← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عداوة الشيطان للإنسان العدو الأول: الشيطان طويل العمر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، وهذه الآية جمعت بين الخبر الذي حقه التصديق وهو قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ)، والأمر الذي حقه التطبيق وهو قوله: (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا). فالخبر يجب علينا تصديقه، فيجب علينا جميعاً أن نعتقد أن الشيطان عدو لنا، وهذا لا أرى أحداً يخالف فيه، والأمر وهو قوله: (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، يوجب علينا أن نتخذه عدواً أي: أن نريه من أنفسنا عداوة، وهذه العداوة لابد أن نعرف أنه لا يمكن أن نقتله بها فهو من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، ولا يمكن أن نضربه فهو يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، ولا يضره شتمنا له وهجاؤنا له فقد لعنه الله. ولا يمكن أن نتخذه عدواً إلا بأحد أمرين: الأمر الأول: عدم اتباع خطواته، أي: الانقطاع عن خطواته بالكلية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]، و (خطوات الشيطان) هي الفحشاء والمنكر، فإذا انقطع الإنسان عن الفحشاء والمنكر فقد عادى الشيطان؛ لأنه لم يتبع خطواته. والأمر الثاني: نقص جنده، فأي ملك يقاتل ملكاً قد لا يبرز واحد منهما للقتال، ولا يتضرر بالمعركة تضرراً مباشراً؛ لكن انتقاص جنده بالقتل والأسر هو تحقيق عداوته له، وجند إبليس هم ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، ونقصك لهم إنما هو بالسعي لهداية من استطعت التأثير عليه منهم، فإذا اهتدى على يدك شخص واحد، فقد حققت عداوتك لإبليس، وإذا اهتدى على يدك اثنان فقد زدت في العداوة له، وهكذا كلما ازداد عدد من اهتدى على يدك ازدادت عداوتك لإبليس؛ لأنك نقصت جنده بذلك. فهذه الجبهة هي الجبهة الأولى وهي من أخطر الجبهات؛ لأنها تأتي من كل الجهات كما قال الله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، وقد أقسم بعزة الله يميناً أكدها على إغواء أكثر البشر، قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]، وقد أخبر الله أن يمينه تحققت فيمينه ما بناها إلا على ظنه بالناس، فظنه بالناس أنهم يتبعون الشهوات؛ ومن لم يتبع الشهوات منهم تأثر بالشبهات. فلذلك ظن عليهم هذا الظن، فأقسم فحقق ظنه فيهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]. و (صدَّق، وصدَق) معناهما واحد، وهما قراءتان إحداهما تفسر الأخرى (صدق عليهم إبليس ظنه) أي: صدق عليهم ما في ظنه، (وصدَّق عليهم ظنه) أي: أوقعه فيهم باتباعهم للشهوات والشبهات فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين.

стр. 37

عداوة إخوان السوء للإنسان الجبهة الثانية: إخوان السوء: فالإنسان لابد أن يعيش في هذه الحياة الدنيا مع البشر، ولابد أن يخالطهم، ومن يخالطهم من الناس هم ثلاثة أنواع: النوع الأول: أخ كالغذاء لا يستغني عنه أبداً، وهو محتاج إليه في كل أحيانه، وهذا هو الذي يعينه على أمور الدين، فإذا جهل علمه، وإذا ضعف أعانه، وإذا نسي ذكره، وإذا وجده مقصراً نصحه، فهذا الأخ كالغذاء لا يستغني عنه الإنسان بحال من الأحوال. النوع الثاني: أخ كالدواء، يحتاج إليه الإنسان في بعض الأحيان دون بعض، وهو الذي يعينه على أمور الدنيا، وهذا ينبغي أن يعده الإنسان دواء فيتقلل منه ما استطاع، فأنتم تعرفون الإعلان العالمي للصحة المكتوب على الأدوية كلها، إن هذا الدواء مستحضر مضر لصحتك فننصحك بالابتعاد عنه. فكذلك الأخ الذي يعينه على أمور الدنيا: دواء مضر بصحتك فننصحك بالابتعاد عنه، والتقلل منه ما استطاع الإنسان؛ وهذا النوع من الإخوان هم الذين يرفع إليهم الإنسان حاجته عندما لا يستطيع عليها فيعينونه، فهم كالدواء الذي ينبغي أن يقتصر الإنسان منه على محل الضرورة، ولا يستعمله من غير مرض أصلاً. والنوع الثالث: أخ كالداء، لا يعين الإنسان لا على دين ولا على دنيا، فهو داء مستشرٍ ومرض مزمن عضال يصاب به الإنسان فيشقى به في مدة من حياته، يفسد عليه وقته الثمين الذي كان بالإمكان أن يشتري به نفسه من عذاب الله، وتصل إليه عدواه بفيروسات الشبهات والشهوات والمضار العظيمة، فقد يكون الإنسان في نفسه في بيئة صالحة، وحصن أو قلعة من قلاع الإيمان، لا يصل إلى أهل الفجور، ولا يعلم ما هم فيه، ولكنه يخالط شخصاً من هذا النوع من الناس، فينقل إليه عدوى تلك البيئة الخبيثة، فيسمعه من الكلام ما يتأثر به، ويريه من الأفعال ما يتأثر به، ويزين له الأمور ويحببها إليه. وهذا امتحان من امتحانات هذه الدنيا، فهو عرض من أعراضها؛ ولذلك أخرج البخاري في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله من نبي ولا ولَّى من ملك إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه)، فإذا كان هذا في الأنبياء والملوك فكيف بمن دونهم، فما من أحد إلا وله هذا النوع من البطانات؛ ولذلك فإن الله جعل هذا النوع من الأخلاء عدواً للإنسان يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].

стр. 38

عداوة نفس الإنسان له الجبهة الثالثة: جبهة النفس التي هي أقرب الأعداء إلى الإنسان: وهي أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فهي عدو للإنسان؛ لأنها لا ترضى منه إلا أن يكون مطففاً، والله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:١ - ٥]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، فالمطفف يريد أن تؤدى إليه حقوقه كلها من الآخرين ولا يريد أن يؤدي كل الحقوق التي عليه؛ فلذلك يحاول أن يأخذ حقه كاملاً وإذا لم يجد حقه غضب وأراد الانتصار لنفسه، والحقوق التي للآخرين لديه يحاول الانتقاص منها والاعتذار عنها ما استطاع. والذي يريد أن ينظر إلى عداوة نفسه له فلينظر إلى تباطئها عن فعل الخير، وإسراعها إلى الشر، فسيجدها مسرعة في الباطل، فإذا حان وقت قيام الليل مثلاً أو حان وقت إجابة المنادي الذي نادى بالصلاة جاء الكسل والنعاس، وإذا حان وقت الذكر لم يجد نفسه مستعدة إلا لأقل القليل، وإذا جاء وقت التعلم وتدبر القرآن لم يجد نفسه مستعدة لذلك، وتذكر ما له من المشاغل الدنيوية، أما إذا أخلد إلى الراحة، وأراد الاستكثار من أمور هذه الدنيا والرغبة فيها، فالنفس طيعة لذلك منقادة إليه، فهذا دليل على عداوتها للإنسان.

