← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

أسباب الفجوة بين الشباب الملتزم وكبار السن السؤال غالباً ما تحدث فجوة بين الشاب الملتزم وبين كبار السن، فماهي الأسباب وكيف نتجاوز هذه الفجوة؟ الجواب الأسباب كثيرة: منها ما يتعلق بالشاب، ومنها ما يتعلق بالكبار، والأمة الإسلامية لا تعرف هذا الانفصال الذي يُدَّعى دائماً بين الكبار والصغار، وبعض الناس يؤصلون هذا الانفصال، وينسبون إلى النبي ﷺ أنه قال: "لا ترغموا أبناءكم على أن يعيشوا كحياتكم، فإنهم ولدوا لزمان غير زمانكم" أو ما أشبه ذلك، وهذا الحديث باطل وكذب لم يقله الرسول ﷺ ، وليس في ديننا أن الشباب لهم رأي، وأن الكبار أو الشيوخ لهم رأي ووجهة أخرى، فلا نفترض هذا التعارض أو التضاد حتى لا نفكر كيف يجتمع هذا وهذا. وإن من حكمة الله أن جعل في الشباب طاقات، وهذه الطاقات توجهها حكمة الكبار، وتجاربهم؛ فالأمة جسد واحد، وكل عضو من هذا الجسد له قيمته وله دوره؛ فبعض الشباب قد لا يحسن أسلوب الدعوة، ولا يحسن التعامل -وكثيراً ما ننبه ولا نمل من هذا التكرار- إلى الإحسان في المعاملة وحسن الخلق، ولا سيما مع الوالدين الذين قال الله ﵎ فيهما: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فإذا كانا كافرين، ويجاهدانك على الكفر، وأُمرتَ بأن تصاحبهما في الدنيا معروفاً؛ فكيف بهما إذا كانا مؤمنين، ولكن لديهما بعض الأخطاء أو الانحرافات أو التقصير؟! فلا بد من الرفق والإحسان، ومن ناحية أخرى يجب على الكبار أن يتفهموا أيضاً مشاكل الشباب، وألاَّ يقيسوا الأمور من خلال مفاهيم وتقاليد ورثوها، ربما تكون خاطئة، وربما تكون بحاجة إلى تعديل، وربما يكون ما عند الشباب خير. لكن في بعض أمور الدين حقيقة، فالكبار ربما يكونون أكثر محافظةً على الصلاة -مثلاً- من الشباب، ولكن من جانب آخر، فالشباب أكثر إتقاناً لواجبات الصلاة وسننها وآدابها من الكبار، وهذا لا يعني الاختلاف، إنما يعني أن الابن يصحب أباه كلما استيقظ الأب وذهب إلى المسجد، والأب يأخذ من ابنه كيف يصلي، ولا يقل: (عشرون سنة وأنا أصلي هكذا، وأنت تأتي وتقول لي كذا) بل اقبل منه يا أخي، اقبل من ابنك؛ لأنه يعلم ما لا تعلم أنت، فلا بد من الإحسان والرفق والتفاهم من الطرفين.

стр. 2382

تقلب حال المسلم في الطاعة بين الفتور والصحوة السؤال فضيلة الشيخ: حينما أكون مع الشباب الصالح أكون نشيطاً، ولكن إذا ذهبت إلى منزلي وإلى المدرسة أُصبح سلبياً، فهل هذه ازدواجية في شخصيتي؟ وبماذا تنصحون؟ الجواب نرجو ألاَّ تكون ازدواجية، وإنما تكون كحال حنظلة ﵁ كما تعلمون حديثه مع رسول الله ﷺ ، ولهذا قال ﷺ : ﴿ولكن ساعة وساعة﴾. القلب البشري مشدود ومرتبط بالأرض، فالإنسان خلق منها؛ ولذلك هناك نوازع ودوافع تدفع الإنسان إليها، وهذا من حكمة الله؛ ليكون هو موضع الإبتلاء من الله لهذا العبد أيرتفع أم يهبط؟ والإنسان لا يستقر على حال، ولو أن كل إنسان عرف الإيمان واليقين والتوحيد استقر عليه؛ ما تفاضل الناس في الإيمان هذا التفاضل، ولا تفاضلت موازينهم يوم القيامة؛ لكن من الناس من يأتيه اليقين ثم يضعف ثم قد يفقده -عياذاً بالله- ومنهم من يأتيه الشك أيضاً ثم يضعف، ثم يذهب ويحل محله اليقين وهكذا، فالنفس الإنسانية لا تستقر على حال. ومن هنا أُمر الإنسان دائماً أن يتعاهد إيمانه، وأن يجدده وأن يحرص عليه؛ فإن من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص، لكن الواجب عليك يا أخي أن تأخذ من حال إقبالك لحال إدبارك، ومن حال يقينك لحال شكك، ومن حال قراءتك لكتاب الله وتلذذك به وتلذذك بالدعاء والمناجاة والضراعة، أن تأخذ من ذلك وتستبقي إلى الحالات التي تجد نفسك فيها قاسي القلب، لا ترى الخشوع، ولا تحس بلذة الضراعة ولا لذة المناجاة. هذا هو الواجب، وينبغي للإنسان أن يتعامل مع هذه النفس، وكثيراً ما يشكو الإخوان من هذه الظاهرة، وكثيراً ما تحدثنا عنها، وتحدث عنها العلماء ﵏ قبلنا.

стр. 2383

خطر الخلاف بين الدعاة والملتزمين السؤال أنا شاب التزمت بدين الله -والحمد لله- ولكني فوجئت بواقع الشباب؛ حيث أنهم يعيب كل منهم الآخر، فكاد هذا الأمر أن يصرفني عن الالتزام وعن الطريق المستقيم، فما توجيهكم؟ الجواب هذا جزء مما أشرنا إليه من التناقض، فالتربية إن لم تكن مضطردة، فلا شك أنها سوف توقع الشاب في الحيرة والربكة والتناقض، فإذا كان المدرسون متناقضين أو أن البيت يتناقض مع المدرسة يقع الشاب في الحيرة؛ فكيف إذا كان التناقض بين من هم في نظر الشاب يمثلون الخير والصلاح والاستقامة؟ ولا يعني ذلك أنه لا يوجد خلافات بين العلماء أو بين الدعاة فإنها موجودة، لكن ما فائدة أن تعرض هذه الأمور أمام الشباب؟! وما فائدة أن ينتقد الشباب بعضهم بعضاً، أو أن ينتقد بعض الدعاة بعضاً، أو أن ينتقد بعض الشباب بعض الدعاة أو العلماء أمام هذا الشاب الذي هو أحوج ما يكون أن يصلب عوده، ويقوى إيمانه في معرفة الحق والخير والتمسك. فالواجب والأساس هو: أن ندعو الشباب إلى التمسك بالكتاب والسنة إلى الحق لا إلى الرجال فنحن بالحق نعرف الرجال، وليس بالرجال نعرف الحق -أي أن المعيار هو الحق لا الرجال- فإذا أصَّلَت هذه القضية عنده أي: الشاب الملتزم واستوعبها وفهمها وتربى عليها، ثم علَّمته أدب الخلاف، وعلَّمته أن الأمة الآن متفرقة، وأنها تُخترق من أعدائها ولكن الحق واحد، وأن الطريق إلى الحق يمكن الوصول إليه -والحمد لله- بانتهاج منهج السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم بالاستدلال والسؤال وكذا وكذا، فإذا تعلم الشاب وعرف ذلك؛ فإنه عندما تعرض عليه العوارض يكون لديه المنهج والميزان. لكن أن نبدأ بتعليمه المشاكل، وليس لديه ميزان ثابت، فهذا -وأقولها بكل ألم وأسف- أَوجد نوعاً من الشباب الذين انحرف بعد الهداية، وارتد بعد الاستقامة -نسأل الله العفو والعافية- لأنها أمور تُؤدِّي إلى خلل كبير في التربية، وتفقد الشاب القدوة؛ ومن طبيعة الشباب التعلق بالنموذج. فهذه قضية يجب علينا أن نعيها، فهي المدخل الذي دخل منه المجرمون والمفسدون؛ فعلموا الشباب أن النموذج هو لاعب الكرة، أو أن النموذج هو الممثل. فلا بد للشباب من نموذج يحبه كشيخ أو داعية أو عالم وهكذا، فبقدر ما تمس أنت هذا النموذج، فإنك تُحطِّم الأمل الذي لديه؛ ولذا يجب أن نربيهم على ألاَّ يتعلقوا بالأشخاص؛ لأنه لا يمكن أن نستأصل من قلوبهم ومن فطرتهم ومن عواطفهم التعلق بنموذج معين حي أو ميت، ولهذا نقول: إن النموذج الذي يجب أن نتبعه جميعاً هو رسول الله ﷺ ؛ وأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. ومن الضوابط التي لا تخفى -إن شاء الله- ألاَّ نحاول تحطيم هذا الشاب بضرب النموذج الذي يحبه أو يميل إليه، ما دام هذا النموذج من أهل السنة والجماعة، وهذا الشرط الأساس الذي لا نتعداه. أما إن كان من أهل البدع، وله مناهج بدعية منحرفة، فهذا لا يصلح أن يكون نموذجاً، بل ليس عضواً فضلاً عن أن يكون نموذجاً.

стр. 2384

الانشغال بعيوب الآخرين السؤال يقول: أجد نفسي شغوفاً بتقصي عيوب الآخرين متناسياً عيوب نفسي، فهل من علاجٍ لذلك؟ الجواب نسأل الله أن يشفيك يا أخي، وأن يشفينا جميعاً، اللهم يا رب! نسألك أن تؤتي نفوسنا تقواها، وأن تزكيها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. إن هذا من شر الأدواء الذي يصيب طلاب العلم -نسأل الله العفو والعافية- فشر الناس من شُغِلَ بعيوب غيره عن عيوب نفسه، وكما قال بعض السلف الصالح: 'علامة إعراض الله عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه' وقال الآخر: 'كانوا ينهون عن فضول النظر كما ينهون عن فضول الكلام'، فكان السلف الصالح -رضوان الله ﵎ عليهم- يُربون تلاميذهم وأمتهم على ذلك؛ فكان عمر ﵁ يُربي الأمة كلها من فوق المنبر فيقول: [[رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي]] فعرف أولئك الأخيار الأطهار أن الذي يضرك هو عيبك أنت، وأن الذي يسيء إليك هو ذنبك أنت لا ذنوب الناس وعيوبهم. إنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لولا أنه يضرنا تركه لما قمنا به، وهذا هو المحمل الصحيح لقول الله ﵎: ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] أي: إذا قمتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يضركم، ولكن الله ﵎ أمرنا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر وندعو إلى الله، وأن نقول للكافر: أنت كافر، وللمبتدع: أنت مبتدع، وللظالم: أنت ظالم؛ لأن الله أمرنا بذلك ففعلنا، وإلا لو لم يأمرنا به لكفانا ظلم أنفسنا وعيب أنفسنا وما فينا من شرك -عياذاً بالله- أو بدعة أو تقصير عن غيرنا. أمَّا أن يصل الأمر إلى أن هذه الشهوة النفسية الموجودة لدى كثير من الشباب تُشبع وتثار، فيصبح بعضهم يتتبع عورات المسلمين، ويتتبع عورات وسقطات العلماء أو الدعاة، ويُربىَّ على ذلك؛ فهذا من أسوأ أنواع التربية، وهذا مرض خطير نسأل الله العفو والعافية، وأُبشِّر من قد يربي الشباب على هذا بأن الدور سيأتي عليه: فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها وأول راضٍ سيرة من يسيرها وتأكدوا أن أي إنسان يطعن وينال ممن يقوم بالدعوة إلى الله ، وإن أخطئوا -وكلنا عرضة للخطأ- لكن من يكون هذا همه؛ فإن الله سيسلط عليه من يفضحه؛ لأن النبي ﷺ قال: ﴿من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف رحله﴾ نسأل الله العفو والعافية. حرصٌ على تتبع الأخطاء ففلان قال فيه كذا، وهذا وقع في كذا، وهذا عيبه كذا سبحان الله العظيم يا إخواني! حتى أئمتنا الأجلاء الكبار الأئمة الأربعة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم لديهم أخطاء؛ فهل يحسن أن نعرضها على الناس، وأن نقوم في المسجد ونقول: الإمام مالك أخطأ في كذا وكذا، والشافعي قال كذا. فالأشياء واضحة جداً ولا نريد أن نخوض في شيء وننهى عن الذي نقول، وكمثال على ذلك -وهذا الذي يقع دائماً بعد شهر رمضان- الإمام مالك ﵀ -إمام دار الهجرة وهو المحدث المشهور الذي ورث هذا العلم العظيم، وأورثه للدنيا كلها- كان يكره صيام الست من شوال، فهل نعدها من السقطات عياذاً بالله؟ أو نقول شيئاً غير ذلك؟ فهؤلاء الأئمة، فكيف بالعلماء من دونهم وكيف بطلاب العلم؟ فالذين يتتبعون هذه المثالب والعورات، ويحبون تتبع عيوب الآخرين؛ يجب أن يعلموا أنهم واقعون في هذا الخطر العظيم، وسيلقون الله ، فنخشى أن يلقوا الله مثل "الرجل المفلس" الذي أخبر عنه النبي ﷺ : ﴿أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بحسنات مثل جبال تهامة، ولكن يأتي وقد ضرب هذا، وظلم هذا، وشتم هذا، وقذف هذا، وأخذ مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته -مقابل ما فعل وما انتهك- فإن نفدت حسناته يؤخذ من سيئاتهم فتطرح عليه فيلقى في النار﴾ نسأل الله العفو والعافية. فاحذروا يا شباب -بارك الله فيكم- واحذر يا أخي؛ حتى مع أهلك في البيت إذا بدأت زوجتك أو أمك تقول: فلانة، فقل لها: لا يا أمي! هذه غيبة، فعلِّم نفسك وعلِّم إخوانك، ولا تذكر مسلماً بشيء أبداً، وإن كان من زملائك أو كائناً من يكون، إلا ما اقتضت بذلك مصلحة شرعية لا مصلحة نفسية أو ذاتية، فبعض الناس يخلط بينهما فيقول: أنا لا أقصد إلا الشرع، اختبر نفسك فإذا كان غرضك الشرع؛ فعلامة ذلك أن تنتقد هذه الكلمة أو هذا الموقف من أي شخص كان، أما أن تنتقدها إن كانت من فلان، فإن جاءت من غيره فإنك تغض الطرف عنه، فاعلم أن الأمر لنفسك وليس لربك، فكل واحد منا يختبر نفسه، والله تعالى حسيبه.

