← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 1051–1083 · переход к 1056.

стр. 1051

حكم حمل السلاح على المسلمين قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا) . وعن أبي موسى ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ] . قوله ﷺ : (من حمل علينا السلاح فليس منا) ، هذا من أحاديث الوعيد التي تُجرى على ظاهرها؛ ليكون ذلك أبلغ في الزجر، ولا شك أن المراد بحمل السلاح على المسلمين: حمله للقتال أي: من همَّ بقتال المسلمين أو أراد قتال المسلمين وتولى ذلك وفعله. وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ في حثه على ائتلاف المسلمين، ونهييه عن اختلافهم، ونهييه عن قتال بعضهم بعضاً، وإن كان قد أخبر بأنه سيقع في هذه الأمة قتال وشجار فيما بينهم، ولكنه مع ذلك كان دائماً ينهاهم عن هذا التقاتل، ويأمرهم بالائتلاف، ويحذرهم من أن يقاتل بعضهم بعضاً، ففي خطبته ﷺ في حجة الوداع -التي هي آخر مجمع كبير اجتمع وتكلم فيه- حفظ عنه أنه قال فيها: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ، فجعلهم إذا فعلوا ذلك في حكم الكفار، أي: لا تفعلوا ما هو كفر، أو ما هو من عمل الكفار من كونكم تتقاتلون ويقتل بعضكم بعضاً، ويضرب بعضكم رقاب بعض، فإن ذلك لا شك من أعمال الكفار، وإن لم نحكم بكفر من فعله مطلقاً. وكذلك في تلك الخطبة حث ﷺ على البعد عما يؤذي كل مسلم، فألقى عليهم سؤالاً، فقال: (أي شهر هذا؟ فقالوا: الشهر الحرام) وفي رواية أنه قال: (أليس شهر ذي الحجة؟ أي يوم هذا؟ فسكتوا، فقال: أليس يوم الحج الأكبر؟ أليس يوم النحر؟ أي بلدٍ هذا؟ فسكتوا، فقال: أليس بلد الله الحرام؟ ثم قال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) . فلا شك أن هذا كله تحريض وحث على الأخوة فيما بين المسلمين، ونهيٌ لهم عن أن يعتدي أحدٌ على المسلمين بأخذ مالٍ، أو سفك دمٍ، أو انتهاك عرض، أو نحو ذلك مما يكون ضرره على المسلمين عموماً. وكذلك أيضاً ثبت عنه ﷺ أنه قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ فقال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) ، وهذا أيضاً من أحاديث الوعيد. ومع ذلك فإن المسلمين عليهم أن يحترموا كل المسلمين، ولا يجوز لهم أن يحملوا عليهم السلاح، ولا أن يستحلوا دماءهم، ولا أن يستحلوا محارمهم، ولا أن يستحلوا أموالهم، فلا تُسفك الدماء ولا تنهب الأموال ولا تنتهك الأعراض، ولا تستحل المحارم، حتى يكونوا بذلك إخوةً مسلمين كما أمرهم الله بقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران:١٠٣] ، وبقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] ، والأحاديث التي تحث على الأخوة وتحذر من التقاطع كثيرة، ومن هذه الأحاديث التي تحذر المسلم من أن يقاطع إخوته قوله ﷺ : (لا تقاطعوا، لا تهاجروا، لا تدابروا، ولا تحاسدوا، ولا تنافسوا) ، وأحاديث كثيرةٌ جاءت في حث المسلمين على أن يكونوا إخوة. ثم إذا كانوا إخوةً فإنهم يكونون يداً واحدةً على أعدائهم، ويكونون جميعاً من أولياء الله إذا فعلوا ما أُمروا به وتركوا ما نُهوا عنه، وأطاعوا الله ورسوله، وامتثلوا أمره؛ فمن كانوا كذلك فهم من المسلمين، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين. ولا شك أن هذا يعم: حمل السلاح على أفراد المسلمين، وعلى جماعاتهم، وعلى أئمتهم وولاة أمورهم، كل ذلك يعمهم قوله: (من حمل علينا السلاح فليس منا) ، فالفرد من أفراد الناس إذا سل سيفه وأخذ يقاتل، أو أخذ بندقيته وصار يقاتل، أو همَّ بالقتال وأشهر سلاحه وأعلنه أمام الناس، وهدفه أن يقاتل هؤلاء المسلمين أو يخوفهم دخل في حكم هذا الحديث: (من حمل علينا السلاح) ، لأن هذا الحديث فيه توعد بمجرد الحمل. كذلك أيضاً إذا أراد أن يقاتل جماعة أو فئةً أو طائفة أو دولةً أو أهل بلدةٍ، كأن اجتمعت مجموعة، وكان معهم قوةٌ، ومعهم عدةٌ وأسلحة، وأرادوا أن يقاتلوا أهل بلدة أخرى، أو يقاتلوا أهل دولة أخرى، أو يقاتلوا قبيلة أخرى، وليس ذلك إلا لإرادة التجبر والتكبر عليهم، دخلوا في ذلك؛ بسبب أنهم قد حملوا السلاح على مسلمين من أهل الإسلام الصحيح، فيكونون بذلك متوعدَين بهذا الوعيد: (فليس منا) . وكذلك لو كان لهم منعة وقوة وعدة وذخائر ونزعوا يدهم من طاعة ولاة الأمور، وأرادوا أن يقاتلوا ولاة الأمر أو يقاتلوا من تحت ولاية الوالي ونحو ذلك؛ فيدخلون في هذا الحديث، ويصيرون ممن حمل السلاح على المسلمين، فيكونون بذلك قد توعدوا بهذا الوعيد الشديد: (من حمل علينا السلاح فليس منا) . وهكذا إذا حملوا السلاح على المسلم، الذي هو متمسك بالإسلام وبالعقيدة وبالتوحيد وطاردوه لأجل إسلامه، أو لأجل تمسكه، أو لأجل عقيدته، أو لأجل ديانته، فإذا طاردوه، وحمل عليه السلاح وتبعه بالسلاح واحد أو عددٌ دخلوا في هذا الوعيد: (من حمل علينا السلاح فليس منا) . وهكذا أيضاً يدخل في ذلك أفرادٌ وجماعات إذا كانوا يقطعون الطرق، ويقصدون بذلك أخذ الأموال، كأن يقفون في طرق الناس، فإذا مر بهم من يظنون أن معه مالاً أو معه محارم أشهروا السلاح عليه، وقالوا: أعطنا ما معك من المال، أو خلِ بيننا وبين محارمك لنفعل فيهن الفاحشة وإلا قتلناك، فإذا شهروا السلاح عليه فلا شك أن ذلك أيضاً داخل في هذا الحديث: (من حمل علينا السلاح فليس منا) . وهكذا يدخل في ذلك البغاة الذين يكون لهم شبهة، ويكون لهم قوةٌ، ويخرجون عن طاعة الإمام كالحرورية الخوارج الذين يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل المعاصي والكفر، فهؤلاء داخلون في هذا الحديث؛ حيث إنهم حملوا السلاح على المسلمين فقط، وتركوا غير المسلمين. ففي هذا وعيد شديد لكل من حمل السلاح على فرد أو على جماعة، سواء كان ذلك الحامل معه غيره أو كان وحده، وسواء كان قصده أن يستبد بالأمر أو قصده أن يذل ويهين المسلمين لأجل إسلامهم وعقيدتهم، أو قصده أن يذل كل متدين وكل عبدٍ صالح، حتى يظهر الفسق ويعلو، ويذل أهل الإيمان وينقمعوا في زعمه، ويتهمهم بما يتهمهم به من الإرهاب أو نزع يد الطاعة، أو ما أشبه ذلك، ولو سماهم بما سماهم فلا شك أن هذا داخل في هذا الوعيد.

