← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الحكم بغير ما أنزل الله تكلم الشيخ حفظه الله عن الحكم بغير ما أنزل الله من المنطلق التاريخي، مبيناً أن بداية البشرية كانت على التوحيد، وظلت عشرة قرون حتى بدأ الخلاف وظهر الشرك، فانقسم الناس إلى قسمين: مؤمنين ومشركين، وأول ما بدأ الحكم بغير ما أنزل الله عن طريق العمل بالأعراف، ثم ظهرت بعض القوانين المكتوبة كقانون حمورابي أو القانون الروماني ثم قامت الثورة الفرنسية، وظهرت خلال ذلك الدساتير المكتوبة. ومع سقوط الخلافة العثمانية بدأت الدول الإسلامية بالاقتداء بالغرب، وهكذا دخلت الدساتير أكثر البلاد الإسلامية. ثم تحدث الشيخ حفظه الله عن موضوع الحكم بما أنزل الله، مبيناً أهميته، ثم ذكر كلاماً للشيخ الشنقيطي ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [الشورى:١٠]، وذكر الآيات التي تدل على صفات من يستحق الحكم، وأن هذه الصفات كلها خاصة بالله ، وعلى هذا فلا يحق أن يحكم خلق الله إلا وفق شرع الله.

стр. 2

مراحل التشريع على وجه الأرض نبدأ باستعرض تاريخ الحكم بغير ما أنزل الله، ونشأته في الجماعة الإنسانية منذ أن خلقها الله ﵎ إلى اليوم.

стр. 3

عشرة قرون يتحاكمون إلى شرع الله فنقول: إن آدم وذريته من بعده كانوا على التوحيد عشرة قرون، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه، فكانوا يتحاكمون إلى شرع الله، وهذه أول قضية نخالف فيها من يكتبون في تاريخ التشريع في العالم، لأنهم يزعمون أن الإنسانية تطورت وبدأت أولاً بالأعراف وأحكام شيخ القبيلة، ثم القوانين غير المكتوبة، ثم لما اكتمل التطور الذي ظهر في العصر الحديث وما قبله في العصر الروماني، ظهرت القوانين المكتوبة المدونة الآن بما يسمى الدساتير، ثم القوانين بفروعها المدني والتجاري والإداري إلى آخره، ثم اللوائح التنفيذية لها، وهذا هو الفرق بين قولنا نحن المسلمين وبين قولهم.

стр. 4

بداية الشرك والخلاف والقصد أنه لما وقع الاختلاف ووقعت الأمة في الشرك، بعث الله النبيين، وأرسل الرسل، وأنزل الكتاب، والكتاب هنا اسم جنس، والمقصود به جنس الكتب، وأنزل الله تعالى الكتب لتحكم بين الناس فيما يختلفون فيه، فلم يترك الله ﵎ الإنسانية هملاً، ولم يترك الجماعة البشرية بلا كتاب ولا شريعة تنظم حياتهم، فلا يزعم زاعم أن الكتب السماوية إنما نزلت لتنظيم ما يسمونه بالجانب الروحي فقط، وتركت للناس الاحتكام إلى الطواغيت أو الأهواء أو الشرائع الوضعية عامة.

стр. 5

انقسام تاريخ الإنسانية إلى خطين انقسم تاريخ الإنسانية إلى خطين: الأول: أصحاب اليمين: وهؤلاء موجودون على مدار التاريخ وهم يحتكمون إلى شرع الله. الثاني: المنحرفون المشركون التاركون لدين الله ولشرعه، الذين يحتكمون إلى الطواغيت على اختلاف أنواعها كما سنذكر. أما أصحاب اليمين فهؤلاء كانوا كما في القرآن والسنة على نوعين: النوع الأول: الأنبياء والرسل، وهذا واضح جداً ولا تخفى الأمثلة على ذلك، مثل: داود وسليمان: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩] وهكذا بقية الرسل، ولهذا قال الله تعالى عن التوراة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة:٤٤]. فكان النبيون يحكمون -عموماً- في جميع مراحل التاريخ، حيثما وجد النبي فإنه يحكم بين المؤمنين وبين أتباعه فيما يشجر بينهم، ثم منهم من تقام له دولة كبيرة كما كان لسليمان ﵇، ومنهم من يكون أقل، فالمقصود أن أتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يحتكمون إلى الرسل، وكما صح أيضاً عن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي﴾. النوع الثاني: الملوك العادلون الذين يحكمون بين الناس بما أنزل الله ويتبعون شرعه، وإن لم يكونوا أنبياء، وهذا كثير في التاريخ أن ملوكاً آمنوا بدين الله، واتبعوا هديه، وورثوا شريعة من شرائعه، أو بعث فيهم نبي من أنبيائه فآمنوا به أمثال طالوت فقد كان ملكاً، وكان الأنبياء في عهده يخبرونه بحكم الله، وكذلك ذي القرنين من أعظم ملوك الدنيا الذي ذكره الله ﵎ في القرآن -وهو غير ذي القرنين الذين يسمونه المقدوني الوثني اليوناني، فذاك على الإيمان والتوحيد كما ذكر الله ﵎، وهذا مشرك ملحد- ثم جاء من بعدهم الكثير.

стр. 6

كيف نشأ الحكم بغير ما أنزل الله أما النموذج الثاني الذي هو موضوع حديثنا، وهو كيف نشأت القوانين الوضعية، وكيف نشأ الحكم بغير ما أنزل الله حتى أصبح الناس يتحاكمون إلى شرع غير شرع الله؟ فأما كيف وجدت هذه الشرائع فبحسب ترتيبها.

стр. 7

الاحتكام إلى الأعراف أول ما وجد عند الناس من الانحراف هو الاحتكام إلى الأعراف والعادات والتقاليد وشيوخ القبائل والملوك المتسلطين المتألهين، فلم تكن القوانين مكتوبة. فالمرحلة الأولى من مراحل الانحراف لم تكن القوانين مكتوبة، فلم يضاهوا فيها شرع الله، وهذه المرحلة موجودة في كثير من الأمم البدائية، وما تزال إلى هذه اللحظة عند الأمم البدائية التي لم تعرف الكتابة، فيحتكمون إلى هذه الأعراف والتقاليد والأوضاع المألوفة كما في البوادي، حتى في البلاد الإسلامية وجزيرة العرب.

стр. 8

بداية تدوين القانون ومع ذلك فإن التاريخ القديم قد سجل لنا بعض الأحكام التي وجدت والتي ربما نقشت أو كتبت، ومن أشهرها قوانين الملك الآشوري القديم حمورابي، والتي يعتبرها القانونيون أساساً للتشريع الحديث، وأن هذا الرجل من تجديداته وإبداعاته أنه وضع شرائع، فالرجل إذا قتل رجلاً أو سرق ثوراً فله حكم كذا وكذا من العقوبة، ويجعلون هذا عصراً جديداً للتقنين ولمعرفة الأحكام، بينما نحن نعتقد أن هذه القوانين -على ضئلتها وقلتها- ما كان فيها من خير وحق فإنه يحتمل أن يكون أُخِذها عن شريعة نبي لم يذكر، وإما من بقايا كتب ورسالات أنزلها الله ، وإما أن يكون اجتهاداً ووافق بعض الصواب، ثم جاء بالباقي من عند نفسه كأي طاغوت من الطواغيت يضع من عنده تشريعات، فنجد فيها ما يوافق الحق أحياناً اتفاقاً، وأما الباقي فهو مردود عليه، ولا يعد ذلك فتحاً ولا تجديداً، وإنما يعد انحرافاً واحتكاماً إلى الطاغوت، ولو أنهم رجعوا إلى دين الله وإلى شرعه لوجدوا خيراً كثيراً، فكل أمة أنزل الله ﵎ لها من الشرع والدين ما يكفل لها حياتها ونظامها. ثم في التاريخ الوسيط -كما يسمونه- القرون الوسطى، نجد أن أشهر من وجدت عندهم من الأمم التشريعات والقوانين المكتوبة هم الرومان، ولذلك إلى الآن يقولون: إن القانون الروماني هو أفضل وأوسع وأشمل أنواع القوانين المعروفة في القرون الوسطى، لأنهم لا يعدون شريعة الإسلام ودين الله شرعاً، ولا يعترفون به مع أنه كان يحكم الحياة جميعها، وهو تشريع مكتوب أيضاً. فالمقصود أن المرحلة الثانية هي مرحلة تدوين القوانين، وأنها أول ما ابتدأت بشكلها القريب من المعاصر في عصر الامبراطورية البيزنطية أو الامبراطورية الرومانية، وأشهر هذه القوانين قوانين الامبراطور جوستنيان الذي ظهر في أوائل القرن السابع، أو في أواخر القرن السادس الميلادي، فهو معاصر لرسول الله ﷺ تقريباً، وبلغت الامبراطورية الرومانية في عصره شأناً عظيماً، وكتبت القوانين المسماة قوانين جوستنيان. وكان دينهم في ذلك الزمان هو النصرانية؛ لأن النصرانية دخلت إلى أوروبا عام (٣٢٥م) والامبراطور الذي اعتنق النصرانية وأدخلها في بلاده هو قسطنطين، وهو الذي جمع الأساقفة واختار دين التثليث، وترك مذهب التوحيد. وأخذ هذا الدين المنحرف من المحرف الأكبر شاؤول الذي غير اسمه إلى بولس اليهودي. وهنا نعرف قضية بني إسرائيل، فعيسى ﵇ كان رسولاً إلى بني إسرائيل خاصة بنص القرآن، وكما في الأناجيل أيضاً يقول: 'إنما بعثت إلى خراف بيت إسرائيل الضالة'. ولهذا يذكرون قصة المرأة الفينيقية أو السورية التي ذكرت في الأناجيل المحرفة أنها جاءت إلى عيسى ﵇ واشتكت أن فيها روحاً شريرة، أي بها مس من الجن وقالت: يا روح الله! عالجني أو أعطني مما أعطاك الله، فقال: يا امرأة من أين أنت؟ فقالت: فينيقية، أو قالت: سورية. فقال لها: 'إنما بعثت إلى خراف بيت إسرائيل الضالة' فبكت وتضرعت، وقالت: إن لم تعطني الخير فمن أين أذهب؟ حتى آواها ورضي أن يعلمها وأن تكون من المدعوين. فالشاهد أن عيسى ﵇ أنزل الله إليه الإنجيل مكملاً لما بين يديه من التوراة، وفيه زيادة أحكام مثل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] وفيه تخفيف من الآصار والأغلال التي كانت على اليهود، وفيه تحليل بعض ما كان محرماً في شريعة التوراة، فهو كتاب مكمل في حدود بني إسرائيل، هذه القضية الأولى. والقضية الأخرى: أنه هل وصل هذا الكتاب نفسه -مع أنه لم يكن تشريعاً للعالم كله- إلى الرومان أو إلى غيرهم كما أنزله الله؟ فقد وقع التحريف والطمس والتبديل والتغيير على يد بولس وعلى يد أناس آخرين. حتى أنه مرت مراحل كثيرة كان الامبراطور يأمر بكتابة الإنجيل من جديد وحذف ما لا يكون مناسباً، فيأتي الأحبار والرهبان الكبار ويكتبون ويحرفون الكلم عن مواضعه ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] كما ذكر الله عنهم، فلم يكن الإنجيل شرعاً عاماً، وما نراه اليوم من انتشار المنصرين في جيمع أنحاء العالم وطبع الإنجيل إلى أكثر من ألف ومائتي لغة، كل ذلك خارج عن الأصل الذي بعث الله ﵎ عيسى ﵇ من أجله، حتى لو كانوا يدعون إلى الإنجيل الحقيقي، فهو لم يكن شرعاً عاماً، ولا ديناً للإنسانية عاماً هذا أولاً. والأمر الآخر أنه لم يصل إلى تلك الأمم الإنجيل الحقيقي، إذ قد حرف وبدل، ومع ما فيه من تحريف، فلا يوجد فيه من التشريعات والتنظيمات ما يكفل الحياة؛ لأن الناس إذا حرفوا شيئاً وطمسوه وبدلوه لا يمكن أن تكون فيه الديمومة والمنفعة الكاملة، وعليه فإن الأناجيل الموجودة بالجملة ليس فيها تشريعات كافية، مع العلم أن هذه الكتب أنزلت محدودة في الزمان والمكان إلى بعثة محمد ﷺ ، فعندما أنزل الله القرآن وأرسل محمداً ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ:٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] لم يعد يُعمل بكتاب غير القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، والاحتكام إنما يكون إليه فقط. ولما لم تجد الدولة النصرانية الكفاية في تسيير شئون حياتها وتلبية احتياجات الناس بسبب النقص الحاصل في التوراة، ووجدت نفسها أنها في حاجة إلى تنظيمات وإلى تشريعات، ووجدوا أن لهم أعرافاً وقوانين وأنظمة فجاء جوستنيان وأمثاله فنظموها، ثم كتب بعد ذلك عدة قوانين وانتشرت حتى سمي القانون الروماني، وهذه قصة التاريخ أو التقنين في العصور الوسطى كما يسمونها.

