Полный текст (121 стр.). Показаны 106–121 · переход к 111.
стр. 106
وهو حيوان عنده الكيس، والفهم، والنظافة، والطهارة، والشجاعة والنظر في العواقب، ومعرفة فصول السنة وأوقات المطر، قال أرسطو النحل تسعة أصناف منها ستة يأوي بعضها إلى بعض، وذكر أسماءها باليونانية ثم قال وغذاء النحل من الطل، والرطوبات التي يرشح بها الزهر، والورق، ويجمع ذلك ويدخر، وهو العسل، ويجمع مع ذلك رطوبات وسمة يتخذ منها بيوت العسل وأوعية له، وهذه الدسومات هي الشمع، وهو يجلبه على ساقيه) في أطراف الشجر يسقط عليها وإن الربيع مثقل، وفي أعمال النحل (، وتدبيره لمعاشه اختلاف كبير فإنه إذا أصاب خلية نظيفة نقية بنى فيها بيوتا من الموم وهو الشمع أولا ثم بنى البيوت التي تأوي فيها الملوك ثم بنى بيوت الذكر التي لا تعمل شيئا وهي اليعاسيب، والذكور أصغر جثثا من الإناث وهي تكثر المأوى داخل الخلية، وإن طارت فهي تخرج بأجمعها، وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية، والنحل تعمل أولا الشمع ثم تلقي البرز لأنه بمنزلة العش للطير، وإذا ألقت البرز تجلس عليه وتحضنه كما تحضن الطير، ويكون عند ذلك البرز دود أبيض موضوع على الشمع من جانب ثم تنهض الدودة وتغتذي بنفسها ثم تنشق له الأرجل، والأجنحة فيطير، وهو لا يقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد وإن تعد على زهر آخر إنما يقعد عليه بعد أن ينصرف إلى الخلية، والنحل يملأ بعض البيوت عسلا، وبعضها فراخا ذكورا فإذا اجتمعت الفراخ على ملك بدلا من آخر طارت فإن تبعها الملك الذي تركته قتلته والملك لا يخرج إلا مع جميع النحل، فإذا عجز عن الطيران حملته، ومن خصائص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، ولا يترك في الكوارة بطالا ولا جاهلا لا يجتني ولا ميتة، ولا قذرا بل يأمر بالإصلاح، والنشاط وأمره مطاع متبع وسيرته مرضية فيما بينهم، ويسمى اليعسوب، والنحل يجتمع فتقسم الأعمال فبعضها يحمل العسل وبعضها يحمل الشمع، وبعضها يستقي الماء، وبعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب المباني لأنها مبنية على الشكل الذي لا ينتهك، ولا ينحرف كأنه استنبط بقياس هندسي ثم هو في دائرة لا يوجد فيها اختلاف وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض، ويقاتل بعضه بعضها ولا يتقاتل إلا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك الملسوع، وربما لسم بأن يعصر موضع اللسعة حتى تخرج الحمة، فإنه إذا لسع تركها مكان اللسعة، ومتى ذهبت الحمة من النحلة ماتت، وإذا هلك شيء من النحل داخل الخلايا أخرجه الأحياء إلى الخارج وفي طبعه النظافة ومن نظافته أنه يلقي رجيعه خارج الخلية لأنه منتن الريح وهو يعمل زماني الربيع والخريف، وما تعمله في الربيع، جود، والصغير أعمل من الكبير وهو يشرب من الماء إذا كان نقيا صافيا عذبا ويطلبه حيث كان ولا يأكل من الأكل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية مذقه بالماء ليكثر خوفا من النفاذ وقد علم ذلك من حال المشتار فأنه إذا دخل الخلية وأخذ جميع ما فيها من العسل هلك النحل فإذا أراد بقاءه أخذ بعضه، وترك لها ما يقوتها زمن الشتاء، وما يغذيها عند عدم الزهر، وإذا نفذ العسل أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان في الخلية منها وتلقيه خارجا والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة، فإنه إذا رقص وصفق بالأيدي اجتمع لذلك، والسوسن يضره، ودواؤده أن يطرح في كل خلية كف من الملح وأن تفتح في كل شهر مرة، ويدخن بزبل البقر، وفي طبعه أنه إذا طار من الخلية لا يزال حائما على الموضع الذي خرج منه حتى يأوي منه إلى شجرة أو سقف وفي طبعه الهداية، فإنه ربما اجتمع في حائط واحد مائة خلية فتخرج وترعى وتروح فتدخل كل نحلة من بيتها إلى خليتها، وأهل مصر يحولون الخلايا في المراكب ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والثمر، فإذا أصبح المركب بمكان أرسي فيه وفتحت أبواب الخلايا فيخرج النحل منها ويرتعي يومه أجمع فإذا أمسى عاد إلى المركب وأخذ كل منها مكانه لا يتغير عنه ولهذا الحيوان من عجيب الفطنة وبديع الصنعة وترفيه المعيشة وتشييد المأوى وتدبير المربع والمشتى، والطاعة الكبيرة، والاستكانة لسائس أمره وقائد ما يتعجب من أموره ما ليس في صغير الحيوان ولا من كبيره
الوصف والتشبيه
وينسب لأبي نؤاس في وصفه:
نتاج نحل خلايا غير مفرقة ... خصبت بأطيب مصطاف ومشتاء
стр. 107
فطس الأنوف مغاوير مشمرة ... خوص العيون من الإمعان في التاء
مخضرات كزرق الصقليين بدوا ... في كل مفسوحة بالسحر رقشاء
من مقرب عشرات ذات زمزمة ... وعابد مبتغ منها وعذراء
تغدو فترجع ليلا عن مشاربها ... إلى ملوك ذوي عز واحباء
فهن مؤتمرات للرئيس معا ... تكتن في خدر فسيح وأرجاء
قال أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف شهدة بعث بها إلى بعض أصدقائه حيث يقول:
لله ريقة نحل ... حتى أرتوي من شفاء
رعى الربى والشعابا ... يمج منه رضابا
إن شئت كان طعاما ... أو شئت كان شرابا
وكتب مع هذه الأبيات نثرا جاء منه: وكفى النحلة فضيلة وجلالة صفات أو أوحي إليها، وأثنى الكتاب عليها بمساقط الانداء وراء البيداء فتقع هناك على كل نوارة عبقة، وبهارة أنقة، ثم تصدر عنها بما تطبعه شمعه، وتبدعه صنعه وترتشف منهما ما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا، وتتجافى بعد منه عن أكرم مجتنى في أحكم مبتنى.
القول في طبائع الزنبور
ويسمى الدبر، قال أصحاب اللغة النحلة تسمى زنبورا، وإذا أطلق هذا الاسم فأما يراد به الدبر وهو جنسان جبلي وسهلي، فالجبلي يأوي الجبال والأماكن الحسنة، يعشعش على الشجر، ولونه إلى السواد، وفيه العمال والأمهات، وهي القواد، وبدء خلقه تتخذ دودا، فإذا خلق كسب الدبر العمال طعمها، وأدخلته عليها بيوتها، وهي تتخذ بيوتا من تراب وقماه كبيوت النحل، ويجعل لها أربعة أبواب لمهاب الرياح وإذا تولدت أمهات أخر قتل الدبر العمال ما كان منها في العام الأول ويتميز العمال من الأمهات بصغر الجثة، وله حمة يلسع بها وغذاء الدبر من الحيوان ومن الأثمار والأزهار، وصموغها، ومن العسل والسكر، والأشياء الحلوة إذا وجدها ومتى أخذ من الذكور أحد وشد جناحاه بخيط وترك يضطرب حوله الإناث وهي الأمهات، أما السهلي، ففيه العمال والأمهات أيضاً، ولونه أحمر، وهو يتخذ عشه تحت الأرض ويخرج التراب منه كما يفعل مختلف النمل، وهو يختفي في الشتاء، ولا يظهر وأكثره يهلك، ومن الدبر السهلي صنف مختلف اللون مستطيل الجسد، في طبعه الحرص والشره، يطلب المطابخ ويأكل ما فيها من اللحوم، ويطير مفردا، ويسكن بطن الأرض، وهذا الحيوان بأسره مقسوم في وسطه، وهو لذلك لا يتنفس من جوفه البتة، ومتى غمس في الدهن سكنت حركاته، وإنما ذلك يضيق منافذه والله أعلم بالصواب
الوصف والتشبيه
من الغريب البديع في وصفه ما يحكى أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت دخل على أبيه في حال الطفولية، فقال: ما أبكاك؟ قال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة، فقال له: قلت والله الاشعر يا بني.
