Полный текст (1 349 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
حكم جمع النساء وتعليمهن
السؤال
هل يدخل فيما سبق جمع النساء وتعليمهن؟
الجواب
بالنسبة لتعليم النساء وجمعهن هذا سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، وهو بعيد من الريبة والشبهة، ولكن المشكلة هي الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها، ومخالطة النساء الأجنبيات.
стр. 317
حكم معاقبة المجرم بدون إذن من السلطان
السؤال
هل يجوز لشخص أن يتصدى لجريمة ويعاقب أهلها ويؤذيهم بدون إذن من السلطان، كأن يضربهم إلى غير ذلك من الأمور؟
الجواب
لقد أمر الله المسلمين أمراً عامة بمكافحة الجرائم وإقامة الحدود وغير ذلك، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وغير ذلك من الأوامر التي هي موجهة إلى جميع المسلمين، لكن اختلف الناس في حكم إقامة الحدود: هل هي مختصة بالولاة أو لا تختص بهم؟ فذهب الحنفية إلى أن إقامة الحدود مختصة بالولاة، واستدلوا بحديث ضعيف جداً وهو: (أربع إلى الولاة: -ومنها- إقامة الحدود)، وذهب الجمهور إلى أن الإنسان يقيم الحدود على من ملكت يمينه؛ للحديث الذي فيه: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)، وللحديث الذي فيه: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فليجلدها الحد وليبعها ولو بحبل)، فهذا مقتضٍ لتفويض كل إنسان في إقامة الحدود على ما ملكت يمينه، ومن ذلك: أولاده وأهل بيته؛ فقد جعلهم الله إليه وهو الوالي المسئول عنهم.
أما تغيير المنكر بغير الحدود فعلى من رآه أن يغيره بيده مطلقاً، كل من رآه وهو قادر على التغيير يجب عليه التغيير، فإن استطاع ذلك بيده فلا يعذر بغيرها، وقد أعلن ذلك رسول الله ﷺ للناس فيما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
لكن لابد أن يكون حينئذ التثريب على أهل المعصية والوقوف في وجه الجريمة بدافع من اللطف والمحبة والرحمة، وألا يكون لمجرد التشفي بأذى الآخرين؛ فالإنسان كالطبيب المعالج المداوي يردعهم بالرحمة، حتى في إقامة الحد وفي الضرب وغير ذلك يفعله بالرحمة؛ لردعهم عن معصية الله، وهو يحبهم بقدر ما لديهم من محبة الله وبقدر إيمانهم، ويبغض معصيتهم فيهم، وبذلك يكون رحيماً بهم، لا يريد أن يعين الشيطان عليهم، ولا يريد أن يستمروا في المعصية، ولا أن تأخذهم العزة بالإثم.
стр. 318
حكم مصاحبة جماعة التبليغ
السؤال
لي أخ من حفظة القرآن، وأحسبه طيباً، لكنه منذ فترة اعتنق جماعة الدعوة والتبليغ، وهو يخرج معهم، فما هو هذا الخروج وهل هو بدعة حقاً أم لا؟
الجواب
الجماعات لا تعتنق، إنما يعتنق الشيء الذي يجعل في العنق كالديانات ونحو ذلك، أما الجماعات فيقال: تصحب، ولذلك فالأسلوب الصحيح أن يقول: صحب جماعة الدعوة والتبليغ مثلاً، وهذه الصحبة من الصحبة في الله، والإنسان لا يستطيع القيام بأمر الله وحده، ويحتاج إلى من يساعده، والله تعالى يقول لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، والإنسان محتاج لمثل ذلك، فإذا وجد من يعينه على التزام أوامر الله واجتناب نواهيه، والتزام ما جاء به رسول الله ﷺ تعلماً وتعليماً وعملاً وأخلاقاً وعقيدة وديانة فهذا أكمل وأفضل.
لكن بالنسبة لخروج جماعة الدعوة والتبليغ فهو مجرد تعليم وتدريب فقط، وليس أمراً واجباً ولا أمراً مسنوناً ولا مندوباً، إنما هو بمثابة الدراسة في المدرسة، كأن يدرس الإنسان ست سنوات في الابتدائية، وأربع سنوات في الإعدادية، وثلاث سنوات في الثانوية، وأربع سنوات في الجامعة، وأربع سنوات في الماجستير، وأربع سنوات في الدكتوراه مثلاً، كذلك هذا الخروج إنما قصدوا به التعويد على التعليم مثل المناهج الجديدة في المدارس تماماً، وقد جربوا فيه تجارب، وهو لا يدخل في البدع وإنما يدخل في المصالح المرسلة؛ لأنه بمثابة الدراسة الجامعية أو الدراسة المدرسية أياً كانت، لكنه قد يكون لدى الإنسان ما هو أفضل منه، فقد لا يكون أفضل الموجود في بعض الأحيان كمن لديه نفقات واجبة أو والدان ضعيفان، أو أهل يخاف عليهم إذا هو خرج وتركهم للضيعة.
ومع هذا فالشيطان كثيراً ما يحول بين الإنسان وبينه مما يدل على أهميته للإنسان، فقد جاءني رجل من الذين أحسبهم من المخلصين يشكو ولده، ويخبر أنه خرج مع جماعة الدعوة والتبليغ، فقلت: هل تنقم عليه شيئاً في دينه؟ فقال: لا، لقد كان سيئ الخلق حِلَّيقاً مدخناً غير ملتزم بالصلاة في المسجد، فجاء وقد تغيرت فيه كل هذه الصفات.
فقلت: أرأيت لو خرج في تجارة الآن إلى أسبانيا؟ فقال: نعم، هذا أمر معتاد لدى الناس، فقلت: فكيف تنقم منه الخروج مع قوم لم يستفد منهم إلا خيراً وما علموه إلا ما ترضاه أنت، وقد عجزت أنت أن تعلمه هذا؟! فكان ذلك مقنعاً له.
стр. 319
حكم ذهاب المرأة إلى أماكن الاختلاط العامة
السؤال
ما حكم ذهاب المرأة المسلمة الملتزمة إلى الأسواق والمحلات العامة والمطاعم والمحلات التي يجتمع فيها الرجال والنساء؟
الجواب
إذا كان خروجها لحاجتها، ولم تكن متعطرة ولا متزينة، وأيقنت أنها لن تدخل في مزاحمة الرجال ولا اختلاطهم ولا أي إيذاء، وكان خروجها لأمر مهم؛ فهذا من الأمور الجائزة ولا حرج فيه.
لكن إذا أيقنت أنها إذا ذهبت إلى الأسواق ستزاحم الرجال، أو سينكشف من بدنها ما لا يحل لها كشفه كأن ينكشف ساعداها أو قرط أذنيها أو شيء مما حرم الله عليها كشفه فهذا لا يحل لها.
وكذلك إذا كانت تتزين للخروج أو تتعطر له، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أيما امرأة تعطرت فخرجت من بيتها فهي زانية).
وكذلك إذا كان خروجها لمجرد التفرج على الناس ورؤيتهم ونحو هذا، فهذا من الأمور المقيتة شرعاً، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
стр. 320
حكم الدخول على غير المحارم
السؤال
ما حكم الدخول على الرجل الذي ليس بمحرم؟
الجواب
دخول المرأة على الرجل مثل دخول الرجل على المرأة، إذا كان بخلوة أو في مكان ريبة فهو محرم شرعاً ومن كبائر الذنوب، بل عند الحنابلة أنه تستبرأ منه المرأة، فعندهم أن أي خلوة حصلت بين أجنبي وأجنبية يجب منها الاستبراء، وإذا كان ذلك دخولاً اعتيادياً كدخولها على رجال في مكان في غير ريبة، ومع تستُّر، ومن غير تزين ولا تطيب، فهذا من الأمور الجائزة ولا حرج فيه، مثل حضور حلقات الدروس وحلقات العلم، والخروج في التجارات والبيع والشراء، وما تحتاج إليه المرأة من شئونها وأمورها.
стр. 321
حكم رفع المرأة صوتها بالقرآن والحديث
السؤال
ما حكم رفع المرأة صوتها بالقرآن والحديث؟
الجواب
إذا كان صوت المرأة غير مطرب، ولم تقصد بقراءتها للقرآن والحديث التطريب، فلا حرج في رفعها لصوتها، بل قد كانت عائشة جهورية الصوت، وكانت تعلم الناس القرآن والسنة، وقد أمر الله أمهات المؤمنين بذلك في كتابه وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
وكذلك صح عن النبي ﷺ (أنه خرج ذات ليلة إلى دور الأنصار يستمع القرآن، فسمع عجوزاً من الأنصار في آخر الليل تقرأ سورة الغاشية، فوقف على بابها فقرأت: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فبكى رسول الله ﷺ حتى جلس وهو يقول: نعم أتاني، نعم أتاني).
стр. 322
حكم تحويل المسجد إلى مكان آخر
السؤال
في قريتنا مسجد سقفه من الخشب والحديد، وبنت لنا الهيئة مسجداً من الأسمنت المسلح ملاصقاً له، إلا أن طوله أو عرضه أقل بثلاثة أمتار، فهل يجوز لنا أن نحول الصلاة إلى المسجد الجديد الذي هو أجمل وأقوى أم لا يحل لنا ذلك؟
الجواب
المسجد الذي تصلون فيه لم يأت جبريل بتخصيص ذلك المكان بخصوصه أنه المسجد؛ ولهذا فأنتم مخيرون قبل أن يبنى المسجد في أي مكان هو أليق بكم وأولى لكم أن تبنوا فيه المسجد الذي شئتم، وإذا بنيتم مسجداً ثم بنيتم ما هو أحسن منه وأولى، فالانتقال إلى الأولى أفضل، وقد قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦]، ونقل المساجد لمصلحة المساجد لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ فقد أجمعت المذاهب على نقل المساجد لمصلحتها هي؛ كما إذا كان المسجد في زقاق ضيق، أو لم تكن له طريق نافذة، فينقل إلى مكان متسع، أو زقاق نافذ.
