Полный текст (121 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
والسنجاب وهو حيوان سريع الختلة، وإذا أبصر الإنسان صعد الشجر العالي، وفيها يأوي، ومن ثمرها يأكل، وهو كثير ببلاد الصقالبة، والخزر، ومزاجه بارد رطب بالإضافة إلى مزاج السباع وبالإضافة إلى مزاج الإنسان حار رطب لسرعة حركته على حركة الإنسان.
قال أبو الفرج الببغاء:
قد بلونا الذكاء في كل ناب ... فوجدناه صنعة السنجاب
حركات تأبى على السكون وألحا ... ظ حداد كالنار في الالتهاب
خف جدا على النفوس فلو ... شاء ترامى مجاوراً للتصابي
واشتهت قربه العيون إلى أن ... خلته عندها أخا للشباب
لابس جلده إذا لاح خلنا ... هـ بها في مزرة من سحاب
لو غدا كل ذي ذكاء نطوقا ... رد في ساعة الخطاب جوابي
القول في طبائع الهر
وهو ضربان وحشي وأهلي، وكل منهما له نفس غضوبة يفترس، ويأكل اللحم الحي وهو شبيه بالأسد في الصورة والأعضاء والوثب والافتراس والإحضار إلا أنه أقل حرارة من السبع، وأكثرها من سائر الحيوانات، وهو واسع الأهاب وكل حيوان مسلوخه أوسع فهو خفيف العدو، ويناسب الإنسان في أمور منها أنه يعطس ويتثاءب، ويتمطى، ويتناول الشيء بيده، ويغسل وجهه وعينيه بلعابه، وفيه أنه تحدث للأنثى قوة وشجاعة، ولهذا إذا كامنها الذكر هرب منها عند فراغه فلو لحقته قطعته، وربما رمى بنفسه من خالف، وهذه الشجاعة تكون في الذكر قبل السفاد وهي إذا هاجت آذت بصياحها أهل المكان ليلاً ونهاراً بشيء ظاهر لا يعتريها فيه فترة ولا سآمة، ولا يفعل الذكر مثل ذلك، وهي تحمل في السنة مرتين ومدة حملها خمسون يوماً، وهي تأكل أولادها، ويقال أن هذا من فرط حبها لهم ويقال إنما يعتريها ذلك من جنون يعرض لها عند الولادة أو جوع، ويضرب المثل بالهر بالتلطف عند الاستجداء والطلب وترى منه حينئذ ما يبعث المتمقت له على إيثاره وبره والميل إليه والحنو عليه، وله أصوات مختلفة عند صياحه لجراه وعند طلب ما يأكل وعند الخصام، حتى أنه يكاد يفهم عنه نفسه ما يروم من المحاورة لخصمه وعند هياجه للسفاد، وعند شربه، وفي طبعه الألف، ومعرفة الصاحب والمنزل حتى أنه ينفي إلى الأماكن البعيدة لفساد يكون منه فيعود إلى منزله بعد الأيام العديدة، وفيه من الأخلاق الحميدة أنه يراعي حق التربية والإحسان إليه ويقبل التأديب حتى أنه ربما يضرب على فعل المكروه منه فلا يعود لمثله، وربما رؤى في حانوت السمان والجزار، وبين الدجاج والحمام، ومما يخاف عليه من سائر المطاعم ولا يتعرض لها بفساد، وربما خطفها من غيره وقاتل دونها مع ما فيه من الافتراس، والاختلاس، وفي طبعه أنه إذا أطعم شيئاً أكله في مقصعه ولم يهرب، وإذا سرقه أو خطفه هرب به، فعل من سرق شيئاً من حرزه، وفيها ما يغالب الرجل على ما في يده، ويأخذ منه، ويخطفه من بين يديه ولا يخافه ولا يهابه لما فيه من الجرأة، وفي بعضها من الجرأة والشجاعة ما يقتل الحية العظيمة، والعقرب وعنده من الفطنة، وعلمه بما فيهما من السم القاتل، أنه إذا قاتلهما يضع إحدى يديه على أنفه صيانة من نفس الحية ولسع العقرب، فإنه مقتله، فإذا أكلها ترك من الحية رأسها ومن العقرب ذنبها لمكان السم فيهما، وفي ذكر السنانير ما يكون الواحد الآخر متى أراد ذلك منه غير أكراه، كما ذلك موجود في الخنازير والحمير ومن عادة الهر أن يحتاط في دفن رجيعه، وإخفاء رائحته لئلا يشمه الفأر فيهرب، وفي طبعه أنه يألف الدار لا رب الدار، فإنه ربما رحل أهله فلا يتبعهم وإن هو حمل إلى دار غير الدار التي ربي فيها لا يقيم، وربما هرب منها إلى الدار الأولى، فأما يهتدي إليها وأما يضيع ويبقى متردداً، أما وحشياً، وأما مأخوذاً وأما مقتولاً، وهو يؤثر على نفسه وذلك أن الأنثى يلقى إليها الشيء وهي جائعة فتدعو أولادها إليه وربما حملته إليهم من المكان البعيد، ولا تشاركهم فيه وفي طبعه أنه لا يأكل الحار ولا الحامض، ومتى دهن أنفه بدهن الورد مات سريعاً وجميع ما ذكرناه في طباع الأهلي، وأما الوحشي فيصيده الكلب، وغيره فيربى ويعلم الصيد فيصيد، وهو في جميع الصور، شرس الأخلاق جلده يشبه الذئب وربما سفد الثعلب الأنثى من هذا النوع فتأتي بولد لا يشبه أحدها.
فصل
стр. 37
ويشبه الهر من الحيوان دابة الزباد وهذه الدابة في قدر الهر وصورته وذنبه، وأذنيه، لا يغادر شيئاً منه، إلا أنه أطول خطماً وذنباً، وأكبر جثة، وله وبر إلى السواد ما هو، وربما كان أنمر، وقد يوجد في جسدها رائحة المسك ويجلب من بلاد السند واليمن، والزباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج زعر الرائحة وله زفرة يخالطها طيب كطيب المسك، وتوجد في أرفاغه وما يلي بواطن أفخاذه، وباطن ذنبه حوالي دبره فيحك من هذه المواضع بمعلقة فضة أو بدرهم رقيق الحرف وبعضهم يقول: إن الزباد في هذا الحيوان في ضروع كهيئة العيون، ومثل الأدهان الجامدة ترشح من مسام الجلد، وذكر أنه يفتح عينيه ويعصر منها، ومن عجائب ما يحكى أن بالرانج سنانير لها أجنحة كأجنحة الخفاش من آذانها إلى آذانها
الوصف والتشبيه
من رسالة لبعض الأندلسيين يصفه: هر نبيل، ينتهي من القطاط إلى أشرف قبيل له رأس كجمع الكف، وأذنان قد ماتا على صف ذواتا لطافة ودقة، وسباطة ورقة يقيمهما عند التشوف، ويضجعها عند التخوف، ومقلة كأنها مقتطعة من المجزع، وكأن ناظرها من عيون الباقلاء منتزع، قد استطال الشعر حول أشداقه، وفوق آماقه، كأبر مغروزة على العيون، وقد حددت أطرافها القيون له ناب كحد المطرد، ولسان كظهر المبرد، ونف أخنس وعنق أوقص، وخلق سوي غير منتقص، أهرت الشدقين، موشى الساعدين والساقين ململم اليدين والرجلين يرجل بهما وبره ترجيل ذوي الهمم لما تشعث من اللحى ينفض بضربه الغبار ويميط ما علق به من الأدبار، ثم يجلوه بلسانه جلاء الصقيل للحسام، والحمام للأجسام، فينقى قفاه، ويواري آذاه، ويقعي الأسد إذا جلس، ويثب وثبة الدببة إذا اختلس، له ظهر شديد وذنب مديد تارة يهزه هز السمهري المثقف وتارة يلويه لي الصولج المعقف يعب على الماء حيث يلفه ويدني منه فاه ولا يبلغه من لسانه رشاء ودلوا يعلم بها إن كان ملحاً أو حلواً، يحمي داره حماية ويحرسها حراسة الرقيب، فإن رأى فيها كلباً صار عليه البا، وصعر خده وعظم قده حتى يصير أنفه من حماه أن يطرق، وغيره على حجابه أن يخرق، وإن رأى فيه هراً وجف إليه مكفهراً ودافعه بالساعد الأسد، ونازعه منازعة الخصم الألد وأبرز برثنه لمبادرته وجوشنه لمصادرته، ثم تسلل إليه لواذا، واستحوذ عليه وشد عليه شدة، وضمه من غير مورد فينسل وبره نسالاً، وأرسل دمه إرسالاً بأنياب عضل أمضى من النصل، ومخلب كمنقار الصقر درب الأقناص، والعقر، قفر قرنه ممزق الأهاب مستبعراً في الذهاب، قد افلت من بين أظفار وأنياب ورضي من الغنيمة بالإياب هذا وهو بحاله دون جنة وتقاتله بلا سيوف ولا أسنة، وإنما جنته متنه، وشفاره أظفاره، وسنانه أسنانه، إذا سمعت منه الفأرة مغاء لم تستطع له أصغاء، وتصدعت قلوبها من الحذر، وتفرق جمعها شذر مذر تهجع العيون وهو ساهر، وتستتر الشخوص وهو ظاهر، ويرى من عينيه نيرين وضاحين تخالهما في الظلام مصباحين، يسوق الأركان ويطوف بكل مكان ويحكي في ضجعته السرار تمنياً، وقضيب الخيزران تثنياً يغط إذا نام ويتمطى إذا قام ويستقبل الرياح بشمه، ويجعل الاستدلال أكبر همه، ويمكن للفأر حيث يجد لها عبثاً أو يعلم لها لبثاً أو يسمع لها صيا، أو يلمح من شياطينها ريباً، فيلصق بالأرض، وينطوي بعضه في بعض حتى يستوي منه الطول والعرض فإذا تشوفت الفأرة من جحرها، وأشرفت بصدرها ونحرها دب إليها دبيب الصل وامتد إليها امتداد الظل ثم وثب في الحين عليها وساق الحين إليها، فأثخنها جراحاً ولم يعطها براحاً وإن كان جرداً مسناً لم يضع عليه سنا وإن كان درصا صغيراً فغر عليه فاه، وقبض مترفقاً على قفاه يزداد منه منتهياً وبه تلهياً، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنة والأبطال بالأسنة فإذا أوجعه عضاً، وأوعبه رضاً أجهز في الفور عليه وعمد بالأكل إليه فازدرد منه أطيب طعمه واعتقده أهنأ نعمة، ثم أظهر بالالتعاق شكره وأعمل في غير فكره فيرجع إلى حيث أثاره وتبع فيه آثاره راجياً أن يجد في رباعه ثانياً من اتباعه فيلحقه بصاحبه في الردى حتى يفني جميع العدى، وربما أنحرف عن هذه العوائد، والتقط فتات الموائد بلا غاية في الاحتماء وبروراً بالنعماء فماله على خصاله ثمن، ولا جاء بمثاله زمن وقال آخر يصف هراً:
وخبعشٍ في مشيه متناهش ... خطف المؤخر كامل التصدير
стр. 38
مما اعر معراً اغظف ضيغم ... عن كل أعضل كالسنان هصور
متسربلاً ثوب الدجى أو عبشه ... شببت على مكتنيه بالتنمير
وقال ابن طباطبا العلوي، وقد تضارف يصف هرة:
فتنتني بظلمة وضياء ... إذ تبدت بالعاج والأبنوس
تتلفى الظلام من مقلتيها ... بشعاع يحكي شعاع الشموس
ذات دل قصيرة كلما قا ... مت تهادت طويلة في الجلوس
لم تزل تسبغ الوضوء وتنقي ... كل عضو لها من التنجيس
دأبها ساعة الطهارة دفن ... العنبر الرطب في الحنوط اليبيس
وقال أبو بكر الصنوبري من أبيات وذكر الجرذان:
زاد همي بهن أورق تركي ... السبالين أنمر الجلباب
ليث غابٍ خلقا وخُلقا فمن عاينه ... قال أنه ليث غاب
قنفذ في إزبراره وهو ذئب ... في افترار وجه في انسياب
ناصب طرفه إزاء الزوايا ... وإزاء السقوف والأبواب
ينقضي الظفر حين يظفر في الحر ... ب وإلا فظفره في قراب
يسحب الصيد في أقل من اللم ... ح ولو كان صيده في السحاب
غسل وجهه بإحدى يديه ... مستعين في غسله باللعاب
ويعي الصوت إذا يعي في طوى ... وهو يرنو إذا رنا من شهاب
ثم تطرق فقال:
قرطوه وقلدوه وعالو ... هـ أخيراً وأولاً بالخضاب
فهو طوراً يبدو بنحر عروس ... وهو طوراً يمشي على عناب
حبذا ذاك صاحباً فهو في الصح ... ة أوفى من سائر الأحباب
الباب الثالث
في طبائع الحيوان الوحشي
ولنجعل أول ما نبدأ به في الذكر لشرفه وعظمه، وجلالته عند الملوك هو الفيل.
القول في طبائع الفيل
стр. 39
زعم بعض الباحثين عن طبائع الحيوان أن الفيلة مائية الطباع بالجاموسية والخنزيرية التي فيها، وبعضها يسكن الماء، وبعضها لا يسكنه، وزعم آخرون أن الفيلة ضربان فيل، وزندفيل، وهما كالبخث والعراب، والبقر والجواميس والبراذين والخيل، والفأر والجرذان والنمل والذر، وبعضهم يقول: الفيل الذكر والزند فيل الأنثى، وهذا النوع لا يتلاقح إلا في بلاده، ومعادنه ومغارس أعراقه وإن صار أهلياً، وهو إذا اغتلم أشبه الجمل في ترك الماء، والعلف حتى ينظم ايطلاه، ويتورم رأسه، ولم يكن لسواسه غير الهرب منه، وربما صار وحشياً، وجهل جهلاً شديداً، والفيل ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين، واقل من ذلك قليلاً، وزمان نزوه الربيع، والأنثى تحمل سنتين وإذا حملت لا يقربها الذكر ولا يمسها وهي تفذ ولا تتئم، ولا ينزو الذكر عليها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين، ولا ينزو إلا على فيلة واحدة، وله عليها غيرة شديدة، وإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها في الماء لأنها تلد قائمة إذ لا فواصل لقوائمها فتبرك، والذكر بعد ذلك يحرسها وولدها من الحيات وذلك لعداوة أصلية بينهما، ووضع ذكر الفيل شبيه بوضعه في الفرس لكنه صغير عند جنبه وهو في الفرس العتيق صغير أيضاً، وانثيا الفيل داخله ببدنه قريباً من كليته، ولذلك يسفد سريعاً كالطير، لأن كونها داخلاً وقريباً من القلب فتنضح المني بسرعة، ويقال أن الفيل يحقد سريعاً كالجمل ويحفظ الشيء الذي يكرهه على القيم عليه حتى يقابله عند تمكنه منه وربما قتله، وزعم الهند أن لسانه مقلوبة ولولا ذلك لتكلم وهو صغير، ويجعلون نابيه قرنيه يخرجان مستنبطين حتى يخرقا الحنك وعلم ذلك من تشريحه ويوجد فيها الأعقف والمستقيم، قال المسعودي: وربما بلغ الناب منها خمسين ومئة من ذلك، والفيل يحمل بهما على الجدار الوثيق البنيان فيلقيه على الأرض وقد فتح به محمود بن سبكتكين مدينة الطاق، وهي من أعظم الحصون التي ببلاد سجستان فإنه جعل نابيه تحت بابها فاقتلعه، وهو أسرع الحيوان الوحشي أنساً بالناس وسرعة الأنس دليل على حسن الطباع واعتدال الأخلاط ودماثة الأخلاق، وخرطومه من غضروف، وهو أنفه ويده التي يوصل بها الطعام إلى فيه، ويقاتل بها وبه ويصيح، وليس صياحه على مقدار جثته لأنه كصياح الصبي وينزل منه منزلة عنقه، وله فيه من القوة بحيث يقلع به الشجر من منابتها، وفي طبع الفيل، أنه إذا سمع صوت الخنزير ارتاع ونفر، واعتراه الفزع والجزع، وإذا ورد الغدران والأنهار للشرب وكان الماء صافياً، فهو أبداً يثيره ويكدره كالخيل لأنها ترى صورتها على سطح الماء فيتوهم أنه غيرها فينفر منه، وهو قليل الاحتمال للشتاء، والبرد، ويعوم ويسير منغمساً ما عدا خرطومه، لأنه منه يتنفس ولا يقدر على السباحة لثقل جثته، وفيه من الفهم أنه يقبل التأديب، ويفعل ما يأمره به سائسه من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر في حالتي السلم والحرب، وفيه من الأخلاق أنه يقاتل بعضه بعضاً قتالاً شديداً، والمقهور بخضع للقاهر ويخاف من سطوته، ويقال: أنه يصاد باللهو والطرب واللعب والزينة وريح الطيب والنساء يصدنه بذلك، وربما احتيل على صيده، بأن يترقب حالة سكونه، وهدوئه وذلك أنه لا ينام إلا معتمداً على ساق شجرة إذ لا يمكنه الاضطجاع لكون قوائمه لا مفاصل لها لكنها كالأساطين المصمتة، والسواري الوثيقة، والصيادون يأتون الشجرة التي غالب أوقاته يعتمد عليها فيضعفون أصلها فإذا أتى على عادته إليها ليعتمد عليها، انكسرت فسقط، وبقي عاجزاً لا يقدر لنفسه بشيء فيصيدونه كيف شاءوا، والهند تعظم الفيل وتشرفه، لما اجتمع فيه من الخصال المحمودة من علو سمكه وعظم صورته وبديع منظره، وطول خرطومه، وسعة إذنه وطول عمره، وثقل حمله وخفة وطئه فإنه ربما مر بالإنسان فلا يشعر به لحسن خطوه واستقامته، وللهند طيب يجمعونه من جباه الفيلة ورؤوسها، فإنها إذا اغتلمت عرقت هذه الأماكن منها عرقاً كأنه المسك ويستعملونه لظهور الشبق في الرجال والنساء، ويزعمون أنه يشجع القلب ويقوي النفس ويبعثها على الإقدام، والفيل يشب إلى تمام مئة وستين سنة، ويعمر مائتي سنة وأكثر، وحكى أرسطو أن فيلاً ظهر عمره أربعمائة سنة، وحكى بعض المؤرخين أن فيلاً سجد لابرويز، ثم سجد ثم سجد للمعتضد، وبينهما الزمان الذي ذكره أرسطو
стр. 40
واعتبر ذلك بالوسم، وهذا الحيوان يعتريه من الأمراض وجع المفاصل لطول قيامه وثقل جثته لأنه لا يضطجع والله أعلم.
الوصف والتشبيه
قال رؤية بن العجاج يصفه من أرجوزة:
أجرد كالحصن طويل النابين ... مشرق اللحي صغير الفقمين
عليه إذنان كفضل الثوبين
وقال ابن طباطبا العلوي:
أعجب بفيلٍ آنس وحشي ... بهيمة في فطنة الإنسي
يفهم من سائسه الهندي ... غيب معاني رمزه الخفي
مثل السدلى الموثق المبني ... يطوف كالمزدجر المنهي
منزه في خلقه السوي ... عن لين مشي ركب المطي
ذي ذنب مطول ثوري ... في مثل ردف الجمل البختي
منخفض الصوت طويل العي ... يرنو بطرف منه شادي
في قبح وجه منه خنزيري ... خرطومه كجعبة التركي
كالدلو إذ يهوى إلى القرى ... يصب في مصهرج مطوي
ناباه في هولهما المخشي ... كمثل قرني ناطح طوري
إذناه في صبغهما الفضي ... كطيلساني ولدى ذمي
سائسه عليه ذو رقي ... منتصب منه على كرسي
يطيعه في أمره المأتي ... كطاعة القرقور للنوتي
وقال علي بن جريح الرومي يصفه:
واعطل عبد الناس حامل مخطم ... به حجز طوراً وطوراً به فغم
يقلب جثماناً عظيماً ... موثقا ... يهد بركنيه الجبال إذا زحم
ويسطو بخرطوم يطاوع أمره ... ومشتبهات ما أصاب بها حطم
ولست ترى بأساً يقوم لبأسه ... إذا أعمل النابين في الناس أو صدم وقال عبد الكريم النهشلي يصفه:
وأضخم هندي النجار تعده ... ملوك بني ساسان وإن نابها الدهر
من الورق لا من ضربة الورق مرتعي ... أصاخ ولا من ورده الخمس العشر
يجيء كطود جائل فوق أربع ... مضبرة لمت كما لمت الصخر
له فخذان كالكثيبين لبدا ... وصدر كما أوفى من الهضبة الصدر
ووجه به أنف كروواق خمرة ... ينال به ما تدرك الأنامل العشر
وجبان لا يروي القليب صداهما ... ولو أنه بالقاع منهرت حضر
وإذن كنصف البرد تسمعه الندا ... خفياً وطرف ينفض العيب مزور
ونابان شقا لا يريد سواهما ... قناتين سمراوين طعنهما نثر
له لون ما بين الصباح وليله ... إذا نطق العصفور أو صوت الصقر
ولأبي بكر الأرجاني يصفه من أبيات يصف فيها مجلس ممدوحه شعراً فقال:
والفيل في ذيل السماط له ... زجل يهال له الفتى ذعرا
في موقف الحجاب يؤمر أو ... ينهي فيمضي النهي والأمرا
إذنان كالترسين تحتهما ... نابان كالرمحين إن كسرا
يعلو له فياله ظهرا ... فيظل مثل من اعتلى قصرا
القول في طبائع الكركدن
وتسميه الهند البوشان، ويسمى أيضاً الحمار الهندي وهو عدو الزبرقان والفيل، ومعادنه بلاد الهند والنوبة والبجة وهو دون الجاموس، ويقال: إنه متولد بين الفرس والفيلة، وله ضلف واحد، وقرن واحد عظيم على أنفه فلا يستطيع لثقله أن يرفع رأسه، وهذا القرن مصمت قوي الأصل حاد الرأس مرهفه يقاتل به الفيل فلا تفد معه ناباه، ويقال: إنه إذا نشر رؤي في داخله صورة بياض في سواد كصورة إنسان ودابة وسمكة، وما ذلك وأهل الصين يتخذون منه المناطق، ويغالون في ثمنه، ويقال أن حمل الأنثى من هذا النوع كأيام حمل الأنثى من الفيلة، والأنثى تأكل ولدها، ولا يسلم منها إلا القليل، والولد يخرج قوياً ثابت الأسنان والقرن قوي الحافر، وقد زعم أنه إذا كان في بطن أمه، وقارب الوضع يخرج رأسه من فرجها، ويرعى من أطراف الشجر ما يقوم به ثم يرجع به وقد أنكر الجاحظ هذا القول، وجعله ضرباً من الخرافات، ويزعم الهند أنه إذا كان في ناحية من البلاد لا يقربها حيوان أصلاً، ويكون بينها وبينه من البعد مئة فرسخ من أربع جهاته هيبة له وهرباً منه، وليس في الحيوان ذي القرن ما هو مشقوق الضلف غيره، وهو يجتر كما يجتر البقر والغنم والإبل ويأكل الحشيش، ويقال: إنه شديد العداوة للإنسان حتى أنه إذا شم رائحته أو سمع صوته جد في طلبه فإذا أدركه قتله، وإن لم ينتفع به لأنه لا يأكل اللحم.