стр. 39

عداوة نعم الله للناس وذكر انقسامهم في شكرها الجبهة الرابعة: نعم الله السابغة على الإنسان: فالإنسان يحيط به من نعم الله ما لا يستطيع إحصاءه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، نعمة الخلق والرزق والهداية والجوارح والعافية وغير ذلك من أنواع النعم التي لا يحصيها الإنسان، وهذه النعم الناس فيها على أربعة أقسام: القسم الأول: الذين لا يعرفونها بوجودها، وإنما يعرفونها بزوالها، فما دام أحدهم لا يشكو سرطاناً في كبده أو رئته، ولا يشكو قصوراً في عضلة القلب، ولا فشلاً في الكلى، ولا زمانة تعوقه عن الحركة، ولا ألماً في عضو من أعضائه، لا يستشعر هذه النعمة، فإذا زالت هذه النعمة تذكر ما كان فيه حين لا تنفع الذكرى، وما دام يجد غناه من أمور الدنيا، لا يتذكر نعمة الله عليه ولا يشكرها لله، ولا يدخر عند الله منها قرضاً حسناً، فإذا زايله ذلك وفارقه تذكره حيث يندم ولا ينفع الندم. ومثل هذا إذا كان في وظيفة من الوظائف يمكن أن يقف فيها موقفاً مشرفاً يبيض الوجه يوم القيامة، ينصر به الله ورسوله، فلا يشعر بهذه الوظيفة ويقول: لابد من الهدوء حتى تذهب العاصفة، والعاصفة ستذهب به هو، فلو دامت لغيرك ما وصلت إليك، وجلوسه في كرسي الوظيفة كجلوسه على كرسي الحلاق يحلق له ثم يقوم ليترك مكانه لغيره ونحو ذلك، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣]، حالهم حال قارون الذي قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. لما ذكِّر بنعمة الله عليه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، عرف النعمة بوجودها فافتخر بها وتسور على عباد الله، وعرف أنه متميز فعلاً، لكن لم يعرف من أين جاءته هذه النعمة؛ فلذلك لم يشكرها لله ولم تنفعه بين يدي الله شيئاً، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٣]. النوع الثاني: الذين يعرفون النعمة بوجودها، ويعرفون أنها من عند الله لا من تلقاء أنفسهم، ولكنهم ينشغلون بالنعمة عن شكرها، فينشغلون بالأموال والأولاد والصحة والعافية والتمتع بملذات هذه الحياة، مع أنهم يعلمون أنها نعمة أنعم الله بها عليهم ولا يشكرونها لله، وهؤلاء حالهم حال الأعراب الذين حكى عنهم الله في قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١]. وقد حذر الله من هذا الاغترار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]. وقد بين الله عداوة ذلك إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٤ - ١٥]. والنوع الثالث: الذين يعرفون النعمة بوجودها، ويعرفون من أين أتت وأنها من عند الله، ولا ينشغلون بها عن شكرها، بل يستغلونها في مرضات الله وشكره: وهؤلاء هم الشاكرون وهم أقل عباد الله، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وهؤلاء هم المبشرون ببشارة الله لهم. فهذه النعمة إذاً جبهة مفتوحة على الإنسان من حيث لا يشعر، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].

стр. 40

عداوة الدنيا للإنسان الجبهة الخامسة: هذه الدنيا نفسها، فهي دار الغرور، وهي ضرة الآخرة، والإنسان مادام فيها يغر بها فيرى المباني الجديدة الجميلة، ويرى السيارات الفارهة، ويرى الطائرة العملاقة، ويرى الشوارع الزاهية، فيظن أن هذا مستمر، ولكنه لو فكر لوجد كل ذلك في القمامة، سيجد كل مبنى إنما أقيم على أنقاض آخر، كان أحسن الموجود في وقته ولكنه هدم ورمي في القمامة، وكل سيارة سيجد أنه كان قبلها من السيارات ما كان أحسن الموجود، وقد رميت بقاياه في القمامة، بل الإنسان نفسه أحسن ما في الدنيا من الخلائق صورة بكماله وحسنه، فإذا بحث عنه الإنسان سيجد بقاياه في القبر بعد أكل الأرض لأجزائه وانتقاصها لما تنتقص منه. فلذلك هذه الدنيا نفسها عدو لهذا الجنس البشري؛ لأنها دار الغرور تغره بما فيها من الزخارف والشهوات؛ ولهذا حذر الله من النظر إلى ذلك منها فقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢].

стр. 41

جبهة الشيطان لها جيشان: الشهوات والشبهات فهذه الجبهات المفتوحة على الإنسان يحتاج فيها إلى عدة، وبالأخص حين يعلم أن جبهة الشيطان لها جيشان أحدهما: جيش الشهوات، والآخر: جيش الشبهات، والناس مقسومون بين هذين الجيشين، منهم أسارى الشهوات، ومنهم أسارى الشبهات، فالمأسورون بالشهوة ينقسمون إلى قسمين؛ لأن الشهوة نفسها تنقسم إلى قسمين: إلى شهوة حسية وشهوة معنوية، فالشهوة الحسية كشهوة البطن والفرج، والشهوة المعنوية كحب الرئاسة وحب الانتقام وحب الشهرة والظهور وغير ذلك. والشبهة كذلك تنقسم إلى قسمين: إلى شبهة في التعامل مع الله، وشبهة في التعامل مع الناس، فالشبهة في التعامل مع الله تنقسم إلى قسمين: إلى شبهة عقدية تتعلق بالتصور والعلم، يلقيها الشيطان للإنسان، ولا يزال الشيطان بابن آدم يقول له: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول له: فمن خلق الله؟! فهذه شبهات الشيطان في المجال العقدي. والنوع الثاني من الشبهة في التعامل مع الله: الشبهة في التعامل معه في العبادة، فما يصيب الناس من الوسواس في الطهارة وفي الصلاة، وكذلك ما يعرض لهم من شبه الأعذار عن الازدياد من الخير؛ هي من شبهات الإنسان التي تحول بينه وبين الازدياد من الطاعة قبل أن يفوت الأوان. والنوع الثاني من أنواع الشبهات: الشبهات في التعامل مع الناس، وهي تنقسم إلى قسمين؛ لأن الإنسان فيها بين إفراط وتفريط: فالنوع الأول من الشبه في التعامل مع الناس: شبهة الإفراط؛ فيقدس الناس ويحترم بعضهم احتراماً كبيراً، حتى يضفي عليهم صفة من صفات الإلهية أو يعتبرهم بمثابة معصومين، ويستسلم بين يديهم حتى يكون كالميت بين يدي غاسل، وهذه لاشك مبالغة، فالإنسان يقدَّر ولا يقدس، وهو عرضة للقبول والرد، يمكن أن تحسن خاتمته ويمكن أن تسوء. والنوع الثاني من الشبه في التعامل مع الناس: هو شبهة التفريط؛ بأن يظن الإنسان بالناس ظن السوء، فهذا يتهمه بالشرك، وهذا يتهمه بالبدعة، وهذا يتهمه بالفسوق، وهذا يتهمه بالتقصير، وهو دائماً مقوم للناس، قد شغل وقته بتقويم الآخرين، وكل ما له من الاهتمام هو في مستويات الناس، وهذا النوع على خطر عظيم، ولذلك فقد أخرج مالك في الموطأ (أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية).