стр. 1052

حكم قتال الكفار المتسمين باسم الإسلام ولا يدخل في ذلك من ليس من المسلمين، ممن يتسمون بمسلمين، ولكن ليسوا بمسلمين، إذ ليس معهم من الإسلام إلا مجرد التسمي دون حقيقته، فإن هؤلاء لا يصلح أن يُسموا مسلمين، فالحديث ورد في الوعيد على حمل السلاح على المسلمين وحدهم، لا على من حمله على غيرهم، فإذا كان هؤلاء الذين تقاتلهم من المشركين الذين ظهر شركهم كأن كانوا ممن يعبدون القبور، أو يعبدون الصالحين، أو يعبدون غير الله، ويدعون غير الله عند الشدائد والملمات، ويهتفون بأسماء المخلوقات، ويدعونهم من دون الله تعالى، ويسمون ذلك توسلاً أو استشفاعاً، أو نحو ذلك، فهؤلاء يُقاتَلون ولو تسموا بأنهم مسلمون، كما قاتلهم الأئمة، ومنهم أئمة الدعوة، ومعهم أوائل أمراء هذه الدولة، فلقد قاتلوا في سبيل الله أناساً معهم اسم الإسلام، وليس معهم حقيقته، فلا يقال: إن محمد بن عبد الوهاب ومن معه حملوا السلاح على المسلمين، فإن هذا ليس بصحيح، وما ذُكر من أنهم فعلوا ذلك فليس له صحة، وكذلك ما ذكر من أنهم يكفرون كل من على وجه الأرض ليس له صحة، كما قال بعضهم: إن الشيخ محمداً يعم المسلمين جميعهم بالكفر، فنقول: هذا ليس بصحيح، وقد عابهم بهذا بعض أعدائهم حيث يقول في قصيدة له: وإنما تجاريك في سفك الدماء ليس بالقصد وتكفير أهل الأرض لست أقوله ولكن يقال: لم يتجار في سفك دماء المسلمين، وإنما في سفك دماء المشركين الذين شركهم صريح واضح، فإذا عُرف أن هذه الطائفة من المشركين الذين يدعون غير الله تعالى فلن ينفعهم تشهدهم، ولن ينفعهم انتسابهم إلى الإسلام ما دام أنهم يخالفونه مخالفةً صريحة. ولا شك أنه يلحق بهم كل من حُكم بكفرهم، فإذا قُوتلوا فقتالهم قتالٌ في سبيل الله، وليس قتالاً لأجل منصب أو نحو ذلك، كقتال المحاربين وقتال البغاة، وقتال قطاع الطريق، وقتال المتعصبين ونحوهم، وإنما الذين يقاتلون المشركين لأجل شركهم فهؤلاء يقاتلون في سبيل الله.

стр. 1053

شرح حديث: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، لا شك أن الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله، ولنشر الإسلام ولإظهار الدين، ولإظهار محاسنه، فهو في سبيل الله، وأما الذي يقاتل حميةً لقومه، كأن يقول: أقاتل حتى أحمي قومي من الذل، فهذا ليس له أجر ولو كانوا مسلمين؛ لأنه لم يقاتل لإعلاء الدين. وكذلك الذي يقاتل تعصباً لطائفة على طائفة ليس له أجر القتال في سبيل الله، وكذلك الذي يقاتل رياءً ليُرى مكانه؛ حتى يمدحه الناس بأنه من أهل النجدة، ومن أهل الشجاعة، ومن أهل الجرأة، وأنه مقدامٌ وأنه إلخ، فهذا أيضاً ليس له أجر على قتاله؛ حيث إنه ما أراد بذلك الدار الآخرة. وكذلك الذي يقاتل لأجل أن يحصل على جزء من الغنيمة من المال الذي يحصل عليه المجاهدون، فهذا أيضاً أجره ما يحصل له وما يظفر به من هذه الغنيمة، بخلاف الذي يقاتل لأجل أن يعلى الإسلام، ويظهر دين الله، وتعلو كلمة الله، ويذل الكفر وأهله، ويضطهد الكفر والكافرون، ويزول عن المسلمين ما هم فيه من الذل والهوان، والضعف والاضطهاد. فمثل هؤلاء إذا قاتلوا هذا القتال فإن الله تعالى يثيبهم وينصرهم ويرفع معنوياتهم ويعزهم، وقد وعد الله تعالى بذلك بقوله: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧] ، فهؤلاء حقاً هم الذين نصروا الله، وهم الذين ينصرهم الله.

стр. 1054

شرح عمدة الأحكام [٨٠] رغبت الشريعة في عتق الرقيق، وفتحت أبواباً كثيرة لتحريرهم، ومن تلك الأبواب: النذور، والكفارات، والكتابة، والترغيب في عتقهم ابتغاء وجه الله، وأحكام العتق كثيرة قد بينها الفقهاء ﵏.

стр. 1055

أحكام الرق والعتق قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب العتق. عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أعتق شركاً له في عبدٍ فكان له مالٌ يبلغ ثمن العبد قُوم عليه قيمة عدلٍ فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) . وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أعتق شقصاً له من مملوك فعليه خلاصه كله من ماله، فإن لم يكن له مالٌ قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعي العبد غير مشقوق عليه) ] .