وقال السلامي يصفه وأجاد:
ولابس لون واحد وهو طائر ... ملونة أبراده وهو واقع
أغر بردي طيه فكأنما ... وسود المنايا في حشاه ودائع
إذا حك أعلا رأسه فكأنما ... بسالفتيه من يديه جوامع
يخاف إذا ولى ويؤمن مقبلا ... ويخفي على الأقران ما هو صانع
بدا فارسي الزي يعقد خصره ... عليه قباء زينته الوشائع
فمعجره الوردي أحر ناصع ... ومئزره التبري أصفر فاقع
يرجع ألحان الغريض ومعبد ... ويسقي كؤوسا ملؤها السم ناقع
وقال السري الرفاء يصفه:
ومخطف الخصر برده حبر ... تخذره وهو خائف حذر
مجنح طار في.... مجنحه ... تصعد طورا به وتنحدر
كأنها والرياح تنشدها ... غرائب الزهر حين تنتشر
لها حمأة كأنها شعر ... تظهر مسودة وتستتر
قد أذهبت في الجبين غرته ... إذا فضضت في جيادنا الغرر
سلاحه الدهر في مؤخره ... يطعن طورا به وينتصر
كأنه شطر ما يجرده ... من بين فكيه حية ذكر
القول في طبائع العنكبوت
стр. 108
وإنما ذكرته مع ذي الجناح لأن له وثبا لا يعدوه الطيران، وهو أصناف منها صنف يسمى الرتيلاء سمها قاتل، وهو عنكبوت صغير، ومنه صنف طويل الأرجل ومنه صنف يسمى الليث يصيد الذبان صيد الفهود، والكلاب، وله ست عيون، وإذا أراد صيد الذباب لطا بالأرض وسكن أطرافه وجمع نفسه ثم وثب على ما يريد صيده فلا يخطئه، وهو يعض الأسد كما أن يعض الكلب ذبان الكلف، قال الجاحظ، ولد العنكبوت أعجب من الفروج الذي يظهر إلى الدنيا كاسيا كاسبا، لأن ولد العنكبوت يقوى على النسيج ساعة يولد من غير تلقين، ولا تعليم، والعنكبوت يطاول في السفاد، وإذا أراد الذكر الأنثى جذبت بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعلت ذلك فعل الذكر مثلها فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فتصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى، وأول ما يلد دودا صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا، وهي تحضن وتقبل الصورة بعد ثلاثة أيام، ومن العنكبوت ما هو كبار جدا، ونسجه رديء على وجه الأرض والصخور ومنها ما هو حكيم دقيق الخلق، ومن حكمته أنه يمد السدي ثم يعمل اللحمة ويبتدئ من الوسط ويهيء موضعا لما يصيد في مكان آخر كالخزانة فإذا وقع شيء فيما نسجه وتحرك عمد إليه وشبك عليه حتى يضعف، فإذا علم ضعفه وحمله وذهب به إلى خزانته، فإن كان جائعا أكله، وإن لم يكن امتص رطوبته، وتركه حتى يجوع، وإذا كان المصيد قد خرق من النسج شيئا عاد ورمه، والأنثى هي التي تنسج والذكر يحل وينقض، والذي تنسجه لا تخرجه من جوفها بل من خارج جسدها، وهي في ذلك شبيه بما يلقي شعره وريشه وشوكه وجلده من الحيوان، وفم العنكبوت مشقوق بالطول لا بالعرض.
الوصف والتشبيه
قال ابن الرومي يصف فهد العنكبوت:
أعجب مستفاد ... أفادني زماني
من الفهود فهد ... في الاسم والعيان
تلك ذوات الأربع ... وذاك ذو ثمان
كأنما أرجله ... مخالب النغران
سيفاه سيفا بطل ... والدرع درع جان
مستأنس ما إن بنى ... والإنس في مكان
وصائد وهو من ال ... صائد في أمان
ذبابه في كفه ال ... طائر مثل العاني
ذبابه يبغي بدلا ... بطائر الخوان
إذا دنا فلم يكن ... بينهما غفران
عانقه أسرع من ... تعانق الأجفان
بخفة الوثوب بل ... بجرأة الجنان
فهو عزيز عزة ... في غاية الهوان
وقال خلف الأحمر في الرتيلاء:
إبعث له يا رب ذا أرجل ... في فمها احجن مثل المنجل
دهماء مثل العنكبوت المحول ... تأخذه من تحته ومن عل
وقال أبو نؤاس يصفه أيضاً:
وقانص محتقر ذميم ... كدري لون أغبر قتيم
مشتبك الأعجاز بالحيزوم ... ليس برعديد ولا حموم
ولا عن الحلة بالسؤوم ... لا يخلط الهمة بالتنويم
في طلب الدرة والعلجوم ... ومخرج اللحظة بالخيشوم
أضيف أرضا من محط الميم ... أو نقطة تحت جناح الجيم
كأنما دبيبه في النيم ... دبيب خمر بزلت خرطوم
أسرع من كره طرف يومي ... أو تسعة تنهض في يوم
أرسع من ذي لبدة هضوم
القول في طبائع الجرادة
стр. 109
قال الجاحظ: تقول سرأت الجرادة إذا باضت، فإذا خرج من بيضه فهو دبي، ويخرج دودا أصهب إلى البياض، فإذا تكونت فيه خطوط سود وصفر وبيض فهو المسيح، فإذا ضخم جناحه فذاك الكتفان، لأنه حينئذ يكتف المشي، فإذا ظهرت أجنحته، وصار أحمرا إلى الغبرة فهو الغوغاء، والواحدة غوغاة، وذلك حين يستقل فيموج بعضه في بعض، ولا يتوجه إلى جهة، فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة واختلف في ألوانه فهو الخفيان، فإذا اصفرت الذكور، واسودت الإناث سمي جرادا حينئذ، وهو إذا أراد أن يبيض التمس البيضة المواضع الصلبة والصخور الصلدة التي لا تعمل فيها المعاول فيضربها بذنبه، فتنفرج له ثم يلقي بيضه في ذلك الصدع فتكون له كالافحوص، ويكون حاضنا له ومربيا، وللجرادة ستة أرجل يدان في صدرها، وقائمتان في وسطها، ورجلان في مؤخرة جسدها، وطرفا رجليها منشاران، والجراد من الحيوان الذي ينقاد إلى رئيس يجتمع كالعسكر إذا ظعن أوله تابع كله ظاعنا، وإذا ترك أوله ترك جميعه ولعابه سم ناقع لا يقع على شيء إلا أهلكه، وجاء في الحديث) الجرادة نثرة من حوت (، ولذلك هو يؤكل ولا يذبح، وفي الجرادة خلقة عشرة من جبابرة الحيوان وجه الفرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجل نعامة، وذنب حية
الوصف والتشبيه
قال بعض الشعراء يصف ما اجتمع فيه حيث يقول:
لها فخذا بكر وساقا نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم
حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم
وقال بعض الأعراب يذكره افساده: باكرنا وسمى ثم خلفه ولى حتى كان الأرض وشي منشور عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد بمناحل حداد، فأخربت البلاد وأهلكت العباد فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول. وما أظرف قول القائل:
دب الجراد على زرعي فقلت له ... مهلا رويدك لا تعجل بافساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلة ... إنا على سفر لا بد من زاد
وقال أبو هلال العسكري يصف جرادة:
أجنحة كأنها ... أردية من قصب
لكنها منقوطة ... مثل صدور الكتب
بأرجل كأنها ... مناشير من ذهب
وقال أيضا فيها:
وأعرابية ترتاد زادا ... فتمرق من بلاد في بلاد
غدت تمشي بمنشار كليل ... تبوع به قرارة كل واد
وتنشر في الهواء عذبات شرى ... على أرجائه نقط المداد
وقال يعلي بن إبراهيم الأندلسي يصف دبأة:
وخيفانة صفراء القرا ... أتتك بلون أسود فوق أصفر
وأجنحة قد ألحقتها لرؤية ... تقاصر عن أنثاه برد محبر
وقال آخر في ذلك:
جرادة حنت القلوب لها ... حين أشارت بناظري ربرب
صفراء حسن يشوبها رقط ... في نقط من عبيرها الأشهب
كأنها والجناح حلتها ... راقصة في ممسك مذهب
القول في طبائع دود القز
وإنما ذكرته مع ذي الجناح لأن ماله إليه كما سنذكر، وذلك أنه يكون أولا بزرا في قدر حب التين، وهو البيض الذي يتكون فيه وخروجه منه عند استقبال فصل الربيع، وهيئته عند الخروج أصغر من الذر وفي لونه، وهو يخرج في الأماكن الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، وما تأخر خروجه تضعه النساء تحت ثديهن في صرره، فإذا خرج أطعم ورق التوت، ولا يزال يكبر ويعظم إلى أن يكون في قدر الإصبع، وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأول، وذلك في مدة ستين يوما على الأكثر ثم يأخذ في النسيج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه، ويكمل عليه ما يبنيه، فتكون كهيئة الجوزة ويبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، ويخرج منها فراشا أبيضا ذا جناحين لا يسكنان من الاضطراب الحركة، وعند خروجه يهيج إلى السفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى، ويلتحمان مدة زمانية ثم يفترقان، وتنثر الأنثى البزر الذي قدمناه ذكره على الخرق البيض، تفرش قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه ثم يموتان، هذا إذا أريد منهما البزر، وإذا أريد الحرير تركت في الشمس بعد فراغه من النسج لعشرة أيام، يوما أو بعض يوم فيموت، وما أحسن ما أشار إليه الشاعر بما يؤول إليه حال هذا الحيوان وضربه مثلا للحرص على جمع المال:
стр. 110
يعني البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهلكها ... وغير بالذي يبنيه ينتفع
وهو كثير العوارض لرقة بشرته بينما صحيحا بادي الصلاح مسرورا به إذ دخل عليه عارض، لا يدري فيصغر ويذبل ويموت، وكثيرا ما يلحقه ذلك عندما يريد أن ينسج، وبعد ما تعب على معاناته، ويقال أن السبب إطعامه ورق التوت الحامض، وفيه من أسرار الطبيعة في حال تربيته أنه يهلك من صوت الرعد، وضرب الطشت والهاون، ومن شم الخل، والدخان، ومس الحائض والجنب ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنحل والوزع، والحر الكثير يهلكه، وكذلك البرد الشديد، ومن عجيب شأنه أنه لما كان ورق التوت فوقه كان أول ما يورق من الأشجار، ويوافق ذلك خروج الدود من بيضه فهو يبتدئ مع ورق التوت وينهي عندما ينتهي في الرطوبة، وبينهما مناسبة عجيبة إذ يصير من هذا الورق المحتقر حرير جليل ذو جوهر شريف.