стр. 42

العدة التي يقاوم الإنسان بها كل الجبهات هي الصبر ما هي عدة الإنسان إذاً في وجه كل هذه الجبهات المفتوحة عليه، وهذه الأعراض الملمة به في مدته اليسيرة في بقائه في هذه الحياة؟ لابد أولاً أن يستحضر أن مدة بقائه في هذه الحياة هي مدة بقائه في سفر يسافره، فهو مسافر وانتفاعه بما ينتفع به مما في هذه الدار كانتفاع المسافر في ظل شجرة ينتظر الزوال لينطلق، كما قال رسول الله ﷺ : (ما لي وما للدنيا، إنما أنا كراكب استظل بشجرة). فإذا عرف ذلك استطاع حينئذ أن يبحث عن عدة يستعين بها في مسيرته وحياته، وهذه العدة هي الصبر! وهذا الصبر طاقة ربانية وقوة هائلة سخرها الله لعباده المؤمنين؛ ليتغلبوا بها على كل هذه العراقيل وعلى كل هذه المشكلات والجبهات المفتوحة عليه، وبدونها لا يستطيع الإنسان الانتصار على أية جبهة من الجبهات. فلابد إذاً أن يراجع الإنسان عدته هذه وأن يهيئها، فكثير من الناس يعدم هذه العدة بالكلية، فيعيش في هذه الحياة مع ما ذكرنا من المشكلات والجبهات أعزل ليس لديه أي سلاح للدفع ولا للاستحقاق، ومنهم من يكون صبره ضئيلاً ممزقاً يصدق فيه ما قال عبد الملك بن مروان للرجل الذي رأى عليه مجنه خلقاً فقال له: لمجن ابن أبي ربيعة خير من مجنك. ومنهم من يكون صبره أقوى من ذلك في مجال التعامل مع الله، ولكنه ضعيف في مجال التعامل مع الناس، ومنهم من يكون صبره قوياً في التعامل مع الناس، ولكنه ضعيف في التعامل مع الله، ومنهم من يقوي صبره ويستطيع أن يسد خلاته وخروقه، فكلما انخرق عليه الصبر من جانب سد ذلك الخرق وقواه، فيكون صبره قوياً يملك به نفسه، والسعيد من ملك نفسه. اللهم ملكنا أنفسنا بخير، ولا تسلطها علينا بشر.

стр. 43

أقسام الناس في الصبر عن معصية الله وهذا الصبر الذي هو عدتنا في هذه الحياة ينقسم إلى ثلاث شعب منها الصبر عن معصية الله، فشعبة الصبر الأولى أن يصبر الإنسان عن معصية الله. وهذا الصبر له بواعث منها: الوازع الديني الذي يكون في قلب المؤمن وهو برهان الله في قلبه يحول بينه وبين المعصية، والناس فيه متفاوتون، وهم فيه أنواع: النوع الأول: من يقوى وازعه في قلبه فيحول بينه وبين المعصية كالجبل، فلا يشم لها رائحة ولا يرى لها لوناً ولا حركة، ولا يسمع لها صوتاً، فهو محفوظ منها بالكلية، وهؤلاء هم الذين خلصهم الله لعبادته، فهم عباد الله المخلصون، وهم السابقون بالخيرات بإذن الله. والنوع الثاني: من يكون الحاجز بينهم وبين المعصية ويكون هذا الوازع في قلوبهم كالزجاج لا يستطيعون اختراقه والنفوذ منه، لكنهم يرون ما وراءه من الحركات والألوان، فربما شغلهم وربما أخذ جزءاً من تفكيرهم، وهؤلاء لا شك دون الأولين، ولكنهم مع ذلك على خير؛ لأنهم لا يستطيعون النفوذ إلى المعصية. والنوع الثالث: الحاجز بينهم وبين المعصية وهذا الوازع في قلوبهم كالماء، يمكن اختراقه بصعوبة، وقد يحجز بعض الأصوات وبعض الروائح، ولكنه ترى من ورائه الحركة والألوان، وينفذ منه بعض الأصوات، وتنفذ منه بعض الروائح، ويمكن اختراقه لكن بصعوبة، وهؤلاء أيضاً هم الظالمون أنفسهم الذين يمكن أن يخترقوا فيوقعهم الشيطان ويستزلهم في بعض الأحيان في بعض المعاصي، لكنهم سرعان ما يتوبون ويرجعون، وهم على خير بذلك؛ لأن الإنسان إذا كان كلما عصى بادر إلى التوبة فهو على خير، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٧ - ١٨]. والنوع الرابع: الذين يكون الحاجز بينهم ويبن المعصية كالهواء، فهم معها في لحاف واحد، يغشونها في كل الأوقات لا يحول بينهم وبينها رؤية ولا سماع ولا رائحة ولا حركة ولا لون، وهؤلاء ضعف وازعهم الإيماني فلم يبق معهم من الصبر إلا أثره فقط، وهؤلاء هم أكثر الخلائق، فأكثر الخلائق في هذه الحياة ليس لهم من الصبر عن معصية الله إلا أثره فقط. ولذلك تجدون أن جمهور الذين يعيشون في هذه الحياة لا يميزون بين دائرتي الحلال والحرام، بل إذا عرضت على أحدهم مصلحة دنيوية لم يسأل نفسه هل هي حلال أو حرام؟ وإذا فكر في أمر لم يكن من خطوات تفكيره هل هو حلال أو حرام؟ بل ينظر ما يترتب عليه من المصالح، وماذا يجنيه منه من الأرباح، لكن لا يفكر هل هو حلال أو حرام؟ فدائرة الحلال ودائرة الحرام قد تحطم الحاجز بينهما فاختلطتا لديه فأصبحتا دائرة واحدة، وهذا حال جمهور الناس. لكن الذين يميزون بين الحلال والحرام فيفرون من الحرام كما يفرون من الأسد ولا يحضر لهم على بال أصلا، ويقنعون بالحلال الذي أحل الله لهم ولا يتعدونه إلى ما سواه، فهؤلاء قد قوي وازع الله في نفوسهم وهم المتقون؛ ولذلك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف:٢٠١]، والطائف: نسيم الرياح الخفيف الذي يأتي بسرعة ويذهب، وفي القراءة السبعية الأخرى: قراءة عبد الله بن كثير المقرئ وأبي جعفر القارئ (إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) والطيف: ما يراه الإنسان في المنام، ومدة الرؤيا في النوم لا تتجاوز ثانية واحدة، يرى الإنسان الرؤيا الطويلة التي هي كالملحمة في مدة ثانية واحدة. (وإخوانهم) أي: إخوان الشياطين (يمدونهم في الغي) فيزيدونهم ويساعدونهم على الاستمرار في الغي ويشجعونهم عليه، ويقولون: افعلوا كما يفعل الناس، فهذا الأمر أصبح معمولاً به وأصبح سائداً لدى الناس فلم يعد فيه حرج، بل ينصحون به ويقولون: عليك أن تفعل كما يفعل الناس، وأن تتكسب كما يتكسب الناس