стр. 1056

تعريف الرق وبيان سببه العتق: تحرير الرقاب، وإزالة الرق عنها، والرق: عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، أي: أن الكفار لما خرجوا من العبودية لله تعالى، وصاروا يعبدون غيره؛ سلط الله المسلمين عليهم، فاستولوا عليهم بالقتال، فلما استولوا عليهم ملكوا رقابهم، وجعلوهم أرقاء لهم، يتصرفون فيهم كما يتصرفون في سائر أموالهم، فيكون الرقيق مملوكاً لمن استولى عليه، يملك منافعه، ويسخره فيما يريد، ويملك كسبه، ويملك أمره ونهيه، ولا يجوز له أن يتصرف إلا بإذن سيده الذي يملكه، حتى قال النبي ﷺ : (أيما عبدٍ تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر) أي: زانٍ حيث إنه ليس له أن يزوج نفسه، ولو كان آدمياً وبشراً سوياً عاقلاً؛ وذلك لأن سيده يملك عليه منافعه، فليس له أن يتصرف بشيء يشغله عن استخدام سيده له، فسيده يستخدمه سواءً في خدمة نفسه، أو في حرثه، أو في ماشيته، أو في تجارته، أو في صناعته، أو إذا استغنى عنه مكنه من التكسب وجعل كسبه له، بشرط أن يكون كسبه من حلال، فدل على أن هذا مما ملكه الإسلام لهؤلاء. هذا هو أصل الرق، ولما كان هذا أصله؛ فإن الرقيق الذي يملكه المسلمون وهو كافر ثم يسلم بعد ذلك يبقى بعد إسلامه مملوكاً؛ لأن هذا الذي ملكه قد يكون بذل فيه واشتراه بماله، ولما اشتراه بماله وأسلم بعد ذلك، فإسلامه لا يسقط حق الآدمي؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحاة والمضايقة، ولهذا يبقى ملكه ورقه بيد سيده بعد الإسلام. ولكن الشرع الشريف جاء بالترغيب في الإعتاق بوجوهٍ متعددة: أولاً: جعل العتق من الكفارات؛ حيث جعل الله في كفارة القتل الخطأ تحرير رقبةٍ مؤمنة، وكذلك جعل في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] ، وكذلك في كفارة اليمين في قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩] يعني: عتقها حتى تكون حرةً لتكون كفارة لهذا الذنب الذي اقترفه، وذلك دليلٌ على أن العتق فيه أجر كبير؛ حيث إنه يكفر قتل النفس، ويكفر الظهار الذي هو منكر من القول والزور، ويكفر الأيمان والنذور. والشرع عندما جعله من المكفرات يهدف إلى تحرير الرقاب حتى يزول عنها الرق؛ وذلك لأنه إذا أصبح حراً صار مكلفاً بما يكلف به الأحرار، فيجب عليه الجهاد إذا تعين، ويجب عليه الحج، وتجب عليه صلاة الجمعة، وصلاة العيد، وقد كانت ساقطة عنه عندما كان مملوكاً؛ لأن فعلها قد يفوت على سيده بعض المنافع، ونحو ذلك مما لا يجب عليه إذا كان رقيقاً، فالشرع يتشوف إلى إزالة الرق؛ حيث جعل الكفارات بالعتق الذي هو التحرير. ثانياً: ورد في الحديث: (من مثل بعبده فقد عتق عليه) ، (من مثل به) أي: من قطع منه إصبعاً أو جرحه في وجهه مثلاً، أو ضربه وأساء إليه، فكفارة ذلك أن يعتقه جزاءً له على اعتدائه على هذا المملوك. وفي بعض الأحاديث: (أن النبي ﷺ رأى رجلاً من أصحابه وهو يضرب عبداً له، فقال: اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، فقال أبو مسعود: هو حرٌ لوجه الله، فقال النبي ﷺ : لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار) أي: جعل ضربه له ذنباً، وجعل كفارته كونه حرره وأزال الرق عنه، مما يدل على أن الشرع يتشوف لإزالة الرق عن الرقاب. ثالثاً: ورد أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: (من أعتق شقصاً له في عبدٍ فإن عليه أن يخلص ذلك العبد) ، ولو كان لا يملك إلا سدسه أو عشره، فإذا أعتق ذلك الجزء كلف وقيل له: عليك أن تشتري بقية العبد من مالكه وتعتقه، ولا تجعله مبعضاً حتى لا يتضرر؛ لأنه إذا كان بعضه حراً وبعضه مملوكاً تضرر بذلك، فهذا دليلٌ على تشوف الشرع إلى إزالة الرق عن الرقاب، والحرص على أن تبقى محررةً حتى يتمكن الحر مما يتمكن منه سائر المكلفين. رابعاً: ورد الثواب والأجر الكبير في فضل العتق، حتى قال النبي ﷺ : (أيما رجل أعتق عبداً مسلماً أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار، حتى فرجه بفرجه) أي: أنك إذا أعتقت هذا العبد الذي كان مملوكاً فإنك تستحق أن يعتقك الله بسبب تحريرك له، فينجيك من النار، فيعتق الله بكل عضو من المعتق عضواً من معتقه. وهذا تعظيم في فضل العتق، وهناك أحاديث كثيرة تدل على فضل العتق، وفضل إزالة الرق عن الرقاب وفضل أفضلها، ففي الحديثٍ أنه: (سئل ﷺ عن أفضل الرقاب عتقاً؟ فقال: أنفسها وأغلاها ثمناً) أي: من أراد أن يكون الأجر له أكثر فإنه يعتق من هو أكثر ثمناً، ومن هو أكثر نفعاً. واستحبوا العتق إذا كان ذلك العتيق يقدر على أن يغني نفسه، وأن يقوم بشأنه، وأما إذا كان لا يقوم بشأنه ولا يغني نفسه فإن الأولى له أن يبقى رقيقاً عند سيده حتى يتكفل به، وحتى يقوم بأمره وينفق عليه، ويطعمه ويكسوه، ونحو ذلك؛ لأن عتقه قد يصير وبالاً عليه؛ حيث إنه لا منفعة فيه، ولا خير فيه لنفسه. وعلى كل حال نعرف بذلك أنه كما أن الله تعالى أباح الرق فقد رغَّب في العتق، وجعل فيه ثواباً جزيلاً؛ حتى يزول هذا الرق أو يخف أمره. وأما سببه فهو: أن الكفار عبيدٌ للشيطان، ولما كانوا عبيداً للشيطان في حالة كفرهم استولى عليهم المسلمون، فجعلوهم عبيداً لهم، فقالوا: بدل ما أنتم عبيدٌ للشيطان عبودية معنوية نجعلكم عبيداً لنا -أرقاء- عبوديةً ظاهرةً جلية، فتصيرون في ملكيتنا، وتحت تصرفنا.