القول في طبع الزرافة
стр. 41
والزرافة في كلام العرب الجماعة لأنها اجتمع فيها صفات لكثير من الحيوان وهي عنق الجمل وجلد النمر، وقرن الظبي، وأسنان البقر، ورأس الإبل زعم بعض المتكلمين في طبائع الحيوان أنها متولدة بين الحيوانات، وقال أن السبب في ذلك اجتماع الوحوش، والدواب في حمارة القيظ على شرائع المياه فتتسافد فيلقح منها ما يلقح ويمتنع منها ما يمتنع، فربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة فيختلط مياهها فيجيء منها خلق مختلة الصور والألوان والأشكال والفرس تسمي الزرافة) اشتر كاو بلنك (وتأويل أشتر بالفارسية بعير، وكاو بقرة، وبلنك الضبع وهذا كما رأيت موافق لما ذهبت إليه العرب من كونها مركبة الخلق من حيوانات شتى، والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول أنه جهل شديد لا يصدر عمن لديه تحصيل لأن الله تعالى يخلق ما يشاء على ما يشاء وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير، وما يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد، وهي طويلة اليدين والعنق جداً حتى تكون في مجموعها عشرة أذرع وأكثر، قصيرة الرجلين جداً، وليس لها ركب، وإنما الركب ليديها كسائر البهائم وإذا أكلت مما على الأرض تفحجت لقصر عنقها عن يديها، ومن عادتها أنها تقدم عند المشي اليد اليمنى والرجل اليسرى، بخلاف ذوات الأربع، فإنها كلها تقدم اليد اليمنى، والرجل اليمنى، وفي طبعها التآلف والتودد، والتأنس بأهلها وهي تجتر وتبعر.
الوصف والتشبيه
قال ابن حمديس يصفها:
ونوبية في الخلق فيها خلائق ... متى ما ترق العين فيها تسفل
إذا ما أسمها ألقاه في السمع ذاكر ... رأى الطرف منها ما عناه بمقول
لها فخذا قرم وأظلاف مرهب ... وناظرتا رئم وهامة أيل
كأن الخطوط البيض والصفر أشبهت ... على جسمها ترصيع عاج بصندل
ودائمة الاقعاء في في أصل خلقها ... إذا قابلت أدبارها عين مقبل
تلفت أحياناً بعين كحيلة ... وجيد على طول اللواء المضلل
وتنفض رأساً في الزمام كأنما ... تريك له هاو على السحب معتلي
وعرف رقيق الشعر تحسب نبته ... إذا الريح هزته ذوائب سنبل
وتحسبها من مشيها إن تبخترت ... تزف إلى بعل عروساً وتنجلي
فكم منشد قول امرئ القيس عندها ... " أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل "
وقال أبو علي بن رشيق يصفها وذكر ممدوحة:
وأتاك من كسب الملوك زرافة ... شتى الصفات لكونها أثناء
جمعت محاسن ما حكت فتناسبت ... في خلقها وتنافت الأعضاء
تحثها بين الخوافق نسبة ... بادٍ عليها الكبر والخيلاء
وتمد جيداً في الهواء يزينها ... فكأنه تحت اللواء لواء
حطت مآخرها وأشرف صدرها ... حتى الثرى لو لمت الأجزاء
وتخيرت دون الملابس حلة ... عيت بصنعة مثلها صنعاء
لوناً كلون الذبل إلا أنه ... حلى وجزع بعضه الجلاء
أو ملثما صدئت صفائح جوشن ... وجرى على حافاتهن جلاء
نعم التجافيف التي قد درعت ... من جلدها لو كان فيه وقاء
ومن أبيات للفقيه عمارة اليمني، وصف فيها داراً جاء منها في وصف تصاويرها وذكر الزرافة:
وبها زرافات كأن رقابها ... في الطول ألويةً تؤم العسكرا
نوبية المنشأ تريك من المها ... روقا ومن بزل المهاري مشفرا
جبلت على الإقعاء من إعجابها ... فتخالها للتيه تمشي القهقري وقال أبو علي بن رشيق:
ومجنونة أبداً لم تكن ... مذللة الظهر للراكب
قد اتصل الجيد من ظهرها ... بمثل السنام بلا غارب
ملمعة مثلما ... لمعت ... بحناء ومشي يد الكاعب
كأن الجواري كنفها ... تخلج من كل جانب
القول في طبائع البقر الوحشية
стр. 42
وهذا النوع أربعة وهي المها والأيل واليحمور والثيتل وتعد كلها من الجواري وهذا الاسم يقع على الذئب والثعلب، وابن آوى، والسمع، وبقر الوحش وحمرة، والغزلان، والأرانب، لأنها كلها تشرب الماء في الوصف، إذا ظفرت به وإذا عدمته صبرت عنه واجترأت باستنشاق النسيم إلى أن تجده، وقال ابن أبي الأشعث في كتابه الذي وضعه في طبائع الحيوان البقر والأراوي واليحامير والظباء وجميع هذا النوع ليس بأرضي خالص، ولا ينبغي أن يسمى الحيوان الهوائي الأرضي لأنه خفيف الحركة متململ العدو على الأرض لأنه حرارة الهواء ليست فيه ذاتية، ولا برودة الأرض كذلك، إلا أن برودتها غالبة لحر الهواء، لأنها فيه أكثر، ولما كان كذلك صار بينه وبين الطائر ممازجة ومناسبة ما وذلك أنه إذا أراد العدة انتصب في وقفته، وطلب مهب الريح ثم استنشقها استنشاق الطائر حال طيرانه، ثم يزج نفسه مستقبلاً للريح، وربما أخافه مخيف، وكانت الريح تجيء من جهته فيحمل نفيه على الجهة التي فيها المخيف، وأيضاً فإنه يؤثر الهواء صيفاً وشتاءً لا يستتر منه ميلاً إليه ومحبة فيه.
فأما المها فيقال أن من طباعها الشبق والشهوة، وإذا حملت الأنثى هربت من الذكر خوفاً من عبثه بها وهي حامل، والذكر لفرط شهوته يركب ذكراً آخر، وإذا ركب واحد منهما شم رائحة الماء الباقون فيثبون عليه بعد.
والبقر الوحشية أشبه شيء بالمعزى الأهلية، ولذلك تسمى نعاجاً، وقرونها صلاب جداً تمنع بها عن نفسها، وأولادها كلاب الصيد، والسباع التي تطبق بها ويقال: إن أول من طارد البقر الوحشية على الخيل ربيعة بن نزار بن معد، وأنه لما كدها لجأت منه إلى ضالة فاستترت منه بها فرقً لها ورجع عنها
الوصف والتشبيه
كاتب أندلسي يصف بقراً وحشية في رسالة طردية: عن لنا سرب نعاج يمشين رهوا كمشي العذارى، وينثنين زهواً تثني السكارى، تخلج بالكافور جلودها، وتضمخ بالمسك قوائمها وخدودها، وكأنما لبست الدمقس سربالاً واتخذت السندس سروالاً.
من كل مهضمة الحشا وحشية ... تحمي مداريها دماء جلودها
وكأنما أقلام حبر كتبت ... بمداد هينيها طروس خدودها
فأرسلنا أول الخيل على آخرها، وخليناها وإياها، فمضت مضي السهام وهوت هوى السمام، فمالت في أسرابها يميناً وشمالاً، فكأنما أهدت لآجالها آجالاً فمن متقٍ بروقه وكابٍ أتاه حتفه من فوقه.
وقال الأخطل يصف ثوراً وذكر وادياً:
فما به غير موشى أكارعه ... إذا أحس بشخص ماثل مثلا
كأن عطارة باتت تطيف به ... حتى تسربل ماء الورس وانتقلا
كأنه ساجد من نفح ديمته ... مقدس قام تحت الليل فابتهلا
يلقي التراب برد فيه وكلكله ... كما استماز رئيس المقنب الثقلا
وقال أيضاً يصفه في أبيات:
أو مقفر خاضب الإطلاق جاد له ... غيث يظاهر في ميثاء مبكار
فبات إلى جنب أرطاة تكفئه ... ريح شمالية هبت بأمطار
إذا أراد به التنغيص أرقه ... سيل يدب بهدم الترب موار
حتى إذا إنجاب عنه الليل وانكشفت ... سماؤه على أديم مصحر عار
أنسن أصوات قناص أحس بهم ... كالجن يهفون من جرم وأنمار
فأنصاع كالكوكب الدري يتبعه ... غضبان يخلط من معج وإحضار
وقال عدي بن الرقاع يصف ثورين يعدوان:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محكمة نسجاها
تطوى إذا وردا مكاناً جاسياً ... وإذا السنابك أسهلت شرها
والوصف البديع لسرعة عدوه قول الطرماح يصف ثوراً:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد
стр. 43
وأما الأيل فإن أصحاب البحث عن طبائع الحيوان يقولون أن ذكره من عصب لا لحم فيه ولا غضروف، ولا عظم، وإن قرنه مصمت لا تجويف فيه، والأنثى تقلق لنزو الذكر قلقاً شديداً، ولهذا لا تثبت لنزوه إلا في الفرط مرة واحدة، وإذا حملت لا تضع إلا على السب، والطرق لهرب السباع من الجادة المسلوكة، وإذا وضعت أكلت الجعدة لإصلاح لبنها، وهي تحب الكينونة في القمر، وتأتي بولدها إلى أماكن الماء، وتعرفه المواضع التي ينبغي أن يهرب إليها إذا احتاج إلى الهرب، وهي صخور فيها صدوع، وتجويفات، ليس لها مدخل واحد، وتقف على ذلك المدخل وتقاتل بجهدها كل حيوان يطلب ضرر ولدها، والأيل يسمن جداً، فإذا سمن اختفى في موضع لا يعرف خوفاً أن يصاد لسمنه، وهو مولع بالحيات يطلبها في كل موضع فإذا انجحرت منه أخذ في فمه ماء ثم نفخه في الجحر فتخرج له ذنبها فيأكلها حتى ينتهي إلى رأسها فيتركه خوفاً من السم، وربما لسعته فتسيل دموعه إلى نقرتين تحت محاجر عينيه يدخل الأصبع فيهما، فتجمد تلك الدموع وتصير كالشمع يتخذ ترياقاً لسم الحيات، وهو البادزهر الحيواني، وإذا لسعته أكل السراطين فيبرأ، وكذلك يأكل التفاح الحامض إن كان زمانه، أو ورق شجره فيبرأ، ولا تنبت له القرون إلا بعد أن يمضي عليه سنتان من عمره وإذا نبت قرناه نبتا مستقيمين كالوتدين، وفي الثالثة يتشعب، ولا تزال الشعب في زيادة إلى تمام ست سنين، وحينئذ يكونان كالشجرتين على رأسه ثم بعد ذلك يلقي قرونه في كل مرة ثم تنبت، وإذا نبتا له تعرض بهما للشمس ليصلبا وإذا صارا كالشجرتين منعاه الإحضار، فلا يكاد يفلت إذا طردته الخيل وهو إذا ألقاهما انجحر حتى ينبتا لأنهما آلته وليس له سلاح غيرهما يدافع بهما عن نفسه كالترس للجبان لأنه لا ينطخ بهما إلا إذا صلحا لذلك زعم أرسطو: أن هذا النوع يصاد بالصفير والغناء، فهو ينام ما دام يسمع ذلك، والصيادون يشغلونه بالتطريب ويأتون إليه من خلفه فإذا رأوه مسترخية أذناه وثبوا عليه، وإن لم يكن فليس لهم إليه سبيل وإذا اشتد عليه العطش من أكل الحيات أتى غدير الماء، واشتمه ثم انصرف عنه يفعل ذلك أربعة أيام، ثم يشرب في اليوم الخامس، وإنما يمتنع عن شرب الماء لخوفه على نفسه من سريان السم في الجسد مع الماء.
الوصف والتشبيه
شاعر يصفه يصد عن الماء مع حاجته ويذكر محبوبته:
هجرتك لا قليً مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الظامئات الماء لما ... تيقن المنايا في الورود
تذوب نفوسها ظمأ وتخشى ... هلاكاً فهي تنظر من بعيد
وقال آخر في مثل ذلك:
وما ظامئات طال في القيظ ظمؤها ... فجاءت وفي الأحشاء غلي المراجل
فلما رأين الماء عذباً وقد أتت ... إليه رأين الموت لون المناهل
فولت ولم تشف صداها وقد طوت ... حشاها على وخز الأفاعي القواتل
بأعظم من شوقي إليك وحسرتي ... عليك ولم التذ منك بطائل
وأما اليحمور: ويسمى اليامور، فإن قرونه كقرون الأيل إلا أنها أصغر وهو يلقيها في كل سنة، وهي صامتة لا تجويف فيها، ولونه إلى الحمرة، وهو أسرع من الأيل.
وأما الثيتل: فينعت ببقر بني إسرائيل، وهو لا يعرف بالشام ولا بالعراق ولا بالحجاز، وإنما يوجد في غور بيسان، وبنواحي مصر، ولونه في لون الأصفر من البقر، ودونه بقليل، لكنه أطول وجهاً منها، وقرونه كقرون الغزلان إلا أنها أجفى، ولسرعة حضره لا يكاد يلحقه إلا الفرس الجواد.
القول في طبائع الحمار الوحشي
стр. 44
ويسمى العير، والفرا وهو لا ينزو إلا إذا بلغ ثلاثين شهراً، ويوصف بشدة الغيرة وهو يحمي عانته الدهر كله، ويضرب فيها كضربه لو أصاب إناثاً من غيرها ويقال أن الأنثى إذا ولدت جحشاً كدم الذكر قضيبه فالإناث تعمل الحيلة في الهرب به عنه حتى يسلم وهذا حتى لا يكون في العانة ذكر غيره، وحكى الجاحظ: أن أبا الأخضر ذكر عن فحل العانة أنه يستبهم مواضع الذرء ويجهلها، وإن الولد لم يجيء منه عن طلب، ولكن النطفة البريئة عن الاسقام انتجت. وذكر أن نزوه على الإناث من شكل نزوه على الذكر من نوعه، وإنما ذلك على قدر ما يحضره من الشبق لأنه لا يلتفت إلى دبر من قبل، ولا إلى ما يلقح مما لا يلقح، فلا هو يريد الولد، ولا يعزل ويقال: إن الحمار الوحشي يعمر مائتي سنة وأكثر، وكلما بلغ مائة سنة صارت له مبولة ثانية، وشوهد منها ما له ثلاث مباول وأربع، وهو كشكل المصير المحشو بين المبولة والمبولة، حتى كان بينهما حاجزاً مشدوداً ومعادنه بلاد النوبة وزغاوة ويوجد منها ما يكون مسنة معمدة ببياض وسواد مستطيلان فيما استطال من أعضائه، ومستديران فيما استدار بأصح قسمة، وأحسن ترتيب ومن الحمر الوحشية صنف يسمى الأخدري، وهي أطول الحمر عمراً، ويقال: أنه من نتاج الأخدر، وهو فرس لاردشير بن بابك أفلت من خيله فصار وحشياً فحمي عدة عانات فضرب فيها فجاءت أولاده منها أعظم من سائر الحمر وأحسن وخرجت أعمارها عن أعمار الخيل، وفي هذه الحكاية نظر لذوي الفكر لأنه لا يكون على نوعين مختلفين من الحيوان حيوان يشبه أحدهما، وإنما يكون ممتزجاً كالبغل بين الحمار والفرس، والسمع بين الضبع والذئب، وحكى القولين أبو علي بن رشيق في كتاب العمدة.
الوصف والتشبيه
قال الشماخ من أبيات يصف عيراً في غابة:
فواجهها قوارب فاتلأبت ... شطر ثانيله مثل القنا المتأودات
يعض على ذوات الضعن منها ... كما عض الثقاف على القناة
وهن يثرن بالمعزاء.. نقعاً ... ترى لهن. . . سرادقات
وقال عبد الكريم النهشلي يصف حماراً أخدرياً:
واضرح صلصال لا خدر ينتمي ... أمين الفصوص لم يدمث له ظهر
كأن العيون الكحل صيغت بجلده ... فنافس فيها فهي مسطورة حرز
تولع منه الجلد حتى كأنما صبا ... حاً وليلاً فيه حظهما قدر
كأن الجمارة الصلبة قدرت فجاءت ... لها وفقاً حوافره الحفر
إذا احتال واستولى به رديانه ... توالى صغير منه ترجيعه زمر
ومن رسالة كتبها أبو الفرج الببغاء يصف فيها أتانا معمدة ببياض وسواد كان صاحب اليمن أهداها لبختيار: وأما الاتان الناطقة، في كمال الصنعة، بأفصح لسان فإن الزمان لاطف مولانا أيده الله تعالى منها بأنفس مذخور، وأعجب مرئي، وأغرب موشى، وأفخر مركوب، واشرف محبوب، وأعجز موجود وأبهى مخدود، كأنما وسمها الكمال بنهايته، والحظها الفلك بعنايته، فصاغها من ليله ونهاره، وحلاها بنجومه وأقماره، ونقشها ببدائع ثاره، ورمقها بنواظر سعوده، وجعلها أحد جدوده، ذات أهاب مسير، وفراء محبر، وذنب مشجر وشوى مسور ووجه مرجح ورأس متوج، تكتنفه إذنان كأنهما زجان، سبجية الأنصاف، بلورية الأطراف جامعة شيتها بالترتيب، بين زمن الشبيبة والمشيب، فهي قيد الأبصار وأمد الأنكار ونهاية الاعتبار غني عن الحلي عطلها مزرية بالزهر حللها واحدة جنسها وعالم نفسها صنعة المنشئ الحكيم وتقدير العزيز العليم.
القول في طبائع الوعل
стр. 45
وهو التيس الجبلي، والأنثى تسمى أروية، وهي شاة الوحش وفي طباع هذا النوع أنه يأوي الأماكن الوعرة الخشنة، ولا يزال مجتمعاً، فإذا كان وقت الولادة تفرق، وإذا اجتمع في ضرع الأنثى لبن امتصه والذكر إذا ضعف عن النزو أكل البلوط، فتقوى شهوته، ومتى لم يجد الأنثى انتزع المني بفيه بالامتصاص، وذلك إذا جد به الشبق، وفي طبعه أنه إذا أصابه جرح طلب الخضرة على الحجارة فيمتصها ويجعلها على الجرح، فيبرأ، وإذا أحس بقناص وهو في مكانه المرتفع استلقى على ظهره ثم يزج نفسه فينحدر ويكون قرناه وهما من رأسه إلى عجزه يقيانه ما يخشى من الحجارة، ويسرعان به لملوستهما على. . .، وفي طبعه الحنو على ولده، والبر بوالديه، وأما الحنو فإنه إذا صيد شيء من سخاله تبعته أمه ورضيت بأن تكون معه في الشرك وأما البر بوالديه، فإنه يختلف إليهما بما يأكلانه، وإذا عجزا من الأكل مضغ لهما وأطعمهما، ويقال أن في قرنيه ثقبين يتنفس بهما فمتى سدا هلك سريعاً.