стр. 44

فقه الخلاف إن الخلاف من ضرورات التعايش، فقد جعل الله البشر متفاوتين في الخِلقة والخلق والعقل، وهذا التنوع والاختلاف ناتج عن اختلاف العقول، ومن تفاوتت عقولهم فبالإمكان أن تتفاوت اتجاهاتهم، وألا تتحد رؤاهم ومواقفهم، وكل ذلك واقع، وفقه الخلاف يرتكز على بيان خطر الاختلاف والتحذير منه، وبيان أنواعه، وآدابه، وعلاجه، وما يجوز من الخلاف وما لا يجوز.

стр. 45

الخلاف من ضرورات التعايش بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. موضوع هذا الدرس: (فقه الخلاف) والعناصر التي سنتعرض لها فيه هي: أولاً: التحذير من الفرقة والاختلاف. ثانيًا: أنوع الخلاف. ثالثًا: آداب المتخالفين. رابعًا: علاج الخلاف. إن الخلاف من ضرورات التعايش، فقد جعل الله البشر متفاوتين في الخِلقة والخلق والعقل، وميَّز بعضهم على بعض، وهذا التنوع الذي جعلهم الله عليه مقتضٍ لئلا يتفقوا في بعض المسائل، وعدم اتفاقهم فيه إثراء وفائدة للبشر، وفائدة لأهل الأرض؛ فليس أصل الخلاف إلاَّ ممكنًا في كل أمرٍ نظرًا للتنوُّع، ولذلك يقول الحكماء: ما من أحدٍ إلا وهو راضٍ عن الله في عقله، وأقلهم عقلاً أرضاهم به، فأقل الناس عقلاً يظن أنه أعقل الناس، ومن هنا من تفاوتت عقولهم فبالإمكان أن تتفاوت اتجاهاتهم، وألاَّ تتحدد رؤاهم، وألاَّ تتحد مواقفهم، وكل ذلك ممكن.

стр. 46

التحذير من الفرقة والاختلاف أول عنصرٍ أبدأ به هو ما جاء من النصوص في التحذير من الفرقة والاختلاف. فأقول: إن الله قد حذَّر من الفرقة والاختلاف في كثير من الآيات في القرآن، فقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]، وجعل الاختلاف نوعًا من أنواع العذاب فقال: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]، فجعل العذاب ثلاثة أقسام: - عذابًا منزلاً من الأعلى. - وعذابًا خارجًا من الأسفل. - وعذابًا في الوسط، وهو الخلاف. وجعله -كذلك- مظهرًا من مظاهر الشرك فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ * مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢]، و (من) هنا بيانية، أي أن المشركين هم الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعًا. وجعله منافيًا للرحمة فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]. وبيَّن براءة النبي ﷺ من المختلفين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩]. وحض على اجتماع الكلمة وعلى التعاون فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة:٢]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٣ - ١٠٥]. وقد حذر رسول الله ﷺ من الفرقة والاختلاف، وجعل ذلك عامل هدم للأمم؛ فقد صح عنه أنه قال: (لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض) وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

стр. 47

أسباب الخلاف حذر ﷺ من كل ما يؤدي إلى النزاع والخلاف؛ فقد ذكر الله سبحانه تعالى في كتابه أسباب النزاع؛ فذكر في سورة الحجرات وحدها ثلاثة عشر سببًا من أسباب النزاع وحسمها جميعًا.

стр. 48

تعدي الصلاحيات السبب الأول: قال في بداية سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]، فهذا سبب من أسباب الخلاف، وهو تعدي الصلاحيات وتجاوزها، فمن أخذ ما ليس له من الصلاحيات وتعدى الصلاحيات الممنوحة له؛ فذلك سبب من أسباب الخلاف.

стр. 49

سوء الأدب مع من يستحق الأدب السبب الثاني: سوء الأدب مع من يستحق الأدب، فهو سبب من أسباب الخلاف، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١ - ٥].

стр. 50

عدم التثبت في نقل الأخبار وتلقيها السبب الثالث من أسباب الخلاف هو: عدم التثبت في نقل الأخبار وتلقيها، وفيه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وفي القراءة الأخرى: (فَتَثَبَّتُوْا) ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].

стр. 51

غياب المرجعية السبب الرابع: انعدام المرجعية، وقد حرمه بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧].

стр. 52

الظلم والاعتداء والبغي السبب الخامس: الظلم والاعتداء والبغي؛ فهذا سبب لحصول النفرة والاختلاف، وقد حرمه الله بقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠].

стр. 53

السخرية والتعالي السبب السادس: السخرية والتعالي، وقد حذر الله من ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].

стр. 54

اللمز والهمز السبب السابع: اللمز والهمز، وقد حذر الله منه بقوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١].

стр. 55

التنابز بالألقاب والتصنيفات السبب الثامن: التنابز بالألقاب والتصنيفات، وقد حذر الله منه بقوله: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١].

стр. 56

ظن السوء السبب التاسع: ظن السوء، وقد حذر الله منه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢].

стр. 57

التجسس السبب العاشر: التجسس، وقد حذر الله منه بقوله: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات:١٢].

стр. 58

الغيبة السبب الحادي عشر: الغيبة، وقد حذر الله منها تحذيرًا بليغًا بقوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١٢].

стр. 59

التفاخر بالأنساب والأحساب السبب الثاني عشر: التفاخر بالأنساب والأحساب، وقد حذر الله منه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].

стр. 60

الدعاوي الباطلة السبب الثالث عشر: الدعاوي الباطلة، بأن يدعي الإنسان ما ليس له، وقد حذر الله منه بقوله: ﴿قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٤]. فهذه ثلاثة عشر سببًا من أسباب الفرقة والاختلاف تضمنتها هذه السورة الكريمة، وحسمت مادتها بالكلية.

стр. 61

أنواع الاختلاف العنصر الثاني من عناصر هذا الدرس هو: أنواع الاختلاف، ومن المهم أن نعلم أن الخلاف ينقسم إلى: ١ - خلاف في التنوع. ٢ - خلاف في التضاد.

стр. 62

اختلاف التنوع اختلاف التنوع غير محدود، وليس هو المقصود في النصوص الواردة في النهي عن الخلاف، بل هو من التنوع المحمود الذي يثري ويفيد.