стр. 2385

واجب شباب الصحوة في التضحية في سبيل الله السؤال يقول: شباب الصحوة -والحمد لله- كثير، ولكن يفتقد كثير منهم -ونحن منهم- التضحية لهذا الدين، فكيف نجعل في أنفسنا هذه السمة؟ الجواب نعم هذا حق، ونسال الله أن يوفقنا جميعاً للقيام بهذا الواجب، وأن يكون همنا حين نمسي وحين نصبح هو رضاه سبحانه والدعوة إليه والعمل لأجله؛ فالمؤمن الحقيقي هو الذي يكون هذا حاله؛ ولذلك يضحي، لأنه عرف أنه ما خلق إلا لهذا، وما ائتمنه الله ﵎ بالعلم إلا لهذا. ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ مضحين غاية التضحية، فضحوا بالأوقات رضي الله تعالى عنهم وضحوا بأنفسهم في سبيل الله، وماتوا شهداء، وكذلك ضحوا بالعلاقات، وقطعوا كل الأواصر والتواصل مع أقرب الناس إليهم، إذا لم يكونوا كما شرع الله . أما نحن فحقاً هذا موجود لدينا -عدم التضحية- لضعف إيماننا وقلة يقيننا، وتشعب همومنا، فليس همنا واحداً، وعندما قال ابن القيم ﵀: فَلِواحدٍ كن واحداً في واحدٍ أعني طريق الحق والإيمان فلواحد: هو الله ﵎، وكن واحداً: أي كن أمة لا تتشكك ولا تتشعب أيضاً؛ في واحد: أي في طريق واحد وهو طريق الحق وطريق الإيمان. نحن الآن: يُزاحم هذا الهم -هم الدعوة، وهم رضى الله ﵎، والعمل للدار الآخرة- يزاحمه العمل للدنيا والوظيفة، وحظ النفس، وحب الراحة والإخلاد إلى الكسل، كلها تزاحم هذا الهم؛ ولذلك يجب أن نضحي، ويجب على الشباب أن يتعود على التضحية. فنقول: ضحِ يا أخي بوقتك، وضحِ بمالك، وأنفق في سبيل الله ؛ ولو أن تشتري شريطاً أو كتاباً أو أن تشتري ورقة تكتب فيها إعلاناً أو تصور إعلاناً من إعلانات الدعوة إلى الله . ضحِّ ولو بسمعتك؛ فلماذا قال الله ﵎: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]؟! لأن اللُّوام كثير؛ فهذا يقول: جن الرجل! وهذا يقول: أصابه الخبل! وذاك يقول: ترك وظيفته من أجل الدعوة!! وهذا يقول: ضحى بنفسه! فكل واحدٍ سيلومه، ولكن ضحِ بكل هذا، ولا يهمك إلا أن تكون فعلاً كما يرضي الله، فإن أرضيت الله كفاك الله تعالى عن كل ما عداه، نسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم للجهاد والتضحية والبذل له وفي سبيله.

стр. 2386

توحيد الله هو قضية الأمة بأجمعها السؤال لقد ذكرت أن الشباب إذا اهتموا بقضيتهم فإنهم يُنتجون، فما هي قضيتنا حتى ننتج؟ الجواب قضيتنا هي توحيد الله وعبادة الله، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وإقامة هذا الدين في الأرض، والاهتمام بأمر المسلمين؛ لأن ﴿من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم﴾، فهم ﴿كالجسد الواحد﴾ كما ذكر النبي ﷺ ، وهذه قضية المؤمن؛ بل قضية كل إنسان يريد أن يسعى إلى رضى الله، وأن يقدم مرضاة الله على هوى النفس وعلى حظها، وأن يقدم في الدنيا ما يقربه في الدار الآخرة، ويرفعه الله أو يقدمه في هذه الحياة الدنيا؛ وأن يحب لإخوانه المسلمين ما يحب لنفسه، وأن يوالي في الله، ويعادي في الله. فهذه قضية أو جوانب من القضية الرئيسية الكبرى؛ ثم تندرج تحتها الواجبات مما فرض الله تعالى علينا القيام به جميعاً، من صلاة وزكاة وصيام وحج وجهاد وكل ما شرع الله ، فلو لم يكن عند المسلمين إلا سنةً من سنن رسول الله ﷺ فأهملت أو أميتت أو تركها الناس؛ فإنه يجب علينا أن نحييها، فكيف إذا أُهمل التوحيد؟! وكيف إذا أهملت أركان الإسلام؟! إذاً يجب أن نجاهد لكي نحيي ما أمات الناس، ونصلح ما أفسد الناس، لتكون فينا صفة الغرباء الذين أخبر النبي ﷺ عن حالهم وبينه، فهي قضية واحدة، وتستطيع أن تجعلها قضايا كثيرة بحسب التخصص والتأهل، فقضية العلماء غير قضية العامة، وقضية المتخصص في جانب معين غير قضية من يتقن جانباً آخر، قضية التاجر المسلم -صاحب المال- غير قضية صاحب العلم، فصاحب العلم يؤلف، ويدحض الشبهات، ويبين البدع، ويكشف الضلالات، ويقيم الحجة؛ أما التاجر المسلم فقضيته أن ينفق وأن يعطي، ويمد الجمعيات الإسلامية التي على الكتاب والسنة ومنهج السلف، وأن يبني المدارس والمساجد وهكذا. فكلٌ منا له قضية بحسب موقعه الذي أعطاه الله، فقضية المدير في إدراته أو الوزير في وزارته أو الحاكم في دولته هي إقامة دين الله، وإقامة حدود الله -إقامة فرائض الله بحسب ولايته التي أعطاه الله وكذلك قضية الزوجة في بيتها: أن تحفظ نفسها وتطيع ربها وتطيع زوجها وتربي أبنائها؛ وكل هذا قد جعله الله تعالى على التفصيل أيضاً، فكل منا له قضيته، لكن في الجملة قضية الأمة قضية واحدة، وهي توحيد الله تعالى، وكذلك القضايا الأساسية الأخرى المتفرعة عنه.

стр. 2387

وسائل تفعيل قضية التوحيد والدعوة إلى الله السؤال ألا تظن أن المعرفة الذهنية لهذه القضية موجودة؟ ولكن ماهي الوسيلة لجعلها يقيناً يتحرك من أجلها كل مسلم؟ الجواب نعم. يكون ذلك باستشعار المسئولية التي سوف يسألك الله ﵎ عنها يوم القيامة؛ وكما ألمحنا أن كل منا مسؤول عن هذه القضية، وعن هذا الهم، وإذا علمت أن الله تعالى سيسألك بحسب علمك أو بذلك أو الجانب الذي أعطاك؛ وأن الله ﵎ إن أعطاك المال فليبتليك ويختبرك، وإن أعطاك العلم فلذلك أيضاً، وإن أعطاك ما أعطاك، فإنما أعطاك كل ذلك لتقوم بحقه ﵎ فيه بأقل شيء وهو -كما نقول دائماً وهو الذي لا نملك نحن أن نعتذر عنه- أن ندعو الله ﵎، فعمل القلب مهم، كحب الأخيار، وحب الصالحين، وحب الدعاة إلى الله، والدعاء لهم بأن يحفظهم الله، وأن ينصرهم، وأن يؤيدهم، وكذلك حب إخواننا المجاهدين -في كل مكان- والداعين إلى الكتاب والسنة في كل مكان أيضاً، ودعاء الله ﵎ لهم، والذب عن أعراضهم. وأيضاً: كُره المنكرات وأهلها، والبدع والضلالات ومن دعا إليها، ودعاء الله ﵎ أن يهديهم أو يهلكهم، فإن هذا أمر قلبي. أما أن المؤمن يعيش فيصبح ويمسي وهمه الدنيا والمطعم والمشرب والوظيفة والزوجة والسيارة، ولا يهمه رضى الله، ولا توحيده، ولا طاعته، ولا نشر السنة، ولا نشر الحق والخير؛ فهذا الذي -في الحقيقة- يجب عليه أن يعيد النظر، وكل منا حسيب نفسه بأن يعيد النظر ليختبر إيمانه ويجدده، لينال رضى الله وينال جنة الله ﵎. فاتقوا الله، واعملوا أن هذه الأعمار ثمينة، فوالله إن الإنسان يوم القيامة سيندم، ويتمنى لو أنه يجد دقيقة واحدة يقول فيها: سبحان الله أو الحمد لله أو لا إله إلا الله أو الله أكبر، لأن هذه غراس في الجنة؛ فإذا رأى أن غراس أخيه أكثر من غراسه، تمنى ولو دقيقة ولو لحظة ليعود، قال تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فيتمنى أن يعود إلى الدنيا ليقول: (أشهد أن لا إله إلا الله). فهذا العمر ثمين جداً، ولكنه يُضاع، وأعظم طاقات الأمة تُضاع في اللهو وفي اللعب، ولو أن أحداً بدد ثروات الأمة، ونهب بترولها، ودمر مدنها؛ لغضبنا جميعاً. فوالله إن طاقات الشباب، وأعمارهم، وأوقاتهم، أثمن وأغلى من البترول، ومن كل حضارة مادية ننجزها؛ ومن كان يخالفنا في هذا فليس بيننا وبينه اتفاق في شيء.

стр. 2388

شمول الرسالة لكل زمان ومكان تحدث الشيخ حفظه الله عن الرسالة والمرسلين بشكل عام، وعن الرسالة المحمدية بشكل خاص، وتطرق في أثناء حديثه إلى ما تتميز به الأحكام في شريعة الإسلام، ثم عرض الشبهة التي ردت بها الأمم السابقة رسالة رسلها زاعمة أنها ذات حضارة وعلم وبين الرد على هذه الشبهة، ثم تحدث عن أهمية الشرع كميزان توزن به الأعمال، وأن من حكم الشرع سعد في دنياه وأخراه، ومن عصى ربه وترك شرعه ذل وهان على الله في الدنيا واستحق عذابه في الآخرة. ثم ختم حديثه مبيناً أن شرع الله ثابت لا يتغير بتغير الأزمان والأشخاص.

стр. 2389

عموم الرسالة المحمدية إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. وبعد: الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه، ليس بفريد ولا بجديد عليكم، وكما تعلمون جميعاً أننا أمة تنتخب، وتتبع أفضل رسول وهو رسول الله محمد ﷺ . هذا النبي فضَّله الله ﵎ -كما أخبر هو عن نفسه- فقال: ﴿فُضلت على الأنبياء بست، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة﴾، وفي بعض الروايات: ﴿بخمس﴾ فهذه من أعظم الخصائص والمميزات التي تميزت بها رسالة محمد ﷺ ، كما ذكرها الله ﵎ وأمر بها في كتابه الكريم، حيث قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال جل شأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ:٢٨]، فرسالته ﷺ ودينه وشرعه عام، وهذا العموم من جهتين: الجهة الأولى: من جهة عموم من أُرسل إليهم، فقد كان الأنبياء ممن قبله ﷺ يُبعثون إلى قومهم خاصة، وبعث ﷺ إلى الناس عامة، فهذا من جهة المرسل إليهم والمبعوث فيهم. الجهة الأخرى: من جهة الزمان، فإن شريعته ﷺ باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأما شريعة من قبله ﷺ ؛ فإن النبي كان يُبعث وشريعته مؤجلة ومؤقتة إلى أمد معين. فبهذا العموم يتبين لنا: أنه لا يمكن ولا يصح أن نتصور أن أمرًا من أمور الحياة يخرج عما جاء به النبي ﷺ ، ولا نتصور -أيضًا- أن فردًا من الأفراد -كائنًا من كان- يخرج عن شريعته ﷺ ؛ فالظروف تتغير، والأحوال تتجدد، والأمم تحيا وتبيد، والحضارات تنشأ وتضمحل. ولكن المنهاج الواضح والشريعة الواجبة على الجميع، الملزمة لكل واحد منهم، باقية وخالدة إلى أن يرث الله ﵎ الأرض ومن عليها؛ فلا يخرج أحد عن شرعه ﷺ كائنًا من كان، ولا تخرج قضية من قضايا الزمان عما جاء به ﷺ كائنةً من كانت هذه القضية، وقد ظهر أثر هذا العموم في التشريعات التفصيلية التي جاءت بها هذه الشريعة العامة الشاملة الكاملة.