الوصف والتشبيه
قال الشماخ يصف محبوبة له تسمى أروى:
وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفه حرون
تطيف بها الرماة وتنفتهم ... بأوعال معقفة القرون
وقال الصاحب بن عباد:
وأعين كالذرى في سفلاته ... سواد وأعلى ظاهر اللون واضح
موقف أنصاف اليدين كأنه ... إذا راح يجري بالصريحة رامح
وما أطرف قول أبي الطيب المتنبي:
وأوفت الغدر من الأوعال ... مرتديات بغي الضال
نواخس الأطراف للاكفال ... يكدن ينفذن من الأطال
لها لحى سود بلا سبال ... يصلحن للإضحاك لا الإجلال
كل اثيث نيته متعال ... لم يغد بالمسك ولا الغوالي
يرضى من الأدهان بالأبوال
القول في طباع الظباء
وهي ألوان تختلف بحسب مواضعها، فصنف منها يسمى الأرام وألوانها بيض ومساكنها الرمل، وهي أشدها حضراً، وصنف يسمى العفر وألوانها حمر، وصنف منها يسمى الأدم وهي تسكن الجبال، وفي هذا النوع أسرار الطبيعة أنه ما يرى ذا روح إلا ويعلم ما يريد منه خير أو شر، وإذا فقد الماء استنشق الهواء فاعتاض به عنه، وإذا طلب لم يجهد نفسه في حضره من أول وهلة وإذا رأى طالبه قد قرب منه زاد في الحضر حتى يفوت الطالب، وهو يخضم الحنضل حتى يرى ماؤه يسيل من شدقيه، ويرد البحر فيشرب منه الماء الأجاج كما تغمس الشاة لحييها في الماء العذب لطلب النوى المنقع فيه وهو لا يدخل كناسه إلا مستديراً يستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وله نومتان في مكنسين، مكنس الضحى، ومكنس العشي، وإذا أسن الضبي ونبت لقرونه شعب نتج وإذا هزل أبيض وهو شيج النساء لا يسمح بالمشي فإذا أراد فأنما النقز والوثب، ورفع القوائم معاً كما يفعل الغراب فهو أبداً يحجل كما يحجل المقيد، وليس له حضر في الجبال، ويصاد بنار توقد له فيذهل لها لا سيما إذا أضيف إلى ذلك تحريك أجراس، فإنه ينخذل، ويرقد ويصاد بالعطش الشديد بأن يجعلوا بينه وبين الماء فينخذل، ولا يبقى به حراك البتة، وبين الظباء والحجل ألفة، ومحبة والحذاق في الصيد يصيدون بعضها ببعض، ويوصف بحدة البصر، ويسمى باليونانية اسماً معناه النظارة والبصرة
فصل
стр. 46
ويلحق بهذا النوع غزال المسك ولونه أسود ويشبه ما تقدم في القد، ودقة القوائم وافتراق الأظلاف، وانتصاب القرون، وانعطافها غير أن لكل واحد منها نابين خفيفين أبيضين خارجين من فيه في فكه الأسفل قائمين في وجهه كنابي الخنزير كل واحد منهما دون الفتر على هيئة ناب الفيل ويكون بالتبت وبالهند، ويقال أن الغزلان تسافر من التبت إلى اهند بعد أن يرعى من حشيش التبت وهو غير طيب فيلقى ذلك المسك بالهند فيكون رديئاً، وترعى حشيش الهند الطيب ويعقد منه مسكاً، وتأتي بلاد التبت فتلقيه فيكون جيداً، والمسك فضل دموي يجتمع من جسدها إلى سررها في وقت من السنة معروف بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرر جعلها الله تعالى معدناً للمسك فهي تثمره كل سنة بمنزلة الشجرة التي تؤتي أكلها كل حين فإذا حصل هذا الدم في السرر ورمت وعظمت فتمرض لها الظبي وتألم حتى تتكامل فإذا بلغ حكته بأظلافها وتمرغت في التراب فتسقط في تلك المفاوز والبرار فيخرج الجلابون فيأخذونه ويقال أن أهل التبت يضربون لها أوتاداً في البرية تحك بها إذا المتها السرر فتنقطع، وتسقط، فإذا سقطت عن الظبي كان في ذلك إقامته وصحته، فانتشرت حينئذ في المراعي.. وورد الماء، ومنها ما يموت لشدة ألمه.
الوصف والتشبيه
قد ينبغي أن نعلم أن هذا قليل جداً لأن الشعراء نقلوا محاسن الغزال إلى الغزل، وشرحوا بها حال من جذبه الحل وهزل، والصفة التي يصفون بها الظبي، وصفوا بها الجارية والغلام، وصرفوا الحقيقة إلى المجاز فيما أرادوه من الكلام.
قال بعضهم:
فما معزل تعطو بجيد كأنه ... عان بأيدي الصارمين صقيل
هضيم الحشى مغضوضة الطرف ... عالها بذات الأراك مرتع ومقيل
إذا نظرت من نحو أو تفرست ... دعاها أحمر المقلتين كحيل
بأحسن منها حين قالت صرمتنا ... وأنت صروم للحبال وصول
وقال ذو الرمة وذكر محبوبته:
ذكرتك إن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرأب وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء صرة ... شعاع الضحى في متنها يتوضح
هي الشبه أعطافاً وجيداً ومقلة ... ومية أبهى بعد منها وأملح وقال أبو الطيب المتنبي من طردية وذكر منزلاً للصيد:
ومنزل ليس لها بمنزل ... ولا لغير العاديات الهطل
بذي الخزمي ذفر القرنفل ... محلل ملحوش لم يحلل
عن لنا فيه مراعي معزل ... محين النفس بعيد الموئل
أعناه حسن الجيد عن لبس الحلي ... وعاده العري عن التفضل
كأنه مضمخ. . . . بصندل ... معترضا بمثل قرن الأيل
وقال آخر:
وحالية بالحسن والجيد عاطل ... ومكحولة العينين لم تكتحل قط
على رأسها من قرنها الجعد وفرة ... وفي خدها من صدغها شاهد سبط
تجللها من غبرة الجلد فروة ... وتجمعها من بيض أباطها مرط
وقد أدمجت بالشحم حتى كأنما ... ملأتها من فرط ما اندمجت قمط
القول في طبائع الأرنب
стр. 47
يقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن قضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب أحد شطريه عظم، والآخر عصب، وربما ركبت الأنثى الذكر حين السفاد لما فيها من الشبق، وتسفد وهي حبلى وهي قليلة الإدرار على ولدها ويزعمون أنه يكون شهرين ذكراً وشهرين أنثى، وكنت أستبعد هذا وأقول أنه ضرب من الخرافات حتى وقفت عند مطالعتي للكتاب الذي وضعه ابن الأثير في التاريخ، وسماه الكامل، على حكاية أوقفتني على الأعراف بين الإنكار والاعتراف، ذكر في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وفيها اصطاد صديق لنا أرنباً فرآه وله انثيان، وذكر وفرج فلما شقوا بطنه وجدوا فيه خريقين، فإن كان ما زعموا منه أنه تارة يكون ذكراً وتارة يكون أنثى، وإلا فتكون الأرانب كالخنثى في بني آدم يكون لأحدهما فرج الرجل، وفرج الأنثى، ثم أعقب هذه الحكاية بما هو أعجب منها قال كنت بالجزيرة، ولنا جار له بنت أسمها صفية، فبقيت كذلك نحو خمسة عشر سنة فإذا قد طلع لها ذكر رجل وثبت لها لحية فكان لها فرج امرأة، وذكر رجل، والأرانب تنام مفتوحة العين، وربما جاء القناص إليها حتى يأخذها من جهة وجهها، وهي نائمة لا تبصر وسبب ذلك حجاجي عينيها لا يلتقيان فهي فاتحة لهما في النوم واليقظة، يقال: أن الأرانب إذا رأت البحر ماتت، ولذلك لا توجد في الساحل، وهذا هذيان فإن المشاهد غير ذلك، وتزعم العربان أن الجن تهرب منها لموضع حيضها قالوا: وهي تحيض كالمرأة، وتأكل اللحم وغيره وتجتر وتبعر، وفي باطن أشداقها شعر، وكذلك تحك رجليها، وليس شيء قصير اليدين أسرع منها حضراً، ولقصرهما يخف عليها الصعود والتوقل وهي تطئ الأرض على زمعاتها، وهي آخر قوائمها مغالطة للطالب حتى لا يعرف أثرها إلا أن الكلب الفاره والقانص الحاذق لا يخفى عليهما ذلك لأنها لا تفعل ذلك إلا في السهل الذي يثبت فيه الأثر، وربما مشت في الثلج فتعفى أثرها بكثرة الترداد فيه وإذا قربت من الموضع الذي تريد أن تجثم فيه، وثبت إليه وثباً.
الوصف والتشبيه
بعض الشعراء يكر روضه
وخيفاء ألقى الليث فيها ذراعه ... فسرت وسار كل ماش ومضرم
تمشي بها الدرماء تسحب قصبها ... كأن بطن حبلى ذلت أو نين متئم
وهذان البيتان من أبيات المعاني ومن رسالة لبعض الأندلسيين يصف جماعة أرانب: أفراد إخوان كأنهن أولاد غزلان، بين رواغ ينعطف إنعطاف البره ووثاب يجتمع اجتماع الكره حاك القصب إزاره، وصاغ التبر طوقه، وسواره، قد علل بالعنبر بطنه وجلل بالكافور متنه كأنما تضمخ بعبير، وتلفع في حرير ينام بعيني ساهر ويفوت بجناحي طائر، قصير اليدين طويل الساقين، هاتان في الصعود تنجده، وتانك عند الوثوب تؤيده
القول في طبائع القرد
стр. 48
وهذا الحيوان عند المتكلمين في الطبائع، مركب من إنسان وبهيمة، وهو تدريج الطبيعة من البهيمة إلى الإنسان وهو يحاكي الإنسان بصورته وفعاله جميعاً، وله أضراس كأضراسه، وثنايا عليا كما له، ويثني يديه ورجليه كالإنسان، وللقردة فرج مثل فرج المرأة، والذكر شبيه بذكر الكلاب وأجواف القرود شبيهة بجوف الإنسان، ولذلك يستغني المشرحون بتشريح القرد عن تشريح الإنسان، وله صدر كصدر الإنسان عريض، وظهر مثل ظهره في مقابل صدره، ومن شبهه بالإنسان في سائر حالاته بأنه يضحك، ويطرف، ويقعي، ويحكي، ويتناول الشيء بيده، وله أصابع خمسة مفصلة إلى أنامل، وأظفار، ويقبل التلقين، ويأنس للأنس الشديد، ويمشي على أربع مشيه الطبيعي، ويمشي على اثنتين حيناً يسيراً ولشفر عينيه السفلين أهداب وليس لشيء من الحيوان ذلك سواه والإنسان وإذا سقط في الماء غرق مثل الإنسان الذي لا يحسن السباحة، ويأخذ نفسه بالزواج، والغيرة على الأواج، وهما خصلتان كريمتان من مفاخر الإنسان على سائر الحيوان، وهو أيضاً يقمل وإذا قمل تفلا ويرمي وبالقمل إلى فيه ويأكله، وإذا ألح به الشبق استمنى بفيه، والأنثى تلد قروداً عديدة نحو العشرة وأكثر كما تلد الخنزيرة، وتحمل بعض أولادها كما تحمل المرأة، وقال من سبر حال هذا الحيوان أن الطائفة من القرود إذا أرادت النوم ينام الواحد في جنب الآخر حتى يكونوا سطراً واحداً، فإذا تمكن النوم منها نهض أولها من الطرف الأيمن فيمشي وراء ظهورها حتى يقعد من وراء الأقصى من الطرف الأيسر فإذا قعد صاح فنهض الذي كان يليه، وفعل فعله، يكون هذا من الطائفة الليل كله، فيبيت في أرض ويصبح في أخرى، وفيه من قبول التأديب والتعليم والإخفاء به على أحد، ولقد درب قرد ليزيد بن معاوية على ركوب وحشي وسابق به الخيل، وفيه يقول شاعر وقد سبق باتان ركبها فرساً:
من مبلغ القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان
تمسك أبا قيس بفضل عنانها ... فليس عليها إن هلكت ضمان
والعامة تقول: القرد قبيح لكنه مليح، يشيرون إلى خفة روحه وكيسه، وحكى المسعودي في كتاب المروج إن القرود من أماكن كثيرة من المعمورة عد منها وادي نخلة وهو بين الجند، وبلاد زبيد، قال: وفي هذا الوادي عمائر كثيرة، ومصبات للمياه، وبقعته بين جبلين، وفي كل جبل منها طائفة من القرود يسوقها هزر) والهزر القرد العظيم المقدم منها (قال: ولهم مجالس يجتمع فيها خلق عظيم كثير منهم فيسمع لهم حديث ومخاطبات، والإناث في ناحية الذكور، والرئيس متميز عن المرؤوس، وربما سمعهم من لا يعلم أنهم قرود فظن أنهم ناس يتحدثون وباليمن قرود كثيرة في نواحٍ متعددة منها، في ذفار من بلاد صنعاء في برار وجبال كأنها السحب، وتكون القرود بأرض النوبة، وأعلى بلاد الأحابيش وهذا الضرب من القرود حسن الصورة خفيف الروح ذو وجه مدور وذنب مستطيل سريع الفهم لما يرشد إليه، ومنها بخلجان نهر الزانج، وبحر الصين، وبلاد المهراج وفي ناحية الشمال نحو أرض بلاد الصقالبة أجام وغياض فيها ضروب من القرود منتصبة القامات مستديرة الوجوه والأغلب عليها صور الناس وأشكالهم، ولها شعور، وربما وقع في النادر منها إذا احتيل عليه فاصطيد، فيكون في نهاية الفهم والدراية، إلا أنه لا لسان له يعرفه عما في نفسه، ولكنه يفهم كلما يخاطب بالإشارة، من النواحي التي بها القرود، جبل موسى المطل على مدينة سبتة من بلاد المغرب، والقرود التي فيها قباح الوجوه جداً، عظام الجثث وجوهها وجوه الكلاب لها خطوم، وليس أذانب، وأخلاقها صعبة لا تكاد تتطلب فيها ما تعلم إلا بعد جهد.
القول في طبائع النعام
стр. 49
وإنما ذكرناه مع ذوات الأربع من الوحوش، وإن كان ذا جناح لأنه عند المتكلمين في طبائع الحيوان ليس بطائر، وإن كان يبيض وله جناح وريش ويعدون الخفاش طيراً وإن كان يحبل ويلد وله إذنان بارزتان وليس له ريش لوجود الطيران فيه ومراعاة لقوله:) وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بأذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني (وهم يسمون الدجاجة طيراً، وإن كانت لا تطير، والنعامة تسمى بالفارسية " اشترمرغ " وتأويل اشتر: جمل، وتأويل مرغ: طائر، فكأنهم قالوا جمل طائر، ولما وجد هذا الاسم ظن الناس أنها نتاج ما بين الإبل والطير، وبهذا أجري عليها في قولهم: قيل للظليم أحمل قال أنا طائر، قيل له: فطر قال: أنا جمل، ومما أكد عندهم القول بالتوكيد أنهم رأوا فيه من الجمل المنسم، والوظيف والعنق والكرش، والخف، والخرالة ومن الطير الريش والجناح، والمنقار، والبيض، ويشبه النعام بالإبل، تسمى الأنثى منها قلوصاً، وفي طبع النعامة أنها تحضن أربعين بيضة أو ثلاثين بيضة، ومن أعاجيبها أنه تضع بيضها طولاً حتى لو مد عليها خيط لما وجد لشيء منها خروج عن الآخر ثم يعطي كل بيضة منها نصيبها من الحضن إذ كان بدنها لا يشمل على عدد بيضها، وهي تخرج لطلب الطعم فتمر ببيض نعامة أخرى فتحضنه، وتنسى بيضها، ولعلها أن تصاد فلا ترجع إليه فهلك، ولهذا توصف بالموق والحمق، ويضرب المثل بها في ذلك، وعلى هذا ينشد قول ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شماخا
كتاركة بيضها. . . بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
ويقال: أنها تقسم بيضها أثلاثاً منه ما تحضنه، ومنه ما تجعل صفاره غذاء ومنه ما تفتحه وتتركه للهواء حتى يعفن ويتولد من عفنه دود فتغذي به فراخها إذا خرجت، وهو من الحيوان الذي يتراوح، ويعاقب الذكر الأنثى في الحضن، وهو لا يأنس بالإبل ولا بالطير مع مشاركته لهما، وكل ذي رجلين إذا انكسرت له إحداهما استعان في نهوضه وحركته بالباقية ما خلا النعامة فإنها تبقى في مكانها جاثمة حتى تهلك جوعاً، قال الشاعر واصفاً هذه الحالة:
إذا انكسرت رجل النعامة لم تجد ... على اختها نهضاً ولا بأستها حبوا ويقال: إن الحيوان الوحشي ما لم يعرف الإنسان لا ينفر منه إذا رآه ما خلا النعام شارد أبداً وبه يضرب المثل في الشرود، وعظامه، وإن كانت عظيمة وشديد العدو بها لا مخ فيها، ولا مجرى بها تزعم العرب أن الظليم أصلم وإن لما كان كذلك عوض عن السمع بالشم فهو يعرف بأنفه ما لا يحتاج معه إلى السمع فربما كان على بعد فشم رائحة القناص على أكثر من غلوة، والعرب تضرب به المثل في شدة حاسة الشم قال الشاعر:
فهو يشم اشتمام الهيق
ولآخر:
أشم من هيق وأهدى من جمل
стр. 50
وفسر بعض المعتنين بتفسير أمثال العرب قولهم) أحمق من النعامة (إن من جمقها إذا أدركها القانص أدخلت رأسها في كثيب رمل تقدر أنها قد اختفت منه، وهو قوي الصبر من الماء شديد العدو وأشد ما يكون عدواً إذا استقبل الريح، وكلما كان أشد لعصوفها كان أشد حضراً، وهو في عدوه يضع عنقه على ظهره ثم يخرق الريح، وهو يبتلع العظم الصلب والحجر والمدر والحديد فيميعه بحر قانصه حتى يصير كالماء، ويبتلع الجمر حتى ينفذه إلى جوفه فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ولا يكون الجمر هو العامل في إحراقه، وفي ذلك أعجوبتان أحدهما التغذي بما لا يغذو، والآخر الاستمراء والهضم، وهذا غير منكر لأن السمندل وهو على ما زعم بعضهم دابة توجد ببلاد الهند، وبلاد السند دون الثعلب خلنجية اللون، حمراء العين، ذات ذنب طويل ينسج من وبرها مناديل إذا اتسخت القيت في النار المتأججة فيزول منه الزهم، ولا تحترق وببلاد الترك جرذان تسلخ جلودها، وتتخذ من وبرها مناديل إذا اتسخت غسلت بالنار بأن يلقى فيها ولا تحترق، وزعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض ويفرخ، وفيه من الخاصية أن يدخل النار ويخرج منها ولا يحترق ريشه، ويعمل جلده مناديل العمر فكما أن خاصية هذا الحيوان في ظاهره كانت خاصية النعام في باطنه، والباطن كله من الحيوان أنعم من الظاهر وقد حكى أبو عبيد البكري في كتاب المسالك والممالك لما ذكر قابس أن بعض أهل البادية دخل على أميرها بطائر على قدر الحمامة ذكر أصحابه أنهم لم يروه قبل ولا عهدوه، وكان فيه من كل لون، وهو أحمر المنقار فأمر بقص جناحيه، وأن يرسل في مصره فلما كان الليل أوقد بين يدي الأمير مشعل فلما رآه الطائر قصده وأراد الطلوع إليه، فلم يستطع النهوض فما زال يجهد نفسه حتى صعد إليه واستوى في وسطه وجعل يتفلى فيه كما يفعل الطائر في الشمس، فلما قضى وطره منه نزل، والنعام يصاد بالنار كما يصاد سائر الوحش فإنه إذا رآها دهش لها واعتراه فكر فيها فيقف وقوف حيرة فيتمكن منه الصائد حينئذ.
الوصف والتشبيه
قال بعض آل بني طالب شعراً:
قد ألبس الليل حتى ينثني خلقاً ... واكب الهول بالغر الغرانيق
وانتحي لنعام الدو سهلبة ... كأنها بعض أحجار المجانيق
تسدى الرياح بها ثوباً وتلحمه ... كما تلبس من نسج الخداريق
كأنما ريشها والريح. . . تغرقه ... أسمال راهبة شيبت بتشقيق كأنها حين هزت رأسها فرقاً سود الرجال تعادي بالمزاريق
كأن أعناقها وهنا إذا خفقت ... بها البلاقع أدقال الزواريق
فما استلذ بلحظ العين ناظرها ... حتى تغصص أعلاهن بالريق
وقال ذو الرمة من قصيدته المذهبة وذكر ناقة:
أذاك أم حاصب بالشيء مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
شخت الجزآرة مثل البيت سائره ... من المسوح جذب شوقب خشب
كأن رجليه مسما كان من عشر ... صقبان لم يتقشر عنهما النجب
هجنع راجع في سوداء مخمله ... من القضائف أعلى ثوبه الهدب
تبرى له صلعة خرجاء خاصعة ... فالخرق دون بنات البيض منتهب
كأنها دلو بئر جد ماتحها ... حتى إذا ما رآها خانه الكرب
لا يدخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفر عنهما الأهب
فكل ما هبطا في شاؤ شوطهما ... من الأماكن مفعول به العجب
لا يأمنان سباع الجو أو برداً ... إن أظلما دون أطفال لهم لجب
جاءت من البيض زعر الألباس لها ... إلا الدهاس وأم برة وأب
كأنما فلقت عنها ببلقعة ... جماجم يبس أو حنظل خرب
حتى يفيض عن عوج معطفه ... كأنها شامل أبشارها الجرب
أشداقها كصدوع النبع في قلل ... مثل الدحاريج لم ينبت لها الزغب
كأن أعناقها كرات سائغة ... طارت لفائقه أو هيشر سلب
الباب الرابع
في ذكر الحيوان الأهلي
стр. 51
ومجموعه يسميه ابن أبي الأشعث: الحي المملوك الذي يدبره القعل والطبيعة معاً، وهو ينقسم إلى ما يؤكل فقط، وإلى ما يركب فقط، وإلى ما يركب ويؤكل معاً، ومن أجل هذه المنافع ملك، ولتدبير العقل له قرب مزاجه من مزاج الإنسان وإنما الفرق بينهما أن العقل يدبر الإنسان من ذاته ومن خارج ذاته ونجعل بدء قولنا في الحيوان المركوب أهم ما تقدم الكلام فيه.