стр. 63

اختلاف التضاد الخلاف المذموم هو اختلاف التضاد، وهو أنواع، ويرجع جمهورها إلى أربعة أنواع: ١ - الخلاف السياسي. ٢ - الخلاف العقدي. ٣ - الخلاف الفقهي. ٤ - الخلاف المنهجي الدعوي. النوع الأول: الخلاف السياسي: وهو أول خلاف شهده المسلمون، وقد عُرف في الأمم السابقة أيضًا، وهو الخلاف فيمن يحكم؟ هل فلان بعينه يستحق ذلك ويكون هو الحاكم أو السلالة المعينة الفلانية؟ وهذا خلاف عصف بالأمم السابقة، وحصل -أيضًا- في صدر هذه الأمة، حيث اختلف الناس على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: خص الخلافة بأسرة واحدة هي أسرة علي بن أبي طالب، وهذا مذهب الشيعة. المذهب الثاني: عممها في سائر المسلمين، وهذا مذهب الخوارج كما قالوا: ألم تر أن الله أظهر دينه وصلت قريش خلف بكر بن وائل المذهب الثالث: خصها بقبيلة، وهو مذهب أهل السنة، حيث جعلوها في قريش. وقد استمر هذا الخلاف السياسي، وتوصلوا إلى أن ينقل الخلاف من الأشخاص والسلالات إلى الصفات، فتحدد صفات معينة وشروط معينة مستنبطة من الوحي، وتطبق على الناس، ومن كانت أبلغ فيه وأمكن؛ كان محل اتفاق، وكان أولى ولا محالة. ومما تجدر الإشارة إليه في الخلاف السياسي أنه لا يحل أن يكون حافزًا للتنكر للحق ومعارضته، فمن المعقول أن تقع معارضة في السياسية، لكن لابد أن تكون تلك المعارضة للباطل، فلا يمكن أن تكون معارضة للحق والباطل معًا أو للحق، فهذا غير مقبول شرعًا ولا عقلاً. النوع الثاني من أنواع الخلاف: الخلاف العقدي، ومن المعلوم أن أصول الدين الأصلية: هي الثوابت التي لا يقبل الخلاف فيها، وقد بينها النبي ﷺ لجبريل في قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) فهذه الستة الأمور هي أركان الإيمان، من آمن بها ولم يزد عليها دخل الجنة، ويبقى تفصيلاتها وجزئياتها، منها ما حسمته النصوص، ومنها ما ترك للاجتهاد، وما ترك للاجتهاد فيه خلاف كثير، وما وردت فيه النصوص منها ما لم يكن صريحًا قطعي الدلالة، ومنها ما كان قطعي الدلالة، لكنه غير قطعي الورود، فكان ذلك مثارًا للخلافات، وتلك الخلافات ينبغي أن يقتصد فيها، وألاَّ يفتح الإنسان أمام تنوعها، والمخاصمة فيها، ولهذا حذر الله من الجلوس مع الذين يخوضون في آياته فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:٦٨ - ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠]، وقد كان أئمتنا يكرهون الخوض في ذلك، قال مالك للرجل الذي جاء يسأله في بعض تلك المسائل: (أرأيت إن جاء من هو ألسن منا فخالفنا -خالف ما أنا عليه وما أنت عليه- وأتى بقول أظهر لسنًا وحجةً أتتبعه؟ قال: نعم، قال: فإن جاء من هو ألسن منه وأقوى حجة؟ قال: تبعته، قال: ما هي إلا سلسلة متصلة). وأتاه أحد القدرية فقال: أريد المجادلة في القدر، فقال: (أما أنا فعلى بينة من أمري، وأنت شاك؛ فاذهب إلى شاك مثلك فجادله). وعندما سأله رجل عن صفة الاستواء قال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ وما أراك إلا صاحب سوء، أخرجوه عني). وقد كان كثير من الأئمة يتحرزون من الكلام في هذه الموضوعات، ويقولون: (سلني عما إذا أخطأت فيه قلتَ: أخطأتَ، ولا تسلني عما إذا أخطأت فيه قلتَ: كفرتَ). وقد توسع الناس -وبالأخص في أيام المتأخرين- في المناظرات العقدية والخلافات التي شغلوا بها الأمة، وأكثروا فيها من التعصب والفرقة، والأمة في غنىً عن الخوض فيها أصلاً، فقد قال العلامة الشيخ بابل بن الشيخ سدية: كن للإله ناصرًا وأنكر المناكرا وكن مع الحق الذي يرضاه منك دائرا ولا تعد نافعًا سواءه أو ضائرا واسلك سبيل المصطفى ومت عليه سائرا فما كفى أولنا أليس يكفي الآخرا وكل قوم أحدثوا في أمره مهاجرا قد زعموا مزاعمًا وسودوا دفاترا واحتنكوا أهل الفلا واحتنكوا الحواضرا وإن دعا مجادل في أمرهم إلى مرا (فلا تمارِ فيهم إلا مراءً ظاهرا) ويقول أيضًا: آمن أخي واستقمْ ونهج أحمد التزمْ واجتنب الطرق لا تغررك أضغاث الحلمْ لا خير في دين لدى خير القرون قد عُدِمْ أحدثه من لم يجئ قطع بأنه عصمْ من بعد ما قد أنزلت (اليوم أكملت لكمْ) وبعد ما صح لدى جمع على غدير خمْ ادعُ إلى سبيله وخص في الناس وعمْ وقل إذا ما أعرضوا (عليكمُ أنفسكم) والخلاف العقدي منه الخلاف السلوكي، كالخلاف مع الصوفية، وهو داخل فيما سبقت الإشارة إليه. النوع الثالث: الخلاف الفقهي: الخلاف الفقهي: وهذا الخلاف أغلبه إما في اعتبار الدليل دليلاً، أو الخلاف في دلالته، أو بسبب عدم بلوغه أصلاً. وأسباب هذا الخلاف أرجعها العلماء إلى اثني عشر سببًا، والأصل فيه أنه إثراء للفقه، وتوسعة على الأمة، وعناية بدراسة الشرع؛ لذلك ينبغي ألاَّ يلحق بخلاف التضاد، وإنما ينبغي أن يجعل من خلاف التنوع؛ وذلك إذا خلا أهله من التعصب، وعرفوا أن الأمور الاجتهادية وسع الشارع فيها ولم يحسمها بالدليل؛ لحصول التوسعة فيها، فهي من العفو، ولذلك قال الشعراني: (إن للشريعة سورين: سور الرخصة وسور العزيمة، والمتخالفان من أهل المذاهب داخل هذين السورين، فمن نحا جهة التحريم فقد اقترب إلى سور العزيمة، ومن نحا إلى جهة الإباحة فقد اقترب إلى سور الرخصة، والجميع بين سوري الشريعة). الخلاف المنهجي: النوع الرابع: الخلاف المنهجي: ومن أبرز أمثلته الخلاف الدعوي بين المناهج الدعوية المختلفة، وهذا الخلاف هو مثل الخلاف الفقهي، فلا شك أن الدعوة يُحتاج فيها إلى توسيع المدارك وتنويع الوسائل، وينبغي أن تكون مناهجها كجوارح البدن؛ فللبدن عين لا يمكن أن تقوم مقامها الأذن، والأذن لا يمكن أن تقوم مقامها الرجل، والرجل لا يمكن أن تقوم مقامها الشفتان أو الفم مثلاً، والفم لا يمكن أن تقوم مقامه اليد وهكذا، فكلها جوارح مفيدة يحتاج إليها، والقلب يوجه الجميع، ويستفيدوا منه، وهي وسائل إدراكه، فهكذا ينبغي أن يكون التنوع في المناهج من باب التنوع لا من باب التضاد، ولكن مع ذلك قد جعل في كثير من الأحيان من باب التضاد، وما ذلك إلا للتعصب المقيت الذي نحن في غنى عنه. هذه هي أهم أنواع الاختلاف.