стр. 1057

مشروعية الرق الأصل في الرق أنهم كانوا إذا قاتلوا المشركين واستولوا على ذراريهم، واستولوا على نسائهم، ملكوا الذراري والنساء، وسموا ذلك سبياً، فيقال: سبينا منهم كذا وكذا امرأةً، وكذا وكذا صبياً، ونحو ذلك. ومن ذلك قصة بني قريظة، لما نقضوا العهد، وتعاونوا مع قريش وغطفان الذين جاءوا أحزاباً، فلما انصرفت الأحزاب حاصرهم النبي ﷺ ، وحكم فيهم سعد بن معاذ: أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، فكانوا يقتلون الرجال البالغين، وكانوا ينظرون من أنبت الشعر منهم فهو دليل على بلوغه فيقتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، وجعل مع السبي، فصاروا سبياً، أي: مماليك. وكذلك لما فتح النبي ﷺ خيبر قتل من قتل منهم، واستولى على النساء وعلى الذرية، وأصبحوا مماليك، وكان من جملتهم صفية التي اصطفاها لنفسه وتزوجها، وجعل عتقها صداقاً لها، فأصبحت من أمهات المؤمنين. ومن ذلك أيضاً قصة بني المصطلق لما أغار عليهم وهم غارون، فقتل من قتل منهم، وهرب رجالهم، واستولى على أموالهم وعلى نسائهم وذراريهم وأصبحوا مماليك، وكان من جملتهم جويرية بنت الحارث التي كانت في سهم بعض الأنصار، فكاتبته؛ لأنها كانت بنتاً لسيد بني المصطلق، فجاءت إلى النبي ﷺ تستعينه بكتابتها، فدفع عنها ثمنها وتزوجها، ولما تزوجها أعتق المسلمون جميع بني المصطلق وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فأعتق بسببها مائة بيتٍ. فهذه أمثلةٌ من الكفار الذي كان ﷺ يقاتلهم ويسبيهم، وهذا دليل على أنه كان يسبي حتى العرب؛ لأن بني المصطلق من العرب، ومع ذلك سباهم واستباح ذراريهم. ومن ذلك أيضاً قصة هوازن: لما أنهم تقاتلوا مع النبي ﷺ في حنين ثم انهزموا، استولى على أموالهم وعلى ذراريهم وعلى نسائهم، فقسم ﷺ الأموال، وقسم النساء والذرية بين الغانمين، ولكن بعد مدةٍ جاء أهل هوازن مسلمين وقالوا: رد علينا ما أخذت، فخيرهم وقال لهم: اختاروا إما السبي وإما المال، فاختاروا السبي -الذي هو النساء والذرية- فرده ﷺ عليهم.

стр. 1058

بيان الوقت الذي انقطع فيه الرق وسبب ذلك لما بدأ الصحابة في قتال فارس والروم، وفي قتال البربر والترك ونحوهم كثر السبي عند المسلمين، وكثر الرق، وصاروا يسترقون كثيراً حتى أصبح في كل بيت عددٌ من الأرقاء المملوكين، ولذلك تجد بعض الفقهاء يضربون المثل كثيراً بالرق وبشراء الرقيق وما أشبه ذلك مما يدل على كثرته، ولم يزل الرق موجوداً إلى سنة ست وثمانين من القرن الرابع عشر، ثم رأت الحكومة أن الجهاد منقطع منذ زمن طويل، وأن هؤلاء المماليك يغلب أنهم منتهبون من البلاد التي تلي بلاد العرب من أفريقيا ونحوها، فرأى الملك ﵀ أن يُحرروا كلهم، وأن يُمنع الاسترقاق إلا أن يحصل قتالٌ شرعي فيما بعد، فإذا حصل فيه سبيٌ وكان سبياً صحيحاً فإنه يعود الرق إلى ما كان عليه.

стр. 1059

أحكام المبعض حديثا الباب يظهر أن بينهما شيئاً من الاختلاف، فإن في حديث ابن عمر أن العبد يبقى مبعضاً، وفي حديث أبي هريرة أنه يستسعى. وصورة حديث ابن عمر: إن كان العبد بين زيد وعمرو نصفين، فأعتق زيدٌ نصفه، وبقي نصف عمرو، فنقول لزيد: أنت أضررت بهذا العبد الذي جعلت نصفه حراً، ونصفه رقيقاً، ولأنك أنت السبب في ذلك فعليك أن تشتري النصف الباقي وتعتقه، وتعطي شريكك قيمة ذلك النصف، وأما قيمته فتعرض على أهل المعرفة، ويقال لهم: كم قيمة نصف هذا العبد؟ فيقومون قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ولا زيادة ولا نقصان، فإذا قوم وعرف قدره قلنا لزيدٍ: عليك أن تدفع لعمرو نصف ثمن العبد حتى يعتق العبد، ويكون كله عتيقاً بسببك، وأنت الذي تحوز الأجر، وأنت الذي يكون لك ولاء هذا العبد؛ فإن الولاء لمن أعتق. فإذا قال: أنا فقير وليس عندي ما أستطيع أن أشتري به النصف الثاني -سواء كان الباقي نصفاً أو أكثر من النصف أو أقل من النصف- فماذا نفعل بهذا العبد الذي أصبح بعضه حراً وبعضه عبداً؟! في حديث ابن عمر أنه يبقى مبعضاً، وعلى هذا يخدم عند عمرو يوماً، ويخدم لنفسه يوماً، ويقال له: لك يوم تتكسب فيه وتنفق به على نفسك، ولك -يا عمرو- يوم يخدمك فيه، ويشتغل عندك، ويكون كسبه لك، والمبعض مذكورٌ في كتب الفقه كثيراً، وكيف يُعامل، وكيف يُعمل معه. هذا هو مقتضى حديث ابن عمر أنه يبقى مبعضاً، يشتغل عند هذا يوماً ويشتغل لنفسه يوماً، فإذا كان ما أعتق إلا ربعه، فيشتغل عند سيده ثلاثة أيام، واليوم الرابع يشتغل لنفسه، ويكون حر التصرف فيه، أو يتفقان على مدة، كأن يقول: تشتغل عندي شهراً، وتشتغل لنفسك ثلاثة أشهر، أو تشتغل عندي ثلاثة أشهر ولنفسك شهراً، أي: بقدر ما فيه من الحرية. وذكروا ذلك حتى في المواريث، فقالوا: المبعض يرث ويُورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، هذا ما يدل عليه حديث ابن عمر. أما حديث أبي هريرة فذكر أنه يُستسعى العبد غير مشقوق عليه أي: إذا لم يستطع الذي أعتق نصفه أن يحرره فإنه يُستسعى، ومعنى يُستسعى يقال له: اكتسب لنفسك أعمالاً؛ واشتر نفسك بمنزلة المكاتب الذي يشتري نفسه من سيده بمالٍ مؤجلٍ، ثم يدفع كل شهرٍ أو كل سنة قسطاً حتى يحرر نفسه، ولعل هذا فيما إذا كان قادراً على أن يتكسب، ولا نلزمه بذلك، وهذا هو الجمع بينهما: أنه يستسعى إذا كان معه قدرة على التكسب حتى يخلص نفسه، فإذا لم يستطع التكسب فلا يجبر على الاستسعاء والتكسب، بل يبقى مبعضاً، والله أعلم.

стр. 1060

شرح عمدة الأحكام [٨١] إن الشريعة الإسلامية جاءت بكل ما يحفظ للإنسان كرامته وآدميته، فبالرغم من جواز الرق في الإسلام إلا أنه قيده بقيود تضمن حق الرقيق، وعلاوة على ذلك فقد رغب في إعتاق الرقيق بصور مختلفة، ومن هذه الصور التدبير، وصفته أن يعلق عتق رقبة المملوك على موت مالكه، وفي هذا منفعة للمالك في حياته ومنفعة له بعد مماته بنيل أجر العتق، إضافة إلى المنفعة التي ينالها المملوك بنيل حريته.