الوصف والتشبيه
قال بعض الشعراء فيها على طريق الألغاز:
وبيضة تحضن في يومين ... حتى إذا دبت على رجلين
واستبدلت بلونها لونين ... حاكت لها خبيئا بلا تزيين
بلا سما وبلا بابين ... وتنقبه بعد ليلتين
فخرجت مكحولة العينين ... قد صنعت بالنقش حاجبين
قصيرة ضئيلة الجبين ... شأنها قد قطعت تاتين
لها جناح سابغ البردين ... ما ثبتا إلا لقرب الحين
إن الردى كحل لكل عين
القول في طبائع الذباب
والعرب تجعل الذباب والفراش والنحل والدبر كلها من الذباب، ويقال إن الذباب يكثر إذا هجت ريح الجنوب، وإنه يخلق تلك الساعة، وإذا هبت ريح الشمال خف وتلاشى وهو من ذوات الخراطيم، وكذلك البعوض ويزعم القائم لهذا: إن الذباب يخرجه ويدخله، متى أحب الأكل، والولوغ، ومن عجيب أمره أنه يلقي رجعيه على الشيء الأسود أبيضا وعلى الأبيض أسودا وقال أصحاب الفحص عن طبائع الحيوان: الذباب لا يظهر إلا في مواضع العفونة والأماكن المستقذرة، فإنه يخلق من أجزاء تلك العفونة، وهو من الخلق الذي مبدأ خلقه من العفونات، ثم يكون السفاد، ويخلق دودا ثم يصير ذبابا وإذا سفد أبطأ في سفاده، وربما بقى الذكر على ظهر الأنثى عامة النهار وهو يتجاوز في ذلك البعير والخنزير والكلب، وهو من الحيوانات الشمسية وذلك أنه يخفي شتاء، ويظهر صيفا، وفيه من أسرار الطبيعة أنه لما لم يخلق لعينيه أجفان يدرأ بهما القذى عنها، كما خلق لسائر الحيوان خلق له في مقدم بدنه يدان زائدتان تتحركان أبدا كحركة الأجفان ليفعلا فعلهما في تنظيف القذى من عينيه لتبقى صافية، وقال عنترة بن شداد يصفه بذلك من قصيدته المعلقة
وخلا الذباب بها فليس يبارح ... هزجا كفعل الشارب المترنم
غردا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الاجدم
القول في طبائع البعوض
стр. 111
وهو صنفان: صنف يشبه القراد لكن أرجله خفية، ورطوبته ظاهرة يسمى بالعراق والشام الجرجس، وبمصر البق، ويشم رائحة الإنسان وتعلق به كقراد الجمل والكلب وله لسع شديد جدا، ويقال أنه يتولد من النفس الحار، ولشدة رغبته في الإنسان لا يتمالك إذا شم رائحته، فإن في السقف رمى بنفسه عليه فلا يخطئه، والصنف الآخر طائر، ويسميه العراقيون البق، ويسميه المصريون الناموس، والماء الراكد يولده فإن صار الماء رقراقا استحال دعاميصا، والدعاميص تستحيل فراشا، والبعوض في خلقة الفيل إلا أنه أكبر أعضاء منه، فإن للفيل أربعة أرجل وخرطوما وذنبا، وله مع هذه الأعضاء يدان زائدتان، وأربعة أجنحة وخرطوم الفيل مصمت، وخرطومه أجوف نافذ الخرق، فإذا طعن به جلد الإنسان استقى منه الدم، وقذف به إلى جوفه، فهو له كالبلعوم والحلقوم، ومما ألهم أنه إذا جلس على عضو من أعضاء الإنسان لا يزال يتوخى بخرطومه السان التي يخرج منها النفس والعرق، لأنها أرق بشرة جلد الإنسان، وإذا وجدها وضع خرطومه فيها وهذا الخرطوم على هيئة خرطوم الفيل فيه غضون كبيرة يجمعه بها ويحده إذا أحب بتدريج في خلقه من الدقة إلى الغلظ على تناسب مخصوص، وله رأس هذا الخرطوم سم يستعين به على تليين الجلد الذي يقع عليه، وعلى هضم ما يبتلعه من دم وفيه من الشره أنه يمتص من دم الإنسان إلى أن ينشق ويموت أو يمص إلى أن يعجز من الطيران فيكون ذلك سبب قتله، وله في خرطومه من القوة بحيث أنه يغمسه في جلد الفيل، والجاموس كما يغمس في الإنسان إصبعه في الثريد. ومن طرائف أمر البعوض، أنه ربما قتل البعير وغيره من ذوات الأربع فيبقى طريحا في الصحراء فتجتمع حوله من السباع والطير التي تأكل الجيف فمتى أكل منه شيء منها مات لوقته في موضعه، وكان بعض جبابرة الولاة بالعراق يقتل بالبعوض بأن يأخذ من يريد قتله تعذيبا فيخرجه مجردا إلى بعض الآجام التي بالبطائح فيتركه بها مكتوفا فيقتله في أرجى وقت وأسرعه، ولهذا قال الجاحظ وبعوض البطائح كجرارات الأهواز، وعقارب شهرزور، فربما ظفر بالسكران النائم فلا يبقى فيه إلا عظما عارية وهي على صغر جرمها قد أودع الله في مقدم دماغها قوة الحفظ، وفي وسطه قوة الفكر، وفي مؤخره قوة الذكر، وخلق لها حاسة البصر، وحاسة اللمس وحاسة السمع، وحاسة الشم، وخلق لها منفذا للغذاء ومخرجا للفضلة، ومتى كان الأمر كذلك فقد خلق لها جوفا وأمعاء وعروقا وعظاما، فسبحان من قدر فهدى، ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى وقال الزمخشري في تفسيره، وفي خلق الله تعالى أصغر من البعوضة وأقل الدرجات فربما تجد في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها البصر الحاد إلا بحركتها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوحت بها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها فسبحان من يدرك صورة تلك ويرى أعضائها الظاهرة والباطنة وتفاصيل خلقها، ويبصر بصرها ويطلع على خبرها، وقال بعض المخلصين في دعائه والمستغيث بندائه:
يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى نياط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل
اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان مني في الزمان الأول
الوصف والتشبيه
قال بعض الظرفاء:
بعوض جعلن دمي قهوة ... وغنينني بضروب الأغاني
كأن عروقي أوتارهن ... وجسمي الرباب وهن القيان
وقال آخر يصف بعوضة:
مثل الشفاه دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها
وقال أبو إسحاق الصابي:
وليلة لم أذق من حرها وسنا ... كأن في جوفها النيران تشتعل
أحاط بي عسكر للبق ذه أجب ... ما فيه إلا شجاع فاتك بطل
من كل شائكة الخرطوم طاعنة ... لا يمنع الحجب مسراها ولا الكلل
كانوا علينا وحر الصيف ينضجا ... حتى إذا نضجت أجسادنا أكلوا
القول في طبائع البراغيث
стр. 112
وإنما ذكرناه مع ذي الجناح لأنه من الحيوان الذي له الوثب الذي لا يقصر عن الطيران، وقد حكى الجاحظ عن يحيى بن خالد البرمكي أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران كما يعرض للنمل، والبرغوث مشاء ووثاب، والوثاب من البراغيث لا تمشي وهي تتناكح مستدبرة متعاضلة، والبرغوث يطيل السفاد، ويبيض، ويفرخ بعد أن يتولد وهو يتولد من التراب لا سيما في المواضع المظلمة، سلطانه، زمن الشتاء والربيع، وإذا اشتد عليه الحر هلك، وهو أحدب أسود ويقال أنه في صورة الفيل وله أنياب يعض بها وخرطوم يمتص به الدم وأرجل تصلح للوثب، ويكمن نهارا ويرتع في الأبدان ليلا وتكثر بمصر، ويطول لبثه فيها، ولا يوجد منه شيء في البلاد الشديدة الحر مثل صعيد مصر، ولا في البلاد الشديدة البرد، وتسميه العرب طامر بن طامر لما فيه من الوثب.
