسيل على كتف الذي كان يمسك بزمامها، فالرجل كان يمسك زمام الراحلة والرسول ﷺ يخطب الناس عليها، فهل يخفى على رسول الله ﷺ أن لعاب راحلته يسقط على كتف من يمسك زمامها، أم أنه رآه: وأطلع عليه؟ الغالب أنه رآه رسول الله ﷺ ، فإن الموقف يقتضي أنه رآه ولم ينهه عنه، ولم يأمره بغسله، فهذه سنة تقريرة، فلعاب الحيوان مأكول اللحم طاهر، بل وغيره كذلك.
فقد ورد في باب المياه حديث: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) ، وورد فيه أن الرسول ﷺ مر ببعض الحياض بين مكة والمدينة، فلما ورد حوضاً قال عمر: يا صاحب الحوض! أخبرنا: هل ترد السباع ماءك؟ فبادره النبي ﷺ وقال: (لا تخبرنا يا صاحب الحوض؛ إنا نرد على السباع، وترد السباع علينا، فلها ما أخذت في بطونها شراباً، ولنا ما أبقت شراباً وطهوراً) ، فسؤر جميع الحيوانات طاهر، ما عدا الكلب، ونحن نستثني الكلب لما تقدم، وهل هو لنجاسته، أو هو لما فيه من داء الكلب؟ فيه تفصيل تقدم.
أما بقية الحيوانات كالهرة فإن أبا قتادة قرَّب إليها الإناء، فكانت زوجة ولده تتعجب، فقال: يا ابنة أخي: أتعجبين؟ فإن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم) .
стр. 84
كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها [٣]
المني سائل معروف، وهو مما تعم به البلوى فيصيب الثياب، وجمهور العلماء على أن المني طاهر وإن أصاب الثياب فهو كالنخامة إذا أصابت الثوب، فإنها لا تنجسه ولكنها تزال؛ لأن بقاءها على الثوب يُعد قذراً، وكذلك المني، وطريقة إزالة المني تكون بالفرك إذا كان يابساً، وبالغسل إذا كان رطباً، وله أحكام غير ذلك ينبغي على المكلف معرفتها ومراعاتها.
стр. 85
حديث: (كان ﷺ يغسل المني ... )
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل) ، متفق عليه.
ولـ مسلم: (لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه) ، وفي لفظ له: لقد كنت أحكه يابساً بظفري من ثوبه] .
ذكر المصنف ﵀ من ما يتعلق بالمني، وقد جاءت في المني عدة أحاديث، منها: حديث عائشة ﵂ الذي ذكره المصنف: (كان رسول الله ﷺ يغسل المني، ثم يخرج للصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل) ، فهذا النص الأول فيه أن النبي ﷺ كان يغسل المني، والغسل يكون للطهارة، ويكون للقذارة، فهل كان المني نجساً فغسله، أو كان مستقذراً في الثوب فغسله؟ وفي الموطأ أن عمر رضي الله تعالى عنه في عام المجاعة -في أواخرها- صلى بالناس الصبح ثم خرج إلى بستانه جهة الغابة في الجرف، وبعد طلوع الشمس وجد المني في ثوبه، فقال: ما أُراني إلا صليت بالناس جنباً -فاحتلم ولم يدر-، وقال: لما أصبنا الودك، لانت العروق، وجرى المني، وهذا معروف، فقد يحتلم الإنسان، ولا يرى شيئاً في منامه، ولا يعلم بالاحتلام إلا إذا وجد المني في الثوب، فيفيض الماء، دون شعور الإنسان، أي: أن الشعور الداخلي عمل عمله، وهو لا يدري، فغسل ثوبه وأعاد صلاته.
وهنا يأتي الخلاف في غسل المني، فقوم قالوا: غسل المني لنجاسته؛ فإن رسول الله ﷺ غسل المني من ثوبه، ومالك يروي أن عمر غسل ثوبه من المني، فالمني نجس، وهذا قول مالك وأبي حنيفة رحمهما الله، وقالوا: إنه فضلات تخرج من الجسم، كبقية الفضلات الخارجة من غير الفم والأنف؛ لأن الفضلات الخارجة من الفم والأنف ليست بنجسة، والفضلات التي تخرج من القبل والدبر كلها نجسة، وهذا تابع لها، هكذا قالوا.
لكن إذا جئنا إلى النصوص الأخرى مثل حديث عائشة الذي تفرد به مسلم: (لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركاً فيصلي فيه) .
قوله: ولـ مسلم أي: في رواية مسلم، عن عائشة، وفيها: أنها كانت تفرك المني من الثوب فركاً، ثم يصلي فيه، فهل -يا ترى- الفرك يطهر الثوب من النجاسة؟ فلو كانت في الثوب عذرة، أو دم، فهل الفرك يطهره؟! لا.
إذاً: جاء المصنف ﵀ بهذا الحديث -حديث الفرك- ليبين أن الغسل لم يكن عن نجاسة، وإنما كان للنظافة، إذ أن بقاء المني في الثوب مستقذر، وإنما كان يفرك من الثوب؛ حتى تضيع بعض معالمه، وهذا بخلاف النجاسة، وسيأتينا في باب الحيض لما سئل ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب؟ قال: (حتيه، واقرصيه بالماء، ثم انضحيه، ثم لا يضركِ أثره) ، اغسلي، وانضحي، وحتي، وإذا لم يذهب الأثر؟! قال: لا يضركِ بعد هذا؛ لأنكِ بذلتِ الجهد.
إذاً: الفرك يقف في جانب من جانبي الغسل، فمثلاً إذا وقعت ملوخية على الثياب، فهل تتركها أم تغسلها؟! تغسلها، وهل هي نجسة؟ لا.
لأنك تأكلها، ولكنها مستقذرة إذا وقعت في الثوب.
إذاً: تغسيل الثياب -الوارد في المني- يحتمل أن يكون للنجاسة، ويحتمل أن يكون للنظافة، فلما جاء المؤلف بحديث الفرك عرفنا أن الغسل للنظافة لا للنجاسة.
وفي لفظ له: (لقد كنت أحكه له يابساً بظفري من ثوبه) .
لقد كنت أحكه يابساً بظفري؛ لأن الظفر أشد حدادة، فإن فركته لا يذهب، ولكن إذا حكيته بالظفر شيئاً فشيئاً فإنه يذهب كله.
وجاء في بعض الروايات: إذا كان يابساً حككته بظفري، وإذا لم يكن يابساً أماطه بعود الإذخر، إذاً: لا يتعين غسله بالماء سواء كان رطباً أو يابساً، ومجموع تلك الصور: أن المني تارة يغسل، إن كان رطباً، وتارة يحك، إن كان يابساً، وهذا مذهب وسط؛ وأحمد والشافعي قالا بطهارته، وهناك من أراد أن يوفق بين الرأيين فقال: هو نجس ولكن يكتفى في تطهيره، إن كان رطباً فبالغسل، وإن كان يابساً فبالفرك، والحك بالظفر، ولكن التحقيق من عموم النصوص: أن المني طاهر.
стр. 86
حكم مني الحيوان
ما حكم مني الحيوان؟ قد يخالط بعض الرعاة مني بعض الحيوانات عند الإخصاب والتلقيح، فيقولون: هو بحسب لحمه، فمأكول اللحم منيه طاهر، وغير مأكول اللحم منيه غير طاهر، قياساً على بوله ورجيعه، وسيأتي البحث في أن بول مأكول اللحم طاهر إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 87
كيفية تكون المني وتحوله
وطبيعة المني: تحول كامل، وأين تحدث عملية التحول؟ وأين المعمل الذي حوله؟ من الدم الخالص إلى هذه المادة المنوية؛ يقول علم التشريح: إن المسئول عن تحويل الدم إلى المني إحدى الخصيتين، ومن العجب أنهم يقولون: إن إحدى الخصيتين مسئولة عن إفراز المني، والأخرى مسئولة عن إنبات شعر اللحية، ولذا تجد العبد إذا خصي، لو كانت عنده لحية فصغيرة؛ لأن أصلها قد أزيل، ولو أزيل في الصغر لا تنبت له لحية، هكذا يقولون، والله أعلم.