стр. 2390

شمول أحكام الشريعة فإن من الأحكام ما يتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن كونه متحضرًا أو مبتدياً في بادية، يعيش في غابة أو يعيش في مدينة، متعلمًا كان أو جاهلاً، فبغض النظر عن هذا كله، فإن هنالك أحكاماً تتعلق به من حيث كونه إنسانًا، والإنسان من حيث إنه إنسان له مشاعره وله أخلاقه، وله أسرته التي لا تتبدل ولا تتغير، مهما كان وضعه ومهما كانت حياته، ومهما كان عصره؛ ولهذا نجد في ديننا وفي شريعة نبينا محمد ﷺ أن الأحكام التي تتعلق بهذا الجانب ثابتة راسخة محددة. فمثلاً: فإن أعظم الواجبات، وأعظم ما دعا إليه النبي ﷺ والأنبياء جميعًا هو: توحيد الله ﵎؛ فالإنسان أينما كان، في أي عصر وفي أي مصر، في أرقى المدن الصناعية أو في الغابات البدائية أو في الصحراء البدوية أو في أي مكان، هو عبد يجب أن يُوحد الله ﵎ ويفرده بالعبادة، ولا يخرج عن ذلك قيد أنملة ولا قيد شعرة. ومن هنا جاءت أمور العقيدة مفصلة مبينة لكل إنسان وفي كل زمان؛ فأنواع الكفر واضحة، والشرك الأصغر، والأكبر، الكبائر والصغائر، وكل ما يتعلق بأمر العقيدة، وكل ما يتعلق بأمور الغيب التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها قد جاءت محددة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها؛ لأنها تتعلق بك أيها العبد. فمن حيث أنك إنسان، فأنت بذلك عبد، وكل عبد فإنه لابد أن يعبد الله ﵎، وإنه إن خرج عن ذلك؛ فإنه سيعبد غير الله، فالإنسان عبد لا محالة؛ ولكن يجب عليه أن يصرف العبودية لله ﵎ وحده لا شريك له، وكذلك في التشريعات أيضاً. نجد أن أحكام الأسرة، أحكام الطلاق، وأحكام العدة، والظهار، والإيلاء، وكل الأحكام -حتى في الإرث- قد فصَّلها الله ﵎، فالإنسان أينما كان يحتاج إلى الزواج، ويحتاج إلى الأسرة -في أية بيئة عاش، وفي أي زمان عاش- ومن هنا جاءت هذه الأحكام مفصلة منذ أن يبدأ الإنسان بخطبة المرأة، ثم العشرة بين الزوجين، ثم تربية الزوجة والأبناء على طاعة الله ﵎ إلى أحكام الميراث، والطلاق، والمظاهرة، والإيلاء. فكل هذه الأحكام جاءت مفصلة، فلا يخرج عنها عبد؛ لأن هذا الإنسان العبد المخلوق بمقتضى إنسانيته سوف يصير من هذا النوع، فسوف تحصل له هذه الرغبة، ويتزوج ويكون ذا أسرة؛ فيجب أن تكون أموره منضبطة وسائرة وفق ما شرع الله ﵎، فهذه الأمور لا مجال فيها لأن يقال: هي في عصر كذا تختلف عنها في عصر كذا؛ لأنها متعلقة بكل عصر وبكل إنسان وبكل زمان ومكان.

стр. 2391

اختلاف الأحكام من حكمة الله تعالى وأما الأحكام الأخرى فمن حكمة الله أن الأحوال والظروف تختلف فيها؛ فإن الله شرع لها من الأحكام قواعد عامة، تندرج تحتها كل أمور وأحوال الناس، فأمر الله ﵎ بالعدل، ونهى عن الظلم والبغي والعدوان، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وأمر بالخير وبالبر وبحسن الخلق، ونهى عن أكل المال الحرام وأمثال ذلك. والإنسان يجد أنه مهما تغيرت أنواع المال أو أنواع الممتلكات؛ فهي إما من حلال، وإما من حرام، فهذه القواعد العامة تحكم وتضبط هذه الأمور، وتندرج تحتها مهما تغيرت الأزمان، ومهما تغيرت الأحوال.

стр. 2392

شبهات المكذبين بالرسل

стр. 2393

أولاً: دعوى رد الرسالة إن كثيراً من الناس يغره الزمن الذي يعيش فيه، وقد وقع ذلك في الأمم التي من قبلنا، فكانوا يظنون أنهم بلغوا غاية الحضارة وغاية العلم كما بيَّن ذلك ، فقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] وهكذا كانت حالة الأمم. فكانت كل أمة تأتيها دعوة الله ﵎ إلى التوحيد وإخلاص العبودية لله، تقول: نحن لدينا العلم لدينا ما يكفينا لدينا حضارة لدينا وسائل للحياة وللترفيه وللسعادة؛ فلا حاجة لنا بما تدعونا إليه ومما يطبع على قلوب العباد، ومما يسبب لهم الإعراض عن ذكر الله ﵎، ويصدهم عن دعوة الأنبياء وعن دعوة الدعاة، وعن دعوة المصلحين في كل زمان ومكان. فالتعلق بهذه الحياة الدنيا إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى ما عند الله ﵎، فيظن الإنسان أنه في هذا العصر قد بلغ الحضارة التي لا غاية بعدها، وهو بذلك ليس بحاجة إلى الدين؛ فكأن الدين جاء لعصر متأخر، أما نحن في عصر الحضارة هذه، فلا حاجة بنا إلى العبودية، والكبر الموجود في النفوس يرتفع بها عن أن تخضع لعبودية الله ﵎. وهذا جواب قديم أجاب به قوم فرعون، وأجابت به عاد وثمود وقوم نوح، وكل من سبقنا من الأمم التي ذكر الله ﵎؛ أنهم أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها من بعث فيهم محمد ﷺ ، الذين ما بلغوا معشار ما آتى الله تلك الأمم. وما تزال آثارهم باقية شاهدة، كالآبار المعطلة، والقصور المشيدة، والسدود المنيعة، والحصون، والأهرامات، ومدائن صالح، وهي الأماكن التي تقصد للسياحة. سبحان الله العظيم! النبي ﷺ أمرنا -وهو مفهوم كتاب الله ومنطوقه- إذا مررنا بهذه الديار أن نمر بها مستعبرين، أي: باكين مسرعين، وألاَّ نقيم فيها؛ فهي ليست للتفرج ولا للتنزهه، لا الأهرام ولا مدائن صالح ولا سد مأرب ولا كذا ولا كذا، إنما هي للعبرة والاتعاظ. ولكن أين المعتبرون؟! وأين المتعظون؟! فالله تعالى جعلها علامات شاخصة ناطقة، تشهد بما فعلت الأمم التي قبلنا، حيث قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:١١ - ١٣] ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]، أي: فمن عمل مثل عملهم جوزي بمثل جزائهم وعوقب بمثل عقوبتهم، قال سبحانه: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، أي: هكذا الأمم، فكل أمة أخذت بذنبها، وإن اختلفت وتنوعت العقوبات. فبقيت هذه الآثار شاهدة على أن الحضارات مهما تطورت، ومهما تقدمت، وتفننت بأساليب العيش، أو بالقصور المشيدة، أو بالمزارع الفخمة، أو بوسائل الترفيه، أو بوسائل التسلية؛ فإنها لابد أن يكون مصيرها إلى الدمار والخراب إذا عصت الله وفسقت عن أمره ﵎. فالمسارح الرومانية ما تزال إلى اليوم وهي مسارح كان يجتمع فيها الرجال والنساء ويرقصون ويمرحون، وكانت فيها حلبات للمصارعات الحرة بين الرجال والوحوش وكل هذا كان في القديم، فالدورات الأولمبية التي نسمع عنها اليوم، كانت موجودة عند اليونان بجميع أنواع الألعاب المختلفة، وكانت معروفة لديهم. إن كل أمة أخذت في هذا الجانب كانت تظن أنها في غاية الحضارة وقمتها، وأن أي داعية يدعوها إلى الله وإلى الدار الآخرة؛ فإنه لا استجابة له ولا إذعان ولا قبول؛ لأنه يدعونا لأن نترك هذه الوسائل وهذه الحضارة وننسلخ منها، ونطلب المتاع الذي لا يريدون أن يطلبوه، ويؤثرونه على ما عندهم من المتاع، ثم خلف الله ﵎ من بعدهم بالخلوف، وجئنا نحن في هذا العصر، واستجدت في هذا العصر أحداث وأحداث، حتى ظن الناس -بما أنهم اليوم قد ركبوا الطائرة أو السيارة، أو أن بعضًا منهم قد غزا الفضاء وما أشبه ذلك- أن أمر الدين وأمر الله ﵎ كله أو بعضه لا ينبغي أن يقال أو أن يقدم في هذا العصر عصر الحرية عصر الانطلاق عصر كذا وكذا.

стр. 2394

ثانياً: الجواب على الدعوى إن الجواب على ذلك -كما سبق أن أوضحنا هذه الشبهة الشيطانية- أن الإنسان هو الإنسان، سواءً كان على الأرض، أو كان في الفضاء، أو كان في أي مكان؛ فهو عبدٌ لله ﵎، ويجب أن يعبد الله وأن يوحد الله ﵎. أما أن الإنسان يطلب زيادة في الترفيه والتنعم؛ فهذا من فضل الله ، ولا ضير في ذلك؛ بل إن من أعظم ما ميَّز الله ﵎ به الإنسان عن الحيوان أن الإنسان يعمر الأرض؛ لكن يجب أن يعمرها بما أمر الله ﵎؛ وهذا قولهم بأنفسهم، يقولون: إنهم نظروا، فوجدوا أن أذكى الحيوانات وهي القردة أو الثعالب التي في القرن العشرين، تسكن في البيت الذي كان يسكن فيه القرد أو الثعلب منذ أمد الآماد، والبيت هو نفس البيت -من حيث الشكل- بدون أن يحدث أي تجديد؛ لكن الإنسان يسكن في العشب في الخيمة وأحيانًا في كهف ثم يبني ثم يتطور البناء ثم يتجدد، وكل ذلك لا ضير فيه في ذاته.

стр. 2395

الشرع هو ميزان الأعمال إن الله تعالى قد ميَّز الإنسان، وأذن له، وجعل له الأرض ذلولاً، وأمره أن يمشي في مناكبها، وأن يأكل من رزقه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥]. أي: أنه يجب أن يكون السعي في هذه الأرض موافقًا لأمر الله؛ فلتتجدد هذه الوسائل ما شاءت. المهم أن الإنسان يكون قلبًا وقالبًا خاضعًا لأوامر الله ﵎. فلا تُذَمُّ اللذة أو حب الخير أو حب النفع؛ بل أمر النبي ﷺ أن نحرص على ما ينفعنا، ونحمد الله ﵎ أن ديننا كذلك، فما من خير إلا ودلنا عليه النبي ﷺ ، وما من طيبة إلا وأحلها الله ﵎ في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ . إذًا: ما الذي حرم علينا؟ وما الذي منع عنا؟ وما الذي نهينا عنه مهما تغيرت الأزمان والعصور؟ إنه ما حرم الله ﵎، فلا يعني ذلك أنه: إذا كانت الخمر تشرب من العنب أو من الشعير، وتصنع منه بطريقة بدائية في أواني من الفخار فهي حرام، فإذا صنعت في زجاجات فاخرة، وختمت بالشمع أصبحت حلالاً! لا والله! أو أن المرأة إذا كانت بدوية، أو متنقبة في البادية، أو في الخلاء، أو في القرية، فحرام أن ننظر إليها، وحرام أن يخلو بها إلا ذو محرم؛ فإذا كانت متعلمة أو مثقفة في المدينة، أو في أية وسيلة من وسائل الإعلام أصبح النظر إليها حلالاً لا والله! فالوسائل تتغير، وتتجدد، ولكن الحكم لا يتغير ولا يتبدل؛ واللذة أو المنفعة لا تأتي في هذا الجانب. فالله فطر الإنسان على طلب الخير ولذة الخير؛ ولكن ما الضابط؟ وما المرجع؟ وما المعيار الذي نعرف به هذه اللذة النافعة من اللذة الضارة؟

стр. 2396

شرع الله لا يتغير إن الأشجار وهي أشبه بالجماد، تتجه عروق الشجرة إلى جهة الماء، وتتجه -أيضاً- أغصانها إلى جهة الضوء، لماذا؟! تريد أن تحيا، وتريد أن تنمو؛ فهل هذا يضير؟ لا ضير في ذلك، وكذلك الإنسان يريد أن يتغذى، فهل حرَّم الله تعالى عليه ذلك؟ لا! الإنسان يريد أن يتزوج، يريد هذه الرغبة الجنسية، فهل حرمها الله؟ ليس في ديننا رهبانية. الإنسان يريد أن يُمتِّع ناظريه ويرى، فهل حرم الله ذلك؟ فأية طيبة لم يحرمها الله ﵎ في أي عصر وفي أي وقت. والذي جعله الله تعالى معيارًا للتمييز بين النافع وبين الضار من هذه الملذات ومن هذه الشهوات، هو أن نتبع ما شرع الله ﵎، فإذا اتبعنا أمر الله، ووقفنا عند حدود الله، وتمتعنا بالطيبات التي أحلها الله؛ ففي ذلك الغنية كل الغنية عما حرم الله، وفي ذلك السعادة والطمأنينة والأمن والراحة والرخاء للمجتمع، وللأمة بأسرها، وللعالمين أجمعين.