الوصف والتشبيه
قال شاعر مصري جمع بين البق والبعوض والبراغيث:
نومي على ظهر الفراش مبغض ... والليل فيه زيادة لا تنقص
ما عاديات كالذباب تدأبت ... وسرت على عجل فلا تتربص
جعلت مدي خمرا بدائم شربها ... مسترخصات منه ما لا يرخص
فترى البعوض تقينا برتابة ... والبق يسرق والبراغيث ترقص
وقال بعض الأعراب يصف البراغيث وقد سكن مصر:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بحنو الغضا ليلي علي يطول
يؤرقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يوقظنه لذليل
إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهن قتيل
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل
الباب التاسع
في طبائع حيوان البحر والمشترك
стр. 113
قال ابن أبي الأشعث: وكل حيوان البحر يأوي الماء ويستنشقه كما نستنشق نحن الهواء إلا أنا نستنشقه ومن جرى مجرانا من الحيوان بأنوفنا وينفد إلى الحنك ثم إلى الرئة والسمك يستنشقه بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه، ويفي الفضل الشبيه بالدخاني مقام الهواء فينا، ولهذا الحيوان أنف يشم به فقط، وللنفس النفسانية فينا دم وهواء، وهي في السمك دم وماء فقط وإنما استغنى عن الهواء في إقامة الحياة، ولم نستغن نحن وما أشبهنا من الحيوان عنه لأنه في عالم الماء، والأرض دون عالم الهواء ونحن في عالم الماء والهواء والأرض وذلك إنما نغتذي بالبزور والقضب والحيوان، وهذا من جوهر الأرض، ويشرب الماء ويستنشق الهواء، والسمك كله شره كثير الأكل لأمرين: أحدهما: برد مزاج معدته. والآخر قربها من فمه، ولأنه ليس له عنق ولا قصبة رئة طويلة وحيوان البحر لا صوت له إذ لا رئة له، وبعضه يتنفس في الهواء، ولا صوت له إذ لا حلقوم له، وبعضه له صوت ضعيف رديء، وحاسة الشم فيه قوية، أقوى منها فينا وأشد سمعا منا، وسبب ذلك أن صماخه أصلب من اصمختنا لأن اصمختنا غضروفية واصمخته من جوهر اصداعه، فمصاكة الأصوات لها أشد وقعا وأبصارنا أشد من أبصاره لكدر الروح النفساني فيه لأنه ينظر من غير هواء، فلذلك إذا قربت منه وهو راكد لا يتحرك، فإن صوت به نفر، فعلم من ذلك أن حاسة البصر فيه غير مناسبة لحاسة السمع، ولسانه غليظ قصير، وهو شبيه باللسان وليس لسانا حقيقيا لأن اللسان للصوت، وليس هو مصوتا، واللسان يقلب الغذاء على الأضراس عند المضغ، وهذا الحيوان لأي مضغ دائما، وإنما لسانه يحس الطعام ولأنه سداد لحنجرته، وحماما لحرارة جوفه، وله أضراس، وليست للمضغ، وإنما هي لقتل ما يفترسه من حيوان الماء، والأرض، يطبقها عليه، وفعله هذا يشبه فعل الحية، فإنها تبلع ما ليس بحيوان ازدرادا، وتنهش الحيوان، وتثبت فيه أضراسها، وتفرغ فيه سما يكون سببا لقتله ومقربا له من طبعها ليجود بذلك طعمها وسبيلها في ذلك سبيلنا في تدبيرنا الأغذية بالنار لنقربها من طباعنا إلا أن ذلك لنا بالعقل، ولها بالطبع، ولهذا شعبتان ذواتا مفصلين هما له عوضا عن الخرطوم، أو من اليد المتناول بها ما تأكله، تحركهما كيف تشاء كما يحرك ذو الخرطوم خرطومه، وذو اليد يده، وإنما لم تخلق له القوائم لأنه حيوان سابح، وليس بحيوان ماش، ولذلك خلقت آلات السباحة والحركة في الماء، وكذلك الحية لما لم تكن ماشية لم تخلق لها القوائم، فخلقت طويلة ليكون ذلك أسرع لحركتها على الأرض، والسمك يفر ويركد، وصغاره تحترس من كباره بأن تطلب الشط والماء القليل الذي لا يحمل الكبير، وهو شديد الحول والقوة جدا، وذلك إن قوته المحركة للإرادة تجري في مسلك واحد، ولا ينقسم في يد أو رجل أو شيء مما يستغل القوة، وهذا بعينه موجود في الحيات، حتى أنه إذا دخل في جحر لم يقدر ذو البطش الشديد من الرجال أن ينتزعها وإن جرها بأشد ما يقدر عليه، واختلف الناس في سفاده، وأقوى الأقاويل أنه يسفد مثل الحية، وإن الذكر يلقح بسفدة يسفدها كثيرا مما في جف الأنثى من البيض، كما يلقح بالشيء اليسير من الكثير وهو ذكر النحل الكثير منها، وعلى هذا إن القول لا يقطع به، وقال أرسطو: من السمك ما يتولد من سفاد ومن بيض ومنه ما يتولد من ذاته، أما من الطين وأما من الحمأة، وأما من الرمل، وأما من العفونة التي تطفو على الماء، وخاصة إذا كانت العفونات غالبة، وتكون في الأرض الذي يكون فيها الطحلب من البحر وتكون على شطوط الأنهار والينابيع، لأن الحرارة تغلب على تلك الأرض فتعفن، ويتولد من عفنها دود يتخلق منه ضروب من السمك وبيض السمك ليس فيه بياض وصفرة، وإنما هو لون واحد، وقال الجاحظ: في السمك القواطع، والأوابد كما في الطير، فإن أهل البصرة والابلة يأتيهم السمك الأسبور ثلاثة أشهر في السنة ثم ينقطع عنهم تسعة أشهر ويخلفه غيره في هذه المدة، ويسمى الجواف ثم يذهب ويعود الأسبور ويقطع إليهم سمك يسمى البرستوك من بلاد الزنج، ولا يوجد في الزنج في الوقت الذي يوجد عندهم، فكذا لا يوجد في البصرة في الوقت الذي يكون في الزنج، وعد أصنافا كثيرة كذلك، ومن أصناف السمك ما هو في شكل الحيات، وهو من أصناف الحشرات والدواب والسباع، فتوالدت تلك الحيات هناك، وأما أن يكون كانت
стр. 114
أمهاتها وآباؤها من ذوات الماء، ثم قال: وكيف دارت الأمور، فإن الحيات في الأصل مائية لأنها مما يعيش في الهواء، وفي الماء كما تعيش في السباسب الجرد، والصخور الصم، وكما تعيش في الرياض والأدغال، وكذا تعيش في الجبال والرمال.
الوصف والتشبيه
أحسن ما وقع لي من ذلك قول بعض كتاب الأندلس من رسالة: تبرق بريق الصوارم المسلولة، وتلمع لمعان الذوابل المصقولة، مدنرة الأصلاب، مفصصة البطون، مذهبة الأفواه، مجزعة العيون، تصل صليل الرقوق في اضطرابها، وتخطر خطرات العجول بأذنابها.