القول في طبائع الفرس
وإنما بدأنا به لأنه قريب من الاعتدال الخالص، وأحسن ذوات الأربع صورة وأفضل من سائرها، وأشببها بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم، وشرف النفس وعلو الهمة، وتزعم العرب: أنه كان وحشياً، وأول من ذلل صعبه وركبه إسماعيل ﵇ وهو جنسان: عتيق وهو المسمى فرساً، وهجين وهو المسمى برذوناً، والفرق بينهما أن عظم البرذون أغلظ من عظم الفرس وأمتن وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون، والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون، والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذون بمنزلة الشاة ولكل واحد منهما نفس تليق بفعله وآلات مواتية له، وفي طبع الفرس الزهور والخيلاء والعجب والسرور بنفسه، والمحبة لصاحبه، ومن أخلاقه الدالة على كرمه، وشرف نفسه، ومن شرفها أنه لا يأكل بقية من علف غيره، وعلو همته، كما حكى المؤرخون أن أشقر مروان كان سائسه لا يدخل عليه إلا بأذن، وهو أنه يحرك له المخلاة فإن حمحم دخل، وإن دخل ولم يحمحم شد عليه، وناهيك لهذا الخلق في علو الهمة، والأنثى من الخيل ذات شبق شديد لشدة شبقها تطيع الفحل من غير نوعها، ويقال: أنه متى اشتد شبقها، وقص من عرفها سكن عنها، والذكر يشتد به الشبق ويزسد حتى يؤثر أن يؤتى لفرط شهوته وقصر آلته عن الوفاء بتسكين ما يجد، وربما اقتتل الفحلان بسبب الأنثى، حتى تكون لمن يغلب منهما، ويقال أن الإناث تمتلئ في أوان السفاد ريحاً، وإذا أصابتها ذه الآفة يركض بها ركضاً متتابعاً، ولا يؤخذ بها لا إلى الغرب، ولا إلى الشرق، بل إلى الشمال والجنوب حتى يخرج من أرحامها، كما يخرج عند ولادتها، وهي في زمان السفاد تطاطئ رؤوسها وتحرك أذنابها، ويسيل من قبلها شيء شبيه بالمني غير أنه رقيق، وإذا تودقت الرمكة، وأفرطت وكان بها هزال من ضعف أو علة، ولم تمكن أن ينزى عليها لتلك العلة أنزى عليها بغل لأنه لا يلقحها وهو بالغ أقصى شقائها وغاية شهوتها بالذي معه من الطول والغلظ فيسكن ذلك عنها، والذكر يكون مع ثلاث إناث أو أكثر، وإذا دنى ذكر آخر من الأنثى التي اختارها قاتله وطرده، والطمث يعرض للإناث أقل من طمث النساء، والذي ينزو إذا تمت له سنتان، وكذلك الإناث، والإناث تحمل أحد عشر شهراً وتضع في الثاني عشر وهي تضع ولداً واحداً، وربما وضعت في النادر اثنين، والذكر ينزو إلى تمام أربعين سنة، وربما عمر إلى التسعين، والأنثى تأنف من نزو الحمار عليها فإذا أريد ذلك منها أخذت بعرفها فتذل وتسكن، وكذلك الفحل يأنف من أن ينزو على أخته أو على أمه، وقد حكي: أنه أريد أن يحمل على رمكة ولد لها، يريدون بذلك العتق فأنف فسترت بثوب فنزى عليها فلما رفع الثوب ورآها مر بحضر حتى رمى نفسه في بعض الأودية فهلك، والخيل قد ترى الأحلام، وتحتلم كبني آدم، وذلك لفرط الشهو فيها، ومتى خلت الأنثى أو هلكت، وكان لها فلو أرضعته الإناث وربته، وإذا لم يكن فيها لبن يرضع عطفت عليه العواقر وتعاهدته، ولكنه يهلك إذ ليس فيها لبن، وربما ضل الفلو عن أمه فرضع من غيرها، فإذا فعل ذلك ماتت أمه، ويعتري الفرس داء شبيه بالكلب، وعلامته استرخاء في أذنيه إلى ناحية عرفه، وامتناعه من العلف وليس لهذا الداء علاج إلا الكسن، وفي طبع الفرس أنه لا يشرب الماء إلا كدراً حتى أنه يرد الماء صاف فيضربه بيده حتى يكدره، ويبين عكره، وربما ورد الماء الصافي وهو عطشان، ويرى فيه خيالاً له ولغيره فيحاماه ويأباه، وذلك لفزعه مما يراه، يوصف بحدة البصر حتى أن بعض المغالين فيه يقولون: لو اجري بالفرس في يوم ضباب من شوط بعيد، واعترضت بين يديه شعره، لوقف عندها ولم يتعد حدها، وفي، وفي طبعه أنه إذا وطئ على أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرك، وخرج الدخان من جلده، وإذا وطئته الأنثى وهي حامل أزلقت.
فصل
стр. 52
والعلامات الجامعة للنجابة في الفرس ما ذكره أيوب بن القربة وقد سأله الحجاج عن صفة الجواد من الخيل فقال: القصر الثلاث الصافي الثلاث، الطويل الثلاث الرحب الثلاث، فقال: صفهن، فقال: أما الثلاث الصافية، فالأديم، والعينان والحافر، وأما الثلاث القصار، فالعسب، والساق، والظهر، وأما الثلاث الطوال فالأنف، والعنق، والذراع، وأما الثلاث الرحبة فالجوف والمنخر والجبهة، وقد جمع بعض الشعراء هذه الأوصاف فيقوله:
وقد اغتدي قبل ضوء الصباح ... وورد القطا في الغطاط الحثاث
بصافي الثلاث عريض الثلاث ... قصير الثلاث طويل الثلاث
وأهدى عمرو بن العاص ثلاثين فرسا من خيل مصر، فعرضت عليه وعنده عتبة بن سنان بن يزيد الحارثي، فقال له: معاوية كيف ترى هذا يا أبا سفيان فإن عمرا أطنب في وصفها، فقال: أراها يا أمير المؤمنين كما وصفت إنها لسامية العيون لاحقة البطون مصغية الآذان قراء الأسنان ضخام الركبات مشرفات الحجبات رحاب المناخر صلاب الحوافر، وقعها نحليل، ورفعها تعليل، فهي إن طلبت سبقت، وإن طلبت لحقت قال معاوية: اصرفها إلى دارك فإن بنا عنها غنى وبفتيانك إليها حاجة، وهذه الخلال قلما توجد في جواد، ولو بذل فيه سواد العين، وسويداء القلب.
وقد قال أبو الطيب المتنبي مؤيدا لما قلت:
وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في غبن من لا يجرب
وإذا لم يشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
ووصف أعرابي فرسا أجرى في حلبة فقال: لما أرسلت الخيل جاءوا بشيطان في اشطان، فارسوله، فلمع البرق واستهل الودق فكان أقرب الخيل إليه نقع عينه من بعد عليه.
ووصف محمد بن الحسين بن الحروف فرسا فقال: هو حسن القميص جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب يبصر بأذنيه ويتبع ويتبوع، بيديه، ويدخل برجليه، وكتب عبد الله بن طاهر مع فرس أهداه إلى المأمون، وقد بعث إلى أمير المؤمنين فرسا يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء ويسبق في الحدود جري الماء إن عطف جار وإن أرسل طار وإن حبس صفن، وإن استوقف قطن، وإن رعى أبن فهو كما قال تأبط شرا.
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك
ووصف آخر فرسا، فقال: وإذا هبط قعى كأنه محلول من قول أبي بكر بن دريد يصف فرسا:
إذا جرى لم يعلق الطرف به ... ولم يجعل لونه ولم يحط
مثل دعاء مستجاب إن علا ... أو كقضاء نازل إذا هبط ووصف آخر فرسا، فقال: أسيل الخد حسن القدر لقد سبق الطرف ويستغرق الوصف وقال محمد بن عبد الملك لصديق له ابلغ لي برذونا، وثيق اليدين سالم الأذنين ذكي العينين، يأنف من تحريك الرجلين، وساير شبيب بن شيبة علي بن هشام فاستبطأه فقال له: أنت على جواد إن تركته سار وإن ضربته طار وأنا على معرف إن تركته وقف وإن شربته قطف وقال بعض الشعراء يصف فرسا سبق حلبة فقال:
جاء كلمع البرق جاش ناظره ... يرسب أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره
وقال أبو عبادة البحتري:
كالهيل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
جد لأن ينقض عذرة في غرة ... يقف تسيل حجولها في جندل
صافي الأديم كنا عنيت له ... لصفاء نقبته مدارس صيقل
هزج الصهيل في نفحاته ... فبرات معبد في الثقيل الأول
وقال أبو الفرج الببغاء:
إن لاح قلت أدمية أم هيكل؟ ... أو عن قلت أسابح أم جدال؟
تتخاذل الألحاظ في إدراكه ... ويحار فيه الناظر المتأمل
فكأنه في اللطف منهم ثاقب ... وكأنه في الحسن حظ مقبل
وقال محمد بن هاني الأندلسي:
عرفت بساعة سبقها لأنها ... علقت بها الرهان عيون
واجل علم البرق فيها إنها ... مرت بجانحيته وهي ظنون
ولآخر:
منع القوائم أن تمس بها الثرى ... فكأنه في جريه متعلق
وكأن أربعة تراهن طرفه ... فيكاد يسبقه إلى ما يرمق
وقال عبد الجبار بن محمد بن حمد يس الصقلي:
شطر أولومجرر في الأرض ذيل عسيبه ... حمل الزبرجد منه جسم عقيق
يجري فلمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في قران صديق وقال أبو الفتح كشاجم:
стр. 53
ماء تدفق طاعة وسلاسة ... فإذا استدر الحضر فيه فنار
وإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنه بركار
قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرسغ وهي من العتيق فصار
يرد الضماضح غير ثان سنبكا ... ويرود طرفك خلفه فيحار
لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... حاكته من أشكالها الأطيار
وقال أبو الفضل المكيالي:
خير ما استظرف الفوارس طرف ... كل طرف بحسنه مبهوت
هو فوق الجبال وعلى وفي السه ... ل نعام وفي المعابر حوت ولآخر:
فوق طرف كالطرف في سرعة ال ... شد كالقلب قلبه في الذكاء
ما تراه العيون لا خيالا ... شطر ثانيوهو مثل الخيال في انطواء
وقال أبو بكر الصنوبري:
طرف نأت سماؤه عن أرضه ... وما نأى كاهله عن الكفل
ذو أربع من أربع من القبو ... ل والدبور والجنوب والشمل
وهو إذا أعلمها ألقى لها ... فوق الذي تطلبه من العمل
كالبرق إن أومض أو كالرعد إن ... أجلب أو صوب الحيا إذا احتفل
وقال أبو الطيب المتنبي، ناهيك به وصفا للخيل والحرب:
يعلم وجه كل سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل
إن أدبرت لا قبيل لها ... أو أقبلت قلت ما لها كفل
وقال أيضاً:
وجردا مددنا آذانها القنا ... فبتن خفافا يتبعن العواليا
تماشى بأيد كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
وتنظر من سود صوادق في الدجى ... يرين بعيدان الشواخص كما هيا
وتنصت للجرس الخفي سوامعا ... يخلف مناجات الضمير تناديا
تجاذب فرسان الصباح أعنة ... كأن على الأعناق منها أفاعيا
طرائف في ذم الخيل بالهزل والعجز عن الحركة
كتب بعضهم إلى صديق له:
ما فعلت حجرك تلك التي ... أفضل من فارسها الراجل
عهدي بها تبكي وتشكو الضنا ... لما احتشاه البدن الناحل
وهي تغنيني غناء ضبة ... غايتها وجدان ما تأكل
يا رب لا أقوى على كل ذا ... موت وإلا فرج. . . عاجل
ولآخر:
يا نصر حجرك أبلى الجوع جدتها ... وأصبحت شبحا تشكو تجافيكا
إذا رأت تبنة قالت مجاهرة ... يا تبن لي حسة ما تنقضي فيكا
ترجوه طورا وتبكي منه آيسة ... حتى إذا عرضت باتت تغنيكا
هذي فدتك حالي قد علمت بها ... فكم يكون الجفا أفديك أفديكا
وقال آخر:
أعطيتني شهبا ملهوبة ... تذكر نمرود بن كنعان
سفينة الحشر إلى عدوها ... أسبق من أشقر مروان
كأنني منها على زورق ... بلا مجاذيف وسكان
فانظر إلى حجري ترى شهرة ... أخبارها جامع سفيان
وقال آخر:
حلمتني فوق معرف زمن ... ليس الذي رحله بنفاع
جلد على أعظم. . . مخلخلة ... فليس يمشي إلا بدفاع
كأنني إذا علوت صهوته ... ركبت منه سرير فقاع
وأنشدت لزهير بن محمد الصعيدي:
وفرس على المسا ... وي كلها محتوية
فما مساوئها لمن ... عددها مستوية
يا قبحا. . . مقبلة ... وقبحها مولية
راكبها في خجلة ... كأنه في معصية
مستقبحا ركوبها ... مثل ركوب المعصية
وللقاضي برهان الدين ابن الفقيه نصر:
لصاحب الأحباش برذونة ... بعيدة العهد من القرط
إذا رأت خيلا على مربط ... تقول سبحانك يا معطي
تمشي إلى خلف إذا ما مشت ... كأنها تكتب بالقبطي
القول في طبائع البغل
стр. 54
وقال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: البغل مركب من الفرس والحمار ومركب من فساد بينهما ولما كان ممتزجا بينهما صار له صلابة الحمار، وعظم آلات الخيل، وكذلك شجيحة، مولد بين نهيق الحمار، وصهيل الفرس، وقال الجاحظ: البغل يخرج بين حيوانين يلدان حيوانين مثلهما ويعيش نتاجهما، ويبقى بقائهما وهو لا يعيش له ولد وليس بعقيم، ولا يبقى للبغلة ولد، وليست بعاقر، وخرج أطول عمرا من أبويه وأصبر على الأفعال من طرفيه كابن المذكرة من النساء والمؤنث من الرجال فإنه يكون نتاجهما أخبث نتاجا من البغل، وافسد أعراقا من السمع، وأكثر عيوبا من العسبار وشر الطبائع ما تجاذبته الأعراق المتضادة والأخلاق المتعادية، والعناصر المتباعدةويقال: إن أول من أنتجها قارون وقيل أفريدون أحد ملوك الفرس.
وقال الشاعر في كون البغل مركبا جامعا لخلقي الفرس والحمار:
البغل فيه لمن يمارسه ... صبر الحمار وقوة الفرس
وقال ابن رشيق في ذمه لميله في الطبائع إلى أمه دون أبيه:
أوصيكم بالبغل شرا فإنه ... من العير في سوء الطباع قريب
وكيف يجني البغل يوما بحالة ... يسرو فيه للحمار نصيب
والبغل يوصف برداءة الخلق والتلون لأجل التركيب، وينشد على طريق المصل:
خلق جديد كلوم ... مثل أخلاق البغال
ومن أخلاق البغال الألف لكل دابة، ويذكر بالهداية في طل طريق يسلكه مرة واحدة، ويقول أصحاب الكلام في الطبائع أن ابوال إناث البغال تنقية لأجسادها كما تنقي النساء بدم الطمث.
مخايل النجابة في هذا النوع: قال بعضهم:) إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العنق تجده في نجابتها مشرقة الهادي تجده في طاعتها مجعدة الجوف تجده في صبرها (، والأحسن في مدحها قول عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة لحارث بن عبد المطلب جوابا لصفوان بن عمرو بن الاهتم، وقد أنكر عليه ركوب البغل: إنه يطأطئ عن خيلاء الخيل، وارتفع عن ذلة العير، وخير الأمور أوسطها، ولقي أحمد بن زيد، محمد بن الحسن على بغل، فقال أجرى الله تعالى البغال فإن أخلاقها ذميمة وأفعالها لئيمة، وخزيها دائم وسبقها قائم، فقال له محمد: هي مع ذلك مراكب الملوك في أسفارها، وقعد الصعاليك في قضاء وإطارها مع احتمالها للأثقال، وصبرها على طول الأبغال والإناث منها أحمد أثرا، ولذلك يقال فيه نظما.
عليك بالبغلة دون البغل ... وإنها جامعة للشمل
مركب قاض وغمام عدل ... وعالم وسيد كهل
يصلح في الوحل وغير الوحل
وقال آخر:
عزمت على ذم البعير موفقا ... وإن ليس في المركب أجمع من بغل
وليس له بذخ الخيول وكبرها ... ولا ذلة العير الضعيف عن الرحل
وفي البغل من كل الأمور موافق ... ومركب قاض أو شيوخ ذوي الفضل
وساير عبد الحميد الكاتب، مروان بن الجعدي على بغلة، فقالت له: طالت صحبة هذه الدابة لك فقال من بركة الدابة طول صحبتها، فقال: صفها فقال: همتها أمامها وسوطها أمامها، وما ضربت قط إلا ظلما.
الوصف والتشبيه
من رسالة لبعض الكتاب: قد اخترت لسيدي بغلة وثيقة الخلق لطيفة الخرط رشيقة القد موصوفة اليد ميمونة الطير مشرفة العنق كريمة النجار حمدة الآثار.
إن أدبرت قلت لا قبل لها ... وأن أقبلت ما لها كفل
لم يطر العسيب بقوائهما، ولم يعلق الذم محاسنها قد جمعت إلى حسن القميص سلامة الفصوص، فسميت قيد الاوابر، وقرة عين المشاهد تزري في انظلاقها بالبروق في ائتلافها.
من رسالة الوزير أبي القاسم علي بن الحسين المعري يصف بغلة: بغلة تحل من فضائل البغال وسطا، وتنال من محاسن الدواب إنها قد استكملت ما يراد للسروجيات من خفة الأحلام، وما يراد لحاملات الثقل من وثاقة الأجسام أبعد جريانا من السيل، وأجود إحضارا من الخيل وأوطأ مهادا من الليل، وقد جمع فيها من المحاسن ما تعم فضيلتها، بل تبد قبيلتها وتشمل أسرتها بل تعمر عمارتها حتى لا تقيم للخيل وزنا، إلا بقدر ما تنل به أرحامها، ولا تعتد للضيف ولا أعوج إلا ما تراعي به واصرها، وإلا ما يربها من عقوق الخؤولة، والأمومة ونزها على اطراح حقوق الأبوة والعمومة فيه أحق من القول فيها:
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء تروي بنسج وحده
تقدح قيس كلها من زند
стр. 55
ولم يذكر أحد من الشعراء وصفا لبغل أجود من أبي عبادة البحتري قال:
واقب نهد للصواهل شطره ... يوم الفخار وللشج
وخرق يتيه على أبيه ويدعي ... عصبية لبني الضبيب وأعوج
مثل المذرع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤوله للخزرج
طرائف في ذم البغال: المثل المضروب في ذلك ببغلة أبي دلامة، وأهل الأدب ينسبون إليه أبياتا ساقطة يصف فيها عيوب بغلته، اخترت منها:
أبعد الخيل أركبها كراما ... وبعد الفر من محضر البغال
رزقت بغيلة شوهاء فيها ... عيوبا ليس في المقال
وغني إن ركبت آذيت نفسي ... بضرب باليمين وبالشمال
برر فليس تبرح قدر شهر ... وقل لها على ذاك احتيالي
وتضرط أربعين إذا وقفنا ... على أهل المجالس والموالي
فتقطع منطقي وتحول بيني ... وبين كلامهم مما توالي
ويدبرها ظهرها من مسح كف ... ويهزل في البراقع والجلال
ويخفي لو تمر على الحشايا ... ولو تمشي على دهش الرمال
إذا استعجلتها راثت وبالت ... وقامت ساعة عند المبال
وكانت قارحا أيام كسري ... وتذكر تبعا عند النصال
وقد ولدت ونعمان صبي ... وآخر عمرها لهلاك مالي
القول في طبائع الحمال الأهلي
قال المتكلمون في طبائع الحيوان ليس في الحيوان شيء ينزو إلى غير نوعه، ويأتي فيه شبيهه إلا الحمار، وهو ينزو إذا مضى له ثلاثون شهرا، ولا يولد له قبل أن يتم ثلاث سنين ونصف، قالوا: هذا النوع صنفان صنف جاس عاس يصلح لحمل الأثقال، والآخر لدن دمث أحر وأيبس من نفس الفرس فتراه كبير الشعب، والحركة بمنزلة النار المتوقدة لا يهدأ اضطرامها، فهذا يصلح أن يرفه للركوب في قضاء الأوطار والحاجات، وأجود الحمير المصرية، وأهلها يعتنون بتربيتها والقيام عليها لما يجدون فيها من الفراهة، وسرعة الحضر، والمجابة ويتغالون في أثمانها بحسب فراهتها حتى بيع منها في بعض السنين حمار بمئة دينار، وعشرة دنانير، وكان صاحبه يسمع أذان المغرب بالقاهرة فيركبه ويسوقه ويلحقها بمصر، وبينهما ثلاثة أميال، ومن عادة الحمار أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة خوفه له يريد بذلك الفرار منه.
قال حبيب بن أوس الطائي في أبيات يخاطب بها عبد الصمد بن. . . . وقد هجاه وحيث يقول:
أقدمت ويلك من هجري علي خطر ... والعير تقدم من خوف على الأسد
وفي الحمار داء الحلاق كالخنزير، وبعض أصحاب الحديث في الطبائع ينطر ذلك ويقول الحلاق داء يصيب قضيب الحمار يقال له حلق الحمار يحلق حلقا إذا احمر قضيبه وتقشر فإن لم يخص وإلا مات وقال قطرب الحلاق في الإناث إذا أصابها ذلك، ويوصف بالهداية لأنه لا يضل عن طريق سلكه ولو لمرة واحدة، ولا يخطئه وفإن ضل راكبه الطريق هداه وحمله على الحجة، ويوصف بحدة حاسة السمع بحيث أنه ينذر راكبه بما يتوقع خوفه فيحذر منه، وإن بعد مثواه، وهذا الحيوان يحس بالبرد، ويؤذيه أكثر من غيره، ولهذا لا يوجد في بلاد موغلة في الشمال، وبلاد الصقالبة، ويعتريه مرض في الدماغ مثل الزكام يعرض له لبرد دماغه، ويسيل من منخريه بلغم حار، فإن انحط إلى الرئة مات والظريف العجيب إذا نهق أضر بالكلب حتى يقال إن نهيقه يحدث بالكلب مغصا، ولذلك يطول نباحه.
الوصف والتشبيه
وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض في الحب والبغض أما المدح، قال الرقاشي لما قيل له: إنك تكثر ركوب الحمير، قال: لأنها أكثر مرفقا قيل له: وما ذلك قال: لأنها تستدل بالمكان على اختلاف الزمان، وهي اقل المراكب داء، وأيسر دواء وأسلمها صريعا وأحفظها مهوى، وأقربها مرتقى، وأقلها جماحا، واشهرها فارها، يزهي به راكبه، وقد تواضع بركوبه ويكون مقتصدا وإن أسرف في ثمنه.
وأما الذم فإن أعرابية سئلت عنه فقالت لعنه الله لا يذكي ولا يزكي إن أطلقته ولى، وإن ربطته أدلى، عظيم الحرارة بطيء في الغارة لا تقرى به الدماء، ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء وقال جرير بن عبد الحميد: لا يركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يديك وإن كان بليدا أتعب رجليك.