أما نقل المسجد لغير مصلحة المسجد فهو محل خلاف بين أهل العلم: فذهب جمهورهم إلى جوازه إذا كانت المصلحة عامة، واستدلوا بكتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص: (انظر إلى المسجد الذي بالتمارين فانقله، واجعل بيت المال في قبلته، فلن يزال بالمسجد مصلي)، فالمسجد الذي بسوق التمارين بالكوفة أمر عمر بنقله من مكانه، وأن يجعل خلف بيت المال، وأن يجعل بيت المال في قبلته؛ ولذلك فانتقال المساجد من مكانها إلى جواره، أو نحو ذلك من الأمور الداثرة التي عرفت في كل مكان وفي كل زمان، فما من مكان عرف في هذه الدنيا إلا وفيه مساجده العتيقة القديمة التي يجدد بناؤها ولم يستطع هدمها، أو كان في هدمها تكاليف، أو فيها إتلاف لمال قائم، فيبنى حولها مسجد، وتقام هي لمصلحة المسجد، فتكون وقفاً للمسجد، أو متجراً ريعه للمسجد مثلاً، أو سكنا ًلطلاب العلم أو لإمام المسجد، أو نحو ذلك.
ولهذا ليس من المصلحة الشرعية أن يعطل المسجد الأول؛ بل ينبغي أن يصرف ريعه لمصلحة المسجد الثاني، فيجعل بيتاً للاستئجار وريعه للمسجد الثاني، أو يجعل متجراً، أو يجعل مكاناً لسكن الإمام، أو طلاب العلم، أو للفقهاء، أو لمصلحة عامة تعود على المسجد بالنفع.
стр. 323
حكم قصر الأمر بالمعروف على العلماء الرسميين
السؤال
كثير من الناس إذا أُمر بمعروف يقول: إن هذا من اختصاص العلماء المأمورين من طرف الحكومة، أرجو الجواب على هذا وتبيين الحكم فيه؟
الجواب
هذا قول على الله بغير علم، والذي قاله قد ارتكب جريمة أكبر من الإجرام الذي وقع فيه؛ لأنه أولاً: فعل جريمة مثل الغيبة أو الكذب أو الغش أو نحو ذلك، ثم عززها بجريمة أكبر منها وهي القول على الله بغير علم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣].
فالأمر بذلك لكل الناس كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)، ولكل المؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
стр. 324
حكم التوسل بجاه النبي ﷺ
السؤال
ذكرتم في محاضرة سابقة في شأن التوسل بجاه النبي ﷺ أن مالكاً وأبا حنيفة والشافعي ورواية لـ أحمد يقولون بعدم جواز التوسل به، أين نجد ذلك؟
الجواب
تفصيل هذا كله مستوفى في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي سماه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة)، وقد نقل فيه كلام أهل العلم جميعاً في هذه المسألة، وذكر المذاهب الأربعة في هذا تفصيلاً على ما ذكرناه، وهذا الكلام نفسه موجود في كلام الطرطوشي من الماليكة في البدع والمحدثات، وكذلك في كتاب محمد بن وضاح المالكي وهو شيخ أبي عمر بن عبد البر في البدع.
стр. 325
حكم إدخال برامج غنائية في التلفزيون
السؤال
في التلفزة الوطنية برنامج بعنوان: كلمات وأنغام، يستخدم لقتل الحياء، حيث يجتمع نساء ورجال آخذين زينتهم، فما نصيحتكم في ذلك؟
الجواب
هذا من المنكر البين الذي يجب على الإنسان أن ينكره، وأن يعلن إنكاره وبراءته منه، ونحن من هذا المكان ننكره ونعلن براءتنا إلى الله منه، ويجب على المسلمين أن يبرءوا من كل المنكرات وأن ينكروها، وأن يبلغوا من يرجون منه تغيير ذلك، وأن يحافظوا على أخلاقهم ودينهم، وأخلاق من استودعهم الله تعالى، وجعل تحت أيديهم من أهليهم، وألا يدعوا مجالاً لغزو بيوتهم بمثل هذه البرامج المفسدة الهابطة التافهة.
стр. 326
نصيحة لموسوس
السؤال
أنا مصاب بشيء لا أعرف هل هو من الوسواس أم لا، وهو: أن أبي شيخ كبير مريض يستعمل دواء يزيد في جريان البول، وقد يصيب الفراش منه شيء بدون قصد منه فتعذرت طهارته، وأصبحت أنا لا ألمسه ولا أقربه ولا أجلس معه على الفراش الذي يجلس فيه، وحتى المكان الذي يجلس فيه، لأني أعتبر المكان نجساً كله، وحتى إن من يجلس معه في المكان من الأهل أصبحت أنفر منه، وإذا لمسني أحد من الأهل سواء مس ثيابي أو بدني غسلت ثيابي أو بدني، حتى إني أعتبر أني تنجست، وأصبحت أسكن في غرفة وحدي لا يدخل علي فيها أحد، حيث أصبحت معزولاً عن الناس، هذا منذ ما يزيد على سنة، وحتى إني أصبحت لا أصلي في المساجد؛ لأن الصبيان يصلون فيها؛ وذلك لأني أعتبر الصبيان متنجسين، وسبب هذا هو أني كنت أسكن مع أقرباء لي عندهم صبية يبولون على فراشهم، وفي بعض الأحيان قد لا يطهرون الفراش، فذهبت عنهم، وعندما أزورهم الآن وأجلس على فراشهم وأصافح أحداً منهم ولو في الطريق أرجع إلى أهلي وأغسل بدني وثيابي، وكذلك إذا زارني منهم أحد، فما توجيهكم لي؟
الجواب
هذه مشكلة من عمل الشيطان، فهذا الإنسان قد جعل للشيطان سبيلاً على نفسه واتبع خطوات الشيطان، وقد نهاه الله عن اتباع خطوات الشيطان، فعليه أن يتوب إلى الله ، وألا يجعل للشيطان سبيلاً عليه، فقد سلم عقله للشيطان واستسلم له؛ ولذلك يجب عليه أن يبادر بالتوبة، وأن يستغفر من هذا الوسواس، وأن يعلم أنه من عمل الشيطان البين، الذي يجب منه التوبة وتركه والرجوع عنه، وأن يعلم أن هذا مفسد لعقله ودينه ولأخلاقه ولمعاملته مع آكَدِ الناس حقاً عليه، فأحق الناس بصحبته والداه، وأقاربه، ويجب عليه أن يعتذر إليهما، وأن يعود عن هذا، وألا يدع للشيطان سبيلاً عليه أبداً.
وبالنسبة للصبيان: الأصل في ثيابهم وأبدانهم الطهارة؛ ولذلك لا يتغير هذا الأصل إلا إذا غلبت النجاسة، مثل من رآها، أو ظنها ظناً غالباً مبنياً على قرائن وعلم، ولم يكن من أهل الوسواس، أما من كان من أهل الوسواس فلا يلتفت إليه أصلاً، وينبغي أن ينقطع عنه بالكلية، وكل ما يؤدي إلى الوسواس لديه يفر منه ويتركه، فتعبدك لله كما كنت تعبد الله قبل أن تصاب بهذا المرض باجتناب النجاسات، تعبُّدك إلى الله الآن بأن تقطع الوسوسة، فكل ما يؤدي إلى هذه الوسوسة يجب عليك قطعه، والابتعاد عنه مطلقاً.
стр. 327
كيف توفق المرأة بين الدعوة وبين تربية الأطفال
السؤال
كيف توفق المرأة بين واجباتها الدعوية وتربية أطفالها؟
الجواب
عليها أن تسدد وتقارب، وما من إنسان إلا وواجباته كثيرة وأوقاته ضيقة، لكن صح عن النبي ﷺ الأمر بالتسديد والمقاربة، وقد أخرج البخاري في الصحيح قال: حدثنا عبد السلام بن المطهر، قال: أخبرنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه)، وفي رواية: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، وفي رواية: (ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)، فعلى الإنسان أن يسدد ويقارب ويعلم أنه لن يؤدي كل الحقوق، ولن يأتي بها كاملة مهما كان، لكن يسدد ويقارب ولا يضيع حقاً واضحاً، ويحاول أن يعمل مثل عمل الفارض الذي يقسم التركة عندما تزيد الرءوس على السهام، فيعمل بالعود وينقص كل أحد بنسبة متساوية.
стр. 328
كيفية تربية الأولاد
السؤال
كيف تربي المرأة أطفالها على الحق؟
الجواب
هذا مما ينبغي الاهتمام به، والعناية به، فأساليب تربية الأولاد على المنهج الصحيح، وتعويدهم على الرجولة في صباهم والالتزام بالحق من آكَدِ الواجبات وأهمها وأعظمها، والإنسان الذي يريد أن يكون أولاده ذخراً له وأجراً لا ينقطع عنه إذا كان في قبره وانقطعت أسبابه من الدنيا؛ فإن عليه أن يبذل فيهم جهداً، ولا يظنَّنَّ إنسان أنه سيصلح أولاده وذريته دون بذل الجهد، فهذا من الإهمال وتضييع الواجبات؛ ولذلك جاء في الحديث الذي فيه ضعف أن النبي ﷺ قال: (الكيَّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني)، فلذلك على الإنسان أن يبذل الأسباب في سبيل إصلاح أولاده وتربيتهم تربية صحيحة، وتعويدهم على سنة رسول الله ﷺ ، ولا يكون ذلك إلا بمصاحبتهم، ومدارسة السنة معهم، ومدارسة السيرة النبوية وأخلاق السلف، وأن تدرس المرأة دراسة جادة في أساليب التربية لدى السلف، وكيف كانت الأمهات السابقات يربين أولادهن، ويعلمن أولادهن التعليم المصيب الصحيح.