وقال عطاء بن يعقوب يصف حوتا من رسالة يستدعي بها صديقا، قد أهدى لنا صديق سمكة قد لبست من جلدها شبكة تشبه حملا شكلا وقدا، أو جرابا قد أملئ زبدا، كأنها أرادت أن تحارب السماك، أو حوت الأفلاك، فلبست من جلدها جوشنا مزردا وسلت من ذنبها سيفا مجردا. وقال ابن الرومي يخاطب رئيسا ويستدعي منها سمكا:
يا من أضاء شهاب غرته ... فجلا ظلام الليل ذي الحلك
عسرت علينا دعوة السمك ... أنى وجودك ضامن الدرك
إعلم وقيت الجهل أنك في ... قصر تلته مطارح الشبك
وبنات دجلة في فنائكم ... مأسورة في كل معترك
بيض كأمثال السبائك بل ... مشحونة بالشحم كالعكك
حسنت مناظرها وساعدها ... طعم كحل معاقد التكك
والناقة الغرثاء يرقبها ... قلق الخواطر متعب الملك
فليصطد الصياد حاجتنا ... يصطد موداتنا بلا شرك
فثناء مثلي غير مطرح ... وسؤال مثلك غير مترك
ولآخر:
بأحسنهن كاملها ... بيضاء قصف
ومرهفات قد ... طواهن هيف
نوات أرواح ... خفاف تستخف
فهي كمثل الطير ... في الماء تشف
ومثل هذا قول أبي عبادة البحتري وذكر بركة:
لا يبلغ السمك المحصور غايتها ... لبعد ما بين قاصديها ودانيها
يعمن فيها بأوساط مجنحة ... كالطير ينقض في جو خوافيها
فصل
ومن عجائب الدواب البحرية الدلفين، والرعاد ويوجدان بنيل مصر إلا أن الدلفين يقذفه البحر المالح إلى النيل، فأما الدلفين فصفته كالزق المنفوخ وله رأس صغير جدا، ويقال ليس في دواب البحر ماله رئة غيره، فلذلك يسمح له بالتنفس والنفخ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى الأسباب في نجاته فإنه لا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، وهو من أقوى الدواب المائية، ولا يؤذي، ولا يأكل السمك، وربما ظهر على وجه الأرض وهو نائم كأنه ميت، وهو يلد ويرضع، وأولاده تتبعه حيث ذهب، ولا يلد إلا في الصيف، وفي طبعه الدعة والاستئناس بالناس، وخاصة الصبيان، وإذا صيد جاءت دلافين كثيرة لقتال صائده فإذا أطلقه لها انصرفت، والكبير منها تتبعه الصغار ليحفظها، وهو إذا رام صيد السمك صار إلى العمق خلفه في طرفة عين، وإذا لبث في العمق حينا حبس نفسه، وصعد بعد ذلك مسرعا مثل السهم يطلب التنفس، فإذا كانت بين يديه سفينة وثب وثبة يتجاوز بها الدقل إلى الناحية الأخرى، وهو يتزاوج في حركته فلا يرى ذكر إلا مع أنثى.
وأما الرعاد: ففيه من الخاصة أن أحدا من الناس لا يقدر أن يمسه، ومتى وضع الإنسان يده عليه نزعها بحركته وصاح صيحة منكرة ربما دهش بها الإنسان، ووجد في فؤاده خفقانا من ذلك، وفي البحر من عجائب المخلوقات ما لا يسع وصفها كتاب ولا يأتي على القليل منها استيعاب، ويكفي في الإخبار عن ذلك قول القائل حدث عن البحر ولا حرج، وهذا لفظ صدر عن صدر ضاق من كثرة الفحص وحرج.
فصل
وأما المشترك: فإن ابن أبي الأشعث يسميه المائي الأرضي لأنه يأتي الماء ويرتعي فيه، ويستنشق الهواء كما يستنشق الماء ويدب على الأرض ويسعى فيها ولا يحدث بعدم لأنه يستنشق الهواء كما يستنشق الماء إلا أن لبثه في الماء أكثر من لبثه على الأرض، وإيثاره له أكثر من إيثاره لها وأهم ما نبدأ بذكر منه:
القول في طبائع التمساح
стр. 115
وهذا الحيوان لا يكون إلا في نيل مصر، وقد زعم قوم أنه في نهر مهران السند، وهو شديد البطش في الماء، ولا يدخل عليه الأذى إلا من ابطيه، ومنه مقتله ويعظم إلى أن يكون طوله عشرون ذراعا في عرض ذراعين وأكثر، ويفترس الفرس والإنسان، وما أضرف قول أبي نؤاس وقد أنكر هذه الحالة منه حيث يقول:
أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل
فمن رأى النيل رأي العين من كثب ... فما أرى النيل إلا في البواقيل
وهو إذا أراد السفاد خرج والأنثى إلى البر فيقلبها على ظهرها واستبطنها فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من الانقلاب لقصر يديها ورجليها، ويبس ظهرها وهو إذا تركها على ظهرها لم تزل على تلك الحال حتى تنقلب، وهي تبيض في البر فما وقع صار تمساحا، وما بقي صار سقنقورا، والتمساح يحرك فكه الأعلى دون الأسفل ولسانه معلق به، ويقال: أنه ليس له مخرج، وإن جوفه إذا امتلأ خرج إلى البر وفتح فمه فجيء طائر معروف بذلك صغير أرقط لا يسقط على فم تمساح إذا فتحه غيره، فلا يزال ينقره بمنقاره ما في جوفه حتى يأتي عليه أو على بعضه فالطائر يأتي يطلب الطعام على معرفة به، فيكون في ذلك غذاء الطائر وراحة التمساح وبعض الناس يقول: إن في رأس هذا الطائر شوكة، فإذا أغلق التمساح عليه فمه حسه بها فيفتحه، وزعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان للتمساح ستين سنا وستين عرقا، ويسفد ستين مرة، ويبيض ستين بيضة ويعيش ستين سنة، ويوجد في سطح جلده مما يلي بطنه سلعة كالبيضة فيها رطوبة دموية كنافجة المسك لا يغادر من رائحة السمك شيئا إلا أنها تنقطع بعد أشهر.
الوصف والتشبيه
وصفه شاعر وأجاد:
وذي هامة كالترس يفغر عن فم ... يضم على مثل الحسام المثلم
ويفتر عن مثل المناشير ركبت ... على مشفر مثل القليب المهدم
مشى في شواة من فقارة غيلم ... وسقف لحيا عن مناكب شيهم
القول في طبائع السقنقور
وبعض أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يسميه الحرذون البحري، ويقال أيضا أنه ورل مائي، ومنه ما هو مصري، وما هو هندي وما يتولد في بحر القلزم وببلاد الحبشة وهو يغتذي في الماء بالسمك، وفي البر بالعظايات يسترطه كالحيات وجلده في غاية الحسن لما فيه من التدبيج بالسواد والصفرة والأنثى تبيض عشرين بيضة، وتدفنها في الرمل فتكمل بحرارة الهواء، ويكون ذلك حضنا لها، وقال التميمي: لأنثاه فرجان، ولذكره نزكان كما في الضباب، ومن عجيب ما ركب فيه من الطباع أنه إذا عض إنسانا وسبقه الإنسان إلى الماء واغتسل منه مات السقنقور، وإن سبق السقنقور إلى الماء مات الإنسان وبينه وبين الحية عداوة متى ظفر أحدهما بصاحبه قتله.
القول في طبائع السلحفاة
قال الباحثون عن طبائع الحيوان: السلحفاة تبيض في البر فما أقام به سمي سلحفاة وما وقع إلى البحر سمي لجأة، فأما ما بقي في البر فإنه يعظم حتى لا يكاد الرجل الشديد يحمله وما ينزل البحر يعظم حتى لا يكاد الحمار العاسي يحمله، وربما وجد فيها ما وزنه أربعمائة رطل، وفيها أربعمائة بيضة كبيض الدجاج، ثم صار بريا فوقع إلى البحر تلف، ولم يستطع الرجوع إلى البر وما صار بحريا فخرج إلى البر وأصابه حر الشمس تلف ولم يستطع الرجوع إلى البحر وللسلحفاة حيلة عجيبة وتوصل خفي في الصيد الذي تصيده من الطائر، فإنه يصعد من الماء ويتمرغ في التراب، ويأتي موضعا قد سقط الطير عليه لشرب الماء فيخفى عليها بكورة لونه التي اكتسبها من الماء والتراب فيصيد منها ما يكون قوتا له، ويدخل الماء ليموت فيأكله، والسلحفاة تحضن بيضها بالنظر إليه، والرصد لا غير، وللذكر نزكان، وللأنثى فرجان، والذكر يطيل المكث في السفاد، وهذا الحيوان مولع بأكل الحيات، وإذا أكلها أكل بعدها صعترا يدفع به سمها.