стр. 1061

أحكام بيع المدبر قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب بيع المُدَبَّر: وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (دَبَّر رجل من الأنصار غلاماً له) . وفي لفظ: (بلغ النبي ﷺ أن رجلاً من أصحابه أعتق غلاماً له عن دُبُر لم يكن له مال غيره، فباعه بثمانمائة درهم، ثم أرسل بثمنه إليه) ] . هذا باب بيع المُدَبَّر، والمدبر هو: أن يعلق العتق على الموت بأن يقول: إذا مت فهذا العبد حر بعد موتي، أو أعتقته بعد موتي، فيسمى مدبراً؛ لأن هذا المالك دبَّر حياته، يعني: انتفع بالعبد واستخدمه في حياته، وحصل له أجر العتق بعد مماته، فجمع بين كونه دبر حياته ودبر مماته. وعليه فيبقى العبد في ملك سيده، فإذا مات السيد أعتق العبد، ويكون عتقه من رأس المال؛ وذلك لأنه جعل عتقه معلقاً، والمعلق إذا وُجد الشرط الذي عُلق عليه حصل العتق سواءً كان التعليق بأجل أو كان التعليق بصفة، فلو قال مثلاً: إذا بلغ هذا العبد ستين سنة فقد أعتقته، فإنه يعتق بمجرد بلوغه، ولو لم يقل: أنت حر، وإذا قال مثلاً: إذا وُلِد لهذا العبد ثلاثة أو عشرة أولاد فإنه حر أو فإنه عتيق، فمتى تم أولاده ذكوراً وإناثاً عشرةً أعتق، ولو لم يعتقهم وذلك لوجود الشرط، وكذلك لو قال: إذا خدمتني -مثلاً- بعمل كذا بغرس كذا وكذا نخلة، أو بخياطة كذا وكذا ثوباً، أو بعمل كذا وكذا نعلاً، أو ما أشبه ذلك فأنت حر، فيعتبر هذا أيضاً تعليقاً على صفة، فكذلك إذا قال: إذا متُّ فأنت حر، فهذا تعليق للعتق على صفة وهي موت السيد، وكذلك إذا قال: إذا جاء رمضان فأنت حر، أو إذا شفيت من المرض فعبدي حر، أو إذا قدم ولدي الغائب أو وجدت دابتي الضالة فعبدي فلان حر أو فهو عتيق، فإذا حصلت هذه الصفة حصل العتق؛ لأنه علق العتق عليها. فعُرف بذلك أن العتق يكون له أسباب، فمن جملتها هذا السبب الذي هو تعليق العتق على الموت، الذي يسمى التدبير، ومنها الكتابة، وهي مذكورة في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرَاً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] وذلك بأن يشتري العبد نفسه بمال مؤجل، ويقسط هذا المال على أقساط محددة شهرية أو سنوية، فإذا أداها كلها أعتق، فلو كانت قيمته -مثلاً- خمسة آلاف واشترى نفسه بعشرة آلاف يؤدي كل سنة ألفاً، فإذا أدى العشرة آلاف أعتق، ويسمى هذا مكاتباً. كذلك أم الولد وهي التي يستولدها سيدها بأن يطأها فتلد له ولداً قد تبين فيه خلق الإنسان يعني: تلد ولداً حياً أو ميتاً، بشرط أن يكون قد تبين فيه خلق الإنسان إذا ولد ميتاً، فإنها تعتق بعد موته وتخرج من رأس المال، كالمدبر الذي يعتق أيضاً من رأس المال.

стр. 1062

جواز بيع المدبَّر هذا الحديث دليل على جواز بيع المدبر، فإن هذا الرجل من الأنصار ليس له مال إلا هذا العبد، وكان قد أعتقه عن دبر، وذات يوم احتاج فعلم النبي ﷺ بذلك فدعا بالغلام وعرضه للبيع فاشتراه نعيم بن عبد الله بن النحَّام بثمانمائة درهم، فدفعها إلى ذلك الأنصاري وقال: (ابدأ بنفسك فتصدق عليها) يعني: أنت أحق بأن يُتَصَدَّق عليك، فانتفع بهذا المال، وأنفق منه على من تحت يدك من الفقراء ونحوهم من الأولاد المحتاجين، فإنهم أولى بأن تنفق عليهم. وبهذا استدلوا على أن التدبير لا يخرج العبد من الملكية حيث يجوز بيعه، وإذا باعه بطل التدبير، والذي يشتريه يتملكه؛ لأنه اشتراه على أنه عبد، فيبقى مملوكاً له، ولا يعتق لا بموت الأول ولا بموت الثاني، أي: لا بموت المدبر الذي دبره، ولا بموت الذي اشتراه؛ لأنه انتقل من ملك ذلك الذي دبره، فزالت حريته المعلقة وبقي رقيقاً. لكن لو قُدِّر أن الذي دبره اشتراه مرة ثانية أو وُهب له فعادت إليه ملكيته، فإن صفة التدبير تعود إليه، فلو أن هذا الأنصاري أخذ ثمنه ثمانمائة درهم وأنفق منها ما أنفق، ثم وجد عبده يُباع فاشتراه بمائة أو بمائتين فإنه يعود إليه التدبير، بمعنى: أنه إذا مات الأنصاري أعتق عبده، وكذلك لو أن نعيم بن النحام وهبه للأنصاري فقال: وهبتك هذا العبد الذي اشتريته منك -أو اشتريته بواسطة النبي ﷺ ورددته عليك، فإنه يعود إليه وصف التدبير بحيث إذا مات الأنصاري أعتق العبد من رأس المال.

стр. 1063

عدم جواز بيع أم الولد أم الولد لا يجوز بيعها، وهذا هو القول الصحيح؛ وذلك لأنه تعلق عتقها بوجود ذلك الولد أو أولئك الأولاد، فأصبح ولدها مالكاً لجزء منها، ومن ملك بعض أو كل قريبه عتق عليه، وهذا مما أخبر به النبي ﷺ ، ومما يدل على أن الشرع يتشوف للعتق. فأم الولد مملوكة لسيدها، وقد ولدت منه ولداً واحداً أو عدداً من الأولاد، فإذا مات مالكها فإن ولدها يكون قد ملك جزءاً من أمه فتُعتق، والصحيح: أنها تعتق من مال الوالد، أي: من رأس المال، وهناك من يقول: تعتق من نصيب أولادها من الإرث، فيحررونها من نصيبهم، ولكن الصحيح أنها تعتق من رأس المال، حتى لو كان ولدها ميتاً؛ وأنه قد انعقد عتقها بوجود هذا الولد الذي ملك جزءاً من أمه. وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه) يعني: إذا أعتق أباه أو أعتق أمه أو أعتق جده أو جدته فقد جازاهم على حضانتهم وعلى تربيتهم له. وأخبر أيضاً في حديث آخر بقوله ﷺ : (من ملك ذا رحم محرم عتق عليه) ويراد بالرحم: كل من لو كان أنثى لحرمت عليه، فإذا ملكته فإنه يعتق عليك بمجرد الشراء، أو بمجرد الملكية، كأن تكون ملكته بإرث، أو ملكته بشراء، أو بهبة، أو بغنيمة، أو نحو ذلك فإنه يعتق عليك وويدخل في ذلك الأصول: كالأم والجدات كلهن، وكذلك الأب والجد، والجد أبو الأم، والأجداد من كل جهة، ويدخل في ذلك الفروع: كالأبناء والبنات وأولادهم ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا، ويدخل في ذلك الإخوة وبنوهم وإن نزلوا، ويدخل في ذلك الأعمام والأخوال، ولا يدخل ابن العم وابن الخال في ذلك؛ لأنهما ليسا من المحارم.