ويقولون: إن عملية التحويل تأتي عند الحاجة، بمعنى: لو جئت بمائة رجل وشرحتهم، فلن تحصل على جرام واحد من المني داخل الجسم؛ لأنه يطبخ ويحول فوراً، حينما تشتد الشهوة، وكما يقولون: حالة الإخراج، أو الإفراز، أو أو إلى آخره، تكون في تلك اللحظة التي تتم فيها عمليه الطبخ، ثم يفرز ضخاً ودفقاً كما يقولون، وقبل هذا لا وجود له.
ولهذا إذا استعجل على الطبخة ولم ينضجها خرج مذياً، وهو أبيض ولكن لا ينعقد، فيخرج كخروج البول ما فيه دفع؛ لأن الطبخة ما نضجت.
والودي إنما يأتي -كما يقولون- عقب الانعاض وقبل التبول، وقد يأتي أيضاً في حالات الإمساك الشديد؛ بسبب الضغط على ما يسمى البروستات في الداخل، فتعمل هذا الإعصار.
إذاً: المني من حيث هو: مادة تطورت عن الدم، وتطور المادة -كما تقدم لنا في الخمر- وتحولها إذا كان بنفسه؛ صارت طاهرة، وكذلك هنا، فالدم تحول بنفسه، وصار من دم أحمر جار داخل العرق، إلى مادة المني التي فيها الحيوان، وفيها الإخصاب وو، مع أنه لا يوجد في الدم، أي عنصر من العناصر الموجودة في المني.
ويقولون في ذلك: الدفقة الواحدة فيها ما يزيد عن ثمانية ملايين وحدة منوية، والذي يلقح البويضة واحد فقط.
ويقول بعض علماء الجنس: لو جمعت الحيوانات المنوية للعالم من أول أولاد آدم إلى آخر الناس ما ملأت كستبان الخياط، وكستبان الخياط كالخاتم يوضع في الأنملة ليدفع الإبرة داخل القماشة، وحجمه ٢سم.
إذاً: الحيوان المنوي لا يرى بالعين العادية.
إذاً: تحول الدم إلى مادة مغايرة كل المغايرة للدم، وهذا الحيوان الضئيل جداً يحمل كل خصائص الإنسان المولود بغرائزه، وشبهه بآبائه، أو بإخوانه، إلى غير ذلك من حكم الله .
إذاً: تحول المني أشبه ما يكون بتحول عصارة الفرث والدم إلى لبن خالص، اللبن محول عن ماذا؟ ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ [النحل:٦٦] ، سبحان الله! ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل:٦٦] ، فهذا دم محول، يقولون: إن عملية التحويل، والتطور، في الدم إلى مني، تشبه عملية التحويل، والتطوير، في الحليب في الحيوانات، وفي الإنسان.
والله تعالى أعلم.
وبعض الناس يستدل على كون المني طاهراً بقوله: إن المني أصل الإنسان، فهل نجعل أصل الإنسان نجساً؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] .
ولكن بعض العلماء يقول: هذه ناحية عاطفية، وما الذي يمنع أن يكون الإنسان من أصل نجس، ولكن تحول إلى طاهر، والإنسان أصله من تراب وماء، ثم تحول إلى دم ولحم، فلا نقول: إنه راجع إلى الترابية، ولا إلى المائية؛ لأنه تحول طوراً جديداً.
стр. 88
مرور المني في مجرى البول ليس دليلاً على نجاسة المني
وقال بعضهم: المني في الأصل طاهر، ولكنه عند خروجه يمر بممر البول؛ وإذا مر بممر البول علق فيه من أصل البول، أو أثره، في الطريق فتنجس، ولكن أجيب على ذلك: بأن الممر الداخلي لسنا مسئولين عنه؛ لأنك كلما دخلت إلى الداخل، وجدت النجاسة، فالمثانة معبأة بالبول، ولم نقل: إنها نجسه ويجب تفريغها! فإن كل واحد يصلي ويتوضأ، وهو يحمل كيساً من البول! وكذلك الدم يجري داخل العروق، ولم نؤمر بإخراجه! والمياه الخارجة من الإنسان -غير البول- ثلاثة مياه: ١- المني.
٢- والمذي، بالذال المعجمة.
٣- والودي، بالواو والدال والياء، ودي.
стр. 89
كتاب الطهارة - باب إزالة النجاسة وبيانها [٤]
إن للأطفال من المحبة ما يجعل المرء يتعلق بهم ويكثر من حملهم، فلا يخلو عند ذلك من أن تصيبه النجاسة من بولهم، وقد فرق الشرع بين بول الغلام الرضيع والجارية الرضيعة، فالغلام إنما يرش من بوله والجارية يغسل من بولها، مع أن البول نجس في كل حال.
стр. 90
بول الرضيع وحكمه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول: المصنف ﵀: [وعن أبي السمح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) ، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم] .
هذا موضوع جديد، وهو نجاسة البول بصفة عامة، وقد تقدم لنا ما يتعلق بنجاسة البول، وهو متعلق بهذا الباب، وكثير من المؤلفين يذكره في هذا الموضع.
وتقدمت لنا قصة بول الأعرابي حينما بال في المسجد، وكانت طريقة تطهيره مكاثرته بالماء، كما قال الشافعي ﵀: يكاثر بالماء مقدار سبع مرات وهذه ناحية نسبية تعتبر بغلبة الظن.
وهنا يأتي المؤلف ﵀ بهذا النص عن أبي السمح، وكان خادم رسول الله ﷺ ، ومع أنه خادم رسول الله ﷺ لكن لا يُعلم له حديث عن رسول الله ﷺ إلا هذا، فنقل لنا عنه ﷺ أنه قال: (يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام) فمن الجارية، ومن الغلام؟ الجارية لغة: تطلق على الصغيرة الرضيعة، وتطلق على من هي دون البلوغ، وتطلق على الأمة الكبيرة، كما تقول: جارية فلان والغلام يطلق على الطفل الصغير الرضيع، وعلى من دون الأربعين سنة، كما قيل في الحجاج: غلام إذا هز القناة سقاها وهو قائد الجيوش، ومع ذلك سمي غلاماً.
стр. 91
علة التفريق بين بول الغلام وبول الجارية
قد يقال: هل يمكن أن نتطلع إلى سبب في التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، أم أنه لا يوجد هناك فرق؟ قال بعض المتقدمين -وهو المتولي من أئمة الشافعية-: نعم هناك فرق؛ فإن بول الغلام أبيض رقيق خفيف، وبول الجارية أصفر ثقيل كثيف، فالفقهاء نبهوا على أن هناك فرقاً في الماهية، فبول الغلام رقيق خفيف يكفي فيه الرش، وأما بول الجارية فأصفر كثيف ثقيل والنضح لا يكفيه، ويحتاج إلى الغسل.
وبعض المتأخرين الذين يتكلمون عن التشريح أو عن الخواص يقولون: بول الجارية فيه من هرمون الأنوثة أكثر، فيحتاج إلى زيادة في الغسل، وهرمون الأنوثة -كما يقولون- أثقل من هرمون الذكورة، والله تعالى أعلم.
وبعضهم يعلل ذلك بقوله: الغلام ذكر والجارية أنثى، وأصل الخلقة -خلقة الإنسان- هو أبونا آدم، وآدم خلق من تراب وماء، والماء والتراب طهوران، فأصل التكوين في خلقة الذكر من طاهرين، والأنثى جاءت من حواء، وحواء خلقت من ضلع آدم، وضلع آدم فيه دم ولحم، والدم نجس، فالغلام يرجع إلى أصله، والجارية ترجع إلى أصلها، وهذا امتداد طويل وبعيد الاعتبار، وذكرناه من باب الفائدة.
وهناك من يقول -وهي قضية والله ما أدري كيف ساغ لهم أن يقولوها- فيقول: الرسول ﷺ عامل الناس بحالة نفسية؛ إذ كان العرب في أول أمرهم إذا جاءهم المولود أنثى فهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] .
فكانوا إذا جاءت البنت لا يحبون حملها، أما الصبي فيحب، ودائماً يحمل، فخفف في بوله، لكن هذه العادة غير حميدة، فهل يأتي الرسول ﷺ ويقر الناس عليها، ويخفف لهم ويرخص لهم بسببها، أم يقضي عليها؟ لاشك أنه سيقضي عليها.
فهذه وإن كانت ساقطة فهي بعيدة بعد آدم وحواء، لكن تلك أقرب للتعليل من هذه.