وقد ألفت بعض الكتب في هذا، فمن الكتب المنتشرة المشهورة بين الناس: تربية الأولاد في الإسلام للشيخ عبد الله بن ناصح العلوان رحمه الله تعالى، وغيره من الكتب الكثيرة في هذا الباب المهمة التي ينبغي للنساء أن يقتنينها، وأن يتدارسنها، ومثل ذلك الكتب المتعلقة بالهمة، مثل: علو الهمة طريق إلى القمة للدكتور محمد بن إبراهيم محمد عقيل موسى، وكذلك غير هذا من الكتب النافعة في هذا الباب، (وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة).
стр. 329
حكم إلحاق الأولاد بالمدارس النظامية
السؤال
هل يجوز أن تزج المرأة بأطفالها في المدارس النظامية على علاتها، وإذا كان الجواب بلا فما البديل؟
الجواب
المدارس النظامية إذا وكلت إليها المرأة تربية أولادها، أو وكل إليها الرجل تربية أولاده، فقد ضيع وفرط ولم يرع الأمانة التي ائتمنه الله عليها، لكن لا يقتضي ذلك أيضاً منعهم من الدراسة دون بديل، بل على الإنسان أن يعلمهم ويربيهم وإن جعلهم في المدارس، بأن يجعل لهم منهجاً خاصاً وبرنامجاً حافلاً في البيت، وأن يصرف أوقاتهم في تعلم القرآن والعلم والعبادة وتعلم الأخلاق والقيم، وألا يكل تعليمهم إلى المدارس أبداً، وأن يبيَّن لهم أن ما يتلقونه من دين الله في البيت هو أفضل وأعظم مما يتلقونه في المدارس، وأن المدارس يَدْرس فيها من هب ودب، ويُدَرَّس فيها كذلك من هب ودب، وأن تعلُّم القرآن هو الشرف العظيم، وأن تعلُّم العلم الذي جاء به النبي ﷺ هو أشرف من كل ما سواه، فإنهم -إن شاء الله تعالى- لن تضرهم المدارس بذلك، فيستفيدون مما فيها من الخير، وينجون مما فيها من الضرر، والمهم أن على الإنسان أن يحاول أن ينجي أولاده من ضررها، وأن يكسبهم نفعها.
стр. 330
طلاق من استبان أنها محرم وعدتها
السؤال
المطلقة طلاقاً تنزهياً هل لها عدة أم لا؟
الجواب
لها عدة كعدة غيرها، فقد أخرج البخاري في الصحيح وغيره من حديث عقبة بن حارث ﵁ قال: (تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب بن عزيز، فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني أرضعت عقبة والتي تزوجها، فقلت: ما علمت ذلك ولا أخبرتني، فأرسلت إلى آل أبي إهاب أسألهم فقالوا: ما علمنا ذلك، فركبت راحلتي فأتيت النبي ﷺ بالمدينة فسألته: فقال: طلقها فلا خير لك فيها)، وفي رواية: (كيف وقد قيل)، وفي رواية: (فارقها، ففارقتها فتزوجت رجلاً غيري)، فهو بمثابة الفراق، ولهذا تعتد منه المرأة بثلاثة قروء كالمطلقات الأخريات.
стр. 331
حكم طاعة الوالدين في اختيار الزوجة
السؤال
ما حكم من يعارضه أبواه في الزواج من الملتزمات، بدعوى أنها ليست من أهله، ويصران على زواجه من بنات قومه، فكيف يتصرف مع أبويه؟
الجواب
على الإنسان إذا أراد البر بوالديه أن يسألهما أن يرشحا له من يرضيانها، فإن رشحا له ذات دين وخلق فعليه أن يبرهما بذلك، وإذا رشحا له من لا يرضى دينها ولا خلقها فلا يجب عليه برهما بذلك، بل إذا كان يخشى أن يصل إليه ضرر من خلقها أو دينها فلا يحل له أن يتزوجها، وإذا كان يرجو أن تلتزم وتستجيب، وأن يُصِلحَ دينها وخلقها فيثاب ثوابين إن شاء الله تعالى؛ ولهذا عليه أن يقنع والديه بالتي هي أحسن: إذا عرف من يرضى دينها وخلقها وأراد أن يتزوجها فمانع والداه من ذلك، فعليه أن يقنعهما بالتي هي أحسن، وإقناعهما سهل: فالوالدان بطبعهما رحيمان يحبان مصلحة الولد، فإذا خيَّرهما بين أن يتزوج بهذه أو أن يترك الزواج، فسيختاران الزواج بها، وكذلك إذا أخر الزواج بها وخدمهما وتقرب إليهما فترة طويلة، فإن ذلك مقتض لأن يبادرا إلى هواه وما يحبه، فإقناع الوالدين أمر سهل، وبالأخص إذا برهما الولد وأحسن صحبتهما، وعلى الإنسان ألا يتعجل، وألا يمل من خلطة والديه، فإنهما سينتقلان لا محالة ولن يعوضا، ولن يجد الإنسان بعدهما من يسد له مسدهما من المحبة والنصح؛ ولذلك على الإنسان أن يحسن خلطتهما ومصاحبتهما بالتي هي أحسن كما أمر الله بذلك.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ندَّ لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تصلح أولادنا، وأن تحقق مرادنا وأن تجعل التقى زادنا.
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم جنبنا جميع الجرائم والفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اصرف عنا الوباء والربا والزنا والزلازل والمحن عامة يا أرحم الراحمين.
اللهم لا تدع لنا في ساعتنا هذه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً وفيها لنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين.
اللهم حارب الكفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أولياءك ويصدون عن سبيلك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية.
اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً ولا تجعلنا أتباعه.
اللهم استرنا بسترك الجميل، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم استرنا يوم العرض عليك يا أرحم الراحمين.
اللهم هؤلاء عبادك وإماؤك قد اجتمعوا في بيت من بيوتك يرفعون إليك أيدي الضراعة، فلا تردهم خائبين، اللهم لا تجعلنا أخيب الداعين يا أرحم الراحمين.
اللهم إنك تدعى في هذه الساعة بألسنة مختلفة في أماكن شتى، يا من لا تَحجب عنه دعوةٌ دعوةً، ولا تختلط عليه حوائج الداعين أجب دعاءنا يا أرحم الراحمين.
اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم استجب دعاءنا يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم أنزل علينا السكينة، وألهمنا الإيمان يا أرحم الراحمين.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم أحسن خواتمنا يا أرحم الراحمين، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واختم بالحسنات آجالنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم اجعل سرائرنا خيراً من علانياتنا، واجعل علانياتنا صالحة.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 332
خطورة المتاجرة بكلمة الحق
عندما يتغلغل الإيمان في القلوب لا يمكن لأي قوة بشرية أن تقف أمامه، فهاهم سحرة فرعون عندما خامر الإيمان شغاف قلوبهم لم يخشوا تهديد فرعون بالقتل والصلب وإنما قالوا: اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.
فعلى العلماء والدعاة أن يسعوا إلى زيادة الإيمان وتقويته، حتى يواجهوا به ضغوطات الجبابرة والطغاة، وأن يقولوا كلمة الحق ولا يخافوا في الله لومة لائم.
стр. 333
ضرورة معرفة نعم الله علينا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
عباد الله! إن الله يتعرف إلى عباده بما يسديه إليهم من النعم، ويتعرف إليهم كذلك بالبلاء الذي هو من المحن، وقد قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]، فمن شكر نعمة الله تعهد الله له بالمزيد، ومن صبر على بلاء الله تعهد الله له برفع البلاء ورفع الدرجة في الآخرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، فلذلك لابد -يا إخواني- أن نعلم أن كل ما يأتينا إنما هو من عند الله ، وقد أنعم علينا بأنواع النعم التي لا نستطيع إحصاءها، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٥٣ - ٥٤].
لابد -يا إخواني- أن نعرف نعمة الله علينا، وأن نقر بها ونبوء بها لله ؛ ليزيدنا من فضله، فإن ما عند الله تعالى غير محصور، وإنه قد قال فيما روى عنه رسوله ﷺ في الحديث القدسي الصحيح: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد منهم مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، وإن الإنسان إذا تعامل مع الله تعالى عرف نعمته عليه في ماضي حياته، فكم من مأزق قد دخله ثم فرج الله عنه، وكم من أمر قد ضاق عليه ثم وسع الله له فيه، وقد قال أحد العلماء: حسن الظن بمن عودك كل إحسان، وقوى أودك، إن رباً كان يكفيك الذي كان بالأمس سيكفيك غداً.
стр. 334
فوائد التوكل على الله
إن التوكل على الله هو مفتاح الفرج، وهو الذي يقتضي من الإنسان تحقيق الإيمان والانتماء لله تعالى، ولذلك فإن رسل الله قد حققوا ذلك جميعاً، وقد قال نوح لأصحابه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس:٧١]، وقال هود لقومه حين كذبوه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، وقال إبراهيم ﵇ لقومه حين رموه في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]، وقالها النبي ﷺ وأصحابه حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]، أنعم الله عليهم فهداهم للتوكل عليه، وأرشدهم إلى سلوك طريقه، فامتن الله عليهم بهذه النعمة الجسيمة العظيمة، وكل المؤمنين عرضة لذلك إذا توكلوا على الله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق:٤ - ٥]، فعلينا -يا إخواني- أن نتوكل على الله وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأن نحسن العلاقة به، وأن نتوب إليه من كل ما فرطنا في جنبه، وأن نعلم أنه غني عنا ونحن فقراء إليه، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]، وأنه تعالى غني عن عذابنا، وغني عن إلحاق الأذى بنا، ولكنه يمتحننا ويبتلينا، فعلينا -يا إخواني- أن ننجح في هذا الامتحان بين يدي الله، وأن نحسن علاقتنا به، وأن نفتح صفحة جديدة وعمراً جديداً، فقد أتيحت الفرصة لكثير منا بالإحسان والتوبة والرجوع إلى الله .
стр. 335
الإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى
علينا أن نعلم عباد الله! أن ما عند الله خير وأبقى، وأن أهل الأرض لا يملكون لأحد منا نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤].
إن الله هو ديان السماوات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، الأمر كله إليه ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٣]، السماوات السبع والأرضون السبع في قبضة يمينه، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء.