стр. 2397

الشرع به يحيا العباد إننا إذا خرجنا عن حدود الله ، ورأينا أن ذلك يحقق لنا مصلحة أو دنيا أيًا كانت؛ فهو الشر وهو الوبال -كما ضرب النبي ﷺ بذلك المثل في القوم الذي ركبوا السفينة واستهموا، فكان قوم في أسفلها وقوم في أعلاها، فقال الذين هم في أسفلها: إذا أردنا الماء نصعد إلى الأعلى ثم نستقي، لماذا والماء قريب منا؟ هلاَّ خرقنا من هاهنا وأخذنا الماء! فيرجع الأمر إلى الذين في أعلاها، فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا، وإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعًا، عافانا الله وإياكم من الهلاك. فالإنسان كونه يطلب الشيء لا مانع، لكن يطلبه من الطريق المشروعة؛ فلا تقل: أنا أريد أن أمتع ناظري بما أشاء من هذه الوسائل الجديدة. ولا تقل: أريد أن أمتع سمعي بما أشاء من هذه الوسائل الجديدة. لا تقل: العصر قد تغير! نعم العصر يتغير، والزمان يمر ويمر؛ ولكن دين الله ﵎ باقٍ، وأنت عبد؛ عبدٌ إن خلقت قبل قرون أو إن وجدت بعد قرون أو في هذا الزمن، فأنت عبد له ﵎، ولا تخرج عن طاعة الله ﵎، ولا تخرج عن شرع نبيه محمد ﷺ ، والله ﵎ إنما جعل هذا الدين وهذا العقل ليميز الإنسان به في حياته، جعل له نبراساً ومنهاجًا، فلو وكل الله تعالى الأمر لعقولنا لما اتفقنا على شيءٍ أبداً. انظروا إلى العالم الغربي الذي يتخبط! تجدون التخبط العجيب في حياتهم! لأنهم لا يملكون الميزان، ولا يملكون المنهاج الذي يسيرون عليه، وكلما تغير الزمن؛ تنمو العقول فهذه أخلاق العصر الزراعي، وهذه أخلاق العصر الصناعي، فالمرأة في العصر الزراعي تعمل مع الرجل في المزرعة، ويملكها رجل واحد فقط، والمرأة في العصر الصناعي من أخلاقها أنها تخالط الرجال، وتسهر كما تشاء، وتظهر كما تشاء، وتتبرج كما تشاء! لماذا؟! قالوا: العصر تغير! فالأول عصر زراعة، وهذا عصر صناعة؛ فجعلوا الذي يغير الأخلاق ويغير ما تعارف عليه الناس من قديم، بل ما نزلت به الشرائع من عند الله ﵎ هو: حالة الإنسان الدنيوية، ونحن الآن كما قال النبي ﷺ : ﴿لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾، وفي رواية للإمام مالك ﵀ قال: ﴿لو أن أحدهم أتى امرأته على قارعة الطريق لفعلتموه﴾ عياذًا بالله. أي: أن ذلك من شدة اتباعنا لهم؛ وهذا ما يحصل الآن أو ما يراد أن يحصل أن نتبع الغرب وأن نغير ما شرع الله، أو نعرض عما أنزل الله، بحجة أن الزمن قد تغير، وأن العصر قد تبدل. فلنحرص جميعًا على أن نزن أمورنا وأعمالنا ومعتقداتنا وأحكامنا وآراءنا ومناهجنا وطرائقنا ووسائلنا وغاياتنا؛ نزنها جميعًا بما أنزل الله ﵎؛ ففي ذلك الهدى كل الهدى، وهذا هو الاتباع الذي بغيره لا نكون مؤمنين أبداً. يقول الله ﵎ لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. فهذا هو الذي يحقق لنا الإيمان والانقياد والإذعان لأمر الله من غير منازعة ولا معارضة ولا مدافعة؛ وإنما هو التسليم والانقياد فورًا، كما كانت الخمر حلالاً، فأنزل الله ﵎ تحريمها، ثم قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]، قالوا: انتهينا انتهينا! وجرت أزقة تظلل بالخمر من دون رقابة ولا هيئة ولا تفتيش، إلا رقابة الله التي في القلوب، وكما كان الرجال والنساء يختلطون، وينظر بعضهم إلى بعض، فلما نزلت آية الحجاب، فإذا بنساء الصحابة يخرجن كأنهن الغربان، لا يرى من الواحدة منهن قيد أنملة؛ حتى أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى إحدى أمهات المؤمنين فقال: قد عرفناكِ يا سودة. يقول: قد عرفناك، أي: ما دمنا عرفناك؛ فإذًا لست متحجبة -مع أنه لم يرَ منها شيئاً- ولكن النبي ﷺ لم يقره على ذلك؛ وإنما أخبر أنه إذا استترت المرأة فإنه يجوز لها أن تخرج لحاجتها -كما كانت أم المؤمنين خارجة لقضاء حاجتها- فنجد أنه ما من أمر ينزل من أوامر الله إلا ويلتزم به فورًا، وهذا هو الإيمان حقيقة.

стр. 2398

ذلة المخالفين للشرع ولقد منَّ الله ﵎ على ذلك الجيل من أولئك الصحابة، ففتح لهم الأرض وسخَّر لهم خزائن كسرى وقيصر، حتى أنفقوها في سبيل الله ﵎، كما أخبر بذلك النبي ﷺ : ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾ وأنفقت، لأن من حقق العبودية لله جعل الله ﵎ عباده الآخرين عبيدًا له، فجاءوا بأبناء الملوك مصفدين بالحديد، وهم لهم حضارات ولهم وسائل ولهم ولهم من التطور والتقدم ما لهم، ولكن! إذا عصينا الله ؛ فإننا نهون عليه تعالى، حتى يسلط علينا أولئك، فنكون عبيدًا لهم عافنا الله وإياكم. ولهذا لما جيء إلى أحد أصحاب النبي ﷺ ببعض الأسرى -وكانوا من قبرص أو من بعض بلاد الروم - فرآهم عظاماً ضخام الجثة ومن الروم والعرب كانوا يهابونهم، فلما رآهم بكى. قيل: لِمَ تبك؟! أتبكي وقد أعز الله الإسلام وجاء بهؤلاء القوم عبيدًا مقرنين بالسلاسل؟! قال: إني لا أبكي أن الله تعالى أعز الإسلام، ولكني أبكي أنني رأيت قومًا عصوا الله فهانوا عليه، فجيء بهم هكذا بعد العزة والمنعة، وإنني أخشى أن نعصي الله فنكون عليه أهون من الجعلان! نعوذ بالله! وهذا هو الذي وقع في هذه الأمة فيما بعد، هانت على الله ، فسلَّط عليها التتار والصليبيين، وسلَّط عليها المستعمرين من كل حدب وصوب، حتى ترجع إلى دينها. فالذل مرتبط بالمعصية، والعزة مقترنة ومرتبطة بالطاعة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يعزه الله تعالى بطاعته، ولا يذله بمعصيته، إنه سميع مجيب.

стр. 2399

قاعدة في التغير إن القاعدة التي يجب أن نضعها في الاعتبار، مهما تغيرت الأمصار والأعصار، أن الله ﵎ يقول: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. فالإنسان مهما تغيَّر الزمن، فله هذه العين، وله هذا السمع، والتفكير. انظروا! هل تتغير هذه مهما تغيرت الأزمان؟ لا تتغير أبدًا، فهذه أعضاء ومنافع جعلها الله ﵎ لك، وهذه الأعضاء -السمع والبصر وأيضًا الحواس الخارجية- بالنسبة للقلب هي مثل الموارد التي تصب جميعًا في حوض واحد. أرأيتم إذا كان حوض أو بركة يصب فيها هذا المجرى النظيف؛ فكيف تكون نظافة هذه البركة؟! فكذلك تكون نظافة القلب؛ لكن إذا نظر الإنسان إلى الحرام أيًا كان هذا النظر -في صورة حقيقية أو مصورة أو قراءة أو أيًا كان هذا الحرام- وكذلك إذا سمع الحرام بأي نوع من أنواع السماع من الأغاني أو الملاهي أو النميمة أو قول الزور أو غيره، أو نطق بذلك، أو بأية حاسة من الحواس الأخرى -مهما تغيرت وسائل الإعلام والإحساس- فإن ذلك يكون مثل أن يكون أحد هذه المجاري التي تصب في القلب هي من الماء النجس أو القذارة! أين تجتمع هذه القذارات؟ تجتمع في هذا القلب. أفيكون هذا القلب حينئذٍ أهلاً لطاعة الله؟! أيكون ذلك القلب مرتبطًا بالله؟! أيكون ذلك القلب خاشعًا لله، وهذه المنافذ تصب فيه؟! لا والله! فهذه مع الدوام ومع الاستمرار، لا تبقي في القلب أي جزء وأي قدر من النظافة، فإذا طمس وطبع عليه، لا تنفعه موعظة، ولا ينتصح بنصيحة. فإذًا: إذا راقب الإنسان هذه الأعضاء، وحفظ الرأس وما وعوى، والبطن وما حوى، وعَلِمَ أن الله سائله عن هذه الأعضاء عضوًا عضواً، وسائله عما عمل، وسوف يستنطق الله ﵎ عليه جوارحه، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٣]، نعوذ بالله من الخسارة! فهذه الخسارة الكبرى. فهل تغير الأزمان وتغير وسائل اللهو أو الفساد أو وسائل الحياة أيًا كانت، أي: أن جلدك تغير؟ أو أن يدك تغيرت؟ لا! لم يتغير جلدك ولا عينك ولا سمعك ولا بصرك، من حيث إنها وظائف جعلها الله ﵎ أعضاء لوظائف أساسية تستخدمها. فإن استخدمتها في الطاعة مع أية وسيلة من هذه الوسائل، كانت شاهدة لك يوم القيامة، ولم تشهد عليك، وإن استخدمتها في المعصية أيًا كانت الوسيلة الذي استخدمتها، سواء نظرت في منظر بدائي أو نظرت في منظر مما يسمى بالمناظر المتقدمة، ولا تقدم في الشر، وإنما الانحطاط والسفور أيًا كان. فالعضو عضو، والشهادة يوم القيامة قائمة، وسوف تنطق هذه الأعضاء، وسوف تشهد، فمن كان ظنه بربه أنه لا يطّلع عليه، ولا يعلم خافيته -عياذًا بالله- فهذه نتيجته الخسارة الكبرى، ستشهد عليه هذه الأعضاء بما ينطقها الله ﵎ به. ومن كان ظنه بربه أنه مُطّلع عليه، وأنه رقيب وحفيظ، فعليه أن يتوب إلى الله وأن يستغفر الله ﵎، وأن يراجع نفسه، ابتداءً من إصلاح قلبه وإيمانه وتوحيده وإخلاصه ويقينه، ثم المحافظة على أوامر الله ﵎، وأعظمها هذه الصلوات الخمس أداءً وجماعةً في المساجد، ثم المحافظة على هذه الأعضاء التي سوف يُسأل عنها يوم القيامة، فلا يجول فكره إلا في حلال أو فيما أمر الله، ولا يمد عينه إلا إلى ما أحل الله ﵎، ولا يبطش بيده أو برجله إلا إلى ما أحل الله ﵎، ولا يقارب سمعه إلا ما أحل الله ﵎؛ فحينئذٍ تكون له الصفحات البيضاء، وتكون له يوم القيامة النجاة، ويكون له الفوز. ونسأل الله ﵎ أن يُعمَّر أوقاتنا جميعًا بطاعته وما يرضيه، وجزاكم الله خيراً والحمد لله رب العالمين.

стр. 2400

صفات عباد الرحمن إن من أعظم أنواع التذكير هو: التذكير بالآيات الكونية والقرآنية، وقد ذكر الله منها الكثير في كتابه كما في سورة الفرقان التي ضمت هذين النوعين، ومن الموضوعات التي تضمنتها هذه السورة بيان حال عباد الرحمن وذكر صفاتهم، وقد تناول الشيخ هذه الصفات في ثنايا هذه المادة مبيناً خلال ذلك أسباب الكفر والشرك، وداعياً العباد إلى الاعتبار بآيات الله.