ومهما يكن من شيء فإن المهم هو الحكم الفقهي، وهو أنه يكتفى بنضح بول الغلام ويغسل بول الجارية، وبعض الذين قالوا بالغسل قالوا: النضح بمعنى الغسل؛ لأنه جاءت رواية: (رشه: نضحه) ، والنضح غسل.
ولكن جاء في رواية علي رضي الله تعالى عنه: (فنضحه ولم يغسله) فهل النضح هو الغسل أم هو مغاير له؟ والجواب: مغاير له، ويكفينا في ذلك أن أصل البول نجس، وذلك في الأصل عند الجارية، ولكن الغلام الرضيع الذي لم يتناول الطعام خففت حالته، واكتفي فيه بالنضح، وما عدا الغلام الرضيع -سواءٌ أكان غلاماً يأكل الطعام، أم جارية من أول أمرها -فإنه يغسل، والله تعالى أعلم.
стр. 92
اختلاف العلماء في تطهير بول الغلام والجارية
موقف العلماء من بول الجارية وبول الغلام الرضيع يتلخص في ثلاثة مذاهب، كما نقل ذلك: الصنعاني والشوكاني وابن حجر في فتح الباري، وغيرهم.
المذهب الأول: يغسل الجميع، بول الغلام وبول الجارية وهذا مروي عن الأحناف والمالكية.
والمذهب الثاني: يرش من الجميع بدون تفرقة، فالأول لا يفرق بين ذكر وأنثى، وقال: يغسل الجميع.
والثاني لم يفرق بين ذكر وأنثى، وقال: يرش الجميع.
وهذا قول الأوزاعي المذهب الثالث: وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله -ويؤيده الحديث- أنه يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام.
ووجهة نظر من قال بغسل الجميع، قولهم: هناك عمومات أخرى، منها: عموم غسل البول، ومنها: حديث القبرين: (وكان أحدهما لا يستنزه من البول) ، وهذا عام في البول، فيشمل الصغير والكبير، ثم ألحق الغلام بالجارية، وهذا الإلحاق يسمى عند الأصوليين إلحاقاً بنفي الفارق.
أي: ننفي فارق الذكورة والأنوثة، ونرجع إلى أصل البول فهو سواء عندهم، فنغسل الجميع، كما جاء في حديث: (من أعتق شقصاً له في عبد) ، فكلمة (عبد) تطلق على المملوك الذكر، فقالوا: كذلك من اعتق شقصاً له في أمه، ولماذا الأمة والنص جاء خاصاً بالعبد؟ قالوا: بإلغاء الفارق بين الأمة والعبد، وهو الذكورة والأنوثة، فمن أعتق شقصاً في مملوك له ذكراً كان أو أنثى قوم عليه ودفع الباقي لشريكه ويعتق العبد، هذا ما يسمى عندهم بنفي الفارق.
ولكن هذا حينما يأتي النص في أحد المتماثلين أو المتقابلين، فيكون هنا الإلحاق بنفي الفارق؛ لأن الأمة لم يأتِ في عتق شقصها نص ولكن هنا جاء النص مستقلاً في الغلام بالرش، وجاء مستقلاً في الجارية بالغسل، فنأخذ بالنص الموجود، أما القياس هذا فإنه يسمى عند الأصوليين قياساً فاسد الاعتبار، أي: اعتباره فاسد؛ لأنه في مصادمة النص؛ إذ يلحقون الغلام بالجارية، وهذا فيه نص صحيح صريح، وهو حديث أم قيس الذي رواه الجماعة، وحديث عائشة الذي رواه البخاري، وعند مسلم زيادات.
فالغلام فيه نص مستقل، والجارية فيها نص مستقل، ولا يلحق أحدهما بالآخر؛ لأننا إذا ألحقنا أحدهما بالآخر ألغينا النص الذي يختص به، وهذا لا يجوز، وهو كما -يقول الأصوليون- قياس فاسد الاعتبار.
стр. 93
أحاديث في التفريق بين بول الغلام والجارية
في هذا الباب جاءت نصوص أخرى مع حديث أبي السمح، منها: أنَّ أم قيس بنت محصن: أتت بابن لها إلى النبي ﷺ يحنكه -والتحنيك: هو أن يأخذ الكبير تمرة فيلوكها في فِيه، ثم يخرجها بعد المضغ وامتزاجها بلعابه، ويضعها بين فكي الطفل، فيبلغها أو يتلمض بها- قالت: فبال على ثوب النبي ﷺ ، فدعا بماء ونضحه) .
وكذلك جاء عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: كانوا يأتون بالصبية إلى النبي ﷺ للتبريك، والتحنيك -والتبريك: التماس البركة، ويحنكهم ليختلط ريقه صلوات الله وسلامه عليه بالتمرة، ويبتلعه الطفل الصغير- (فبال غلام على ثوب النبي ﷺ ، أو في حجره ﷺ فأتبعه بالماء) .
وجاء عن أم قيس حديثان، أحدهما قالت فيه: (أتي بغلام فبال على ثوبه ﷺ فنضحه، وأتي بجارية فبالت على ثوبه فغسله) .
وعن أم الفضل: (أن النبي ﷺ أتي بغلام -الحسن، أو الحسين- فصعد على بطن النبي ﷺ فبال على صدره، قالت: قلت: أعطني ثوبك -يا رسول الله- أغسله والبس غيره قال: إنما ينضح من بول الغلام) .
وعن علي رضي الله تعالى عنه: (أن غلاماً بال على ثوب النبي ﷺ ، فقال: يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية) ، قال قتادة: وذلك قبل الفطام، أو: وذلك للرضيع.
وكل هذه الآثار جمعها وساقها صاحب المنتقى، وتكلم عليها الشوكاني في نيل الأوطار، وغيره.
والقول الصريح بضم الفعل مع مجموع ذلك كله أن النبي ﷺ فرق بين بول الغلام الذكر، وبول الجارية الأنثى، وهذا التفريق محله قبل أن يستغني بالطعام ما دام رضيعاً، فأمر بغسل بول الجارية، واكتفى أو أرشد إلى نضح أو رش بول الغلام.
стр. 94
نجاسة الدم وكيفية تطهيره
قال المصنف ﵀: [وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن النبي ﷺ قال في دم الحيض يصيب الثوب-: (تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه) متفق عليه] .
انتقلنا إلى مسألة أخرى، وهي حكم الدم في هذا الباب -باب النجاسة-، وقد تقدم شيء من التنبيه على ما وجد في الآونة الأخيرة من القول بطهارته.
وقد أجمع على ذلك المسلمون إلى القرن الرابع عشر من المحدثين وعلماء تفسير، وفقهاء المذاهب الأربعة وأئمتها.
ومن أراد الرجوع إلى ذلك بإيجاز فليرجع إلى كلام المفسرين عند قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥] ، فقالوا: الدم المسفوح والميتة ولحم الخنزير كل ذلك نجس، والمسفوح: هو الذي يخرج بغزارة وبقوة، وغير المسفوح هو الدم الذي يكون باقياً في عروق الذبيحة بعد سلخها، وقد تظهر حمرة هذا الدم في المرق في أوائل الطبخ، وهذا معفو عنه.
стр. 95
أدلة من قال بعدم نجاسة الدم والجواب عنها
الذين يقولون بطهارة الدم المسفوح قالوا: إنما حرم أكله ولم تحرم ملامسته، ولا يدل ذلك على النجاسة.
واستدلوا بقصة عمر رضي الله تعالى عنه، حينما صلى وجرحه ينزف دماً.
واستدلوا بقصة عمار والذي كان معه في الشعب، فأمره ﷺ أن يحرس ليلاً، وكان العدو قد وقعت به حادثة فتبعهم ليلاً، فقام أحدهما يحرس ويصلي ويقرأ، فسمع العدو صوت القارئ فسدد السهم في الليل على الصوت فأصابه، فانتزع الحارس السهم ومضى في صلاته، إلى أن رماه بثلاثة أسهم، فأيقظ صاحبه سقوط الدم على وجهه، فقال: ما هذا؟ فأخبره.
فقال: هلا أخبرتني؟ قال: كنت اقرأ سورة فكرهت أن أقطعها -قيل: سورة الكهف-، فقالوا: خرج منه الدم فلم يقطع صلاته، ولو كان نجساً لقطعها، وكذلك ما جاء في حق المستحاضة: (صلي ولو قطر الدم على الحصير) ، لأنها لم تستطع إيقافه.