الوصف والتشبيه
قال شاعر يصفها:
وسلحفاة يمج ... سكونها والحركة
شبهتها بديلمي ... ساقط في معركة
مستتر بترسه ... عمن عسى أن يهلكه
وقال أبو بكر الخوارزمي يصفها:
بنت ماء بدت لنا من بعيد ... مثل ما قد طوى البحاري سفره
رأسها رأس حية وقراها ... ظهر ترس وجلدها جلد صخرة
مثل فهر العطار دق به العط ... ر فحلت طرائق الطيب ظهره
стр. 116
أو كما قد قلبت جفنه شرب ... نقوشها بحمره وصفره
يقطع الخوف رأسها فإذا ما ... أمنته فرأسها مستقرة
وقال ابن صارة الأندلسي يصفها وذكر بركة:
لله مسحورة في شكل ناظره ... حيث الازاهر أجفان وطف
بها سلاحيف الهانئ تغامسها ... في مائها ولها من عريض لحف
تنافر الشط إلا حين يحصرها ... برد الشتاء فتسد في وتنصرف
كأنها حين يبد بها تشوقها ... حبس النصارى على أكتافها الحجف
ولآخر:
لحى الله ذات فم أخرس ... تطيل من العي وسواسها
تكب على ظهرها ... ترسها ... وتظهر من جلدها رأسها
إذا الحذر أقلق أحشاءها ... وضيق بالخوف أنفاسها
تضم إلى نحرها كفها ... وتدخل في جوفها رأسها
القول في طبائع الفرس النهري
وهو من أعظم الحيوان المشترك جثة ولا يوجد إلا بنيل مصر، وخلقته خلقة الفرس إلا أن وجهه أوسع وله ظلفان كالبقر وفي رجليه كعاب مثل كعاب ذي الظلف،) وصوته كصوت الفرس وعظمه كعظم الحمار (، وقوائمه قصيرة جدا أشبه شيء بقوائم الفيل، وهو أعظم من الجاموس، وصورته عظيمة جدا، وله أنياب طوال غلاظ صلاب يكسر بها السفن المحكمة، وأسنانه صفين وذنبه وكأنه حيوان ركب تركيب الطبيعة كما ركبت الزرافة والنعامة، والنمر،) هذه الزيادة من كتاب عبد اللطيف البغدادي، وله ناصية، وجلده مثل جلد الجاموس غليظ جدا، وذنبه مثل ذنب الخنزير، وصوته يشبه صوت الفرس، وجوفه كذلك (ومن أسرار الطبيعة أنه يخرج من النيل ويرعى زهر وليس يبدأ إذا رعى من أدنى الزرع إليه، ولكنه يحوز منه قدر ما يأكل ثم يبتدئ من حيث انتهى إليه مقبلا إلى البحر وربما فاه في المكان الذي يرعى فيه فينبت أيضا، وهو يقتل التمساح ويقهره ويساجله الحرب، ويكون القتال بينهما دولا وأهل ريف مصر إذا رأوا اثر حافره كان ذلك عندهم دليلا على توفو زيادة النيل وكثرة الخصب
القول في طبائع الجندبادستر
ويسمى كلب الماء ولا يوجد إلا ببلاد القفجاق وما يليها، ويسمى السمور أيضاً وهو على هيئة الثعلب أحمر اللون لا يدان له، وله رجلان، وذنب طويل ورأسه كرأس الإنسان، ووجهه مدور، وهو يمشي متكئا على صدره كأنه يمشي على أربع، وله أربع خصي اثنتان باطنتان، واثنتان ظاهرتان، وفيه أسرار الطبيعة أنه إذا رأى الصيادين له، لأجل الجندبادستر وهو الموجود في انثييه البارزتين، يجدون في طلبه قطعهما بفيه، ورمى بهما إليهم، إذ لا حاجة لهم إلا بهما فإن لم يبصرهما الصيادون وداوموا على الجد في طلبه استلقى على ظهره حين يريهم الدم فيعلموا أنه قطعهما، فينصرفون عنه، وهو إذا قطع الظاهرتين تبرز الباطنتان وعوض عنهما غيرهما، والجندبادستر بالفارسية كبد فعرب، وتفسيره الخصية، وفي داخل الخصية شبه الدم والعسل، زهم الرائحة سريع التفرك، إذا جف، ذكر جالينوس أن هذا الحيوان ليس فيه غير الجدنبادستر، وقال أنه يوكر على الأرض، ويولد عليها ويرعى فيها ويهرب إلى الماء، ويعتصم به ويمكنه أن يلبث فيه سابحا زمانا ثم يخرج إلى الهواء.
القول في طبائع القندس والقاقم
فأما القندس فإنه يغتذي بالسمك والنبات، وقد شرف الله تعالى جلده وعظمه إذ جعل الملوك يتخذون منه التيجان، ويطوقون به الأطواق والأذيال والأردان، ويقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان أنه فيه سادة وعبيد، وأنه يتخذ مساكن مرتبة كترتيب مساكن الناس، والأحرار منهم يتخذون صففا يكونون عليها، وفي أسفلها مواضع للعبيد، ولبيوتهم أبواب إلى البر، وأبواب إلى النهر ويعبر بعضهم على بعض، والحر لا يكتسب، وإنما يكتسب العبد له ولسيده، ويعرف جلد العبد بحسن لونه وبصيصه وأهل بلاده يسلخون خراطيمه، وخراطيم السمور ويتعاملون كما يتعامل بالدراهم والدنانير، بشرط أن يكون عليها ختم المالك.
وأما القاقم وهو يشبه السنجاب إلا أنه أبرد منه وأرطب، ولهذا هو أبيض يقق وهو يجلب من البحر الخزري، ويشبه جلده جلد الفيل، ورأيت في بعض المجاميع المجهولة، أن في بعض البحار شاة شعراء تكون في البر مع البهائم حين ترعى فإذا فرغت من رعيها عادت إلى الماء، وتأكل من السمك وذكر فيها خواصا ليس ذكرها من شرطي كتابي.
стр. 117
وذكر بعضهم دابة سماها خز الماء، ولم يسم المكان الذي تكون فيه وقال أنها مثال ابن عرس أو قليلا، سباحتها في الماء كجريها في البر، لها وبر ناعم يعمل منه ثياب الخز.
القول في طبائع الضفدع
وهو أصناف كثيرة، ويكون من سفاد وغير سفاد، فالذي يكون من سفاد يبيض في البر، ويعيش في الماء، والذي من غير سفاد يتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري، ومن العفونات، وغب الأمطار، حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرته وكثرة ما يرى منه على السطحة عقيب المطر والريح، وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة من طباع تلك التربة والضفادع لا تؤثر أن تستنشق الهواء إلا أنها إذا اضطرت إليه فعلته، وهي من الحيوان الذي لا عظام فيه ويوصف بالرسح، وتقول العرب في أمثالها) ارسح من ضفدع (، ويوصف بالحذر، وفي المثل) احذر من غراب وعصفور وعقعق وضفدع (، وإذا أراد النقيق أدخل فكه الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء فيه لا ينيق.
وما أطرف قول بعض الشعراء وقد ليم على قلة كلامه:
قالت الضفدع قولا ... فسرته الحكماء
في فمي ماء وهل ... ينطق من في فيه ماء
ويعرض للضفدع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من النار حيرة إذا رأتها وفكر فيها، وعجب منها، لأن الضفدع ينق فإذا أبصر النار سكت، ولا يزال يدمن النظر إليها، ولذلك يتخذ للضفادع السرج إذا كثر نقيقها، ولذلك تسكت إذا رأت ضوء النهار.
الوصف والتشبيه
ومقعدات زانهن أرجل ... كقعدة الناكح حين ينزل
يكسين وشيا وعيون تكحل
ولآخر:
دعتك في فاضة مدنرة ... ليس لها طرة ولا هدب
قد نسجت من زبرجد فجرى ... بين تضاعيف نسجها الذهب
يطيل صمتا نهاره فإذا ... أدركه الليل بات يصطخب
وهو وإن لم يغط مقلته ... جفن ولا امتد خلفه ذنب
يعجبني ما رآه منه ففي ... خلقته واختلافها عجب
وقال أبو بكر الخوارزمي:
أتعني والديك لما نيطق ... والليل في سربال دخن مطبق
لم يدم كشحاه بضع الفلق ... والنجم في الأفق كعين الأزرق
صوت غريق بعضه لم يفرق ... غصان بالماء ولما يشرق
وجاحظ العين ولما يخنق ... وساهر الليل ولما يعشق
هو الغراب في الخطى والمنطق ... جلد سلحفاة وثب عقعق
وصوت مخنوق ونفخ أشدق ... يرمج لج الماء رمح المحفق
كحذق ملاح غدا فيث زورق
القول في طبائع السرطان
والسرطان جيد المشي، سريع العدو ذو فكين، مخالب وأظفار حداد كبير الأسنان صلب الظهر، من رآه رأى حيوان بلا رأس، ولا ذنب، عيناه في كتفه، وفمه في صدره وفكاه مشقوقتان من جانبين، وله ثماني أرجل مشققات وهو يمشي على جانب واحد، ويستنشق الماء والهواء معا وهو يسلخ جلده في السنة ست مرات، ويتخذ لجحره بابين أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى اليابس، فإذا سلخ جلده سد عليه مما يلي الماء خوفا على نفسه من السمك، وترك ما يلي اليابس مفتوحا ليصل إليه الريح، فتخف رطوبته وتشتد، فإذا اشتد فتح ما يلي الماء وطلب معاشه وهذا دأبه.