стр. 2401

في رحاب سورة الفرقان الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، اللهم لك الحمد بالإسلام، اللهم لك الحمد بالإيمان، اللهم لك الحمد بالقرآن، اللهم لك الحمد على ما أنعمت به من أخوة الإيمان ومحبة التقوى، ولك الحمد على ما جمعت به وله هذه الوجوه الخيرة الطيبة، ولك الحمد أولاً وآخراً، ولك الحمد حتى ترضى ولك الحمد بعد الرضا، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك، وصفوتك وخيرتك من خلقك محمد ﷺ ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، الذين فرضوا وسنوا سنة الأخوَّة في الله، والتآخي في ذات الله، والمحبة والتزاور في جلال الله ﵎، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليهم، واجعلنا ممن يقتفي أثرهم، وينتهج نهجهم، ويسير على خطاهم، إنك على كل شيء قدير. أما بعد: شيوخنا العلماء، وآبائي شيوخ القبائل الكرام، وإخواني الكرام أجمعين -الصغير منهم والكبير في هذه القبيلة الطيبة بني كنانة، وفي هذه المنطقة عامة- إن اللسان ليعجز عن التعبير، وإن البيان ليتلعثم ويتردد عندما يكون الموقف مثل هذا الموقف، ماذا نقول لهؤلاء الآباء والإخوة الكرام، الذين أنزلونا منزلةً لا نستحقها، ولكن هكذا أرادوا وهكذا دفعتهم محبتهم وليس في إمكاننا إلا أن نقول: اللهم اغفر لنا ما لا يعلمون واجعلنا خيراً مما يظنون. نعم. إنّ اللقاء في الله، والمحبة فيه، والاجتماع لذكره هو خير ما يسعى له العبد المؤمن، فاغتفرنا -من أجل ذلك وفي سبيله- كل ما يقال وكل ما لا نرضى، ولو أُقررنا أو أُخذ رأينا فإنا لا نقره. وإنما نريد من جميع ومن الإخوان أكرمهم الله وجزاهم الله خيراً ثمرة اللقاء وخلاصته؛ وهي الدعوة بظهر الغيب لكل من يدعو إلى الله ؛ ونريد من الإخوة الكرام وفيهم الأولياء والصالحون والمتقون بإذن الله أن ينصروا دين الله ﵎، فهو أعظم من الأشخاص وأجل منهم -وإن كان من سنة الله ألا يقوم الدين إلا بأفراد وأشخاص-. ونريد من آبائنا وإخواننا وهم سلالة تلك النخبة الطاهرة النقية من صحابة رسول الله ﷺ وعلماء الأمة وخيارها، والتابعين لهم بإحسان، والمجددين في كل القرون، أن يجعلوا -بإذن الله- هذه العواطف الجياشة، وهذا الشعور الفياض؛ قوة دافعة لرفع كلمة الله، ولإعلاء دين الله، ولمؤازرة من يدعو إلى الله، ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في كل قرية وفي كل قبيلة وفي كل مكان من أرجاء المعمورة، وإنهم لأهل لذلك بإذن الله. إنّ الجميع يشكرونكم -وأنا لا أعبر عن مشاعري وحدي- ويرون في وجوهكم وملامحكم مشاعر الصدق والأخوة والمحبة الخالصة، والجميع يريدون -بإذن الله ﵎ أن نكون يداً واحدة من أجل إعلاء كلمة الله، فلا نريد دنياً ولا جاهاً ولا مالاً ولا فخراً ولا خيلاءً ولا مباهاةً. وإنما نريد جميعاً وجه الله ﵎، ونريد الدار الآخرة وما أعد الله ﵎ لعبادة المتقين وأوليائه الصالحين: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] فشكر الله لكم أولاً، وشكر لكم آخراً، وجزاكم عنا كل خير، ونخص بالذكر والشكر أخانا الكريم ابن هذه القبيلة الشيخ عبد العزيز حفظه الله وجزاه عنا كل خير، فقد كان له الفضل، وقد كنت أقول لأهل هذه القبيلة عامة: إن ما قام به جزاه الله خيراً يكفي وينوب لا عن قبيلة بني كنانة خاصة بل عن زهران كافة؛ ولكن كرمكم أصر وألح إلا أن يكون له لقاء ويكون لكم لقاء، فجزاكم الله وإياه خير الجزاء. ثم أيها الإخوة الكرام -كما تفضل الإخوة- إنما غرض الاجتماع واللقيا هو التواصي بذكر الله: التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وإن الإنسان عندما يأتي إلى أمثالكم يتحير في أي موضوع يتحدث فيه، وأي وصية يريد أن يوصي بها، وأي مقال يتكلم به، ولكن كل مرة أجد نفسي لا بد أن أتكلم من وحي الوحي، من وحي كتاب الله ﵎، فكلما تأمل الإنسان هذا الكتاب العظيم، والذكر المبين، والصراط المستقيم، الذي لا يمل منه القُرَّاء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الترداد، فإنه لن يرضى غيره بديلاً. وعندما قرأ الإمام -حفظه الله وجزاه خيراً- هذه الآيات البينات من أواخر سورة الفرقان، ذهب كل موضوع واستجمع الذهن كله إلا أن يكون الحديث عن هذه الآيات البينات، بل عن شيءٍ ونزر يسير مما توحي إليه هذه الآيات العظيمات من كتاب الله ﵎. فهذا الكتاب هو الذي يجب أن يكون في أيدينا وفي قلوبنا، ملء أسماعنا وأبصارنا، نعظ به أنفسنا، وندعو الناس به وإليه؛ كما قال الله ﵎ لعبده ورسوله محمد ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيد﴾ [ق:٤٥] وجاء في الآيات الأخرى في سورة إبراهيم قول الله تعالى لموسى ﵇: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]. ومن أعظم أنواع التذكير: التذكير بالقرآن وبالآيات المشاهدة المحسوسة من أيام الله ومن وقائع الله ﵎ في الذين من قبلنا، وفي مصارع الأمم ومهالكها. فمن لم يعتبر ويتعظ بالقرآن ولا بأيام الله في الذين خلوا من قبلنا كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم قروناً بعد ذلك كثيرة؛ فبماذا يتعظ وبماذا يعتبر؟

стр. 2402

معنى ﵎ والله ﵎ في هذه الآيات البينات يقول: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ [الفرقان:٦١] سبحان الله وتبارك! هذه الكلمة ككثير من ألفاظ القرآن، خير ما تفسرها به هي نفسها، فلو قلت: ما معنى تبارك؟ فإنك لن تجد أفضل من أن تقول: تبارك الله، فهي كلمة واضحة والقلب يستشربها ويستشعرها من غير أن يفسرها، وفي قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] فتبارك الله، أي: تعالى وتقدس، وهي بذاتها -كما قلت- كافية.

стр. 2403

الرد على الكفار في إنكارهم للرحمن إنّ الله ﵎ -في أواخر هذه الآيات العظيمة- يريد أن يرد على الكفار الذين أمروا بأن يعبدوا الله، وأنه ﵎ من أعظم وأجل أسمائه اسم الرحمن، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] أي: اسم الله أو الرحمن، وهما أعظم أسماء الله ؛ لكن ماذا قال المشركون: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً﴾ [الفرقان:٦٠] وقال بعضهم: "لا نعرف رحماناً إلا رحمان اليمامة" مكراً واستهزاءً وسخرية؛ فذكر الله ﵎ في هذه الآيات العظيمة دلائل كونه الرحمن ﵎.

стр. 2404

مظاهر الرحمة والدلائل على أنه الرحمن وعلى أنه المعبود الحق تأتي على نوعين:

стр. 2405

النوع الأول: الدلائل والآيات الكونية وهي آيات عظيمة باهرة عجيبة! قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٥ - ٧٦] فنجد آيات عجيبة في هذا الكون الممدود أمامنا! ولذلك عندما تتأمل في أي شيء يرتد إليك البصر خاسئاً وهو حسير فانظر إلى الآفاق أمامك! وانظر إلى الجبال! وانظر إلى السحاب والسماء! ماذا ترى من آيات الله ﵎! ترى آيات كونية عظيمة، فالكواكب والنجوم والمنازل التي هي البروج، عجز العلماء في كل زمان ومكان -حتى في عصر المكبرات والمقربات والمراصد الضخمة- عن أن يعرفوا أبعاد ونهايات هذا الكون وهذه الكواكب والشموس؛ وهذه المجرات العظيمة، فيقولون: إنها لا نهاية لها، ونحن نعلم أن لها نهاية، غير أن كل ما لا يستطيعون إدراكه يقولون عنه: لا نهاية له، من شدة أبعاده. فنقول: كل ذلك في حدود السماء الدنيا؛ فما بالك بالسماوات السبع؟! فما بالك بالكرسي؟! فما بالك بالعرش وهو أعظم المخلوقات؟! وفوق العرش رب العالمين ﵎ فسبحان الله! ما أعظم الله! وما أعظم الدلائل البينة على قدرته وكماله وعلوه وقهره ﵎! فهذه البروج هي دلائل عجيبة. ثم ذكر الله ﵎ آيتين صغيرتين نراهما نحن كبيرتين، وهما في الحقيقة صغيرتان بالنسبة إلى الكون العظيم، وإلى خلق الله، وملك الله، وهما: الشمس والقمر، فهما آيتان عظيمتان، ولولا أن العقول البشرية إذا تكرر عليها شيء، فإنها تنساه حتى لا تكاد تذكره؛ لكان أعظم شيءٍ في هذه الدنيا هو الشمس؛ ولولا أنها تتكرر كل يوم؛ لكان الناس كل يوم يجلسون في بيوتهم ينتظرونها متى تظهر ويتعجبون منها! فقد أصبح الكثير منا لا ينظر إليها ولا يدري متى أشرقت أو متى غربت، ولا شك أن هذا من الغفلة! لكن لو تأمل الإنسان في هذه الشمس لرأى عجباً! ما هذا السراج الوهاج؟! ما هذه الأشعة؟ ومن أين يأتي هذا الضوء من مسافات هائلة بهذه الدقة، وبهذه المواعيد؛ لتستقيم حياتنا ومعاشنا، فتنضج الثمار ويكبر الصغار، وتكون الحياة، وتكون عملية التبخر، وعملية إنشاء السحاب الثقال، والأمطار والزهور والورود. عمليات كثيرة جداً، منها ما يتكلم عنه علماء الأحياء والطبيعة، ومنها ما لا يتكلمون عنه، ومنها ما يراها العامي، ومنها ما يدركها الفلاح، ومنها ما يدركها العالم الكبير، وتزداد الأيام والليالي توسعاً في هذا العلم عن هذه الآية العظيمة من آيات الله، ولا تنتهي أبداً فهذه الشمس وهي: فهي السراج. أما القمر فكما قال تعالى: ﴿وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١] أي: إن للقمر نوراً، فالله تعالى قد جعل الشمس ضياءً وسراجاً، وجعل القمر نوراً، فهو ليس سراجاً أي: مشتعلاً؛ وإنما هو نور يعكس -بقدرة الله ﵎ ضوء الشمس. وأنت لا تدخل مكتباً من مكاتب الدنيا لموظف أو عامل إلا وأمامه تقويم من أجل المواعيد، ومعرفة الأيام؛ لأن الله تعالى يعرف حاجتنا إلى أن نعرف عدد السنين والحساب كما قال سبحانه: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس:٥] فقد جعل لنا هذه العلامة -القمر- تقويماً عجيباً جداً اختص به المسلمين، ولكن مع الأسف -وهذا من جملة أمور كثيرة تركناها من الأصالة وهي من الدين ومن الخير والفضيلة، ثم أخذنا نتشبه بالكفار- تركنا تقويمنا وأخذنا نحسب بأشهر الكفار. فنقول: هذه آية عظيمة، فالإنسان إن كان عامياً أو كان فلاحاً، إن كان في البادية أو كان في أي مكان، فإنه يستطيع أ، يعرف أن هذا نصف الشهر أو آخره؛ وكذلك جعل الله ﵎ الحج، وجعل العبادات كالصيام والصلاة مرتبطة -أيضاً- بالشمس، وبهذا الذي هو تقويم في كبد السماء، واضح جلي عجيب، فهو يراه كل الناس فيعرفون نعمة الله ﵎ عليهم، كما ذكر الله في كتابه فقال: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء:١٢] فالله فصّل لنا تلك الآيات، وامتن علينا بها، فالشهر كما قال النبي ﷺ : ﴿هكذا أو هكذا﴾ أي: إما ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون يوماً "بحسب النظر والرؤية للقمر لا بشيء آخر غير ذلك، فهذه من أعظم نعم الله ﵎، ولا نطيل فيها ولا في تعدادها لأننا نريد أن ندخل في الأمر الذي نحن نحتاجه وقلوبنا ظمأى إليه.

стр. 2406

النوع الثاني: الاستدلال بعباد الرحمن وأما الدليل الآخر غير الدلائل الكونية فهو: الاستدلال على الرحمن بعباد الرحمن، سبحان الله! كيف يكون هذا؟! إن العاقل البصير يستطيع أن يستدل على أي ملكٍ أو مالكٍ لشيءٍ من الأشياء، ومن كان له صحبة أو فئة أو جماعة أو أتباع؛ بأتباعه وصحبته أو بمن ينتمي وينتسب إليه. ولذلك عندما نعلم أن أفضل الخلق هم الصحابة بعد الأنبياء، وعندما نرى سيرة صحابي واحد من الصحابة؛ فإننا نجد أحدهم آية من آيات الله تتحرك على الأرض، ثم كيف بمجموع الصحابة، ومن الذي رباهم؟! فنستدل بذلك على رسول الله ﷺ ، وأنه أفضل الخلق أجمعين، وأفضل المربين، والمعلمين، كما قال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه: ﴿بأبي هو وأمي ما رأيت قبله ولا بعده معلماً أفضل منه﴾ أي: لا يمكن أن يكون هناك معلمٌ للخير أفضل أو مثل محمد ﷺ . فكذلك أيها الكفار المكذبون بالرحمن، انظروا إلى عباد الرحمن! وانظروا إلى من ينتسب إلى عبودية الرحمن وانظروا ما هي صفاتهم، لتعلموا أنه الرحمن حقاً!

стр. 2407

من صفات عباد الرحمن وقد تعجبون عندما تبدأ الصفات التي قد تكون أقل شأناً بالنسبة لما بعدها، فأعظم صفات المؤمنين هي: أنهم لا يدعون مع الله إلهاً آخر، لأنهم موحدون لله، وهذه أعظم صفة من صفات المؤمنين، وكلنا نعلم ذلك، فأصل كل شيء هو الإيمان وإخلاص التوحيد لله ﵎، لكن هنالك حكم عظيمة في تقديم الأقل أحياناً ثم التدرج إلى الأعلى. والصفة التي جعلت الكفار يكفرون بالرحمن ويزيدهم نفوراً، وجعلتهم يتمردون على أوامر الله، ويستكبرون عن طاعة الله؛ فلا يقبلون قول الله ولا قول رسوله ﷺ -والعصاة لهم تبع في ذلك- هي: صفة الكبر -والعياذ بالله- فالمتكبر يستكبر على الله، ويستكبر على الإيمان، والحق، والدين، فهو يستكبر بسلطانه، ويستكبر بماله وأولاده وبمقامه عند الناس، ويفتخر بآبائه وأجداده. وكل أنواع الكبر كان أول من سنها هو إبليس الذي أبى واستكبر وكان من الكافرين، وذلك عندما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. وكذلك كفار قريش عندما قالوا: كيف ينزل القرآن على محمد ﷺ ؟ ولماذا لم ينزل على رجل من القريتين عظيم؟ وهما: الوليد بن المغيرة -أو الحكم بن هشام - وعروة بن مسعود من الطائف، لوجود معايير الكبر عندهم دائماً؛ ولذلك تجد القلوب العادية أو التي لم تتفقه في دين الله دائماً تهتم بالكبير؛ وفي الحقيقة أنه: كم من كبير عند الناس وهو صغير عند الله ﵎. ولهذا عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه، عندما وقف وخطب وتذكر ما كان عليه الصحابة من قبل وما عانوا وما لاقوا، ثم تذكر ما أعطاهم الله ﵎؛ قال: [[وما منا اليوم إلا من هو أمير على مصر من الأمصار، قال: وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي كبيراً وعند الله صغيراً]]، أي: لا ينفعه ذلك وهو الصحابي رضي الله تعالى عنه. فهذه الصفة -الكبر والعياذ بالله- أكبر حائل وأكبر مانع عن الحق.