لكن لا تقاس حالة الاضطرار على حالة السعة، أترى عمر يترك الصلاة لجرحه، وهو يقول: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة! وكذلك الذي كان يحرس في الجيش، ألا ترى المجاهدين يجرحون ويصابون، بل تكون سيوفهم مليئة بالدماء، ويصلون صلاة الخوف وهم يحملون السلاح، فلا تقاس حالة الاضطرار في القتال على حالة السعة في السلم، والكلام في غير الضرورات، فلا مستند لهم فيما يقولون، والله تعالى أعلم.
стр. 96
حكم نقل الدم
هنا مسألة، وهي حكم نقل الدم، ونقل الدم لا يكون إلا من إنسان إلى إنسان، ودم الإنسان نجس كما تقدم في أنه يغسل، وكما تقدم في الاستحاضة، ونصوص العلماء كثيرة في هذا.
ومسألة نقل الدم وجدت في الوقت الحاضر، ولم تكن موجودة في السابق.
وقد اختلف العلماء في حكمها.
فقوم قالوا: لا يجوز استعماله أبداً؛ لأن الدم نجس، ولا يجوز استعمال النجاسة في دواء ولا في غيره.
والآن -والحمد لله- كتبت رسائل، وألفت مؤلفات في هذا الموضوع، ولكن من الجانب الطبي، أما من ناحية الإباحة والمنع فكان مما حدث في بعض نوادي الجامعة الإسلامية أن سأل سائل: هذا الدم الذي ننقله لإنسان آخر حلال أم حرام؟! فتكلم المشايخ -جزاهم الله خيراً- وكل تكلم بما قد حضره، والشيخ الأمين -يغفر الله له- ساكت ما تكلم، ولا بشيء، فسأله الشيخ ابن باز ﵀: أراك -يا شيخ- ساكتاً لا تتكلم! قال: نعم -يا سماحة الشيخ- فماذا أقول، ليس عندنا آية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله ﷺ في هذا الموضوع الجديد؟ فقال: ولكن لابد من القول، ولابد للإنسان المسلم أن يعرف أقوال العلماء في هذه الحالة، فلا نقول: الإسلام قاصر.
بل ويجب أن نجتهد.
فقال: إن كان ولابد فإننا نجد القرآن الكريم قرن الميتة بالدم في التحريم كما قال تعالى:، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] ، ووجدنا القرآن الكريم يأتي بالرخصة في أحد المقترنين، وهي الميتة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] ، فإذا جاءت الرخصة في المحرم أو أحد المحرمين، -وهي الميتة- للضرورة كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] ، فإذا جاءت نقول: قرين الشيء يأخذ حكمه، فنقول: الدم قرين الميتة، فإذا وصلت بإنسان حالة شبيهة بحالة المخمصة التي يضطر فيها الجائع لأكل الميتة إنقاذاً لحياته، ويأثم إن ترك الأكل فكذلك أيضاً في نقل الدم؛ لأنها ضرورة تعادل تلك الضرورة، وإنقاذٌ لحياته، فيباح نقل الدم.
قال الشيخ ابن باز: ماذا نريد أكثر من هذا؟! ومهما بحثنا فلن نجد أحسن من هذا، فهذا يكفي.
وهناك قرار لهيئة كبار العلماء جاءت فيه أبحاث عديدة في التشريح والدم ونحوهما.
وهل يتعاطى ثمناً للدم الذي أعطاه المعطي أم لا؟! قالوا: الجواب: لا.
لأن الدم لا يباع، ولا يؤخذ ثمنه، ولكن يمكن أن يُكْرَم المعطي للدم من الطعام ومن الشراب ما يعوضه شيئاً من ذلك، فيشترى له ما يطعمه، وما يشربه من العصير، أو من الأشياء المباحة التي تعوض جسمه نشاطه، ونحو ذلك.
وعلى هذا أصبح موضوع نقل الدم قضية -كما يقولون- شائعة، وفتحت بنوك الدم، واتسع فيها بعض الناس، وأصبحت تجارة، ولكن موقف الإسلام من هذه القضية أنه يباح للضرورة.
стр. 97
الطريقة الشرعية في تطهير دم الحيض
وقوله ﷺ : (تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه) .
أي: تفرك اليابس، و (تقرصه) أي: بين يديها، و (تنضحه) أي: تغسله بعد هذا فهذه ثلاث مراحل في كيفية تطهير الثوب من دم الحيض.
ولا يوجد أحد يخالف في نجاسة دم الحيض أبداً حتى اليوم، وإنما الخلاف في الدم المسفوح.
قال العلماء: هذا نص صحيح صريح في وجوب غسل دم الحيض حين يصيب الثوب، والغسل يكون ببذل الجهد في إزالة النجاسة: فأولاً: بالحت إن كان يابساً، وغالباً الدم يكون له جُرم.
وثانياً: بالقرص، أي: تدلكه بأصابعها مع الماء.
وثالثاً: بالغسل، ثم بعد ذلك تصلي فيه.
стр. 98
حكم أثر الدم الباقي في الثوب بعد تطهيره
قال المصنف ﵀: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت خولة: يا رسول الله! فإن لم يذهب الدم؟ قال: (يكفيكِ الماء، ولا يضركِ أثره) أخرجه الترمذي وسنده ضعيف] .
هذا السؤال تتمة للموضوع الأول، فإذا حتتنا وقرصنا وغسلنا وبقي اللون -خاصة إذا كان الثوب أبيض؛ فإن البياض قليل الحمل للدنس- فماذا نفعل؟ قال: (يكفيك الماء لا يضركِ أثره) ، فافعلي هذه الأوامر، فالله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
ويذكرون عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا حتّت وقرصت ونضحت ولم يذهب اللون تأتي بالزعفران، وتبله في الماء، وتأخذ ماء الزعفران وتصبه على محل الدم.
قالوا: تريد أن تغير لون النجس بلون الطاهر، ولكن هذا لمن أراد أن يصبغ ثوبه كله بالزعفران، وليس هذا من باب التكليف، فهذا فعلها رضي الله تعالى عنها، والرسول ﷺ لم يأمر به.
ويهمنا أنه ﷺ أرشد إلى الحت، ثم القرص، ثم غسل الماء، وقال الفقهاء: إذا كان يمكن استعمال الحواد -والحواد: جمع حاد، وهو الشيء الكيماوي الحار الذي يذهب اللون، مثل الصابون، ومثل النخالة، ومثل الدقيق، ومثل الأشنان وغيرها، فكل هذه عوامل تنظيف يعرفها الناس- فإذا لم يذهب الأثر وكان عندك صابون فهل يتعين استعماله تبعاً لهذا التشديد -أي الأمر بالحت والقرص ثم النضح- وهل يعد استعمال الصابون من بذل الجهد, وقد يكون فيه كلفة على المساكين؟ وهل نطالب باستعمال منظف مزيل لا يؤثر على صبغ الثوب ولا على قماشه، أو ليس ذلك بلازم؟ والجواب: يجب أن نستعمل ما يمكن استعماله بدون كلفة، وبدون مشقة، وبدون تأثير على عين الثوب، والله تعالى أعلم.
فجمهور العلماء من السلف والخلف يقولون: إن جميع الدماء نجسة.
وقد جاء عند البخاري وعند مسلم حديث فاطمة بنت قيس في الاستحاضة.
والبخاري ومسلم ذكرا حديثها في كتاب الطهارة والنجاسة ليبينا أن دم الاستحاضة نجس كدم الحيض، أو أن الدم نجس بصفة عامة، ثم أعادا نفس الحديث في باب الحيض والاستحاضة ليستدلا بذلك على أن دم الاستحاضة ملحق بدم الحيض، ودم الاستحاضة دم مسفوح؛ لأنه كما قال ﷺ : (إنما ذلكِ عرق) ، واستدلوا بالآية الكريمة: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥] ، فقالوا: جمع في هذه الآية بين تحريم الميتة والدم المسفوح، والميتة نجسة كما تقدم التنبيه على ذلك في حديث ميمونة: (لو أخذتم إهابها فانتفعتم به -أو: فدبغتموه فانتفعتم به؟! - فقالوا: إنها ميتة.
فقولهم: (إنها ميتة)) يستلزم أن الميتة نجسة، فتنجس الإهاب تبعاً للميتة، وأقرهم على هذا الفهم، وأجابهم عنه، وأخبرهم أنه يطهرها الدباغ.