وما يخافه الإنسان من العباد لا يساوي شيئاً مما عند الله، فالإنسان الذي ترهبه أو تخاف منه أو تخاف مكره أو بطشه، يمكن أن يموت في نفس اللحظة التي تخافه فيها، وقد قال النبي ﷺ لرسولي كسرى: (أرسلكما كسرى؟ قالا: نعم.
قال: قتله ابنه البارحة)، فالذي أتعبكما قد قتله ابنه البارحة.
ولذلك لابد -يا إخواني- أن نعلم أن الأمر كله بيد الله، وأن المخلوقين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً من هذا الأمر، ليس شيء في أيديهم، لا يستطيعون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فكيف بمن سواهم؟! لابد أن نوحد الله تعالى وأن نخلص له، ولابد أن نعلم جميعاً أن الرزق من عند الله، وأن الخير بيد الله، وأن الثواب والعقاب كلاهما بيد الله، لا يملك أحد لأحد ثواباً ولا عقاباً إلا الله .
стр. 336
دعوة إلى التحرر من القيود والضغوط البشرية
ويعجب الإنسان إذا سمع أن مخلوقاً ضعيفاً محتاجاً إلى الله تعالى في كل أحواله، يحاول أن يناد الله ويحاده في ملكه، فيأمر بما يخالف أمر الله، ويسعى لإظهار الباطل وإزهاق الحق بلسانه الذي هو من خلق الله، لا يستطيع أن يتحرك حركة لا يميناً ولا شمالاً، ولا يستطيع أن يلفظ بقول إلا بأمر الله ، وهو مع هذا يحاول أن يفتري على الله كذباً، ويحاول أن يأمر الآخرين بذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:٩ - ١٩].
وعلى عباد الله إذا تعارض أمر الله سبحانه مع أمر غيره أن يقدموا أمر الله؛ لأنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، وأن يعلموا أن الله لديه من الضغوط ما ليس لدى المخلوقين، فالضغوط سببها إما خوف أو طمع، والله هو الذي لديه ما يخاف منه، ولديه ما يرغب فيه ويطمع، ومن سواه لا يملك ذلك لأحد.
لذلك لابد -يا إخواني- أن نتحرر من القيود ومن الضغوط، وأن نعلم أن المخلوقين ليس لهم أن يأمروا أحداً بخلاف أمر الشارع، وليس لأحد أن يطيعهم في ذلك، ومن فعل فقد عبدهم من دون الله، وقد قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
стр. 337
ضرورة الثبات على الإيمان وفوائده
إن كثيراً من الناس يظن أنه بسلطانه في هذه الحياة الدنيا، أو بمكانته أو بوظيفته يستطيع أن يضغط على الآخرين، وأن يؤثر فيهم، حتى يغيروا مواقفهم، أو حتى يعدلوا عن الحق الواضح الذي لا لبس فيه، وهذا إنما هو ضرب في حديد بارد، وتخيل في غير موضعه، ولذلك لابد أن يثبت المؤمنون على الإيمان، وأن يعلموا أن الصراط الدنيوي الذي جاء به رسول الله ﷺ هو تمثيل للصراط الأخروي، الذي هو جسر منصوب على متن جهنم، وجاء وصفه في الحديث: (أدق من الشعر، وأحد من السيف، وعليه كلابيب كشوك السعدان، يتفاوت الناس عليه بحسب أعمالهم: فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدواً، ومنهم من يزحف على مقعدته، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس على وجهه في نار جهنم).
وبقدر استقامة الإنسان على هذا الصراط الدنيوي تكون استقامته على الصراط الأخروي، فلذلك لابد أن نعلم أن كل هذه الضغوط، وكل هذه الأوامر والنواهي التي هي في غير موضعها، صادرة ممن لا يستحق أن يأمر ولا أن ينهى، ولا يملك لنفسه شيئاً، لو شرق من ريقه لما استطاع أن يزيل ذلك، ولو احتبس نفسه في رئته لما استطاع أن يخرجه، ولو احتبس أي شيء من قاذورات بدنه لما استطاع أن يخرجه من بدنه، ومن كان هكذا لا يمكن أن يخافه عاقل ولا أن يطمع فيه، لابد -يا إخواني- أن ننزل البشر منزلتهم، وأن نعلم أن حقوق الإلهية مختصة بالله ﷻ ، لا يملكها أحد ممن دونه.
إن الإنسان إذا اعتقد هذه العقيدة وآمن بهذا الإيمان، فهو مؤمن عبد لله، حر من الأحرار، ليس لأحد عليه سلطان، ولا لأحد ولا عليه ضغط، وهو بذلك متصل بالله ﷻ ، وقوته مستمدة من قوة الله الجبار ﷻ ، ولا يمكن أن يضعف أمام أي سلطان، ولا أمام أي ضغط من الضغوط، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٣٩ - ٤١]، انظروا إلى الفرق الشاسع بين هؤلاء الذين وصفهم الله بهذا الوصف ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، وبين آخرين إذا مكن لأحدهم في الأرض، ولو كان تمكيناً ناقصاً أمروا بالمنكر ونهوا عن المعروف، وأرادوا أن يغيروا حكم الله ، وما جاء به رسول الله ﷺ من عنده، ويتجاسرون على الله تعالى في ذلك، وهم في هذا يعلمون أن ما هم فيه زائل، وأن الكراسي التي يشغلونها قد شغلها من هو أطول منهم عمراً ومن سبقهم، وقد قيل قديماً: (لو دامت لغيرك لما وصلت إليك)، ويعلمون أنهم غير مخلدين فيها، وأن لهم يوماً يذهبون عنها ويقفون بين يدي الله ، ليس مع أحد منهم شفيع، ولا يغني عنه نسبه ولا حسبه، ليس له حينئذ إلا ما جنت يداه، ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١] حينئذ يعرضون على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]، حينئذ يجازون عند الملك الديان بما يستحقون، ولا يمكن حينئذ أن يراعى فيهم نسب ولا حسب ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٨ - ٥١].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.
стр. 338
أسباب طغيان الإنسان
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على تفضله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وإخوانه.
عباد الله! إن الطغيان له أسباب كثيرة، فيطغى الإنسان إذا أحس بالغنى، كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧].
ويطغى إذا أحس كذلك بالقوة بأي وجه من أوجهها، ويطغى إذا أحس بالإمهال من عند الله ، ويطغى إذا اقترف كبيرة من الكبائر فلم يؤاخذ بها، ويطغى كذلك إذا رأى غيره ينصره على ما هو عليه من الباطل، وكل هذه الأسباب تؤدي بكثير من الناس إلى الطغيان ونسيان الآخرة، ومن العجب الذي لا يمكن أن يتصور إنسان قدره ولا مستواه، عندما يصل الطغيان إلى أقصاه في بلاد الإسلام وبين المسلمين! وينادى به على رءوس الأشهاد ولا يستنكره أحد، فهذا من العجائب العجيبة، التي لا يمكن أن يتصورها المسلم، الذي هو على هذه المحجة البيضاء، التي تركنا عليها رسول الله ﷺ ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
стр. 339
واجب أئمة المساجد تجاه الضغوطات الموجهة عليهم
يعجب الإنسان إذا سمع أن أئمة المساجد جميعاً يؤمرون بأن يقولوا الباطل وأن يسكتوا عن الحق! يعجب أن يسمع مثل هذا النوع من التوجيه الذي هو صريح في مخالفة أمر الله ! وهو يعلم أن المساجد ليس عليها سلطان للبشر، وأن الله تعالى نسبها لنفسه وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨]، فحررها الله من سلطة العباد، وجعلها خالصة لله ، فليس فيها سلطان إلا للقرآن، ما أمر الله به فيها لابد من أن ينفذ، وما نهى عنه لابد أن يجتنب، وهي بيوت الله من أرضه، ولابد من احترامها على أن تتخذ للدعايات المغرضة، والأباطيل والأراجيف الكاذبة، لابد أن تطهر من هذا النوع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام:٢١]، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً، وبين الله أن الافتراء سبب لأخذ الله السريع، فقد قال في نذارة موسى ﵇: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]، وقد قال الله تعالى في تعطيل المساجد: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:١١٤].
تعهد الله لهم بأمرين: الأمر الأول: الخزي في الدنيا.
والأمر الثاني: العذاب في الآخرة، نسأل الله السلامة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
إن هذا الضغط لا يمكن أن يستجيب له عاقل ولا مؤمن؛ لأنه يعلم أن الله تعالى يأمر بخلاف ما يأمر به هؤلاء العباد الفقراء الضعفاء، الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتاً ولا نشوراً، وأن ما يأمرون به مخالف لرضوان الله ، والله ينظر إليهم عند أمرهم، ويستمع إلى ما يقولون ويبيتون وهو معهم أينما كانوا، ولا يستطيعون كتمان شيء من ذلك، وسيأتون فيعيدون الكلام بحضرة الملأ بين يدي الملك الديان، وبحضرة الأنبياء والملائكة جميعاً، وتشهد عليهم جوارحهم به، عندما يختم على ألسنتهم، فتتكلم جوارحهم وتشهد عليهم بما فعلوا من الزور والبهتان، والظلم العظيم.
إن هذا النوع من الأوامر لابد أن يستنكر، فهو من المنكرات الكبيرة العظيمة التي يجب إنكارها وتغييرها، ومن لم يستطع تغييرها بيده وجب عليه إنكارها بلسانه، فقد أخرج مسلم في الصحيح، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
стр. 340
لا ينبغي للعاقل أن يصرف دينه ومروءته من أجل أن يحصل على المنصب
إن علينا يا عباد الله! أن نعلم أن الحرص على المناصب أو الوظائف لا ينبغي أن يصل بالعاقل إلى هذا المستوى من الدناءة ونقص المروءة، إن لم يكن للإنسان دين يمنعه من مثل هذا، فعلى الأقل تمنعه منه مروءته في أوقات الحاجة إليه، وهو يعلم أن الناس تنتظر منه قول الحق، وتنتظر منه نصرة دين الله ، وتنتظر منه بما أنعم الله عليه أن يقول ما قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]، إن ظهير المجرم لابد أن يسلط عليه المجرم يوماً من الأيام، وقد جاء ذلك في الصحيح، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعان ظالماً سلط عليه)، فلابد أن يسلط عليه ذلك الظالم الذي أعانه وتزلف إليه بما يعلم هو في قرارة نفسه أنه باطل وكذب مفترى، فلابد أن يسلط عليه ذلك الظالم إن لم يتب، والله قد فتح باب التوبة أمام الجميع، وأذن للجميع إذا أخطئوا واستجرهم الشيطان إلى الباطل أن يعودوا إلى الحق.
وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: (ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل) والتمادي في الباطل لا يكون إلا من شأن الذين تبرأ الله منهم، فأولئك هم الذين يقعون في الباطل ثم يستمرون عليه ويستمرئونه.
أما أهل الحق فإن الشيطان يستزلهم للوقوع في المنكر ثم يتوبون ويرجعون إلى الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢].
وبالأخص إذا كان الإنسان في شعب مسلم مسالم شأنه شأن شعبنا هذا المسلم، فإنه يعلم أن أهل الحق حتى من بيته وأسرته سيلومونه على مخالفة الحق، ومن لم يلمه على ذلك كان شريكاً له كما قال الشاعر: لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إذاً للام ذوو أحسابها عمر ففي ذلك لابد أن يستحي الإنسان على الأقل على مروءته إن لم يستح على دينه، من مثل هذا النوع من الأباطيل التي هي من منكرات آخر الزمان التي لابد من إنكارها.
стр. 341
ظهور الحق مع قوة الباطل وطغيانه
والغريب أن يغتر الإنسان بسلطانه فيظن أنه سيكمم أفواه الخلائق جميعاً، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]، أيظن أنه يستطيع أن يكمم أفواه الملائكة؟! أيظن أنه يستطيع أن يكمم أفواه الرياح؟! إن الحق إذا لم ينطق به البشر نطقت به الملائكة ونطقت به الرياح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢]، إذا لم يقم به أهل الأرض قام به أهل السماء، ولذلك لا تظنوا أن الحق سيخنس أبداً، بل لابد أن يقوم به قائمون لله تعالى لا يخافون في الله لومة لائم، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٤ - ٥٦].
أسمعتم هذه الصفات التي بين الله تعالى، والتي لم تجدوا فيها الذين يكممون أفواه الناس عن الحق، والذين يوزعون الأوامر في القرى والأمصار ألا يتكلم بالحق على المنابر، والذين يوزعون الأوامر في القرى والأمصار أن يعتقل كل من قال الحق، هل تجدون هذا الوصف في هذه الآيات؟ أبداً، إنما جاءت على خلافه وتكذيبه، وإبطال ما يدعيه أصحابه، فأولئك لا خلاق لهم، وإنما سلطهم الله على أنفسهم بذلك، ولا يضرون إلا أنفسهم، ولا يضرون الله ولا رسوله ولا دينه شيئاً، وسيندم من عاش منهم غاية الندم، أما من مات منهم على ذلك قبل توبته فسيعجل له عقابه، نسأل الله السلامة والعافية.
عباد الله! إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى فيه بملائكته، وثلث بكم معاشر المؤمنين، فقال جل من قائل كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، اللهم صل وزد وبارك على نبينا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأوهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم أظهر دينك وكتابك على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم من أراد المسلمين أو الإسلام بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، واجعل دائرة السوء عليه، وأدخله في ردغة الخبال، وسل عليه سيف الذل والوبال، وأرنا فيه عجائب قدرتك، وأنزل به المثلات، وأنزل به بأسك الذي لا يرد على القوم المجرمين، وائته من حيث لا يحتسب، وسلط عليه ما لا يستطيع الخلاص منه، اللهم شل أركانه، وهدّم سلطانه، وأخرس لسانه، وشتت أعوانه، وأبدلنا خيراً منه مكانه.
اللهم فرج همنا، ونفس كربنا، اللهم عجل الفرج لنا أجمعين، اللهم عجل فرجنا وعجل مخرجنا، وانتقم لنا ممن ظلمنا وممن أعان على ظلمنا.
اللهم فرق رأيهم، وشتت شملهم، واجعل كيدهم في تضليل، وأرنا فيهم عاجل انتقامك يا قوي! يا عزيز! اللهم كن للمستضعفين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم كن للمسلمين في فلسطين وفي العراق وفي كشمير وفي الشيشان وفي أفغانستان، اللهم ارفع عنهم البلاء، اللهم انصرهم على أعدائهم، اللهم أنزل بأسك ورجزك وسخطك وعذابك على كفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أولياءك، ويصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، اللهم أنزل بهم المثلات، اللهم اهزمهم شر هزيمة، وأخرجهم من بلاد المسلمين صاغرين مهزومين يا ذا القوة المتين! اللهم إنهم قد طغوا وبغوا وبذلوا ما يستطيعون من الفساد في الأرض، اللهم اضربهم بسوط عذاب من عندك، ترينا به عاجل عقوبتك وسريع أخذك فيهم يا قوي! يا عزيز! اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم اغفر لنا حوبنا وسيئاتنا كلها يا قوي! يا رحمان! يا رحيم! اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وفك أسرنا وأسر المأسورين من المسلمين أجمعين.
اللهم إننا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والمحن، وجميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا أرحم الراحمين! اللهم ول أمورنا خيارنا، ولا تول أمورنا شرارنا، واجعل المال في أيدي أسخيائنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك، وأقام منهجك، ولم تأخذه فيك لومة لائم، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واختم بالحسنات آجالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه شكراً حقيقياً يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، يغفر الله لنا ولكم.
стр. 342
استشعار أئمة المساجد ما استئمنوا عليه من الوحي
لابد كذلك أن يعلم أئمة المساجد أنهم أمنا الله على الوحي، وأن الله اختارهم لمكان سامق رفيع، وأنهم إذا كانوا يخضعون لمثل هذا النوع من السفاهات فقد احتلوا مكاناً لا يستحقونه، فهذا الوحي هو أشرف ما في الأرض، ولا يمكن أن يؤتمن عليه السفهاء، ولا أن يؤتمن عليه الذين خربت هممهم، ولا يمكن أن يؤتمن على وحي الله إلا من كان أهلاً لذلك، ولهذا فإن من ائتمنه الله على وحيه فقد تحمل أعباء عظيمة، وتحمل أمانة قد عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، ولا يمكن أن يكون الإنسان متحملاً لذلك إلا إذا كان مستعداً لتبعاته وما يترتب عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فلابد أن يتحملوا مسئوليتهم، وأن يقوموا لله بالحق الذي عليهم، وألا يبالوا بمثل هذا النوع، فإن سحرة فرعون في أول إسلامهم قد نبذوا هذه الضغوط كلها، وعندما خاطبهم فرعون بقوته وسلطانه، وهددهم بأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن يصلبهم في جذوع النخل، فماذا كان منهم؟ لم يكن منهم إلا أن قالوا له: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٢ - ٧٦].
стр. 343
المرأة بين الإسلام والتغريب
كرم الله المرأة وأعطاها حقوقاً تتمتع بها، وشرفها بأن جعل نفقتها ومؤنتها على الرجل، وصانها بالبقاء في بيتها، وبالحجاب وعدم الاختلاط بالرجال، ثم جاءت جاهلية الغرب فاتخذت من المرأة سلعة تباع، ومن عفافها تجارة ووسيلة للإفساد ونشر الرذيلة، وهذا مما يوجب على الداعية المسلم أن يوعي الأمة بخيرية الإسلام وصيانته للمرأة، وما عليه دعاة الغرب من الرذيلة والفواحش.
стр. 344
تكريم المرأة بين الجاهلية والإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن موضوع المرأة أصبح من الموضوعات التي ينبغي أن يهتم بها الرجال والنساء في عصرنا هذا خصوصاً، لما أشاعه أعداء الإسلام فيه من الافتراءات وما روجوا فيه من الشبهات التي كان العالم في غنى عنها لولا هذه الترويجات المغرضة.
وذلك أن المرأة لا تتميز على غيرها من خلق الله تعالى إلا تميزاً بسيطاً فسيولوجياً هو الذي جعلها امرأة، وهذا التميز لا يقتضي أن تفرد بكلام، أو أن تفرد بتفكير، أو أن يكون لها وضع مستقل، فهي من خلق الله تعالى، ومن الذين أرسل إليهم الرسل وامتحنوا بهذا الشرع، فإما أن يتبعوا وإما أن يضلوا، وكذلك إما أن يكونوا من أهل الجنة، وإما أن يكونوا من أهل النار.
ولكنه نظراً لبعض الأوضاع التي سادت في أوروبا وفي بعض البلدان الغربية فهضم فيه هذا الجنس من الناس وظلم، فجعلت المرأة بضاعة تباع وتشترى ويقصد بها الرزق، وتستغل كثيراً من أنواع الاستغلال، كانت النهضة الأوروبية الحديثة تجعل من مقوماتها ومن دواعي انتشارها، ومن أبواقها الإعلامية قضية تحرير المرأة.
ولا واقع لهذه القضية في بلاد المسلمين في الأصل إلا ما استوردت من أوروبا، ولم يستورد منها شيء إلا بعد نهضتها وبعد الثورة الفرنسية التي جاءت بإعلان حقوق الإنسان، ولذلك فإن اتخاذ المرأة بضاعة تباع وتشترى، واتخاذها ذريعة للإفساد في الناس واستغلالها بأنواع الاستغلال السيئ؛ كل هذه الأمور إنما توجد في العوالم المتخلفة.
ولهذا اشتهر في جاهلية العرب، أنهم كانوا يئدون بناتهم لئلا يشركنهم في مآكلهم ومشاربهم، ويئد بضعهم بناته خوفاً من الفضيحة، وكانوا كذلك لا يورثون النساء، لا من تركة الأزواج ولا من تركة الآباء، ولا الإخوة، وكانوا كذلك يكلفون الزوجة كثيراً من التكاليف، فكانت بمثابة الخادمة عند زوجها، وكان يضربها متى شاء ويؤذيها بأنواع الإيذاء.