стр. 2408

التواضع لذلك كانت أول صفة من صفات عباد الرحمن هي: التواضع، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] فقوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] فالإنسان قد يقابلك ولا يكلمك؛ -لأنه ليس شرطاً أنك كلما قابلته أن تكلمه أو يكلمك- ومع ذلك فمن كيفية سيره ومن مشيته؛ تستطيع أن تحكم عليه، لأنك تعرف صفات عباد الرحمن من أول ما تراه، ومن سيره ومشيته كما أنك قد ترى من مشية بعض الناس أنه مستكبر، فهو ليس من عباد الرحمن -عياذاً بالله- وليس من أهل الطاعة ولا من أهل الإيمان، ولا من أهل الخير والصلاح، سواءًَ خاطبته أو رأيته فقط؛ فإنك ترى أنه متكبر، ولهذا جاء هذا الوصف الظاهر الذي يراه كل أحد في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣].

стр. 2409

الإعراض عن الجاهلين وأما الصفة الأخرى فهي: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] الله أكبر! الآن -مع الأسف- بعض الناس يخاطبه الأخيار ويخاطبه الأفاضل ويخاطبه دعاة الخير والحق والهدى، ولا يقول: سلاماً، مع أن عباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً؛ أما إذا خاطبهم الفضلاء والأخيار؛ فهنالك حسن البشاشة والاستقبال والأخوة والمحبة؛ لكن الجاهلون: هم جاهلون في تصرفاتهم، وفي ألفاظهم وتعاملاتهم، وجاهلون بربهم وهو أعظم الجهل، وجاهلون في معاييرهم وفي موازينهم وفي قيمهم التي يقدرون بها الأشخاص أو يقدرون بها المواقف، فقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] يعني: كان جوابهم جواب المسالم، الذي يدفع السيئة ويدرؤها السيئة بالحسنة، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون:٩٦] وهكذا يعلمنا الله ﵎ وقال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] فلو توقفت عند كل جاهل لتخاطبه أو لترد عليه، لِتُبين له أنه مخطئ في كلامه؛ لما عملت عملاً في حياتك، أو لربما تقطعت بك الأيام والليالي ولم تنجز عملاً واحداً؟! لأن هذا يخاطبك بلون وهذا بلون آخر، وهذا يستهزئ ويسخر وذاك يغتاب وينم وهذا ينظر نظرات زائغة، وهذا وكل ذلك داخل في الجهل؛ فلا تبال بهم وأعرض عنهم، فأعرض عن الجاهلٍ مطلقاً؛ لأنك تنظر بنور الله، وتنظر إلى ما عند الله وتريد ما أعد الله؛ وهؤلاء الجاهلون بالله هم أعداء بطبيعتهم لدين الله، ولما أنزل الله ﵎؛ فلا تبالِ بهم ولا تعبأ بشأنهم؛ وإنما عليك أن تقول لهم: سلاما -والقول يأتي في لغة العرب بمعنى: العمل- أي: أن تعمل عملاً أو تصرفاً هو سلام مع هؤلاء، فقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]. وقد يكون باللفظ وقد يكون بالعمل، فقوله تعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] أي: نحن لا نريدهم حتى لا ندخل معهم في مشاكل ولا ندخل معهم في معارك، حتى لو وقفوا أمامك في الطريق حجر عثرة، فلا يردوك عن أن تتجاوز وأن تعمل وتهدي وتدعو؛ بل غض بصرك وامش وتجاوز عنهم، والله تعالى سيعينك عليهم، وتذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] وآيات الله كثيرة والدلائل والعبر كثيرة من صفات هؤلاء ومن غيرها.

стр. 2410

قيام الليل ثم يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] والليل له معنىً خاص، فمن حكمة الله، أنه: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢]، فالليل يعني: الهدوء والسكون والرهبة التي كان يشعر بها الناس، ولا سيما قبل هذه الكهرباء والأضواء؛ ولو ذهبت إلى ساحل البحر أو ذهبت إلى رأس جبل من الجبال وحدك وابتعدت عن الأضواء؛ فإنك تشعر بشعورٍ لا تجده أبداً وأنت هاهنا في الليل، سبحان الله! فماذا يفعل المؤمنون في الليل؟ إن الليل مطية المؤمنين إلى الدار الآخرة، ومطية المتقين إلى الجنة؛ لأنهم في النهار مثل الناس -في الغالب- يكدحون ويعملون ولكن هذا الليل له أمر خاص وعلاقات خاصة؛ ولهذا الله قد اختصهم به، فقال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] فلماذا لا تعلم؟! لقد بين الله ﵎ لنا ما أعده في الجنات من الحور والنعيم والخير، وهذا واضح، لكن هناك أناس يعبدون الله خفية وهم مستترون، بينهم وبين الله استغفار، قال الله عنهم: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] أي: قياماً وسجوداً وركوعاً، فهؤلاء بقدر ما تكون العلاقة خاصة مع الله في الليل وحيث لا يراهم أحد، بقدر ما يكون الجزاء أيضاً. وانظروا إلى واقعنا نحن اليوم فإنه إذا مر أحد منا بمكان أعجبه -بجبل، أو غار، أو شجرة مثمرة لها ظل- يقول: لو أننا نأكل هاهنا أو نجتمع هاهنا الله المستعان! فهذه حياتنا. وأما أسلافنا فقد كان الرجل منهم إذا مر بمكان أعجبه، قال: ما أحلى هذه الشجرة وما أحلى هذا الغار ليتني أدخل وأصلي فيه ركعتين، لماذا؟ لأن قلوبهم متعلقة بعبادة الله، فهمهم وراحتهم ولذتهم وطمأنينة حياتهم هي في تقوى الله وطاعته وعبادته؛ وهذه الطمأنينة والراحة تتم بتمامها في الليل، فإذا نام الناس وسكن الكون وهدأ كل شيء؛ قاموا يناجون الله ﵎ ويسألونه ويستغفرونه ويدعونه؛ وبذلك يظهرون بتلك المنزلة العظيمة؛ فهم يجدون لذة لا يجدها أهل اللذة جميعاً مهما اجتمعوا عليها، وهذه هي جنتهم، وكما قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه: ' إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ' نعم -والله- جنة عظيمة! قال فيها بعضهم: ' لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف' ' نعيم لا يعلمه الكثير، وأهل الدنيا مساكين! غاية ما عند أحدهم أن يلعب ورقة، أو أن يسكر -والعياذ بالله- فيطير عقله، أو يتفرج فيما يسمى العبث والسخافة والفسق والفجور أو الغناء والطرب، فهذه هي الليلة المفضلة عندهم؛ فسبحان الله أي: شيء وأي نعيم وأي راحة في تلك الأعمال؟! والله إنها نكدٌ وظلمة في الوجه، وإنها حسرة في القلب، وإنها تكدر العلم وتمحق البركة في الرزق أيضاً، وهكذا مما في المعاصي من أضرار وأخطار، وأما المؤمن فإن الليل مطيته، والعبادة لذته وراحته.

стр. 2411

نماذج من سلف الأمة فمن الكرامات التي تؤثر عن ثابت البناني ﵀ أنه سأل الله ﵎، فقال: [[اللهم إن كنت أعطيت أحداً أن يصلي في قبره، فأسألك يا رب أن تعطيني الصلاة في قبري]] سبحان الله! الواحد منا يريد الرجوع إلى أهله كما قال : ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩]. وأما إذا كان من أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة- فإنه يقول: ربِّ أقم الساعة حتى أرى أهلي في الجنة؛ لأنه يفتح له فيرى مقعده من النار، ويقال: هذا مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة ويرى أهله في الجنة فيقول: يارب! أقم الساعة حتى يرجع إلى أهله ويراهم، لكن هذا يتمنى أن يصلي حتى في القبر سبحان الله! يخاف لو مات أن تنقطع لذة الصلاة، وأن تنقطع ثمرة العبادة حتى وهو في نعيم الجنة، كأنه يقول: أنا أريد -ما بين الفترتين- في البرزخ أن أصلي، فلما توفي رضي الله تعالى عنه -وهذه من الكرامات الثابتة، وهي كثيرة والحمد لله، ولا نحتاج إلى الخرافات- ذهب أصحابه ليدفنوه، قال أحدهم: فسقطت عمامتي في القبر -أراد الله أن تتحق الكرامة، فسقطت- فرفع قليلاً وأدخل يده ودنا لأخذها، وإذا بالقبر مد البصر من النور، وإذا به ثابت البناني قائم يصلي! سبحان الله! نعم، أولئك عرفوا لذة العبادة وقيمتها. توفي أحدهم رضي الله تعالى عنه وإذا بابنة -جارية- لجاره تقول: يا أبتاه، أين الخشبة التي كان ينصبها جيراننا فوق سطحهم؟ فقال: يا بنية، أي خشبة؟! قالت: خشبة كنت أراها كل ليلة فوق السطح، وإذ بها ليست خشبة بل كان صاحب البيت يقف فيقرأ المائتين والمئات من الآيات كل ليلة، والطفلة تراه فتظن أنه خشبة! فأين الخشبة وأين ذهبت الخشبة؟ الله أكبر! وأحدهم يبكي ويصلي من الليل، فتقول أمه: يا بني! لعلك قتلت نفساً فإن الله غفور رحيم، وإذا قتلت نفساً لعل الله يغفر لك - كانت تظن أنه لا يبكي ويتعبد إلا إذا ارتكب قتل نفس- فيقول: نعم يا أماه! قتلت نفسي بالذنوب والمعاصي، فهذه هي النفس المقتولة. لقد كان الليل هو خلوتهم وراحتهم وسعادتهم، ومهما تحملوا من هموم النهار؛ ففي الليل تأتي المناجاة واللذة والطمأنينة، ويقوم الواحد في اليوم الثاني نشيطاً في أعز راحة ونعمة؛ لأنه غسل كل الهموم والأدران والتعب، بتلك الصلاة والاستغفار والذكر لله ﵎ في جنح الليل. وأما الإنسان الذي يكدح للدنيا فهو كما جاء في الحديث: ﴿حمار بالنهار، جيفة بالليل﴾ أي: أنه ينام وعنده عشرة هموم ويقوم في الصباح فيجدها صارت عشرين, وينشغل بكذا وكذا؛ ثم تأتيه الأمراض من هنا ومن هنا؛ فلا يستطيع مقاومتها؛ لأنه مسكين لا يتحمل، فالمخ لا يتحمل، والمعدة لا تتحمل والأعصاب لا تتحمل، وهذه المشاكل كلها من: الدكان، والتجارة، والأولاد، والزوجة، والوظيفة، والراتب، والتقاعد، والترقية، والترفيع ومشاكل كل يوم، لا يغفل عنها أبداً. وأما المؤمن: فلو بلغه أن الدنيا كلها قد اجتمعت عليه فهي لا شيء بالنسبة له، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] فحسبنا الله ونعم الوكيل هي الكلمة التي قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وهي كلمة واحدة من ذكر الله، يدعو بها الإنسان في جوف الليل، فتذهب كل تلك الهموم والأحزان؛ بل ربما انقضت كأعظم صاروخ في الدنيا على أعداء الله فدمرتهم أجمعين. ولهذا أقول: يا شباب الصحوة يا شباب الدعوة، نريد أن يكون لهذه الصحوة المباركة الطيبة أولياء عباداً أتقياء تتزلزل الجبال إذا رفعوا أيديهم بالدعاء إلى الله ، والحمد لله فالالتزام والتمسك والخير كثير في المظهر والملبس والمحافظة على صلاة الجماعة، لكننا نريده أعمق وأعمق وأعمق نريد قلوباً مخبتة منيبة نريد الرجل الذي إذا رفع يديه لا يردها الله ﵎ إلا وقد حقق له ما يريد، وإن الله تعالى حيي كريم كما جاء في الحديث: ﴿إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً﴾. فلا أحد يرفع يديه إلى الله ويردها صفراً؛ لكننا نريد شيئاً أخص من ذلك، نريد الذي يدعو على جبار فيقصمه الله ، نريد من يدعو على دولة من دول الكفر؛ فيدمرها رب العالمين، نريد من يدعو على ظالم من الظلمة؛ فينتقم الله منه ويجعله عبرة وآية للعالمين، وهكذا.