وعلى هذا فالدم المسفوح نجس بدلالة اقترانه بالميتة، ولذلك حرم أكله، وحرم بيعه، وحرمت الاستفادة منه في أي شيء.
стр. 99
خلاف العلماء في تقدير الدم المعفو عنه
يبحث العلماء المتقدمون فيما يعفى عنه من النجاسات، ولم يعف عن شيء إلا عن قليل الدم.
وقليل الدم وكثيره اختلف العلماء في تقديره، فمنهم من يقول: قليل الدم هو ما كان في حجم الدرهم البغلي.
والدرهم البغلي كان درهماً نقدياً، صكه رجل يهودي اسمه: (البغل) ، وكان في الدولة العباسية، وكان يصك الدراهم للخلفاء العباسيين، خاصة للمناسبات.
وبعضهم يقول: هو بقدر ما يرى في ذراع أو في ساق الحمار أو البغل من الداخل على هيئة دائرة سوداء تعادل الريال السعودي تقريباً، وهناك من أبعد في ذلك وقال: كربع الثوب ولكن هذه مجازفة كما يقول أصحابه.
وجاء في الموطأ عند مالك ﵀ في باب الرعاف أن ابن عمر ﵄ كان ربما رعف في الصلاة بدم قليل، فيفتله بين أصابعه ويمضي في صلاته، وربما فقأ البثرة في وجهه -أي حب الشباب- فتخرج القطرة والقطرتان، فيمسحها بأصابعه ولا يغسلها.
وجاء عن سعيد بن المسيب أنه رعف في الصلاة فاستلقى على ظهره لكثرته، ثم خرج فغسل عنه الدم.
وجمهور علماء المسلمين يقولون: إن الدم نجس، ويعفى عن قليله، ولكن لماذا لا يعفى عن قليل النجاسات الأخرى؟! قالوا: لأن بقية النجاسات الأخرى يمكن الاحتراز عنها، وقد جاء في حديث صاحبي القبرين: (كان لا يتنزه من البول) ، أما الدم فقالوا: الإنسان عبارة عن قربة دم، وفي كل موضع من جسمه يوجد دم، فمن الصعب أن يتحفظ الإنسان من دمه، وقاسوا عليه دم غيره.
ومجموع هذه الأحاديث تابع للتدليل على نجاسة الدم، وبعد أن نمر عليها سنعود إلى قول من يقول بطهارة الدم بعد أربعة عشر قرناً، ونبين وجهة نظره والرد عليه.
قوله: [وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄] هي من أقارب بيت النبوة، فسألت النبي ﷺ عن دم الحيض.
وقولها: (دم الحيض يصيب الثوب) مثل الثوب الفراش، وكل شيء يمسه.
стр. 100
كتاب الطهارة - باب الوضوء [١]
لقد شرع الله سبحانه الفرائض، وجعل لكل فريضة مقدمة قد تكون شرطاً في صحتها، ومن هذه الفرائض الصلاة، إذ شرعها الله في سائر الأديان السماوية، وشرطها الوضوء الذي هو الطهارة والنظافة، وقد شرعه الله سبحانه في الكتاب والسنة، وأجمع العلماء على فرضيته، وأنه لا صلاة لمن لا وضوء له.
стр. 101
أحكام السواك
стр. 102
استحباب السواك للصائم
مباحث السواك طويلة، فقوله: (مع كل وضوء) وإخبار عائشة ﵂ بأن أول ما كان يبدأ به عند دخوله البيت السواك يدلان على عدم ترديد السواك بوقت، فإذا قلنا: أن الوضوء كان لكل صلاة فيتكرر خمس مرات، وأما دخوله ﷺ البيت فليس هناك تحديد لوقته.
ومن هنا أخذ الجمهور أن السواك مندوب للصائم، وأن الصوم لا يمنع السواك؛ لأنه عند كل وضوء، والوضوء قطعاً كان خمس مرات؛ لأنه ما جمعت الصلوات بوضوء واحد إلا عام الفتح، وعام الفتح سنة ثمان، ولم يخالف في هذا إلا الشافعي ﵀، وذلك لوجه نظر إليه الشافعي من جانب، والجمهور نظروا إليه من جوانب أخرى: أما الجانب الذي نظر إليه الشافعي ﵀ فهو ما يأتي في كتاب الصيام في فضائل الصوم، حيث يقول ﷺ : (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) ، فيقول الشافعي ﵀: الخلوف هو ما يصعد من المعدة من الأبخرة، ولخلوها تكون هناك رائحة هي الخلوف، وهذه الرائحة تستقذر عند الناس جميعاً، فهذا الخلوف المستقذر عند الناس هو عند الله أطيب من ريح المسك، فيقول الشافعي ﵀: ما دام الأمر كذلك اتركه.
والجمهور يقولون: ما دامت مهمة السواك مطهرة للفم من هذا الخلوف وأمثاله فإنه يستعمل؛ لأنه يتغير فمه إذا قام من النوم، وإذا طال صمته عن الكلام، وإذا أكل شيئاً له رائحة، ثم إنه مرضاة للرب.
ويدل على ذلك عموم الأحاديث في السواك، كقوله: (عند كل وضوء) ، و (مع كل صلاة) ، واستياكه ﷺ إذا دخل البيت، وجاء في مجمع الزوائد أن عثمان رضي الله تعالى عنه -أو غيره- لما سئل عن السواك بعد الزوال قال: (لم يأمرنا الله أن ننتن أفواهنا) .
وجاء في الأثر: (الفم طريق القرآن -أو مجرى القرآن- فطيبوا مجاريه) ، وجاء: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان) ، وأن الإنسان إذا قرأ القرآن جاء الملك ووضع فاه عند فيه يتلقى القرآن، فيتأذى إذا وجد خلوفاً أو رائحة غير طيبة.
وقال الجمهور: استعمال السواك عند الوضوء لا يقطع الخلوف؛ لأن الخلوف ليس من بقايا الطعام بين الأسنان، فهذا يذهب في أول مرة، ولكنه الأبخرة المتصاعدة من المعدة إلى الفم، ففي كل لحظة يتنفس فيها يأتي الخلوف، فإذا استعمل السواك لصلاة الظهر فبعد لحظات يجيء الخلوف، وإذا استعمل السواك لصلاة العصر فبعد لحظات يجيء الخلوف، ويبقى ريح المسك، ويجمع بين الحسنيين.
وبالله التوفيق.
стр. 103
لفظ (الأمة) والمعاني الواردة فيه
قوله: (لولا أن أشق على أمتي) يقولون: (الأمة) تطلق على عدة معان، منها الجماعة، ومنها الراية، ومنها الشخص القدوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] ، وتطلق على الراية لأنها الأم والكل يتبعها، وتطلق على المدة من الزمن لأنها مجموعة، وتطلق على الجماعات التي يجمعها وصف عام أو ترتبط بمبدأ، فيقال مثلاً: أمة العلماء، أمة الصناع، أمة التجار، وهكذا في المخلوقات الأخرى، فذوات الجناح أمة، وذوات الأربع أمة، والأمة الإسلامية هي أمة نبينا محمد ﷺ .
وفي اصطلاح العلماء الأمة قسمان: أمة دعوة تشملها الرسالة المحمدية، فمن آمن ومن لم يؤمن مدعو بها.
وأمة الإجابة التي استجابت لله وللرسول، فقوله هنا: (لولا أن أشق على أمتي) هل يشمل الأمة بكاملها -أي: أمة الدعوة- أم أنه قاصر على أمة الإجابة؟ الجمهور على أنها أمة الإجابة؛ لأنها محل الأمر والنهي.
وأما أمة الدعوة فقالوا: هي داخلة في الأوامر والنواهي، ولكن لا يقبل منها شيء حتى تدخل في أمة الإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] ، فقوله: (أمتي) يحمل على أمة الإجابة، وهي محل الشفقة ورفع المشقة.
قوله: (لأمرتهم) ، الأمر -كما يقولون-: هو ما صدر من أعلى إلى أدنى، وإذا كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء، كقول المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة:٢٨٦] ؛ فإن (واعف) صفة أمر، لكنه موجه من الأدنى إلى الأعلى، فهو دعاء وطلب العفو من الله .
وإذا كان من المساوي فهو التماس.
стр. 104
المراد بالسواك فعلاً وآلة
السواك قيل: هو الفعل.