الوصف والتشبيه
قال شاعر يصفه:
في سرطان الماء أعجوبة ... ظاهرة للخلق لا تخفى
مستضعف المنة لكنه ... أبطش من حاربته كفا
يسفر للناظر عن جملة ... متى مشى قدرها نصفا
ويقال: إن ببحر الصين سرطانات متى خرجت إلى البر استحجرت، والأطباء يتخذون منها كحلا يجلو البياض، ومن عجائب الحيوان المشترك، ما يذكر أن ببحر الروم أمة يقال لها بنات الماء يشبهون النساء ذوات شعور سبط، ألوانهم إلى السمرة ذوات فروج عظام، وثدي، وكلام لا يكاد يفهم وقهقهة، وضحك، وربما في أيدي أرباب المراكب فينكحوهن فيجدون لذلك عظيمة، ثم يعيدوهن إلى البحر، وفيها أيضا رجال يسمى الواحد منهم بالقبطية أبو مرينه، ويقال أنهم يظهرون بالإسكندرية وبالبرلس وبرشيد في صورة ابن آدم بجلود لزجة أو أجسام مشاكلة، لهم بكاء وعويل إذا وقعوا في أيدي الناس وذلك لأنهم ربما برزوا من البحر إلى البر يتشمسون فيقع الصيادين، فإذا بكوا رحموهم وأطلقوهم.
وصف آلات الصيد
فصل
стр. 118
ولما كمل غرضنا والحمد لله تعالى من هذا الباب رأينا من الصواب أن نختمه بما تصبو إليه النفوس من الإتحاف، وتميل إليه من التشبيهات والأوصاف المنظمة التعبير عن آلات الصيد وفتكات الخيل، والكيد، وهي وإن كانت غير متعلقة بالغرض المقصود في هذا الفن، وإنها مما تتشوق إليه الخواطر، والخواطر أبدا تابعة لما خطر لها من هواها وعن، فمن ذلك ما أختير من رسالة كتب بها أبو إسحاق الصابي إلى محمد بن العباس بن فسابخش في صفة الجلاهق، وهي قوس البندق: أقبلت رفقة الرماة قد برزت قبل الذرور للشروق، وشمرت عن الأذرع، والسوق متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها، ونياطاتها وناسبتها في آثارها ونكاباتها تحمل من البندق الملموم كما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجهر فجاء كنبات الفهر، قد اختير طينه، وملك عجينه، فهو كالكافور المصاعد في الملمس والمنظر، وكالعنبر الاذخر في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه مجلوب من أطيب معادنه كافل حامليه محقق لآمال آمليه ضامن بحمام الحمام متناول لها من أبعد مرام يعرج إليها وهو سم ناقع ويهبط بها وهي رزق نافع.
وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جردت من تلك المطارفة، وانتضيت من تلك الملاحفة، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة وألوانا معجبة أنيقة صلبة المكاسر، والمعاجم نجية المثابت والمناجم، خطية الأسماء والمناسب سمهرية الأعراق والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الاوعال الناخسة فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، قد تحنت المشيخة النساك وصالت صيال الفتية الفتاك، واستبدلت من قدميها في عز الفوارس، بحديثها من أنفس الملابس، وانتقلت من جدها في طراد الفارات إلى هزلها في طرد المستهرات، ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة كأن شمس أصيل قد طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها أو زعفرانا جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، إذ هي قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حبات رمل اعتنق السواد منها والصفر.
وجاء منها في وصف وتر: فلما توسطوا تلك الروضة وانتشروا في الغيطة، وثبت للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوق سهمه منه، وهو مفارق للسهم وخارج عنه، مضاعف عليها من وترين كأنه شخص ذو جسدين، أو عناق ضم ضجيعهن في وسطه عين كشجرة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم محولة عن المحاذاة مزورة عن الموازاة، تروع قلوب الطير بالانباض، وتصيب منهم مواقع الأغراض، هذا ما وقع عليه الاختيار من هذه الرسالة فإن الصابي أتى من بعد هذا الكلام ينعت ما صيد ومن صاد فأطال الرشأ على الواردين، والقصاد، ولضياء الدين بن الأثير الجزري رسالة في المعنى الذي نحاه أبو إسحاق، وأين يفوز المتأخر من المتقدم باللحاق لأن الأول اجتنى ثمر الأدب، وكان حظ المتأخر منه الكلأ وكم عسى يجهد نفسه من جاء في الزمن الأخير فشكلا فلم يبق إلا أن يحذو على مثاله إن اعين فاستطاع، وينسج عن منواله إن ترك الفكر عصيانه، وأطاع، جاء من هذه الرسالة في وصف القسي وذكر الرماة: إذا تناولها بأيديهم قلت هذه أهلة طالعة في أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قلت منايا مسبوقة في أيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال وإذا نعتها ناعت قال أنها جمعت من بين وصف اللين والصلابة، ووضعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله وهذا من سكان البر ومجاهله، ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها بنات احكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الاهاب، وكأنما صنعت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا حذفها نحو الأطيار تقل، وتصعد من الأرض من جبال فيها من برد فلا ترى حينئذ إلا قتيلا بالمثقل الذي لا يجب في مثله فهي كأقله من تلك الأطيار يقبض نفوسها، منزلة لها من السماء على أم رؤوسها ولابن المعتز يصفها على قافية منهوكة أبي نؤاس الطردية:
لا صيد إلا بوتر ... أصغر مجدول ممر
إن مسه الرامي نخر ... ذي مقلة تبكي مدر
стр. 119
صنعة بار مقتدر ... دام عليها فمهر
فجئن أمثال الاكر ... لم يختلفن في الصور
بصغر وللأكبر ... أشبه طين بحجر
يودعن أمثال السرر ... ثم يطرن كالشرر
إلى القلوب والثغر ... لما غدونا بسحر
والليل مسود الطرر ... تأخذ أرضا ونذر
فلاح صبح واشتهر ... جاءت صفوفا وزمر
سوابحا بيض الغرر ... يطلبن ما شاء القدر
روضا جديدا ونهر ... وهن يسألن النظر
ما عنده من أكبر ... فقام رام ما يندر
وتر قوسا وجسر ... إذا رعى الصيف انتثر
هزل عودا قد نخر ... فبين هاو ومنحدر
وسابح على خطر ... وذي جناح منكسر
فارتاح من حسن النظر ... ومسه جن الأشر
وقلن إذا حق القدر ... وجد رمي فانتشر
ما هكذا رمي البشر ... صار حصى الأرض مطر
وقال أبو الفرج عبد الواحد بن نصر الببغاء يصفها أيضاً:
وداية ترضع غير درها ... وقصاء يعليها انحناء ظهرها
مقلتها شاخصة في صدرها ... نجلاء لا تطرف هدب شفرها
طائرة مقيمة في وكرها ... باطشة لكن بغير ظفرها
اراؤها تصدرها عن فكرها ... مجيئة في أصلها وفجرها
بنت كعوب سبيت من خدرها ... فاقتصها الصانع بعد مهرها
بقطعها وبردها ونشرها ... حتى إذا سار خمول ذكرها
مثلت به كمال أمرها ... فلم يزل نيرته نيرها
تنعى إلى الطير امتداد عمرها ... كأنما البندق بعد حرها
جنودها صادرة من صدرها ... جيدت بسحب طميت بصخرها
كأنها تحت انسكاب قطرها ... أسرة لوط مطرت بصخرها
فلم تزل تغمرنا ببردها ... حتى اعترفنا كلنا بشكرها
أفعالها ناطقة بفخرها ... يعنو ملوك الطير خوف مكرها
من بازها في فكه وصقرها ... لا ينكر الجارح عظم قدرها
وقال أبو إسحاق الصابي:
ومرنان معبسة ضحوك ... مهذبة الطبائع والكيان