стр. 1064

الحض على عتق الرقبة المؤمنة من خصائص الشريعة الإسلامية يتشوف الشرع إلى تحرير الرقاب، وإزالة الرق عنها، سيما بعد أن تؤمن وتدخل في الإيمان، ولأجل ذلك اشترط الله في عتق الرقبة من كفارة القتل أن تكون الرقبة مؤمنة، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنَاً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] واشترط الله ذلك تشجيعاً للمؤمن عندما اختار الإيمان ودخل فيه فإن الله تعالى رغب في إعتاقه وإزالة الرق عنه، فكفارة القتل نص الله فيها على أنها لابد أن تكون مؤمنة، وأُلحق بها على وجه القياس كفارة الظهار وكفارة الأيمان وكفارة الوطء في نهار رمضان، حيث يشترط العلماء فيها أن تكون الرقبة مؤمنة. والحاصل: أن هذا ونحوه دليل على أن الشرع كما أباح الرق فإنه جعل هناك أسباباً كثيرة ترغب في تحرير هذه الرقبة التي وقع عليها الرق، حتى تتفرغ لعبادة الله، وتقوم بأداء حقوقه. وكذلك رغَّب المملوك في العمل لله، والعمل لسيده، قال ﷺ : (ثلاثة يؤتَون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بكتابه ثم آمن بهذا القرآن فإنه يؤتى أجره مرتين، ومملوك أدى حق الله وحق سيده -حق الله هو العبادات، وحق سيده هو الخدمة- فإنه يؤتى أجره مرتين، ورجل كان له جارية فعلمها وأدبها ثم أعتقها وتزوجها يؤتى أجره مرتين) . وهذا ونحوه دليل على أن الإسلام لما أباح الرق أمر بمعاملة الأرقاء المعاملة الحسنة، ونهى عن معاملتهم بالشدة والتضييق والأذى، والنبي ﷺ أخبر أن هؤلاء المماليك إخوان لنا، وفي حديث أبي ذر أنه سابَّ رجلاً فعيَّره بأمه التي هي مملوكة وقال: يا ابن السوداء! فقال النبي ﷺ : (أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية، هم إخوانكم خَوَلُكم -يعني: خدم لكم- جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم) فكان بعد ذلك أبو ذر ﵁ يستوي في الكسوة هو وغلامه، فإذا لبس حلة ألبس غلامه حلة، وإذا لبس رداءً ألبس غلامه مثله، وكان يُجلسه إلى جانبه إذا أكل فيأكل هو وإياه سواءً، وما ذاك إلا حرصاً منه على العمل بهذا الحديث. ولما رغَّب النبي ﷺ في العتق كان من جملة ما رغَّب فيه كون الولاء لذلك المعتق لقوله: (الولاء لمن أعتق) وأخبر بأن ذلك العتيق يُلحق بقبيلة المعتِق فيصير منهم، لقوله ﷺ : (مولى القوم منهم) . وقوله: (الولاء لمن أعتق) فيه ترغيب للسيد في أن يعتق غلامه؛ لأنه إذا عرف بأنه إذا أعتقه أصبح ولياً له، وأصبح كأنه من قبيلته، وأصبح معدوداً في أسرته وفي قبيلته، كان ذلك مما يرغِّبه في إعتاقه له. ولهذا يعرف العلماء الولاء فيقولون: الولاء عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بالعتق، فيرثه هو وعصبته المتعصبون بأنفسهم لا بغيرهم، ولا مع غيرهم. ويعرف آخرون الولاء بأنه: لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث، أي: أن مولاك الذي اعتقته يصير مثل ابن عمك، فيواليك وينصرك ويؤازرك ويقوم معك فكأنه أحد أقاربك، ويصبح من الأسرة ومن القبيلة التي أنت منها، وذلك لأنك مننتَ عليه بهذا العتق، فيصبح كأنه واحد من قبيلتك، هذا معنى كون الولاء لمن أعتق. وبكل حال فإن هذه الترغيبات دليل على أن الشرع جاء بكل ما يوافق العقول وما يناسبها، وأنه ليس فيه ما يرميه به أعداؤه من أنه يمكن الإنسان من بيع أخيه الإنسان كما تباع البهيمة، ومن تحكمه فيه، ونحو ذلك مما يقولونه ليشوهوا به صورة الإسلام ما دام أن هذا أصل الرق وهذا منتهاه.

стр. 1065

الأسئلة

стр. 1066

حكم شهادة المرء للتعريف بأشخاص لا يعرفهم السؤال فضيلة الشيخ، شهدت مع أحد الناس في الأحوال المدنية لإخراج هوية له وأنا لا أعرفه، فما حكم هذه الشهادة، مع العلم أنه يكثر في المحاكم شهادة أناس لآخرين من غير أن يعرف بعضهم بعضاً لاستخراج صك وكالة أو غيرها من الأمور التي لابد فيها من شاهدَين؟ الجواب قد يُتسامح في مثل ذلك إذا عرفتَ صدقه، ورأيت -مثلاً- هويته أو بطاقة الأحوال الشخصية الخاصة به، وعرفت من سيماه أنه لا يتعمد كذباً، وعرفت أن مثل هذه الشهادات لا يترتب عليها ظلم لأحد، أو أخذ مال من هذا لهذا، وإنما هي استخراج ملكية أو بطاقة شخصية أو حفيظة نفوس أو ما أشبه ذلك، فكل ذلك لا بأس به؛ ولكن بعد أن تتثبت أنه من أهل الصدق.

стр. 1067

منع الأبناء من الذهاب إلى المسجد خشية اختلاطهم برفقة سيئة السؤال هذه امرأة تقول: إن لها صبيين صغيرين، الأول: عمره ثلاث عشرة سنة، والثاني: عمره ثمان سنوات، وهما يخرجان إلى الصلاة؛ ولكن أثناء ذهابهما وإيابهما من المسجد يختلطان ببعض أبناء الحي، فيتعلمان منهم بعض الحركات والعبارات البذيئة ونحو ذلك، تقول: فهل أدعهما يخرجان إلى المسجد أو الأولى أن أجعلهما يصليان في البيت، علماً بأن والدهما متوفى، وليس هناك من يراقبهما؟ الجواب ما داما في هذه السن فينبغي المحافظة عليهما؛ ولكن يكون ذلك بالتربية والتنشئة والتعليم، وليس ذلك بحبسهما في المنزل، وعليها وعلى جيرانها الصالحين أن يراعوهما ويراقبوهما، وأن يحفظوهما من خلطاء السوء الذين يفسدون أو يلقنون العبارات السيئة، أو يهمزون ويعيبون أو يدعون إلى شر وفساد، أو يوقعونهما في مفسدة كشرب دخان أو ما أشبه ذلك، فإذا تحققوا من ذلك فلا يضرهما إن شاء الله الذهاب إلى المساجد.