وكانت كذلك إذا مات تعاني الأمرين، فتحبس في بيتها حتى تمضي سنة كاملة، لا تمس ماء ولا استحداداً ولا طيباً، ثم بعد ذلك يكون أكبر أولاده أولى بها من نفسها فإن شاء باعها لمن يدفع أكبر ثمن، وإن شاء خلف عليها واتخذها زوجة دون مهر.
وهذا الظلم كله نفاه الله ، وبدله الرسول ﷺ ، فأعاد للمرأة حقوقها كاملة، فحرم الرسول ﷺ وأد البنات، وجاء ذلك في عدد من آيات القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، وكذلك جاء فيه قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] وكذلك قال الرسول ﷺ : (وحرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات).
وكذلك حرم الرسول ﷺ ضرب الزوجة، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (لا يضرب أحدكم زوجه ثم هو ويضاجعها)، وفي رواية: (لا يضرب أحدكم امرأته ثم هو يضاجعها).
وكذلك حرم الرسول ﷺ إيذائهن ومنعهن من التصرف المباح، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات).
وكذلك حرم الله عضلهن، وحبسهن عن الزواج، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩].
وكذلك فرض الله لهن من الميراث نصيبهن وحظهن، فجعل للزوجة الربع من تركة زوجها إذا لم يكن له فرع وارث، والثمن إذا كان له فرع وارث، وجعل لبنت الصلب وحدها النصف، وللأخت الشقيقة وحدها النصف، وللعدد من بنات الصلب الثلثين إذا انفردن، وللعدد من الأخوات الشقائق الثلثين كذلك، وكذلك جعل للأخت للأم السدس إذا انفردت ويشتركن في الثلث إذا اجتمعن، ويستوي في ذلك الذكور والإناث من الإخوة للأم.
وكذلك جعل لبنت الابن عند انفرادها مثل ما لبنت الصلب، أي: النصف، وإن تعددن فلهن الثلثان، وإن كانت بنت الابن مع بنت الصلب فلها السدس تكملة الثلثين، وكذلك الأخت لأب، إذا انفردت ترث النصف بكامله، وعند التعدد يرثن الثلثين، وللأخت لأبٍ مع الأخت الشقيقة السدس تكملة الثلثين.
стр. 345
الجواب عن الاعتراض في توزيع الميراث بين الذكور والإناث
وهنا يعترض بعض المعترضين حين جعل الله تعالى للزوج عند عدم وجود الفرع الوارث النصف وله مع الفرع الوارث الربع، وأنه جعل في ميراث العصبات للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا مختصٌ بهاتين القضيتين فقط من قضايا التركة.
والجواب هنا: أن المال لا يُنظر إليه بهذه النظرة المادية التي تقتضي التهافت عليه، فلا ينظر إلى المال شرعاً على أنه قيمة من قيم الإنسان، ولا أنه عنصر من عناصر التفاضل، أو معيار من معايير التفاضل بين الناس، بل يُنظر إليه على أنه وسيلة من وسائل تحقيق التكاليف فقط، فمن كانت تكاليفه كبيرة ينبغي أن يزداد حظه من المال ليتصرف فيه، ومن كانت تكاليفه صغيرة، لم يحتج إلى هذا المال ولا ينبغي أن يدخره ويحتكره، لأن ذلك يعتبر تعطيلاً لهذا المال عن الحكمة الشرعية التي من أجلها خلق.
ولهذا فإن المرأة لم تكلف بكثير من التكاليف المادية في الشرع، فليست عليها دية، فلا تدي خطأها هي ولا خطأ غيرها، والرجل عليه الدية عن نفسه، وعن المرأة، بل يدي عن أقاربه جميعاً ذكورهم وإناثهم، والمرأة لا تدفع شيئاً من الدية.
والرجل في الزواج هو الملزم بالصداق والنفقة والسكنى والكسوة، ولا يلزم المرأة شيء من ذلك، والرجل هو المكلف ببذل المال على وجه الأصالة في إعلاء كلمة الله تعالى في الجهاد في سبيل الله، ولا يجب ذلك على المرأة، فلما أسقطت عنها هذه التكاليف المادية، جاء حظها من الميراث أيضاً أقل في مقابل التكاليف، ومن هنا يزول هذا الاعتراض بكليةٍ.
стр. 346
الجواب عن الاعتراض على جعل القوامة للرجال
وكذلك فإن من الاعتراضات التي يعترض بها في هذا الباب القوامة التي جعلها الله تعالى للرجال على النساء؛ فإن الله قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤].
وهذه القوامة تقتضي الإشراف والنفقة، والقيام بالحقوق والحضانة، والدفاع عنها وإرشادها لما فيه مصلحتها، وهي تشريف شرف الله به الرجال في مقابل تشريف آخر شرف به النساء، وذلك أن الله هو الحكم العدل، فجعل في الدنيا أمرين: الماديات والمعنويات، فشرف الرجال بأهم ما فيها من المعنويات وشرف النساء بأهم ما فيها من الماديات، فالنساء شرفهن الله بالذهب والحرير وحرم ذلك على الرجال، والرجال شرفهم الله تعالى بالقوامة، وحرم ذلك على النساء في الأمور العامة مثل الإمارة وإمامة الصلاة، وقوامة البيت، وغير ذلك.
هذه أمور معنوية شرف الله بها الرجال، وحظرها على النساء، وفي المقابل شرف النساء بأشرف الماديات من الذهب والحرير، وغير ذلك من الأحجار الكريمة التي يمنع استعمالها على الرجال، وهذا عدلٌ من الحكم العدل، فلماذا لا يعترض على تحريم الحرير والذهب على الرجال ويعترض على تحريم القوامة على النساء؟ إن هذا العنصر الذي هو المرأة عنصرٌ فعال مؤثر، فلذلك يحتاج إلى توجيهه توجيهاً صحيحاً ليتمكن من القيام بدوره الواجب، ولا شك أن أصل خلقة النساء تقتضي منهن لطفاً وعاطفةً زائدة، ولهذا أوجب الله عليهن الحضانة والتربية، والقيام بأمور البيت، وهذه حقوق لا يمكن أن تنكر؛ فهي مما يتعارف على أنه يختص بالنساء في كل أمةٍ وفي كل حضارة، ولا يمكن أن تسند إلى الرجال أبداً.
لكن المشكلة أن الذين يدعون إلى تحرير المرأة يلزمونها بهذه الحقوق، ويوجبون عليها حقوقاً أخرى، وهي الحقوق الواجبة على الرجل، فيكبلونها بقيدين: القيد الأول: الحقوق التي كانت واجبة على النساء وهي مناسبةٌ لهن وملائمة لهن.
والقيد الثاني: الحقوق الواجبة على الرجال، والتي هي مناسبة لخلقة الرجال وقوتهم، وهذا زيادة في التكاليف دون مقابل، والحكم العدل اللطيف الخبير أعلم بالمصالح، وهو الذي يقول في كتابه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١].
стр. 347
دور المرأة في الإسلام
إن نظرةً واقعية لحال المرأة في الإسلام وحالها في بلاد الغرب، تكشف لنا كثيراً من الحقائق.
وإذا قلت: في الإسلام، فلا أقصد واقع المسلمين اليوم، ولا ما يعيشه المسلمون في بلاد الإسلام مع الأسف؛ لأن هذا الواقع إنما هو تجلٍ واكتشاف من تجليات الحضارة الغربية الموجودة وراء البحر الأبيض، فالواقع الذي نعيشه هنا ما هو إلا صورةٌ منقولةٌ من بعض ما هنالك، فلذلك لا يمكن أن نحاكم المرأة في الإسلام على هذا الأساس، ولا أن ننظر إلى واقع المرأة اليوم في بلاد المسلمين فنرى أنه هو الواقع الشرعي الذي يجب أن يكون.
بل الواقع خلاف ذلك، فالمرأة في بلاد الإسلام اليوم إلا من رحم الله قد أخذت بما في بلاد الغرب، وسعت تنهق وراء الغربيات، وحاولت أن تُدرك ما فاتها من فجورهن وسعيهن فيما لا يرضي الله .
стр. 348
المرأة المسلمة تشارك في الجهاد
كذلك إذا نظرنا إلى بيوت المسلمين في الصدر الأول وجدنا أن المسئولية فيها مشتركة، وأن أعظم مهمات الإسلام وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، وقد كان النساء فيه يخرجن مع الرجال، وكان الرسول ﷺ إذا خرج في غزوة أقرع بين نسائه فمن خرجت القرعة لها خرج بها في سفره.
وكذلك كان كثير من النساء لا ترضى أن تتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ﷺ مهما كلفها ذلك من المشاق، فهاهي أم سليم بنت ملحان وكانت مسناً حاملاً في شهرها التاسع، حين أراد رسول ﷺ أن يخرج إلى فتح مكة، وإلى غزوة حنين والطائف، لم ترض أن تجلس خلفه في المدينة، فقالت: إن الحر الذي يستقبله رسول الله ﷺ في الهواجر بوجهه، لجدير بنا أن نستقبله.
فخرجت من بيتها مجاهدةً مع رسول ﷺ حتى شاركت في فتح مكة وفي غزوة حنين، وفي حصار الطائف، وأنجبت ولدها والرسول ﷺ محاصرٌ للطائف وهي معه.
وكذلك نجد أختها أم حرام بنت ملحان وهي زوجة عبادة بن الصامت ﵄، عندما نام رسول الله ﷺ في بيتها فاستيقظ يبتسم فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما يضحكك؟ قال: (قوم من أمتي ملوك على الأسرة أو كالملوك على الأسرة يركبون ثبج هذا البحر، هم في الجنة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم)، فهؤلاء القوم الذين يخاطرون في سبيل الله، ويبذلون أنفسهم لإعلاء كلمة الله، ويركبون ثبج البحر، وهم في الجنة كما شهد لهم بذلك رسول الله ﷺ ؛ لن ترضى هذه المرأة المؤمنة إلا أن تكون في مقدمتهم، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال (أنت منهم)، وكان قد رآها ورؤيا الأنبياء وحي.