стр. 9

قيام الثورة الفرنسية المرحلة الثالثة: وهذه هي المعلم الفاصل في تاريخ أوروبا الذي يعتبرونه فجر العصر الحديث والإنسانية كلها، وهي الثورة الفرنسية التي قامت سنة (١٧٨٩م)، فأقامت لأول مرة في تاريخ أوروبا النصرانية مبادئ لا تستند إلى الدين في شيء، وجعلت ارتكاز الحياة والاحتكام في الحياة إلى أهواء الناس، وكان شعارهم وهم يتظاهرون ويذبحون ويسفكون الدماء: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس، أي: أنهم يقضون على الإقطاع الملكي من جهة وعلى الدين من جهة أخرى، لتقوم دولة علمانية لا تحتكم إلى الدين في شيء، كذلك نحيت التوراة والإنجيل وما فيها من أحكام، وابتدأ الناس في وضع الأحكام الوضعية والقوانين الوضعية، وأخذوا يفكرون في إنشاء دساتير.

стр. 10

طريقة الدساتير المكتوبة وبعد الثورة الفرنسية ظهر نابليون الذي اجتاح معظم أوروبا، هذا الطاغوت الكبير عندما ظهر وضع لهم القانون الأول المكتوب في أوروبا وهو المعروف بقانون " نابليون " وضعه عام (١٨٠٤ م)، وهو عبارة عن مدونة في الأحكام أغلبها يتعلق في المعاملات وما أشبه ذلك، فانقسم بعد ذلك التاريخ الأوروبي التشريعي -أي: التقنيني- على فرعين: الفرع الذي أخذ بالاتجاه الفرنسي، وهذا يضع التقنينات التفصيلية في كل شيء، وفرنسا نموذج لذلك، فهناك قانون التجارة، وقانون القضاء، ودستور البلاد. ثم القوانين الفرعية: القانون المدني، والقانون التجاري، والقانون الإداري، وكل ذلك نما مع الزمن وتطور وتتدرج إلى أن وصل إلى المرحلة التي نراها اليوم.

стр. 11

طريقة القوانين غير المكتوبة وهذا الاتجاه قابله اتجاه آخر، وهو الاتجاه الذي ساد في بريطانيا ويمثله في الدرجة الأساسية الإنجليز، وهم لا يأخذون التقنين على أنه مواد مكتوبة، وإنما أخذوا طريقة العرف المتبع أو القوانين غير المكتوبة نظام السوابق، فيأتون إلى القضاء الإنجليزي، فإذا وقعت قضية إن كان لها سابقة رجع إلى ما كان قد عمل به وحكم به الأولون، وإن كانت قضية جديدة فهذه توضع وتكون سابقة، وهكذا، فيسمى نظام السوابق، وهو نظام غير مدون على الشكل الفرنسي. والعالم الإسلامي نقل النموذجين فتجد هنالك دولاً أخذت الطريقة الفرنسية فتكتب الدستور مائة مادة أو مائتين مادة، ثم بعد ذلك تغيره، وكل أمر من أمورها ترجع فيه إلى مادة من مواد الدستور، وبعضهم جرى على الطريقة الإنجليزية -الأنجلو سكسونية- وهي طريقة الرجوع إلى الأعراف، فيقال: قد سبق أنه في عام كذا صدر مرسوم بكذا، وهكذا تدرس اللجنة القضائية القضية وتتخذ فيها حكماً، ثم يصبح سابقة، وتأتي قضية أخرى تدرسها كذلك، فيسمى نظام السوابق. ففي الولايات المتحدة الأمريكية حصل فيها دمج بين النظامين، فمن جهة الدستور فمكتوب، وهو الذي يفخر به الأمريكيون؛ لأنهم وضعوه عند قيام اتحاد الولايات الأمريكية، وفي نفس الوقت نجد أن الأنظمة في أمريكا كالقانون المدني والتجاري وما أشبه ذلك على الطريقة الإنجليزية ليس مكتوباً، وإنما هو حسب السوابق، فهذا مجمل للكيفية التي يحتكم بها هؤلاء المتحاكمون إلى الطواغيت وإلى القوانين.

стр. 12

القوانين الغربية أما كيف نشأت هذه القوانين وتسربت إلى العالم الإسلامي فنقول:

стр. 13

ظهور أول نموذج في العالم الإسلامي النموذج الوحيد الذي عرفه العالم الإسلامي من القوانين هو نموذج الياسق أو الياسا، الذي أتى به التتار، وشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية تكلم في فتواه المشهورة عن التتار، وهو أكثر من فصّل في الياسق، وما هو حاله وشأنه وتاريخه. وكذلك المقريزي في كتاب الخطط عندما تكلم عن المماليك في مصر، وأنهم كانوا يتحاكمون إلى الياسق، قال: وهذا الياسق عبارة عن كتاب وضعه جنكيز خان. والحافظ ابن كثير ﵀ ذكر ذلك باقتضاب في تفسير قول الله ﵎: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] قال: مثل ما يتحاكم به التتار إلى كتابهم الذي يسمى الياسق، وجنكيز خان من أكبر الطواغيت في العصر الوسيط أو التاريخ الإسلامي، فقد جمع القبائل الهمجية من المغول في أواسط آسيا ثم اكتسح بهم والجانب الشرقي من العالم الإسلامي بلاد ما وراء النهر، وهي بلاد عظيمة فسيحة جداً، وكان في أيام الدولة الخوارزمية، وما كان أحد يأبه لهذه القبائل، واجتاحت هذه القبائل بعد حروب دامية الجانب الشرقي من العالم الإسلامي ودمرته، ثم أتوا على بلاد السند التي تسمى الآن باكستان، وبلاد خراسان وأفغانستان، وشمال إيران ثم بلاد فارس، ثم وصل حفيده هولاكو إلى بغداد عام (٦٥٦هـ) التي كانت فيها وقعة التتار المشهورة في بغداد، وكانوا يعتقدون أنه إله، وأنه ابن الشمس، ولهذا شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في رده عليهم يقول: 'هذه شمس، نزلت إلى الخيمة، ثم حملت به أمه ودخلت الخيمة' كيف هذا؟! فهذا اعتراف منهم بأنهم لا يعرفون له أباً، فهو ابن غير شرعي -نعوذ بالله- والشاهد أن هذه العقيدة هي التي يعتقدها أكثر المجوس إلى الآن، حتى اليابانيون يعتقدون أن الامبراطور من سلالة الشمس، وهي نفس العقيدة القديمة الموجودة عند البوذيين المجوس في شرق آسيا. فقالوا إن هذا الرجل لما كان بهذه العظمة وبهذه المنزلة جمع هذه القبائل ووضع لهم تشريعات وقوانين، وكتبها كما يقول المقريزي في ألواح من الفولاذ، وجعلها شرعاً في بنيه يحتكمون إليها، وهو أقرب إلى القوانين العسكرية المعروفة الآن. لكن كما يقول ابن كثير ﵀: 'اشتمل على بعض الأحكام من المجوسية واليهودية وبعض الأحكام اقتبسها من الشريعة الإسلامية، وأحكام أخرى وضعها من عنده فجمع وغيَّر وبَدَّل كما يشاء ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] '. ولما غزا هولاكو بغداد واجتاح التتار العالم الإسلامي، حصل أن بعض التتار أسلموا لكنه كان ضعيفاً كإسلام كثير ممن يعيش في دول الغرب ليس لهم من الدين إلا الاسم، وكانت قوة الإسلام متمركزة في بلاد الشام ومصر. وهنا تأتي فتوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في التتار ذلك الحين، التي كان سببها كما ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية أن الناس اختلفوا في شأن التتار، فقال قوم: كيف نقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذه الشبهة القديمة الحديثة المتجددة، وقال قوم: يقاتلون قتال البغاة، وقال قوم: يقاتلون قتال الخوارج فاختلف الناس في أمرهم، وصارت ضجة ولم يحسم العلماء الموقف في شأنهم، فيقول الحافظ ابن كثير: فأصدر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ فتواه في شأنهم، فاجتمعت عليها الكلمة، واتفقت عليها الأمة والحمد لله، وهو أنه قال: إنهم يحتكمون إلى الياسق الذي وضعه الطاغوت جنكيز خان فلم يحكموا بشرع الله، فهذا مما يبرر قتالهم قتال الخارجين على شريعة الله تعالى ودينه، فبناءً على ذلك وفق الله تعالى المسلمين كما يقول الحافظ ابن كثير ﵀ واجتمعت كلمتهم وخرجوا ومعهم شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، لقتال التتار صفاً واحداً، وكان شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ يقاتلهم ويبشر المسلمين بالنصر، حتى كسر الله شوكة التتار وخفض أمرهم وانتصر عليهم المسلمون.