стр. 56
وكتب الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المعري رسالة يرد فيها على من عاب حمارا، وكيف يعاب الحمار، وله نسب في الصالحين عريق، ومجد في الأولين وريق وباتخاذ المكرمين إلى البتول، وابن البتول ﷺ مطية، وبأنه كان للعزيز ﵇ آية، وقد اختير للمطهمة بعلا، وارتضى لها قرينا وشكلا، أم كيف يذم، وأعلى أمد الجواد كان أثاره، وأشرف مقام العرب للمعرب شق العبارة، ومن محاسن الأوصاف فيه قول أحمد بن طاهر من أبيات:
شية كأن الشمس فيها أشرقت ... وأضاء فيها البدر عند تمامه
وكأنه من تحت راكبه. . . . إذا ... ما لاح برق لاح تحت غمامه
ظهر كجري الماء لين ركوبه ... في حالتي أتعابه وجماحه
سفهت يداه على الثرى فتلاعبت ... في جريه بسهوله وأكمامه
عن حافر كالصخر إلا أنه.. ... أقوى وأصلب منه في استحكامه
ما الخيزران إذا انثنت أعطافه ... في لين معطفه ولين عظامه
عنق يطول بها فضول عنانه ... ومحزم يغتال فضل حزامه
وكأنه بالريح منتعل وما ... جري الرياح كجريه ودوامه
أخذ المحاسن آمنا من عيبه ... وحوى الكمال مبرأ من ذامه
ولأبي القسم علي بن الحسن الباخرزي من أبيات يرثي بها جمارا:
يواري بأجواف السباع مهملج ... متى أتذكر قوته اتسخط
مسرة محزون وقرة ناظر ... وجمال أعياء وراحة ممتط
وجواب آفاق وعدة راجل ... وحلية إصطبل وزينة مربط
يخاف الطريق الوعر وطأة رجلة ... ويعلو الصبا عن جريه المتوسط
شطر أولأناف به طول الثوى فعذاره ... بعيد المراقي سامح المتنوط
له ذنب ضاف به سد فرجه ... كما استرسلت أهداب برد نخطط
وأسنانه كالدر شتتها البلى ... وقد كن أشباها كعقد مسمط
على متنه جلد يروق رواؤه ... ولا كالد يبقى النسيج المخيط
يحاكي بترجيع النهاق فريده ... توافق بالا كان أوتار مربوط
وينصب أذنا لم تفتها لطافه ... سوى أنها بالشنف لم تنقرط
ثم خرج إلى التعزية فيه لمن أصيب، وعمل هذه الأبيات بسببه ولآخر:
لا تنظرن إلى هزال حماري ... وانظر إلى مجراه في الأخطار
متوقد جعل الذكاء إمامه ... فكأنما هو شعلة من نار
عادت عليه الريح عند هبوبها ... فكأنه ريح البور يباري
والمثل يضرب في الحمير المهزولة بحمار طياب كما يضرب المثل في ذلك ببغلة أبي دلامة، وللناس فيه أشعار كثيرة، الجيد منها شعرا:
وحمار بكت عليه الحمير ... دق حتى به الرياح تطير
كان فيما مضى يسير بضعف ... وهو اليوم واقف لا يسير
شطر أولكيف يمشي وليس يعلن شيئا ... وهو شيخ من الحمير كبير
لمح القت مرة فتغنى ... بحنين وفي الفؤاد زفير
ليس لي منك يا ظلوم تعير ... أنا عبد الهواء وأنت أمير
ولخالد الكاتب:
وقائل إن حماري غدا ... يمشي إذا صوب أو اصعدا
فقلت لكن حماري إذا ... حثثته لا يلحق المقعدا
يستعذب الضرب فإن زدته ... كان من اللذة أن يرقدا
القول في الإبل
стр. 57
وهذا النوع ينقسم ثلاث أصناف عرابي، ويماني، وبختي فاليماني هو النجيب وينزل منها منزلة العتيق من الخيل، والعرابي كالبرذون، والبختي كالبغل، ويقال البخت ضأن الإبل وهو متولدة عن مني العرابي فقط فإن مني البختي ينجب فكأنه حصل له نصف بلية البغل، فأما النجيب فزعم من حكي قول الجاحظ أن في الإبل ما هو وحشي، وأنه يسكن أرض وبار وهي غير مسكونة، وقالوا ربما ند الجمل في الهياج فيحمله ما يعرض له منه على أن يأتي أرض عمان فيضرب في أدنى هجمة من الإبل، فالمهربة من ذلك النتاج، وتسمى الإبل الوحشية) الجوش (ويقولون: أنها بغايا إبل عاد وثمود، ومن أهلكه الله من العرب العاربة، وأما البخت منها ما هو مثل البراذين، ومنها يجمز جمزا، ويرقل ارقالا والجمز في الإبل كالخبب في الخيل، وحكى أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل أن أول من ريضت له الإبل على الجمز، أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، لما حجت، وقال الجاحظ: إذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز والبخت الكريمة، وفي البخت ماله سنامان في طول ظهره كالسرج، ولبعضها سنامان في عرض ظهره أحدهما ذات اليمين والآخر ذات الشمال، وقد يشق عن سنان البعير ويكشط جلده، ثم يجتث من أصله، كما يفعل بعض الناس ذلك بالكباش في قطع آلياتها إذا عظمت وعجزت عن النهوض بها، ويقول أصحاب السير لطبائع الحيوان أنه ليس شيء من الفحول مثل الجمل عند الهياج للسفاد من الازدياد، وسوء الخلق وهجران المرعى، وترك الماء حتى ينظم ايطلاوه، ويتورم رأسه، ويكون كذلك أياما كثيرة، وهو في هذا الوقت لا يدع إنسانا، ولا جملا يدنو منه، ولو حمل على ظهره حينئذ مع امتناعه عن الطعم ثلاثة أضعاف تحمله، وهو لا ينزو إلا مرة واحدة يقيم فيها النهار أجمع ينزل فيها مرارا كثيرة يجيء منها ولد واحد ويخلو في البراري حالة النزو ولا يدنو منه أحد غير راعية الملازم له، وذكره صلب جدا، إلا أنه من عصب، والأنثى تحمل أثني عشر شهرا، وتلقح إذا مضى عليها ثلاث سنين، وكذلك الذكر ينزو في هذه المدة ولا ينزو عليها إلا بعد أن تضع بسنة، وفيه من كريم الطباع أنه لا ينزو على أمهاته ولا أخواته، ومتى حمل على أن يفعل حقد على أن يفعل حقد على من يلزمه ذلك حتى يقتله، وليس في الحيوان من يحقد حقده، ومن حقده أنه يرصد من حقد عليه الفرصة والخلوة لينتقم منه، فإذا أصاب ذلك لم يبق عليه، وفي طبعه الاهتداء، والغيرة، والصولة، والصبر على الحمل الثقيل، ويقال: إن البعير إذا صعب وخافته رعاته، استعانوا عليه فركبوه، وعقلوه حتى يكومه فحل آخر، فإذا فعل ذلك ذل، والإبل تميل إلى شرب الماء الكدر الغليظ وهو الماء النمير، فهي أبدا إذا وردت من مياه الأنهار حركتها بأرجلها حتى تتكدر وهي من عشاق الشمس ولهذا ترى أبدا تضور إليها من أي جهة كانت من المشرق أو المغرب، ويعتري الجمل من الأمراض داء الكلب، فإذا أصابه ذلك نحر ولم يؤكل لحمه، والجمل يكون سنامه مثل الهدف فيكشط عنه جلده ويجتث من اصله بالشفار ثم يعاد عليه ويداوي فيبر ومن عجيب حاله أنه يقبض على أم غيلان، والسمر وعليها شكوك كصياصي البقر فيستمريء بها ويجعلها ثلطا ولا يقوى على هضم الشعير المنقع وهو يتعرف على النبات المسوم بالشم مرة واحدة عند رعيه، فيجتنبه ولا يغلط إلا في البيش وحده، ويعيش على ما زعم أرسطو ثلاثين سنة في الغالب وقد رأى منها ما عاش مائة سنة، ومن عجيب ما ذهبت عليه العرب في الإبل أنهم كانوا إذا أصاب ايبهم العر، كووا السليم ليذهب العر على السقيم، فهم سقموا الصحيح من غير أن يبرءوا السقيم وكانوا إذا كثرت إبل زحدهم، فبلغت الألف فقأوا عين الفحل، فإن زادت على الألف فقأوا عينه الأخرى، ويزعمون أن الفقأ يطرد عينهم العين.
الوصف والتشبيه
حكي عن بعض المعظمين من شأنها، ما اقتنعت العرب ما لا خيراً من الإبل، إن حملت أثقلت، وإن سارت: أبعدت، وإن حلبت أردت، وإن نحرت أشبعت، وما أظرف قول القائل:
جمال معيشة الساعي ... جمال تدمن الحركة
إذا بركت بباب الدار ... ألقت برجلها البركة
وصف سيرها، قال ذو الرمة يصف ناقة:
كأن راكبها يهوي بمنخرق ... من الجنوب إذا ما ركبها نصبوا
تشكو الخشاش ومجرى النستعين كما ... إن المريض إلى عواده
الوصب
стр. 58
وقال بشامة بن الغدير يصف ناقة أجدها السير:
كأن يديها إذا أرقلت ... وقد حرن ثم اهتدين السبيلا
يدا سابح جد في عومه ... وقد شارف الموت إلا قليلا
إذا أقبلت قلت مشحونة ... أطاعت لها الريح قلعا جفولا
إذا أدبرت قلت مذعورة ... من الربد تتبع هيقا ذمولا
وقال مسلم بن الوليد:
إلى الأمام تهادانا بأرجلنا ... خلق من الريح في أشباح ظلمان
كأن افلاتها والدهر يأخذها ... افلات صادرة عن قوس مرنان
وقال آخر وهو ابن المعتز:
خوص نواج إذا حث الحداة بها ... حسبت أرجلها قدام أيديها
وقال ابن المعتز:
وقفت بها عيشا تطير بزجرها ... ويأمرها وهي الزمام فترفل
طلوب برجليها يديها كما اقتضت ... يد الخصم حقا عند آخر بطل
والطريف المطبوع قول من قال من أبيات:
فسلي البيداء عن رجل ... يخصم الريح بثعبان
يريد بالريح الناقة وبالثعبان الزمام، ومن وصفها عقيب السير والسرى وقطعها البيداء ارقالا ونفحا في البر، قال سالم الخاسر من أبيات:
وكأنهن من الكلال أهلة ... أو مثلهن عواطف الأقواس
قود طواها ما طوت من مهمه ... نأى الصبا ومناهج ادراس
وقال أبو تمام حبيب بن آوس الطائي:
وبدلها السرى بالجهل حلما ... وقد أديمها قد الأديم
بدت كالبدر في ليل بهيم ... وآبت مثر عرجون قديم
مما وصف من ضمورها قول الخطيم الجزري وأجاد كل الإجادة وقال:
قد خمرت كأنها وخينها ... وشاء عروس حال منها على خصر
وقال ابن دريد في مقصورته:
خوص كأشباح الحنايا ضمر ... يرعفن بالأمشاج من جذب البرا
يرسبن في بحر الدجى وفي الضحى ... يطفون في الآل إذا الآل طفا
وقال عبد الله بن المعتز:
ترنو بناظرة كأن حجابها ... وقب أناف بشاهق لم يحلل
وكأن مسقطها إذا ما غرست ... أثار مسقط ساجد متبتل
وكأن آثار النسوع بدمها ... مسرى الأساود في كثيب اهيل
ويشد حاديها بحبل كامل ... كعسيب نخل خوصه لم ينخل
وعلى أثر ذكر السقط والمتبرك، فأحسن ما وقع في ذلك:
إذا بركت جرت على نقيانها ... مجافيه صلبا كقنطرة الجسر
كأن يديها حين تجري صفورها ... طريدان والرجلان كالبتا وفر
وعلى اثر ذكر الذئب فما أحسن ما وصفه أبو نؤاس حيث قال:
تثني على الحاذين ذا خصل ... تعماله الشذران والخطر
أما إذا رفعته شامذة ... فتقول رنق فوقها نسر
أما إذا وضعته خافضة ... فتقول أرخي خلفها ستر
وقد تطرق الشريف البياضي في قوله:
نوق ترها كالسفي ... ن إذا رأيت الآل بحرا
كتب الوجا بدمائها ... في مهرق البيداء سطرا
لا يشتكين من اللغوب ... إذا لا يعرفن زجرا
وير من سبق ظلالهن ... إذا المطي حسرا
فكأن أرجلهن تط ... لب عند أيديهن وترا
القول في طبائع البقر
قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: الفحل من هذا النوع ينزو إذا تمت له سنة من عمره، وهو الغالب، وقد ينزو لعشرة أشهر، وهو كثير المني، ومتى توقدت شهوته ولم يخص لم يذل قبل ولم يستكن، ولم يصح جسمه، والبقرة إذا ولدت تحدر لبنها من يومها ولا يوجد لها لبن قبل أن تضع، وكل إناث الحيوان أرق صوتا وأحد من ذكورها إلا البقر، فإن الأنثى أفخم وأجهر من الذكر، وقرونها أقوى، وهي تقلق لضرب الذكر، وتمشي تحته ولا سيما إذا أخطأ المجرى لصلابة ذكره، وهي إذا اشتاقت إلى السفاد تصعب وتنفر حتى لا يقوى الرعاة عليها، وتركب الذكور وتقف بين أيديها، وإذا نزى عليها بقيت عشرين يوما، وطلبت النزو مرة أخرى وهي تحمل تسعة أشهر، وضع في العاشر، فإن وضعت قبل هذا الوقت لا يعيش ولدها وربما وضعت اثنين، وإذا مات ولدها أو ذبح لا يسكن خوارها، ولا يدر لبنها ولذلك:
стр. 59
الرعاة يسلخون جلد ولدها ويحشونه، ويعلمون له قوائم تقف عليها بازائها لتدر له وتسكن، ويسمى هذا المثال) البو (، وفي طبع الذكر توفر الشهوة والاغتلام، فإذا صعب وامتنع كذلك على الرعاة ربطوا ركبته اليمنى بحبل صوف فيذل وينقاد، والأنثى إذا كان ولدها معها منعت منه السباع بقرونها أشد منع حتى تنجيه، أو تهلك دونه، والبقر يحب الماء الصافي ويختاره بضد ما يريده الخيل والإبل، وهي من الحيوان الذي يكون له قائد يتولى الحراسة والإيراد والإصدار، وهي من اقاطيعها تتألف فإذا جاء وقت هيجانها اقتتلت قتالا شديدا إن الواحد منها يريد أن يكون المستولي عليها ويقول أرباب الفلاحة: إن البقر تعرف الشتاء الشديد وتنذر به أهل القرية وذلك أنها تربض على جنبها اليمنى، وتديم شم الأرض، والثور والهرمتي لطخ منخريهما بدهن الورد هلك الهر وصرع الثور.
فصل
وبأرض مصر بناحية دمياط بقر يسمى بقر الخيس، وهي بقر رقاق طوال الرقاب قرونها كالأهلة، وبينها وبين سواها كما بين الغزال والغنم وفيها نفور ووحشية لا ينتفع بشيد منها غير اللبن وما يكون منه وهي وإن كانت وحشية فغنها مملوكة، ولها رعاة لكنها لا تعلف، ومأواها حيث يكون العشب والماء دائما ولهذا توجد إلا في جزائر بحر تنيسي، ورعاتها يسمون الإناث منها بأسماء متى دعيت بها إلى الحلب أجابت، إذا ولدت الأنثى وخفيت على راعيها مكان ولدها في حلقها جرسا وترصدها عند رجوعها من الرعي لتسقي ولدها فيستدل بحس الجرس على مكانه فإذا وقع به حمله إلى خصمه وارتبطه عنده فيغدو بعد ذلك إلى الرعي ويروح إليه، وتؤنس الفحول منها وتستعمل في السواقي ولكن بعد عناء وتعب شديد وممارسة لتفورها وعدم قبولها العلف لأنها في تعرفه، ولم تألفه فهم يجمعونها فتذل وتضطر للانقياد والأكل، وقال المسعودي: رأيت بالري نوعا من البقر يبرك كما تبرك الإبل وتثور بحملها كما تثور، والغالب عليه حمرة الحدق، وسائر البقر ينفر منه، وحكى ابن منقذ في كتابه أزهار الأنهار عن المدائني كأعراف الخيل، قال ابن منقذ: وأظنها الأبقار التي توجد فيها الراجم وسمعت من يقول أنها أبقار عمالة في بلاد يقال لها خم وتافة وبلجستان وهي ملونة بيض وسود وبلق، والبراجم تكون في رؤوس أذنابها وهي الكبار على كتفها وهي الصغار، وسمعت من يقول: أنها أبقار تخرج من الصين تلد وترضع، وكانت العرب إذا أوردوا البقر فلم تشرب أما للكدر وأما لقلته ضربوا الثور فيقتحم الماء لأن البقر تتبعه كما يتبع الشول الفحل قال شاعرهم في ذلك:
هجوني إذا هجرت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء
وكانوا يزعمون أن الجن هي إليّ تصد الثيران عن الماء حتى تهلك الأرض عطشا، وقال شاعرهم في ذلك:
لكا الثور والجني يضرب وجهه ... وما ذنبه إن كانت الجن ظالمة
الوصف والتشبيه
قال أحمد بن علوية الأصفهاني:
يا حبذا مخضها ورائبها ... وحبذا في الرجال صاحبها
عجولة سمحة مباركة ... ميمونة طفح. . . . محالبها
تقبل للحلب كلما دعيت ... ورامها للحلاب حالبها
فتية سنها. . . .. مهذبة ... معنف في الندى عائبها
كأنها لعبة مزينة ... تطير بها عجبا ملاعبها
كأن ألبانها جنى عسل ... يلذها في الإناء شاربها
عروس باقورة إذا برزت ... من بين أحبالها ترائبها
كأنها هضبة إذا انتسبت ... أو بكرة قد أناف غاربها
تزهى بروقين كاللجين إذا ... مسهما بالبنان طالبها
لو أنها مهرة لما عدمت ... من أن يضم السرور راكبها
وأنشدنا الأديب الفاضل شمس الدين محمد الموصلي) عرف بابن الجاووش (لنفسه وقد سألته أن يعمل في ذلك عملة حسنة فقال:
لله عجلة خيس ... صفراء ذات دلال
تريك عيني مهاة ... من تحت قرني غزال
قد سربلت باصيل ... وتوجهت بهلال
القول في طبائع الجاموس
وهو حيوان هندي، والفرس تجعله ضأن البقر، وتسميه) كلوميس (كأنهم قالوا ضأن بقري لأنهم وجدوا فيه شبه الكبش وكثيرا من مشابه الثور لأن الكباش ضربت في البقر فجاءت الجواميس.
стр. 60
قال الجاحظ: يزعم أن كل حيوان يلد حيوانا مثله لا يخلو أجناسه من المعز والضأن، فالجواميس عندهم ضأن البقر والبخت عندهم ضأن الإبل والبراذين ضأن الخيل، والجاموس شجيع شديد البأس وهو مع ذلك أجزع خلق من عض جرجسه وبعوضة واشد هربا منها إلى الماء وهو يمشي إلى الأسد رخي البال رابط الجأش، ثابت الجنان، ويقال: إن سبب إخراجها من معادنها هو أن الطريق الذي بين انطاكية ومصيصة كانت مسبعة فشكي ذلك إلى الوليد بن عبد الملك فحمل منها أربعة آلاف جاموس وجاموسة مما كان الحجاج بن يوسف بعث به لما فتح بلاط الزط) ومن أرض الزط (على يد محمد بن القاسم وجعل ألفي جاموس وجاموسة في آجام كسكر لما بنىواسط فهربت السباع حتى ما بقي منها شيء، وذكر الجاحظ: أن المعتصم أبرز للأسد جاموستين فغلباه ثم أبرز له جاموسة ومعها ولد فغلبته وحمت ولدها ومنعته، ثم أبرز له جاموسا واحدا فواثبه الأسد ثم أدبر عنه هذا الحيوان على غلظه وفدامته ذكي إذا رأى راعية الأسد صاح بإناثه يا فلانة بأسماء جعلها لها أعلاما على كل واحدة منها فتخرج إليه الجواميس التي في الآجام حتى يلقيها علي الزسد فتضع رؤوسها على الأرض وتمشي إليه، فإذا وثب على إحداهن قصدته بقرنيها فيقعان في جوفه فتقتله لوقته وفي طبع هذا الحيوان كثير الحنين لوطنه الذي يؤخذ منها فمتى هرب لا يعدوه، ويقال أنه لا ينام أصلاً لشدة حراسته لنفسه وأولاده، وإذا اجتمعت ضربت دائرة وتجعل رؤوسها إلى خارج تلك الدائرة وأذنابها إلى داخلها، والرعاة والأولاد من داخل فتكون الدائرة كأنها مدينة سورها صياحيها والذكور منها يناطح ذكرا آخر فإن غلب أحدهما الآخر دخل المغلوب جمة وأقام فيها حتى يعلم من نفسه أنه قد قوى ثم يخرج يطلب ذلك الجاموس الذي غلبه فيناطحه حتى يغلبه والغالب عليه القيام في الماء إلى خرطومه، ولهذا يجعله بعض المتكلمين في طبائع الحيوان مائيا أرضيا لسكناه الآجام. والغدران وإنما بفعل ذلك هربا من البعوض لأنه ينفذ جلده مع غلظه بخرطومه.