وقيل: هو الآلة التي يستاك بها، أما الفعل فإنهم يقولون: إنه يستحسن أن يسوك أسنانه عرضاً، فيبدأ بالأيمن فالأيسر، وقيل: بالأعلى إلى غير ذلك من الصور، وكيفما كان فقد حصل المقصود، أما الآلة فإنهم يقولون: بأي عود كان، لكن يستثنى من ذلك الريحان والقصب؛ لأنه يؤثر على اللثة ويجرحها، ويستحبون عود الأراك لأنه أكثر استعمالاً، وكيفما كان أجزأ، بل إنه -كما عند الشافعية- لو لم يجد عوداً وأخذ خرقة خشنة كصوف ونحوه ولفه على إصبعه ودلك به أسنانه أجزأ ذلك، وإذا لم يجد الخرقة ودلك بإصبعه جاء، كما جاء في الحديث: (يشوص أسنانه بإصبعه) .
فعلى هذا يكون السواك من حيث الآلة إنما هو أي شيء يستعمله الإنسان، وكأني بإنسان يريد أن يسأل عن الفرشاة أهي داخلة في هذا المعنى أم لا؟ والجواب: إذا نظرنا إلى الغرض من استعمال السواك، وهو كما في الحديث: (مطهرة للفم مرضاة للرب) فأي شيء طهر الفم فإنه يؤدي المهمة، ولكن ما كان عليه السلف فهو أولى وأصح طبياً.
وأحب أن أحذر من استعمال الفرشاة، فإن لها أنواعاً من النايلون وأنواعاً من الشعر، والتي من النايلون إذا كان النايلون فيها صلباً فإنه يجرح اللثة، وبعض الأشخاص يخطئ فيغسلها بالماء الحار، والماء الحار يقلص هذا النايلون فيعود على اللثة بالجراح، أو يفقد الصلاحية، بل يغسلها بالماء البارد حتى لا يؤثر على شعيراتها.
أما عود الأراك فإنه قد اتفق طبياً الآن بأن في قشره ما يسمى عندهم: (حمض التنّيك) فهذا الحمض من طبيعته أنه يقلص اللحم، فإذا ما جاء إلى اللثة يجعلها تتقلص وتعتصر فتخرج الرطوبة منها، خاصة إذا كان جديداً، والكل يجرب هذا، فإذا أخذ عوداً من الأراك جديداً وقضمه بأسنانه فإن ما يتحلل من القشرة في فمه ويصل إلى اللثة يجعل اللثة تتقوى بإخراج الرطوبات الموجودة فيها.
ووجدت في كتاب (القرى لقاصد أم القرى) ، وفي (تهذيب الآثار) للطبري بأن من فوائد عود الأراك أنه لو طبخ وشربته المرأة قرب مجيء الدورة الشهرية يوقفها، وكان النساء يستعملنه في الحج مخافة مجيء الدورة قبل طواف الإفاضة فتحبس أصحابها، وفعله جملة من النسوة برفقة عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
стр. 105
حكم السواك
قال (لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) وفي رواية: (عند كل صلاة) .
الرواية عندنا هنا: (مع كل وضوء) ، يقولون: كان الوضوء في السابق لكل صلاة أحدث أم لم يحدث، إلى أن طاف النبي ﷺ بالكعبة عام الفتح، فصلى عدة صلوات بوضوء واحد، فسأله عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: (يا رسول الله! رأيتك تفعل شيئاً ما كنت تفعله من قبل، قال: عمداً فعلته يا عمر) أي أنه جمع عدة صلوات بوضوء واحد، وأصبح الأمر كما في الحديث: (لا يقبل الله صلاة من أحدث إلا بوضوء) ، وأصبح الوضوء لمن أحدث، أما إذا توضأ وبقي على وضوئه ولم يحدث ناقض للوضوء فإنه يصلي بالوضوء الواحد عدة صلوات.
فكان في السابق كل صلاة لها وضوء، فيبقى قوله: (مع كل وضوء) و (مع كل صلاة) متلازمان، وينبه بعض العلماء أن ظاهر هذا النص أن الشخص لو توضأ للطواف، أو توضأ لقراءة القرآن، أو توضأ لذكر الله، أو توضأ لنافلة وهو متطهر يشمله هذا الحديث: (مع كل وضوء) .
فالسواك مطلوب مع كل وضوء، سواءٌ أكان هذا الوضوء لصلاة أم لذكر.
فهذا ما يدل عليه هذا الحديث، والجمهور على أن السواك سنة في الوضوء، وذهب بعض العلماء -من غير الأئمة الأربعة- فقال: هو واجب.
وقيل: واجب في ذاته، وقيل: واجب في الوضوء وشرط في صحة الصلاة، فمن لم يستعمل السواك عند الوضوء لا تصح صلاته، وهذا -كما قالوا- شاذ وغريب، ولكنه مع ظاهر النص.
والجمهور على أن السواك مندوب إليه لهذا الحديث؛ فإنه لولا المشقة لأوجبه ﷺ عليهم، فإذا انتهى الوجوب لوجود المشقة بقي الندب، والله تعالى أعلم.
стр. 106
سماحة الشريعة الإسلامية
المؤلف هنا ﵀ بدأ الوضوء بأمر غريب، ألا وهو أمر السواك، وهل السواك نظافة أيضاً أم عبادة؟ وهل هو سنة مستقلة، أم من سنن الوضوء؟ وكيف يكون السواك ومتى ولماذا؟ وما هي فضائله؟ وما هي آلته؟ هذه كلها أبحاث مستوفاة في كتب الحديث، وأوسع ما وجدت إلى الآن في ذلك مؤلف لـ ابن دقيق العيد، وهو كتاب: (الإمام شرح الإلمام) ، وهو مخطوط إلى الآن.
والسواك يطلق على المصدر العملي، وعلى الآلة التي يستعمل بها، والحديث هنا يحتمل المعنى المصدري العملي أكثر من اسم الآلة، فالمعنى: لأمرتهم بأن يسوكوا أفواههم؛ لأن الغرض في الوضوء هو أثر السواك في الفم، وجاءت أحاديث بعض العلماء فهم منها أنه للنظافة؛ لأن من أوقاته: عند القيام من النوم، وعند الوضوء، وعند القيام للصلاة، وعند طول الصمت، وعند شدة الجوع، وعند كثرة الكلام، فهذه أوقات يذكرون استحباب استعمال السواك عندها.
وجاءت النصوص في الندب إلى السواك، سواءٌ مع الوضوء أم مع الصلاة أم مطلقاً عن هذه الأوقات، فجاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت: ماذا كان يبدأ به ﷺ إذا دخل البيت؟ قالت: (كان أول ما يبدأ به السواك) ، وليس هناك وضوء ولا صلاة.
وأما الحديث هنا: (لولا أن أشق على أمتي) فإن (لولا) حرف امتناع لوجود، فيمتنع جوابها لوجود مانعه، تقول: لولا وجود زيد لهلك عمرو، فامتنع هلاك عمرو لوجود زيد، وكذلك قوله: (ولولا أن أشق لأمرت) ، فامتنع الأمر لوجود المشقة، وكونه لم يحصل الأمر لم يلغ السواك، فالذي لم يحصل هو الإيجاب الذي يترتب عليه حصول المشقة، فبقي ما بعد المشقة وبعد الوجوب، وهو الندب، وكأن الحديث في عمومه يقول: السواك مطلوب، ولولا المشقة لأوجبته عليكم، فقال: (لولا أن أشق) ، فأسند فعل المشقة إلى نفسه ﷺ ، وهل هو الذي يأتي بالأحكام من عنده، فيشق على الناس أو يخفف؟ قالوا: نعم، له حق التشريع مستقلاً، وهو كما وصفه سبحانه بقوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] .
ومن الأمثلة في تشريعه ﷺ مع كتاب الله: حينما بين المحرمات في النكاح فقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] فأضاف إليه ﷺ فقال: (لا تنكح المرأة مع عمتها ولا مع خالتها) ، فالقرآن ما جاء بهذا، ولكن جاء به ﷺ .
ولذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] فالله أعطاه حق التشريع، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وسواء أتانا به من عند الله أو أتانا به من عنده فقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] ، فقوله: (لولا أن أشق) أي: بما أعطاه الله، سواءٌ أكان وحياً مكتوباً أم وحياً إلهاماً.