стр. 14

بداية دخول القوانين الوضعية وجاءت بعد ذلك الدولة العثمانية وظل الإسلام والشرع كما هو في كتب الفقه، حتى تدنت هذه الأمة في الحضارة، وانحطت في جميع المجالات، وظهر الغرب بقوة عصرية مادية تنظيمية، فحصلت الفتنة بالكفار وركوب سننهم وطرائقهم، والدخول فيما دخلوا فيه، كما أخبر النبي ﷺ . فقال المسلمون: لا بد أن نقتبس من الغرب هذه الحضارة، وظهر أعداد من الذين يسمون المستنيرين في مصر وتركيا، فظهر الشيخ رفاعة الطهطاوي وظهر خير الدين التوسي، وأما في تركيا فقد ظهرت على مستوى رئيس الوزراء وأمثاله، فكانت هناك دعوة إلى اقتباس هذه النظم المفيدة حسب زعمهم. وظهرت في تركيا الدعوة المسماة بالتنظيمات، وصدر قانون التنظيمات الأول لعام (١٢٥٥هـ)، وقيل: إنه لا بد من الاقتباس من تنظيمات الأمم الراقية، واعتبار أن هذه القوانين قوانين راقية، وأنها جديرة بأن تقتبس. وكالعادة بدأت القوانين تحاصر الشريعة الإسلامية، فأول ما ابتدأت بالمعاملات والتنظيم العسكري، واستقدم خبراء من السويد وفرنسا لتنظيم الجيش العثماني ليكون من الجيوش الحديثة. وفي المجال التجاري كانت الدولة تتعامل مع أوروبا تجارياً، فأخذوا القوانين الفرنسية التجارية، وأخذوا نفس المواد، وغيروا فيها شيئاً ما حتى أصبح يسمى القانون العثماني التجاري، والتنظيمات الإدارية أخذوا بها عندما ظهرت فكرة البرلمانات والمجالس النيابية في أوروبا. وهكذا شيئاً فشيئاً حتى ظهر ما سموه الدستور عام (١٩٠٨م) أيام السلطان عبد الحميد، ولما ظهر الدستور قالوا: الآن وصلنا إلى أن نكون أمة حديثة وأمة راقية متمدنة لها دستور تحتكم إليه، وتتعامل بمقتضاه، ويكفل حرية جميع المواطنين، ثم حدثت مشكلة الثورة على الدستور وإلغاء الدستور. فالمقصود أن العملية انتهت بإلغاء نظام الخلافة على يد كمال أتاتورك عام (١٩٢٤م)، وانتهت بذلك كل الأحكام الشرعية تقريباً، وما بقي منها شيء في تركيا، ومسخوا الإسلام مسخاً كلياً، حتى أنهم ألغو الأذان وغيروه، فأصبح المؤذن لا يؤذن باللغة العربية، وألغو الحروف العربية، ومزقوا الحجاب، وفرضوا هذه القبعة الصليبية، وكل ما فيه تغريب فرضوه بالقوة، هذا في تركيا. وفي العالم الإسلامي بدأت المحاولات أيام سعيد باشا وحلمي باشا لتطوير البلاد، وأول ما وضع الدستور المصري عام (١٩٢٣م)، وأعلن عند الناس وافتخرت مصر بأنها وضعت دستوراً، وأصبحت أمة حديثة تسير على القوانين الحديثة، والتحقت بركب الأمم الراقية التي هي في الحقيقة أمم غاوية، ثم توالت بعد ذلك الدول العربية والإسلامية بالأخذ بالقوانين حتى عمت هذه القوانين أكثر أنحاء العالم الإسلامي. وهناك دولة أخرى لا ينبغي أن ننساها وهي الهند فعندما جاء الإنجليز كانت الشريعة الإسلامية هي الأصل، وكان ملوك المغول الذين يحكمون الهند مسلمين، ومنهم أرونق زيب هذا الملك العالم وأمثاله. فقامت الحكومة الإنجليزية بإلغاء الشريعة الإسلامية، وأعطت الأفضلية لعباد البقر، وهم الأكثرية لأن المسلمين اشتغلوا ببناء تاج محل، وبناء القباب، وبناء المشاهد، واشتغلوا باللهو والطرب، بل وصل ببعضهم الأمر إلى الإلحاد، وتركوا الدعوة إلى الله، وظل عباد البقر، يعبدون البقر فجاء الإنجليز فطمسوا شريعة الله، وحكموا بين الناس القوانين الوضعية التي قبلها ورضيها عباد البقر. ولذلك نجد أن الهند وباكستان وبنجلادش التي هي باكستان الشرقية هي أكثر الأمم تقريباً في العالم تقليداً وتبعية للنظام الإنجليزي، فنفس الطريقة في الأحكام والبرلمان والانتخاب واختصاصات رئيس الدولة، واختصاصات رئيس الوزراء؛ لأنها مأخوذة حرفياً من الإنجليز، ومن أشهر القانونيين الذين وضعوا القوانين أو الدساتير في العالم العربي عبد الرزاق السنهوري، فقد وضع القانون المدني المصري، ثم انتدب لوضع قوانين في عدة بلاد عربية أخرى. وبذلك وصلت الأمة إلى الحالة التي ترونها اليوم من غياب حكم الله، والاحتكام إلى غير شرع الله في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، وأخذ الناس يتحاكمون إلى الطاغوت الذي قال الله ﵎ فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] إلى آخر الآيات، فالتحاكم إلى الطاغوت هو السائد في العالم الإسلامي، وإن تعرضنا لشمال أفريقيا فإنها تعرضت كذلك لمسخ أكبر على يد فرنسا والله المستعان.

стр. 15

موقع الحكم بما أنزل الله من الدين وأهميته قال المصنف رحمه الله تعالى: 'وهنا أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر، على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه به أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويسمى كافراً كُفراً مجازياً أو كفراً أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأ، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور'. موضوع الحكم بما أنزل الله موضوع مهم وخطير وعظيم الشأن، وقد كثر فيه الجدل والنزاع في القديم، ولكنه في هذا الزمن أصبح أكثر مما سبق، ولا بد للمؤمن الذي يريد أن يعرف دينه، وأن يعرف معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أن يعلم حقيقة هذا الأمر ومنزلته ومكانته من دين الإسلام، وهذا -إن شاء الله- الذي سنجعله تقدمة أولى لكلام المصنف ﵀، فسنتحدث عن أهمية الحكم بما أنزل الله، وما موقعه، وما مكانته، وما علاقته بتوحيد الله تعالى والإيمان به؟ ثم نتحدث -إن شاء الله- بعد ذلك عن تاريخ الانحراف في حياة البشرية عن الحكم بالكتب التي أنزلها الله تعالى، وهي كتاب واحد باعتبار أن غايتها واحدة وهدفها واحد ودعوتها الأساسية واحدة، ومتى ظهرت القوانين الوضعية؟ سواء منها المكتوب أو العرفي غير المكتوب؟ ثم ما وصلت إليه الحالة في العالم الإسلامي المعاصر بهذا الشأن. وبعد ذلك -إن شاء الله- سوف نتكلم بالتفصيل في آيات الحكم، ولا سيما قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ونبين ما وقع عندها من إشكال عند بعض الفرق والطوائف، وما هو منهج أهل السنة والجماعة ومذهبهم في هذا الشأن. فهذه الثلاث الأصول لا بد من معرفتها ثم بعد ذلك نشرع في كلام المصنف ﵀، لأن هذا الموضوع المهم لم يكن علماء العقيدة وعلماء السلف الصالح قديماً يكثرون من الحديث عنه، وإن كانوا قد تكلموا فيه كما تكلموا في سائر الأمور؛ لأنه لم يكن في عصرهم من ينكر حكم الله، أو يخرج على حكم الله، أو يجاهر بأنه لا يتحاكم إلى شرع الله، ومع هذا يزعم بأنه مسلم، وإنما ذكر الله تعالى هذه الحالة عن المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] فهذه حالة شاذة وقعت في عهد النبي ﷺ . فأول فقرة هي: موقع الحكم بما أنزل الله وأهميته. ونقول: إن الحكم بما أنزل الله هو جزء من التوحيد، فعندما يقول المسلم كلمة التوحيد التي بها يدخل الإنسان في الإسلام، فمعنى ذلك أنه قد التزم وأقر بألا يتحاكم إلا إلى الله وإلى شرعه، وإلى ما أنزله، وأنه كافر بالطاغوت، لأن معنى شهادة أن لا إله إلا الله هي -كما بين الله تعالى-: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]. فهذه هي شهادة أن لا إله إلا الله مكونة من ركنين: ركن النفي: لا إله، وهو الكفر بالطاغوت. وركن الإثبات: إلا الله، وهو الإيمان بالله، والشهادة بأن محمداً رسول الله ﷺ ومعناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. فمعنى الشهادة بأنه رسول الله ﷺ هو أن يحكَّم قوله الذي هو الوحي سواء كان مبلغاً إياه عن الله أم من عند نفسه؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ﷺ ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] فلا يقدم بين يديَّ الله ولا بين يديّ كلام رسول الله ﷺ برأي ولا هوى، ولا معقول كما كان يسميه الأولون من علم الكلام أو أي شيء يعارضه. فكلمة مسلم أو مؤمن تعني: أن الإنسان مذعن منقاد مستسلم لأمر الله ، ولا يتحاكم إلى غير الله أبداً، وإنما ذكر الله من يريد أن يتحاكم إلى غير شرع الله عن المنافقين، سواء كانوا في الأمم السابقة كاليهود: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران:٢٣] أو كانوا منافقي هذه الأمة: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور:٤٨] ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور:٥٠]. فهذا حالهم وهذا شأنهم، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، فهم ليسوا مقرين حقيقةً بأن الله هو الإله وأن الرسول ﷺ هو رسول الله، ولم يشهدوا بذلك حقاً، ولو شهدوا به حقاً وآمنوا به صدقاً لما عدلوا عن التحاكم إليه، وتحاكموا إلى غير شرع الله، وإلى غير ما جاء به رسول الله ﷺ . والكلام في هذا كثير جداً مما ذكر الله تعالى في القرآن، ومما بينه النبي ﷺ في السنة، ومما تكلم به العلماء، ومنها ما ذكره وتكلم به العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في هذا الشأن، وهو من هو في علمه وفضله وتبحره وتوسعه في العلم والفقه واللغة والبيان، وهو ﵀ ورضي عنه وأرضاه عاش في عصرنا هذا، وأدرك هذه القوانين، وعرف خطرها وضررها وشرها، وتكلم فيها وفي أهلها بمقتضى كتاب الله تعالى. كما ذكر في كتابه: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، فبين في تفسير سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠] فذكر أمراً عظيماً جداً متعلقاً بهذا الشأن، وهو أنه ﵀ ربط موضوع التحاكم إلى شرع الله وإلى ما أنزله بصفاته سبحانه تعالى. فبين أنه لا يستحق أحد أن يتبع شرعه إلا من كانت صفاته هي صفات الألوهية، وهو الله تعالى الذي لا ينازعه ولا يشاركه أحد في هذه الصفات، ومن لم يكن إلهاً متصفاً بصفات الألوهية الحقة فإنه لا يصلح أن يتحاكم إليه ولا إلى قوله، لما فيه من الضعف والجهل والعجز والهوى، وسائر صفات النقص التي لا بد أن تعتري كل مشرع من دون الله، ولعلنا -إن شاء الله- نأتي على بعض ما في القوانين الوضعية من تناقض وتضارب وخلل ظاهر، سواء ما كان منها في الشرق أو الغرب وهذا واضح بين والحمد لله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]. ففيها كلها اختلافات وتناقضات، والعاقل إذا تأملها أيقن وصدَّق أن شرع الله هو وحده الحق، وأنه لا خير ولا سعادة ولا صلاح إلا في اتباع شرع الله الحكيم العليم السميع البصير الخالق الرازق إلى آخر الصفات التي ربطها فضيلة الشيخ ﵀ بهذا الموضوع.