الوصف والتشبيه
قال الوزير أبو القاسم علي بن الحسين المعري من رسالة: وأما الجواميس فرسلها أقوى الألبان، وأغذاءها، ومسارحها أفره المسارح، وأعلاها لأنها أبدا خائضة في الغدران الصافية ومستظهرة بالأسلحة العادية، ولها من الرئاسة في العين الرائعة والعوامل النافعة، ما للبخت على العراب ومن القوة والصلابة، والشدة والنجابة ما للإبل الصلاب في الليوث العادية والسباع الضارية، ولها حق لكافة الجنسالذي تولت الرئاسة عليه والعمادة فيه، لأنها ألقت بالأنيس، ولم تضجر، وتوفرت على الخاصة فلم تقفر، ولعلها لو تدبرت تلك البراري، وظهرت إلى تلك الصحارى لما اشتغلت العرب من السوائح والبوارح إلا بها، ولا اتخذت أمثلة الزجر والعيافة إلا منها، ولكنها تكرمت على ذلك العيش المتيسر، واجتنت الأخبار في تخير ذلك البؤس المستمر، وإذا كانت البقر تضرب مشاهدتها فألا للسنين المقبلة، وينطق بذلك آيات القرآن المنزلة ويفسر على ذلك ما يرد منها في الأحلام الصادقة حتى كان من دلائل النبوة الصادقة فهذه بمثل ذلك أجدى، وبالتبرك عند مشاهدتها والتيمن بملاحظتها أولى وأشبه وقال بعضهم من أبيات:
وأما الجواميس فهي التي ... تفوق جميع ذوات الحلب
كأن الملم بأخلاقها ... ألم بملئ العوادي السرب
منيم الرعاة على أمنها ... ويسرح في كل عبء أشب
ويلقى الأسود بمثل الحراب ... فتلقى الأسود بهن الحرب
القول في طبائع الضأن
стр. 61
فصل الناس ما بين الضأن والمعز، فقالوا إذا ارتعت الضأنية والماعزة ينبت ما تأكله الضأنية، ولم ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضأنية تقرض ما تأكله باسنانها والماعزة تجذب بأسنانها من أصله، وقال أرسطو: الضأن رديء الشكل قليل العقل، ومن قلة عقله أن يكون في البراري في حضائر فإذا نزل الشتاء، وكثر المطر خرج منها إلى الفضاء والهواء، ويظن أن ذلك ينجيه من المطر، فإذا أصابه المطر خارجا عن الحضيرة لا يبرح عن مكانه، ولا يزول حتى يهلك ولا يكاد يتحرك إن لن تأت الرعاة إليه فتقدم ذكوره فإذا تقدمت تبعتها الإناث، وهي أكسل وأقل حركة من المعز، والمعز يدنو من الناس، ويحس بالبرد أكثر من الضأن، وإذا سمعت الرعد رمت ما في بطونها من ساعتها وهي تسمن من الماء، ولهذا الرعاة يطعمونها الملح بعد كل خمسة أيام إذا كان صيفا تشتد رغبتها في شرب الماء، وهي إذا سمعت دويا في المكان الذي يجمعها فيه التفت بعضها على بعض من الخوف، ومتى أسقيت في الخريف الماء الذي يصيبه ريح الشمال كان أوفق لها من الذي تصيبه ريح الجنوب وهي تهزل من التعب والطرف، ومن الرعايات فيما فضل الله به الضأن على الماعز، إن الله تعالى جعل الضأن مستورة العورة من قبله ومن دبره، والماعز بالضد من ذلك ويحلق بالضأن داء يسمى المجرى وهي أن تشرب الماء ولا تروى، وذلك من متأفه، قالوا ومن فضيلة الكباش أنها تناقف وتناطح الناس يرهنون على قتالها كما يرهنون على سباق الخيل، وقد جعل الله تعالى النماء والبركة، والعدد الضأن، وهي لا تلد في السنة إلا مرة واحدة وتفذ ولا تتئم.
فصل
ويقال: في هذا النوع أنه فيه ما هو وحشي، ويشمى كبش الجبل وخلقته خلقة الكباش الأهلية، وفي قدرها، وشكلها جلدا، وصوفا ووجها إلا أن قرونه جفاة جدا.
الوصف والتشبيه
لم أجد في هذا النوع إلا رسالة كتبها أبو الخطاب الصابي إلى الحسين ابن صبره جوابا عن بقعة وردت عليه في وصل حمل أهداه إليه: وصلت رقعتك ففضتها عن خط مشرق، ولفظ موفق وعبارة وصيبة ومعان غريبة واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته وسحيان في خطاباته وذكرت فيها جملا جعلته بصفتك جملا، وكان كالمعيدي أسمع به ولا أراه، وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد من نتاج قوم عاد قد أفنته الدهور وتعاقبت عليه العصور فظننته أحد لزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر ولطف في القدر فبانت دمامته وتقاصرت قامته وعاد نحيلا ضئيلاً باليا هزيلا بادئ السقام عادي العظام جامعا للمعايب مشتملا على المثالب يعجب العاقل من حلول الروح فيه لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، لا توجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقي اليد منه إلا خشبا، لو ألقي للسبع لأباه أو طرح للذئب لعافه وقلاه، وقد أطال للكلأ فقده وبعد المرعى عهده لم ير القت إلا نائما، ولا الشعير إلا حالما، وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر، أو أذبحه فيكون خصب الشهر، فملت إلى استبقائه لما تعلمه من محبتي في التوفير ورغبتي في التشهير، وجمعي للولد وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للغناء، لأنه ليس بأنثى فيحمل، ولا بفتى فينسل ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى، فملت إلى الثاني من رأيك وعملت بالآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وألقمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وحددت الشفار، وشمر الجزار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... إن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقال: وما الفائدة لك من ذبحي: وإنما كما قيل:
стр. 62
لم يبق إلا نفس خافت ومقلة إنسانها باهت ليس لي لحم يصلح للأكل، فغن الدهر أكل لحمي، ولا جلدي يصلح للدبغ، فإن الأيام مزقت أديمي، ولا صوف يصلح للغزل، فغن الحوادث قد حصت وبري، وإن أردتني للوقود فكف بعر أدفء من ناري، ولن تفي حرارة برائحة قتاري، ولم يبق إلا أن تطالبني بذهل أو بيني وبينك دم، فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في شورته، ولم أعلم أي أموره أعجب؟ أمن مماطلته الدهر على البقاء؟ أم من صبره على الضر والبلاء، أم من قدرتك عليه من أعواز مثله؟ أم من إتحافك الصديق ينفذ في المعز والضأن وكل حمل ثمين، وكبش بطين مجلوب إليك، وموقوف عليك بقول فيه، فلا يرد، وتردفه فلا تصد، وكانت هديتك هذا الذي كأنه انشر من القبور أو أقيم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديا، لو أنك رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت تهدي إلا كلبا أجرب أو قردا أحدب.
وللمريمي في هذا المعنى:
ليت شعري عن الخوف الهزيل ... ألك الذنب فيه أم للوكيل؟
جاءني في الزنبيل حيا وقد شد ... . . . قضى في الزبيل
لم أجد فيه غير جلد وعظم ... وذنيب له دقيق طويل
ما أراني أراه يصلح إذا أصبح ... رسما على رسوم الطلول
لا لشيء ولا لطبخ ولا بي ... ع ولا بر صاحب وخليل
اعجف لو مطفل نال منه ... لغدا تائبا عن التطفيل
القول في طبائع المعز
روى الجاحظ في كتاب الحيوان له، أحاديث كثيرة نوهت بقدرها وفخمت من أمرها منها أن رسول الله ﷺ قال: القحة في أهل الخيل والخباء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم، ومما ذكره في فضلها أنه كان في الأنبياء من رعي الغنم، ولم يرع أحد منهم الإبل، وعد منهم سعيبا، وداود، وموسى، وكان النبي ﷺ يرعى غنم خديجة، وروي أن رجلا دعا أبا ذر لطعام، فلما أكمل قال الحمد لله الذي أطعمنا الحمير وألبسنا الحرير، وأنه رأى عندهم شاة، فقال لصاحب المنزل هذه لك قال: نعم، قال: أطب مرامها واغسل رغامها، فإنها من دواب الجنة، وهي صفوة الله تعالى من البهائم، ومن بركتها أن أمرؤ القيس وصفتها في قوله:
إذا لم تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي
فتملأ بيتنا أقطأ وسمنا ... وحسبك من غني شبع وروي
قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان، والشاة تحمل بعد أن ينزى عليها ثلاث مرات أو أربع مرات، وإن وقع مطر بعد النزو نقض حملها، وهي تحمل خمسة أشهر مرة واحدة في السنة، فإن كانت ترعى في أماكن دافئة وكان مرعاها مخصبا تضع مرتين في السنة، ومنها ما تضع إناثا، ومنها ما تضع ذكورا، وذلك يعرض من قبل الأماكن أيضا، ومنها ما يفذ ويتئم، وما تضع ثلاثا أو أربعا، وفي طبع الشاة أنها من الذئب أشد فرقا من الأسد، وإن كانت تعلم أن الأسد يأكلها، ومن شدة فرقها منه، لو رأت الأسد والنمر، والنسر لما عبئت بها ولا خافتها، وليس ذلك من تجربة ولا لأن منظر الذئب أشنع، وأهيب لكن لما فطرت عليه، ومن شأنها إذا ظفر بها الأسد مانعته عن نفسها حتى ربما اضطرت الأسد إلى أن يجرها إلى عرصته فأما الذئب إذا أخذها عدت معه حتى لا يكون عليه مؤونة والتيس من شدة الغلمة التي فيه لا يعرض للنعجة من الضأن، وكذلك الكبش من الضأن لا يعرض للشاة حتى كان ذلك موادعة بينهما فلهذا لا يقع بين هذين الجنسين المتقاربين تلاقح ونتاج البتة كما يقع بين البخاتي والعراب، وبين الخيل والبراذين، والخيل، والحمير، وفي الماعز ما يعلم التعليم والتلقين، والحكاية، وتسمى بمصر لفرط ما يصدر عن ذلك) أبا العجب (، وقال أرسطو: والمعز كالضأن في البله، وذلك أنها لا تنبعث إلا إذا أخذ الراعي بناحية واحد مهما فأن لم يفعل وقفت كأنها تائهة لا تهتدي إلى طريق، والذكر من هذا النوع كالكلب يفرح ببوله فيرده في خيشومه، وهو من أحر البول وأنتنه، والمثل يضرب بنتن رائحة التيوس، والعجب من نتن ريحة مع تخلخل شعره، وبرودة جلده وجفوف عرق. . . . بدنه ونتنه في الصيف كنتنه في الشتاء، وقال الجاحظ وذكر كل شيء أتم حسنا من أناثه خلا هذا النوع.
الوصف والتشبيه
قال بعض الشعراء فيها:
راحت اصيلانا كأن ضروعها ... دلاء وفيها وائد القرن ليلب
له رعثان كالسوف وغبرة ... شريح ولون كالوديلة مذهب
стр. 63
وعينا احم المقلتين وعصمة ... تثنى وصلها دان من الظلف مكتب
إذا واجه من محرف الضأن اربلت ... عطاها كما يعطوني ذرى الضأن فرهب
ترى ضيفنا يأتي يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتوجب
طرائف من الوصف بالهزال، والمشهور مما وقع في ذلك ما وصف به الحمدوني شاة أهداها له أبو محمد سعيد بن أحمد جاء منها شعرا:
أسعيد قد أعطيتني أضحية ... مكثت عندكم زمانا لا تطعم
نضوا تغامزت الكلاب بها وقد ... نذرت عليها كي تموت فتؤلم
وإذا الملأ ضحكوا بها قالت لهم ... لا تهزؤا بي وارحموني ترحموا
وقف الهوى حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم
وقال آخر:
أبا سعيد لنا في شأنك العبر ... جاءت وما إن لها بول ولا بعر
وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر
لو أنها أبصرت في نومها علفا ... غنت له ودموع العين تنهمر
يا مانعي لذة الدنيا بما رحبت ... إني ليقنعني من وجهك النظر
ولآخر:
لسعيد شويهة ... سلها الضر والعجف
وقد تغنت وأبصرت ... رجلا حاملا علف
بأبي من بكفه ... برء دائي من الدنف
فأتاها مطعما ... فأتته لتعتلف
فتولى وأقبلت ... تتغنى من الأسف
ليته لم يكن وقف ... عذب القلب وانصرف
الباب الخامس
في طبائع الحشرات والهوام
ويسمى مجموعها ابن أبي الأشعث الحيوان الأرضي لأنه لا يمكنه مفارقتها إلى الهواء، ولا إلى الماء وهو منجحر فيها ويركن في بطنها، وإن سعى على الأرض لا يضطر إلى شرب الماء ولا يحتاج إلى شم النسيم ما دام لابثا في بطنها، لأنه يغتذي منها، وإن كان متنفسا فتنفسه من البخارات التي تتولد في احجرته، وهذا البخار قريب من طبيعة الماء وهو أبرد الحيوان مزاجا، وأثبته وأشده ذعرا، واستيحاشا وخوفا من الناس وضروبه: الأفاعي والحيات، والجرذان، البرية والأهلية، والخلد، واليربوع والضب، والحرذون، والقنفذ، والعقرب، والخنفساء، والوزغ، والنمل، وضروب غير ذلك وإنما ينبغي أن نبدأ من أشهرها وأضرها.
القول في طبائع الحيات
стр. 64
وإنما بدأنا بها لأنها تنزل منزلة السباع من هذه الأصناف إذ هي آكلة للحم، ومن ذوات الأنياب، وما فيها من العداوة للإنس، وسميت حية لأنها تحوت أي اجتمعت، ويطلق على الذكر ولأنثى، يقال حية ذكر، وحية أنثى وهي أصناف كثيرة لا تحصى وشرها الأفاعي، ومساكنها الرمال والجبال، ويضرب المثل فيها بأفاعي سجستان ومن التهويل في أمرها، ما حكاه ابن شبرمة: أن أفعى منها نهشت غلاما في رجله فانصدعت جبهته، ويحكى أن شبيب من شيبة دخل على المنصور فقال يا شبيب أدخلت سجستان فإنه بلغني أنها محواة أي كثيرة الحيات قال: نعم يا أمير المؤمنين، وقد دخلتها، قال: فصف لي أفاعيها، فقال: هي دقاق الأعناق صغار الأذناب مفلطحة الرؤوس رقش برش كأنما كسين أعلام الحبرات كبارهن حتوف وصغارهن سيوف قال أرسطو: وليست الأفعى من الحيوان الذي يلد حيوانا مثله وإن خرج من بطنها أولاد إنما ذلك لتكسر البيض بتلويها وتجمعها في بطنها فيتوهم من راى ذلك أنها تلد، وليس الأمر كذلك، ومن الأفاعي ما تتسافد بأفواهها، فإذا أعطى الذكر الأنثى وقع كالمغشي عليه فتعمد الأنثى إلى مواضع مذاكيره فتقطعها نهشا فيموت من ساعته فإذا بلغ بيضها لم يكن له مخرج لضيق مكان الولادة فتبقى في بطنها حتى تخرج الأولاد فتشقه ويخرجن وتموت الأم من ساعتها فيكون طلبها للولد هلاكا لها وللذكر، وذكرها يسمى الافعوان يأتيها أيام الصراف، فيصوت بها فتأتيه، وبيض الحيات مستطيل أكدر اللون، وأخضر وأصفر وأسود وأشقر وارقط، وفي بعضه نمش ولمع ولم يعرف السبب في اختلاف ذلك، وأما داخله فشيء أسمج من الصديد وأقذر، وهو في جوفها منضد طولا على خيط واحد، وليس للحيات سفاد معروف ينتهي إلى عمله وليس عند الناس في ذلك إلا الذي يروى عن ملاقاة الحيات والتواء كل واحد منهما على صاحبه حتى كأنهما زوج خيزران مقلود، والحية مشقوقة اللسان، ولذلك يظن بعض الناس أن لها لسانين وهي واسعة الشجر، ولها خطم، ولذلك ينفذ نابها، فلو كان لرأس الحية عظم لكان اشد لعظها ولكن جلد ينطبق على عظمين مستطيلين، وتوصف بالنهم والشره لأنها تبتلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، ومن شأنها أنها إذا ابتلعت شيئا فيه عظم أتت جرم شجرة أو حجرا شاخصا فتنطوي عليه انطواء شديدا فيقظم حتى يصير رفاتا، ومن عاداتها أنها إذا نهشت انقلبت فيتوهم أنها فعلت ذلك لتفرغ سمها، وليس الأمر كذلك، وإنما في نابها عضل فإذا عضت استغرق إدخال الناب كله، وهو أعضل، فيه شبه بالشص فإذا انقلبت كان أسهل لنزعه، وأسلس لسله، وفي طبعها أنها إذا لم تجد طعما تعيش بالنسيم وتقتات به الزمن الطويل، وتبلغ الجهد من الجوع فلا تأكل إلا لحم الشيء الحي، وربما بقيت أربعة أشهر في الشتاء صابرة على الجوع لا تغتذي بشيء البتة، وهي إذا هرمت صغرت في بدنها وأقنعها النسيم ولم تشتهي الطعام ومن عجيب أمرها أنها لا تطلب الماء ولا تريده لغلبة الأرضية عليها ولهذا تصبر على الغذاء مدة طويلة لأن حرارتها لا تسرع بتحليل مادتها لقلة الحرارة وغلط المادة وهي لا تضبط نفسها عن الشراب إذا شمته لما في طبعها من الشوق إليه إذا وجدت شربت منه حتى تسكر، وربما كان السكر سبب حتفها، لأنها إذا سكرت خدرت. والذكر من الحيات لا يقيم في الموضع الواحد وإنما تقيم الأنثى على بيضها بقدر ما يخرج فراخها وتقوم على الكسب ثم تخرج سائرة فمتى وجدت حجرا دخلته واثقة بأن ذلك الساكن فيه بين أمرين إما أن يقيم فيصير طعاما، وأما أن يهرب فيصير الجحر لها، ولهذا يضرب بها المثل في الظلم فيقال: أظلم من حية، وعين الحية لا تدور في رأسها، وكذلك عين الجرد كأنها مسمار مضروب وعينيها لا تنطبق، وإن قلعت عادت وكذلك نابها إن قلع عاد بعد ثلاثة أيام وكذلك ذنبها إن قطع عاد، وفي طبعها أنها تهرب من الرجل العريان، وتفرح بالنار وتطلبها وتعجب بها، وباللبن، ومتى ضربت بالقصب الفارسي ماتت وإن ضربت بسوط قد مسه عرق الخيل ماتت، وتذبح حتى تغري أوداجها فتبقى أياما لا تموت، ويقال: إنها لا تموت حتف أنفها إلا أن تقتل أو تصاد فتبقى في جوف الحواوين تذللها الأيدي وتكره على الطعم في غير أرضها حتى تموت أو تحملها السيول في الشتاء وزمن الزمهرير فتموت إذا صردت، والحية تسلخ كل عام قشرا عن جلدها في أوان الربيع والخريف، وتبتدئ بالسلخ من عيونها ثم من رؤوسها ويتم
стр. 65
سلخها في يوم وليلة، وإذا هرمت وارتخى جسمها، وعجزت عن سلخه أدخلت نفسها بين عودين أو في صدع ضيق حتى تنسلخ ثم تأتي إلى عين ماء فتنغمس فيه فيشتد بذلك لحمها، ويعود إلى قوته وشدته، وليس في الأرض شيء مثل جسم الحية إلا والحية أقوى منه بدنا أضعافا، ومن قوتها أنها إذا دخل صدرها في حجر أو صدع لم يستطع أقوى الناس - وقد قبض على ذنبها بكلتا يديه - أن يخرجها لشدة اعتمادها وتعاون أجزائها، وليست بذات قوائم وإنما تنساب على بطنها وليست لها أظافر ومخاليب واضلاف تتشبث بها وتعتمد عليها وربما انقطعت في يدي الجاذب لها وإنما اشتدت فقر ظهرها هذه الشدة لكثرة أضلاعها فإن لها ثلاثين ضلعا، وليست بذات قوائم، وإنما تنساب على بطنها فهي تدفع أجزاءها وتعاونها حركة الكل من ذات نفسها دليل على إفراط قوة بدنها، وذلك مشاهد في صعودها وسعيها خلف الرجل الشديد الحضر وعند هربها منه حتى تفوت وتسبق وهي تعيش في الماء إن صارت فيه) وتعيش في البر بعد أن يطول مكثها في الماء وصارت مائية (، ومن أصناف الحيات ما هو أزعر وذلك الغالب وفيها ما هو ازب ذو شعر، ومنها ذوات قورن، وأرسطو يقول: إنما تجعل ذوات قرون على طريق المجاز والاستعارة، وإنما ذلك يظهر بروز شيء جاس في رؤوسها شبيه بالقرون، ومنها ما هو أحمر، ومنها صنف يمسي الشجاع يواثب الإنسان ويقوم ذنبه، وربما طار العصفور فيظنه غصنا أو عود منصوبا ليستريح عليه من كثرة الطيران فإذا استوى عليه ابلعته، ومنها ما يسمى الأسود وهو إذا كان مع الأفاعي في جونة وجاع يبتلعها وبلعه لها قبل رؤوسها ومتى رام ذلك من غير جهة الرأس عضته فقتلته، وأشر ما يوجد من هذا الصنف بمصر في أرض الزرع وهي أرض سوداء إذا نزل عنها النيل تصدعت وتشققت شقوقا عظيمة لما يستولي عليها من اليبس، وهذا الصنف يعظم جدا فإذا رأى الإنسان قصده فإن كان في الإنسان يقظة أخذ حذره منه وقاتله إن كان معه سلاح وهو في قتاله كالشجاع المراوغ المخاتل، أو لاعب الشطرنج يقصد من مقاتله جهة فإذا رآه قد اشتغل بحفظها منه نهشه في غيرها، ونهشه والكفن في الحين الذي يفوت طبق الجفن على الجفن، ومن أصنافها ما يسمى أصلة وهو عظيم جدا وله وجه كوجه الإنسان، ويقال أنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف السنين، يقتل بالنظر، ومن عجائب ما حكاه المؤرخون أنه أخرج من خزائن المستنصر بالله العبيدي بيضة محلاة بالذهب فجعل الناس يتعجبون من تحليتها فاستخبروا المستنصر عنها فقال أنها بيضة حية كان بعض الملوك أهداها لجدي القائم بأمر الله تعالى.