стр. 2412

ضرورة التضرع لله ونريد مثل محمد بن واسع وهو من موالي زهران، أي أنه من هذه القبيلة الخيرة الطيبة، والنبي ﷺ يقول: ﴿مولى القوم منهم﴾. إن قتيبة بن مسلم الباهلي ﵀، كان يعد الجيوش لحرب أكبر جبهة كانت في تاريخ العالم الإسلامي وفي تاريخ الفتوحات، وهي الجبهة الشرقية حيث الهند والصين والترك، وهي أعتى الشعوب في القتال؛ فكان يريد أن يقاتل وأن يجاهد هؤلاء، فأعد العدة المادية كاملة وبقيت العدة الأخرى، لأنه لا ينسى أحدٌ من قادة المسلمين وصية عمر بن الخطاب لـ سعد بن أبي وقاص: [[واعلم أن المسلمين إنما ينصرهم الله ﵎ بطاعتهم لله وبمعصية عدوهم له، فإذا استوينا نحن وهم في المعصية؛ كان لهم الفضل علينا في القوة]] أي: فنحن عدتنا الطاعة، وكفى بها عدة، ففي تلك الليلة أعد كل شيء وبيت للهجوم ثم قال: اذهبوا فالتمسوا هل في المسجد أحد -هكذا نريد مثل هؤلاء تقي خفي لا يدري عنه أحد، ولكنه يأتي بدعوة هي خير من هذه الجيوش كلها، أو رديفة ومساندة لهذه الجيوش كلها- قالوا: ما وجدنا فيه إلا محمد بن واسع رافعاً إصبعه -أي: يدعو بإصبع واحدة- قال: إصبعه تلك أحب إلي من ثلاثين ألف فارس. وذلك لأنه إذا قال: يارب، استُجيب له بإذن الله ﵎؛ لأنهم يبيتون لربهم سجداً وقياماً، ويفزعون إليه ﵎، فهم جنده، والدين دينه والدعوة دعوته، والجند جنده والعباد عبيده، والأعداء أعداؤه. إذاً: لا بد أن يفزعوا إليه ولا بد أن ينادوه وأن يتضرعوا إليه. وهنا ننبه إلى أدب عظيم من آداب الدعاء، وكلكم تعرفون الضرع، فكيف التضرع؟ أرأيتم العجل الصغير من البقر أو من الإبل أو من أي شيء، كيف يرضع! وكيف يفعل إذا لم يرضع! أرأيتم تلك الحالة؟ وكيف يرتفع وينزل ويحاول ويحاول ويمتص ويحرص وهكذا، فالضراعة مأخوذة من ذلك؛ فالواحد لا يرفع يده اللهم اغفر لي، ويمر منها كبعض الناس، بدون تضرع، بل اجعله دعاء ضراعة وتضرع والتمس الخير من عند الله لعله أن ينزل عليك، وبنفس الحرص والرغبة والشدة القلبية التي يفعلها هذا الصغير من الحيوان وهو يأخذ من الضرع، واطلب ذلك سواءً أكان مطراً أم غيثاً، أم رحمة أم نصراً أم رزقاً أم توفيقاً أم أي شيء. تضرع إلى الله فبالضراعة يدفع الله ﵎ العذاب؛ ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] أي: لو أن الناس استكانوا لربهم -والاستكانة هي الطمأنينة والخضوع الكامل الذي يناسب الهون، الذين يمشون على الأرض هوناً أي: مستكينين- وتضرعوا إلى الله ؛ لكشف الله تعالى عنهم العذاب كائناً ما كان. وليس الحال كحالنا اليوم: إذا نزل العذاب جرينا وراء الأسباب، وانتقلنا من سبب إلى سبب إلى سبب، حتى نضيع في أودية لا نهاية لها، والطريق سهل والاتصال بالله ﵎ ميسور؛ ونتضرع إليه فيكون كل ما نريد بإذن الله ﵎ من خيره وفضله. ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] أي: وهاتان الحالتان في الصلاة؛ أما السجود فأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد؛ وأما القيام فأفضل الصلاة طول القنوت والقيام، وهو الذي يجعل الإنسان مثلما رأت تلك البنت أو الجارية ذلك الرجل كأنه خشبة. فبالسجود وبالقيام وبالدعاء وبتدبر الآيات والتفكر فيها في القيام ترى العجب، وبالبكاء في السجود ترى العجب الآخر، سبحان الله العظيم! ولهذا جاء عن بعض السلف في تدبر الآيات وفي قراءة آية واحدة من كتاب الله مواقف عجيبة جداً وكيف تفعل الآية في القلوب؛ فكيف بك إذا قرأ المئات من الآيات، حتى كان بعضهم يريد أن يصلي بعض الليل أو ثلثه، ولا يشعر إلا وقد طلع عليه الفجر، فإلى الفجر وهو ما يزال واقف لا يشعر بالوقت؛ لأنه يستغرق بعمق في هذه الآيات وفي معانيها. وكما قرأ بعضهم قول الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] فكيف حيل بينهم وبين ما يشتهون. فيشتهي الإنسان في هذه الدنيا، المال والراحة والزوجة والبيت وهو في هذا التعب كله ويعمل فيه، فتأتي لحظة ثم يحال بينهم وبين ما يشتهون، ولو فكر الواحد كيف يحال بينهم في لحظة واحدة يسلب هذا كله الملك، والمال، والمنصب، والسلطان، والزوجة، والبيت وكل شيء فإذا حيل بينك وبين ما تشتهي وبدأت تفكر: ماذا قدمت وماذا أمامك؟ فهذه هي العبرة، لو فكر الإنسان وتأمل، كيف أنه يحال بينه وبين ما يشتهي وبين ما تعب. فسنوات من عمرك وأنت تزين هذه العمارة، ومالك كله قضيته وأنت تتفنن في هذه الحديقة، وفي اختيار هذا المنزل، ثم يقال لك: ارجع إلى ما أترفت فيه، لماذا تركض؟ ولماذا تذهب؟ فحيل بينهم وبين ما يشتهون، أي: بنزول الموت وبنزول العذاب ينتهي كل شيء؛ ثم يحاسب عليها ويتمنى أنه سلم منها -على الأقل- حتى يخفف عليه الحساب؛ لكنه يحاسب عليها، ويتمتع بها غيره؛ وهذا من ضيق الدنيا وخستها وحقارتها إذا قورنت بالآخرة.

стр. 2413

حقيقة الدنيا عند السلف وهذا الإمام عبد الرحمن بن مهدي ﵀، تأمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الدخان:٤٠ - ٤٢]. إن هذه الآية كأنها استجمعت واستغرقت ذهنه الليلة كلها، فيفكر فقط! كيف إن يوم الفصل ميقات الناس أجمعين، الأولين والآخرين -من آدم ﵇، إلى آخر مخلوق يخلقه الله فيأتون جميعاً حفاةً عراةً غرلاً بهماً كيوم ولدتهم أمهاتهم، وتدنو منهم الشمس مقدار ميل، فذلك موعدهم وميقاتهم أجمعين، ثم يكون الحساب والفصل، سبحان الله! الواحد منا إذا رأى أباه أو جده وقد صار كبيراً طاعناً في السن، وتأمل هذا الكبير المنحني الظهر مرت به أيام مثل الحلم، كان طفلاً صغيراً وكان يرى جده وهو كبير طاعن في السن مثله، وذلك الجد كذلك، سبحان الله! وكأنك ترى مجموعة هائلة لا نهاية لها كلهم شِيبة إلى مالا نهاية؛ لكن أنت شباب والحمد لله ولكنها لحظات كالحلم، فتمر أيام معدودة، وإذا بك نفس الشيء، وإلى نفس الحالة. ولهذا يوم الفصل يجتمع هؤلاء جميعاً، الذي كان يقول: هؤلاء أحفادي، والذي كان يقول: هؤلاء أجدادي، وكم من قرون خلقها الله، عاد وثمود والذين من بعدهم -لا يعلمهم إلا الله- قال تعالى: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان:٣٨] فكلهم يجمعهم الله كما ذكر سبحانه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان:٤٠]. وهناك: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَنْ مَوْلىً شَيْئاً﴾ [الدخان:٤١] ولا ينفع الإنسان هناك إلا العمل الصالح، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] أي: لا ينفع مال ولا سلطان، ولا منصب ولا جاه، فكل شيء يذهب ولا يبقى، إلا ما قدمت وما عملت، فتجده أمامك، قال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].

стр. 2414

حال النبي ﷺ وأصحابه مع العبادة وأما زرارة بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه فكان يقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠] فسقط رضي الله تعالى عنه في المحراب فوجدوه قد مات ﵀ من هذه الآية، وكذلك ما حصل لـ عمر ﵁ حين سقط وهو يقرأ من سورة الطور. فالكل لهم في رسول الله ﷺ عظيم الأسوة وعظيم القدوة، فقد كان صدره ﷺ يأز كأزيز المرجل، أي: كالقدر الذي يغلي؛ لأنه ﷺ كان أقوى الناس قلباً، وانظروا كيف جمع الله له هاتين الخصلتين! أقوى الناس قلباً وأثبتهم جناناً، وفي نفس الوقت أكثرهم اعتباراً وتأثراً فهو متوازن ﷺ ، فالاعتبار عظيم جداً؛ لكنه لا يغلب قوة قلبه صلوات الله وسلامه عليه؛ فهو ثابت واقف، فيأز صدره كأزيز المرجل -الذي يغلي- من الخشية والخشوع والتدبر والتفكر؛ وكذلك كان خيار أصحابه ﷺ مثله. فإذا ضعف القلب -وأحياناً يضعف- يسقط مثل ما فعل زرارة وغيره، فيسقط ولا يستطيع أن يتحمل هذه العبرة، أو هذه الآيات. وأما إذا ضعف اليقين أو ضعفت العبرة فماذا يحصل؟ لا يأز الصدر ولا يتحرك الجنان، فذلك مثل حالنا نحن الآن، نقرأ الآيات ونسمع السور ونسمع العبر، فلا نتأثر، لأن الوارد ضعيف، ولم يرد على القلب شيء قوي، بل ورد عليه شيء ضعيف، وهو قاس -نسأل الله العافية- أو مريض أو فيه تحجر فلا يتأثر؛ فلذلك كان كمال العبادة في هديه ﷺ ، فهو له كمال القوة والثبات مع كمال الاتعاظ والاعتبار صلوات الله وسلامه عليه. والآيات عظيمة وعبرها كثيرة ونريد من أبي عبد الرحمن - يحيى اليحيى - حفظه الله -وقد زارنا هذه الليلة- أن يشارك ولا نسامحه ولا نعفيه، وإن كان بعض من حضر لا يعرفه حفظه الله، وأنا أكره حقيقة الحديث على الإنسان بحضوره سواء فيّ أو في غيري، لكن نعرفكم بهذا الشيخ، ونسأل من الله أن يحفظه وأن يبارك في عمره، فقد تخرج على يديه من حفاظ الكتاب والسنة الجمع الكبير -ولله الحمد- وهو معروف حفظه الله في القصيم وما حولها، وإنها حقيقة لسعادة وشرف لنا نحن أبناء هذه المنطقة أن نراه وأن نسعد به، ولا بد أن نستمع إليه ولعلنا إن شاء الله نكمل هذه العبر والدلائل في لقاء آخر بإذن الله، وأمامنا كم هائل من الأسئلة فلا نطيل، ولكن نسأله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من عباد الرحمن. اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، اللهم اجعلنا من أوليائك الصالحين، اللهم اجعلنا من المخبتين، اللهم اجعلنا من المنيبين، اللهم اجعلنا من الصادقين، اللهم اجعلنا من المخلصين، إنك سميع مجيب. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله.