стр. 16

من يملك حق التشريع يقول: 'اعلم أن الله بيَّن في آيات كثيرة صفات من يستحق أن يكون الحكم له، ويؤخذ منه التشريع، ويؤخذ منه التحليل والتحريم، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة التي سنوضحها الآن -إن شاء الله- ويقابلها مع صفات البشر المشرِّعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع، سبحان الله وتعالى عن ذلك، فإن كانت تنطبق عليهم -ولن يكون- فليتبع تشريعهم، وإن ظهر يقيناً أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية' يبين الشيخ: أننا إن وجدنا أن صفات من له التشريع تنطبق عليهم -ولن يكون ذلك- فلنتبع تشريعهم، وإلا فلا نتخذهم طواغيت ونتبع ما يشرعون من دون الله قال: 'وتعالى الله أن يكون له شريك في عبادته أو حكمه أو ملكه' جعل الثلاثة -العبادة والملك والحكم- كما جاء في القرآن في مواضع كثيرة خاصة به ، فلا يجوز أن يشرك به في عبادته ولا في حكمه ولا في ملكه.

стр. 17

الصفة الأولى يقول: 'فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] ثم قال مبيناً صفات من له الحكم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠] '. فقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] بيَّن بعده صفات هذا الإله الذي لا يستحق غيره أن يرجع إليه وإذا وقع النزاع أن يتحاكم إليه؛ لأنه لا يوجد فيه هذه الصفات، فهي صفات خاصة بالله : ' ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى:١١ - ١٢] '. يقول الشيخ ﵀ بعدما أورد هذه الآيات: 'فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوَّض إليه الأمور، ويتوكل عليه. وهذه من قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠] '.

стр. 18

الصفة الثانية ثم قال: 'وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقها ومخترعها على غير مثال سابق'.

стр. 19

الصفة الثالثة ثم قال: 'وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجاً' وهذه من قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً﴾ [الشورى:١١]. وهذه من صفات الله التي بها ومن أجلها يستحق وحده أن يتحاكم إليه، فإنه لا يمكن لأحد أن يخلق شيئاً ولو ذباباً ولو اجتمعوا له، ومع ذلك فإن الله جعل في هذا الخلق آية عظيمة وهي أنه جعل من كل شيء زوجين، فجعل الزوجية هي قاعدة عامة في الحياة، سواء منها الحياة الإنسانية أو غيرها، ولذلك من أعظم وأهم التشريعات التي أنزل الله تعالى ومن أولها ما يتعلق بالأسرة، وما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين وبين الأبناء، وهذا هو أهم جانب من جوانب التشريع. ولذلك تجد أن الناس اليوم في العالم الإسلامي رغم أنهم أخذوا القوانين الوضعية في شئون الاقتصاد والمال، وفي الشئون السياسية والتعليمية وفي أمور كثيرة، يظل هذا الجانب معترفاً به إلى حدٍ ما، لأنه إذا فُقد لم يبق للإنسان معنى أنه مسلم أبداً، وهو ما يسمونه هم في القوانين الوضعية: الأحوال الشخصية. فيقول تعالى في ذلك: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] يقول الشيخ ﵀: 'وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ' فهو سبحانه المستحق وحده للعبادة، والمستحق وحده لأن يؤخذ منه التشريع.

стр. 20

الصفة الرابعة والخامسة قال: 'وأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ' فهل يمكن أن يقال في أي مشرع كائناً من كان: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]؟ جل الله : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] وهاتان الصفتان من أعظم ومن أخص صفات الله تعالى، فهو الذي يحكم ويشرع ويحلل ويحرم؛ لأنه السميع الذي أحاط سمعه بكل المسموعات، والبصير الذي أحاط بصره بكل شيء .

стр. 21

الصفة السادسة قال: 'وأنه: له مقاليد السماوات والأرض' الحكم والتشريع إنما يكون من الحاكم عادة، أو ينفذه الحاكم، حتى إن اقترح فهو من شأن الحاكم فمن الذي له مقاليد السماوات والأرض؟! الله . وهل يمكن لأحد أن ينازع في هذا أو يدعي أنه له مقاليد السماوات والأرض؟ فهذا لا يمكن أبداً، بل الناس في هذا العصر الذي يسمونه عصر العلم وتسخير العلم للطبيعة وللكون -كما يسمونها- هم أكثر معرفة بكثير جداً ممن كان قبلهم بعظمة هذا الكون وسعته، ولا يرون ولا يعلمون منه إلا ما دون السماء الدنيا، بل جزءاً من ذلك، ومع ذلك فلا يمكن لأحد أن يقول: لي مقاليد السماوات والأرض. أو أن يقول: أنا ربكم الأعلى، الكلمة التي قالها فرعون وهو في منتهى غروره، ليخدع بها أولئك السذج البلهاء الذين لا يفقهون ولا يعقلون: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] فهل يستطيع أحد أن يدعي ذلك، أو أن عاقلاً يفكر ويزعم أن أحداً له مقاليد السماوات والأرض فهذا؟ لا يمكن أن يحدث. فالذي يتحاكم إليه هو من له مقاليد السماوات والأرض.

стр. 22

الصفة السابعة يقول: 'وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي: يضيقه على من يشاء' وهنا نلحظ أن كثيراً من المناهج الوضعية والقوانين تتعلق بالنواحي المالية والأرزاق، كالاشتراكيين الذين ادعوا أنهم أصحاب العدالة، وكادوا أن يسيطروا على الدنيا، فهؤلاء إنما بنوا نظريتهم على أساس العدالة في التوزيع كما يزعمون. والآخرون الرأسماليون الذين يحتكرون العالم ويمتصون خيراته وثرواته، ويبنون نظريتهم على أساس حرية التجارة، وحرية الربح، وحرية العمل، وحرية الكسب إلى آخر ذلك، فهؤلاء وهؤلاء يجعلون أساس نظمهم الوضعية وقوانينهم البشرية هو المال أو الرزق، وذلك بيده وحده ، فهو إذاً الذي يجب أن يتحاكم إليه وحده ولا يشرك به في ذلك. ثم يقول الشيخ بعد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٩] يقول الشيخ ﵀: 'فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم ولا تقبلوا تشريعاً من كافرٍ خسيس حقير جاهل'.