стр. 66
الوصف والتشبيه
ومن الأوصاف المهولة قول بعض الأعراب:
وحنش يردي الورى بالحس ... موكل تبرحات النفس
ينفر عن مأواه كل جنس ... ذي هامة مثل سراه الترس
وقامة مثل قضيب الغرس ... وعين فتخاء وناب نمس
أو تسعة مطفورة بجلس ... وجلدة شبيهة بطرس
طليته بالجص أو بالورس ... ثم رقمت فوقه بالنقس
يلين لو أمكن للمجس ... لكنه يقتل قبل اللمس
وقال آخر في ذلك:
أفعى زحوف الليل مطراق البكر ... داهية قد صغرت من الكبر
صل صفا لا ينطوي من القصر ... طويلة الاطراق من غير خفر
كأنما قد ذهبت بها الفكر ... شقت لها العينان طولا في شفر
مهروتة الشدقين حولاء النظر ... تفتر عن عوج حداد كالإبر
جاء بها الطوفان أيام زجر
وقال آخر من أبيات:
فإذا بداهية كأن حفيفها ... بين النمام حفيف ليث خادر
شزا مسخرة الجفون كأنما ... ترنو الينا من قليب غائر
صل يعرفها الزمان فأصبحت ... دون الذراع وفوق شبر الشابر
فإذا رأيت، رأيت خوط أراكة ... وإذا فرعت فرعت قرني قادر
صما لو نفخت ثبيرا نفخة ... لانساح أو لهوى هوي الطائر
جعلت حماما للنفوس وآية ... للسائلين وغيره للناظر
وقال النابغة الجعدي:
أفعى به تسطو اكف الدهر ... على ذوي الكيد وأهل المكر
تري المنايا حيث سار تسري ... عيناه حمراوان ذات طمر
كأنه مكتحل. . . . بجمر ... ذو هامة منحوتة من صخر
وجلدة مسلوخة من نمر ... وخطفة مخلوقة من نسر
وذو فم رحب شديد الفغر ... أنيابه مثل ظفور الصقر
له خطوط عدلت في الظهر ... سود كأن خططت بحبر
أنفاسه في سبرات القر ... يحدث في الحر شديد الوغر
يعدم وجه الأرض حسن الدهر ... كأنها ما بللت. . . بقطر
وقال آخر يصف حية وبالغ في التهويل:
لا ينبت العشب في واد به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر
جرداء سافكة الأنياب ذابلة ... ينبو من اليبس عن يافوخها الحجر
لو شرحت بالمدى ما مسها بلل ... ولو تكنفها الحاوون ما قدروا
قد جاهدوها فما قام الرفاة لها ... وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا
يكبر لها الورل العادي إذا نفخت ... جبنا ويهرب عنها الحية الذكر
وقال خلف الأحمر من أبيات:
كأنما لبست بأعلى جسمها ... بردا من الأثواب انهجه البلى
في عينها قبل وفي خيشومها ... فطس وفي أنيابها مثل المدى
وقال أشجع السلمي:
وحنش كحلقة السوار ... غايته شبر من الاشبار
كأنه قضيب ماء جار ... يفتر عن مثل تلظي النار
وقال آخر وأجاد:
أرقم كالدرع فيه وشم ... منمنم الظهر واللبان
يزحف كالسيل من قلاع ... كأن عينيه كوكبان
يهمش ما مس من نبات ... ويجذب النفس بالعنان
كأن ألحاظه فضا ... ليس لخلق به يدان
قال عبد الله بن المعتز:
انعت رقشاء لا يحيى لديغها ... لو قدها السيف لم يعلق به بلل
تلقي، إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنه كم درع قده بطل
وقال أبو نصر عبد العزيز بن بنانه وأجاد كل الإجادة:
إذا عرس السارون في بطن دابق ... فسر وتعوذ من شرار الطوائق
ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا ... اغيبر يأوي في صدوع الشواهق
سالم ركبان الطريق نهاره ... إلى الليل محنو لاحدى البوائق
يقصر عن يافوخه حين تنطوي ... حقيبة مملوء من السم زاهق
كأن بقايا ما سدى من قميصه ... على متنه اقواف برد سبارق
يبادره الحارون إذ يبصروا به ... تسارق عيناه لحظ المشارق
ودون الذي يرجون من سقطاته ... حفيظه مسنون اللحاظ مراحق
يطول إذا ما طلته الكيد سادر ... جرى إذا ما بدهته في الحقائق
ولم أقف فيما طالعت على أظرف ولا أطرب، ولا أعجب، ولا أغرب من قول أبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي يصف حبابا رآه في روض معشب شعرا:
مثل الحباب بمنحاه ذؤابة ... خفاقة حيث الثريا أكفال
وانساب ثان معطفيه كأنه ... هيمان نشوان هناك مذال
стр. 67
اوطل أسمر باللوى متأطر ... عطفت جنوب منه وشمال
فلم أدر هل يزهى فتخطر نحوه ... أم لاعبت أعطافه الجريال
بيد الهجيزة منه سوط خافق ... وبساق ليلة صرصر خلخال
رزت عليه حبرة موشية ... بمقتله اخت لها أسمال
مزق كما ينقد في يوم الوغى ... عن لبتي مستلم سربال
ألقى به منها هنالك درعه ... بطل وجرد سيفه مختال
القول في طبائع الورل
قال عبد اللطيف البغدادي في كتاب الحيوان له، الورل، والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ كلها متقاربة متناسبة في الخلق، فأما الورلوهو الحرذون، فزعم أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: أنه ليس في الحيوان أكثر سفادا منه ولا أبطأ فيه، وهو ألطف من الضب، وأقوى براثا منه، وربما خرش بينهما فيغلب الورل الضب فيقتله لكنه إذا قتله لا يأكله كما تفعل الحية، وهو لا يتخذ بيتا لنفسه، ولا يحفر اتقاء لبراثنه، بل يخرج الضب من حجره صاغرا ويستولي عليه، وإن كان أقوى براثنا منه لكن الظلم يمنعه من الحفر، ولهذا يضرب المثل به في الظلم كما يضرب بالحية، فكلما يلقى ذو جحر من الحية يلقى مثله من الورل ويكفي من ظلمه أنه يغتصب الحية جحرها، ويبتلعها، وربما قتل فوجد في بطنه الحية العظيمة، وهو لا يبتلعها حتى يشدخ رأسها، ويقال: إنه يقاتل الضب على معنى الصائد والطالب، والضب يقاتله على معنى الحرج، والجاحظ يقول: الحرذون غير الورل وصفته أنه دويبة تكون بناحية مصر مليحة موشاة بألوان كثيرة ونقط، لها كف ككف الإنسان مقسومة أصابعها إلى الأنامل.
وأما الضب فيقال: إن له نزكين، وللضبة فرجين، كمال للورل والحرذون ويحكى أن أبا حية سئل عن ذكر الضب فزعم أنه كلسان الحية أصل واحد وله فرعان، والضبة إذا أرادت أن تخرج بيضها حفرت في الأرض أدحيا، ثم رمت البيض فيه، وطمته بالتراب وتعاهدته كل يوم حتى يخرج وذلك في أربعين يوما، وهي تبيض سبعين بيضة، وأكثر، وبيضه شبيه ببيض الحمام، ويخرج الحسل وهو الفرخ من البيضة مطيقا للكسب، والضب يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحديق في الشمس، وهو يغتذي بالنسيم ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم، وقلة الرطوبات ونقص الحرارات، وبينه وبين العقارب مودة وهو يهبها في جحره لتلدغ المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، وقد أعطي في ذنبه من القوة نحو ما أعطيت العقارب في حمتها فربما ضرب به الحية فقطعها، ولا يتخذ جحره إلا في كرية جبلية خوفا من السيل والحافر، وكذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، لحفره في الصلابة وفي طبعه النسيان، وعدم الهداية، وبه يضرب المثل في الحيرة، ولذلك يتخذ جحره عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه إذا خر يطلب الطعم منه، ويوصف بالعقوق وبه يضرب المثل في ذلك لأنه يأكل حسوله، وهو إذا أراد أكلها وقف لها من جحره في موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم بدأ فأكل منها حتى يشبع، وقد أشار بعض الشعراء إلى هذا في قوله يهجو:
أكلت بنيك أكل الضب حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد
وبعض المتكلمين في طبائع الحيوان ينكر ذلك، وإنما الضبة إذا دفنت بيضها يحفر عنها الظربان والثعلب فيأكلها، والضب طويل العمر وهو من هذه الجهة مناسب للحيات والأفاعي، ومن مناسبته لها أنه إذا هرم وعجز عن الحركة يبلع بالنسيم، وغني به عن الطعم والشرب، وفي طبعه أنه يرجع في قيئه، ويأكل بعره، وهو طويل الذماء بعد الذبح وهشم الرأس، ويقال أنه يمكث بعد الذبح ليلة ثم يقرب من النار فيتحرك.
قال بعض الشعراء يصفه وذكر أرضا:
ترى ضبها مطلعا رأسه ... كما مد ساعده الاقطع
له ظاهر مثل برد الوشى ... ويظن كما حسر الأصلع
هو الضب ما مد سكانه ... فإن ضمه فهو الضفدع
стр. 68
وأما الحرباء: فدويبة أكبر من العظاية، اغيبر ما كان فرخا ثم يصفر، وهو يأوى الجحر، ولهذا جعلت له الأصابع والأظفار لنبش التراب، ويكون لونه أسود كالتمساح، وأصفر كسام وابرص ومختلط الألوان، كالفهد وهو في الشمس كثير التلون، فإذا انتقل إلى الظل قل تلونه، وإذا قارب الموت أو مات اصفر، وهو أبدا يطلب الشمس فحين تبدو نحا بوجهه إليها حتى إذا أرمضت الأرض علا رأس شجرة وما يجري مجراها، وذلك عند انتصاف فإذا زالت وصارت على رأسه في قبه وغاب عنه جرمها فلا يراه أصابه مثل الجنون فلا يزال طالبا لها لا يفتر إلى أن يتصوب إلى جهة المغرب، فيرجع بوجهه إليها مستقبلا لها لا ينحرف عنها إلى أن تغيب، فإذا غابت ذهب يطلب معاشه ليله كله إلى أن يصبح، حتى إن طائفة من المتكلمين في طبائع الحيوان يقول: إنه مجوسي، ولسانه طويل جدا مقدار ذراع، وذلك دليل على أنه يكون مطوبا في حلقه، وهو يبلغ به ما بعد عنه الذباب، والأنثى من هذا تسمى أم حبين، وتوصف بالحزم مع تقلبه مع الشمس لا يرسل يده من خوط حتى يمسك بالأخرى خوطا آخر بيده الأخرى وفيه يقال:
أنى أتيح له حرباء تنضبه ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا
وكتب بعض الفضلاء إلى بعض أصدقائه رسالة يحثه فيها على الحزم والانفة والتغرب عن وطنه إذا نبأ عنه: اعجزت في الاباء عن خلق الحرباء، أدلى لسانه كالرشاء، يبلغ به ما يشاء، وناط همته بالشمس، مع بعدها عن اللمس وانف من ضيق الوجار، ففرخ في الأشجار وسئم العيش المسخوط، فاستدبل خوطا بخوط فهو كالخطيب على الغصن الرطيب.
وإن صواب الرأي والحزم لامرئ ... إذا بلغته أن لا يتحولا
الوصف والتشبيه
لم يأت أحد من الشعراء في وصف هذا الحيوان بمثل ما أتى به ذو الرمة:
كأن يدي حربائها متشمسا ... يدا مجرم يستغفر الله تائب
وقال أيضا في ذلك:
إذا جعل الحرباء يبيض لونه ... ويحضر من لفح الهجير غباغبه
ويشبح بالكفين شبحا كأنه ... أخو فجره عالى به الجذع صالبه
وقال أيضاً يصفه ويذكر هاجره:
يصلي بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذع إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي وقت الضحى يتنصر
وأما العظاية: وتسمى شحمة الأرض، وشحمة الرمل، وهي أنوع كثيرة منها الأبيض، والأحمر، والأخضر، وكلها منقطات بالسواد، وهذه الألوان بحسب مساكنها فإن منها ما يسكن الرمال، ومنها ما يسكن قريبا من الماء والعشب وما يألف الناس، وقال أرسطو العظاية تبقى في جحرها زمن الشتاء أربعة أشهر لا تطعم شيئا، وفي طبعها محبة الشمس وتتصلب فيها، ومن خرافات الحكايات أن السموم لما فرقت على الحيوان المسموم احتبست العظاية عند التفرقة، حتى نفذ السم وأخذ كل حيوان قسطه على قدر السبق والبكور، فلم يكن لها فيه نصيب، داخلها من الحسرة والكرب ما جعلها تسكن في المزابل والخرابات وفي طبعها أنها تمشي سريعا ثم تقف كالمتحير، ويقال: إن ذلك لما تعرض لها من التفكر والأسف على ما فاتها منه.
وأما الوزع: وتسمى سام ابرص، فذكر أصحاب الآثار: إنه أصم، وادعوا أن السبب في صممه وفي برصه أن الداوب كلها حين ألقي إبراهيم ﵇ في نار النمرود كانت تطفئ عنه، وإن هذا كان ينفخ عليه فصم وبرص وفي طبعه أنه لا يدخل شيئا فيه زعفران، والحيات تألفه كما تألف العقارب والخنافس، وهو يطاعمها ويزاقها، وهو يقبل اللقاح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيات، وزعم زرادشت أن سام ابرص من ذوات السموم، ونصيبه من السم نصيب مقتصد لا يكمل بأن يقتل، ومتى دبر سام ابرص جاء منه سم قاتل، وفي تركيبه أنه إذا قتل ووضع على جحر حية هربت منه ولم تأوه وهو يقيم جحره زمن الشتاء أربعة أشهر لا يطعم شيئا البتة.
؟ القول في طبائع القنفذ
стр. 69
وهو صنفان قنفذ ويكون بأرض مصر في قدر الفأر، ودلدل ويكون بأرض الشم والعراق في قدر الكلب القلطي، والفرق بينهما كالفرق بين الفأر والجرذ، والذر والنمل ويقول الباحثون عن طبائع الحيوان أنه يسفد قائما وظهر الأنثى لاصق بظهر الذكر، والأنثى تبيض خمس بيضات، وليس هو بيض بالحقيقة بل هو على صورة البيض، تشبه اللحم، وفي طبعه أنه يجعل في جحره بابين أحدهما من جهة الجنوب، والآخر الشمال، فإذا هب الريح الجنوب سد باب جهتها، وفتح باب جهة الشمال، وإذا هبت الشمال سد باب جهتها وفتح باب جهة الجنوب، وبصره في الليل أكثر من النهار، ويستأنس في البيوت ويختفي أياما حتى يؤنس منه ويعود يظهر) ولا يدري أين كان (وقد الهم أنه متى جاع صعد الكرمة منكسا وقطع العناقيد ورمى بها ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق، وإن كان له فراخ تمرغ على الباقي فيشتك في شوكه بعد تفريطه من عوده، وذهب به إلى فراخه، وهو لا يظهر إلا ليلا، ولذلك يشبه بالنمام والماحل وقال عبدة بن الطيب وذكر نمامين:
قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمرغ
وهو مولع بأكل الأفاعي، ولا يبالي أي موضع قبض من الأفعى إن قبض على رأسها أو على قفاها فذلك من أسهل الوجوه، وإن قبض على وسطها أو على ذنبها جذب ما قبض عليه واستدار وتجمع ونفخ سائر بدنه فمتى فتحت فاها لتعض شيئا منه تلقاها شوكه الذي في جسده فهي تهرب منه، وطلبه لها، وحرصه عليها على حسب هربها منها وضعفها عنه، وإذا صادفت الأفعى مراق بطنه حتى لدغته أكل الصعتر البري فيبرأ.
والدلدل إذا رأى ما يكرهه انتفض فتخرج منه شوك كالمداري تجرح ما تصيبه، وزعم أصحاب الكلام في الطبائع أن شوكه شعر وإنما لما غلط البخار واشتد غلطه، وغلب عليه اليبس عند صعوده من السام صار شوكا.
الوصف والتشبيه
قال الأمير شمس الدين أبو المعالي قابوس بن وشمكير من رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه وقد أهدى له دلدلا: قد أتحفتك يا سيدي بعلق نفيس وتحفة رئيس، يعجب المتأمل من أحواله ويحار الناعت في أوصافه وأعماله، ويتلبد المعتبر في آياته، ويكل الناظر في معجزاته، فما يدري ببديهة النظر والفؤاد، أمن الحيوان هو الجماد؟ حتى إذا أمعن متدبره النظر في تعظمه والفحص عن اكمل شروطه علم أنه كمي، سلاحه في حضنه، ورام سهامه في ضمنه، ومقاتل رماحه على ظهره، ومخاتل سره خلاف جهره، يلقاك بأخشن من حد السيف ويستتر بألين من دبر الخيف متى جمع أطرافه وضم إليه أصوافه حسبته رابية ناتية، أو قلعة بادية وهو أمضى من الأجل، وأرجى من بني ثعل إن رأته الأراقم رأت حتف أنفها، أو عاينته الاساود أيقنت بفناء جنسها، صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه، وفارس ظلام لا يخاف من حنادسه، فيه من الضب مثل، ومن الفأر شكل، ومن الورل نسب، ومن الدلدل سبب، ومن أوابده أنه يسود إذا هرم وشاب، ويصير كأكبر ما يكون من الكلاب.
وقال أبو محمد اليزيدي يذكر قنفذا رآه فأطعمه وسقاه:
وطارق ليل جاءنا بعد هجعة ... من الليل إلا ما تحدث سامر
قريناه صفو الزاد حين رأيته ... وقد جاء خفاق الحسى وهو سادر
جميل المحيا في الرضا فإذا أتى ... حمته من الضيم الرماح الشواجر
ولست تراه واضعا لسلاحه ... مدى الدهر موتورا ولا هو واتر
وقال آخر من أبيات يرثيه فيها ويصفه:
عجبت له من شبهم متحصن ... نبيل من السرد المضاعف يمرق
وأنى اهتدى سهم المنية نحوه ... وفي كل عضو منه سهم مفوق
ولو كان كف الدهر يستخشن الردى ... لكان بكف الدهر لا يتعلق
وقال أبو بكر الخوارزمي يصفه:
ومدجج وسلاحه من نفسه ... شاكي الدوابر أعزل الاقبال
يمسي ويصبح لم يفارق بيته ... ولقد سرى عددا من الأميال
وتراه يكمن بعضه في بعضه ... فتطيشعنه أسهم الأهوال
عيناه مثل النقطتين وخطمه ... يحكي ثدي رضاعة الأطفال
وكأن أقلاما غرزن بظهره ... مس المداد رؤوسها ببلال
تتهارب الحيات حين يرينه ... هرب اللصوص رأت سواد الوالي
فكأنه الخنزير إلا جلده ... وصياحه وتقارب الأوصال
؟ القول في طبائع ابن عرس
стр. 70
وهذا الحيوان مليح الصور موثق الخلق جديد النفس شجيع فطن ويوجد في منازل أهل مصر، قال عبد اللطيف البغدادي: وأظنه الحيوان المسمى بالدلق، وإنما يختلف وبره ولونه بحسب البلاد، وفي طبعه أنه يسرق ما وجد من ذهب أو فضة وإن وجد حبوبا خلطها، وهو عدو الفأر ويقتله، ويقال إن عداوته له أشد من عداوة السنور، وخرف الفأر منه أشد من خوفه من السنور كما أن خوف الدجاج من ابن آوى أشد من خوفها من الثعلب، وقد حكي: من فطنته ما هو شبيه بالخرافات أن رجلا صاد فرخا منها فحبسه في قفص بحيث تراه أمه فلما رأته ذهبت ثم جاءت وفي فمها دينار فألقته بيد يدي الرجل كأنها تفدي ولدها، فلم يتناوله، وتركه مكانه فذهبت وعادت بدينار آخر حتى بلغت من العدد خمسا، فلما رأت أنه لا يضمها إليه ذهبت وعادت بخرقة كانت صرة للدنانير، تريه أنه لم يبق شيء، فلم يكترث بما فعلت فلما رأت ذلك منه عمدت إلى دينار منه فأخذته وعادت إلى جحرها فخشي أن تتفعل ذلك بالباقي، فبادر إلى الدنانير، وأخذها وأطلق ولدها.
القول في طبائع الفأر
أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون: جميع ما يقع عليه اسم الفأر: فأر البيت ويسمى الجرذ، والزباب، والخلد، واليربوع، وفأرة البيش، وفأرة المسك، وفأرة الإبل: فأما فأرة البيت فصنفان، جرذان وفأر، وهما كالجواميس والبقر، والبخت والعراب، والفأر من الحيوان الذي جمع له حاسة الشم والبصر، وليس في الحيوان أفسد منه لا يبقي على شيء من جليل ولا حقير إلا أهلكه وأتلفه، لا يقصر فعله عما فعله ريح قوم عاد، ويكفيه ما يحكى عن شدة رأيه وتدبيره في الشيء الذي يأكله ويحسوه أنه يأتي القارورة الضيقة فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع في القارورة شيئا، ويضرب به المثل في السرقة والنسيان والحذر، ويبلغ الفأر من حذره واحتياطه أنه يسكن السقوف وربما فاجأه السنور، وهو يريد أن يعبر بيته والسنور في الأرض، وهو في السقف ولو شاء أن يدخل بيته لم يكن للسنور عليه سبيلا، ويشير إليه السنور بيساره كالقائل له ارجع، فإذا رجع أولى إليه بيمينه كالقائل له: عد فيعود، وإنما يطلب بذلك أن يعي أو ينزلق، فلا يفعل ذلك إلى ثلاث مرات حتى يسقط إلى الأرض فيثب عليه، وفي طبع الجرد البري أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق ويتجنب الخفض والوطأ خوفا من الحافر أن يهدم عليه بيته، وحكى الجاحظ أن أناسا أنكروا أن يخلق الفأر في أرحام إناثها من أصلاب ذكورها، ولكن من أرحام بعض الأرض كطينة القاطول فإن أهلها يزعمون أنهم رأوا الفأر ولم يتم خلقه بعد وإن عينيها لتبصان ثم لا يريمون حتى يتم خلقها وتشتد حركتها، وكذلك يتولد بأرض مصر إذا انكشف ماء النيل عنها.