مغالبة وليس بها حراك ... وباطشية وليس لها يدان
لها في الجارح النسب المعلى ... وإن هي خالفته في المعاني
تطير مع البزاة بلا جناح ... فتسبقها إلى مصب الرهان
وتدرك ما تشاء بغير رجل ... ولا باع يطول ولا بنان
وتلحظ ما تشاء بكل الطرف عنه ... بلا نظر صحيح ولا عيان
لها عضوان من عصب وعظم ... وسائر جسمها من خيزران
يخاطب في الهواء الطير منها ... بلفظ ليس يصدر عن لسان
فإن لم تضع أردتها بطعن ... ينوب الطين فيه عن سنان
مقرطقة ممنطقة خلوب ... مهفهفة مخففة الجران
مذكرة مؤنثة تهادى ... من الأصباغ في حلل القيان
معمرة تزايد كل يوم ... شبيبها على مر الزمان
كأن الله ضمنها فباتت ... لنا في الرزق عن أوفى ضمان
أعز علي العيون من المآقي ... وأحلى في النفوس من الأماني
إذا ما استوطنت يوما مكانا ... تولى الجدب عن ذاك المكان
وقال أبو الفتح كشاجم يصفها:
وثيقة مدمجة الأوصال ... محنية عوجاء كالهلال
تعود إن شئت إلى اعتدال ... باطنها لعاقل الاوعال
والظهر منها لقنا الأبطال ... يجعها أسمر ذو اعتدال
في وسطه من صنعة المحتال ... مثال عين غير ذي احولال
تغذى بصدفات من الصلصال ... أمضى من السهام والنبال
قذى في أعين الآمال ... فاقعة الصفرة كالجريال
رخيصة تغنم كل غال ... يؤمن منها وثبة الكلال
تعول في الجدب وفي الأحمال ... وقد يكون الصقر كالعيال
مطيها عواتق الرجال ... في غلف ممدوة طوال
كم افضلت على ذوي الافال ... وكم أنالت من أخي نوال
وقربت للطير من آجال
وقال أيضا فيها من أبيات طردية:
وفي يساري من الخطي محكمة ... متى طلبت بها أدركت مطلوبي
للوعل باطن شطريها ومعظمها ... من عود شجراء صماء الانبيب
تأنق القين في تزينها فغدت ... تومي بأحسن تفضيض وتذهيب
في وسطها مقلة منها تبين ما ... ترمي فما مقتل عنها بمحجوب
فقمت والطير قد هم الحمام له ... على سبيلي في عادي وتجويبي
стр. 120
حتى إذا اكحلت بالطين مقلتها ... صبت عليهن حتفا بعد مصبوب
فرحت جذلان لم تكدر مشارب ... ولم تلق آمالي بتخييب
وقال أبو الفرج الببغاء يصف الفخ:
ذو قصر أحدب من غير كبر ... محتقر المنظر جار الخبر
مستنصر لكن إذا ضيم انتصر ... مستأنس إن صله لمس نفر
وإن جنى جناية لم يعتذر ... مفوف سهما إذا شك استمر
قضى له الحب ومأواه الخفر ... لما رأى العصفور حيا قد بدر
أرباب بالحنطة ما بين المدر ... ولم يزل بين الرجاء والحذر
تتبعه الحرص ويعنيه الخطر ... ثم هوى مستبينا لما افتكر
إن بنى الدنيا جميعا في غرر ... وأمل النفع ولم يخش الضرر
فشده الفخ بإشراك العير ... ولم يطق دفع القضاء والقدر
وكثرة الأطماع افات البشر ... وفي تصاريف الليالي معتبر
والحزم إن يجزع من حيث يسر ... وآخر الصفو وإن لذ الكدر
قال ابن المعتز يصف الدبق على طريق الألغاز:
وما رماح غير جارحات ... وليس في الدماء والغات
وليس للطراد والغارات ... يخضبن لا من علق الكماة
بدبق حتف منجز العدات ... مستمكن ليس بذي إفلات
ينشب في الصدور واللبات ... فعل اسار علق الشباة
على عواليها. . . مركبات ... أسنة ليس موقعات
من قصب الريش مجردات ... يحسبن في الهواء شائلات
أذناب جردان منكسات
وقال أبو الفتح كشاجم يصفها أيضاً:
واسرات مثل مأسورات ... ممكنات غير ممكنات
مؤملات غير ... مكذبات ... صوادق التعجيل للعدات
نواظر الأشكال ذاهبات ... كواسر وليس ضاريات
ولا بما يصدن عالمات ... بمثل ريق الفحل مطليات
اقتل من سمائم الحيات ... لو صلحت شيئا من الآلات
ووصلت بالزج والشباة ... كانت مكان النبل للرماة
حوامل للطير ممسكات ... تعلق الأحباب بالحبات
كأنها في النعت والصفات ... أذناب ما دق من الحيات
أعذر بالورق المفردات ... فيها من الفتيان بالقينات
فهن من قتلى ومن عناة ... بلا فكاك وبلا ديات
وقال أبو الفرج الببغاء يصف سبطانة:
وجوفاء حاملة تهتدي ... في كل قلب بمقروحه
مقومة القد ممشوقة ... مهفهفة الجسم ممسوجه
مشققة فمها عينها ... تبشر ظني بتصحيحه
فإن هي والجارح استنهضا ... إلى الصيد عاقته عن ريحه
إذا المرء أودعها سره ... لتخفيه باحت بتصريحه
موات يعيش إذا ما أعاد ... لها النافخ الروح من روحه
هي السبطانة في شكلها ... ففي القلب جد تباريحه
تحط أبا الفرخ عن ذكره ... ويستنزل الطير من لوحه
وقال السري الرفاء يصف شبكة:
وجدول بين حديقتين ... مطرد مثل حسام القين
كسوته واسعة القطرين ... تنظر في الماء بغير عين
راصدة كل قريب الحين ... تبرزه مجنح الجنبين
كمدية مصقولة المتنين ... كأنما صيغ من اللجين
وقال كشاجم يصفها:
يا رب نهر متأت ملان ... جم المدود معمر معان
باكرته مع باكر الغربان ... في فتية أفاضل أقران
بمثل أحداق بلا أجفان ... محذوة كحنو طيلسان
كأنها جلدة افعوان ... مزعج بالأطماع والحرمان
مواطن الماء عن الأوطان ... إحدى على صائدها الغرثان
من الضواري الغظف الأذان ... وكاسر البزاة والعقبان
وقال أبو الفرج الببغاء يصف شبكة العصافير:
رقراقة في السراب تحسبها ... على الثرى حلة من الزرد
كالدرع لكنها معوضة ... عن المسامير كثرة العدد
سايرها أعين مفتحة ... لا ترتضي نسبة أحد
كأنها في غرورها زخرف ... الدنيا المشرب المسرور بالكد
كاتب أندلسي يصف الشص: صنافير كأظفار السنانير، قد عطفها القين كالراء، وصيرها الصقل كالماء فجاءت أحد من الإبر، وأدق من الشعر، كأنما مخلب صرد، أو نصف حلقة من زرد.
وقال أبو بكر بن أحمد بن محمد الصنوبري يذكر الشص ويصفه:
أكرم ما أعددته من العدد ... وما حوى صحبي به عناء الأبد
стр. 121
بناء قين حاز في الخندق الأمد ... على مقادير مخاليب الصرد
أو مثل ما عاينت أصناف الزرد ... لها رؤوس في أعاليها اود
كمثل أبيات الأفاعي اوا حد ... ذوات طعم نكد كل النكد
تشد في أذناب خيل إذ تشد ... ممرة الفيل كامرار المسد
نيطت بأطراف يراع مسترد ... صم الأنابيب قريبات العقد
عجبا بها من حيث ما عاج أحد ... من ظل صفصاف علينا قد يرد
شاطئ نهر لابس درع زبد ... فأطلقت أيديهم إطلاق يد
فلم تزل ترسل طورا وتزد ... حتى تنادوا قد من الحيتان قد
ثم بعثنا ألف عين في جسد ... فجئنا بمثلهن في العدد
ألف من الحيتان بيض كالبرد ... مكسوة دراهم لا تنفد
كذلك الأرزاق من جزر ومد ... والحمد للمهيمن الفرد الصمد
وقال أبو الفتح كشاجم يصف الشض أيضاً:
من كان يحوي صيده الفضاء ... وللبزاة عنده ثواه
وطال بالكلب له العناء ... فإن صيدي ما حواه الماء
بمخلب ساعدوه رشاء ... يظل والماء غطاء
كما طوت هلالها السماء ... كأنه من الحروف راء
فهو ونصف خاتم سواء ... يحمل سما اسمه غذاء
وعطبها فيه لنا اجتناء ... تدمي القلوب والأحشاء
عاد إذا ساعده الفضاء ... أمتعنا القريس والشواء
ولله الحمد تم الفن الثالث من مباهج الفكر ومناهج العبر في الطبائع الحيوانية يتلوه الفن الرابع في الفلاحات النباتية إن شاء الله تعالى بحمد الله تعالى وعونه ولطفه وبه المستعان.
تم الفن الثالث من مباهج الفكر ومناهج العبر ويتلوه الفن الرابع من الكتاب في الصفحة التي هذه الورقة، والحمد لله كثيرا.