стр. 23

الصفة الثامنة يقول: 'ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: ٢٦] ' فلا يمكن لأحدٍ أن يدعي ذلك، لأن النفوس حجبت عنه، ولهذا سمي غيباً: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان:٣٤] فأي نفس كائنة من كانت لا تدري ماذا سيحدث لها ولو كان هذا الأمر بعد ساعة أو بعد حين، كما قال الشاعر: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله لكنني عن علم ما في غدٍ عمي فانظر إلى هذه النقطة العظيمة: أو ليست القوانين قواعد أو أحكام توضع ليسير عليها الناس، فالذي وضعها لا يدري ماذا سيقع؟ وكيف ستكون الأمور؟ فكيف يوكل إليه أن يشرع؟! ولهذا تجد الذين يشرعون ويضعون القوانين من دون الله يضعون من التخبطات والانحرافات والظلم والحيف الشيء الكثير. ثم يأتي بعد ذلك زمن وإذا بذلك القانون لا يفي بالحاجة ولا يكفي للمطلوب، ثم تكلف لجان أخرى أو مشرعين آخرين أو برلمان آخر بحسب الدول المختلفة، ويبدءون من جديد، ويقولون: هذا لم يعد يصلح الآن، ولم يعد يتناسب مع هذا التوسع، ويضعون قانوناً جديداً، ويبدءون في تطبيقه، ثم سرعان ما ينخرم ذلك ويبلى، وتجد بعض القوانين الوضعية في المادة أو المادتين في القانون تأتيها من التعقيبات ومن الاستثناءات حتى تصبح ملفاً ضخماً، وكل ذلك لأنهم بشر لا يعلمون الغيب، والله تعالى يقول: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦] فهذا صفات من لا يشرك معه في حكمه، بل هو وحده له الحكم. ويتكلم الشيخ عن هذه الآية: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] فيقول: 'فهل في الكفرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض، وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ '. وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] أي: وهو رب كل شيء وولي كل شيء، فكيف يكون لغيره أن يشرع وأن يحلل ويحرم، ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦]: 'فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته' والمقصود بالعبادة هنا الصلاة والصيام وما أشبه ذلك. ومعنى ذلك أن من اتبع شرعاً غير شرع الله فهو كمن صلى وسجد وصام وحج لغير الله، فالإشراك به في هذا، كالإشراك به في هذا، يوضحه بجلاء قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] كما صح في تفسيرها، وهو أنهم لم يكونوا يسجدون أو يركعون لهم، ولكنهم اتبعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ويقول الشيخ أيضاً عند قوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦]: 'وفي قراءة ابن عامر من السبعة: ﴿وَلا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] بصيغة النهي، وقال في الإشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] فالأمران سواء' والآيتان في سورة واحدة، يقول الله : ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] ثم قال: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] '. فالموضوع واحد، والحكم واحد، والشأن واحد، فلا يشرك بالله لا في تشريعه، ولا في أمره ونهيه، ولا في عبادته والتقرب إليه والتمسك بأمره .

стр. 24

الصفة التاسعة يقول الشيخ ﵀: 'ومن الآيات الدالة على ذلك -أي: من الآيات الدالة على أنه لا يجوز لأحدٍ أبداً أن يتبع شرعاً غير شرع الله، وأن الله تعالى هو وحده المستحق لأن يؤخذ منه التشريع- قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. قال: فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد، وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟! ' الذي له البقاء ودوام الحياة لكمال حياته ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] فكل هؤلاء هالكون ميتون، فكيف يوكل التشريع إلى أموات وإلى هالكين! قال: 'وأن الخلائق يرجعون إليه' وهذا من قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] فلا رجوع إلا إليه ، قال: 'تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته'.

стр. 25

الصفة العاشرة ثم قال: 'ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] فهل في الكفرة الفجرة المشرعين النظم الشيطانية من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب سماوي بأنه العلي الكبير؟! ' ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]. أي: العلي علو الذات، وعلو القهر، وعلو العظمة، وعلو القدر والمكانة وكل ما يليق بجلاله، ولا يشاركه أحد في هذه أبداً، وهو الكبير فمن يشاركه في ذلك؟! يقول الشيخ: 'سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك'.

стр. 26

الصفة الحادية عشرة ثم قال ﵀: 'ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٠ - ٧٣]. فهل في مشرعي القوانين الوضعية من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة؟! ' وهذا من الحكم العجيبة، فإن هذا الليل وهذا النهار لا يملك أحدٌ كائناً من كان أن يدبره إلا الله تعالى، وكل الخلائق يستفيدون من هذه النعم العظيمة، والله تعالى هو الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، وهو الذي سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى، وهو الذي يعبد وحده، ويتبع شرعه وحده، ويطاع أمره وحده ، وما عداه فلا يستحق شيئاً من ذلك أبداً.

стр. 27

الصفة الثانية عشرة ثم قال: 'ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠] فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده، وأن عبادته وحده هي الدين القيم؟! سبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً'. فالحكم بما أنزل الله، واتباع دين الله تعالى هو من عبادة الله تعالى، فمن فرق وقال: نعبد الله بالصلاة والصوم والزكاة ونجعلها لله، وأما الحكم فهو لغير الله من قال ذلك كائناً من كان من الآراء أو المذاهب أو النظريات أو المشرعين، فقد فصل بين هذين وأشرك بالله كما فعل المشركون من قبل عندما جعلوا لله نصيباً مما ذرأ من الحرث والأنعام وجعلوا لغير الله نصيباً، فهذا هو الشرك بعينه، وهذا هو الذي نهى الله عنه وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] هذا هو الدين القيم، وما عدا ذلك فهو تلبيسات، ودين ممزوج فيه الشرك والنفاق والبدع والضلال وإن ظن صاحبه أنه على شيء.

стр. 28

الصفة الثالثة عشرة قال: 'ومنها -أي من الآيات الدالة على صفات من يستحق أن يعبد ويتبع في التشريع وفي التحليل وفي التحريم وهو الله وحده- قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧] فهل فيهم من يستحق أن يتوكل عليه وتفوض الأمور إليه! ' وهذا لا يوجد في أحد منهم.

стр. 29

الصفة الثالثة عشرة قال: 'ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٤٩ - ٥٠] فهل في أولئك المشرعين من يستحق أن يوصف بأن حكمه بما أنزل الله وأنه مخالف لاتباع الهوى؟! ' هذا لا يمكن؛ لأن المشرِّع أو القانوني أو المنظر إنما يضع أو يكتب أو يقرر من خلال ثقافته وفكره، وما يرى أنه صواب، فهو متبع لهواه بلا ريب، لأن كل ما خالف شرع الله ودين الله تعالى فهو هوى. فجعل الله تعالى شيئين متقابلين إما ما أنزل الله، وإما أهواء الذين لا يعلمون، فمهما كانوا في العلم الدنيوي فإنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ومهما ادعوا أنهم بلغوا من المعرفة فهم لا يعلمون؛ لأن هذا حكم الله عليهم، ولذلك نجد أن سائر من اشتغل بهذه العلوم يعلمون أن الإنسان إذا اجتهد وتخصص وبحث في الأمور التجريبية، أو الطبيعية، أو الرياضية، أو ما أشبه ذلك أنه يأتي بشيء نافع ولو في دنياه، ويكون ذلك من العلم الظاهر في الحياة الدنيا، ولكن تجد أن الفرق كبير جداً بين النظريات العلمية كما تسمى في عصرنا الحاضر بالتجريبي والتطبيقي، وبين الدراسات والنظريات التي يسمونها الإنسانية، التي تتعلق بعلم النفس، وعلم الاجتماع، والإدارة والنظم، والقوانين أو ما أشبه ذلك، تجد الفرق بين هذين كبيراً جداً، وتجد أنها أهواء كما ذكر الله ﵎. والدراسات النفسية والاجتماعية مأخوذة ومركبة على أهواء كثيرة، وأراء متناقضة مختلفة، فلا يجد الباحث شيئاً يستطيع أن يجزم بأنه حق، قال: 'وأن من تولى أصابه الله ببعض ذنوبه' أي: شرع غير شرع الله ثم تولى عما شرع الله، أصابه الله ببعض ذنوبه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران:٣٢] أي: عن اتباع ما تحكم به من الحق، وما أنزلنا من الكتاب والشرع: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة:٤٩]. وكل أمة وكل فرد وكل مجتمع لم يحكم بما أنزل الله فلا بد أن يصيبه الله ببعض ذنوبه، يقول: 'لأن الذنوب لا يؤاخذ بجميعها إلا في الآخرة' فالمؤاخذة بجميع الذنوب لا تكون إلا في الآخرة، لكن في الدنيا يؤاخذ ببعض ما كسبوا ويعفوا عن كثير، مع أنه لا يصيبهم إلا بما كسبت أيديهم، لكنه يعفو ويصفح ويتجاوز ويمهل حتى إذا ظن الظالمون أن ذلك منه إهمال أو نسيان، أخذهم بغتة فإذا هم مبلسون. قال: 'وهل هناك أيضاً من يوصف أنه لا حكم أحسن من حكمه لقوم يؤمنون؟! '. وفي قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] نجد أن الأحكام على نوعين فقط لا ثالث لهما: إما حكم الله الذي أنزله في كتابه أو جاء به رسوله ﷺ ، وما أخذ منه، وهذا كله يشمله حكم الله، أو حكم الجاهلية، سواء كان تشريعات بدائية أو أعراف البادية، أو سلوم القبائل، أو كانت نظم ودراسات متطورة حديثة في أرقى المجتمعات حضارة، فكلها يطلق عليها اسم واحد، وهي أنها حكم الجاهلية، ولا فرق بينها. ولذلك يلبس أحياناً على العقول بأن حكم الجاهلية هو الذي كان في الجاهلية الأولى قبل الإسلام فقط، لكن الذي يأتي من دول الغرب والباحثين والدارسين ومن الفقهاء -فقهائهم- لا يسمى جاهلية!! بل هذه دراسات علمية أو نظريات علمية!!! إلى أن يقول: ' ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام:٥٧] فهل فيهم من يستحق بأن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟! ' ويفصل في الأمور كلها!

стр. 30

الصفة الخامسة عشرة قال: 'ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٤ - ١١٥] الآية. فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلاً، والذي يشهد أهل الكتاب أنه منزل من ربك بالحق، وبأنه تمت كلماته صدقاً وعدلاً، أي: صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، وأنه لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم؟! سبحان ربنا ما أعظمه وما أجل شأنه! ' وتأمل قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ [الأنعام:١١٤] فهي مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً﴾ [الأعراف:١٤٠] وقال: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٦] ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] فجعل العبادة والحكم سواء، وهنا جعل اتخاذ غير الله رباً أو اتخاذ غير الله حكماً سواء. إذاً: هو وحده له الحكم، وهو وحده له العبادة، والشرك في هذه كالشرك في تلك.