стр. 1068

ترتيب آيات القرآن توقيفي وترتيب سوره اجتهادي السؤال هل ترتيب سور القرآن الكريم وآياته كما هو في المصحف الآن توقيفي عن النبي ﷺ ؟ الجواب ترتيب السور اجتهادي، وأما ترتيب الآيات فلا شك أنه توقيفي، فمثلاً سورة البقرة من أولها إلى آخرها هكذا كانت في عهد النبي ﷺ ، وقد حفظها الصحابة عنه على هذا، كما في حديث حذيفة أنه صلى مع النبي ﷺ فقرأ سورة البقرة، ولا شك أنها على هذا الترتيب، ثم قرأ بعدها سورة النساء، ولا شك أنها على هذا الترتيب، ثم قرأ بعدها سورة آل عمران، ولا شك أنها على هذا الترتيب، وكذلك قرأ ابن مسعود من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:٤١] ولا شك أنها على هذا الترتيب، وهكذا بقية السور. فالآيات ترتيبها توقيفي، فكان النبي ﷺ إذا نزلت آية قال لأصحابه: (اجعلوها في موضع كذا من سورة كذا) فتُجعل في موضعها. وأما السور فقد رُوي أن بعض الصحابة كانوا يقدمون بعض السور على بعض؛ ولكن اتفقت كلمتهم على ترتيبها على هذا الترتيب الموجود، ولو كان عن طريق الاجتهاد. وآخرون يقولون: إنه لابد أن يكون عندهم تعليم من النبي ﷺ بترتيب السور.

стр. 1069

صفة الطهارة لمن يخرج منه دم يسير لإصابته بالبواسير السؤال رجل أصيب بمرض البواسير ويخرج منه دم يسير، هل حكمه حكم من به سلس البول؟ الجواب نعم؛ لأنه لا يتحكم فيه ولا يقدر على إمساكه، فإذا علم أنه مستمر الخروج ولا يتوقف فهو كصاحب سلس البول، ويتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها.

стр. 1070

حكم زواج الرجل من امرأة رضع إخوته من أمها السؤال امرأة أرضعت ثلاثة من أولاد أخي زوجها، ولديها بنت، ويريد أحد أولاد أخي زوجها أن يتزوجها، مع العلم بأن هذا الشخص لم ترضعه المرأة، بل هو سوى الثلاثة الذين أرضعتهم، فهل تحل هذه الفتاة لابن عمها؟ الجواب تحل له، ولا يضره رضاع إخوته إذا كان هو لم يرضع من أم هذه الجارية، والجارية ما رضعت من أمه، إنما إخوته رضعوا من أمها، فإخوته يصيرون إخوة لها، وأما هو فلا تعمه الأخوة، وهو لم يرتضع.

стр. 1071

التحذير من التهاون في رفع الطعام المتساقط بين يدي آكله السؤال ما حكم ما يحصل عند كثير من الناس على موائدهم من إسقاط كثير من الطعام على الأرض عند الأكل، وخاصةً في الولائم؟ وهل يدخل ذلك في أمر رسول الله ﷺ لمن سقطت لقمته أن يُبعد الأذى منها ويأكلها ولا يدعها للشيطان؟ وهل ننكر ذلك عليهم؟ الجواب لا شك أن هذا داخل في الوعيد، وأنه مما يُنتبه له ومما يُنكر، ومثل هذا يحصل كثيراً وبالأخص من الشباب أو الصغار الذي لا يبالون بما يقع على السماط ونحوه من اللحوم والأكل دون أن يأكلوها، فيتساقط منهم شيء كثير بحيث لو جُمع لكان غذاءً لعدة أشخاص، والنبي ﷺ قال: (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليُمط ما فيها من الأذى -وظاهره أنها تقع على التراب فيعلق بها- وليأكلها ولا يدعها للشيطان) وكذلك كان يأمر بلعق الصحفة التي يكون فيها الطعام، ويأمر بلعق الأصابع، ويقول: (إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) فيُنتبه لمثل هذا.

стр. 1072

حكم أكل لحوم البغال السؤال إذا كانت الحُمُر محرمة والخيل مباحة فما حكم البغال التي هي خليط بين الحُمُر والخيل؟ الجواب الحكم فيها بالحرمة تغليباً لجانب التحريم؛ لأن كل شيء متولد من حلال وحرام فإنه يغلب فيه جانب التحريم لحديث: (من اتقى الشبهات) لأنه مشتبه، فالبغل متولد من الحمار والخيل، ولما كان أحد أبويه حلالاً والآخر حراماً غلَّبنا فيه جانب الحرام.

стр. 1073

الاعتقاد بأن الجن تخاف الذئاب، وحكم إحضاره بين يدي الراقي السؤال هناك بعض القراء الذي يرقون الناس، يضعون في مكان القراءة أو قريباً منه ذئباً، ويزعمون أنه يخيف الجن، ويعتقدون ذلك، فهل هذا العمل جائز شرعاً؟ الجواب ما أذكر في ذلك شيئاً أو دليلاً واضحاً؛ ولكن إذا كان قد جُرِّب فالأمر تبع للتجربة، وأما القراء المشهورون فما أذكر أنهم جربوا شيئاً من ذلك. وعلى كل حال فالاقتصار على قراءة القرآن وقراءة الأدعية النبوية فيه الكفاية إن شاء الله.

стр. 1074

أحكام الجمع والقصر في الصلاة لا تبدأ إلا بعد الشروع في السفر السؤال إنسان نوى السفر ودخل عليه وقت صلاة الظهر وهو ما زال داخل المدينة لم يشرع في السفر، هل يجوز له جمع الظهر والعصر معاً أم أنه ينتظر حتى يشرع في السفر؟ الجواب ينتظر حتى يشرع؛ لأنه ما دام في البلد فلا يجوز له القصر، ولا يُشرع له القصر إلَّا إذا فارق البلاد العامرة، وما دام أنه دخل عليه وقت الظهر وهو في البلد فإنها تجب عليه كاملة، ولا يجوز له قصرها، إنما يجوز القصر بعدما يخرج، فما دام أنها وجبت عليه ودخل الوقت وسمع المؤذن فلابد أن يصليها أربعاً، سواء قبل الخروج أو بعده.

стр. 1075

لا استفتاح في صلاة الجنازة السؤال هل يستفتح لصلاة الجنازة بدعاء الاستفتاح؟ الجواب ليس فيها استفتاح، إنما بعد الاستعاذة والبسملة يقرأ الفاتحة.