стр. 64

الآداب التي يقتضيها الاختلاف العنصر الثالث: الآداب التي يقتضيها الاختلاف: ينبغي أن نعلم أن المتخالفين لابد أن يكونوا غير معصومين، فليس فيهم معصوم، فالمعصوم يلزم الانقياد له مطلقًا، ولا عصمة بعد النبي ﷺ ، والمعصوم بعده الإجماع فقط، أما إذا حصل الخلاف فلا عصمة حينئذٍ. وهنا عشرة آداب لابد من استحضارها في مسائل الخلاف:

стр. 65

البدء بنقاط الاتفاق قبل نقاط الاختلاف الأدب الأول: البدء بنقاط الاتفاق قبل نقاط الاختلاف، فإذا حصرنا نقاط الاتفاق هانت نقاط الخلاف وذابت، وسهل تجاوزها أو الاتفاق فيها على أمر، وإنما تشتد شقة الخلاف وتكبر الفجوة بسبب البدء بنقاط الاختلاف أولاً، وتجاهل نقاط الاتفاق التي قد تكون أكبر. من أشهر الخلافات بين المسلمين اليوم -وبالأخص بين أهل السنة-: الخلاف في بعض المسائل العقدية، وأكثرها اجتهادية لم تحسم بالنص، إذا لم يُبدأ بمسائل الاتفاق وذُهب إلى مسائل الخلاف اتسعت شقة هذا الخلاف، لكن إذا ذهبنا إلى مسائل الاتفاق وجدنا أن أركان الإيمان ستة، وأن ثلاثة منها ليس فيها خلاف أصلي، وهي فيما يتعلق بالإيمان بالملائكة، وما يتعلق بالإيمان بالرسل، وما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر؛ هذه مسائل اتفاق. أما الثلاثة الأركان الأخرى؛ فأولاً: الإيمان بالله، وهو ثلاثة أقسام: اثنان منها -تقريبًا- ليس فيها اختلاف بين أهل السنة: الإيمان بربوبية الله للكون، والإيمان بألوهيته، فلا يخالف في ربوبيته إلا من كان خارجًا عن الإسلام، ولا يخالف في ألوهيته إلا بعض المنحرفين في جانب العبادة، فانحصر الخلاف في القسم الثالث، وهو الخلاف في أسمائه وصفاته. وأيضًا هذا قسمان الأسماء والصفات، فالأسماء لا اختلاف فيها بين أهل السنة، ويبقى الخلاف في الصفات. والصفات أيضًا ثلاثة أقسام: قسم منها صفات الأفعال، وهذه لا خلاف في جمهورها، كالإحياء والإماتة والخلق والرزق ونحو ذلك. ثم الصفات الأخرى صفات المعاني؛ وهذه -أيضًا- لا خلاف فيها، كالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام تقريبًا، وسيأتينا الخلاف في الكلام بمعنى التكلم. وكذلك السلوب من الصفات: كالقدم والبقاء والغنى والمخالفة للحوادث والوحدانية؛ فهذه لا اختلاف فيها. فانحصر الخلاف في الشق الثالث، وهذا يشمل بعض الصفات الذاتية، كالوجه واليدين والقدم والساق والأصابع والعين والشخص، وبعض صفات الأفعال اليسيرة جدًا كالاستواء والتكلم والنزول. فهذا عدد من الصفات يسير جدًا، والذين اختلفوا فيه اتفقوا على ثبوت النصوص الواردة فيه، وأنها حق، وأن الله أعلم بنفسه، لكن اختلفوا فقط: هل تفسر أو ما تفسر؟ فالذين قالوا بعدم تفسيرها أصلاً نجوا من كثير من التفصيلات، والذي قالوا بتفسيرها اختلفوا، فمنهم من قال: نفسرها بظاهرها مع تنزيهه عن التشبيه بالمخلوقين، ومنهم من قال: نؤولها بما يدركه العقل بأعمال القياس، كما نعمل القياس في آيات الأحكام وآيات الصفات، وكل من عند ربنا. أما الإيمان بالكتب المنزلة، فلا خلاف فيها إجمالاً، ولا خلاف في أن القرآن كلام الله، الخلاف فقط هو فيما يتعلق بالتكلم اللفظي، وهذا راجع إلى صفة من صفات الله، فقد اختلف: هل القرآن صفة الله أم لا؟ الذين يقولون: هو صفة الله مقصودهم: أن الله تكلم به، لكن هل يوصف هذا الكلام نفسه بكونه صفة بعد أن تكلم الله به؟ هذا محل خلاف: فالقرآن فيه صفة الله التي لا اختلاف فيها: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٤ - ١٦]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]، وهذا ليس فيه خلاف أنه صفة الله، لكن فيه أيضًا صفة عدو الله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر:١١ - ١٥]. ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:٨ - ١٣]، فهذه من صفات عدو الله، وكونه يحفظ في الصدور، ويكتب في المصاحف، ويأتي يوم القيامة يجادل على صاحبه تتقدمه البقرة وسورة آل عمران كالغمامتين يقتضي انفصاله عن الذات، والصفة لا تنفصل عن الذات، فهذا سبب الخلاف، وهو سبب معقول، مع اتفاقهم على أن الكلام النفسي -الذي يعبر عنه بعضهم بنوع الكلام- أو جنس الكلام: صفة ملازمة لذاته، والاختلاف فقط في اللفظ الذي يسميه بعضهم آحاد الكلام، فتنحصر شقة الخلاف في مسألة ضيقة. أما الإيمان بالقدر فأكثر مسائله لا خلاف فيها، فلا خلاف في أن الأمور كلها بإذن الله، وأنها مكتوبة عنده، وأنها لا يقع منها شيء إلا بعد علمه به وكتابته، وهذا عند أهل السنة، واختلافهم فقط هو في أفعال العباد، هل هي من فعل الله؟ بمعنى هل العباد يكسبونها، ولهم إرادة وقدرة لا توجدها، أو أنها من فعل العباد، وهي من خلق الله؟ لم يختلفوا أنها من خلق الله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، إنما الخلاف فقط في نسبتها بعد ذلك، فمن المعلوم قطعًا أنها تنسب للمخلوق، وأنه يثاب على حسنها ويعاقب على سيئها، ولكن وجه تعلق المخلوق بها: هل هو الفعل المطلق -أي: أنه هو الذي فعلها- وهذا هو الصحيح، أو أنها كسب أي: أن له كسب وإرادة لا تتعلقان بإيجادها، فتحصل الأعمال عند الإرادة والقدرة لا بها، وهذا الذي يسمى بنظرية الكسب. فالخلاف إذًا: محصور، وشقته محصورة، هذه هي مسائل الخلاف، في كبريات مسائل العقيدة، وما سواها كله تفصيلات وجزئيات، وهذا بين أهل السنة فقط، أما ما سوى ذلك فكله ابتداع، وخروج عن هذا المنهج العقدي الصحيح. فالبدء بنقاط الاتفاق من الآداب المهمة في مراعاة الخلاف.