стр. 31

الصفة السادسة عشرة قال: 'ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩] فهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟! لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم' فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً﴾ [يونس:٥٩] وهذا من أقدم أنواع التشريع الذي عرفه الناس، وهو أن العالم بما فطروا عليه من التعبد لله لما أشركوا به غيره وأرادوا أن يتقربوا إليه، أخذوا ينذرون لغير الله، ويجعلون شيئاً مما أعطوا من الرزق لغير الله، وحرموا بعضاً وأحلوا بعضاً، فاتبعوا في ذلك شركاءهم، وقد سماهم الله شركاء: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧] وقال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]. ومن أنواع الإشراك بالله في التحليل والتحريم أنهم جعلوا البحيرة وغيرها من الأنعام محرم أكلها أو ركوبها كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٣٨] وجعلوا تشريعات من عند أنفسهم، وهي تشريعات البدائيين كما يسميها الآن العصريون، فأول ما عرف أنهم جعلوا هذا حلال وهذا حرام، ثم تطورت بهم الأحوال فيما بعد حتى حرموا بعض ما رزقهم الله تعالى، مما أحل من فضله . والخلاصة من المقدمة الأولى: أن الحكم بما أنزل الله أصل من أصول الدين وجزء من توحيد الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين.

стр. 32

شرح رسالة تحكيم القوانين شرع الشيخ -سدده الله- في شرح رسالة تحكيم القوانين للإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والتي تعرض فيها لوجوب رد النزاع إلى الله ورسوله، وأقام الأدلة على ذلك، وبيَّن أنه لا أحسن من حكم الله جل وعلا، فهو الشامل الصالح لكل زمان ومكان؛ لأنه صادر عن لطيف خبير . وبيَّن بعض الحالات التي يكفر فيها الحاكم بغير ما أنزل الله كفراً أكبر مخرجاً من الملة. ونبه على مدى خطر مضاهاة القوانين الوضعية للمحاكم الشرعية ومعاندتها للشرع، ثم نبه على أن الإيمان قول وعمل، وأنها متلازمة لا يغني ركن منها عن ركن، وأخيراً ذكر من القسم الأول -الكفر المخرج من الملة- ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر من عادات الآباء والأجداد، وبين أنه لا زال موجوداً، وأنه من الكفر الأكبر المخرج من الملة.

стр. 33

التحاكم إلى القوانين الوضعية موضوع هذا الدرس هو في الحكم بغير ما أنزل الله، وفي ذلك رسالة قيمة صغيرة الحجم، كبيرة الفائدة، عظيمة النفع؛ للعالم المجتهد الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، وسوف نشرحها شرحاً موجزاً إن شاء الله تعالى. يقول ﵀: 'إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد ﷺ ؛ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين'. فهذه أول عبارة بدأها الشيخ لعلمه بالاختلاف الواقع في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله. وهل هو مخرج من الملة أو غير مخرج! فبدأ بتأصيل الأصل، وهذا من كمال الفقه والحكمة في الدعوة، وهو أن الداعية إذا أراد أن يتكلم في أمر وفي هذا الأمر تفصيل، ومنه -مثلاً- جائز وواجب، وأصل واستثناء، وبعضه مجمل وبعضه مبين، فالحكمة أن يبدأ بتقرير الأصل العام وبتقرير القاعدة الكلية، ثم بعد ذلك يبين ما يستثنى من ذلك، أو ما لا يدخل ضمن هذه القاعدة. فيقول ﵀: ' إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد ﷺ ؛ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين'. وهذه حقيقة بدهية! لا يجوز أن يماري فيها أي مسلم، وانطلاقاً منها تأتي التفريعات، فكيف يجعل القانون الذي يضعه البشر بأهوائهم وشهواتهم، ويفترون على الله به الكذب، بمنزلة ما نزل به الروح الأمين -جبريل ﵇ على محمد ﷺ ؟! لا يرضى بذلك مؤمنٌ أبداً. يقول: ' في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين؛ مناقضةً ومعاندةً لقول الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] '.

стр. 34

تحاكم إلى الطاغوت يقول الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: ' والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به النبي ﷺ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه، وذلك أنه من حق كل أحد -أي: من واجبه- أن يكون حاكماً بما جاء به الرسول ﷺ ، فقط لا بخلافه، كما أن من حق كل أحد أن يحاكم إلى ما جاء به النبي ﷺ ، فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حده حكماً أو تحكيماً، فصار بذلك طاغوتاً لتجاوزه حدَّه'. وأحياناً يكون طاغوتاً؛ لأنه تجاوز حده وافترى على الله الكذب، وقال: أنا أشرع للناس ما فيه مصلحة لهم، وأضع القوانين لذلك. وأحياناً قد يتجاوز بالشيء حده وهو ليس بمتجاوز بذاته كما لو اجتهد مجتهد من الأئمة المجتهدين في مسائل وأفتى فيها، فجاء أناس من أتباعه فقدموا كلامه على كلام الله ورسوله فردوا كل شيء اختلفوا فيه إلى كلامه، وقدَّموا كلامه على كلام الله ورسوله ﷺ ، فإن هؤلاء قد جعلوه طاغوتاً وتجاوزوا به حده، إذ حدَّه أن يكون عبداً صالحاً لله، أو إماماً مجتهداً إن كان كذلك، حتى الملك المقرب جبريل ﵇ حدَّه أن يكون ملكاً لله، والرسول ﷺ حدَّه أن يكون عبد الله ورسوله، وخيرته من خلقه إلى آخر ما ذكر الله تعالى عنه، وأخبر به النبي ﷺ عن نفسه. لكن أن يعبد من دون الله، أو أن يُدعى جبريل أو محمداً ﷺ أو غيرهم، ويستعان بهم، ويصرف لهم شيء من الربوبية أو الألوهية؛ فمن فعل ذلك فقد تجاوز بهم الحد، فإن هذا من الكفر الصريح. وينبغي أن نفرق بين الطاغوت الحقيقي وبين من يُتخذ أو يُجعل طاغوتاً وليس هو بطاغوت، وإنما جعله طاغوتاً من تجاوز حده الشرعي من الناس. ومثاله: عيسى ﵇، فقد اتُخذ إلهاً من دون الله، فلا يُسمَّى طاغوتاً وحاشاه، وقد قال فيما ذكره الله عنه: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة:١١٧]، ولكن النصارى غلوا فيه وجاوزوا به حده.

стр. 35

الأدلة على ذلك يقول: ' وقد نفى الله الإيمان عمن لم يُحكِّموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم، نفياً مؤكداً بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] '. أكد سبحانه نفي الإيمان عمن لم يُحكَّموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم بأمرين: بتكرار أداة النفي وهي "لا" في قوله: (فلا)، وقوله: (لا يؤمنون)، وبالقسم في قوله: (وربك). يقول: 'ولم يكتف تعالى وتقدَّس منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] والحرج: هو الضيق '. ولهذا يقال: أرض حرجة، أو مكان حرج، أي: كثير الشجر ملتف شجره. يقول: 'بل لا بد من اتساع صدورهم لذلك'. أي: تتسع صدورهم وتنتفخ وتسر بحكم الله . 'وسلامتها من القلق والاضطراب'. فلا قلق ولا اضطراب من حكم رسول الله ﷺ . قال: 'ولم يكتف تعالى -أيضاً- هنا بهذين الأمرين -أي: بالتحكيم وعدم الضيق- حتى يضموا إليهما أمراً ثالثاً هو التسليم: وهو كمال الانقياد لحكمه ﷺ ، بحيث يتخلون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحُكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك -أي: التسليم- بالمصدر المؤكَّد وهو قوله جل شأنه (تَسْلِيماً) المُبيِّن أنه لا يُكتفى هاهنا بالتسليم بل لا بد من التسليم المطلق '.

стр. 36

مراتب الدين بالنسبة لتحكيم رسول الله ﷺ يقول ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين حول هذه الآية: ' إن هذه الآية اشتملت على مراتب الدين الثلاث، فالدين مراتب ثلاث كما جاء في حديث جبريل ﵇' أي: إن هذه الآية بالنسبة لتحكيم رسول الله ﷺ ولاتباع هديه جاءت على مراتب الدين الثلاث، فمقام الإسلام هو مقام التحكيم، فمن لم يحكم الرسول ﷺ فليس بمسلم. فإذا حكَّم النبي ﷺ وكان في صدره ضيق وحرج ولم يسلم تسليماً فهذا ليس بمؤمن، فبتحكيمه للرسول ﷺ خرج بذلك عن أن يكون كافراً، ولكنه لم يدخل في عداد المؤمنين؛ لأنه لم ينتف الحرج والضيق من صدره لحكم رسول الله ﷺ . والله ﵎ إنما أثنى في القرآن ووعد بالجنة لمن اتصف بمرتبة الإيمان، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ [المؤمنون:١] وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، وقال جل شأنه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:١ - ٣] وغير ذلك من الآيات. فانتفاء الحرج هو المقام الثاني، وهو مقام الإيمان. والمقام الثالث: هو مقام الإحسان؛ فإذا حكَّم رسول الله ﷺ ولم يكن في نفسه حرج، وسلَّم بذلك كمال التسليم فهذا قد بلغ الغاية العظمى، وهي مقام الإحسان. ومن حكَّم رسول الله ﷺ ، ولم يكن في نفسه حرج من حكمه ﷺ ؛ لكنه لم يبلغ الغاية العظمى في ذلك وهو أنه لم يُسلم كمال التسليم، فهذا مسلمٌ مؤمنٌ وليس بمحسنٍ؛ لعدم حصول كمال التسليم منه. فهذه الآية اشتملت على هذه المراتب الثلاث، والشاهد هو: أن من لم يُحكِّم الرسول ﷺ فليس بمسلم. ثم يقول الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: 'وتأمل ما في الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] كيف ذكر النكرة وهي قوله: (شيء) في سياق الشرط، وهو قوله جل شأنه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُم) المفيد للعموم، فيما يتصور التنازع فيه جنساً وقدراً '. أي: في أي جنس من أجناس التنازع، وفي أي قدر، وفي أي أمر كان كبيراً أو صغيراً، فيدخل في ذلك كل خلاف ونزاع، سواء في أسماء الله وصفاته، أو في الإيمان، أو في أمور العقيدة، أو الأحكام الفقهية، أوفي الحقوق والدماء والأموال والأعراض وكل شيء. قال: ' ثم تأمّل كيف جعل ذلك شرطاً في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [النساء:٥٩] '. وكلمة (شيء) هي أعمّ كلمة في اللغة كما يقول اللغويون، لأنها تطلق على الكبير والصغير، فكلها يمكن أن تُطلق عليه. وهي هنا عامة تماماً؛ لأنها حاءت نكرة في سياق الشرط، ويمكن أن تُطلق على الله ، كما في قوله : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] فيجوز أن يطلق عليه شيء ولكن أي شيء هو؟ هو جل وتعالى أعظم وأكبر من كل شيء! رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنوداً فالقضية الكبرى المتنازع فيما بين اثنين على ممكلة عظيمة نقول إن هذه القضية شيء، وكذا لو تنازعا على ربع درهم لقلنا إنهما تنازعا على شيء وتحاكما عليه، فكل أجناس وأنواع القضايا تدخل في وجوب التحاكم ورد التنازع فيها إلى الله ورسوله؛ لأنها ضمن كلمة (شيء) في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء:٥٩] ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] وفيها (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ) فحكم هذا الشرط (من شيء)، وتقدمها الجار والمجرور لزيادة تأكيد العموم، وهو التحاكم إلى الله ورد التنازع إليه في كل شيء، بحيث لا يخرج شيء عن ذلك. فشرط الإيمان بالله واليوم الآخر هو رد التنازع في أي شيء إلى الله ورسوله ﷺ ، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] فدعوى الإيمان زعم، أما في الحقيقة فليسوا بمؤمنين، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٦٠]. قال ﵀: ' ثم قال جل شأنه: (ذَلِكَ خَيْرٌ) فشيء يطلق الله عليه أنه خير لا يتطرق إليه شرٌ أبداً، بل هو خيرٌ محض، عاجلاً وآجلاً، ثم قال: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: عاقبة في الدنيا والآخرة ' فرُد الأمر إلى الله ورسوله هو أحسن عاقبة في الدنيا والآخرة، وفي الحاضر والمستقبل، وفي كل زمن وعصر ولو كره المنافقون.