стр. 1076

حكم استقبال جدار الحمام إذا كان بين القبلة وبين المصلي السؤال ما حكم الصلاة في الغرف التي قبلتها جدار الحمام، بحيث يصلي المصلي في موضع ويكون أمامه جدار حمام؟ الجواب إذا كان دونها حواجز منيعة فلا مانع، يعني: ما دام أن بين المصلي وبين دورات المياه حواجز من حيطان فلا مانع حتى لو كانت بينه وبين القبلة، كما أنه لا مانع من أن يصلي فوق البيَّارات التي قد صُب فوقها صبات مغطية لها ومحكمة لها، وبينه وبينها فُرُش وحواجز، فمثل هذا لا مانع من الصلاة فوقها إن شاء الله.

стр. 1077

حكم لبس القبعة (البرنيطة) للوقاية من الشمس السؤال ما حكم لبس القبعة التي تكون على هيئة (البرنيطة) وذلك للوقاية من الشمس؟ وهل لبسها يعد تشبُّهاً؟ الجواب الظاهر أنها من العادات، وأنها من الأغطية التي تُلبس عادةً، فإذا كان فيها منفعة مثل أنها تقي من الشمس فلا مانع من لبسها، ولا يكون فيه تشبه، وإذا لم يكن له قصد في لبسها إلا التشبه أو الشهرة أو التزيّن فيُنهى عنها لهذا القصد.

стр. 1078

زكاة المال إذا كان عند معسر أو مماطل السؤال لدي بعض المال أدنته لبعض الأشخاص، ومنهم الفقير الذي لا يستطيع السداد، ومنهم الغني المماطل الذي لا أمل في رده للمال، هل تجب علي في هذه الأموال زكاة؟ الجواب الدين الذي في ذمة من هو قادر على الوفاء يُزكَّى؛ لأنه بمنزلة الأمانة عنده، ويقدر صاحبه أن يأخذه ويتحصل عليه متى طلبه، وأما الدَّين الذي عند معسر أو مماطل ولو كان غنياً، فإن صاحبه لا يقدر على الحصول عليه ولو طالبه ثم طالبه، قد يدعي الإعسار ويدعي العُدْم ويدعي الفقر، فمثل هذا المال كالمعدوم، فلا زكاة عليه إلا إذا قبضه، واختُلف في زكاته بعد القبض، فقيل: يزكي عن السنوات كلها إلى ألَّا يبقى إلَّا أقل من النصاب؛ ولكن هذا فيه شيء من الضرر، والأقرب أنه يزكيه عن السنة الواحدة ولو بقي عشرات السنين.

стр. 1079

حكم الجمع والقصر في حق من فعل ذلك في مطار بلده السؤال شخص كان يريد السفر فذهب إلى المطار ثم بعد أن نوى في نفسه الجمع بين المغرب والعشاء وجد معه متسع من الوقت لأداء صلاة العشاء، فما الحكم؟ وهل لعقد نية الجمع أثر في صلاته؟ الجواب نرى أن مطار الرياض تابع للرياض وأنه لا يجوز له -والحال هذه- أن يجمع بين المغرب والعشاء ولا أن يقصر حتى يفارق البلد، وما دام في المطار فإنه في حكم المقيم؛ لأنه تابع للبلد.

стр. 1080

حكم أكل اللحوم المستوردة التي يشك في صحة ذبحها على الطريقة الإسلامية السؤال يأتينا دجاج مستورد مكتوب عليه: ذُبح على الطريقة الإسلامية، وهو من بلاد كافرة، ومن هذه البلاد من لا يذبح على هذه الطريقة على الحقيقة كما نقل إلينا، فهل يجوز أكله أم لا؟ الجواب ننصح بعدم أكله، وإن كنا لا نجزم بحرمته؛ لكن القرائن ترجح أنه لم يُذبح ذبحاً شرعياً؛ لأن القصد من الذبح قطع الحلقوم والمريء حتى يخرج الدم، وحتى يصفو اللحم إذا خرج ذلك الدم منه، والغالب أن أولئك الذين يبيعونه يحرصون على أنه لا يخرج دمه؛ لأنه يأتيهم بهذا الدم زيادة ثمن، يعني: الدجاجة إذا وُزنت ودمها فيها زاد وزنها، ولو قيراطاً أو أقل قليلاً؛ ولكن يجتمع من ذلك الشيء الكثير؛ لأنهم إذا باعوا مثلاً مائة ألف أو ألف ألف دجاجة، وكان في كل دجاجة زيادة وزن بمقدار جرامين أو نحوهما بهذا الدم، حصل لهم مبالغ كثيرة بهذا الدم، يعني: يزيد في وزنها، فهم -فيما سمعنا- يحرصون على ألَّا يخرج دمها، وسمعنا أنهم يغمسونها وهي حية في ماء حار حتى ينضج جلدها ثم بعد ذلك تموت، وإذا ماتت مرت على ماكينة تضربها حتى يتساقط الريش، وماكينة أخرى تقطع الرأس، ومثل هذا دليل على أنها ماتت ولم يقطع الرأس إلَّا بعدما ماتت. فأنا أنصح بالاقتصار على الدجاج الوطني الذي تُحُقِّق إن شاء الله أنه قد صُفِّي دمه، وأن هؤلاء الذين يقولون: إنها ذبحت على الطريقة الإسلامية مشكوك فيهم؛ لكن بعضهم كما ذكروا أنه يرسل من يتأكد من ذبحها فيتأكدون تأكداً واضحاً كما ذكر عن (شركة المنَّجِّم) أنه يرسل إلى هناك من يذبح أو يشرف على الذبح، وإذا تؤكد ذلك فلا مانع من الأكل إن شاء الله.

стр. 1081

حكم القول: إن من السنة عدم أكل الضب السؤال هل يقال: إن من السنة عدم أكل الضب؟ الجواب لا يقال ذلك، ما دام أن النبي ﷺ أقره وأُكل على مائدته، وما دام أنه من الطيبات، إنما كرهه لأن نفسه لا تطمئن إلى شيء لم تتعود عليه.

стр. 1082

حكم أكل لحم اليربوع السؤال هل يجوز أكل الحيوان الذي يشبه شكله الفأر؛ ولكنه يأكل النباتات مثل العلف، ولعل المقصود به هو اليربوع؟ الجواب لا مانع من أكله، فاليربوع دابة معروفة يحتفر في البر ويتوالد، وهو مما تستطيبه العرب، وقد أباحوه، وذكروا فيه فدية إذا قتله المحرم، مما يدل على أنه من الصيد، وكذلك أيضاً جعلوه من الطيبات ولو كان شبيهاً بالفأر؛ لكن الفأر ورد أنه نجس، ومفسد وجُعلت الفأرة من الخمس الفواسق، وأُمر بقتلها في الحل والحرم، فدل على تحريمها، وأما اليربوع فلا مانع من أكله.

стр. 1083

حكم قتل الجراد السؤال ورد حديث عند الطبراني وصححه الألباني قوله ﷺ : (لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم!) فما رأيكم؟ الجواب لا أدري ما مدى صحة هذا الحديث فهو مشكوك فيه! والنبي ﷺ قد أقر الصحابة على صيده وعلى أكله في الحديث الذي في الصحيحين عن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد) .