стр. 66

عدم الجرح والاستطالة الأدب الثاني: عدم الجرح والاستطالة، فالمتخالفان لابد أن يتأدبا بالأدب الشرعي، فلا يستطيل أحدهما على الآخر ولا يجرحه، وقد قال الله تعالى في مخاصمة الكفار: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وقال لموسى وهارون حينما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، وقال لمحمد ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].

стр. 67

عدم رفع الصوت الأدب الثالث: عدم رفع الصوت، فرفع الصوت في حال الخلاف مدعاة لدخول الشيطان، ومدعاة لترك الأدب السابق، وهو الاستطالة، ولهذا حذر الله تعالى منه فقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ [النساء:١٤٨].

стр. 68

قبول الحق والإنصات له الأدب الرابع: قبول الحق والإنصات له، فلابد أن يكون المختلفان يطلبان الحق، وينصتان له، ويقبلانه، فالذي يصم عن الحق ولا يقبله لا يمكن أن يتأدب بأدب الخلاف أصلاً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، فهم يستمعون أولاً ثم يتبعون، وعاب على الكفار قولهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، فلابد من الإنصات للخصم حتى يسمع الإنسان ما عنده، ولابد أن يقبل ما في كلامه من الحق، ولهذا علمنا الله في مجادلة المشركين أدبًا عجيبًا فقال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، فمن المعلوم أن النبي ﷺ هو الذي على هدى، وأن المشركين في ضلال مبين، لكنه أتى بـ (أو) في هذا الأسلوب لأدب الخلاف؛ ولذلك كان النبي ﷺ في أدب الخلاف مع المشركين يخاطبهم بأحب أسمائهم إليهم، فلما أتاه عتبة بن ربيعة قال له: (اسمع أبا الوليد!) وكناه، وهذا يقتضي الأدب مع كل مخالف، فلا فائدة من نقص الأدب معه، وإنما يزيده نفرة، ولا يزيد الحق ظهورًا، ولهذا قال الشافعي ﵀: (ما ناظرت أحدًا إلا سألت الله أن يظهر الحق على لسانه، قيل ولمَ؟ قال: إن ظهر على لسانه عرفت الحق ولم أفتن، وإن ظهر على لساني خشيت أن أفتن). وقد بين الله أن الخلاف لا يقتضي استنكافًا عن الحق وإنكارًا له، بل قال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢]، وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]؛ ولذلك فإن عمرو بن العاص ﵁ -كما في صحيح مسلم - أثنى على الروم بما علم فيهم من الخير، وقد ذكر النبي ﷺ عددًا من المشركين فأثنى عليهم ببعض الصفات الحميدة التي كانت فيهم كـ المطعم بن عدي وغيره.

стр. 69

عدم التعصب والاحتكار الأدب السادس: عدم التعصب والاحتكار: فلابد أن ينطلق المتناظران المختلفان من مبدأ طلب الحق والاستسلام له إذا ظهر، والرجوع إليه إذا استبان، فإذا أتيا وكل واحد يريد أن يفرض قوله على صاحبه، ويحتكر الحق لنفسه، ولا يريد أن يغير موقفه بحال من الأحوال؛ فلا يمكن أن يتفقا بوجه من الوجوه، وهذا التعصب مقيت مذموم. وقد كان مالك ﵀ يقول في مسائل اجتهادية: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]، ويقول: (ما منا أحد إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ . واحتكار الحق فيه خطورة عظيمة؛ لأنه يقتضي من الإنسان أنه يدعي العصمة لنفسه، والشافعي ﵀ يقول: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)، أي: الصواب عندي يحتمل الخطأ؛ لأنه ليس منزل من عند الله، وإنما هو اجتهاد مني أنا، ورأي غيري خطأ عندي -لأن الحق لا يمكن أن يختلف اختلاف تضاد- يحتمل الصواب -لأنه اجتهاد شخص محترم كذلك-. ومن هنا كان العلماء يحترم بعضهم أقوال بعض احترامًا عجيبًا، فهذا أبو يوسف صاحب أبي حنيفة مذهبه أن العلة القاصرة لا تصلح للتعليل، وأن أي نجس خرج من البدن ناقض للوضوء إذا تفاحش، فقرر ذلك يومًا في مجلسه فقال له رجلٌ: أرأيت إن كان الإمام قد جرحت ساقه فخرج منها دم فتفاحش، فصلى بالناس من غير وضوء أأصلي وراءه؟! قال: (سبحان الله! ألا تصلي خلف مالك؟!). فـ مالك كان يرى أن العلة القاصرة تصلح للتعليل، وأن الناقض إنما هو ما خرج من أحد السبيلين فقط، وأن ما سواه من النجاسة لا ينقض الوضوء. وكذلك فإن الإمام أحمد ﵀ عندما سئل عن تعليق الطلاق على النكاح: ذكر أنه لا ينفذ، قيل: أرأيت إن مررت بحلقة المدينة فأفتوني بخلاف ما تقول فآخذ بقولهم؟! قال: (سبحان الله! ألا تأخذ بقول مالك؟!). فقد كان جمهور أهل السنة يحترمون أقوال المجتهدين ويقدرونها، ولهذا قال الشافعي: (لا أرد شهادة أحد من أهل الأهواء، إلا الخطابية؛ فإن من مذهبهم أنهم يستبيحون الكذب لنصرة من وافقهم في مذهبهم).

стр. 70

الإنصاف الأدب السابع: الإنصاف: أن يكون الإنسان منصفًا لخصمه، فإذا وقع هو في خطأ سهل عليه الاعتراف به، وإذا كان دليله ضعيفًا اعترف بذلك، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري: (ولا يمنعك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع في الحق خير من التمادي في الباطل). وقد قال العلامة ﵀: ليس من أخطأ الصواب بِمُخْطٍ إن يؤب لا ولا عليه ملامة إنما المخطئ المسيء من إذا ما ظهر الحق لَجَّ يحمي كلامه حسنات الرجوع تذهب عنه سيئات الخطأ وتمحي الملامة

стр. 71

الأمانة في النقل الأدب الثامن: الأمانة في النقل، فعلى كل واحد من المتخالفين أن يكون أمينًا في نقله، وألا ينقل عن الآخر ما لم يقله، حتى ولو كان لازم قوله، فإن لازم القول لا يعد قولاً، فلا ينسب لساكت قول، واللوازم كثير منها لا يخطر على البال؛ فلا يمكن أن يلزم باللازم أصحابه، ولا أن ينسب إليهم، وهذا قد تساهل فيه كثير من الناس مع الأسف، فيأخذون بعض اللوازم التي بعضها لا يلزم فينسبوها إلى صاحب ذاك المذهب، ويجعلونها من مذهبه، وهذا هو من التجني والكذب، فيلزم المؤمن أن يكون أمينًا في نقله، والأمانة أخت الدين، (لا إيمان لمن لا أمانة له)، وقد كان سلفنا يتحرجون جدًا من نسبة الأقوال، ويتأدبون غاية الأدب، فمثلاً: مسلم في الصحيح يقول: قال فلان: أخبرنا. وقال فلان: حدثنا؛ حتى لا ينسب إلى أحد قولاً لم يقله.