وهكذا فإننا نجد في البيت الإسلامي في الصدر الأول تكاملاً وانسجاماً بين ما يقوم به الرجال وما يقوم به النساء من أعمال، ونجد فيه تضحيةً متبادلةً من الطرفين، وعوناً متبادلاً ومؤازرة على الحق، ونصراً له، وتعاوناً على البر والتقوى، وتراحماً ومودة أكدهما الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١].
стр. 349
المرأة لها السبق إلى الإسلام ونصرة الدين
لكننا إذا نظرنا إلى الإسلام على حقيقته مبيناً في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهدي السلف الصالح، رأينا أن أول من صدق لرسول الله ﷺ بعد نفسه امرأة، وهي خديجة بنت خويلد، ورأينا أنها أول من ضحى في سبيل نصرة هذا الدين، وأنها سعت جاهدةً لتثبيت الرسول ﷺ ومؤازرته ومساعدته بالنفس والمال، وأن لها أخوات وبنات سرن على طريقتها، وقمن بهذا الواجب على الوجه الأكمل، واقتفين هذا الأثر.
ولذلك لا نجد تضحية للإسلام ولا عملاً مشرفاً للمسلمين، إلا وجدنا إلى جنب الرجال نساءً قمن أيضاً بهذا الحق وسعين في نفس المسعى، بل في كثير من الأحيان نجد بعض الميادين قد برز فيها كثير من النساء واختصت بتضحيتهن وقيامهن بالحق على وجه أكبر مما هو مألوف معروف لدى الرجال، ولهذا فإن فضيلة السبق في الإسلام تُذكر للنساء هنا، فهن أول من صدق رسول الله ﷺ .
وكذلك فضيلة المؤازرة بالمال، فهن أول من ضحى بالمال في سبيل نصرة الدين، وكذلك فضيلة الشهادة بالحق التي هي أقوى مقوٍ للنفسية والشخصية التي نجدها عند خديجة عندما قالت لرسول الله ﷺ : (لا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتكرم الضيف، وتعين على نوائب الحق).
فنجد قوة تصور هذه المرأة للمهمة الجسيمة التي كلف الله بها رسوله ﷺ من تغيير واقع الناس، وفهمها العميق لهذه المهمة، وأنها تقتضي قوة في الشخصية وقوة في التأثير، وأن على من حوله أن يؤازره وأن يبين له ما فيه من الصفات التي تقوي شخصيته على ذلك؛ وكل هذا يدلنا على الفهم العميق الذي وصلت إليه هذه المرأة وهي تواجه هذه المهمة الشاقة الصعبة.
стр. 350
مشاورة المرأة في أمور الدنيا والدين
وكذلك نجد في البيت الإسلامي تحقيق التعاون والرفق، والعطف بين الطرفين أيضاً، فقد كان الرجال في صدر الإسلام ذوي شفقةٍ عظيمةٍ على نسائهم، وكانوا يشركون النساء في الرأي وفي الأمور الجسام.
فهاهو الرسول ﷺ يشاور أمهات المؤمنين في كل أمرٍ عظيم من أمور الإسلام، وكان لرأيهن آثارٌ طيبة في مسيرة هذه الدعوة المباركة، فهذه أم سلمة ﵂ تشير على رسول الله ﷺ يوم الحديبية برأي أنقذ الموقف ورفع الغضب عن أمة محمد ﷺ ، حين أمر الناس أن يحلقوا رءوسهم وأن ينحروا هديهم ويتحللوا فلم يفعلوا، فأشارت عليه أم سلمة أن يبدأ بنفسه، وأن ينحر هديه وأن يحلق رأسه، فإذا فعل فسيفعله المسلمون فلما امتثل رسول الله ﷺ ما أشارت به أم سلمة، امتثل ذلك المسلمون جميعاً، فأنقذت هذا الموقف، وقامت بالوجه الصحيح الذي يقتضي صواب الرأي وتمام الحنكة والفطنة.
إن البيت الإسلامي مؤسسة متكاملة فيه تعاون على البر والتقوى، وقيام بالمصالح العامة وقيام بالمصالح الخاصة، فلا يحتكر فيه أحد الطرفين شيئاً من طاقاته وجهوده عن الطرف الآخر، ولهذا نجد فيه الانسجام الكامل والتعاون في كل الأمور، وأعظمها حقوق الله ، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فالرسول ﷺ يقول: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ امرأته لتصلي معه، فإن هي امتنعت نضح في وجهها من الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل لتصلي، فأيقظت زوجها ليصلي معها، فإن هو امتنع نضحت في وجهه من الماء).
إن هذا من التعاون على البر والتقوى، ومن التعاون على حقوق الله التي هي بداية أمر الدين وملاكه، ثم بعد ذلك التعاون على الحقوق بالتغافر والتسامح في كافة الحقوق، وأدائها على الوجه الصحيح، كما تربى على ذلك الجيل الأول الذين رباهم رسول الله ﷺ وصحبوه ورأوا هديه ودله وسلوكه.
стр. 351
بيعة النساء
إن المرأة في الإسلام ممثلاً في تلك العصور الأولى وفي ذلك الصدر المبارك، لم تكن في حاجةٍ إلى تحرير ولم تكن بحاجة إلى البحث عن حقوق زائدةٍ عن الحقوق الشرعية التي وهبها الله تعالى وشرفها بها، ولذلك لم تكن شخصاً مستهجناً ولا مستذلاً ولم تكن شخصاً هامشياً في الأسرة، بل كان يوكل إليها كثير من المهمات وتقوم بكثير من الأدوار البارزة، وتؤدي كثيراً من الحقوق، وتساعد الزوج في كل الأمور، ويوكل إليها كثير من الواجبات التي لا يمكن أن يقوم بها من سواها، ولهذا فإن الله حدد شروط بيعة النساء لرسول الله ﷺ وبينها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢].
فحدد شروط بيعة النساء هنا وبينها، وكانت شاملةً في جميع ميادين الحياة وجوانبها، فذكر الله فيها الشرط الأول: وهو أن لا يشركن بالله شيئا، وهذا كافٍ التحرير من الأغلال الأخرى، فإن أعظم غلٍ يغل به الشخص وأعظم عبودية يسترق بها هي العبودية لغير الله والشرك بالله، فهو أعظم أنواع الرق والعبودية، فمن كان عبداً لهواه أو كان عبداً لمن سوى الله، فهو رقيق مستذل مستعبد، ولهذا فإن الله حرر المرأة بهذا الشرط الأول من شروط البيعة، وهو قوله: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة:١٢]، فيشمل هذا الشرك في الربوبية وهو عبادة الأصنام، وشرك الألوهية بأنواعها المختلفة، فيدخل في ذلك شرك الدعوة، ويدخل فيه شرك التشريع، ويدخل فيه شرك المحبة، وكل هذه من القيود التي يقيد بها الناس وتكفهم عن التصرف، ولكن الله حرر المرأة منها في هذا الشرط الأول.
ثم بعد ذلك ذكر شروطاً أخرى مكملةً، فقال تعالى: (وَلا يَسْرِقْنَ)، وهذا يشمل السرقة من حقوق الله والسرقة من حقوق الناس، وشر السرقة سرقة المرء من صلاته كما في الحديث، وقد بين الرسول ﷺ بعض أنواع السرقة من الدين، فسئل عن الالتفات، فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم، ولا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه وقال: يا ابن آدم، إلام تلتفت؟ أنا خير مما التفت إليه).
وكذلك يشمل هذا السرقة من الحقوق مطلقاً سواء كانت حقوقاً ماديةً أو كانت حقوق معنوية، ويشمل كذلك السرقة من الأموال، فيشمل ذلك ترك أداء الزكاة فإنه سرقة من مال الله تعالى، وكذلك ترك النفقات الواجبة، وترك أداء الديون، فكل ذلك داخل في السرقات.
ثم بعد هذا قال: (وَلا يَزْنِينَ)، وهذا يشمل أنواعاً كثيرة، فإن الرسول ﷺ قال: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، والقلب يزني وزناه الفكر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).
فالزنا شدد الله تعالى فيه النكير، وحرمه بأسلوب يختلف عن تحريم ما سواه من الفواحش، فإن ما سواه من الفواحش جاء النهي عنه بطريق المباشرة، وأما الزنا فجاء النهي عنه بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، فلم يقل: لا تزنوا، وإنما قال: (لا تقربوا الزنا)، فالنهي عنه يشمل النهي عن مقدماته ووسائله وما يؤدي إليه من الاختلاط والنظر والمصافحة، والكلام في الريبة، وغير ذلك من أنواع الوسائل التي يتوسل بها ويتوصل بها إلى الزنا.
ثم بعد هذا قال: (ولا يقتلن أولادهن)، وهذا يشمل قتل ديانة الأولاد بإفساد أديانهم، وقتل أخلاق الأولاد بعدم تربيتهم، وقتل أبدانهم بعدم الاعتناء بصحتهم، وغير ذلك من أنواع القتل، فليس القتل مقصوراً على إزهاق الروح بل أعظم القتل قتل الدين، ثم بعده قتل الخلق، ثم بعد ذلك قتل الروح وإضعاف البدن.
ثم قال: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٢]، وهذا يشمل الكذب مطلقاً، وشهادة الزور وادعاء الحقوق الباطلة، وكذلك يشمل ادعاء الأنساب غير الصحيحة كتبني الأولاد ونسبتهم إلى النفس من غير أن يكون لذلك حقيقة.
وكذلك قال: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)، وهذا الشرط شامل لجميع الأوامر، فإن الشروط السابقة كلها متعلقة بالنواهي، وأما الأوامر فأجملت في قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢]، فشرط عليهن أن لا يعصين رسول الله ﷺ فيما يأمر به، فإن ما يأمر به هو المعروف، فيشمل ذلك الواجبات والسنن والمندوبات، فكلها داخلة في المعروف الذي جاء به الرسول ﷺ وأمر به.