يقولون: أصل المشقة من (الشق) ، فعندما تمشي في أرض مشققة يصعب عليك أن تتفادى الخطأ فيها من كثرة شقوقها، فإذا ما كانت ملتئمة سهل المشي عليها، فكذلك المشقة، فكأنك تجاهد تلك الشقوق في الأرض حينما تسير عليها، والمشقة هي ما يصعب على الإنسان، ولهذا يقول الشاعر: لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال وأعظم مناقب العرب ومفاخرهم في الكرم والشجاعة، وكلا الأمرين فيه مشقة؛ لأن الجواد فقير، كما قيل: لا تنكري عطل الكريم من الغنى فالسيل حرب للمكان العالي فالكرماء لا يبقى عندهم شيء؛ لأن ما بيده لغيره، والإقدام قتال، فإذا أقدم في الجيش بالشجاعة قتل، وكلاهما فيه مشقة.
وهو صلوات الله وسلامه عليه في منهجه في التشريع ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما؛ لأن هذه الشريعة السمحة ما جاءت مؤقتة لنتحملها وقتاً قليلاً ونصبر عليها، وإنما جاءت أبدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإذا كان الأمر كذلك فلما قيل: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع.
ومن هنا -كما قال الفقهاء-: كانت (المشقة تجلب التيسير) ، فكل ما سمعت أو رأيت من مشقة في تكليف شرعي تجد بجانبها الرخصة والتخفيف.
ففي الوضوء إذا شق على إنسان استعمال الماء خفف عنه واستعمل التيمم، وإذا شق على إنسان القيام في الصلاة خفف عنه وجلس، والصيام إذا شق على إنسان مريض أو مسافر خفف عنه، كما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ، وهكذا الحج على المستطيع، والجهاد، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] .
فلعدم وجود الأمر صار السواك مندوباً، ولو أمر ﷺ لكان واجباً، ومن هنا يقول العلماء: الأمر يقتضي الوجوب؛ فإنه بين هنا أنه لولا المشقة لأمر، إذن الأمر يقتضي الفعل ولو جلب المشقة، لكنه لم يأمر دفعاً للمشقة، فبقي على الندب.
стр. 107
الوضوء من سنن المرسلين
يتفق العلماء على آية الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] إلى آخرها مدنية نزلت بالمدينة، ولكنهم يقولون: الصلاة شرعت بمكة، وما صلى رسول الله ﷺ صلاة بغير وضوء، فقالوا: كان الوضوء مشروعاً قبل نزول الآية، وكان على الندب، فجاءت الآية وأوجبته، فبعد أن كان مندوباً صار واجباً.
وبعضهم يقول: كان مشروعاً زمن إبراهيم ﵊، وكان صلوات الله وسلامه عليه يتوضأ بمكة على شرع من قبلنا، وثبت وضوؤه صلوات الله وسلامه عليه بمكة في الحديث الذي فيه أن فاطمة ابنته رضوان الله تعالى عليها دخلت على النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا ابنتي؟ قالت: سمعت أنهم يتآمرون عليك ليقتلوك، قال: أوفعلوا؟! ائتيني بوضوئي -أي: بالماء الذي يتوضأ به- فتوضأ وصلى ودعا الله عليهم.
فهذا إثبات للوضوء قبل المدينة.
ويقول بعض العلماء: إن جبريل ﵇ صبيحة ليلة الإسراء والمعراج -لما فرضت الصلوات على النبي ﷺ ، ونزل من صبيحتها لصلاة الظهر، وهي أول صلاة أقيمت بعد الإسراء- علّم رسول الله ﷺ الوضوء، فتوضأ بتعليم جبريل وصلى.
ويهمنا أن مشروعية الإيجاب كانت بالمدينة، وأن عملية الوضوء كانت في مكة، وقد جاء عنه ﷺ ما يبين أن الوضوء كان في الأمم الماضية، وذلك حينما توضأ فغسل أعضاء الوضوء مرة مرة، فغسل وجهه مرة واحدة، ويديه مرة واحدة، ومسح رأسه وغسل قدميه مرة واحدة، وقال: (هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة بدونه) ، ثم توضأ فغسل الوجه مرتين، واليدين مرتين، ومسح مرة -لأن المسح لا يكرر على ما سيأتي- ثم غسل القدمين مرتين، ثم قال: (وهذا وضوء من كان قبلنا) ، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: (وهذا وضوئي ووضوء أمتي) ، فأخذوا من هذا أن الوضوء مشروع من قبل.
ويمكن القول بأن جميع أركان الإسلام كانت موجودة من قبل، فقد قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ، وقال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم:٣١] ، وقال تعالى لإبراهيم: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] ، فوجدنا أن الصلاة سابقة.
وفي الصيام يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] ، وفي الحج يقول تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ [الحج:٢٧] ، وهذا النداء لإبراهيم.
ثم يصرح صلوات الله وسلامه عليه فيقول: (كأني بموسى بن عمران على جمل أورق رحاله الليف يجأر إلى الله بالروحاء بالتلبية) .
ومالك يروي أمراً غريباً لم نعرف سره، فعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه نزل من منى إلى مكة، فمر بواد يقال له: وادي سرر، وبه سرحة -شجرة كبيرة-، وعندها رجل يعرفه جالس عندها، فقال: ما الذي أنزلك هنا؟ قال الرجل: أستظل.
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بوادي سرر سرحة سُرّ تحتها سبعون نبياً) ، وبعض العلماء يقول: (سُرّ) معناه: قطع حبل سرته، وولد هناك، فما الذي جمّعهم، وفي أي زمن؟ الله أعلم.
وبعضهم يقول: (سُرّ) بمعنى السرور، أي: جاءته النبوة تحت هذه الشجرة، فحصل له السرور بذلك.
والله تعالى أعلم، وهذا الأثر موجود، والشراح حاروا في فهمه أو كنهه، والذي يهمنا قوله: (سبعون نبياً) .
كذلك الزكاة، فهي أخت الصلاة.
ونقرأ في قصص القرآن قصة أصحاب الجنتين حيث قال تعالى عنهم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم:١٧-١٩] .
وفي الحديث قصة صاحب السحابة مع الرجل الذي كان يمشي في فلاة من الأرض، فسمع صوتاً في السحاب: اسق حديقة فلان.
فإذا به يمشي في ظل تلك السحابة إلى أن جاءت إلى أرض حرة صلبة وأمطرت، وتجمع الماء في شرجة، فتبعه فإذا به يجد رجلاً يحول الماء في أحواض له، فقال: سلام الله عليك يا فلان.
فنظر إليه وقال: كيف عرفتني وأنت لست من أهل هذه البلدة؟ فمن أين جئت؟ قال: جئت من كذا.
قال: ما الذي أعلمك باسمي؟ قال: أخبرني أولاً ماذا تصنع في مزرعتك؟ قال: حتى تخبرني.
فأخبره فقال: إن يكن فإني إذا حصدتها قسمت الغلة ثلاثة أقسام، قسم لي ولعيالي، وقسم أرده فيها، وقسم أتصدق به.
وقضية النفر الثلاثة الذين ابتلاهم الله ، وهم الأقرع والأعمى والأبرص دليل على أن الزكاة كانت مشروعة فيمن قبلنا، فالزكاة موجودة، والحج موجود، والصيام موجود، والصلاة موجودة، والوضوء كان موجوداً.
وهناك حديث: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي، قال: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) .
قالوا: وكذلك قضية الراهب الذي اتهمته امرأة، فمكنت راعياً منها فحملت، ثم ألقت هذا الحمل عند صومعة الراهب، وتعرفون قصته لما جاءته أمه تناديه كان يقول: يا رب! أمي وصلاتي.
فلم يجبها حتى أنهى الصلاة، وفي ثلاثة أيام تأتيه وهو في الصلاة، ولا يرد عليها من أجل أنه في الصلاة، فقالت: لا أماتك الله حتى ترى وجوه المومسات، فوقع ذلك، فلما اتهموه بالزنا وهدموا صومعته قال: أمهلوني.
فتوضأ وصلى ركعتين، وسأل الله أن يبرئه، ثم جاء ونخس الطفل بإصبعه وقال له: من أبوك؟ قال: الراعي فلان، فرجعوا وتأسفوا وقالوا: نبنيها لك من ذهب وفضة، قال: لا، ردوها كما كانت.