وأما الزباب: فأصم يكون في الرمل والعرب تضرب به المثل في السرقة فيقولون أسرق من زبابة، ولم أقف على أكثر مما ذكرت من أمره وأما الخلد: فأعمى أصم لا يعرف ما يريبه إلا بالشم إلا أن عينيه كاملتان لكن الجفن ملتحم على الناظر لا ينشق، وإنما خلق كذا لأنه يتنفس في البخار الغليظ والأرض له كالماء للسمك، وغذاه من باطن الأرض، الرطوبات والورق، وليس له على ظهر الأرض قوة، ولا نشاط، ولا حيلة بل يبقى مطروحا كالميت حتى يخطفه جارح أو يموت، ولما لم يكن له بصر عوض عنه بحدة حاسة السمع فيقال أنه يحس بالوطء الخفي، ومتى أحس بذلك جعل يحفر في الأرض، ويتحيل عليه حتى يصاد، بأن يجعل في باب جحره قملة فإذا سمعها، وأحس بها خرج إليها ليأخذها فيصاد، وفي طبعه أنه متى شم رائحة طيبة هرب، وهو يحب رائحة الكراث والبصل، وربما صيد بهما فأنه متى شمهما خرج إليهما، ومن دأبه طول الكد، ودوام الحفر للأنفاق والأسراب سواء انتفع بها أو لم ينتفع، وفي تركيبه أنه لا يفرط في الطلب، ولا يقصر فيها، ولا يخطئ الوقت الذي يظهر فيه، ولا يغلط في المقدار.
стр. 71
وأما اليربوع: فحيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا وله ذنب كذنب الجرد بين يرفعه صعدا في طرفه شبه الفوارة، لونه لون الغزال، قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان كل دابة حشاها الله تعالى خبثا فهي قصيرة اليدين لأنها إذا خافت شيئا لاذت بالصعود، فلا يلحقها شيء، وهذا الحيوان يسكن بطن الأرض لتقود رطوبتها له مقابل الماء، وهو يؤثر النسيم ويكره البخار، فتراه أبدا يتخذ جحره في نسز من الأرض ثم يحفر بيته ويفتح له أربعة أبواب على مهب الرياح الأربعة، وتسمى النافقاء والقاصعاء والدماء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى نافق أي خرج من النافقاء، وإن طلب من النافقاء قصع أي خرج من القاصعاء، وفي طبعه أنه يطأ على زمعاته في السهل والأرض اللينة كي لا يعرف أثر وطئه كما يفعل الأرنب، وهو يجتر ويبعر، وله كرش وأسنان واضراس في الفك الأعلى والأسفل وهو من الحيوان الذي له رئيس ينقاد إليه وإذا كان فيها يكون من بينها في مكان مشرف أو على صخرة ينظر منه إلى الطريق في كل ناحية، فإن رأى ما يخافه عليها صر بأسنانه وصوت، فإذا سمعته انصرفت إلى أحجرتها، وإن أغفل ذلك، ورأت ما يخافه قبل أن يراه قتلته لتضييعه الحزم، وغفلته، وينصب غيره وإذا أرادت الخروج من جحرها تطلب المعاش، خرج الرئيس أولا يشرف فإن لم ير ما يخافه صر لها وصوت فتخرج ولليربوع من الفأرة ولد يسمى القريب.
وأما الفأرة البيش: فدويبة تشبه الفأرة، وليس بفارة، ولكن هكذا تسمى وتكون في الغياض والرياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم ليأكلها فلا يضر بها وكثيرا ما تطلب البيش وهو سم قاتل.
وأما فأرة المسك: فزعم الجاحظ: أنها دويبة تكون ببلاد تبت تصاد لنوافجها وسررها، فإذا صيدت عصبت سرتها بعصاب، وهي مدلاة فيجتمع فيها دمها فإذا حكم ذلك ذبحت، وما أكثر من يأكلها، فإذا ماتت قورت السرة التي عصبت ثم تدفن في الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد بعد موتها مسكا ذكيا بعد أن كان لا يرام سنا، ورأيت في بعض المجاميع أن هذه الدابة توجد ببلاد الزانج، وتحمل إلى بلاد السند وإن المسك يخرج من خصيتي ذكرانها بالعصر، ومن ضروع إناثها بالحلب، ورأيت في مجموع آخر: الفأر الفارسي أطيب من كل طيب، وربما ضاهى ريح المسك وهو جرد أشقر شعره إلى الصفرة وهو سديد كحيل العينين طويل الأذنين، قصير الذنب.
وأما فأرة الإبل: فليست بحيوان، وإنما هي رائحة تسطع من الإبل عند صدورها من الورود وهو يكون من طيب المرعى وقال الراعي وغيره يصف إبلا شعرا:
لها فأرة ذفراء كل عشية ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه
الوصف والتشبيه
قال بعض الأعراب:
عجل بعض الناس بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب
كحل العيون وقص الرقاب ... مجررات فضل الأذناب
مثل مداري الكتاب والظريف في قول أبي بكر الصنوبري
بالحدب الظهور قعس الرقاب ... لدقاق الخرطوم والأذناب
للطاف آذانها. . . والخراطي ... م حداد الأظفار والأنياب
خلقت للفساد قد خلق الخل ... ق وللعبث والأذى والخراب
ناقبات في الأرض والسقف والحا ... ئط نقبا أعيا على النقاب
آكلات كل المآكل لا تس ... أمها شاربات كل الشراب
آلفات قرض الثياب وقد يع ... دل قرض القوب قرض الثياب
والطريف المطبوع، الذي يدين بحسنه التابع والمتبوع قول القاضي المعروف بابن بصاقة يصف فارة بيضاء استظرفها فجعلها في قفص وأمر أن تطعم وتسقى ثم قال:
وفأرة بيضاء لم تبتذل ... يوما لاطعام السنانير
إذ فأرة المسك سمعنا بها ... وهذه فأرة كافور
القول في طبائع العقرب
стр. 72
وهذا الحيوان أصناف منها الجرارة والطيارة، وما له ذنب معقف، ومنها السود والخضر والصفر، وأصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون العقرب مائية الطباع، من ذوات الذرو وكثرة الولد نسبة بالمسك والضب، وعامة هذا النوع إذا حملت الأنثى منه يكون حتفها في ولادها لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطنها وخرجت فتموت، والجاحظ لا يعجبه هذا القول ويقول: قد أخبرني من أثق به أنه رأى العقرب تلد من فيها مرتين وتحمل أولادها، وهي قدر القمل كبيرة والعقرب شر ما تكون إذا كانت حبلى، ولها ثمانية أرجل أظلاف لأجل المشي وعيناها في ظهرها، وهي من الحيوان الذي لا يسبح، ومن عجيب أمرها إنها لا تضرب الميت ولا المغشي عليه ولا النائم، إلا أن يتحرك شيء من بدنه فعند ذلك تضربه وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وتصادق من الحيات كل أسود سالخ، وربما لسعت فتموت، وفيها ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع ومن شأنها إذا لسعت الإنسان فرت فرار مسيء يخاف العقاب وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد لأنها حريصة على أكله، تشك الجرادة في عود ثم تدخله الجحر فإذا عاينتها العقرب تعلقت بها، ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج تبعته، وما معها من نوعها، وهي إذا خرجت من جحرها في طلب المطعم يكون لها نشاط وعزم تضرب كلما لقيته، ولقيها من حيوان أو نبات نشبت فيه إبرتها، وهذه الإبرة مثقوبة فيها السم، والعقارب القاتلة تكون في موضعين: بشهرزور وعسكر مكرم، وهي جرارات، وهذه العقارب تلسع فتقتل، وربما تناثر من لسعته، أو بعض لحمه، واسترخى لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه، ومن طريف أمرها أنها مع صغرها وقلتها، وغزارتها تقتل الفيل والبعير بلسعتها وبنصيبين عقارب قتالة إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين فأتى بالعقارب من شهرزور، ورمى بها في حيزان المجانيق إلى البلد، فأعطى القوم بأيديهم.
الوصف والتشبيه
قال عبد الصمد بن المعذل يدعو بها على عدو له:
يا رب ذي افك كثير خدعه ... مستجهل الحلم خبيث مربعه
يسري إلى عرض الصديق قذعة ... صبت عليه حين جمت بدعه
ذات ذنابى متلف من يلسعه ... تحفظه طورا وطورا ترفعه
أسود كالسبجة فيه مبضعه ... ينظف منه سمه وسلعه
تسرع فيه الحتف حين تشرعه ... يبرز كالقرنين حين تطلعه
في مثل صدر السبت حين تقطعه ... ما تصنع الرقشاء ما قد تصنعه
وقال السري الرفاء:
سارية في الظلام مهدية ... إلى النفوس الردى بلا حرج
شائلة في ذنيبها حمة ... كأنها سبجة من السبج
وقال آخر:
ومشرعة بالموت للطعن صعدة ... فلا قرن نادته يوما يجيبها
مداخلة في بعضها خلق بعضها ... كجوشن عظم ثلمته حروبها
تذيقك من وخز إبرة ... إذا لسعت ماذا يلاقي لسعيها
إذا لم يكن لون البهارة لونها ... فمن يرقان دب فيها شحوبها
لها سورة خصت بمنكر صورة ... ترى العين فيها كل شيء يريبها
لها طعنة لا تستبين لناظر ... ولا يرسل المسبار فيها طبيبها
نسيت بها قيسا وذكرى طعينه ... وقد دق معناها وجل ندوبها
تجيء كأم الشبل غضبى توقدت ... وقد توج اليافوخ منها عسيبها
عدو مع الإنسان يعمر بيته ... فكيف يوالي رقدة يستطيبها
ولولا دفاع الله عنا بلطفه ... لصبت بنا الدنيا علينا خطوبها
وقال آخر يصفها من أبيات:
تحمل رمحا ذا كعوب مشهر ... فيه سنان بالحريق مستعر
أنف تأنيفا على حين قدر ... تأنيف انف القوس شدت بالوتر
وقال آخر في ذلك أيضا:
ونضوة تعرف باسم ولقب ... ما بين هلال منصب
موجودة معدومة عند الطلب ... تطعن من لاقته من غير سبب
بخنجر تستله عند الغضب ... كأنه شعلة نار تلتهب
القول في طبائع الخنفساء
стр. 73
قال أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن الخنفساء تتولد من عفونة الأرض ومن فسادها، ومن مادة لم يكن يجيء منها خيرا لأن الحمار لا يجيء منها فرس وهذا النوع هو أصناف منها الخنفس المعروف، وهو أطول من الضب ذماء فأنه يشدغ، فيسير ويمضي، وبه يضرب المثل في اللجاج وليس له أحشاء وبينه وبين العقارب والضفدع صداقة، ومنها الجعل وهو يتولد من اخثاء البقر وفي طبعه أنه يموت إذا شم رائحة الطيب، وإذا دفن في الورد مات أيضا، وإذا أخرج منه ودفن في الروث عاش، وله ستة أرجل وسنام مرتفع محدد جدا، وهو يمشي إلى الخلف وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته، ويسمى الكبرتل، وقال بعضهم: لا يصير كبرتلا حتى يصير له جناحان إذا وقع إلى الأرض استتر بقشرة ولم ير منها شيء، فإذا أراد الطيران تنفس فيظهران، ومن عاداته أنه يحرس النيام فمن قام منها لقضاء حاجته تبعه، وذلك من شهوته للغائط، فإنه قوته، ومنها صنف يسمى حمار قبان وهو يتولد في الأماكن الندية على ظهره شبه المجن، ومنها صنف يسمى بنات وردان وهي أيضا تتولد في الأماكن الندية وأكثر ما يكون في الحمامات والساقيات وفيها من الألوان الأسود، والأصهب، والأبيض وهي إذا تكونت وتسافدت، باضت بيضا مستطيلا، وصفها بعض الشعراء فقال:
بنات وردان جنس ليس تبعته ... خلق كنعتي في وصفي وتشبيهي
كمثل أنصاف بسر أحمر تركت ... من بعد تشقيقه أقماعه فيه
ومنها الصراصر والجنادب، وهذا الصنف معرى من الأجنحة له صوت بالليل لا يفتر منه إذا طلع الفجر ولا يعرف له مكان إلا بتتبع صوته، وأمكنة المواضع الندية وفيه ألوان: الأسود وهو جندب الجبل والاكام السود، والأورق وهو جندب الطلح، والسمر والغضا والأبيض وهو جندب الصحارى، قال السري الرفاء يصف جندبة:
وجندبة تمشي بساق كأنها ... على فخذ من عود منشار عرعر
حسلة تجلو الجناح كأنها ... عروس تجلت في عطاف معنبر
وأما الهوام فأول ما نبدأ منها:
القول في طبائع القراد
وهذا الحيوان أول ما يكون، وهو لا يكاد يرى صفرا قمامة، ثم يصير حمنانة ثم يصير حلمة، وهو يخلق من عرق البعير ومن الوسخ والتلطخ بالثلط والأبوال كما يخلق القمل من عرق الإنسان، والحلم يعرض لأذن الكلب أكثر مما يعرض للبعير ومن طبع القراد، أنه يسمع رغاء الإبل من فراسخ فيقصدها، حتى أن أصحاب الإبل يبعثون إلى الماء من يصلح لإبلهم الارشية وأدوات السقي، فيبيت الرجال عند البئر ينتظرون مجيء الإبل فيعرفون قربها منهم في جوف الليل بانبعاث القردان وسرعة حركتها ومرورها حول الرعاء، فإذا رأوا ذلك منها نهضوا وتهيئوا للعمل، ويقول أصحاب الكلام في طبائع الحيوان: إن لكل حيوان قرادا يناسب مزاجه فللكلب قراد يخصه، وكذا البعير، والفرس والبقر وأنشد الجاحظ يصف قرادا:
ألا يا عباد الله هل لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض جد مغيرها
فلا الدين فيها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معد يضيرها
القول في طبائع النمل
стр. 74
وهذا الحيوان على ما ذهب إليه ابن أبي الأشعث:) لا يتزاوج ولا يتوالد (ولا يتلاقح، وإنما يسقط منه شيء حقير في الأرض ينمو بيضا ثم يتكون فيه وهو حيوان محتال يتفرق في طلب المعاش فإذا وجد شيئا أنذر البا فيجئن ويحملن، وكل واحد مجتهد في صلاح العامة غير محتبس لشيء من الرزق دون صحبه، ويقال إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها، ومن تحلية في طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه حاجز بحجزه عنه من ماء أو شعر فيتسلق في الحائط، ويمشي على جذع من السقف مسامت لما حفظ ثم يلقي نفسه عليه، وفي طبعه أنه يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء، وفي الاحتكار من الحيل ما أنه إذا احتكر ما يخاف إنباته قسمه نصفين، ما خلا الكسفرة، فإنه يقسمها أرباعا لما الهم أن كل نصف منها ينبت، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض ونشره، وأكثر ما يفعل ذلك ليلا في القمر، ويقال أن حياته ليست من قبل مأكله ولا قوامه، وذلك أنه ليس له جوف ينفذ فيه الطعام، ولكنه مقطوع نصفين، وإنما قوته إذا قطع الحب استنشاق ريحه لا غير وذلك يغذوه ويكفيه، وهو يشم ما ليس له ريح مما لو وضعه الإنسان على أنفه لم يجد له ريحا وله من حدة الشم ما لو أن رجل جرادة تكون منبوذة في موضع لم ير فيه ذر قط فلا يلبث أن يرى الذر إليها كالخيط الأسود المسدود، ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها وإذا صار النمل كذلك أحصبت العصافير، وقد قال أبو العتاهية في ذلك:
إذا استوت للنمل أجنحة ... حتى تطير فقد دنا عطبه
وهو يحفر قريته بقوائمه لا بفيه، وقوائمه ست، وإذا حفرها جعل فيها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر، وربما اتخذ قريته فوق قرية بسبب ذلك وإنما يفعل ذلك خوفا على ما يدخره من البلل، وليس في الحيوان ما يحمل ضعف ما يحمل بدنه مرارا غيره، وعلى أنه لا يرضى بأضعاف الأضعاف إلا بعد انقطاع الأنفاس، حتى أنه يتكلف حمل نوى التمر وهو لا ينتفع بتلك النوية، وإنما على ذلك الحرص والشدة، وفي هذا الحيوان ما يسمى الذر وهو والنمل بمنزلة الزنابير والنحل، في أن النحل أصغر جثة، وأجود فهما ومعرفة ومن أصنافة صنف يسمى نمل الأسد وسمي بذلك لأنه يشبه وجه الأسد ومؤخرة النمل، وزعم بعض المتكلمين في طبائع أنه متولد وأدعى أن أباه أكل لحما، وأمه أكلت نباتا فولده، ومما يستغرب في عظم خلقها، أنه وجد في ذخائر أبي كاليجار سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن بويه نملة في حلقها سلسلة تأكل كل يوم رطلين لحم بالبغدادي.
الوصف والتشبيه
قال إبراهيم بن سناه:
غزاة يولي الليث عنهن هاربا ... وليست لها نبل حداد ولا عمد
قصار الخطى حمش القوائم ضمر ... مسمرة لا تشتكي الاين والحرد
وتعدو على الأقران في صولة الوغى ... نشاطا كما يعدو على صيده الأسد
إذا فكرت طيب الهياج تنفست ... تنفس ثكلى قد أصيب لها ولد
كأكراد زنجان مزيد فضاضة ... وتلك الصعاليك الغوائب في البلد
وفيهن أجناس تشابهن صورة ... وباين في الهمات واللون والجلد
فمنهن كمت كالعناكب أرجلا ... وساع الخطى قد زان أجيادها الغيد
إذا انتهرت طارت وإن هي خلدت ... رأت ورد أحواض المنايا من الرشد
وسود خفاف الجسم لو عضت الصفا ... رأيت الصفا من وقع أسنانها قدد
يفدن علينا مفسدات جفاننا ... وأزوادنا أبغض إلينا بما وفد وقال آخر:
وحي أناخوا في المنازل باللوى ... فصاروا به بعد القطين قطينا
إذا اختلفوا في الدار ظلت كأنها ... تبدد فيها الريح بزر قطونا
لهم نظرة يسرى ويمنى إذا مشوا ... كما مر مرعوب يخاف كمينا
ويمشون صفا في الديار كأنما ... يجرون خيطا في التراب مبينا
وفي كل بيت من بيوتي قرية ... تضم صنوفا منهم وفنونا
فيا من رأى بيتا يضيق بخمسة ... وفيه قريات يسعن مئينا
وقال يحيى بن هذيل الأندلسي يصف نملة:
مخزومة في ثبح ... كأنما استقصي بالبخت
إنما آخرها نقطة ... ساقطة من قلم المفتي
مشت على الرض على أرجل ... تشبه شعر الطفل في النبت
لا تسمع الأذن لها موقعا ... في الأرض مسا ولا مرت
مكدودة ليس لها راحة ... ولا تقطع الأيام بالصمت
стр. 75
سبحان من يعلم تسبيحها ... ووزنها من زنة البخت
القول في طبائع القمل
قال المتكلمون في طبائع الحيوان: القمل يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوبا، أو ريشا، أو شعرا حتى يصير المكان عفنا، ويكون في الرأس الأسود الشعر أسود، وفي الرأس الأبيض الشعر أبيض، وفي الرأس الأحمر الشعر - أما شقرة وأما خضاب بحناء - أحمر، ومتى نصل الشعر يغير إلى لونه، والقمل من الحيوان الذي إناثه أكبر من ذكوره، ويقال: إن ذكور القمل الصيبان، ويقال أنها بيضها، والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام، إذا لم يغسل، ويعرض للقرود أيضا، وأما قملة النسر وهي التي تكون في بلاد الجبل، وتسمى بالفارسية دده، وإنها إذا عضت قتلت، وهي أكبر من القملة، وأكثر ما تكون بمهرجان قذق، ومع صغر جسمها، فإنها تفسخ جسم الإنسان في أقل من الإشارة باليد، وهي تعض لا تلسع، وإنما سميت قملة النسر لأن النسر إذا سقطت بتلك الأرض في بعض الأزمنة تسقط منه قملة فيستحيل إلى هذا الخبث.
قال أبو نؤاس في رجل يتفلى في الشمس:
للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير
وكأنهن إذا علون قميصه ... فذ وتوأم سمسم مقشور
؟ الباب السادس
في طبائع سباع الطير وكلابها
ومجموع هذا النوع عند أبي الأشعث ناري لأن طبيعته حارة يابسة، وهو غضوب حقود غاضب قاتل يغتذي بالدم واللحم، ويطير في جو السماء، ويتجاوز في طيرانه البخار والهواء الذي هو حار رطب، ويعلو إلى هواء حار يابس، وإنما تم له هذا الغلو إلى هذا الهواء من الجو لأن له نفسا مزاجها كمزاجه فهي تتحرك النار، وهو ليس بذي شيء، ولا لبث في الصحارى، ولا في الشطوط لبعده عن المزاج الرطب ولا هو مما يجتمع خيطا كما يطير بعض الطير ويتزاوج عند الشبق وتفارق الذكور الإناث عند زواله للشره الذي كل واحد منهما وقوة الغضب ما يفترس بعضه بعضا، ولغلبة المزاج الناري على طبيعته صار فيه ذكاء وسرعة حركة، وختل وقلة وفاء، وأنواعه تنحصر في أربعة وهي العقاب والبازي والصقر والشاهين وتنعت بالجوارح والسباع والضواري، والكواسر والمضرحيات والأحرار والعتاق، وذوات المنسر من الطير ذكورها أصغر أجساما وألطف أقدادا من إناثها وأقل جمالا، وذوات المناقير بالعكس من ذلك، وتسمى البغات، والذي نبدأ به بالذكر من الجوارح:
القول في طبائع العقاب
وهذا الصنف يؤنث ولا يذكر ويسمى العنقاء على ما ذهب إليه أهل اللغة وبهذا القول فسر قول أبي العلاء المعري:
أرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
ولا خلاف عند أهل اللغة في ذلك، وهذا الصنف ينقسم إلى قسمين: عقاب، وزمج.
следующие страницы →