فهذه البيعة ذات طرفين ككل بيعة، فعلى النساء الوفاء بهذه الشروط، والمقابل الذي سيجنينه هو الجنة، وهو سلعة الله الغالية، فلذلك قال: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢].
ولذلك كان الرسول ﷺ عندما يأتي النساء ليبايعنه يقرأ عليهن هذه الآية فيلتزمن بها، فيقول لهن: (فيما استطعتن وأطقتن)، فكن يقلن: أنت والله أرحم بنا من أنفسنا، أي: حين يشترط لهن هذا الشرط؛ لأنه يعلم ضعف عواطفهن وضعف أبدانهن، فيشترط لهن فيما استطعن وأطقن.
إن هذه البيعة تقتضي أن المرأة عنصر مهم في الإسلام، وأنه ليس عنصراً هامشياً، وأنه لا يمكن أن يدعى ببهتانٍ أنه لم يعط مكانه الصحيح، ولم يتبوأ مكانته المرموقة، بل هذه الآيات التي فيها شروط البيعة وتحقيقها، وهيئة أدائها، كفيلة بالنظر إلى هذا العنصر اللطيف بأنه من أهم شرائح المجتمع ومكوناته، فالغالب أنه أكثر من نصف المجتمع، وبه صلاح النصف الآخر، فهو الذي يربيه ويشرف عليه، وهو الذي يمكن أن يستغل أيضاً لإفساده كما سيتضح لنا في حياة المرأة في الغرب.
стр. 352
نماذج من تضحيات النساء في الإسلام
وهنا أصل إلى بعض النماذج من النساء في الإسلام، فإن هذه النماذج يمكن أن نقرأ من خلالها ملامح عامة عن حقوق المرأة ودورها الذي يمكن أن تقوم به، وعطائها ونظرة الإسلام إليها ومكانتها فيه، وهذا كافٍ وحده مثبتٌ بأن هذا بالإمكان أن يقع، وأنه لا ضرر فيه ولا خطر، وأنه ليس فيه ما يؤدي إلى الاصطدام والانتقاص.
стр. 353
موقف عائشة من مقتل عثمان
ثم إن عائشة ﵂ لم تكتفِ بخدمة رسول الله ﷺ ومؤازرته في نصرة دينه، وحفظ هذا الدين على المسلمين وتبليغه، بل حين رأت أمراً عظيماً، حصل في دولة الإسلام باغتيال الخليفة الثالث وحصاره ظلماً وعدواناً في الشهر الحرام في البلد الحرام؛ رأت أن من واجبها أن تتصرف.
وأداها اجتهادها إلى الخروج للمطالبة بدم عثمان، وهي تعلم أن هذا ليس من شأن النساء، ولكنه إذا لم يقم به من يكفي من الرجال تعين على النساء، فاجتهدت هذا الاجتهاد، وإن كانت قد أخطأت في بعض جوانبه، فخطؤها مغفور؛ لأنه ليس عن رقة دين ولا عن جهلٍ، وإنما هو عن علم وطلب للحق، وهو اجتهاد، والرسول ﷺ يقول: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر).
فـ عائشة ﵂ حين رأت أن الحق هنا وهو المطالبة بدم عثمان، وقتل قتلته، لم يقم به من يكفي من الرجال، رأت أنه مما يتعين عليها أن تقوم فتطالب بدم عثمان، وتخرج في ذلك وتقاتل من أجله.
وهكذا أيضاً كانت لها مشاركات أخرى في كثير من الأمور فيما بعد هذا، فهي المضحية الباذلة في سبيل الله، كان يأتيها عطاؤها من بيت المال، وهو عطاء سنة كاملة من بيت المال، وهي صائمة في النفل، فتنفقه جميعاً في يومها ولا تدخر منه درهماً واحداً للإفطار.
وكانت ﵂ تجتهد في تعليم الناس القرآن، وكان لها بعض الموالي الذين إذا حفظوا القرآن أعتقتهم، وكان لها مولى يحفظ القرآن ويكتب المصاحف، وكانت عائشة إذا كانت بمكة تنزل بين جبلي ثبير وحراء، فيجتمع عليها رجال قريش، فإذا كان من الليل أمرت عبد الرحمن بن أبي بكر أن يقوم بهم الليل ليصلي بهم جماعة، فإذا تخلف عبد الرحمن إلى الحرم أمرت مولاها ذكوان فيصلي بالناس، وكان ينشر المصحف أمامه فيقرأ فيه وهو يصلي بالناس.
стр. 354
نماذج من عصور التابعين وأتباعهم
هذه بعض النماذج في الصدر الأول من المضحيات في سبيل الله، ومن اللواتي نلن حقوقهن كاملةً في ظلال الإسلام، وحفظن حقوقهن ولم يفرقن ولم يفرطن، وعرفن أنهن على حق فلزمنه، وقد اقتفى آثارهن في كل العصور نسوة صالحات مؤمنات، لا خفاء في ذلك ولا إشكال.
فلا نزال نذكر كثيراً من النساء اللواتي كان لهن دور بارز في خدمة الدين، ففي عصر التابعين لا نزال نذكر بعض النساء اللواتي حفظن علم الصحابة كـ فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام وصفية بنت أبي عبيدٍ، وغيرهن من النساء اللواتي كان لهن أثر بارز في خدمة هذا الدين وحفظ هذا العلم.
ثم في عصر أتباع التابعين، نجد أن نسوة كان لهن أيضاً من الأثر والتضحية والبذل في سبيل الله الشيء الكثير، فهذه زبيدة بنت جعفر بن المنصور زوجة هارون الرشيد، وهي من أتباع التابعين، حين حجت فرأت أن الحجاج ينقلون المياه على الحمر والإبل من مكة إلى عرفات، وأن كثيراً منهم يعطش، ويلقى عناءً في الحج، رأت أن من واجبها أن تقيم سقاية للحجيج تبقى بعدها، فجلست في مكة ولم تخرج منها حتى أقامت هذا المشروع الضخم، الذي أنفق عليه الملايين من الدنانير، وهذا المشروع ما زال قائماً إلى اليوم مشاهداً، وقد ظل الحجاج أكثر من أحد عشر قرناً وهم يشربون من سقاية زبيدة.
стр. 355
مواجهة عائشة لحادثة الإفك
وكذلك فإن أعظم مشكلة في حياتها هي مشكلة الإفك التي حصلت في العام السادس من الهجرة، عندما خرج رسول الله ﷺ غازياً إلى بني المصطلق، فأقرع بين نسائه، فخرجت القرعة لـ عائشة، وكان ذلك العام عام قحط.
وكانت عائشة قد استعارت من أختها أسماء عقداً من جزع أظفار فكان في عنقها، فبينما هي خارجة لبعض حاجتها ذكرت العقد فلم تجده، فقام رسول الله ﷺ في طلبه فمكثوا كذلك حتى نفذ ماؤهم، فجاء الناس إلى أبي بكر فقالوا: أما ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء.
فأتاها فوجد رسول الله ﷺ نائماً قد اضطجع وأسند كتفيه إلى بطنها، فجعل أبو بكر يضربها بخاصرتها، ويقول: أقمت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء؟ تقول: فأتألم ما يمنعني من الحركة إلا مكان رسول الله ﷺ ، فاستقبل رسول الله ﷺ فجاءه جبريل بآية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركاتكم علينا يا آل أبي بكر، فبعثوا البعير الذي كانت عليه فوجدوا العقد تحته، ثم انطلقوا، فبينما هم معرسون في مكان إذ أمر رسول الله ﷺ بالرحيل من الليل، فكانت عائشة قد خرجت لحاجتها، فجاء رجلان فحملا الهودج الذي كانت فيه، ولم يشعرا أنها ليست فيه.
فجاءت فوجدتهم قد ارتحلوا ولم تجد أحداً في مكانهم فقالت: لعل رسول الله ﷺ يتذكرني، فأقامت في مكانها وصلت الفجر وجلست فيه تذكر الله، فلما كان وقت الضحى مر بها رجل من الصالحين من المسلمين، وهو صفوان بن المعطل السلمي ﵁، وكان رجلاً مخبتاً يبقى في آثار الجيوش ليأتي بما يتركوه ورائهم، وليحفظ عليهم أمتعتهم، ويحفظ عليهم ظهورهم، فرآها فعرفها، فاسترجع واستعبر -أي: بكى- وولاها ظهره، وأناخ لها راحلته فركبت عليها من الخلف، وقاد بها حتى لحق بالجيش.
وكان المنافقون قد خرجوا في تلك الغزوة مع رسول الله ﷺ وأرادوا الإفساد، فأرادوا أولاً إيقاع حرب بين المهاجرين والأنصار حين قالوا: لقد غلبنا هؤلاء الجلابيب على مدينتنا، فلئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فرد الله عليهم بسورة المنافقين في ذلك.
وأرادوا كذلك إيقاع الفتنة بين المسلمين، فرموا عائشة بما برأها الله منه، فكان ذلك خيراً للمسلمين، رفع الله به منزلة عائشة ومنزلة أبيها أبي بكر، بل ورفع به منزلة رسوله ﷺ وزاد أجره، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١].
وقد رفع الله منزلة أبي بكر حين وصفه بقوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى﴾ [النور:٢٢]، وكذلك رفع منزلة عائشة في قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦].
هذه أعلى شهادة يمكن أن تحصل عليها امرأة، حين جعلها الله كفؤاً لرسول الله ﷺ الذي هو خيرته من خلقه، وأفضل خلقه، قال الله تعالى ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
قالت عائشة: لقد نلت أحد الوعدين وأنا راجيةٌ للثاني.
فنالت أحد الوعدين وهو العاجل، أي: الرزق الذي وعدها الله به في هذه الحياة الدنيا، وهي راجيةٌ للوعد الآخر؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، وهو المغفرة الأخروية، الشاملة لما تقدم من ذنبها وما تأخر.
следующие страницы →