стр. 72

حسن الظن والتماس أحسن المخارج الأدب التاسع: حسن الظن والتماس أحسن المخارج، فالمختلفان إذا كانا من أهل العلم والإيمان والتقوى فينبغي أن يحسن كل واحد منهما الظن بصاحبه، وأن يظن به أنه ما قصد إلا إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، وأنه أعمل اجتهاده، وهذا الذي أداه علمه واجتهاده، وأنه مكلف بمقتضى عقله لا بمقتضى عقول الآخرين، ويُظن به أنه ما أراد إلا الخير. والتماس أحسن المخارج مطلوب دائمًا، كما التمس أحسن المخارج لأصحاب رسول الله ﷺ ، وكان بعضهم يلتمس ذلك لبعض، فهذا مهم جدًا، ولذلك قال علي ﵁ في قول الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر:٤٧]: (نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ حينما اختلفنا واقتتلنا). وعندما مر يوم الجمل على طلحة بن عبيد الله ﵁ قتيلاً، وقف عليه يبكي، وهو يقول: فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر فتىً لا يعد المال ربًا ولا يرى له جفوة إن نال مالاً ولا كبر فتىً كان يعطي السيف في الروع حقه [إذا ثَوَّبَ الداعي وَتَشْقَى بهِ الْجُزْرُ] فشهد له بهذه الصفات العظيمة التي يشهد بها الجميع لـ طلحة ﵁. وهكذا كانوا جميعًا يقر بعضهم لبعض بما فيه من الخير، ولذلك في كتابة معاوية ﵁ إلى علي ﵁ حين أرسل إليه يذكر سبب عدم بيعته له، وأن بيعة أهل المدينة وأهل العراق غير ملزمة لأهل الشام، وقال في آخر الكتاب: (وأما قربك من رسول الله ﷺ وسابقتك بالإسلام فأمر لست أنكره أو قال: فأمر لست أدفعه). فهذا إقرار له بالفضل والسابقة بالإسلام والقرب من رسول الله ﷺ .

стр. 73

عدم التشدد مع المؤمنين الأدب العاشر: عدم التشدد مع المؤمنين: فالتشدد إنما يكون مع الكفار، أما المؤمنون فحقهم الرحمة كما قال الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، وكما قال الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. فالتشدد مع المؤمنين والتساهل مع الكافرين إنما هو دأب الخوارج والملحدين؛ ولذلك فإن الخوارج ذبحوا عبد الله بن خباب بن الأرت ﵄ على شاطئ الفرات، فاستطال دمه حتى قطع النهر، وجلسوا تحت ظل نخلة لرجل من أهل الذمة يختصمون فيما بينهم، فقال بعضهم لبعض: إنكم قد جلستم في ظل هذه النخلة، ولم تستأذنوا صاحبها، وهو من أهل الذمة، فإما أن ترضوه، وإما أن تَكْفُرُوا، فذهبوا إليه يريدون أن يرضوه عن جلوسهم في ظل نخلته بما أراد من المال، فقال: عجبًا عمن يتورعون عن ظل نخلة لرجل يهودي ويستبيحون قتل عبد الله بن خباب!! ومثل هذا قول ابن عمر: (يا أهل العراق! تستبيحون قتل الحسين في الشهر الحرام، وتسألون عن دم البعوض في الحرم).

стр. 74

علاج الخلاف نصل إلى العنصر الرابع من عناصر هذا الدرس، وهو: العلاج للخلاف إذا حصل: ظاهرة الخلاف منتشرة موجودة فلابد من البحث عن علاج لها، وهذا العلاج لابد فيه من التدرُّج، فليس المقصود من العلاج حصول الاتفاق المطلق، فهذا قد لا يحصل، لكن إذا حصل وضع السلاح من الجانبين فهذا هو مكسب، وإذا حصل الاتفاق على نقاط عملية فهذا مكسب، وإذا اتجه كل جانب من الجانبين في اتجاه لا يعارضه فيه غيره فهذا مكسب. إذًا: لابد من البحث في علاج الخلاف، وذلك في النقاط التالية:

стр. 75

الاتفاق على المرجع العلاج الأول: الاتفاق على المرجع: فمن المهم جدًا وجود مرجع في الخلاف، وهذا المرجع إما أن يكون مرجعًا دينيًا، والمرجع لدى المسلمين هو الوحي: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، فالرد إلى الله بالرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله بالرد إلى سنته، ولكن لابد أن يعلم أن الرد نفسه لا يمنع الخلاف ولا يردعه، وإنما يعود ذلك إلى الفهم والاستيعاب والاستنباط، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، ولم يقل: (لعلموه جميعًا)، فليس مجرد الرد كافياً في رفع الخلاف كما يتوهمه كثير من المستعجلين، فيمكن أن نرد إلى الكتاب ونرد إلى السنة، ويبقى الخلاف وارداً؛ لوجود خلاف في الدلالة لا في الدليل، فالكتاب والسنة على الرأس والعين، لكن ما معناهما؟ هل فهمك أنت فيهما مرجع بالنسبة لي أنا؟ فهذا أمر لابد أن ينتبه له من البداية. النوع الثاني من أنواع المراجع: الأشخاص الذين هم محل ثقة، وهم أهل العلم والتقوى والورع الذين أحال الله عليهم في قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وفي قوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، ومن المعلوم أن هذه الأمة لا تخلو منهم، فإذا كان للأمة مرجع يُصدر عن قوله في الأمر؛ فذلك قمن لرفع الخلاف وإزالته. النوع الثالث: المرجع النظامي، والمرجع الرسمي ومن أبرزه الخليفة، فلو وجد للمسلمين خليفة، فإنه يرفع الخلاف بينهم؛ لأن حكمه يرفع الخلاف. ومثل ذلك القاضي الذي تنصيبه صحيح، فإن حكمه يرفع الخلاف في المسائل الخلافية، ومع الأسف أن وجود المرجع اختص بها أهل البدع اليوم، فاشتهرت لدى الشيعة، وفقدت لدى أهل السنة، فالشيعة لديهم مرجع يرجعون إليه في حل خلافاتهم، ويصدرون عن رأيه جميعًا -وهذا في بعض فرقهم لا كلها- وأهل السنة ليس لهم من المراجع ما يرجعون إليه، ويتراجعون عن أقوالهم أمامه.
следующие страницы →