стр. 37

الغفلة عن عواقب التحاكم إلى غير الشرع قال: 'فيفيد -أي: هذا الكلام- أن الرد إلى غير الرسول ﷺ ، عند التنازع شر محض وأسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة '. وهذا واقع تشهد به أحوال الأمم في هذا الزمان وفي غيره؛ أن التحاكم إلى غير شرع الله والتقاضي إلى غير ما أنزل الله شر في الدنيا، وما ينتظرهم عند الله ﵎ أعظم من ذلك وأشد، قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٣٣]. يقول: 'عكس ما يقوله المنافقون'. أي: أن هذا الذي قرره الله هو 'عكس ما يقوله المنافقون' فهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوت هو القانون وزناً ومعنى، فالطاغوت يعني القانون، والقانون يعني الطاغوت. والطاغوت: هو ما تجاوز به العبد حده عموماً من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ في غير طاعة الله ورسوله. فطاغوت كل قوم هو ما يعبدونه من دون الله أو يتحاكمون إليه ويطيعونه في غير طاعة الله، ومن ذلك هذه القوانين الوضعية فهؤلاء المنافقون يقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢]، وهذه دعاوى قديمة وحديثة، ولهذا فلا يظن أن أحداً يتجرأ على الله من غير تأويل ولا شبهة ولا دعوى، فحتى الأصنام لما عبدت لم تعبد إلا بتأويل، مع أنها حجارة صماء بكماء كما يراها العقلاء؛ لكنهم قالوا: هذه الحجارة نحتت على صورة "ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر" وهؤلاء رجال صالحون لهم عند الله مكانة فنحن نحب هذه الصور لكي نتذكر عبادتهم، ثم عبدت من دون الله بعد أن دُرس العلم. وهؤلاء المتحاكمون إلى القوانين الوضعية لا يقولون: هذا القرآن ليس بجيد؛ بل يقولون: نحن نحب القرآن والسنة ولا نريد أن نخالفهما؛ لكننا نريد أن نوفق بينها وبين متطلبات القرن العشرين، وبين الإسلام وبين متطلبات الحياة الحديثة، فنتحاكم إلى القوانين ونحن لم نخرج عن الإسلام ونحن نحب القرآن والسنة، فتراهم يعتمرون ويحجون ويطوفون ويسعون، وربما يتصدقون ويصومون ويصلون، لكن يقولون: نحن الآن في القرن العشرين، والعالم قد تحضَّر، والأحوال قد تغيَّرت، والأمور قد تطورت، فلا بد أن نوفق بين الإسلام وبين متطلبات الحياة الجديدة، فنسمح بالأنظمة والقوانين، ونطور موضوع المرأة والحياة الاجتماعية ولا نزال مسلمين!! فهم لا يقولون: اكفروا بالله، ولم يوجد أحد قام وقال: اكفروا أيها الناس! ولذلك فإن مشكلة الشعوب المغفلة، والأمم التي يحيطها مكر الليل والنهار أنها تنتظر من يقول لها: اكفري بالله حتى تتنبه إلى خطورة المؤامرة، وأعداء الله أذكى من أن يقولوا لهم ذلك، لأن هذه أساليبهم ومهارتهم. فكل عصر فيه تلبيس وكيد يناسبه، ومعلمهم الأول إبليس لم يقل لأبينا آدم ﵇: اكفر بالله، بل قال كما قال تعالى عنه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١]، وقال: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠]، وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]. فهؤلاء وأمثالهم وإن تسموا وادعوا أنهم مصلحون وقالو: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] فقد بين الله كذبهم وباطلهم، فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) [البقرة:١٢]. ومن العجيب أن كل من يكتب في تنحية شرع الله أمثال جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ومدحت باشا في اصطلاح المفكرين الغربيين والمستشرقين وأذنابهم يسمونهم: المصلحين أو زعماء الإصلاح حتى أنهم أطلقوا على حركة كمال أتاتورك: (الحركة الإصلاحية)!! قال: 'وعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم، بل ضرورتهم إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صِرْف بما جاء به الرسول ﷺ '. أي: أن من يقول: لا بد أن نضع القوانين أو نتحاكم إلى القوانين في شئون العقوبات، أو ما يسمونه بقانون العقوبات أو الجزاء، أو في القانون المدني، أو في القانون التجاري، أو في المعاملات التجارية عموماً، أو في المعاملات المالية، أو في أي جانب من هذه الجوانب، من يقولون ذلك فهم إنما يسيئون الظن بما جاء به الرسول ﷺ ؛ لأن معنى كلامهم ولازمه: أن الله إما أنه لم يعلم بأن العصر سيتغير، وأن الأحوال سوف تتطور، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ومن قال أو اعتقد ذلك فقد كفر. وإما أن يقولوا: إنه يعلم لكنه لم ينزل لذلك أحكاماً، فيكون - تعالى الله عن ذلك - قد تركنا هملاً في أمور عظيمة نحتاجها، ويكون هذا الكتاب ليس فيه تفصيل كل شيء، ويكون أمره بأن نحتكم إلى الله ورسوله في كل شيء، وأن نرد كل شيء تنازعنا فيه إلى الله لغواً؛ لأنه يأمرنا بالرجوع إليه في كل شيء مع أنه لم ينزل فيه أحكاماً لكل شيء، وهذا تناقض لا يفعله أي عاقل، فكيف بالله -تعالى الله عن ذلك- فهو عليمٌ حكيم، وهو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلاً: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] وهو الذي أمرنا أن نجتهد وأن نبحث، وجعل للمجتهد المصيب أجرين وللمخطئ أجر. يقول: 'ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة. إن هذا لازم لهم'. فلا بد أن يلزمهم ذلك، أو أن يذعنوا لحكم لله ويتوبوا ويعودوا إلى شرع الله وإلى ما أنزل الله. قال: 'وتأمل أيضاً ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] فإن اسم الموصول - (ما) بمعنى الذي- مع صلته من صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الأجناس والأنواع كما أنه من ناحية القَدْر'. فمن ناحية النوع: كمال أو دم أو عرض أو حقوق أو بين الدول بعضها مع بعض، أو بين دولة وفرد، أو بين جماعة وجماعة، أو بين فرد وفرد، فكل ذلك داخل في "ما" من حيث النوع. ومن ناحية المقدار: في درهم أو درهمين أو أكثر أو أقل لأنها تدل على العموم. يقول: 'فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى الله الإيمان عمن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ من المنافقين'. هذا دليل آخر كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] وهنا يظهر فقه الشيخ ﵀ ودقة استنباطه؛ فإن قوله: (أَلَمْ تَرَ) أسلوب يستلفت الذهن، فكأنه يقول: انظر وتعجب، أيها المخاطب! وإن كان الأصل في الخطاب أنه للنبي ﷺ كما في هذه الآية وفي كل آية فيها هذا الأسلوب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] فهم ما آمنوا في الحقيقة ولكنهم يزعمون، والزعم هو الكذب يقوله ولا حقيقة ولا صحة له. يقول: 'فإن قوله : ﴿يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ ، مع الإيمان في قلب عبد أصلاً، بل أحدهما ينافي الآخر'. وانظروا قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ [النساء:٦٠] فهم لم يتحاكموا إلى الطاغوت، ولم يتبعوه، ولم يتخذوه ديناً، ولم يلزموا الناس به ويردوهم إليه بالقوة؛ بل أرادوا أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ويرون أنه لا بأس به، ومع ذلك نفى الله عنهم الإيمان ووصفهم بما وصفهم به. وبهذا يظهر أن الأمر يتعلق بالإرادة، فإن الإنسان إذا أراد الكفر قد يكفر بذلك إذا استحله، وإن لم يفعل الكفر، ومثل هذا من لا يمتلك الأموال والبنوك بل هو فقير، لكنه يدافع عن أكلة الربا وعن البنوك؛ فإنه يأثم مثلهم وإن استحل ذلك فيكفر وإن لم يأكل.