والذي يهمنا ما ذكره العلماء من أن الوضوء كان مشروعاً في الأمم الماضية كما هو مشروع عندنا.
стр. 108
الوضوء عبادة شرعية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء) أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقاً.
] .
بعدما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أحكام المياه، ثم أحكام الآنية التي نحفظ فيها المياه، ثم جاءنا ببيان أنواع النجاسات، وما ينبغي إزالته عن الثوب والبدن والمكان من أجل الصلاة انتقل بعد ذلك إلى الوضوء.
والوضوء أتى به قبل أن يدخل في كتاب الصلاة؛ لأنه جزء من الطهارة كما سيأتي بعد ذلك بتتمة مباحث الطهارة من الغسل وموجباته والتيمم.
والوضوء شرط بإجماع المسلمين لصحة الصلاة، ولا تصح الصلاة بغير وضوء، كما بيّن ﷺ ذلك بقوله: (لا يقبل الله صلاة من أحدث بغير وضوء) .
والوضوء يأتي بالضم (وُضوء) ، وبالفتح (وَضوء) ، قيل: بالضم هو المصدر، وبالفتح هو الماء الذي يتوضأ به، وقيل بالعكس، مثل: (سَحور) و (سُحور) ، وبعضهم يقول: كل منهما ينوب مناب الآخر، ويقولون: الأصل في الوضوء في اللغة أنه مشتق من الوضاءة، والوضاءة: بهاء الوجه ونضرته، والأصل فيه النظافة، ولكن في الشرع هل الوضوء نظافة أم الوضوء عبادة؟ فكونه عبادة يتوقف على النية، أي: لا يصح الوضوء إلا بنية، وكونه نظافة فالنظافة لا تحتاج إلى نية، كما أن إزالة النجاسات لا تتوقف على النية، ولكن تنتهي بإزالتها.
والذي يدل على أن الوضوء عبادة قياس الفقهاء، والنص القرآني الكريم: أما قياس الفقهاء فيقولون -كما قال ابن رشد في بداية المجتهد-: هذا العمل تعبدي.
أي: لا يدرك السر ولا الحكمة في تشريعه؛ لأنه -كما يقال-: (مُوجِبُهُ في غير مُوجَبِهِ) ، وهذه قاعدة فقهية عندهم، بمعنى أن الذي أوجب الوضوء ليس داخلاً في أعضاء الوضوء، بمعنى أن الإنسان تخرج منه الريح، فيجب عليه الوضوء بسبب خروج الريح، فإذا أراد أن يتوضأ فإن مخرج الريح ليس داخلاً في أعضاء الوضوء، فلو كان معقول المعنى لكان سببه يدخل في فعله، فلما وجدنا الأمر كذلك حكمنا بأنه أمر تعبدي.
الشيء الثاني: ما جاء في الحديث النبوي الشريف مما يؤكد معنى الوضاءة ومعنى التعبد، وأن الوضوء وضاءة حساً ومعنى، أي: نظافة ظاهراً وباطناً، فقد جاء في الحديث عنه ﷺ : (إن العبد إذا توضأ فمضمض واستنثر خرجت ذنوبه من فِيه ومن أنفه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل وجهه خرجت ذنوبه من وجهه مع الماء أو مع آخر قطر الماء ... ) إلخ، وهكذا اليدان والقدمان.
وأمور النظافة ليست لها علاقة بتكفير الذنوب.
كما أنه قد ينفرد الوضوء عن النظافة، فلو أن إنساناً دخل الحمام واتخذ كل وسائل النظافة، وعندما أراد أن يتنشف مس فرجه، فإن عليه أن يتوضأ، مع أنه في غاية ما يكون من النظافة والوضاءة حساً.
فالوضوء عبادة، وعليه فتشترط فيه النية، وكذلك الغسل، وإن كان عند الأحناف مناقشة في ذلك، حيث يشترطون النية في التيمم ولا يشترطونها في الوضوء والغسل، ويقولون في التيمم: إنه أمر تعبدي، فلا ندري الكنه ولا الغرض من كون الإنسان يعفّر وجهه ويديه بالتراب، فإذا عقلنا الحكمة في الوضوء وفي الغسل لم نعقل حكمة تعفير الوجه بالتراب، فيشترطون النية في التيمم، ولا يشترطونها في الغسل.
فالوضوء أمر تبعدي، وهو عبادة.
стр. 109
كتاب الطهارة - باب الوضوء [٢]
لقد أمرنا الله في محكم كتابه بالوضوء إذا قمنا إلى الصلاة، وذكر لنا أعضاء الوضوء جميعها على سبيل الإجمال، وجاءت السنة مبينة لكيفية هذا الوضوء، وما هو حده في الأعضاء، وما هو الركن منها والواجب والمسنون، وجاء حديث عثمان بن عفان ﵁ في صفة الوضوء جامعاً جل هذه المسائل من خلال التطبيق العملي للوضوء أمام الصحابة والتابعين.
стр. 110
مشروعية الوضوء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحم الله: [وعن حمران (أن عثمان دعا بوضوء، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا) .
متفق عليه] .
أصل مشروعية الوضوء الكتاب والسنة والإجماع، فجاء في الكتاب في قوله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ، وهكذا جاء القرآن بالأمر بغسل هذه الأعضاء الأربعة، ولكن سنجد في صفة الوضوء عن رسول الله ﷺ في الصور والكيفيات ما هو زائد عن كتاب الله، فالزائد عن كتاب الله نسميه سنة، والسنة من الوحي، كما جاء عن السيوطي أنه قال: الوحي وحيان: وحي أمرنا بكتابته، وتعبدنا بتلاوته الحرف بعشر حسنات، ووحي لم نؤمر بكتابته، ولم نتعبد بتلاوته، ألا وهو سنة النبي ﷺ .
واستدل بقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] .
فما يأتينا عن رسول الله ﷺ سواءٌ في الوضوء أم في الصلاة فإنه وحي، ويجب العمل به على مراتبه، ولا يحق لأحد أياً كان أن يزيد أو أن ينقص، وليس لإنسان أن يرد سنة جاءت عن رسول الله ﷺ ويقول: لم نجد هذا في كتاب الله! بل كل ما جاء به رسول الله ﷺ وثبتت الرواية عنه به فهو في كتاب الله، أو فهو من كتاب الله، كما جاء عن عبد الله بن مسعود أنه كان في المسجد وحدث، فمما جاء في حديثه تلك الليلة قوله: (لعن الله في كتابه الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة) ، فمرت امرأة ووقفت فسمعت هذا وذهبت، ثم جاءت ووقفت عليه في حلقته وقالت: لقد قرأت القرآن من دفته إلى دفته فلم أجد ما قلت فيه! فاحتجت عليه بالقرآن، فقال: لو كنت قرأتيه لوجدتيه، فلم ينف عنها القراءة، لكن أخبرها أنها لو قرأته بإمعان وتأملت كل ما فيه لوجدت ذلك، ثم قال لها: ألم تقرأي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] ؟ قالت: بلى.
قال: هذا مما أتانا به رسول الله ﷺ .
وقام الشافعي ﵀ في مكة وقال: ايا أهل مكة! أنا من الراسخين في العلم -وهذه دعوه كبيرة والله- سلوني عمَّا شئتم أجبكم عنه من كتاب الله فقام رجل -وكما يقال: لا يفل الحديد إلا الحديد- فقال: أخبرنا عن المحرم يقتل الزنبور ماذا عليه في كتاب الله؟ -الزنبور: الدبور مثل النحلة، ويلسع أشد منها- فقال: نعم.
يقول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] ، وقد قال ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) -فالقرآن أحاله على رسول الله والرسول أحاله على سنة الخلفاء الراشدين- ثم قال: وحدثني فلان عن فلان -وذكر السند- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن المحرم يقتل الزنبور ماذا عليه؟ قال: لا شيء.
فلا شيء عليه في كتاب الله.
وإنما أتيت بهذه المقدمة لأن هناك أموراً تعبدية ليس لنا فيها طريق إلا ما صح عن رسول الله ﷺ ، نعم هي مراتب من الندب إلى الإيجاب، فما جاءنا لا ينبغي لعاقل مسلم أن يتردد في مشروعيته وإن اختلف الناس في مرتبته من الوجوب إلى الندب إلى الاستحباب فنبدأ هنا بهذا الحديث، ولعله أجمع الأحاديث في فروض الوضوء.
следующие страницы →