стр. 2415

كلمة للشيخ يحي اليحيى بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فلم آتكم متحدثاً ولا مذكراً، وإنما أتيتكم زائراً ملبياً لدعوتكم، مشاركاً في هذه السنَّة التي أدين الله أنها سنة حسنة، وما أن سمعت بأن هناك اجتماعاً مضمونه اللقاء بعلم من أعلام الإسلام، حتى وجدت قلبي ونفسي تميل إلى الجلوس كل الميل، فمضيت قُدُماً إلى هذه البلاد وإلى هذه الأراضي المباركة، لعلي أن أكون معيناً على البر والتقوى، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وإن هذا الاجتماع قطعاً قطعاً قطعاً تعاون على البر والتقوى. أيها الفضلاء النبلاء: إن كلماتي التي سأقولها، ولدت في تلك الدقائق السالفة، ولدت لما رأيت هذه الوجوه النيرة الطيبة، التي أبت كل الإباء إلا أن تحضر هذا الاجتماع، وهذا المكان لتشارك أهل الخير في خيرهم، ولقد تشنفت آذاننا وآذانكم وأطربت أرواحنا وأرواحكم، في هذا الاجتماع، ومثل هذا الكلام هو تجديد للإيمان، فلقد تجدد إيماننا، إي والذي نفسي بيده، ففي مثل هذه المجالس يتجدد الإيمان، وأنا على يقين أن الكثير الكثير سيئوب إلى بيته وقد ازداد يقينه وإيمانه وإحسانه بالله تعالى. ولما رأيت هذا الاجتماع وهذا الجمع الطيب، تذكرت قول رسول الله ﷺ لـ حكيم بن حزام، كما روى ذلك البخاري ومسلم من طريق عروة، قال: ﴿أخبرني حكيم بن حزام أنه سأل رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت أموراً كنت في الجاهلية أتحنث بها، من صدقة أو عتاقة -أي وعتاقة- أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال النبي ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير﴾. وأنا أقول يا معاشر زهران: لقد أسلمتم على ما أسلفتم من خير، ولقد قدَّمت هذه القبيلة، لا أقول عشرات من رجال الحديث بل ولا أقول مئات، بل بالآلاف، فقد قدمت هذا القبيلة رجالاً لحديث رسول الله ﷺ ، ولست بصدد بيان الرجال الذين ضحوا بمهجهم وأرواحهم وأنفسهم حتى قدموا لهذه الأمة هذا المعين الصافي من ميراث نبي الله ﷺ . ولقد كان من رجال هذه القبيلة شيوخاً للبخاري ومسلم رحمهم الله تعالى. إنكم يا معاشر زهران، لا زلتم تتفيئون ظلال تلك الدعوة النبوية الخالدة المستمرة، التي لفظ بها الرسول ﷺ لما أُتي إلى الرسول ﷺ وقيل: ﴿يا رسول الله! ادعُ على دوس، لأنهم أَبَو، فقال: النبي ﷺ اللهم اهدِ دوساً، وأتِ بها﴾ خاف أبو هريرة، وخاف الطفيل، أن يدعو الرسول ﷺ عليهم، لكن رسول الله ﷺ دعا ربه لهذه القبيلة، فلكم نصيب من ذاك الرءوف، الذي سماه الله رءوفاً رحيماً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. فقال: ﴿اللهم اهدِ دوساً وأت بها﴾ فهدى الله دوساً، وأتى بها، ولا زالت دوساً تهتدي سنة بعد سنة، وقرناً بعد قرن، وها أنا أرى جمعاً كبيراً من هذه القبيلة العريقة، في شعاب الزمن، منظر لفت نظري إي والله، ما هو هذا المنظر؟ إنه التمسك بالسنة رجالاً وصغاراً خاصةً وعامةً، إنني أرى الجلّ ممن أعفى لحيته، وأحفى شاربه، وقصر ثوبه، لا تكاد، إنه غريب بينكم ذاك الذي يحلق لحيته، ويطيل ثوبه، فيا لله ما أعظمها من خصلة! إنه يحق لكم أن تعتزوا، ويحق لكم أن تفرحوا وأن تستبشروا وأنتم تحيون سنة قد أميتت. وأنتم تعيشون هذا الشعور، في زمان يغربل الناس فيه غربلة: لقد أسلمتم على ما أسلفتم فيه من خير، إنكم اليوم تسجلون سنة حسنة، فالله الله، في المزيد في الهداية والسداد، هذا هو الذي أريد أن أقوله في بدئ الأمر. فأقول أيها الفضلاء، أيها الكرام، أيها الشجعان، وهذا شيء وأمر معروف، ولا خلاف فيه، أقول: هكذا ينبغي الاحتفاء بالعلماء، والاحتفاء برجالات الإسلام، الذين وضعوا أرواحهم على راحتهم، هكذا ينبغي، إن أمة تحتفي بعلمائها، أمة مرحومة، وأمة خيرة مباركة. وأمة محمد ﷺ كانت ولا زالت ترفع من قيمة العلماء، وترفع من قيمة الدعاة، وتضحي بالغالي والنفيس من أجل الذود عنهم، وعن أعراضهم، وتضحي بكلما أوتيت انشروا صفحات التاريخ، اقرءوا الصفحات التي سجلت بالأمس، كيف كان المسلمون يقفون مع علمائهم؟ وبنظرة سريعة إلى عالم الأمس، تجد فعلاً أن الأمة أمة مرحومة مباركة خيرة. أيها الإخوة: إنني أشعر أني مأمور أمر وجوب لكي أتكلم مثل هذا الكلام، كيف وقد أمرني فضيلة الشيخ سفر بارك الله فيه وفي علمه، إني أراه بالنسبة لي واجب، لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]. فمن هم أولو الأمر؟ ذهب جمهور المفسرين إلى أن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء، الأمراء الذين يطيعون الله، ويطيعون الرسول، والعلماء الذي يخشون الله، وهم ربانيون بما يعلِّمون الناس. أيها الإخوة: كما أننا نحتفي بالعلماء، فينبغي أن نسعى جاهدين من أجل أن نخرج علماء، ودعاة، وأنتم والحمد لله خرجتم، وهاأنتم تدفعون ضريبة الإسلام، وهاأنتم تزكون إسلامكم، وهذا هو ابن من أبنائكم، وولد من أولادكم، أصبح بُعبعاً في كل أرض ينزل فيها، وكلماته دوّت وسمعها القريب والبعيد، وما بينكم وبينه إلا بضع كيلو مترات، فالجدير أيضاً أن تواصلوا الجهود، والحمد لله، نسمع أن هناك كواكباً من طلبة العلم، هم في هذا الطريق، قد اجتهدوا وجدوا، ولكن نريد الزيادة، فهذه أرض خصبة لا نقنع بواحد أو باثنين أو بثلاثة أو بأربعة أو بخمسة، بل نريد عشرات، بل مئات، فعلى الأولياء أن يجندوا أولادهم للذود عن هذا الدين العظيم، وأن يحيوا ما كان عليه أسلافهم، فعليهم أن يشجعوا أولادهم على طلب العلم الشرعي، بدءاً بحفظ القرآن الكريم، وتثنيةً بحفظ سنة النبي الكريم، وهكذا، وهذا هو المظنون وهو المنتظر في قرية أو إقليم أو في أرض، أو مدينة لها مالها في دين الإسلام. أيها الأحباب: إني أقول وأنا على يقين إنكم قد سئمتم من كلامي، وإني متطفل في كلمتي هذه، إنكم الآن تنظرون إلى فضيلة الشيخ سفر، وقد اشرأبت أعناقكم إليه للاستماع إلى مزيد من أجوبته النافعة، وأنا معكم، ولا ألومكم، فأترك المجال لكي أستفيد وتستفيدون أنتم من حديثه العطر، أسأل الله تعالى أن يجمعنا في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أسأل الله ألا يجعل هذه الأقدام التي سارت إلى هذا المكان، تسير خطوة واحدة إلى النار. أسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا وأحوالكم، وأن يأخذ بنواصينا ونواصيكم إلى الخير وإلى الصراط المستقيم، وأن يحيينا على الإسلام، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يميتنا على الإسلام، وأن يدخلنا الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ولا أنسى أن أقول لمن تسبب في هذا الجمع جزاك الله خيراً، وأصلح الله نياتك وذرياتك، اللهم وفقه على الخير، اللهم أصلح له أولاده، اللهم سدد خطاه، اللهم بارك له في ماله، اللهم بارك له في أولاده، اللهم بارك له في حياته، اللهم اغفر له بعد مماته، اللهم اجعله من الأولياء الصالحين، ومن الأولياء المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2416

تعقيب للشيخ سفر بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خير خلق الله. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: شكر الله لأخينا الشيخ الحبيب: يحي بن عبد العزيز اليحيى، وأثابه على ما تفضل به، وعلى ما حض به هؤلاء الآباء الكرام وهؤلاء الشباب الذين نسأل الله تعالى أن يجعل فيهم الخلف الطيب والنشء الصالح، إني أحب أن أعقب تعقيباً بسيطاً قليلاً فقط، على كلامه أثابه الله، لتعلموا مغزاه. إن الشيخ حفظه الله، قد أقام حفلاً عظيماً، وأقول بحق، إنني لم أشهد قبله ولم أشهد بعده مثله، حفل أقيم في مدينة بريدة وكان الاحتفال بحفظة الصحيحين - البخاري ومسلم - وكان المحفظ هو الشيخ حفظه الله، ولا أقصد بذلك أن أثني عليه في حضوره، وهو -ولله الحمد- يستحق ذلك وأكثر، لكن أريد أن أبين لكم أن شهادته لهذه القبيلة -لقبيلة زهران - شهادة العالم المطلع، وعندما يخبركم عن كثرة الحفاظ، والشيوخ والعلماء منها فهو العليم وهو الخبير بأحوال هؤلاء الرواة، وهو يحدثكم بهذا الحديث ويريد منكم -كما حظكم- أن تكونوا أبناء سائرين على هذا الطريق، وأن تُخرج هذه القبيلة -بإذن الله والقبائل الأخرى- الحفاظ لدين الله ﵎، الذين يحفظونه بسيوف الجهاد، ويحفظونه أيضاً علماً ومسائل في صدورهم وقلوبهم. وأنا لو قلت هذا الكلام، أو قاله غيري لربما كانت الشهادة مجروحة، لأننا من أبناء المنطقة، أو كانت في غير محلها، لأن التخصص مختلف، أما أن يصدر هذا الكلام منه حفظه الله، فهو يتطلع إلى أن يكون في الخلف وفي هذا الجيل من يعيد سيرة أولئك الآباء الكرام الفضلاء وما ذلك على الله بعزيز، فبارك الله فيكم علموا أبناءكم وحفظوهم كتاب الله، وحفظوهم سنة رسول الله ﷺ ، واهتموا بهم واعتنوا بهم، واعلموا أنه كما قال ﷺ : ﴿الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا﴾، وكما تفضل بالحديث الذي ذكره الشيخ: ﴿أسلمت على ما أسلفت من خير﴾ فنسأل الله تعالى أن يبارك في هذا الجيل الجديد، وأن يجعل فيهم من يعيد سيرة أولئك الأباء الفاتحين، والعلماء العاملين إنه سميع مجيب.

стр. 2417

الأسئلة

стр. 2418

حديث: أنهلك وفينا الصالحون السؤال عندما سئل النبي ﷺ : ﴿أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] فهل الذي ينجي الأمة هو أن يكونوا من المصلحين الصالحين؟ وما هو الدور الذي يجب أن يقوم به المسلم تجاه نفسه ليكون من الصالحين، وتجاه الأمة ليكون من المصلحين؟ الجواب هذا سؤال عظيم، وما ذكره الأخ السائل هو حق، فما جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿نعم إذا كثر الخبث﴾ وكان ذلك لما سألته أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ﴿أيهلكنا الله وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث﴾. فالمانع والحائل من نزول العذاب هو الإصلاح لا مجرد الصلاح، فيجب أن يكون الإنسان صالحاً في نفسه مصلحاً لغيره، واعلموا أنه إن لم يكن مصلحاً، فإنه لا يكون صالحاً؛ لأن حقيقة الصلاح وتمامه إنما تكون بالإصلاح؛ ولذلك فإن النبي ﷺ هو قدوة المصلحين وإمامهم صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا كان أصحابه من بعده يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولقد اختل مفهوم الصلاح والفساد، في هذا الزمان عند الناس مفهوم الصلاح والفساد، وهذا وحده يحتاج إلى لقاء خاص؛ لأن كثيراً من الناس لا يمنعه من قبول الصلاح إلا الالتباس في هل هذا صلاح أم فساد؟ ولهذا بعض الناس إذا وعظته أو أعطيته أي شيء ترى أنه خير له، وتقسم له أن هذا من صلاحه إلا أنه لا يدري أهذا صلاح أم فساد؟! فالأمور تلتبس على الناس، فمن أين نأخذ المعيار والميزان الذي نعرف ونعلم به الصلاح من الفساد، ونعرف المصلح من المفسد؟ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الله وأما لو أخذناه من معيار ثانٍ فماذا نجد؟ ماذا قال فرعون عن موسى ﵇؟ ذكر قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] فكيف يصبح فرعون هو الناصح الأمين المشفق الخير، وموسى داعية الفساد؟! ولو أخذنا معايير الصلاح والفساد من الأبواق الإعلامية، أو من أفواه المنافقين والمفسدين ومن المرجفين أو من الصحافة الغربية ومن الإذاعات العالمية؛ فسنجدها نوعاً آخر تماماً والله المستعان! فالمتطرف عندهم والإرهابي هو المصلح الصالح، والمعتدل والمثقف هو من يحبون من أهل الفساد، نسأل الله أن يعافينا وإياكم.

стр. 2419

شرح آيات سورة المائدة بدأ الشيخ حفظه الله باستعراض كلام الحافظ ابن كثير ﵀ في مسألة: الحكم بغير ما أنزل الله، وبين في شرحه سبب نزول الآيات في سورة المائدة، وذكر أربعة أقوال للعلماء، ثم بين القول الراجح في معنى هذه الآيات. ثم شرح كلام العلامة محمود شاكر في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله في عصره، موضحاً ذلك ببعض الأمثلة على ذلك. ثم تناول تفسير آيات سورة المائدة المتعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله، وبيّن تفسير ابن كثير للآيات، وذكر القراءات الواردة في قوله تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) [المائدة:٤٥]، موضحاً أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا قُرر في ديننا، ورد على قول أبي حنيفة بقتل المسلم بالكافر، كما تناول خلال هذه المادة تحريف اليهود والنصارى لكتبهم حتى توافق أهواءهم، وكذلك القوانين الوضعية التي وضعها البشر منذ القدم، والتي كانت لا تخدم إلا طبقة الحكام، وأورد مثالاً على ذلك القوانين التي وضعها جنكيز خان، مبيناً انحرافها، ومقارناً هذه القوانين بالقوانين الوضعية المعاصرة.

стр. 2420

فضائل سورة المائدة وذكر بعض أحكامها نبدأ في هذا الدرس -إن شاء الله- في كتاب قيم عظيم في بابه، وهو كتاب عمدة التفسير، وهو اختصار لـ تفسير ابن كثير، اختصره وحققه وعلق عليه الشيخ أحمد محمد شاكر، وسوف يكون موضوعنا في تفسير آيات من سورة المائدة. وأول شئ نقدم له بين يدي هذه الآيات هو الكلام عن سورة المائدة وعن فضلها. وقد ذكر ابن كثير ﵀: أن الإمام أحمد روى عن أسماء بنت يزيد قالت: ﴿إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة﴾. وروى -أيضاً- الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: ﴿أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها﴾. يقول الشيخ أحمد شاكر: إن حديث أسماء بنت يزيد إسناده صحيح، وقال في الحديث الثاني: وإسناده صحيح.
следующие страницы →