стр. 38

موقف القانونيين من الأحكام الشرعية قال: ' وتأمل قوله : ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] ' فبعد أن قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] أكَّد ذلك بقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠]، وهذا من أصرح الأدلة على أن تحكيم غير الشرع كفر وتحكيم القوانين الوضعيه كفر. قال: ' تعرف منه معاندة القانونيين وإراداتهم خلاف مراد الله منهم حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعاً، والذي تُعبدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة:٥٩] ' قال تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء:٦٠] قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] والعروة الوثقى: هي شهادة أن لا إله إلا الله، وهي نفي الكفر بالطاغوت وإثبات الإيمان بالله. فإذا تأمل الإنسان ذلك -كما يقول الشيخ ﵀ عرف معاندة القانونيين وإرادتهم خلاف مراد الله، فالله تعالى أمر أن يكفر بالطاغوت، وأن يتحاكم إلى ما أنزل الله، وهؤلاء يوجبون على الناس التحاكم إلى ما يشرعون، ويصرفونهم عن التحاكم إلى شرع الله وإلى دينه.

стр. 39

القانونيون وتناقضاتهم يقول الشيخ: 'وأما القانونيون فمتناقضون حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ ، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً' سبحان الله! وكأنَّ هذه الآيات ما نزلت إلا علينا في هذا الزمن ' وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء:١٥١] ' أي: الذين يفرقون بين الله ورسوله، ويقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥٠]، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر:٩٠] أي: الذين قسموا القرآن والدين، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١] أي: أجزاءً يأخذون بعضاً ويتركون بعضاً. فتجد هؤلاء يؤمنون بالله ويوحدونه، ويقرون أن النبي ﷺ خاتم النبيين، وأنه نبي للعالمين، وأنه أمرنا بالصلاة والزكاة والصوم وإلخ. كل هذا يقرون ويؤمنون به؛ لكن إذا ما جئنا إلى الكلام عن الربا مثلاً: تراه يضطرب، ويجادل، ويؤول النصوص ويحرفها، فقائل يقول: نريد الاشتراكية؛ لأنها تمنع الاستغلال، وتساوي في الملكية بين الشعب والحكومة! ومع أنه يصلي ويصوم إلا أنه في الجانب الاقتصادي يريد الاشتراكية. وآخر يقول: لا. لا نريد الاشتراكية، نحن نريد الاقتصاد الحر، لأنه ليس فيه قيود بأن هذا حلال وهذا حرام؛ فهو يريد الرأسمالية!! وتجد ثالثاً يقول: الدين كله طيب ونؤمن به؛ لكن موضوع المرأة مشكل فإن المرأة في بعض دول العالم أصبحت رئيسة للبلاد، وفي بعضها وزيرة وأنتم لا تزالون تمنعونها من العمل، وتقولون: تبقى في بيتها، ولا تشهد حتى صلاة الجماعة، والرجال قوامون على النساء!! هذا مع أنه يصلي ويصوم. وتجد رابعاً يقول: في مسألة معاداة الكفار، وعدم موالاتهم مع كثرة النصوص المبينة، لذلك تجده يقول: كان هذا في السابق قبل النظام العالمي الجديد، أما الآن فقد أصبحنا أسرة دولية، ومجتمعاً دولياً واحداً، ولم يعد هناك عداوات، فتقول له: ونصوص القرآن؟ فيقول: القرآن صحيح ولا ينكره؛ لكنه يفرغ الآيات عن مقتضاها ويحرفها؛ ولهذا لم ترَ في إذاعات العالم الإسلامي وصحافته وتلفازه من يقول ويصف دول الكفر بأنها دول كافرة، وإنما قد يقولون: دولاً غير إسلامية. والأمثلة على ذلك تطول، ونظرة سريعة على أحوال كثير من المسلمين اليوم تبين لك بجلاء أن منهم من يؤمن ببعض ويكفر ببعض، والله المستعان. يقول الشيخ ﵀: ' أما القانونيون فمتناقضون '. لإنهم يفرقون بين الله ورسله، ويفرقون بين أحكام الله وبين أحكام رسوله ﷺ ، وهذا كثيراً جداً، فتجد أن بعض الناس يهتم ويحرص على بعض السنن، مثل: تقديم طعام العَشاء على صلاة العِشاء إذا حضر، لكن لو ذكرت له اللحية -مثلاً- فإنه يأبى أن يلتزم بها، وقس على ذلك، فيأخذ ما يوافق الهوى ويترك منها ما يخالفه، نعوذ بالله من ذلك. وتجد ذلك في بعض المسائل الفقهية المختلف فيها؛ فإذا أراد أن يكشف وجه المرأة، قال لك: قال بعض العلماء: إنه ليس بعورة ولا شيء فيه! أما إذا كان الكلام عن قريبته، فهو لا يريد أن يراها أحد، ويقول: لا يجوز الكشف، وهذا هو ما سماه الله نفاقاً، وهو النفاق بعينه؛ لأنه جعل القرآن والسنة عضين، يأخذ منهما ما يوافق الهوى ويترك ما يخالفه!! يقول ﵀: 'ثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموه من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم بقوله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ' قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: 'ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله؛ كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم'. فهذا هو المثال الأول: وهو أن أهل الجاهلية كانوا يتحاكمون إلى الطواغيت والكهان، فيذهبون إلى الكاهن ليحكم بينهم، أو إلى شيخ القبيلة، أو إلى الأزلام يضربونها. قال -والكلام لا يزال لـ ابن كثير -: 'وكما يُحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم كتاباً مجموعاً من أحكام، قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه'. هذا هو المثال الثاني، وهو يدل على فقه ابن كثير وفهمه للواقع. وهذا الكتاب الذي وضعه جنكيز خان هو " الياسق "، وكما قال الشيخ ﵀: 'وقد اقتبسه من شرائع شتى وكثير مما فيه مأخوذ من الشريعة الإسلامية'. فكأن جنكيز خان جعل الشريعة الإسلامية مصدراً أصلياً ولم يجعله احتياطياً، فكيف بمن يجعل الشريعة الإسلامية مصدراً احتياطياً وليس هو أول المصادر الاحتياطية، فغالباً ما يكون الثالث أو الرابع؟! يقول: 'فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ فمن فعل ذلك -أي: من تحاكم إلى هذه الأهواء سواء كانت الجاهلية أو أحكام الياسق - فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحكِّم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] أي: يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لمن عَقَل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم من الوالدة بولدها، فإنه تعالى العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء' انتهى كلام ابن كثير. فهذه الصفات كلها لله وحده. أولاً: علم الله ﵎ الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو كما قال الشيخ الأمين ﵀: أنه لا يستطيع أن يشرع إلا من كان علمه محيطاً بكل شيء وليس ذلك لأحد إلا لله وحده ﵎. وثانياً: قدرة الله على كل شيء؛ فإن العاجز الضعيف لا يمكن ولا يصلح أن يكون مشرعاً. وثالثاً: عدل الله الكامل، فالله هو العادل في كل شيء، ثم هو أرحم من الوالدة بولدها، وعندما قال الله تعالى في حق عبده ورسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ظن كثير من الناس أن رحمة الله تعالى بالنبي ﷺ مختصة بالمسلمين، والحقيقة أن الله رحم به العالمين، حتى الكفار نالهم من رحمة الله ببعثة محمد ﷺ الشيء الكثير، فإن أهل الذمة أمنوا على أنفسهم وعلى أموالهم، والمحاربون الذين يحاربهم المسلمون وجدوا هذه الحرب التي لا نظير لها في التاريخ حرباً إسلامية، فلا مثلة فيها، ولا قتل لصغير ولا لكبير ولا امرأة ولا للرهبان المعتكفين في الصوامع.

стр. 40

اتباعهم لإرادة الشيطان قال: 'ثم تأمل قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ [النساء:٦٠] كيف دل على أن ذلك ضلال؟! '. وهذا حال من يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت. فيقول الشيخ: 'وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى'. أي: التحاكم إلى الطاغوت، ويقولون: هذا شيء حسن، وهذا رُقي وتطور، بل ربما يفتخرون بقولهم: في عام كذا وضعنا نظاماً وقانوناً للبنوك الاقتصادية، وفي عام كذا وضع القانون المدني، ويرون أن هذا اهتداءً، وأن الأمة قبله كانت في حالة تخلف وفي ضلال، عكس ما قاله الله ﵎ تماماً!! كما دلت الآية. يقول الشيخ: 'كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان'. فالتحاكم إلى الطواغيت أو القوانين هذا من إرادة الشيطان، فهو يريد أن يُضلهم فيتحاكمون إليها. يقول الشيخ: 'عكس ما يتصور القانونيون من بُعْدهم من الشيطان، وأنه فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن وما بعث به سيد ولد عدنان، معزولاً من هذا الوصف ومنحىً عن هذا الشأن'. فهم قلبوها، فجعلوا الحكمة والرحمة والمصلحة في مرادات الشيطان، وأمَّا ما أنزله الرحمن، وما أراد رسول الله ﷺ فهذا فيه-كما يزعمون - التأخر والانحطاط، أو عدم الصلاحية. قال: 'وقد قال تعالى منكراً على هذا الضرب من الناس، ومقرراً ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحاً أنه لا حكم أحسن من حكمه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فتأمل هذه الآية الكريمة، وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية '. فالحكم حكمان لا ثالث لهما، وأي حكم في الدنيا لا يخرج عن هذين الحكمين. يقول: ' وأنه ليس بعد حكم الله تعالى إلا حكم الجاهلية، الموضح أن القانونيين في زمرة أهل الجاهلية شاءوا أم أبوا، بل هم أسوأ منهم حالاً وأكذب منهم مقالاً، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد '. والجاهلية المطلقة هي الجاهلية، وإن كانت الجاهلية قد انتهت ببعثة الرسول ﷺ ، إلا أن هناك جاهلية حديثة لكنها مقيدة ببلد أو بجماعة أو بفرد أو بحكم ما كالجاهلية الغربية بأحكامها، ومن يريد التحاكم إلى الطاغوت من أبناء هذه الأمة. يقول الشيخ: ' ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد ' لأنهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله ﷺ ، ولا يدّعون ذلك، ولا يزعمون أنهم يؤمنون بالقرآن؛ فلذلك تحاكموا إلى خلاف ما جاء في القرآن والسنة فهم ليسوا متناقضين؛ لكن المتناقض هو من يزعم الإيمان ويدعيه ثم يتحاكم إلى أحكام هؤلاء الجاهليين.
следующие страницы →